وهو الوقت الذي يَجتمع فيه الحجاج كلَّ سنة، كأنه وُسِم بذلك الوسم، وهو مَفْعِلٌ منه، اسم للزمان؛ لأنه مَعْلَمٌ لهم، يقال: وَسَمَه يَسِمُهُ سِمَةً، ووَسْمًا: إذا أثّر فيه بِكَيّ، قاله ابن الأثير ﵀ (١).
وقال الأبيّ ﵀: كان احتراق البيت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، والموسم هي أيام الحجّ، والتأخير إنما هو فيما بين الزمانين. انتهى.
(يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ، أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ) "أو" للشكّ من الراوي، قال النوويّ ﵀: أما الحرف الأول فهو "يُجَرِّئُهُمْ" -بالجيم، والراء، بعدها همزة- من الجراءة؛ أي: يُشَجِّعهم على قتالهم بإظهار قبح فِعالهم، هذا هو المشهور في ضبطه، قال القاضي عياض ﵀: ورواه العذريّ: "يُجَرِّبُهُمْ" -بالجيم، والباء الموحدة- ومعناه: يختبرهم، وينظر ما عندهم في ذلك من حَمِيَّة، وغضب لله تعالى ولبيته.
وأما الثاني، وهو قوله: "أو يُحَرِّبُهُمْ" فهو بالحاء المهملة، والراء، والباء الموحدة، وأوله مضموم، ومعناه: يُغيظهم بما يرونه قد فُعل بالبيت، من قولهم: حَرَّبتُ الأسدَ: إذا أغضبته.
قال القاضي: وقد يكون معناه: يَحْمِلهم على الحرب، ويُحَرِّضهم عليها، ويؤكد عزائمهم لذلك، قال: ورواه آخرون: "يُحَزِّبُهم" بالحاء والزاي: يَشُدّ قوتهم، ويُميلهم إليه، ويَجعلهم حِزبًا له، وناصرين له على مخالفيه، وحِزْبُ الرجل من مال إليه، وتحازب القوم: تمالئوا. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الأول من الجرأة، وهي الشجاعة، والثاني من التحزيب، وهو التجميع، هكذا لابن سعيد، والفارسيّ، وغيرهما، ومعنى ذلك أنه أراد أن يُشجّعهم، أو يُجمّعهم على أهل الشام بإظهار قبح أفعالهم في الكعبة، وروى الْعذريّ الحرف الأول "يُجَرّبهم" -بالباء الموحّدة- من التجربة؛ أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولبيته، وقيّد كافّتهم الحرف الثاني "يُحرّبهم" - (٣) بالحاء، والراء المهملتين، والباء الموحّدة- من التحريب، وهو
стр. 14422
التغضيب، يقال: حَرّبتُ الأسدَ، وأسدٌ مُحَرَّبٌ؛ أي: أغضبته، فهو مُغْضَبٌ. انتهى (١).
(فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ) أي: رجعوا من الحجّ إلى بلدانهم، وقال الأبيّ: قوله: "فلما صدر الناس" يعني انصرفوا عن الموسم، قال ذلك لأهل مكة، ويَحْتَمِل أن يعني: انصرف رعاع الناس، وبقي خواصّ أهل الموسك. انتهى.
(قَالَ) ابن الزبير ﵁ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ) يقال: أشار عليّ بكذا: إذا أراه ما عنده فيه من المصلحة (٢). (أَنْقُضُهَا) وفي بعض النسخ: "أأنقضها" بهمزتين، الأولى للاستفهام (ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا) أي: أبنيها بناء جديدًا (أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟) أي: ضعُف، يقال: وَهَى الحائط وَهْيًا، من باب وَعَدَ: ضَعُفَ، واستَرْخَى، وكذلك الثوب، والْقِرْبةُ، والْحَبْلُ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أوهيته، ووَهَى الشئُ: إذا ضَعُفَ، أو سقط، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣).
وفيه دليل لاستحباب مشاورة الإمام أهل الفضل والمعرفة في الأمور المهمة.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا) -بضم الفاء، وكسر الراء-؛ أي: انكشَف، واتّضَح لي، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٦]؛ أي: أوضحناه، وبَيّناه، وكشفنا معانيه، قال النوويّ ﵀: هذا هو الصواب في ضبط هذه اللفظة، ومعناها، وهكذا ضبطه القاضي عياض، والمحققون، وقد جعله الحميديّ صاحب "الجمع بين الصحيحين" في كتابه "غريب الصحيحين": فَرِقَ بفتح الفاء: بمعنى خاف، وأنكروه عليه، وغَلَّطوا الحميديّ في ضبطه، وتفسيره. انتهى (٤).
(أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ) أي: تترك (بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) ﷺ (لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ) هكذا هو في أكثر النسخ: "يُجِدَّه"
стр. 14423
-بضم الياء، وبدال واحدة- وفي كثير منها: "يُجَدِّده" بدالين، وهما بمعنى (١).
قال الأبيّ ﵀: قوله: "لو كان أحدكم احترق بيته … إلخ" لا تتم هذه الحجة بذاتها؛ لأنه يردّه ما ذَكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد، وإنما تتمّ بانضمامها إلى حديث عائشة ﵂. انتهى (٢).
(فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إِنَّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا) أي: طالب، وداعٍ ربّي أن يختار لي ما هو خير في هذا الأمر ثلاث مرّات (ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي) يقال: عزم على الشيء، وعَزَمه عَزْمًا، من باب ضرب: عَقَدَ ضميره على فعله (٣). (فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ) أي: الليالي الثلاث (أَجْمَعَ رَأْيَهُ) أي: عزمه، يقال: أجمعتُ المسيرَ والأمرَ، وأجمعتُ عليه، يتعدّى بنفسه، وبالحرف: إذا عزم عليه (٤)، وقال القرطبيّ: "أجمع رأيه" رباعيًّا: عزم، وأمضى، فأما جَمَعَ ثلاثيًّا: فضدّ التفريق. انتهى (٥). (عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا) من باب نصر (فَتَحَامَاهُ النَّاسُ) أي: امتنعوا من نقض البيت خوفًا وهيبةً (أَنْ يَنْزِلَ) أي: مخافة النزول (بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ) أي: البيت (أَمْرٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ"ينزل" (مِنَ السَّمَاءِ) المراد به العذاب (حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ) وفي نسخة: "حتى صَعِدَ رجلٌ" (فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه: "تتابعوا" -بياء موحدة قبل العين- وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره القاضي عن رواية الأكثرين، وعن أبي بحر: "تتايعوا" بمثنّاة تحتانيّة بدل الموحّدة، وهو بمعناه، إلا أن أكثر ما يُستعمل بالمثناة في الشرّ خاصّةً، وليس هذا موضعه. انتهى.
وقال ابن عيينة في "جامعه" عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال: "خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثًا، ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم"، وفي رواية أبي أويس: "ثم عَزَل ما كان يصلح أن يعاد في البيت، فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يُبنَى به،
стр. 14424
فأَمر به أن يحفر له في جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحجر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شَقَّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعدما أمعنوا، فنزل عبد الله بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر أمثال الْخَلِف (١) من الإبل، فأنفضوا له؛ أي: حركوا تلك القواعد بالْعُتُلّ، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد الله، وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم وأشرافهم، فنزلوا حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بنيانًا متصلًا، فأشهدهم على ذلك.
وروى عبد الرزاق، من طريق ابن سابط، عن زيد: "أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا الحجر مثل الْخَلِفة، والحجارة مشبكة بعضها ببعض".
وللفاكهي من وجه آخر، عن عطاء: "قال: كنت في الأمناء الذين جُمِعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت، فكبّر الناس، فبنى عليه".
وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: "فكشف عن ربض في الحجر، آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام؛ ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِف الإبل، وجهٌ حجر ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العتلة فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر" (٢).
(فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ) هكذا النسخ بتشديد التاء، ولعله للمبالغة، يقال: سَتَرتُ الشيءَ سَتْرًا، من باب قَتَلَ، ويقال لما ينصبه المصلّي قُدّامه علامة لمصلّاه، من عصًا، وتسنيم تُراب وغيره: سُترةٌ؛ لأنه يستر المارّ من المرور؛ أي: يحجبه.
