انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وله عند ابن ماجه حديث واحد، وهو حديث التقليس المذكور آنفًا، أخرجه برقم (١٢٩٢).
(امْرَأَةُ أَبِي مُوسَى) هي: أم عبد الله بنت أبي دومة، لها صحبة، لها هذا الحديث فقط.
وفي "تهذيب التهذيب": أم عبد الله بنت أبي دومة امرأة أبي موسى الأشعريّ، روت عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي موسى عنه فيمن حَلَقَ، وسَلَقَ، وعنها عِياض الأشعريّ، وقَرْثَعٌ الضَّبّيّ، ويزيد بن أوس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الأعلى النخعيّ، وثابتٌ بن قيس. انتهى (١).
وقال في "الإصابة": أم عبد الله، امرأة أبي موسى الأشعريّ، أخرج حديثها في "المسند" من طريق إبراهيم، عن لسَهْم بن مِنْجاب، عن قَرْثَع، أنه سمع أبا موسى الأشعريّ، وصاحت امرأته، فقال لها: أما علمت ما قال رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى، ثم سكتت، فقيل لها: أَيَّ شيء قال رسول الله ﷺ ؟ قالت: إن رسول الله ﷺ لَعَنَ مَن حَلَقَ، أو خَرَقَ، أو سَلَقَ، ورواه عنها أيضًا عياض الأشعريّ عند مسلم، ورواه عنها أيضًا يزيد بن أوس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وآخرون، وقال موسى بن هارون فيما أخرجه دعلج في "فوائده" عنه، عن عبد الله بن بَرّاد الأشعريّ، قال: اسم أبي بُرْدَة عامر، وأمه أم عبد الله بنت دُومِيّ، هاجرت مع أبي موسى، وقال غيره: بنت أبي دُومِيّ (٢). انتهى (٣).
[تنبيه]: لم يسق المصنّف رحمه الله تعالى متن حديث امرأة أبي موسى ﵂ هنا، وقد ساقه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال رحمه الله تعالى:
(١٨٨٠٠) حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن سَهْم بن
стр. 1612
مِنْجاب، عن الْقَرْثَع، قال: لَمّا ثَقُل أبو موسى الأشعريّ، صاحت امرأته، فقال لها: أما علمت ما قال رسول الله ﷺ ؟، قالت: بلى، ثم سكتت، فلما مات، قيل لها: أَيُّ شيء قال رسول الله؟ قالت: قال: إن رسول الله ﷺ لَعَنَ مَنْ حَلَقَ، أو خَرَقَ، أو سَلَقَ.
وأخرجه النسائيّ أيضًا في "الجنائز" (١٨٦٧) عن هناد، عن أبي معاوية به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[ … ] ( … ) - (ح) وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشاعِر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَد، قَالَ: حَدثنِي أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي هِنْدٍ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ أَبيِ مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (أَبُوهُ) هوْ عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقة متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٥ - (عَاصِمٌ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٦ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ) بن زياد المازنيّ، أو الباهليّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ٧٤) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
[تنبيه]: لم يسق المصنّف رحمه الله تعالى متن حديث صفوان بن مُحرز،
стр. 1613
عن أبي موسى ﵁، وقد ساقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "المسند"، فقال:
(١٨٨٩٦) حدثنا عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا داود بن أبي هند، قال: ثنا عاصم بن سليمان، عن صفوان بن مُحْرِز، قال: قال أبو موسى: إني بريء ممن بَرِئ الله منه، ورسوله ﵁، وإن رسول الله ﷺ بَرِئ ممن حَلَق، وسَلَق، وخرق.
وأخرجه النسائيّ أيضًا، فقال:
(١٨٦١) حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: حذثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن عوف، عن خالد الأحدب، عن صفوان بن مُحْرِز، قال: أُغمي على أبي موسى، فبكوا عليه، فقال: أبرأ إليكم كما برئ إلينا رسول الله ﷺ : "ليس منّا من حَلَق، أو خَرَق، أو سَلَق"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[ … ] ( … ) - (ح) وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الصَّمَد، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيث، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا"، وَلَمْ يَقُلْ: "بَرِيءٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، أبو عليّ الخلال، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث المذكور في السند الماضي.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (عبد الملك بن عمير) بن سُويد بن حارثة القرشيّ، ويقال: اللَّخْميّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر الكوفيّ المعروف بالقِبْطيّ، حليف بني
стр. 1614
عَدِيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ - بفتح الفاء والراء، ثم مهملة - نسبة إلى فَرَس له سابق، كان يقال له: الْقِبطيّ - بكسر القاف، وسكون الموحّدة - وربّما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣].
رأى عليًّا وأبا موسى، وروى عن الأشعث بن قيس، وجابر بن سمرة، وجندب بن عبد الله البجلي، وجرير، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حريث، وعطية القرظيّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه موسى، وشهر بن حوشب، والأعمش، وسليمان التيمي، وزائدة، ومسعر، والثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم.
قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو مائتي حديث. وقال علي بن الحسن الْهِسِنْجَاني، عن أحمد: عبدُ الملك مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غَلِط في كثير منها. وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد جدًّا. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: سماك أصلح حديثًا منه، وذلك أن عبد الملك يَختَلِف عليه الحفاظ. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: مُخَلِّط. وقال العجلي: يقال له: ابن الْقِبْطية، كان على الكوفة، وهو صالح الحديث، روى أكثر من مائة حديث، تغير حفظه قبل موته. وقال ابن أبي حاتم: ثنا صالح بن أحمد، ثنا علي ابن المديني، سمعت ابن مهدي يقول: كان الثوري يَعْجَب من حفظ عبد الملك. قال صالح: فقلت لأبي: هو عبد الملك بن عُمير؟ قال: نعم. قال ابن أبي حاتم: فذكرت ذلك لأبي، فقال: هذا وَهَمٌ، إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان، وعبد الملك بن عُمير لم يوصف بالحفظ. وقال البخاري: سُمِع عبد الملك بن عُمير يقول: إني لأحدث بالحديث فما أترك منه حرفًا، وكان من أفصح الناس. ورواه الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير مثله. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: خذوا العلم من عبد الملك بن عمير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن نمير: كان ثقةً ثبتًا في الحديث.
وقال ابن الْبَرْقِيِّ عن ابن معين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال بكر بن المختار عن عبد الملك: صَعِدَ بي أبي إلى المنبر إلى عليّ، فمسح
стр. 1615
رأسي. وحَكَى ابن أبي خيثمة عن ابن مُرْدَانَبَه: كان الفصحاء بالكوفة أربعة: عبد الملك بن عمير، وذكر الباقين. وقال ابن عيينة: قال رجل لعبد الملك: أين عبد الملك بن عمير القبطي؟ فقال: أما عبد الملك فأنا، وأما القبطي ففرس لنا سابق. وروي عن أبي بكر بن عياش قال: سمعت عبد الملك يقول: هذه السنةُ تُوَفِّي في مائة وثلاث سنين. وقال أبو بكر بن أبي الأسود: مات سنة ست وثلاثين ومائة أو نحوها، زاد غيره: في ذي الحجة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، ومات سنة ست وثلاثين ومائة، وله يومئذ مائة وثلاث سنين، وكان مُدَلِّسًا، وكذا ذَكَرَ مولده ووفاته ابنُ سعد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩) حديثًا.
[تنبيه]: اختُلِف في ضبط "القرشي"، فقيل: بالقاف والمعجمة، نسبة إلى قريش، ويدل عليه قول ابن سعد: إنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مَشَى المزّيّ حيث قال: "القرشي، ويقال: اللَّخْمِيّ"، وأما أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد، فضبطوه بالفاء والمهملة؛ لنسبته إلى فرسه، حتى خطّأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران؛ لما أسلفناه. والله أعلم (١).
٥ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة، وآخره شين معجمةٌ - أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
[تنبيه]: انتقد الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على مسلم هذا الإسناد، فقال: وأخرج مسلم حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عبد الملك بن عُمير، عن رِبْعيّ، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ : "ليس منّا من حَلَقَ، وسَلَقَ، وخَرَقَ".
قال: وهذا لم يرفعه غير عبد، وأصحاب شعبة يُخالفونه، ويروونه عنه موقوفًا. انتهى.
وقد نقل القاضي عياض هذا الانتقاد من الدارقطنيّ، وأقرّه عليه، وكذا
стр. 1616
النوويّ، ولكنه دافع عن مسلم، فقال: ولا يضرّ هذا على المذهب الصحيح المختار، وهو إذا رَوَى الحديث بعضُ الرواة موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا، أو بعضهم متصلًا، وبعضهم مرسلًا، فإن الحكم للرفع والوصل، وقيل: للوقف والإرسال، وقيل: يُعْتَبر الأحفظ، وقيل: الأكثر، والصحيح الأول، ومع هذا فمسلم رحمه الله تعالى لم يذكر هذ الإسناد معتمدًا عليه، إنما ذكره متابعةً، وقد تكلمنا قريبًا على نحو هذا. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا أجاب النوويّ، وهذا الجواب هو الذي يُكرّره دائمًا عند كلّ الانتقادات التي يوجّهها الدارقطني على مسلم، وهو جواب فيه نظر؛ لأن الصواب أنه لا يُحكم للوصل والرفع دائمًا، وإنما يُنظر بحسب المرجحات التي تقترن به، فربما يكون كما قال، وربّما يكون بالعكس، وقد حفقت هذا البحث في شرح المقدّمة، فارجع إليه تزدد علمًا.
وأما الجواب الصحيح هنا فيكون من وجوه:
[أحدها]: أن دعوى الدارقظنيّ تفرّد عبد الصمد عن شعبة برفع هذا الحديث غير صحيحة، فقد تابعه محمد بن جعفر، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده":
(١٨٧١٤) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن أبي موسى، أنه أُغمي عليه، فبَكَت عليه أم ولده، فلما أفاق، قال لها: أما بلغك ما قال رسول الله ﷺ ؟، قال: فسألتها، فقالت: "ليس منا مَن سَلَق، وحَلَق، وخَرَق".
وتابعه أيضًا سليمان بن حرب عند النسائيّ، فقال في "سننه":
(١٨٦١) حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، وفيه: "أبرأ إليكم كما برئ إلينا رسول الله ﷺ ". وقد تقدّم بتمامه في الحديث الماضي.
فهذا ثقتان ثبتان في شعبة، قد تابعا عبد الصمد في رفعه.
[ثمانيها]: أن عبد الصمد من أثبت الناس في شعبة، فقد قال عليّ ابن
стр. 1617
المدينيّ: عبد الصمد ثَبْت في شعبة. انتهى (١).
فلو فُرض تفرّده بالرفع عن شيخ هو ثبت فيه، فالحقّ قبوله، فكيف، ولم ينفرد به؟.
[ثالثها]: أن مثل هذا الانتقاد لا يضرّ بمسلم رحمه الله تعالى، فإنه ما ساق هذه الطريق إلا متابعةً، ومعلوم عند أهل الحديث أن المتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول.
[رابعها]: أن الذين خالفوا عبد الصمد في هذا الرفع لم يذكر الدارقطنيّ طريقهم حتى يوازن بينها وبين رواية عبد الصمد التي قد عرفت أنه لم ينفرد بها، فأين تلك الطرق التي أشار إليها حتى يُنظر فيها؟، فيُتأمّل.
والحاصل أن حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا مما لا شكّ في صحّته مرفوعًا، ولا لبس، ولا ارتياب فيه، فقد أورده مسلم من أربعة طرق صحيحة من غير طريق شعبة، ثم أتبعها بطريق شعبة، وختم بها الباب، وقد عرفت أن شعبة رواها عنه ثلاثة من الحفّاظ المتقنين لأحاديثه: عبد الصمد، وغُندر، وسليمان بن حرب، فلا يَرتاب بعد هذا في صحة طريقه أيضًا من كان منصفًا، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بالحديث الذي سبق قبله، وهو حديث عبد الرحمن بن يزيد، وأبي بُردة بن أبي موسى، قالا، عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ قال: "أنا بريء ممن حلق، وسَلَق، وخرق".
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا") يعني: أن متن حديث عياض لفظه: "ليس منّا منَ حلق، وسَلَقَ، وخَرَق".
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: "بَرِيءٌ") يعني: أنه لم يزد في أوله قوله: "أنا بريء"، وإنما اقتصر على ليس منّا … إلخ.
[تنبيه]: لم أجد رواية عياض الأشعريّ هذه، فالظاهر أنها مما انفرد بها المصنّف رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 1618
(٤٧) - (بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٧] (١٠٥) - (وَحَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضبَعِيُّ، قَالَا: حَدَّثنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنهُ بَلَغَهُ أَن رَجُلًا يَنِمُّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عيهم يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَزُوخَ) (١) الْحَبَطِيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة - هو: عبد الله بن محمد بن أسماء بن عُبيد بن مُخارق، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليل [١٠].
رَوَى عن عمه جويرية بن أسماء، ومَهْديّ بن ميمون، وحفص بن غياث، وابن المبارك وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، ورَوَى له أبو داود أيضًا، والنسائيّ بواسطة الذّهليّ، وأبو بكر محمد بن إسماعيل الطبرانيّ، وعباس بن عبد العظيم، والحسن بن أحمد بن حبيب، وأحمد بن سعد بن أبي مريم، وسَوّار بن سهل القرشيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والْبُوشَنْجِيّ، وابن وَارَة، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن سعد بن هارون، ومعاذ بن المثنيّ، وأبو خليفة، ويوسف بن يعقوب القاضي، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم.
قال أبو زرعة: لا بأس به، شيخٌ صالح، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن
стр. 1619
وَارَة: قيل لي: إنه أفضل أهل البصرة، فذكرته لابن المدينيّ، فعَظَّم شأنه، وقال أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ: لم أر بالبصرة أفضل منه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
ذكر أبو داود، عن أبي العباس الأحول، أنه مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. وكذا أَرّخه ابن حبان، وابن قانع، وقال: ثقة.
وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا (١).
٣ - (مَهْدِيٌّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ - بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الواو - مولاهم، أبو يحيى البصريّ، ثقة، من صغار [٦].
رَوَى عن أبي رجاء العطارديّ، وواصل مولى أبي عيينة، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، وغيلان بن جرير، ومحمد بن سيرين، وأبي الوازع، جابر بن عمرو، وواصل الأحدب، وهشام بن عروة، وغيرهم.
ورَوَى عنه هشام بن حسان، وهو أكبر منه، وابن مهديّ، ووكيع، وعليّ بن نصر الْجَهْضميّ، وعبد الله بن بكر السَّهْميّ، والقطان، وحَبّان بن هلال، وعفان، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وسعيد بن منصور، وشيبان بن فَرّوخ، وجماعة.
قال أبو سعيد الأشجّ، عن عبد الله بن إدريس: قلت لشعبة: أيَّ شيء تقول في مهدي بن ميمون؟ فقال: ثقة، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة، وهو أحب إليّ من سلام بن مسكين، وأبي الأشهب، وحَوْشب بن عَقِيل، وقال ابن معين، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وقال ابن سعد، عن ابن عائشة: كان كُرْديًّا، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة إحدى، أو اثنتين وسبعين ومائة، وقال محمد بن محبوب وغيره: مات سنة إحدى وسبعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٤ - (وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان الأسديّ الكوفيّ، بيّاع
стр. 1620
السابِرِيّ (١)، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٩.
٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ، الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٦ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان الْعبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، مات في أول خلافة عليّ ﵁ سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٥٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فقد سكن المدائن، وغير شيخيه، فإنهما بصرتان، وشيبان أُبُلّيّ - بضمتين، وتشديد اللام - نسبة إلى قرية من قرى البصرة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهو أمين سرّ رسول الله ﷺ ، فقد صحّ عنه أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان، وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأعلمه أيضًا بأسماء المنافقين، حتى إن عمر ﵁ كان يسأله هل هو منهم أم لا؟، وهو ابن صحابيّ، فاليمان، واسمه حِسْلٌ، أو حُسَيلٌ صحابيّ أيضًا، استُشهِد بأحد ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁ (أنهُ بَلَغَهُ أَن رَجُلًا) لم يُعرف اسمه (٢) (يَنِمُّ الْحَدِيثَ) بضمّ النون وكسرها، قال ابن الأثير: النميمة هي: نقلُ الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشرّ، وقد نَمَّ الحديثَ يَنِمّه بضمّ النون وكسرها نَمًّا،
стр. 1621
فهو نمّام، والاسم النميمة، ونَمَّ الحديثُ: إذا ظهرَ، فهو متعدٍّ ولازمٌ. انتهى بتصرّف يسير (١).