(عَلَيْهَا) أي: على الكعبة، والمراد: المنقوض من بنائها (السُّتُورَ) بالضمّ: جمع سِتْر بالكسر، وهو ما يُستر به، والسُّترةُ بالضمّ مثله، قال ابن
стр. 14425
فارس: السُّترةُ: ما استترت به كائنًا ما كان، والسِّتارة بالكسر مثله، والسِّتار بحذف الهاء لغةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ) قال القرطبيّ ﵀: إنما فَعَل ذلك ابن الزبير؛ لاستقبال المستقبلين، وطواف الطائفين، ولأنّ ابن عبّاس ﵄ قال: إن كنت هادمها فلا تدع الناسَ لا قبلة لهم، وهذا يدلّ على أن بقعة البيت ما كانت تتنزّل عندهما منزلة البيت، وقد خالفهما في ذلك جابر ﵁، وقال: صلُّوا إلى موضعها. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: المقصود بهذه الأعمدة والستور أن يستقبلها المصلّون في تلك الأيام، ويَعْرِفوا موضع الكعبة، ولم تزل تلك الستور حتى ارتفع البناء، وصار مشاهدًا للناس، فأزالها؛ لحصول المقصود بالبناء المرتفع من الكعبة، واستدلّ القاضي عياض بهذا لمذهب مالك في أن المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة، قال: وقد كان ابن عباس أشار على ابن الزبير بنحو هذا، وقال له: إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة، فقال له جابر: صَلُّوا إلى موضعها، فهي القبلة، ومذهب الشافعي وغيره جواز الصلاة إلى أرض الكعبة، ويجزيه ذلك بلا خلاف عنده، سواء كان بقي منها شاخص أم لا، والله أعلم. انتهى (٣).
(وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) ﵄ (إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) قال الأبيّ ﵀: كان المناسب أن يكون هذا حين الاستشارة، وحين قال ابن عبّاس، ولكن العطف بالواو، والأظهر أن ابن عبّاس لا يخفى عليه ذلك، ولكن رأى أنه فرقٌ بين بناء رسول الله ﷺ إياها، وبناء غيره، وأنه لو بناها ﷺ لكان بناؤه أوقع في النفوس من بناءٍ أسلم الناس عليه، ورأى ابن الزبير عكس العلّة، وهو قوله: "فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس"، ولكن يردّ عليه، أعني على قوله: "أجد ما أنفق، ولا أخاف الناس" ما ذكر ابن عبّاس، وما ذكر مالك للرشيد. انتهى (٤).
("لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بالرفع على الفاعليّة لـ"حديث"؛ لأنه
стр. 14426
يعمل عَمَلَ فِعله، وقوله: (بِكُفْرٍ) متعلّق بـ "حديثٌ"، أو بـ "عهدهم"، وقوله: (وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ) جملة حاليّة اعتَرضت بين "لولا"، وجوابها، و"يُقَوَّي" من التقوية، وفي بعض النسخ: "ما يُقَوِّيني"، ويَحْتَمِل أن يكون "يَقْوَى" بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، من قَوَيَ ثلاثيًّا، من باب تَعِب.
(لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ) هكذا في هذه الرواية: "خمسة أذرع"، وهي رواية شاذّة، والمحفوظ ما تقدّم في رواية سعيد بن ميناء، عن عبد الله بن الزبير بلفظ: "وزدت فيها ستة أذرع من الحجر".
قال في "الفتح": وأما رواية عطاء عند مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع"، فهي شاذةٌ، والرواية السابقة -يعني: "ستة أذرع"- أرجح؛ لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ.
قال: ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريدَ بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء؛ أن النبيّ ﷺ قال لعائشة في هذه القصة: "ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع"، فيُحْمَل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك، قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الأخير لا يخفى تكلّفه، فالظاهر أن رواية خمسة أذرع شاذّة، كما سبق، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: ست أذرع من الحجر مما يلي البيت محسوبة من البيت بلا خلاف، وفي الزائد خلاف، فإن طاف في الحجر، وبينه وبين البيت أكثر من ستة أذرع، ففيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما يجوز؛ لظواهر هذه الأحاديث، وهذا هو الذي رجحه جماعات من أصحابنا الخراسانيين.
والثاني: لا يصح طوافه في شيء من الحجر، ولا على جداره، ولا
стр. 14427
يصح حتى يطوف خارجًا من جميع الْحِجْر، وهذا هو الصحيح، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ، وقطع به جماهير أصحابنا العراقيين، ورجحه جمهور الأصحاب، وبه قال جميع علماء المسلمين، سوى أبي حنيفة، فإنه قال: إن طاف في الحجر، وبقي في مكة أعاده، وإن رجع من مكة بلا إعادة، أراق دمًا، وأجزأه طوافه، واحتج الجمهور بأن النبيّ ﷺ طاف من وراء الحجر، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه ﷺ إلى الآن، وسواء كان كله من البيت، أم بعضه، فالطواف يكون من ورائه، كما فعل النبيّ ﷺ ، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه النوويّ ﵀ من عدم جواز الطواف إلا وراء الحجر كلّه، سيأتي ترجيح خلافه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
(وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ"، قَالَ) ابن الزبير ﵄ (فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ) أي: لتمكّن الإيمان في قلوبهم (قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ) تقدّم أن الأرجح أنه ستة أذرع (مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى) أي: أظهر بالحفر (أُسًّا) -بضمّ الهمزة، وتشديد السين المهملة- قال الفيّوميّ ﵀: أُسُّ الحائط بالضمّ: أصله، وجمعه آساسٌ، مثلُ قُفْل وأَقفال، وربّما قيل: إِساسٌ، مثلُ عُسّ وعِسَاسٍ، والأَسَاسُ مثله، وجمعه: أُسُسٌ، مثلُ عَنَاقٍ وعُنُقٍ (٢)، وأَسَّسته تأسيسًا: جعلتُ له أَسَاسًا. انتهى (٣). (نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ) إلى ذلك الأُسّ، ففي رواية البخاريّ من طريق جرير بن حازم، عن يزيد بن رُومان، قال: "وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أُريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ها هنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها".
стр. 14428
قال في "الفتح": قوله: "ستة أذرع أو نحوها" قد ورد ذلك مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ كما تقدم في الطريق الثانية، وأنها أرجح الروايات، وأن الجمع بين المختلف منها ممكن، كما تقدم، وهو أولى من دعوى الاضطراب، والطعن في الروايات المقيّدة؛ لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن الصلاح، وتبعه النوويّ؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح، أو الجمع، ولم يتعذر ذلك هنا، فيتعيّن حمل المطلق على المقيّد، كما هي قاعدة مذهبهما، ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيّدة متواردة على سبب واحد، وهو أن قريشًا قَصّروا عن بناء إبراهيم ﵊ وأن ابن الزبير أعاده على بناء إبراهيم، وأن الحَجاج أعاده على بناء قريش، ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحِجر من بناء إبراهيم في البيت. انتهى (١).
(فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا) وروي أن طولها كان عشرين ذراعًا، ولعل راويه جبر الكسر، وجزم الأزرقيّ بأن الزيادة تسعة أذرع، فلعلّ عطاء جبر الكسر أيضًا، قاله في "الفتح" (٢).
وذكر السهيليّ أن طول الكعبة كان من عهد إسماعيل تسعة أذرع، فلما بَنَتْها قريش قبل الإسلام بخمس سنين زادوا في طولها تسعة أذرع، فلما بناها ابن الزبير زاد في طولها تسعة أذرع أيضًا، فكانت سبعة وعشرين، وعلى ذلك هي الآن، ذكره الأبيّ (٣).
(فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ) أي: عدّه قصيرًا (فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ عن الأسود بن يزيد: "ففعله عبد الله بن الزبير"، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيليّ: "فنقضه عبد الله بن الزبير، فجعل له بابين في الأرض"، ونحوه للترمذيّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، وللفاكهي من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة: "أنه دخل الكعبة بعدما بناها ابن الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب، ويخرجون من آخر".
стр. 14429
قال الحافظ ﵀: جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سَمْته، وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غَيَّره الحَجاج الجدار الذي من جهة الحجر، والباب المسدود الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليمانيّ، وما تحت عتبة الباب الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في الروايات المذكورة، لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود، يقابل الباب الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقًا بالأرض، فَيَحْتَمِل أن يكون لاصقًا كما صرحت به الروايات، لكن الحَجاج لما غيّره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله أيضًا، ثم بدا له فسدّ الباب المجدد، قال: لكن لم أر النقل بذلك صريحًا.
وذكر الفاكهيّ في أخبار مكة أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة، كما في الباب الموجود سواء، فالله أعلم. انتهى (١).
(فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) أي: في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وتقدّم أنه كان بويع له، ولم يتخلّف عن بيعته إلا أهل الشام؛ لبيعتهم مروان، وابنه عبد الملك، وكان عبد الملك ولَّى الحَجاج ولايتين، الأولى ولاه فيه الحجاز، والثانية ولاه العراق، ففي ولايته الأولى حاصر فيها ابن الزبير بمكة، وقاتله، حتى قُتل (٢). (كَتَبَ الْحَجَّاجُ) بن يوسف بن عقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم المبير، وقع ذكره وكلامه في "الصحيحين" وغيرهما، وليس بأهل أن يُروى عنه، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة خمس وتسعين (٣). (إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ، أبي الوليد المدنيّ، ثمّ الدمشقيّ، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها، فتغيّر حاله، مُلّك ثلاث عشرة سنةً استقلالًا، وقبلها منازعًا لابن الزبير تسع
стр. 14430
سنين، ومات سنة ست وثمانين في شوّال، وقد جاوز الستّين (١). (يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ) أي: بما فعله ابن الزبير في الكعبة، فقوله بعده: "وَيُخْبِرُهُ" من عطف التفسير له (وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ) من إضافة المصدر إلى الفاعل: أي لسنا مما صدر من ابن الزبير من المعايب في شيء، أفاده الأبيّ ﵀ (٢).
وقال النوويّ ﵀: يريد بذلك سبّه، وعيبه، يقال: لطّخته: أي رميته بأمر قبيح. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: التلطيخ: التلويث، والتقذير، يقال: لطّخت فلانًا بأمر قبيح: إذا رميته به، ورجلٌ لَطِيخٌ: أي: قَذِرٌ، أراد بذلك العيب لفعله، وهو المعاب.
وقال أيضًا: وما فعله عبد الله بن الزبير ﵄ في البيت كان صوابًا وحقًّا، وقبّح الله الحجّاج، وعبد الملك، لقد جهِلا سنّة رسول الله ﷺ ، واجترءا على بيت الله، وعلى أوليائه. انتهى (٤).
(أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ) بقطع الهمزة، وتشديد الراء، من الإقرار؛ أي: ثبِّته، ولا تغيّره (وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ) قال بعضهم: هذا من خطأ عبد الملك، بل الأولى والأهمّ العكس؛ لأن الطواف إنما هو من وراء الحجر، وكثيرًا ما يغلط الطائفون، فيطوفون في الحجر، فالاحتياط عما يؤدي إلى الوقوع في ذلك آكد، ويَحْتَمل أن يجاب بأنه إنما فرّق بأن التغيير بإضافة الحجر أبْين، وعبد الملك لا يريد أن يبقى لابن الزبير أثرٌ، ولا ذِكْرُ فعل بحال. انتهى (٥).
(وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ) يعني البناء الأول المتقدّم على بناء ابن الزبير، وهو الذي عليه الآن، وقد كان الرشيد أراد أن
стр. 14431
يردّه على ما بناه ابن الزبير، فقال له مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبةً للملوك، لا يشاء أحدٌ إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، فترك ما همّ به، واستحسن الناس هذا من مالك، وعَمِلوا عليه، فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرّض له بهدّ، أو تغيير، قاله القرطبيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا تقدّم أنه متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وأما بسياق القصّة هذه، فمن أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): قال في "الفتح": قال المحبّ الطبريّ في "شرح التنبيه" له: والأصح أن القدر الذي في الحِجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحِجر من البيت مطلقةً، فيُحْمَل المطلق على المقيّد فإن إطلاق اسم الكل على البعض سائغٌ مجازًا، وإنما قال النوويّ ذلك نصرةً لما رجّحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعيّ نصّ على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يُعرَف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم، أنه طاف من داخل الحجر، وكان عملًا مستمرًّا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت.
وهذا متعقَّبٌ، فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نصّ الشافعي أيضاً كما ذكره البيهقيّ في "المعرفة" أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عِدّة من أهل العلم، من قريش لَقِيَهُمْ، كما تقدم، فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء الحجر احتياطًا، وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعل النبيّ ﷺ ومن بعده فعلوه استحبابًا للراحة من تسوّر الحجر، لا سيما والرجال والنساء يطوفون
стр. 14432
جميعًا، فلا يؤمَن من المرأة التكشف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة.
وأما ما نقله المهلَّب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيًّا في زمن النبيّ ﷺ وأبي بكر، حتى كان عمر فبناه، ووسّعه قطعًا للشك، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت، ففيه نظرٌ، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما جاء بلفظ: لم يكن حول البيت حائطٌ، كانوا يصلّون حول البيت، حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جُدره قصيرة، فبناه ابن الزبير. انتهى.
وهذا إنما هو في حائط المسجد، لا في الحجر، فدخل الوهم على قائله من هنا، ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبيّ ﷺ كما صرّح به في كثير من الأحاديث الصحيحة.
نعم في الحكم بفساد طواف مَن دخل الحجر، وخَلَّى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظرٌ، وقد قال بصحته جماعة من الشافعية، كإمام الحرمين، ومن المالكية كأبي الحسن اللخميّ.
وذكر الأزرقيّ أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا وثلث ذراع، منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه، والله أعلم.
وأما قول المهلّب: إن الفضاء لا يسمى بيتًا، وإنما البيت البنيان؛ لأن شخصًا لو حلف لا يدخل بيتًا، فانهدم ذلك البيت فلا يحنث بدخوله، فليس بواضح؛ فإن المشروع من الطواف ما شُرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت؛ لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتة، ولو فقد الجدار، وأما اليمين فمتعلقة بالعُرف، ويؤيده ما قلناه أنه لو انهدم مسجد، فنُقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها، ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدل على أن البقعة أصل للجدار، بخلاف العكس، أشار إلى ذلك ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): حَكَى ابن عبد البرّ، وتبعه عياض وغيره عن الرشيد،
стр. 14433
أو المهديّ، أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك فتركه.
قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعلى عبد الله بن عباس ﵄، فأشار على ابن الزبير لَمّا أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يَرُمّ ما وَهَى منها، ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص، وقال له: لا آمن أن يجيء مِن بعدك أمير، فيغيّر الذي صنعت. أخرجه الفاكهيّ من طريق عطاء عنه.
وذكر الأزرقيّ أن سليمان بن عبد الملك هَمَّ بنقض ما فعله الحَجاج، ثم ترك ذلك لمّا ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك.
قال: ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من دونهم غَيَّر من الكعبة شيئًا مما صنعه الحَجاج إلى الآن، إلا في الميزاب، والباب، وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرة، وفي سقفها، وفي سُلَّم سطحها، وجدد فيها الرخام، فذكر الأزرقيّ عن ابن جريج أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، ووقع في جدارها الشاميّ ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيد، وأرجو من الله تعالى أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رُمِّم ما تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقفًا، ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى داخل الكعبة أشدّ مما كان أولًا فأدّاه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرة أخرى، وسدّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصب للأول بعض من
стр. 14434
جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا بأنه ما فعل شيئًا إلا عن ملأ منهم، وأن كل ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر.
وقد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ، وهو بالتحتانية قبل الألف وبعدها معجمة، عن النبيّ ﷺ قال: "إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظموا هذه الحرمة -يعني الكعبة- حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا"، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وعمر بن شَبّة في "كتاب مكة"، وسنده حسن، فنسأل الله تعالى الأمن من الفتن بحلمه وكرمه.
قال: ومما يُتعجب منه أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما صنعه الحَجاج، إما من الجدار الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم الذي جدده للسطح والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع، فإنما هو لزيادة محضة؛ كالرخام، أو لتحسين كالباب والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهيّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد الله بن بكر السهميّ، عن أبيه، قال: جاورت بمكة فعابت -أي: بالعين المهملة، وبالباء الموحدة- أسطوانة من أساطين البيت، فأُخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلًا، فتركوها ليعودوا من غد؛ ليصلحوها، فجاؤوا من غد فأصابوها أقدم من قِدْح؛ أي: بكسر القاف، وهو السهم، وهذا إسناد قويّ، رجاله ثقات، وبكر هو ابن حبيب من كبار أتباع التابعين، وكأن القصة كانت في أوائل دولة بني العباس، وكانت الأسطوانة من خشب، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عَطَاءٍ، يُحَدِّثَانِ عَن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ
стр. 14435
عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ -يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ- سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ: بَلَى أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا، قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ، أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ، فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ"، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ: شَرْقِيًّا، وَغَرْبِيًّا. وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ "، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: "تَعَزُّزًا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ، فَسَقَطَ". قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا (١) تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ، وَمَا تَحَمَّلَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) -بتصغير الاسمين- ابن قتادة بن سعد بن عامر بن جُنْدَع بن ليث الليثيّ، ثم الْجُنْدَعيّ، أبو هاشم المكيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وقيل: لم يسمع منه، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وأم كلثوم امرأة منهم، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وغيرهم.