وقال الفيّوميّ: نَمَّ الرجلُ الحديث نَمًّا، من بابي قَتَلَ، وضَرَبَ: سَعَى به لِيُوقع فِتْنَةً، أو وَحْشَةً، فالرجلُ نَمّ - بالفتح - تسميةً بالمصدر، ونَمّامٌ مبالغةً، والاسم النميمة، والنَّمِيم أيضًا. انتهى (٢).
وقال النوويّ: قال العلماء: النميمةُ نَقْلُ كلامِ الناس بعضِهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. انتهى (٣).
وفي رواية همّام بن الحارث التالية: "قال: كان رجل ينقُلُ الحديث إلى الأمير، فكنّا جلوسًا في المسجد، فقال القوم: هذا ممن ينقل الحديث إلى الأمير … " الحديث، وفي رواية: "إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء … "، وفي رواية البخاريّ عن همّام: "قال: كنّا مع حذيفة، فقيل له: إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان … " الحديث، وعثمان: هو ابن عفّان الخليفة الراشد ﵁.
(فَقَالَ حُذَيْفَةُ) ﵁، وفي رواية همّام الآتية: "فقال حذيفة إرادة أن يُسمعه: سمعت رسول الله ﷺ … " الحديث، يعني: إنما ذكر حذيفة ﵁ الحديث؛ لأجل أن يسمع الرجل النمّام الوعيد، فينزجر عن نميمته (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، وهو (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي في أوّل وَهْلَة، أو إن استحلّه، كما مرّ في نظائره.
وقال النوويّ: فيه التأويلان المتقدمان في نظائره:
[أحدهما]: أن يُحْمَل على المستحلّ بغير تأويل، مع العلم بالتحريم.
[والثاني]: أنه لا يدخلها دخولَ الفائزين، والله تعالى أعلم (٤).
(نَمَّامٌ") بفتح النون، وتشديد الميم، تقدّم أنه للمبالغة، وفي الرواية التالية: "قَتّات" - بقاف، ومثناة ثقيلة، وبعد الألف مثناة أخرى -: هو النّمّام، وقيل: الفرق بين "القَتات"، و"النّمّام" أن النّمام الذي يَحْضُر القصة، فينقلها،
стр. 1622
و"القتات" الذي يتسمع من حيث لا يُعْلَم به، ثم ينقل ما سمعه.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن النميمة إنما تُطْلَق في الأكثر على مَن يَنِمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلانٌ يتكلم فيك بكذا، قال: وليست النميمة مخصوصة بهذا، بل حَدُّ النميمة كَشْفُ ما يُكْرَهُ كشفُهُ، سواءٌ كَرِهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالثٌ، وسواءٌ كان الكشف بالكناية، أو بالرَّمْز، أو بالإيماء، فحقيقةُ النميمة: إفشاء السرّ، وهَتْكُ السَّتْرِ عما يُكْرَهُ كشفُهُ، فلو رآه يُخْفِي مالًا لنفسه، فذكره، فهو نميمة. انتهى (١).
[تنبيه]: اختُلِفَ في الغيبة والنميمة، هل هما متغايرتان، أو متحدتان؟ والراجح التغاير، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا وَجْهيًّا، وذلك لأن النميمة نَقْلُ حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواءُ كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذِكْرُه في غيبته بما لا يُرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يُشتَرط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غَيْبَة المقول فيه، واشتركتا فيما عَدَا ذلك، ومن العلماء من لم يَشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبًا (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّقُ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٧/ ٢٩٧ و ٢٩٨ و ٢٩٩، (١٠٥)، و (البخاريّ) في "الأدب" (٦٠٥٦)، وفي "الأدب المفرد" (٣٢٢)، و (أبو داود) في "الأدب" (٤٨٧١)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصلَة" (٢٠٢٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٢١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٤٣)، و (أحمد) في
стр. 1623
"مسنده" (٥/ ٣٨٢ و ٣٨٩ و ٣٩١ و ٣٩٢ و ٣٩٦ و ٣٩٧ و ٣٩٩ و ٤٠٢ و ٤٠٤)، و (النسائيّ) في "التفسير" (١١٥٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٦ و ٨٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٦٥)، وفي "روضة العقلاء" (ص ١٧٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٢١)، وفي "الصغير" (٥٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٤٧)، وفي "الأدب" (١٣٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٦٩ و ٣٥٧٠)، و (القضاعيّ) في "مسند الشهاب" (٨٧٦)، و (ابن أبي الدنيا) في "الصمت" (٢٥٢ و ٢٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم النميمة، وأنه ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): حرص الشريعة على إبعاد المسلمين من أن يضُرّ بعضهم بعضًا؛ إذ النميمة فيها ما لا يخفى من إفساد المجتمع.
٣ - (ومنها): فضل حذيفة ﵁ حيث سلك في الدعوة مسلك الحكمة، فإنه لما عَلِم أن الرجل له وجاهة عند الأمير خشي أن لا يقبل نصيحته لو واجهه بها، وبيّن له حديث النبيّ ﷺ أَنَفَةً وتكبّرًا، فأراد نصيحته، وإبلاغه الحديث من غير أن يُعلمه أنه المعنيّ به، رفع صوته بالحديث حتى يسمع، وينزجر عن غيّه، وهذا هو عين ما أمر الله تعالى به نبيه ﷺ في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية، فكان من هديه ﷺ إذا رأى منكرًا من شخصه أن لا يواجهه بالإنكار عليه، بل ينصحه من غير مباشرة، فيقول: "أما بعد، فما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ ".
٤ - (ومنها): أن نقل الحديث للمصلحة جائز، ففي الرواية التالية: "فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ" يعني: أنهم شكوه إلى حذيفة ﵁ لينصحه، حتى يترك النميمة، فأقرّهم حذيفة ﵁ على ذلك، مع أن قولهم هذا نميمة أيضًا؛ لما يترتّب على ذلك من مصلحة نصح حذيفة ﵁ له، وزجره عن نميمته.
٥ - (ومنها): ما قاله الغزاليّ رحمه الله تعالى: كلُّ مَن حُمِلت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور:
стр. 1624
[الأول]: أن لا يُصَدِّقه؛ لأن النَّمّام فاسقٌ.
[الثاني]: أن ينهاه عن ذلك، ويَنْصَحه، ويُقَبِّح له فعله.
[الثالث]: أن يُبغِضه في الله تعالى، فإنه بَغِيض عند الله تعالى، ويجب بُغْض مَن أبغضه الله تعالى.
[الرابع]: أن لا يَظُنَّ بأخيه الغائب السوء.
[الخامس]: أن لا يَحْمِله ما حُكِي له على التجَسُّس، والبحث عن ذلك.
[السادس]: أن لا يَرْضَى لنفسه ما نَهَى النّمّامَ عنه، فلا يَحْكِي نميمته عنه، فيقول: فلان حَكَى كذا، فيصير به نَمّامًا، ويكون آتيًا ما نَهَى عنه. انتهى كلام الغزاليّ رحمه الله تعالى.
قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد نقله كلام الغزاليّ هذا، ما نصّهُ: وكلُّ هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية، فإن دَعَت الحاجة إليها، فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانًا يريد الْفَتْك به، أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام، أو مَن له ولاية بأن إنسانًا يَفعَلُ كذا، ويَسْعَى بما فيه مفسدةٌ، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته، فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبًا، وبعضه مستحبًّا على حسب المواطن. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٨] ( … ) - (حَدَّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِث، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِير، فَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِير، قَالَ: فَجَاءَ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مَرْو، ثقةٌ
стр. 1625
حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة حافظ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ، يُرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ) بن قيس بن عمرو بن ربيعة بن حارثة النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وحذيفة، والمقداد بن الأسود، وأبي مسعود، وعمار بن ياسر، وعديّ بن حاتم، وجرير، وعائشة.
ورَوَى عنه إبراهيم النخعيّ، ووَبَرَةُ بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره أبو الحسن المدائنيّ في عُبّاد أهل الكوفة، وذكر ابن سعد أنه مات في ولاية الحجاج، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال: وكان من الْعُبّاد، وكان لا ينام إلا قاعدًا، وقال مات في إمارة يزيد بن معاوية سنة ثلاث، وقد قيل: مات في إمارة عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ على الكوفة سنة خمس وستين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا، وأعاده بعده، وحديث (٢٧٢): "بال، ثم توضّأ، ومسح على خفّيه"، و (٢٨٨): "كنت أفرُكه من ثوب رسول الله ﷺ "، و (١٩٢٩): "إذا أرسلتَ كلبك المعلَّم، وذكرتَ اسم الله … "، و (٣٠٠٢): "إذا رأيتم المدّاحين، فاحثوا في وجوههم التراب".
стр. 1626
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والإخبار، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، سوى شيخيه: فالأول: ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني: ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها):. أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فمروزيّان، والصحابيّ مدائنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن همام، وعلى قول من يقول بأن منصورًا تابعيّ صغير، ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كَانَ رَجُلٌ) تقدّم أنه لا يُعرف اسمه.
وقوله: (يَنْقُلُ الْحَدِيثَ) هو معنى قوله في الحديث الماضي: "ينِمّ الحديث".
وقوله: (إِلَى الْأَمِيرِ) تقدّم أنه عثمان بن عفّان أمير المؤمنين ﵁، ففي رواية البخاريّ: "إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان".
وقوله: (فِي الْمَسْجِدِ) أي المسجد النبويّ.
وقوله: (فَجَاءَ) أي ذلك الرجل النمّام.
وقوله: (حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا) أي معنا، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِث، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةَ فِي الْمَسْجِد، فَجَاءَ رَجُلٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ
стр. 1627
إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ؛ إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مِنْجَابُ (١) بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقة، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
وأما ("أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ")، واسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و"أَبُو مُعَاوِيَةَ"، واسمه محمد بن خازم، و"وَكِيع" بن الجرّاح، و"الْأَعْمَشُ" سليمان بن مهران، فقد تقدّموا في الباب الماضي، والباقون ذكروا في السند الماضي.
وقوله: (إِلَى السُّلْطَانِ) تقدّم أنه عثمان بن عفّان ﵁.
وقوله: (إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ) بنصب إرادة على أنه مفعول لأجله، كما قال في "الخلاصة":
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كَـ "جُدْ شُكْرًا وَدِنْ"
وقوله: ("قَتَّاتٌ") بوزن نَمَّام، ومعناه. قال ابن الأثير: الْقَتَّاتُ: هو النّمّام، يقال: قَتَّ الحديثَ يقُتُّهُ - أي من باب نصر -: إذا وّره، وهيّأه، وسَوّاهُ، وقيل: النّمّام: الذي يكون مع القوم يتحدّثون، فيَنِمُّ عليهم، والْقَتَّاتُ: الذي يَتَسَمَّعُ على القوم، وهم لا يعلمون، ثم يَنِمُّ، والْقَسَّاسُ: الذي يَسْأَلُ عن الأخبار، ثم يَنُمُّها. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": "الْقَتُّ": نَمُّ الحديث، كالتَّقْتِيت، والْقَتْقَتَةِ والْقِتِّيتَى، وقال أيضًا: ورجلٌ قَتَّاتٌ وقَتُوتٌ، وقِتِّيتَى: نَمَّامٌ، أو يَسَّمَّعُ أحاديث الناس من حيثُ لا يعلمون، سواءٌ نَمَّهَا، أم لم يَنُمَّها. انتهى (٣)، وتمام شرح
стр. 1628
الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٨) - (بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّة، وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِف، وَبَيَانِ الثَّلَاَثةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ)
وبالسند المتّصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠] (١٠٦) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَيِ ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاَثة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكليهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ" قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا، وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف بـ "بُنْدار"، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ "غُنْدَر"، أبو عبد الله البصريّ، ربيب شُعبة، ثقة حافظ [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور المذكور قبل باب.
٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) النخعيّ، أبو مُدْرك الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣١/ ٢٣٠.
стр. 1629
٧ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٨ - (خَرَشَةُ - بفتحات، والشين المعجمة - ابْنُ الْحُرِّ) - بضمّ الحاء المهملة، وتشديد الراء - الْفَزَاريّ، قيل: له صحبة، وقيل: ثقةٌ من كبار التابعين [٢].
كان يتيمًا في حِجْر عمر بن الخطاب ﵁، رَوَى عنه، وعن أبي ذَرّ، وحُذيفة، وعبد الله بن سلام.
ورَوَى عنه رِبْعيّ بن حِرَاش، وسليمان بن مُسهِر، والمسيَّب بن رافع، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو حَصِين، عثمان بن عاصم، وغيرهم.
قال الآجريّ، عن أبي داود: خَرَشة بن الْحُرّ له صحبة، وأخته سلامة بنت الْحُرّ لها صحبة، وقال ابن سعد: تُوُفّي في ولاية بشر بن لهروان على الكوفة، وقال خليفة: مات سنة (٧٤)، وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ من كبار التابعين، وذكره ابن عبد البرّ، وأبو نعيم، وابن منده في "الصحابة"، وقال أبو موسى المدينيّ: خَلَط أبو عبد الله - يعني: ابن منده - بينه وبين خَرَشَة المراديّ، والظاهر أنهما اثنان. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث (٢٤٨٤): "أما الطريق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال … ".
٩ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة الصحابيّ الشهير ﵁ تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه ثلاثة مشايخ قرن بينهم، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
стр. 1630
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، غير أبي بكر، فكوفيّ، كالباقين، والصحابيّ مدنيّ، ثم رَبَذيّ ﵁.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عليّ بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خَرَشَة.
٦ - (ومنها): خَرَشَة بن الْحُرّ من الأفراد، فليس في الرواة من يشاركه في هذا الاسم، وهذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وليس له في الكتاب إلا حديثان، كما أسلفت بيانهما آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) ﵁ (عَنِ النَبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "ثَلَاَثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) ، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي بكلامِ مَن رَضِيَ عنه، ويجوز أن يُكلِّمهم بما يُكلّم به من سَخِطَ عليه، كما جاء في "صحيح البخاريّ" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفُوعًا: "يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعُك فضلي، كما منعت فَضْلَ ما لم تَعْمَل يداك"، وقد حَكَى الله تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة؛ استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم. انتهى (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "ثلاثة لا يكلّمهم الله … إلخ " هو على لفظ الآية الكريمة، قيل: معنى "لا يكلمهم": أي لا يُكَلِّمهم تكليم أهل الخيرات، وبإظهار الرِّضَا، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد الإعراض عنهم، وقال جمهور المفسرين: لا يكلِّمهم كلامًا ينفعهم ويَسرُّهم، وقيل: لا يُرسِل إليهم الملائكة بالتحية. انتهى (٢).
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قيّده به إشارة إلى أنه محلّ الرحمة المستمرّة بخلاف رحمة الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يتجدّد من الحوادث، قاله في "الفتح" (٣).
стр. 1631
(وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) قال النوويّ: معناه: أنه يُعْرِض عنهم، ونظره لعباده رحمته، ولطفه بهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفسيره النظر بالرحمة واللطف غير صحيح، بل النظر على ظاهره ثابتٌ لله ، كما ثبت اللطف والرحمة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد.
وقال في "الفتح": معنى: "لا ينظر الله إليهم": أي لا يرحمهم، فالنظر إذا أُضيف إلى الله تعالى كان مجازًا، وإذا أُضيف إلى المخلوق كان كنايةً، ويحتمل أن يكون المراد: لا ينظر الله إليهم نظرَ رحمةٍ.
قال: وقال شيخنا - يعني: الحافظ العراقيّ - في "شرح الترمذيّ": عَبَّرَ عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن مَن نَظَر إلى متواضع رَحِمَه، ومَن نَظَر إلى مُتَكَبِّر مَقَته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر.