وروى عنه جرير بن حازم، وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى الأمويان، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، والأوزاعيّ، وعكرمة بن عمار، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ يحتج بحديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مستجاب الدعوة، وقال داود العطار: كان من أفصح أهل مكة، وقال محمد بن عمر: كان ثقةً
стр. 14436
صالحًا، له أحاديث، وقال العجليّ: تابعىّ مكيّ ثقةٌ، وقال ابن حزم في "المحلى": لم يسمع من عائشة، وقال البخاريّ في "التاريخ الأوسط": لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا يذكره.
قال عمرو بن عليّ: مات سنة ثلاث عشر ومائة، وقال إسحاق القراب: قُتِل بالشام في الغزوة سنة ثلاث عشرة ومائة.
روى له مسلم والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءِ) بن خَبّاب -بمعجمة، وموحّدتين- الحجازيّ، مقبول [٦].
روى عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن عائشة، في قصة بناء البيت، وروى عنه ابن جريج، وقرنه بعبد الله بن عُبيد بن عُمير، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبيّ في "الميزان": لا يُعرَف.
انفرد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ) ويقال: ابن عيّاش بن أبي ربيعة، عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم الأمير المخزوميّ المعروف بالقُبَاع -بضمّ القاف، وتخفيف الموحّدة- صدوقٌ [٢].
رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن عمر، ومعاوية، وعائشة، وحفصة، وأم
سلمة.
وروى عنه سعيد بن جبير، والشعبيّ، وعبد الرحمن بن سابط، وأبو قَزَعَة، ومجاهد بن جبر، والزهريّ، وغيرهم.
قال الزبير بن بكار: استعمله ابن الزبير على البصرة، فرأى مكيالًا، فقال: إن مكيالكم هذا لقُبَاع، فلَقَّبوه به، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، رَوَى عن عمر، وروى البخاريّ في "تاريخه" عن الشعبيّ أن الحارث ماتت أمه، وهي نصرانية، فشيّعها أصحاب رسول الله ﷺ ، قال سفيان: خرج عليهم، فقال: إن لها أهل دين غيركم، فقال معاوية: لقد ساد هذا، وقال ابن سعد: كانت ولايته على البصرة سنةً، واستَعمل ابن الزبير بعده أخاه مصعبًا.
وذكره بعض من ألَّف في الصحابة، وذكره ابن معين في تابعي أهل مكة.
стр. 14437
وقال المبرّد: الْقُبَاع بالتخفيف: الذي يُخفي ما فيه، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
أخرج له المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٣٣٣)، وحديث حفصة ﵂ مرفوعًا (٢٨٨٣): "سيعوذ بهذا البيت -يعني الكعبة- قوم ليست لهم مَنَعَة … ".
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "الحارث بن عبد الله"، وليس في شيء منها خلاف، ونُسخ بلادنا هي رواية عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، وادَّعَى القاضي عياض أنه وقع هكذا لجميع الرواة، سوى الفارسيّ، فإن في روايته: الحارث بن عبد الأعلى، قال: وهو خطأٌ، بل الصواب: الحارث بن عبد الله، وهذا الذي نقله عن رواية الفارسيّ غير مقبول، بل الصواب أنها كرواية غيره: الحارث بن عبد الله، ولعله وقع للقاضي نسخة عن الفارسيّ فيها هذه اللفظة مصحفة على الفارسيّ، لا من الفارسيّ، والله أعلم. انتهى (١).
وقوله: (مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ) بضمّ الخاء المعجمة، مصغّرًا، كنية ابن الزبير، وله كنيتان، هذا، وأبو بكر، والمشهورة هي الأولى.
وقوله: (فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ … إلخ) أي: ظهر لهم ما لم يظهر أوّلًا.
وقوله: (فَهَلُمِّي) أي: فتعالي، و"هَلُمّ" كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل ﵀: أصله: لُمَّ من الضمّ والجمع، ومنه: لَمّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمّ نفسك إلينا، و"ها" للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ: أي قُصِد، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء.
أهل الحجاز يُنادُون بها بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. وفي لغة نجد تَلْحقها الضمائر، وتُطابَق، فيقال: هُلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛
стр. 14438
لأنهم يجعلونها فعلًا، فيلحقونها الضمائر، كما يلحقونها قُمْ، وقُوما، وقوموا، وقُمْنَ. وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قَيْسٌ بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]: أي أقبِل، ومتعديةً، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]: أي أحضروهم. انتهى (١).
وقوله: (تَعَزُّزًا) معنى "تعزّزًا" أي: تكبّرًا، وتشدّدًا على الناس، قال ابن الأثير ﵀: وقد جاء في بعض نسخ مسلم (٢): "تعزّرًا" براء بعد زاي، من التعزير؛ أي: التوقير، فإما أن يريد توقير البيت وتعظيمه، أو تعظيم أنفسهم، وتكبّرهم على الناس. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول يُبعده السياق، فالمعنى الثاني هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
وقوله: (يَدَعُونَهُ) بفتح أوله، وثانيه؛ أي: يتركونه "يرتقي"؛ أي: يصعد إلى الباب.
وقوله: (حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ كلِّها: "كاد أن يدخل"، وفيه حجةٌ لجواز دخول "أَنْ" بعد "كاد"، وقد كثُر ذلك، وهي لغة فصيحة، ولكن الأشهر عدمه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أشار النوويّ ﵀ إلى قول ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
كـ"كَانَ" "كَادَ" وَ"عَسَى" لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعَدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ" الأمْرُ فِيهِ عُكِسَا
وقوله: (فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ) أي: بَحَثَ بطرفها في الأرض، وهذه عادة من يُفكّر في أمر مُهِمّ.
وقوله: (وَدِدْتُ) بكسر الدال، من باب تعب، على الأشهر، وجوّز
стр. 14439
الكسائيّ: وَدَدَتُ أَوَدّ بفتحتين، وأنكرها البصريون، قال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سمِع، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (١).
وقوله: (وَمَا تَحَمَّلَ) الواو عاطفة، أو هي واو المعيّة؛ أي: مع ما تحمّله.
والحديث تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، كِلَاهُمَا عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتِكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) "تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
و"ابنُ جُريج" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جُريج هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر.
وأما رواية عبد الرزّاق، عن ابن جُريج، فقد ساقها عبد الرزّاق في "مصنّفه" (٥/ ١٢٧) فقال:
стр. 14440
(٩١٥٠) - عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عُمير، قال: وَفَد الحارث بن عبد الله، على عبد الملك في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال: وكان الحارث مُصَدَّقًا لا يُكَذَّب، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ : "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، وإني لولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه من بعدي، فهَلُمّ لأريك ما تركوا منه"، فأراها قريبًا من سبعة أذرع. هذا حديث عبد الله بن عبيد، وزاد عليه الوليد بن عطاء، قال: قال النبيّ ﷺ : "وجعلت له بابين موضوعين في الأرض، شرقيًّا وغربيًّا، وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت: لا، قال: "تعزّزًا؛ لأن لا يُدخلوها إلا من أرادوا، فإن الرجل إذا كَرِهوا أن يدخلها يَدَعُونه، حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط"، قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، فنكت بعصاه ساعةً، ثم قال: وَدِدت أني تركته، وما تحمّل. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ أَبِي قَزَعَةً؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ، حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ"، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا، قَالَ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ) هو: عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي
стр. 14441
الباهليّ، أبو وهب البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، امتَنَع عن القضاء [٩].