وقال الكرمانيّ: نسبة النظر من يجوز عليه النظر كنايةٌ؛ لأن مَن اعتَدَّ بالشخص التفتَ إليه، ثم كَثُر حتى صار عِبارةً عن الإحسان، وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقةُ النظر، وهو تقليب الحدقة، والله مُنَزَّه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجازًا عما وقع في حق غيره كنايةً.
قال: ويؤيد ما ذُكِر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت، ما أخرجه الطبرانيّ، وأصله في "سنن أبي داود"، من حديث أبي جُرَيّ: "إن رجلًا ممن كان قبلكم، لَبِسَ بُرْدةً، فَتَبَخْتر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته … " الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من نفي نظر الله حقيقةً، وأنه ليس له نظرٌ، وإنما هو مجاز عن الرحمة غير صحيح، وإنما حَمَلهم على ذلك أنهم ظنّوا أن النظر لا معنى له إلا تقليب الحدقة، وهذا خطأٌ؛ لأن هذا معنى النظر المضاف إلى المخلوقين، وأما نظر الخالق، فهو نظر يليق بجلاله ، لا نعلم كيفيّته، كما لا نعلم حقيقة ذاته العليّة؛ لأن الصفة فرع عن الذات.
стр. 1632
فالحقّ أن النظر ثابتٌ لله تعالى حقيقةً، لا مجازًا، وأما تفسير نظره هنا بأنه نظر رحمة وإحسان، فلا يتنافى مع تفسيرنا المذكور؛ لأن هذا بيان للمقصود هنا بقرينة الأدلّة الأخرى؛ لأن نظر الله تعالى محيط بجميع مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء، فكان المراد هنا نظرًا خاصًّا، وهو الذي يكون لأوليائه تعالى، وهو نظر الرحمة واللطف والإحسان، والفرق بين إثبات النظر، وكون المراد نظرًا خاصًّا، وهو نظر الرحمة وبين نفي النظر، وكونه بمعنى الرحمة واضحٌ، لا يخفى من تأمّله بالإنصاف، ولم يسلك سبيل التقليد والاعتساف.
وأما الحديث الذي ذكره صاحب "الفتح" عن الطبرانيّ، وادّعَى أنه يؤيّد ما ذُكر من حَمْل النظر على الرحمة، أو المقت، فليس كما ادّعاه، بل هو موضّحٌ لما قلناه، فإنه أثبت أوّلًا النظر لله ، ثم رتّب المقتَ عليه بالفاء التعقيبية، فقال: "فمقته، فأمر الأرض … إلخ"، فإن هذا واضحٌ في إثبات النظر لله تعالى، وهو الذي قلناه، وقد أوضحت المسألة في غير هذا المحلّ من "شرح النسائيّ"، وغيره، فتأمله بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد والاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُطَهِّرهم من دنس ذنوبهم؛ لِعِظَم جُرْمهم؛ وقال الزجاج وغيره: معناه: لا يُثْنِي عليهم خيرأ، ومن لم يُثْنِ عليه خيرًا عذّبه (١).
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ") أي شديد الألم الموجِعُ، قال الواحديّ: هو العذاب الذي يَخْلُص إلى قلوبهم وَجَعُهُ، قال: والعذابُ كلُّ ما يُعْيِي الإنسان، وَيشُقُّ عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب مِنَ الْعَذْب، وهو المنع، يقال عَذَبْتُهُ عَذْبًا: إذا منعته، وعَذَبَ عُذُوبًا: أي امتنع، وسُمِّي الماء عَذْبًا؛ لأنه يمنع الْعَطَش، فسُمِّيَ العذاب عذابًا؛ لأنه يَمْنَع الْمُعَاقَبَ من مُعاودة مثل جُرْمه، ويمنع غيره من مثل فعله. انتهى (٢).
وقال الراغب الأصفهانيّ في "مفرداته": اختُلِف في أصل العذاب، فقال بعضهم: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذبٌ، وعَذُوب، فالتعذيب في الأصل: حملُ الإنسان أن يَعْذِب: أي يَجُوعَ وَيسْهَرَ،
стр. 1633
وقيل: أصله من الْعَذْبِ، فعذّبتُهُ: أي أزلتُ عَذْبَ حياته على بناء مرَّضْتُهُ، وقَذَّيتُهُ، وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعَذَبَةِ السوط: أي طَرَفها، وقد قال بعض أهل اللغة: التعذيب هو الضرب، وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذْبٌ: إذا كان فيه قَذًى وكَدَرٌ، فيكون عذّبتُهُ كقولك: كدّرت عيشه، وزَلَّقتُ حياته، وعَذَبَةُ السوط واللسان والشجر: أطرافها. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ: عَذَبته تعذيبًا: عاقبته، والاسم: الْعَذَابُ، وأصله في كلام العرب: الضربُ، ثم استُعْمِل في كلِّ عقوبة مُؤْلمةٍ، واستُعِير للأمور الشاقّة، فقيل: السفر قطعة من العذاب، وعَذبَةُ اللسان: طَرَفُهُ، والجمع عَذَبات، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبَات، ويقال: لا يكون النطقُ إلا بعَذَبَة اللسان، وعَذَبَةُ السَّوْطِ: طَرَفُهُ، وعَذَبَةُ الشجر: غُصْنُهَا، وعَذَبَةُ الميزان: الخَيْطُ الذي تُرْفَعُ به. انتهى (٢).
(قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (فَقَرَأَهَا) أي هذه الْجُمَل المذكورة (رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا) يعني: أنه ﷺ كرّر هذا الحديث الذي هو بمعنى الآية الكريمة ثلاث مرّات تأكيدًا للأمر (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) ﵁ (خَابُوا) أي لم يظفروا بمرادهم، والكلام يحتمل أن يكون دعاءً عليهم بالخيبة، وأن يكون إخبارًا بخيبتهم، يقال: يَخِيب خيبةً: إذا لم يظفر بما طَلَبَ، وخيّبه الله تعالى - بالتشديد -: جعله خائبًا، أفاده الفيّوميّ (٣) (وَحسِرُوا) أي هَلَكُوا، والكلام عليه كسابقه، ووقع عند النسائيّ: "فقال أبو ذرّ: خابوا وخسروا، خابوا وخسروا"، مكرّرًا (مَنْ) استفهاميّةٌ (هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي من هؤلاء الذين وُصفوا بهذه الأوصاف الْمُخْزِية، والبلايا المحزنة؟ (قَالَ) ﷺ " (الْمُسْبِلُ) خبر لمحذوف: أي أحدهم: "المسبل"، اسم فاعل من الإسبال، وهو إرخاء الإزار عن الحدّ الذي ينبغي الوقوف عنده.
يعني: أنّ أحد الثلاثة الذين لهم هذا الوعيد الشديد: هو الرجل الذي يُرخِي إزاره، ويجرّ طَرَفه خُيَلاءً، كما جاء مفسّرًا في حديث ابن عمر رضي الله
стр. 1634
تعالى عنهما المتّفق عليه: "لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء". والخيلاء: الكبر، والعجب.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا التقييد بالجرّ خيلاءً يُخصّص عموم المسبل إزاره، ويدلّ على أن المراد بالوعيد من جرّ خُيَلَاءً، وقد رَخّص النبيّ ﷺ في ذلك لأبي بكر الصدّيق ﵁، فقد أخرج الشيخان، من حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن جَرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقال أبو بكر: إنّ أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ﷺ : "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الوعيد المذكور خاصّ بمن جرّه خُيلاء، وأما جرّه بغير الخيلاء، فحرامٌ؛ لما أخرجه البخاريّ، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ما أسفَلَ من الكعبين، من الإزار ففي النار".
[تنبيه]: يستثنى من ذلك النساء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، متّصلًا بحديثه المذكور في قصّة أبي بكر ﵁: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟ فقال: "يُرخين شِبْرًا"، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهنّ، قال: "فيُرخينه ذراعًا، لا يَزِدن عليه". لفظ الترمذيّ.
قال الحافظ: وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فَوَهِمَ، فإنها ليست عنده، وكأنّ مسلمًا أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما، من طريق عبيد الله بن عمر، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة.
وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع، والنسائيّ، من طريق أيوب بن موسى، ومحمد بن إسحاق، ثلاثتهم، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أم سلمة.
وأخرجه النسائيّ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة
стр. 1635
نفسها، وفيه اختلاف آخر، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أخرجه أبو داود من رواية أبي الصّدّيق، عن ابن عمر، قال: "رخّص رسول الله ﷺ لأمهات المؤمنين شبرًا، ثم استزدنه، فزادهنّ شبرًا، فكن يُرْسِلن إلينا، فنذرع لهنّ ذراعًا".
وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنّه شبران بشبر اليد المعتدلة.
قال الحافظ: ويستفاد من هذا الفهم التعقّب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله خيلاء.
وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في محلّه من "كتاب اللباس" - إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وغيره: وذَكَر إسبال الإزار وحده؛ لأنه كان عامّة لباسهم، وحكم غيره من القميص وغيره حكمه.
قال النوويّ: وقد جاء ذلك مبيّنًا منصوصًا عليه من كلام رسول الله ﷺ ، من رواية سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، مَنْ جَرَّ منها شيئا، خُيَلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه بإسناد حسن. انتهى (١).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب اللباس" - إن شاء الله تعالى -.
(وَالْمَنَّانُ) زاد في الرواية التالية: "الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا، إِلَّا مَنَّهُ".
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "المنّان": فَعّالٌ من الْمَنّ، وقد فسّره في الحديث، فقال: "هو الذي لا يُعطي شيئًا إلا مّنّه": أي إلا امتنّ به على المعطَى له، ولا شكّ في أنّ الامتنان بالعطاء مبطلٌ لأجر الصدقة والعطاء، مؤذٍ للمعطَى له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وإنما كان المنّ كذلك؛ لأنّه لا يكون غالبًا إلا عن البخل، والعجب،
стр. 1636
والكبر، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يُعظّم في نفسه العطيّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجْبُ يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنّه مُنعِمٌ بماله على الْمُعطَى له، ومتفضِّل عليه، وإن كان له عليه حقّ يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يَحْتَقِر المعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلًا، ومُوجِب ذلك كلّه الجهل، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه؛ إذ قد أنعم عليه مما يُعطي، ولم يَحْرِمه ذلك، وجعله ممن يُعطِي، ولم يجعله ممن يَسْأل، ولو نظر ببصيرته لعلم أنّ المنّة للآخذ؛ لما يُزيل عن المعطي من إثم المنع، وذمّ المانع، ومن الذنوب، ولما يحصل له من الأجر الجزيل، والثناء الجميل.
وقيل: المنّان في هذا الحديث هو من المنّ الذي هو القطع، كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]: أي غير مقطوع، فيكون معناه: البخيل بقطعه عطاءَ ما يجب عليه للمستحقّ، كما جاءفي حديث آخر: "البخيل المنّان" (١)، فنعته به.
والتأويل الأول أظهر، أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل التأويل الثاني ضعيفٌ جدًّا، ومما يُضعفه ما في الرواية التالية بلفظ: "والمنان الذي لا يُعطي شيئًا إلا منّه"، فإنه ظاهر في المعنى الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الحديث الذي أشار إليه القرطبيّ أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢١٠٢٠) حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء، عن مُطَرّف بن عبد الله بن الشّخّير، قال: بلغني عن أبي ذرّ حديث، فكنت أُحِبُّ أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث، فكنتُ أحبّ أن ألقاك، فأسألَكَ عنه، فقال: قد لقيتَ، فاسأل، قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "ثلاثة يحبهم الله ، وثلاثة
стр. 1637
يبغضهم الله "، قال: نعم، فما إخالني، أَكْذِب على خليلي محمد ﷺ ، ثلاثًا، يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم الله ؟، قال: "رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدوَّ، مجاهدًا محتسبًا، فقاتل حتى قُتِل"، وأنتم تجدون في كتاب الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، "ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه، حتى يكفيه الله إياه بموت، أو حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يَشُقّ عليهم "الْكَرَى"، أو "النعاس"، فَيَنْزِلون في آخر الليل، فيقوم إلى وُضوئه، وصلاته"، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: "الفَخُور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، والبخيل الْمَنّان، والتاجر، والبَيّاع الْحَلّاف"، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا، وذَوْدٌ - يعني بالفرق: غنمًا يسيرة - قال: قلت: لست عن هذا أسأل، إنما أسألك عن صامت المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر، ما لك ولإخوتك قريش؟ قال: والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين الله ﵎، حتى ألقى الله ورسوله ثلاثًا يقولها. انتهى (١).
(وَالْمُنَفِّقُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية في "الْمُنَفِّق" بفتح النون، والفاء مشدّدةٌ، وهي مضاعَفُ نَفَقَ البيعُ يَنْفُقُ: - أي من باب نصر - نَفَاقًا: إذا خرج، ونَفِدَ، وهو ضدّ كَسَدَ، غير أن نَفَقَ المخفَّفُ لازم، فإذا شُدِّدَ عُدّيَ إلى المفعول، ومفعوله هنا "سِلْعَتَهُ". انتهى (٢).
(سِلْعَتَهُ) بكسر السين المهملة، وسكون اللام: البِضَاعة، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سدر وسِدَرٍ. ومثله سِلْعة الجسد (٣)، وهي الْغُدَّة، وأما السَّلْعَة بالفتح، فهي
стр. 1638
الشجّة، وجمعها سَلَعات، مثل سجدة وسَجَدات، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله [من الرجز]:
وَسِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدْ … كُلّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدْ
أَمَّا الَّتِي بِالْفَتْحِ فَهْيَ الشَّجَّهْ … عِبَارَةُ "الْمِصْبَاحِ" فَاسْلُكْ نَهْجَهْ (١)
(بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ") هو معنى قوله في الرواية التالية: "وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ"، و"الْحَلِفُ": بكسر اللام، وإسكانها، وممن ذكر الإسكان ابنُ السّكّيت في أول "إصلاح المنطق"، قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وَصَفَ "الْحَلِف"، وهي مؤنّثةٌ بـ "الكاذب"، وهو وصف مذكَّرٌ، وكأنه ذهب بالـ "الحلف" مذهب "القول"، فذكّره، أو مذهب المصدر، وهو مثلُ قولهم: أتاني كتابه، فمزّقتُهَا، ذهب بـ "الكتاب" مذهب "الصحيفة" (٢). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٨/ ٣٠٠ و ٣٠١] (١٠٦)، و (أبو داود) في "اللباس" (٤٠٨٧ و ٤٠٨٨)، و (الترمذيّ) في "البيوع" (١٢١١)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٦٣ و ٢٥٦٤)، و"البيوع" (٤٤٥٨ و ٤٤٥٩)، و"الزينة" (٥٣٣٢ و ٥٣٣٣)، وفي "الكبرى" في "الزكاة" (٢٣٤٤ و ٢٣٤٥) و"البيوع " (٦٠٥٠ و ٦٠٥١ و"الزينة" (٩٧٠١ و ٩٧٠٢)، و (ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٥٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٦٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٩/ ٩٢ - ٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٤٨ و ١٥٨ و ١٦٢ و ١٦٨ و ١٧٧ و ١٧٨)، و (الدارميّ) في "البيوع" (٢٦٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده"
стр. 1639
(١١١ و ١١٢ و ١١٣ و ١١٥ و ١١٦ و ١١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٨٧ و ٢٨٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦١٦ و ٦١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٩١)، و"الأسماء والصفات" (١/ ٣٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الله ينظر إلى عباده المؤمنين المستقيمين، ويزكّيهم، يوم القيامة، وينجيهم من عذابه، وأن من أجرم بالإسبال، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، والمنّان بما أعطى لا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذابٌ أليم.
٣ - (ومنها): أن هذه الأفعال المذكورة من الكبائر؛ لأنه تعالى لا يتوعّد بهذا الوعيد الشديد إلا من ارتكب الذنوب الكبائر.
٤ - (ومنها): أن المنفّق لسلعته بالحلف الكاذب قد جمع بين الاستخفاف بحقّ الله تعالى، والكذب فيما حَلَفَ عليه، وأخذ مال الآخر بغير حقّه، وغُرُوره إياه بيمينه (١).
٥ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ رحمه الله تعالى: إنما جمع بين الثلاثة، وقرنها؛ لأن المسبل هو المتكبّر المرتفع بنفسه على الناس، ويحتقرهم، والمنّان إنما منّ بعطائه لما رأى من علوّه على الْمُعْطَى له، والحالف البائع يُراعي غِبْطة نفسه، وهَضْمَ صاحب الحقّ، فتحصّل من المجموع احتقار الغير، وإيثار النفس، ولذلك يجازيهم الله تعالى باحتقاره لهم، وعدم التفاته إليهم، كما يُلوّح به قوله: "ولا يُكلّمهم". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ
стр. 1640
خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا، إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِر، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه الكوفيّ [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ) تقدم قريبًا.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ) الْفَزَاريّ الكوفيّ، [٤]، ووهم من ذكره في "الصحابة".
رَوَى عن خَرَشة بن الْحُرّ، وعنه إبراهيم النخعيّ، وهو من أقرانه، والأعمش.
قال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن منده في "كتاب الصحابة"، وخَطّأه أبو نعيم، وقال: بل هو تابعيّ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٢٤٨٤): "أما الطرق التي رأيتَ عن يسارك، فهي طرق أصحاب الشمال … ".
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (لَا يُعْطِي شَيْئًا) ببناء الفعل للفاعل.
وقوله: (إِلَّا مَنَّهُ) أي عدّده على الْمُعْطى له، يقال: مَنَنتُ عليه منًّا: إذا عَدَّدتَ له ما فعلتَ له من الصنائع، مثلُ أن تقول: أعطيتك، وفعلتُ لك، وهو تكديرٌ، وتغييرٌ تنكسر منه القلوب، فلهذا نَهَى الشارع عنه بقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية، ومن هنا يقال: الْمَنُّ أخو المنّ: أي الامتنان
стр. 1641
بتعديد الصنائع أخو القطع والْهَدْم، فإنه يقال: مننتُ الشيءَ مَنًّا: إذا قطعته، فهو ممنون، قاله الفيّوميّ (١).
وقوله: (وَالْمُنَفِّقُ) بتشديد الفاء، من نَفّق السِّلْعَةَ: إذا رَوّجها، قاله في "القاموس"، وفي "المصباح": ونَفَقَتِ السِّلْعَةُ، والمرأة نَفَاقًا بالفتح: كَثُرَ طُلّابها، وخُطّابها. انتهى.
قوله: (سِلْعَتَهُ) بكسر السين، وسكون اللام: البِضَاعَةُ، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، وتقدّم تمام البحث فيها قريبًا.
وقوله: (بِالْحَلِفِ) بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، ويجوز تسكينها: أي اليمين.
وقوله: (الْفَاجِرِ) بالجرّ صفة لـ "الحلِف"، وهو بمعنى الكاذب في الرواية السابقة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ - يَعْني: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ").
رجال هذا الإسناد: أربعة، كلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين، غير:
١ - (بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ) الْعَسكريّ، أبي محمد الفرائضيّ النيسابوريّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْربُ [١٠] (ت ٢٥٣) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠٠.
وقوله: (وَحَدَّثَنِيهِ) الضمير للحديث الماضي الذي رواه عن شيخه أبي بكر بن خلاد الباهليّ.
стр. 1642
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد المذكور قبله، وهو إسناد الأعمش، عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرّ ﵁.
وقوله: (وَقَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ" … إلخ) يعني: أن رواية محمد بن جعفر، وإن كان إسناده إسناد سفيان الثوريّ، لكنه يخالفه في المتن، فسفيان قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنّان … إلخ"، وأما محمد، فرواه بلفظ: "ثلاثة لا يكلّمهم الله، ولا ينظر إليه، ولا يُزكّيهم … إلخ".
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر هذه أخرجها الإمام أحمد، فقال في "مسنده":
(٢٠٥٠٧) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَةَ بن الْحُرّ، عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ إزارَهُ، والْمُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب".
وأخرجها أيضًا النسائيّ في "المجتبى" بسند المصنّف، فقال:
(٢٥١٧) أخبرنا بشر بن خالد، قال: حدثنا غُندَر، عن شعبة، قال: سمعت سليمان - وهو الأعمش - عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ إزاره، والْمُنَفِّق سلعَتَهُ بالحلف الكاذب"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٣] (١٠٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ").
стр. 1643
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عزّة الأشجعيّة، ثقةٌ [٣] (ت على رأس المائة) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
[تنبيه]: ذكر النوويّ في "شرحه" أن أبا حازم هو سلمان الأغرّ مولى عزّة، وهذا خطأ؛ لأن سلمان الأغرّ غير سلمان الأشجعيّ، وكلاهما يرويان عن أبي هريرة ﵁، فأبو حازم هو سلمان الأشجعيّ مولى عزّة الأشجعيّة، وأما سلمان الأغرّ فهو أبو عبد الله المدنيّ، مولى جُهَينة، فراجع ترجمتهما في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٦٩ - ٧٠)، و"التقريب" (ص ١٣٠)، والله تعالى أعلم.
٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والباقون تقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي حازم.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى، غير الأعمش، ووكيعٌ معه أبو معاوية.
٦ - (ومنها): أن أبا معاوية أثبت الناس في الأعمش، إلا أن يكون الثوريّ.
٧ - (ومنها): أن أبا حازم ممن لازم أبا هريرة ﵁، وأطال صحبته، فقد جالسه خمس سنين.
٨ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وقد سبق هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، والله تعالى أعلم.
стр. 1644
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لا يكلّمهم أصلًا، أو لا يكلّمهم كلامًا يَسُرُّهم؛ لأنه ثبت أنه يكلّم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وهؤلاء لا يَكُونون أسوأ من الكفّار، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في حديث أبي ذرّ ﵁ (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم.
وقوله: (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) إشارة إلى اختلاف وكيع وأبي معاوية في الحديث، فأما أبو معاوية، فزاد في روايته قوله: "ولا ينظر إليهم"، وأما وكيع فلم يذكر ذلك.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٤٦)، فقال:
(١١٤) حدثنا علي بن حرب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا الصاغانيّ، قال: أنبأنا ابن نمير، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملكٌ كَذّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ".
وقال الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه":
(٢٨٩) حدثنا جعفر بن محمد الأحمسيّ، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم - قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم -: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل متكبر".
[فإن قلت]: رواية وكيع ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى كرواية أبي معاوية، وفيها تلك الزيادة، فقال في "مسنده":
(٩٨٣٧) حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة،
стр. 1645
قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كَذّاب، وعائلٌ مستكبرٌ".
فكيف تجمع بين هذا، وبين ما قاله المصنّف؟.
[قلت]: يمكن أن يُجمع بينهما بأن وكيعًا رَوَى الحديث بالوجهين، فنفي المصنّف يُحمَل على أنه ما وصلت إليه رواية أحمد، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلِمٌ (شَيْخٌ زَانٍ) خبر لمحذوف: أي أحدهم: رجلٌ كبير السنّ الذي بلغ إلى حالة لا يَحتاج فيها كثيرًا إلى النساء (وَمَلِكٌ كَذَّابٌ) وفي رواية النسائيّ: "وَالْإِمَامُ الْكَذَّابُ"، وفي رواية له: "والإمام الجائر".
(وَعَائِلٌ) أي فقير، والْمُعِيل: الكثير العيال. يقال: عال الرجلُ يَعِيل، من باب باع، فهو عائلٌ: إذا افتقر. والْعَيْلَة: الفقر، وأعال فهو مُعِيلٌ: إذا كثر عياله. وجمع العائل: عالةٌ، وهو في تقدير فُعَلَة، مثلُ كافر وكَفَرَة، أفاده في "المصباح".