رَوَى عن حميد الطويل، وحاتم بن أبي صغيرة، ومهدي بن ميمون، وهشام بن حسان، وأبي المقدام هشام بن زياد، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وعلي ابن المدينيّ، وإسحاق بن منصور الكوسج، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمود بن غيلان، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صالحٌ، وقال أبو عمرو الطائيّ: عَرَضَ سَوّار على عبد الله بن بكر قضاء الأُبُلّة فأبى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وقال ابن قانع: ثقةٌ.
وقال ابن سعد: السهميّ بطن من باهلة، وكان ثقةً، صدوقًا، نزل بغداد على سعيد بن سَلْم، ولم يزل بها حتى مات في المحرم سنة (٢٠٨).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) هو ابن مسلم، أبو يونس القشيريّ، وقيل: الباهليّ مولاهم البصريّ، وأبو صغيرة أبو أمه، وقيل: زوج أمه، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي مليكة، وسماك بن حرب، والنعمان بن سالم، وأبي قَزَعة، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وابن المبارك، وابن أبي عديّ، والقطان، ورَوْح بن عُبادة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صالح الحديث، وقال مسلم عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال العجليّ، والبزار في "مسنده": ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال هاشم بن مَرْثَد، عن ابن معين: لم يسمع من عكرمة شيئًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (١٣٣٣) و (١٦٨٠) و (٢٠٨٥) و (٢٧٤٥) و (٢٨٥٩) و (٢٨٧٦).
٣ - (أَبُو قَزَعَةَ) سُويد بن حُجير الباهليّ البصريّ، ثقة [٤] (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
стр. 14442
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ) قال ابن الأثير ﵀: "قاتل الله اليهود"؛ أي: قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم، وقد تكرّرت في الحديث، ولا تخرُج عن أحد هذه المعاني، وقد تَرِد بمعنى التعجّب من الشيء؛ كقولهم: تربت يداه، وقد تَرِدُ ولا يراد بها وقوع الأمر، ومنه حديث عمر ﵁: "قاتل الله سمرة". انتهى (١).
وقوله: (فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا فيه انتصار للمظلوم، وردّ الغيبة، وتصديق الصادق إذا كذّبه إنسان، والحارث هذا هو المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٠] (. . .) - (٢) (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَن الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الْجَدْرِ، أَمِن الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ"، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ").
стр. 14443
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣.
٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيد) بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أ ٧٥) (ع) (تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
و"عائشة ﵂ ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة، وفيه عائشة ﵂ سبق الكلام عليها قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الْجَدْرِ) بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة: هو الحِجر، قال في "الفتح": كذا للأكثر، وكذا هو في "مسند مسدّد" شيخ البخاريّ فيه، وفي رواية المستملي: "الجدار" قال الخليل: الْجَدْرُ لغة في الجدار. انتهى.
وَوَهِم من ضبطه بضمها؛ لأن المراد الْحِجْرُ، ولأبي داود الطيالسيّ في "مسنده" عن أبي الأحوص شيخ مسدّد فيه: "الْجَدْر، أو الحجر" بالشك، ولأبي عوانة من طريق شيبان، عن الأشعث: "الْحِجْر" بغير شك. انتهى.
(أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ") أي: هو من جملة البيت، قال في
стр. 14444
"الفتح": هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت، وكذا قوله في الطريق الثانية (١): "أَن أدخل الجدر في البيت"، وبذلك كان يفتي ابن عباس ﵄ كما رواه عبد الرزاق، عن أبيه، عن مَرْثَد بن شُرَحبيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: لو وَلِيتُ من البيت ما وَليَ ابن الزبير، لأدخلت الحجر كله في البيت، فَلِمَ يطاف به إن لم يكن من البيت؟
ورَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق علقمة، عن أمه، عن عائشة قالت: كنت أُحِبّ أن أصلي في البيت، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأدخلني الْحِجْر، فقال: "صلّي فيه، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت"، ونحوه لأبي داود، من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة، ولأبي عوانة من طريق قتادة، عن عروة، عن عائشة، ولأحمد من طريق سعيد بن جبير، عن عائشة، وفيه: "أنها أرسلت إلى شيبة الْحَجَبِيّ ليفتح لها البيت بالليل، فقال: ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل".
وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد جاءت روايات أصحّ منها مقيَّدةٌ:
منها لمسلم من طريق أبي قَزَعَة، عن الحارث بن عبد الله، عن عائشة، في حديث الباب: "حتى أزيد فيه من الْحِجر"، وله من وجه آخر، عن الحارث، عنها: "فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي، فَهَلُمِّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع"، وله من طريق سعيد بن مِيناء، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، في هذا الحديث: "وزدت فيها من الْحِجْر ستة أذرع".
وعند البخاريّ في آخر بعض طرق الحديث أن يزيد بن رومان الذي رواه عن عروة أراه لجرير بن حازم، فحَزَره جرير ستة أذرع، أو نحوها.
ولسفيان بن عيينة في "جامعه" عن داود بن شابور، عن مجاهد: أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يلي الحجر، وله عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن الزبير: ستة أذرع وشبر، وهكذا ذكر الشافعيّ عن عدد لقيهم من أهل العلم، من قريش، كما أخرجه البيهقيّ في "المعرفة" عنه.
وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة ودون السبعة، وأما
стр. 14445
رواية عطاء عند مسلم، عن عائشة مرفوعًا: "لكنت أُدخل فيها من الحجر خمسة أذرع"، فهي شاذّة، والرواية السابقة أرجح؛ لِما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ، قال: ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريدَ بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء: أن النبيّ ﷺ قال لعائشة في هذه القصة: "ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع"، فيُحْمَل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويُجْمَع بين الروايات كلها بذلك. قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن كون رواية عطاء بلفظ: "خمسة أذرع" شاذّةً هو الظاهر، فلا تنس نصيبك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ") -بتشديد الصاد- أي: النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك، كما جزم به الأزرقيّ وغيره، ويوضحه ما ذكر ابن إسحاق في "السيرة" عن عبد الله بن أبي نَجِيح أنه أخبر عن عبد الله بن صفوان بن أمية، أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهو جدّ جَعْدة بن هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ قال لقريش: لا تُدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيب، ولا تدخلوا فيه مَهْرَ بَغِيّ، ولا بيع رِبًا، ولا مظلمة أحد من الناس.
ورَوَى سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عبيد الله بن أبى يزيد، عن أبيه، أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زُهْرة أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشًا تقربت لبناء الكعبة؛ أي: بالنفقة الطيبة، فعجزت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر: صدقت. انتهى.
(قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟) زاد في رواية شيبان التالية: "لا يُصعَد إليه إلا بسلّم" (قَالَ: "فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا)
стр. 14446
وجاء من رواية الحارث بن عبد الله، عن عائشة: "فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعُونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط". (وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بتنوين "حديثٌ"، ورفع "عهدهم" على الفاعليّة له، كما سبق. (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "في الجاهليّة"، وهو بمعنى "بالجاهليّة"، كما في سائر الروايات. انتهى (١)، ولفظ البخاريّ: "بجاهليّة" (فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ) وفي رواية شيبان، عن أشعث التالية: "مخافة أن تَنْفِر قلوبهم" بالفاء بدل الكاف، ونقل ابن بطال عن بعض علمائهم أن النَّفْرة التي خشيها ﷺ أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم. انتهى (٢). (لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ") أي: ليتمكّن كلّ من أراد دخول البيت من الدخول فيه دون أن يلحقة مشقّة، مع أنه الموافق لما فعله إبراهيم ﵇.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَن الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الْحِجْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا، لَا يُصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّمٍ؟ وَقَالَ: "مَخَافَةَ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، أبو معاوية الثحويّ
стр. 14447
البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال:
(٢٩٤٦) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبيد الله بن موسى، حدّثنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الْحِجْر، فقال: "هو من البيت"، قلت: ما منعهم أن يُدخِلوه فيه؟ فقال: "عَجَزَت بهم النفقة"، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا، لا يُصْعَد إليه إلا بِسُلَّم؟ قال: "ذلك فِعْلُ قومك؛ ليدخلوه من شاءوا، ويمنعوه من شاءوا، ولولا أن قومك حديثُ عهدٍ بكفر مَخَافةَ أن تَنْفِر قلوبهم، لنظرت هل أُغَيِّره، فأُدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
(٦٨) - (بَابُ الْحَجِّ عَن الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَمٍ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٢] (١٣٣٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).
стр. 14448
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدليّ، ثقةٌ فاضل فقيهٌ مشهورٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وفيما قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) وفي الرواية التالية: "حدّثنا سليمان بن يسار" (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعيب، عن ابن شهاب، أخبرني سليمان، أخبرني عبد الله بن عباس.
ثم إن هذه الرواية صريحة في أن هذا الحديث من مسند عبد الله بن عبّاس ﵄، وهكذا رواه مالك هنا، وابن عيينة، وصالح بن كيسان كلهم عن الزهريّ، وكذا هو عند أكثر الرواة، عن الزهريّ، عن سليمان، عند الشيخين، وغيرهما.
وخالفهم ابن جريج، عن الزهريّ في الرواية التالية: فقال: عن ابن عبّاس، عن الفضل، أن امرأة من خثعم، فذكره، فجعله من مسند الفضل، وتابعه معمر.
وروى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، أخبرني حصين بن عوف الخثعميّ، قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي أدركه الحجّ، ولا يستطيع أن يحجّ … الحديث، قال الترمذيّ: سألت محمدًا -يعني البخاريّ- عن هذا؟ فقال: أصحّ شيء فيه ما رُوي عن ابن عبّاس، عن
стр. 14449
الفضل، قال: فيحتمل أن يكون ابن عبّاس سمعه من الفضل، ومن غيره، ثم رواه بغير واسطة. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وإنما رجّح البخاريّ الرواية عن الفضل؛ لأنه كان رِدْف النبيّ ﷺ حينئذ، وكان عبد الله بن عبّاس قد تقدّم من المزدلفة إلى منى مع الضَّعَفَة.
وأخرج الشيخان من طريق عطاء، عن ابن عبّاس ﵄: أن النبيّ ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يُلبّي حتى رمى الجمرة، فكأنّ الفضل حدّث أخاه بما شاهده في تلك الحالة.
ويَحْتَمِل أن يكون سؤال الخثعميّة وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن عبّاس، فنقله تارةً عن أخيه؛ لكونه صاحب القصّة، وتارة عما شاهده، ويؤيّد ذلك ما وقع عند الترمذيّ، وأحمد، وابنه عبد الله، والطبريّ، من حديث عليّ ما يدلّ على أن السؤال المذكور وقع عند الْمَنْحَر بعد الفراغ من الرمي، وأن العبّاس كان شاهدًا، ولفظ أحمد عندهم، من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: "هذا الموقف، وعرفة كلها موقف … "، فذكر الحديث، وفيه: ثم أتى الْمَنْحَر، فقال: "هذا المنحر، ومنى كلّها منحر"، قال: واستفتته، وفي رواية ابنه عبد الله: ثم جاءته امرأة شابّةٌ، من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبيرٌ، قد أفند، وقد أدركته فريضة الله في الحجّ، أفيجزئ عنه أن أؤدّي عنه؟ قال: "نعم، فأدّي عن أبيك"، قال: ولَوَى عنق الفضل، فقال العبّاس: يا رسول الله! لِمَ لويت عنق ابن عمّك؟ قال: "رأيت شابًّا، وشابًّة، فلم آمن عليهما الشيطان".
وظاهر هذا أن العبّاس كان حاضرًا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضًا كان معه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث صحيح من مسند عبد الله بن عباس، ومن مسند الفضل بن عباس ﵃، لكن كونه من مسند الفضل أرجح كما قال البخاريّ ﵀؛ لأنه صاحب القصّة، والله تعالى أعلم.
стр. 14450
(أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي: راكبًا خلفه (فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) قال الحافظ: لم تسمّ (مِنْ خَثْعَمَ) قال القسطلّانيّ: بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثلّثة، وفتح العين المهملة، غير مصروف للعلميّة والتأنيث باعتبار القبيلة، لا العلميّة، ووزن الفعل، وهي قبيلة مشهورة؛ أي: من اليمن، وقال السنديّ: غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل (١)، أو التأنيث؛ لكونه اسم قبيلة.
وقال القاري: أبو قبيلة من اليمن، سُمّوا به، ويجوز صرفه، ومنعه، وقال الزرقانيّ: قبيلة مشهورة، سميت باسم جدّها، واسمه: أفتل بن أنمار، قال الكلبيّ: إنما سُمِّي خثعم بجمل، يقال له: خثعم، ويقال: إنه لما تحالف ولد أفتل على إخوته نحروا بعيرًا، ثم تخثعموا بدمه؛ أي: تلطّخوا به بلغتهم. انتهى (٢).
(تَسْتَفْتِيهِ) أي: تطلب منه الفتيا.
[تنبيه]: اتفقت الروايات كلها، عن ابن شهاب على أن السائلة، كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان، فاتفقت الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه:
أما إسناده، فقال هشيم عنه: "عن سليمان، عن عبد الله بن عباس". وقال محمد بن سيرين عنه: "عن سليمان، عن الفضل". أخرجهما النسائيّ، وقال ابن عليّة عنه: "عن سليمان، حدّثني أحد ابني العبّاس: إما الفضل، وإما عبد الله"، أخرجه أحمد.
وأما المتن، فقال هشيم: "أن رجلًا سأل، فقال: إن أبي مات"، وقال ابن سيرين: "فجاء رجلٌ، فقال: إن أمي عجوز كبيرة"، وقال ابن عُليّة: "فجاء رجلٌ، فقال: إن أبي وأمي".
وخالف الجميع معمرٌ، عن يحيى بن أبي إسحاق، فقال في روايته: "إن امرأة سألت عن أمّها".
стр. 14451
قال الحافظ ﵀: وهذا الاختلاف كلّه عن سليمان بن يسار، فأحببنا أن ننظر في سياق غيره، فإذا كريب قد رواه عن ابن عبّاس، عن حُصين بن عوف الخثعميّ، قال: "قلت: يا رسول الله إن أبي أدركه الحجّ"، وإذا عطاء الخراسانيّ، قد روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعميّ: "أنه استفتى النبيّ ﷺ عن حجة كانت على أبيه"، أخرجهما ابن ماجه، والرواية الأولى أقوى إسنادًا، وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روى الطبرانيّ من طريق عبد الله بن شدّاد، عن الفضل بن عباس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير"، ويوافقهما مرسل الحسن، عند ابن خزيمة، فإنه أخرجه من طريق عوف، عن الحسن، قال: "بلغني أن رسول الله ﷺ أتاه رجل، فقال: إن أبي شيخ كبيرٌ، أدرك الإسلام، لم يحُجّ … " الحديث، ثم ساقه من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال مثله، إلا أنه قال: إن السائل سأل عن أمّه، وهذا يوافق رواية ابن سيرين أيضًا عن يحيى بن أبي إسحاق، كما تقدّم.
قال الحافظ: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجلٌ، وكانت ابنته معه، فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أبو الرجل، وأمه جميعًا.
ويقرب من ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قويّ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن الفضل بن عبّاس، قال: "كنت ردف النبيّ ﷺ ، وأعرابيّ معه بنت حسناء، فجعل الأعرابيّ يَعرِضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوّجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبيّ ﷺ برأسي، فيلويه، فكان يلبّي حتى رمى جمرة العقبة".
فعلى هذا فقول الشابّة: إن أبي، لعلّها أرادت به جدّها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبيّ ﷺ ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن يتزوّجها، فلما لم يرضها، سأل أبوها، عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضًا عن أبويه.
وتحصّل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعميّ. وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين فإن إسنادها ضعيف، ولعلّه كان فيه عن أبي الغوث حصين، فزيد في الرواية "ابن"، أو أن
стр. 14452
أبا الغوث أيضًا كان مع أبيه حصين، فسأل كما سأل أبوه وأخته، والله أعلم. انتهى (١).
وقيل: الأحسن في الجمع بين ذلك أن يقال: إن البنت المذكورة في رواية أبي يعلى كانت مع عمّ لها، لا مع أبيها، فإن التجوّز في رواية أبي يعلى من لفظ: "معه بنت" أهون من التجوّز في جميع الروايات المختلفة الواردة بلفظ: "إن أبي شيخ كبير"، فالابنة سألت عن أبيها، والعمّ سأل عن أبيه، وأيضًا -على ما أفاد الحافظ- لم يبق الحاجة إلى سؤاله عن أبيه، بعدما سألت هي عنه. انتهى (٢).
وذهب الحافظ العراقيّ ﵀ إلى أن الأَولى في الجمع أن يُحمَل على تعدّد القضيّة، قال: إن السؤال وقع مرّات، مرّة من امرأة عن أبيها، ومرّة من امرأة عن أمها، ومرّة من رجل عن أبيه، ومرّة في السؤال عن الشيخ الكبير، ومرّة في الحجّ عن الميت. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي جمع به الحافظ العراقيّ ﵀ هو أقرب أوجه الجمع عندي، وأبعدها عن التكلّف، والله تعالى أعلم.
ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رَزِين الْعُقَيليّ، وهي قصّة أخرى. قال الحافظ: ومن وحّد بينها وبين حديث الخثعميّة، فقد أبعد، وتكلّف. انتهى كلام الحافظ بتصرّف (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن في جعل الروايات المختلفة على يحيى بن أبي إسحاق مفسّرة للروايات المختلفة على الزهريّ عندي نظر؛ لأن روايات يحيى أسانيدها فيها كلامٌ؛ إذ هي مضطربة سندًا ومتنًا، كما سبق بيان ذلك، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.
وفي رواية النسائيّ: "سألت النبيّ ﷺ غداة جمع".
(فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ) وفي رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: "فأخذ
стр. 14453
الفضل بن عبّاس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، وأخذ رسول الله ﷺ الفضل، فحوّل وجهه من الشقّ الآخر"، وفي رواية: "فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبيّ ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشقّ الآخر"، وفي رواية: "وكان الفضل رجلًا وضيئًا، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها"، وفي رواية: "فالتفت النبيّ ﷺ ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها"، ووقع في رواية الطبريّ في حديث عليّ: "وكان الفضل غلامًا جميلًا، فإذا جاءت الجارية من هذا الشقّ صرف رسول الله ﷺ وجه الفضل إلى الشقّ الآخر، فإذا جاءت إلى الشقّ الآخر، صرف وجهه عنه" -وقال في آخره -: "رأيتُ غلامًا وجاريةً، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان".
(قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ) متعلّقٌ بـ "فريضة"، أو بحال مقدّر (فِي الْحَجِّ) أي: في أمره، وشأنه، ويمكن أن تكون "في" بمعنى "من" البيانيّة. قاله القاري. وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان: "إن أبي أدركه الحجّ" (أَدْرَكَتْ أَبِي) لم يسمّ أيضًا، وهو مفعول "أدركت"، وقوله: (شَيْخًا) منصوب على الحال، أو بدلٌ من "أبي"، وقوله: (كبِيرًا) نعتٌ له، وفي الرواية التالية: "إن أبي شيخٌ كبيرٌ، عليه فريضة الله في الحجّ".
قال السنديّ ﵀: قوله: "أدركت أبي شيخًا كبيرًا" يفيد أن افتراض الحجّ لا يشترط له القدرة على السفر، وقد قرّر ﷺ ذلك، فهو يؤيّد أن الاستطاعة المعتبرة في افتراض الحجّ ليست بالبَدن، وإنما هي بالزاد والراحلة، والله تعالى أعلم. انتهى، وسيأتي تحقيق القول في هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) تعني أنه لا يثبت على الدّابّة، ولا يستقرّ؛ لكبر سنّه، والجملة نعت لقوله: "شيخًا"، ويَحْتَمِل أن يكون حالًا أيضًا، فيكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة.
وفي الرواية التالية: "وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره"، وفي رواية النسائيّ: "لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّحْلِ"، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان عنده: "لا يثبت على راحلته، فإن شددته خشيت أن يموت"، وفي
стр. 14454
رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: "لا يستوي على الراحلة"، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: "وإن شددته بالحبل على الراحلة، خشيت أن أقتله".
والمراد أنه وجب عليه الحجّ، بأن أسلم، وهو بهذه الصفة.
قال الحافظ: وهذا يفهم منه أنّ من قدر على غير هذين الأمرين، من الثبوت على الراحلة، أو الأمن عليه من الأذى لو رُبط لم يُرخّص له في الحجّ عنه، كمن يقدر على محلّ مُوَطّإ؛ كالمِحَفّة (١). انتهى.
(أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجّ عنه؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدّر، وقيل: لا حاجة إلى التقدير، بل الهمزة مقدّمة من تأخير، والأصل "فأأحجّ عنه"، فقدّمت؛ لأن لها صدر الكلام.
وفي رواية عبد العزيز، وشعيب: "فهل يقضي عنه"، وفي حديث عليّ: "هل يُجزئ عنه".
(قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ") وفي حديث أبي هريرة ﵁: "احججي عن أبيك".
وقوله: (وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) يعني أن هذه القصّة وقعت في عام حجة الوداع، وفي رواية للبخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ: "يوم النحر"، وللنسائيّ، من طريق ابن عيينة، عن ابن شهاب: "غداة جمع"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨/ ٣٢٥٢] (١٣٣٤)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥١٣) و"جزاء الصيد" (١٨٥٤ و ١٨٥٥) و"المغازي" (٤٣٩٩) و"الاستئذان" (٦٢٢٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٠٩)، و (الترمذيّ) في "الحج"
стр. 14455
(٩٢٨)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١١٧ و ١١٩ و ٨/ ٢٢٨) و"الكبرى" (٢/ ٣٣٢ و ٣٢٥ و ٣/ ٤٧٠ و ٤٧١)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٠٧ و ٢٩٠٩)، و (مالك) في "الموطّإ" (٨٠٦)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٩ و ٢٥١ و ٣٢٩ و ٣٤٦ و ٣٥٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٣٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٣١ و ٣٠٣٢ و ٣٠٣٦ و ٣٠٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٨٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٧٢٢ و ٧٢٣) و"الأوسط" (١/ ١٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٢٨ و ٣٢٩ و ٥/ ١٧٩)، و"المعرفة" (٣/ ٤٧٢ و ٤٧٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الحج عن الحيّ الذي لا يستمسك على الرحل؛ لزمانته، أو هَرَمه.
٢ - (ومنها): بيان جواز ركوب شخصين، فأكثر على دابّة، وهذا مما لا خلاف فيه إذا أطاقت الدّابّة ذلك.
٣ - (ومنها): بيان إباحة الارتداف مع الأكابر، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: وذلك من التواضع، وأفعالُ رسول الله ﷺ كلها سننٌ مرغوبٌ فيها، يحسن التأسّي بها على كلّ حال، وجميل الارتداف (١) بالجليل من الرجال.
٤ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ ﷺ .
٥ - (ومنها): بيان منزلة الفضل بن عبّاس ﵄ عند النبيّ ﷺ .
٦ - (ومنها): بيان منع النظر إلى الأجنبيّات، وغضّ البصر، قال القاضي عياض ﵀: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن فعله ﷺ إذ غطّى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال: لعلّ الفضل لم ينظر نظرًا ينكَر، بل خشي عليه أن يؤول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب.
стр. 14456
وقال ابن بطال ﵀: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أُمنت الفتنة لم يَمتنع، قال: ويؤيده أنه ﷺ لم يحوّل وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها؛ لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قيّد بخشية الفتنة هو الظاهر من هذا الحديث؛ لأن الصحابة الآخرين لم ينهاهم النبيّ ﷺ عن النظر إليها حينما تسأل، فقد كان العبّاس ﵁، وغيره حاضرين ذلك السؤال، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دليلًا على أن نساء المؤمنين ليس عليهنّ من الحجاب ما يلزم أزواج النبيّ ﷺ ؛ إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبيّ ﷺ الخثعمية بالاستتار، ولَمَا صَرَف وجه الفضل، قاله ابن بطّال ﵀.
٨ - (ومنها): قال ابن بطّال أيضًا: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا؛ لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء، وأن قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] على الوجوب في غير الوجه. انتهى.
وتعقّبه الحافظ: بأن في استدلاله بقصة الخثعمية لِمَا ادّعاه نظر؛ لأنها كانت محرمة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وفي تعقّب الحافظ بما قاله نظر؛ إذ كون الخثعميّة في ذلك الوقت محرمة غير محقّق؛ لأن ذلك كما سبق كان في المنحر، بعد أن رجع النبيّ ﷺ من رمي الجمار، فيحتمل أنها تحلّلت، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء في خشية الفتنة، حيث إنه ﷺ شدّد في الفضل، ولم يشدّد في المرأة.
١٠ - (ومنها): بيان ما ركّب في الآدميين من شهوات النساء في الرجال، والرجال في النساء، وما يُخاف من النظر إليهنّ، وكان الفضل من أجمل الشبّان في زمانه.
стр. 14457
وقال ابن بطّال ﵀: وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما رُكِّب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهنّ. انتهى.
١١ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم أن صوت المرأة عورة، فيجوز سماع صوت المرأة الأجنبيّة للأجانب، والاستماع إلى كلامها في الاستفتاء عن العلم، وإفتائها لمن سألها، وعلى هذا جرى الأمر من لدن العهد النبويّ، فكان الصحابة ﵃ يستفتون أمهات المؤمنين ﵅ ويسألونهنَّ عن أحاديث رسول الله ﷺ ، وكذلك يسألون الصحابيّات، كما كانوا يسألون فاطمة بنت قيس في قصّة المطلّقة، وأسماء بنت عميس في شأن الهجرة، وغير ذلك مما هو في "الصحيحين"، وغيرهما، وكذلك كانت النساء تترافع في الحكم إلى القضاة، ويستفتين العلماء، ويقع لهنّ التعامل بالبيع والشراء، ونحو ذلك، ولم يُنقل في ذلك إنكار عن أحد ممن يُعتبر قوله، فالقول بأن صوت المرأة عورة قول مخالف للأدلّة الشرعيّة. فليتنبّه، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أن على العالم، والإمام أن يغيّر من المنكر كلّ ما يمكنه بحسب ما يقدر عليه إذا رآه، وليس عليه ذلك فيما غاب عنه.
١٣ - (ومنها): أنه يجب على الإمام أن يَحُول بين الرجال والنساء اللواتي لا يؤمن عليهنّ، ولا منهنّ الفتنة، ومن الخروج، والمشي منهنّ في الحواضر والأسواق، وحيث ينظرن إلى الرجال، وينظر إليهنّ، قال رسول الله ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء"، متّفقٌ عليه.
١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دليلًا على أن إحرام المرأة في وجهها، فتكشفه في الإحرام، ورَوَى أحمد، وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عبّاس ﵄؛ أنّ النبيّ ﷺ قال للفضل حين غطّى وجهه يوم عرفة: "هذا يوم من مَلَكَ فيه سمعه، وبصره، ولسانه غُفر له".
١٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: وقد زعم بعض أصحابنا أن في هذا الحديث دليلًا على أن للمرأة أن تحجّ، وإن لم يكن معها ذو محرم؛ لأن رسول الله ﷺ قال للمرأة الخثعميّة: "حجي عن أبيك"، ولم يقل: إن كان معك ذو محرم، قال: وهذا ليس بالقويّ من الدليل؛ لأن العلم ما نُطِقَ
стр. 14458
به، لا ما سُكِت عنه، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تسافر، إلا مع ذي محرم، أو زوج"، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
١٦ - (ومنها): أن فيه برّ الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما، من قضاء دَين، وخدمة، ونفقة، وغير ذلك من أمور الدِّين والدنيا.
١٧ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على عدم وجوب العمرة؛ لأن المرأة الخثعميّة لم تذكرها.
وتعُقّب بأن مجرّد ترك السؤال لا يدلّ على عدم الوجوب؛ لاستفادة ذلك من حكم الحجّ، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحجّ، على أن السؤال عن الحجّ والعمرة قد وقع في حديث أبي رَزين الْعُقَيليّ ﵁.
١٨ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ ﵀: إن حديث الخثعمّية أصل متّفق على صحّته في الحجّ، خارجٌ عن القاعدة المستقرّة في الشريعة، من أنه ليس للإنسان إلا ما سعى؛ رفقًا من الله تعالى في استدراك ما فرّط فيه المرء بولده، وماله.
وتُعُقّب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز الحجّ عن الغير:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى ما حاصله: اختلفوا في حجّ المرء عمن لا يطيق الحجّ من الأحياء، فذهب جماعة منهم إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعميّة، لا يجوز أن يُتَعدّى به إلى غيره، بدليل قول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولم يكن أبو الخثعميّة ممن يلزمه الحجّ لَمّا لم يستطع إليه سبيلًا؛ فخصّ بأن يُقضى عنه، وينفعه ذلك، وخُصّت ابنته أيضًا أن تحجّ عن أبيها، وهو حيٌّ.
وممن قال بذلك مالكٌ، وأصحابه، قالوا: خُصّ أبو الخثعميّة، والخثعميّةُ بذلك، كما خُصّ سالم مولى أبي حذيفة برضاعه في حال الكبر، وهذا مما يقول به المخالف، فيلزمه، ورُوي معنى قول مالك عن عبد الله بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، والضحّاك، قال ابن الزبير: الاستطاعة: القوّة، وقال
стр. 14459
عكرمة: الاستطاعة: الصحّة، وقال أشهب: قيل لمالك: الاستطاعة: الزاد والراحلة؟ قال: لا والله، وما ذاك إلا على قدر طاقة الناس، فربّ رجل يجد زادًا وراحلةً، ولا يقدر على المسير، وآخر يقوى يمشي على راحلته، وإنما هو كما قال الله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون في البدن والقدرة، وتكون أيضًا بالمال لمن لم يستطع ببدنه، واستدلّوا بهذا الحديث، وما كان مثله.
وممن قال بذلك الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، ورُوِي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عبّاس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعمرو بن دينار، والسدّيّ، وجماعة سواهم، كلهم يقولون: السبيل: الزاد والراحلة، وهذا يدلّ على أن فرض الحجّ على البدن والمال.
وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "السبيل: الزاد والراحلة"، من وجوه، منها مرسلة، ومنها ضعيفة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحجِّ عن الغير، واستدلّ الكوفيّون بعمومه على جواز صحّة حج من لم يحجّ نيابةً عن غيره، وخالفهم الجمهور، فخصّوه بمن حجّ عن نفسه، واستدلّوا بما في "السنن"، وصححه ابن خُزيمة، وغيره، من حديث ابن عبّاس ﵄ أيضًا: أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يُلبّي عن شُبْرُمة، فقال: "أحججت عن نفسك؟ "، فقال: لا، قال: "هذه عن نفسك، ثم احجج عن شُبْرُمة" (٢).
واستُدلّ به أيضًا على أنّ الاستطاعة تكون بالغير، كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكيّة، فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، وأجابوا عن حديث الباب بأنّ ذلك وقع من السائل على جهة التبرّع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنيّة، فلا تصحّ النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبريّ وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فُرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنيّة،
стр. 14460
إلا بإتعاب البدن، فبه يظهر الانقياد، أو النفور، بخلاف الزكاة، فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصلٌ بالنفس، وبالغير.
وأُجيب بأن قياس الحجّ على الصلاة لا يصحّ؛ لأن عبادة الحجّ ماليّة بدنيّة معًا، فلا يترجّح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازريّ: من غَلَّبَ حكم البَدَن في الحجّ ألحقه بالصلاة، ومن غَلَّبَ حكم المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكيّة الحجّ عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة.
وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الآمر مِنْ بَذْلِهِ المالَ في الأجرة.
وقال القاضي عياض: لا حُجّة للمخالف في حديث الباب؛ لأن قوله: "إن فريضة الله على عباده إلخ" معناه: إن إلزام الله عباده بالحجّ الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع، فهل أحجّ عنه؟ أي: هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجرٌ ومنفعة؟ فقال: "نعم".
وتُعُقّب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء، فيتمّ الاستدلال، وتقدّم في بعض طرق مسلم: "إن أبي عليه فريضة الله في الحجّ". ولأحمد في رواية: "والحجّ مكتوب عليه".
وادّعَى بعضهم أن هذه القصّة مختصّة بالخثعميّة، كما اختصّ سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير. حكاه ابن عبد البرّ.
وتُعُقّب بأن الأصل عدم الخصوصيّة، واحتجّ بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة" بإسنادين مرسلين، فزاد في الحديث: "حُجّ عنه، وليس لأحد بعده"، ولا حجة فيه لضعف الإسنادين، مع إرسالهما، وقد عارضه قوله في حديث الجهنيّة الماضي: "اقضُوا الله، فالله أحقّ بالوفاء".
وادّعَى آخرون منهم أن ذلك خاصّ بالابن يحجّ عن أبيه. ولا يخفى أنه جمود.
وقال القرطبيّ: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعميّة مخالف لظاهر القرآن، فرجّح ظاهر القرآن، ولا شكّ في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنّت ظنًّا، قال: ولا يقال: قد أجابها النبيّ ﷺ -