(مُسْتَكْبِرٌ") أي متكبّر، وعند النسائيّ: و"العائلٌ الْمَزْهُوُّ"، و"المزهُوّ" بصيغة اسم المفعول: أي المتكبّر، من زُهِي الرجل بالبناء للمفعول على الأكثر، أو من زَهَا بالبناء للفاعل، على قلّة.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم": وإنما غُلّظ العقاب على هؤلاء الثلاثة؛ لأن الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة، واستخفاف أمر تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاملٌ حاجيّ، ولا دعتهم إليها ضرورة، كما يدعو من لم يكن مثلهم. وبيان ذلك أن الشيخ لا حاجة، ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعف داعية النكاح في حقّه، ولكمال عقله، ولقرب أجله؛ إذ قد انتهى طَرَفٌ من عمره، ونحو ذلك الملك الكذّاب؛ إذ لا حاجة له إلى الكذب، فإنه يمكنه أن يُمَشِّي أغراضه بالصدق؛ فإن خاف من الصدق مفسدةً ورَّى.
وأما العائل المستكبر، فاستحقّ ذلك لغلبة الكبر على نفسه؛ إذ لا سبب له من خارج يحمله على الكبر، فإن الكبر غالبًا إنما يكون بالمال، والْخَدَم،
стр. 1646
والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلّه، فلا موجب له إلا غلبة الكبر على نفسه، وقلّة مبالاته بتحريمه، وتوعُّد الشرع عليه، مع أنّ اللائق به، والمناسب لحاله الرّقّة، والتواضع؛ لفقره وعجزه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما سبب تخصيصه ﷺ هؤلاء الثلاثة بالوعيد المذكور أنّ كلّ واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعْدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحد بذنب، لكن لما لم تدعهم إلى هذه المعاصي ضرائر مُزْعِجَة، ولا دواعٍ معتادة، ولا حملهم عليها أسبابٌ لازمةٌ أشبه إقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف بحقّ الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها.
فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبرد مزاجه، وإخلاق جديده عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، ويخلي سرّه منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟ وإنما دواعي ذلك الشباب، والحرارة الغريزيّة، وقلّة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السنّ.
وكذلك الإمام لا يَخشى من أحد من رعيّته، ولا يَحتاج إلى مداهنته، ومصانعته، فإن الإنسان إنما يُداهن، ويصانع بالكذب وشبهه من يَحذَره، ويخشى أذاه، ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة، أو منفعة، وهو غنيّ عن الكذب مطلقًا.
وكذلك العائل المستكبر قد عَدِمَ المال، وإنما سبب الفخر، والخيلاء، والتكبّر، والارتفاع على القرناء إنما هو الثَّرْوَةُ في الدنيا؛ لكونه ظاهرًا فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر، ويحتقر غيره؟، فلم يبق إلا أن في استكبار هذا، وزنا الشيخ الكبير، وكذب الإمام ضربًا من الاستخفاف بحقّ الله تعالى، ومعاندة نواهيه وأوامره، وقلّة الخوف من وعيده؛ إذ لم يبقَ حاملٌ لهم على هذه الأفعال السيّئة إلا هذا، مع ما سبق
стр. 1647
القدر لهم بالشقاء. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى ببعض تصرّف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٨/ ٣٠٣] (١٠٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧٥)، وفي "الكبرى" (٢٣٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤١٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٦١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غلظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه، والشيء ألصق بضدّه.
٢ - (ومنها): بيان أن مرتكبي المعاصي تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي الحاملة لهم على ارتكابها، فمن كان له داعٍ يحمله، ويقهره على ارتكابها، كان أخفّ جُرْمًا ممن لا داعي له إلى ذلك.
٣ - (ومنها): بيان عظمة رحمة الله الرؤوف الرحيم بعباده المؤمنين، حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور؛ إذ حامله عليه قهر النفس، والشهوة، وأما من ليس كذلك، فإنه يَعْظُم عقابه، حيث كان حامله على الارتكاب مجرّد الاستخفاف بأمر الله تعالى، وقلّة خوفه منه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 1648
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٤] (١٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاث لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاة، يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيل، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْر، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا، إلا:
١ - (أَبَا صَالِحٍ) هو: ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وفي رواية للبخاريّ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة ﵁، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) يعني: أن اللفظ الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأمَا أبو كريب، فرواه بمعناه (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ) هكذا معظم الأصول في هذه الرواية عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ثلاث" بحذف الهاء، وكذا وقع في بعض الأصول في الرواية الثانية عن أبي ذر ﵁، وله وجه صحيح، وهو أن يقدّر ثلاث أنفس، و"النفس مؤنّثة"، وإنما جاء الضمير في "يكلّمُهم" مذكّرًا على المعنى، يعني: أن معنى الأنفس مذكّر؛ لأنه بمعنى الأشخاص، أو الناس، والله أعلم (١).
(لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي بكلام مَن رَضِي عنه، وإنما يكلّمهم
стр. 1649
بكلام مَن سَخِطَ عليه، كما جاء في "صحيح البخاريّ" من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في حديث أبي ذرّ ﵁، فلا تَنْسَ. (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر لطف، ورحمة، وإحسان إليهم؛ إذ نظره تعالى محيط بكل شيء (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُثني عليهم، ومن لم يُثن عليه عذّبه، وقيل: لا يُطهّرهم من خُبث أعمالهم؛ لعظيم جُرْمهم (وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ) أي شديد الألم الموجع (رَجُلٌ) بدل تفصيل من"ثلاثةٌ"، أو خبر لمحذوف: أي أحدهم رجلٌ (عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) من إضافة الصفة للموصوف: أي على ماء فاضل، والوصف بالفضل من باب: زيدٌ عدلٌ، والمراد ما فَضَلَ عن كفايته التي يستحقّها السابقُ للماء، فإنه أحقّ من غيره، حتى يأخذ حاجته منه، فإذا منع المستحقّ بعد أخذه كفايته عما زاد على حاجته، فقد استحقّ هذا الوعيد (بِالفَلَاةِ) بفتح الفاء: هي المفازة، والقفر التي لا أنيس بها، قاله النوويّ (١)، وقال الفيّوميّ: "الفلاة": الأرض لا ماءَ فيها، والجمع فلًا، مثلُ حَصَاةٍ وحَصًا، وجمع الجمع: أفلاء، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى (٢). وفي رواية النسائيّ: "بالطريق"، وهو معنى الفلاة هنا (يَمْنَعُهُ) أي فضل الماء (مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر، ولفظ النسائيّ: "يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ"، والمعنى واحد، وإن تغاير المفهومان؛ لتلازمهما؛ لأنه إذا منعه من الماء، فقد منع الماء منه، أفاده في "الفتح" (٣).
و"ابن السبيل": هو المسافر، و"السبيل": الطريق، وسمّي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تُبْرِزه، وتُظْهِره، فكأنها ولدته، وقيل: سُمّي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال في الغراب: ابن دَأْيَة؛ لملازمته دَأْية البعير الدَّبِرِ لينقُرها (٤).
стр. 1650
(وَ) الثاني (رَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا) أي عقد البيع معه (بِسِلْعَةٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه "سِلْعَةً" بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى ساوم، كما جاء في الرواية الأخرى: "ساوم"، مكان "بايع"، وتكون الباء بمعنى: "عن"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي … بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
أي عن النساء. وعلى إسقاطها يكون معنى "بايع" باع، فيتعدّى بنفسه، و"سلعة" مفعوله. انتهى.
وفي رواية جرير الآتية: "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بسلعة"، وهو مفاعلةٌ من السَّوْم، يقال: سام البائع السّلْعة سَوْمًا، من باب قال: إذا عَرضَها للبيع، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون ما طلبه، أفاده الفيّوميّ.
(بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر، وخصّ بعد العصر مبالغةً في الذمّ؛ لأنه وقتٌ يتوب فيه المقصّر تمام النهار، ويشتغل فيه الموفَّقُ بالذكر ونحوه، فالمعصية في مثله أقبح.
وقال النوويّ: وخصّ ما بعد العصر بالحلف؛ لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك.
وقال الخطّابيّ: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرّمة في كلّ وقت؛ لأن الله عظّم شأن هذا الوقت، بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فَغُلِّظت العقوبة فيه؛ لئلا يُقْدِم عليها تجرّؤًا، فإن مَن تجرّأ عليها فيه اعتادها في غيره.
وكان السلف رحمهم الله تعالى يُحَلّفُون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضًا، كما قاله في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ: وتخصيصه بما بعد العصر يدلّ على أن لهذا الوقت من الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم، ويظهر لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل،