والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلّه، فلا موجب له إلا غلبة الكبر على نفسه، وقلّة مبالاته بتحريمه، وتوعُّد الشرع عليه، مع أنّ اللائق به، والمناسب لحاله الرّقّة، والتواضع؛ لفقره وعجزه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما سبب تخصيصه ﷺ هؤلاء الثلاثة بالوعيد المذكور أنّ كلّ واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعْدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحد بذنب، لكن لما لم تدعهم إلى هذه المعاصي ضرائر مُزْعِجَة، ولا دواعٍ معتادة، ولا حملهم عليها أسبابٌ لازمةٌ أشبه إقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف بحقّ الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها.
فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبرد مزاجه، وإخلاق جديده عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، ويخلي سرّه منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟ وإنما دواعي ذلك الشباب، والحرارة الغريزيّة، وقلّة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السنّ.
وكذلك الإمام لا يَخشى من أحد من رعيّته، ولا يَحتاج إلى مداهنته، ومصانعته، فإن الإنسان إنما يُداهن، ويصانع بالكذب وشبهه من يَحذَره، ويخشى أذاه، ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة، أو منفعة، وهو غنيّ عن الكذب مطلقًا.
وكذلك العائل المستكبر قد عَدِمَ المال، وإنما سبب الفخر، والخيلاء، والتكبّر، والارتفاع على القرناء إنما هو الثَّرْوَةُ في الدنيا؛ لكونه ظاهرًا فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر، ويحتقر غيره؟، فلم يبق إلا أن في استكبار هذا، وزنا الشيخ الكبير، وكذب الإمام ضربًا من الاستخفاف بحقّ الله تعالى، ومعاندة نواهيه وأوامره، وقلّة الخوف من وعيده؛ إذ لم يبقَ حاملٌ لهم على هذه الأفعال السيّئة إلا هذا، مع ما سبق
стр. 1647
القدر لهم بالشقاء. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى ببعض تصرّف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٨/ ٣٠٣] (١٠٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧٥)، وفي "الكبرى" (٢٣٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤١٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٦١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غلظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه، والشيء ألصق بضدّه.
٢ - (ومنها): بيان أن مرتكبي المعاصي تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي الحاملة لهم على ارتكابها، فمن كان له داعٍ يحمله، ويقهره على ارتكابها، كان أخفّ جُرْمًا ممن لا داعي له إلى ذلك.
٣ - (ومنها): بيان عظمة رحمة الله الرؤوف الرحيم بعباده المؤمنين، حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور؛ إذ حامله عليه قهر النفس، والشهوة، وأما من ليس كذلك، فإنه يَعْظُم عقابه، حيث كان حامله على الارتكاب مجرّد الاستخفاف بأمر الله تعالى، وقلّة خوفه منه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 1648
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٤] (١٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاث لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاة، يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيل، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْر، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا، إلا:
١ - (أَبَا صَالِحٍ) هو: ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وفي رواية للبخاريّ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة ﵁، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) يعني: أن اللفظ الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأمَا أبو كريب، فرواه بمعناه (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ) هكذا معظم الأصول في هذه الرواية عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ثلاث" بحذف الهاء، وكذا وقع في بعض الأصول في الرواية الثانية عن أبي ذر ﵁، وله وجه صحيح، وهو أن يقدّر ثلاث أنفس، و"النفس مؤنّثة"، وإنما جاء الضمير في "يكلّمُهم" مذكّرًا على المعنى، يعني: أن معنى الأنفس مذكّر؛ لأنه بمعنى الأشخاص، أو الناس، والله أعلم (١).
(لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي بكلام مَن رَضِي عنه، وإنما يكلّمهم
стр. 1649
بكلام مَن سَخِطَ عليه، كما جاء في "صحيح البخاريّ" من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في حديث أبي ذرّ ﵁، فلا تَنْسَ. (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر لطف، ورحمة، وإحسان إليهم؛ إذ نظره تعالى محيط بكل شيء (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُثني عليهم، ومن لم يُثن عليه عذّبه، وقيل: لا يُطهّرهم من خُبث أعمالهم؛ لعظيم جُرْمهم (وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ) أي شديد الألم الموجع (رَجُلٌ) بدل تفصيل من"ثلاثةٌ"، أو خبر لمحذوف: أي أحدهم رجلٌ (عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) من إضافة الصفة للموصوف: أي على ماء فاضل، والوصف بالفضل من باب: زيدٌ عدلٌ، والمراد ما فَضَلَ عن كفايته التي يستحقّها السابقُ للماء، فإنه أحقّ من غيره، حتى يأخذ حاجته منه، فإذا منع المستحقّ بعد أخذه كفايته عما زاد على حاجته، فقد استحقّ هذا الوعيد (بِالفَلَاةِ) بفتح الفاء: هي المفازة، والقفر التي لا أنيس بها، قاله النوويّ (١)، وقال الفيّوميّ: "الفلاة": الأرض لا ماءَ فيها، والجمع فلًا، مثلُ حَصَاةٍ وحَصًا، وجمع الجمع: أفلاء، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى (٢). وفي رواية النسائيّ: "بالطريق"، وهو معنى الفلاة هنا (يَمْنَعُهُ) أي فضل الماء (مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر، ولفظ النسائيّ: "يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ"، والمعنى واحد، وإن تغاير المفهومان؛ لتلازمهما؛ لأنه إذا منعه من الماء، فقد منع الماء منه، أفاده في "الفتح" (٣).
و"ابن السبيل": هو المسافر، و"السبيل": الطريق، وسمّي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تُبْرِزه، وتُظْهِره، فكأنها ولدته، وقيل: سُمّي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال في الغراب: ابن دَأْيَة؛ لملازمته دَأْية البعير الدَّبِرِ لينقُرها (٤).
стр. 1650
(وَ) الثاني (رَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا) أي عقد البيع معه (بِسِلْعَةٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه "سِلْعَةً" بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى ساوم، كما جاء في الرواية الأخرى: "ساوم"، مكان "بايع"، وتكون الباء بمعنى: "عن"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي … بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
أي عن النساء. وعلى إسقاطها يكون معنى "بايع" باع، فيتعدّى بنفسه، و"سلعة" مفعوله. انتهى.
وفي رواية جرير الآتية: "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بسلعة"، وهو مفاعلةٌ من السَّوْم، يقال: سام البائع السّلْعة سَوْمًا، من باب قال: إذا عَرضَها للبيع، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون ما طلبه، أفاده الفيّوميّ.
(بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر، وخصّ بعد العصر مبالغةً في الذمّ؛ لأنه وقتٌ يتوب فيه المقصّر تمام النهار، ويشتغل فيه الموفَّقُ بالذكر ونحوه، فالمعصية في مثله أقبح.
وقال النوويّ: وخصّ ما بعد العصر بالحلف؛ لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك.
وقال الخطّابيّ: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرّمة في كلّ وقت؛ لأن الله عظّم شأن هذا الوقت، بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فَغُلِّظت العقوبة فيه؛ لئلا يُقْدِم عليها تجرّؤًا، فإن مَن تجرّأ عليها فيه اعتادها في غيره.
وكان السلف رحمهم الله تعالى يُحَلّفُون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضًا، كما قاله في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ: وتخصيصه بما بعد العصر يدلّ على أن لهذا الوقت من الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم، ويظهر لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل،
стр. 1651
وعظيم القدر أكثر مما لغيرها، فينبغي لمصلّيها أن يَظْهَر عليه عَقِبها من التحفّظ على دينه، والتحرّز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عَقِبَ غيرها؛ لأن الصلاة حقّها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥]: أي تحمل على الامتناع عن ذلك مما يَحْدُث في قلب المصلّي بسببها من النور، والانشراح، والخوف من الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبيّ ﷺ بقوله: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدًا" (١)، وإذا كان هذا في الصلوات كلّها، كانت الوسطى بذلك أولى، وحقّها في ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير، كان إثمه أشدّ، وقلبه أفسد، والله تعالى أعلم.
стр. 1652
قال: وهذا الذي ظهر لي أولى مما قاله القاضي أبو الفضل، فإنه قال: إنما كان ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في ذلك الوقت؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن هذا المعنى موجود في صلاة الفجر؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ثم يجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر"، متفق عليه، وعلى هذا فتبطل خصوصيّة العصر؛ لمساواة الفجر لها في ذلك.
[وثانيهما]: أن حضور الملائكة، واجتماعهم إنما في حال فعل هاتين الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نصّ عليه في الحديث، حين قال: "يجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، وتقول الملائكة: أتيناهم، وهم يصلّون، وتركناهم، وهم يصلّون"، وهذا يدلّ دلالة واضحةً على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرته، فإنه الأنسب الأسلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(فَحَلَفَ لَهُ) أي للذي بايعه (بِاللهِ لَأَخَذَهَا) أي لقد أخذ السلعة، يعني: أنه اشتراها (بِكَذَا وَكَذَا) أي من الثمن، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني: أنه كَذَبَ، فزاد في الثمن الذي اشترى به، فَكَذَبَ، واستخفّ باسم الله تعالى، حين حَلَفَ به على الكذب، وأَخَذَ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائرَ، فاستحقّ هذا الوعيد الشديد. انتهى (٢).
وفي رواية البخاريّ من طريق أبي حمزة السُّكّريّ، عن الأعمش: "فَحَلَفَ لَهُ بِالله، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا" بضمّ همزة "أُعطي"، وكسر الطاء، مبنيًّا للمفعول: أي أعطاه غيره ثمنًا معيّنًا، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، والضمير للحالف: أي دفع هو ثمنًا معيّنًا، ورجّح في "الفتح" هذا الثاني، قال: ووقع في رواية عبد الواحد، عن الأعمش بلفظ: "لقد أَعْطَيتُ بها"، وفي رواية أبي معاوية: "فَحَلَفَ له بالله لأخذها بكذا"، وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح: "لقد أَعْطَى بها أكثر مما أُعطي"، بفتح الهمزة والطاء، وفي بعضها
стр. 1653
بضمّ أوله، وكسر الطاء، والأول أرجح، قاله في "الفتح" (١).
(فَصَدَّقَهُ) أي صدّق المحلوف له الحالف، وقوله: (وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) جملة في محلّ نصبٍ على الحال: أي والحال أن الواقع خلاف ما ذكره، بل كان شراؤه بثمن أقلّ مما حلف عليه، وإنما حلف على ذلك ليوقع صاحبه على شرائه بثمن أكثر.
وفي رواية البخاريّ: "فصدّقه، فأخذَهَا، ولم يُعطِ بها": أي لم يُعْطِ القدر الذي حَلَفَ أنه أَعْطَى عِوَضَها.
(وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا) وفي رواية البخاريّ: "وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لِدُنْيَا"، وفي رواية: "إمامه" (فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا) أي من أغراضه من تلك الدنيا التي بايع من أجلها (وَفَى) أي ما عليه من الطاعة، مع أن الوفاء واجب عليه مطلقًا، وفي رواية البخاريّ: "إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ" (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا) وفي رواية البخاريّ: "وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ": أي ما يريده، فالمفعول الثاني محذوف للعلم به (لَمْ يَفِ)، وللبخاريّ: "لَمْ يَفِ لَهُ".
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا الرواية "وفَى" بتخفيف الفاء، و"يَفِ" محذوف الواو، والياء، مخفّفًا، وهو الصحيح هنا، رواية، ومعنًى؛ لأنه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ بالعهد ممدودًا: ضِدُّ الغدر، ويقال: "أوفى" بمعنى وَفَى، وأما "وفّى" المشدّد الفاء، فهي بمعنى توفية الحقّ، وإعطائه، يقال: وَفّاه حقّه يوفّيه توفيّةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]: أي قام بما كلّفه من الأعمال، كخصال الفطرة، وغيرها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وحكى الجوهريّ: أوفاه. حقّه، قال: وعلى هذا، وعلى ما تقدّم فيكون "أوفى" بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفية الحقّ، والأصل في "أوفى": أطلّ على الشيء، وأشرف عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1654
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٨/ ٣٠٤ و ٣٠٥ و ٣٠٦] (١٠٨)، و (البخاريّ) في "المساقاة" (٢٣٥٨ و ٢٣٦٩)، و"الشهادات" (٢٦٧٢)، و"الأحكام" (٧٢١٢)، و"التوحيد" (٧٤٤٦)، و (أبو داود) في "البيوع" (٣٤٧٤)، و (الترمذيّ) في "السير" (١٥٩٥)، و (النسائيّ) في "البيوع" (٤٤٦٤)، وفي "الكبرى" (٦٠٥٤)، و (ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٠٧)، و"الجهاد" (٢٨٧٠)، و"الفتن" (٤٠٣٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨ و ١١٩ و ١٢٠ و ١٢١ و ١٢٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٠ و ٢٩١ و ٢٩٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٢٢ و ٦٢٥ و ٦٢٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٣٠) و (٦/ ١٥٢) و (٨/ ١٦١ و ١٧٧ و ١٧٨)، وفي "الأسماء والصفات" (١/ ٣٥٢ و ٣٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٦٩ و ٢٥١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه؛ إذ من شُعَب الإيمان النصيحة للأئمة، ولعامة المسلمين، فمن فعل هذه الأشياء فقد ترك نصيحتهم، حيث ظلمهم.
٢ - (ومنها): بيان غِلَظ الوعيد الشديد لمن خَدَع مسلمًا في البيع بحلفه الكاذب.
٣ - (ومنها): أن فيه الوعيد الشديد لمن نكث بيعة إمام، وخَرَج عليه؛ وذلك لما فيه من تفريق الكلمة، وشقّ العصى، ونشر الفساد والظلم والفحشاء بين الأمة، وفي الوفاء بالعهد تحصين للفروج، والأموال، وحقن للدماء.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضًا: إنما استحقّ مَن بايع إمامًا للدنيا هذا الوعيد الشديد؛ لأنه لم يَقُم لله تعالى بما وجب عليه من البيعة الدينيّة، فإنها من العبادات التي تجب فيها النيّة، والإخلاص، فإذا فعلها
стр. 1655
لغير الله تعالى من دنيا يَقْصِدها، أو غرض عاجل يقصده، بقيت عُهْدَتُها عليه؛ لأنه مُنَافقٌ مُراءٍ غاشٌّ للإمام والمسلمين، غير ناصح في شيء من ذلك، ومن كان هذا حاله كان مُثيرًا للفتن بين المسلمين، بحيث يَسْفِك دماءهم، ويستبيح أموالهم، ويَهْتِك بلادهم، ويسعى في إهلاكهم؛ لأنه إنما يكون مع مَن بلّغه إلى أغراضه، فيبايعه لذلك، وينصره، ويغضب له، ويقاتل مخالِفَهُ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد، وقد تكون هذه المخالفة في بعض أغراضه، فينكُث بيعته، ويطلب هلكته، كما هو حال أهل أكثر هذه الأزمان، فإنهم قد عمّهم الغدر، والخذلان. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
٥ - (ومنها): بيان أن كلّ عمل لا يراد به وجه الله تعالى، بل الغرض الدنيويّ، فإنه وبالٌ على صاحبه، وخسران مبين.
٦ - (ومنها): الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء المسافر المحتاج إلى الماء، قال النوويّ: لكن يُسْتَثْنَى من ذلك الحربيّ، والمرتدّ، إذا أصرّا على الكفر، فلا يجب بذل الماء لهما. انتهى.
٧ - (ومنها): أن هذا الماء الذي ورد الوعيد فيه في هذا الحديث هو الذي قد نَهَى النبيّ ﷺ عن منعه بقوله: "لا يُمْنَعُ فضلُ الماء؛ ليُمْنَعَ به الكلأُ"، متّفقٌ عليه.
وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك؛ لأنه مَنْعُ ما لا حقّ له فيه من مستحقّه، وربّما أتلفه، أو أتلف ماله وبهائمه، فلو منعه هذا الماء حتى مات عطشًا قِيد منه، عند مالك؛ لأنه قتله، كما لو قتله بالجوع، أو بالسلاح، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
٨ - (ومنها): أنه يستفاد من مجموع أحاديث الباب عشر خصال مذمومة، وهي: (١) الإسبال، و (٢) المنّ بالعطاء، و (٣) تنفيق السلعة بالحلف الكاذب، و (٤) زنا الشيخ، و (٥) كَذِبُ الملك، و (٦) تكبّر الفقير، و (٧) منع فضل الماء من ابن السبيل، و (٨) مبايعة الإمام لأجل الدنيا، و (٩) الحلف بعد العصر على أخذ سلعة بكذا، ولم يأخذها به، و (١٠) الحلف بعد العصر على مال مسلم
стр. 1656
ليقتطعه (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور قبل باب.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الكنديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
[تنبيه]: "الأشعثيّ" بالشين المعجمة، والعين المهملة، والثاء المثلّثة: منسوب إلى جدّه الأشعث بن قيس الكِنديّ، فإنه سعيد بن عمرو بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، قاله النوويّ (٢).
٤ - (عَبْثَر) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، هو: ابن القاسم الزُّبَيدي - بالضمّ - أبو زُبيد - بالضمّ أيضًا - الكوفيّ، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن حُصين بن عبد الرحمن، والعلاء بن المسيَّب، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وسليمان التيميّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والأجلح بن سِنَان، والأعمش، وأبي إسحاق الشَّيبانيّ، وبُرْد بن أبي زياد، والثوريّ، ويزيد بن أبي زياد، وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد بن عبد الله بن يونس، وابنه أبو حُصَين عبد الله بن
стр. 1657
أحمد، وسعيد بن عمرو الأشعثيّ، وأبو نعيم، وعمرو بن عون، ويحيى بن آدم، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وخَلَف بن هشام البزار، وأبو غسان النَّهْديّ، وقتيبة بن سعيد، وهنَّاد بن السَّريّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: صدوقٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثيرَ الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قيل: إنه مات سنة تسع وسبعين ومائة، وقال ابن سعد: تُوُفِّي سنة (١٧٨)، وقال البخاريّ في "تاريخه": يقال: توفي سنة (٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
وقوله: (كِلَاهُمَا) أي جرير، وعبثر.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث الماضي.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ") يعني: أن لفظ رواية جرير بن عبد الحميد مخالَفة لرواية أبي معاوية، فإنه رواها بلفظ: "ورجلّ ساوم رجلًا بسلعةٍ"، بدل قوله: "ورجلٌ بايع رجلًا بسلعة"، وأما عبثرٌ، فقد رواها بلفظ أبي معاوية.
ثم إن معنى بايع، وساوم هنا واحدٌ.
قال ابن الأثير: "المساومة": المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة، وفصلُ ثمنها، يقال: سام يسوم سَوْمًا، وساوم، واستام. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ: سام البائع السِّلْعة سَوْمًا، من باب قال: عَرَضَها للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، قاله الفيّوميّ (٢).
[تنبيه]: رواية جرير التي أشار إليها المصنّف أخرجها الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال:
стр. 1658
(٢٤٧٦) حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضل ماء بطريق، يمنع منه ابنَ السبيل، ورجلٌ بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وَفَى له، وإلا لم يف له، ورجلٌ ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله، لقد أَعْطَى بها كذا وكذا، فأخذها".
وأما رواية عبثر فلم أجد من أخرجها غير المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعًا، قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْر، عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَهُ … "، وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠١] (ت ٢٣٢) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الْهِلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكّيّ الثقة الحافظ الفقيه الإمام الحجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨)، وله (٩١) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
والباقيان تقدّما قبله، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعًا) الظاهر أن القائل هو سفيان بن عيينة، قال الإمام البخاريّ بعد أن ساق الحديث من طريق عبد الله بن محمد المسنديّ،
стр. 1659
عن سفيان، ما نصّه: قال عليّ - يعني: ابن المدينيّ -: حدّثنا سفيان غير مرّة، عن عمرو: أنه سمع أبا صالح، يبلُغ به النبيّ ﷺ . انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "قال عليّ: حدثنا سفيان غير مرة … إلخ"، يشير إلى أن سفيان كان يُرسل هذا الحديث كثيرًا، ولكنه صَحَّحَ الموصول؛ لكون الذي وصله من الحفاظ، وقد تابعه سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، وعبد الرحمن بن يونس، ومحمد بن أبي الوزير، ومحمد بن يونس فوصلوه، قاله الإسماعيليّ، قال: وأرسله غيرهم.
قال الحافظ: وقد وصله أيضًا عمرو الناقد، أخرجه مسلم عنه - يعني: هذه الرواية - وصفوان بن صالح، أخرجه ابن حبّان من طريقه. انتهى (١).
وقوله: (فَاقْتَطَعَهُ) أي يأخذه لنفسه متملِّكًا، وهو يَفْتَعِلُ من القطع، قاله ابن الأثير (٢)، وفي "المصباح": اقتَطَعتُ من ماله قِطعَةً: أخذتها. انتهى (٣).
وقوله: (وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ) يعني: أن بقيّة متن حديث عمرو بن دينار نحو حديث الأعمش، وفيه ما سيأتي.
[تنبيه]: رواية عمرو بن دينار هذه ساقها الحافظ أبو نُعيم رحمه الله تعالى في "مستخرجه" (١/ ١٧٧)، فقال:
(٢٩٢) حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر، ثنا أحمد بن الحسن الصوفيّ، ثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أُراه رفعه، قال: "ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ حَلَفَ على يمين بعد العصر على مال مسلم ليقطعه، ورجلٌ حَلَف لقد أُعطي بسلعته أكثرَ مما أُعطي، وهو كاذب، ورجل بيع فضل (٤) ما عنده، قال الله تعالى: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
стр. 1660
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه":
(٢١٩٦) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁.
[تنبيه آخر]: قوله: "وباقي حديثه نحو حديث الأعمش"، ظاهره أن سياق حديث عمرو بن دينار مثل سياق حديث الأعمش، لكن بين سياقيهما تخالف، فقد ساق متن رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح، الإمام البخاريّ في "الشّرب" و"التوحيد" من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم: رجلٌ حَلَف على سلعة، لقد أَعطَى بها أكثر مما أَعطى، وهو كاذب، ورجلٌ حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
قال الكرماني: ذَكَرَ عوض الرجل الثاني، وهو المبايع للإمام آخر - يعني في رواية البخاريّ - وهو الحالف ليقتطع مال المسلم، وليس ذلك باختلاف؛ لأن التخصيص بعدد، لا ينفي ما زاد عليه. انتهى.
وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون كلٌّ من الراويين، حفظ ما لم يحفظ الآخر؛ لأن المجتمع من الحديثين أربع خصال، وكل من الحديثين مُصَدَّر بـ "ثلاثة"، فكأنه كان في الأصل أربعة، فاقتصر كلٌّ من الراويين على واحد، ضمَّه مع الاثنين اللذين توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة، ويؤيده ما سيأتي في التنبيه التالي.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": أخرج مسلم هذا الحديث (١) من رواية الأعمش أيضًا، لكن عن شيخ له آخر، بسياق آخر - يعني الحديث الماضي قبل الحديثين - قال: فذكر من طريق أبي معاوية، ووكيع جميعًا، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، كصدر حديث الباب - يعني حديث أبي صالح هذا -
стр. 1661
لكن قال: "شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر"، والظاهر أن هذا حديث آخر، أخرجه من هذا الوجه، عن الأعمش، فقال: عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا، إلا مَنَّهُ، والمنفِّق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره" (١).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وليس هذا الاختلاف على الأعمش فيه، بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده، بثلاثة طُرُق، ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرًا؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب، مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأن هذا خاص بمن يَكْذِب، في أخبار الشراء، والذي قبله أعمّ منه، فتكون خصلة أخرى. انتهى كلام الحافظ ﵀ "تعالى (٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٩) - (بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الانْسَانِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٧] (١٠٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِه، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِه، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا؛ أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا").
стр. 1662
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١ - (أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ) وهو: عبد الله بن سعيد بن حُصَين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن شيخه الأشجّ أحدُ المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، وبقيّة اللطائف مرّت قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) "من" شرطية، وجوابها: جملة قوله: "فحديدته … إلخ"، وقوله: (بِحَدِيدَةٍ) متعلّقٌ بـ "قتل"، ولفظ الحديدة أعمّ من السكّين، فيشمل آلات النجار، وآلات الحداد، وغيرهما (فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ) مبتدأ وخبره (يَتَوَجَّأُ) بمثناة، ووا ومفتحتين، وتشديد الجيم، آخره همزة، بوزن يتكبّرُ، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفًا: أي يطعن، والجملة في محلّ نصب على الحال.
وقال القرطبيّ: معنى: "يتوجّأ": يَطعن، وهو مهموز من قولهم: وَجَأته بالسكّين أَجَأه: أي ضربته، وَوُجِئَ هو، فهو مَوجوءٌ، ومصدره وَجْئًا مقصورًا مهموزًا، فأما الوِجَاءُ بكسر الواو والمدّ فهو رَضُّ الأنثيين، وهو ضربٌ من الْخِصَاء. انتهى (١).
وقال في "القاموس": وَجَأَهُ باليد، والسكّين كوَضَعَهُ: ضربه، كتَوَجَّأه. انتهى (٢). وفي "المصباح": وجَأْته، أوْجَؤُهُ، مهموزٌ، من باب نفع، وربّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَأُ، كما قيل: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَهَبُ، وذلك: إذا ضربته بسكين، ونحوه، في أيّ موضع كان. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ": "يجأ" قال في "الفتح"؛ بفتح أوله، وتخفيف الجيم، وبالهمز: أي يطعن بها، وقد تُسهّل الهمزة، والأصل في "يجأ" يوجأ، قال التين: في رواية الشيخ أبي الحسن: "يُجأ" بضمّ أوله، ولا وجه له، وإنما يُبنى للمجهول بإثبات الواو، "يُوجَأُ" بوزن يُوجَدُ. انتهى.
стр. 1663
(بِهَا) أي بتلك الحديدة، وهو متلّق بـ "يتوجّأ"، وكذا قوله: (فِي بَطْنِهِ) وأما قوله: (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) متعلّق بحال محذوف: أي حال كونه كائنًا في نار جهنّم، و"جهنّم" اسم لنار الآخرة - عافانا الله منها، ومن كلّ بلاء - قال يونس، وأكثر النحويين: هي عجميّة، لا تنصرف للعجمة والتعريف، وقال آخرون: هي عربيّة، لم تصرف للتأنيث والعلميّة، وسميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جَهنّم، وجِهِنَّام - بكسر الجيم والهاء -: أي بعيدة الْقَعْر، وقيل: مشتقّة من الْجُهُومة، وهي الغِلَظ، يقال: جَهْمُ الوجه: أي غليظه، فسميت جهنّم لغلظ أمرها. والله أعلم (١).
وقوله: (خَالِدًا) منصوب على أنه حال مقدّرة من فاعل "يتوجّأ"، وهو اسم فاعل من خَلَدَ بالمكان خُلُودًا، من باب قَعَدَ: إذا أقام فيه، وأخلد بالألف مثله (٢)، وقوله: (مُخَلَّدًا) بفتح اللام المشدَّدة: اسم مفعول من التخليد، حال مؤكّد لما قبله (فِيهَا) أي في نار جهنم، وهو متعلّق بـ "خالدًا"، أو بـ "مُخَلَّدًا" على سبيل التنازع، وكذا قوله: (أَبَدًا) ظاهره موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]؛ لعموم المؤمن نفس القاتل أيضًا، لكن قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى: قد جاءت الرواية بلا ذكر "خالدًا مُخلّدًا أبدًا"، وهي أصحّ، لما ثبت من خروج أهل التوحيد من النار. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التخليد الذي لا انقطاع له بوجه، وهو محمول على من كان مستحلّا لذلك، ومن كان متعمّدًا لذلك كان كافرًا، وأما من قتل نفسه، وهو غير مستحلّ، فليس بكافر، بل يجوز أن يعفو الله عنه، قال: ويجوز أن يراد بقوله: "خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا" تطويل الآماد، ثم يكون خروجه من النار من آخر من يخرج من أهل التوحيد، وَيجري هذا مَجرى المثل، فتقول العرب: خلّد الله ملكك، وأبّد أيامك، ولا أُكلّمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلّمه بعد أزمان، وَيجري هذا مجرى الإغياء في الكلام. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": وقد تمسّك بقوله: "خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا" المعتزلة،
стр. 1664
وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنّة عن ذلك بأجوبة:
منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ فلم يذكر: "خالدًا مخلّدًا"، وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: وهو أصحّ؛ لأن الروايات صحّت أن أهل التوحيد يُعذّبون، ثم يُخرجون منها، ولا يُخلّدون.
وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحلّه، فإنه يصير باستحلاله كافرًا، والكافر مخلّد بلا ريب، وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة، وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرّم الله على الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم، وقيل: التقدير مخلّدًا فيها إلى أن يشاء الله. وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يُخلّد مدة معيّنةً، وهذا أبعدها. انتهى (١).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: والظاهر أن المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلّين له، وإن أريد منه العموم، فالمراد من الخلود والتأبيد: المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع له، واستمرارٍ مديدٍ ينقطع بعد حين بعيد؛ لاستعمالها في المعنيين، فيقال: وقف وقفًا مخلَّدًا مؤبّدًا، وأُدخل فلان حبس الأبد، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما؛ للتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل.
[فإن قلت]: ما تصنع بالحديث الذي يأتي عن جندب بن عبد الله ﵁، عن النبيّ ﷺ : "بادرني عبدي بنفسه، فحرّمت عليه الجنّة"؟.
[قلت]: هو حكاية حال، فلا عموم فيها؛ إذ يحتمل أن الرجل كان كافرًا، أو ارتدّ؛ لشدّة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحًا، مع أن قوله: "فحرّمت عليه الجنّة"، ليس فيه ما يدلّ ظنًّا على الدوام والإقناط الكلّيّ فضلًا عن القطع. انتهى كلام الطيبيّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن أحسن التأويل إذا لم يكن مستحلّا تأويل من قال: هذا جزاؤه إن جُوزي، لكن قد تكرّم الله على
стр. 1665
الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم؛ وهو أقرب التأويلات؛ للجمع بين النصوص التي تقطع بدخول الموحّدين الجنة، وإن فعلوا ما فعلوا غير الشرك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١١٦] الآية، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَمَنْ شَرِبَ) وفي رواية للبخاريّ: "ومن تَحَسَّى سمًّا"، و"تَحَسَّى" بمهملتين بوزن تغدَّى: أي شَرِبَ بتمهّل، وتجرّعه، والتحسّي، والحسو واحد، غير أن فيه تكلّفًا، قاله الطيبيّ.
(سَمًّا) هو: بتثليث السين المهملة، والفتح أفصح، وتشديد الميم، قال في "المصباح": السِمّ: ما يَقتل، وبالفتح أكثر، وجمعه سُموم، مثل فَلْس، وفُلُوس، وسِمَام أيضًا، مثل سَهْم، وسِهَام، والضمّ لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وسَمَمتُ الطعامَ سَمًّا، من باب قَتَلَ: جعلتُ فيه السمّ، و"السّمّ" ثَقْبُ الإِبْرَة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه سِمَام. انتهى.
وقال القرطبي: السمّ القاتل للحيوان يقال بضمّ السين، وفتحها، وأما السمّ الذي هو ثُقْبُ الإبرة، فبالضمّ لا غير. انتهى (١).
وقال السنديّ: والسمّ دواء قاتل، يُطرح في طعام، أو ماء، فينبغي أن يُحمل "تحسّى" على معنى أدخل في باطنه، ليعمّ الأكل والشرب جميعًا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره القرطبيّ من ضبط السمّ فيه نظر؛ لأنه يردّه ما سبق عن "المصباح"، فإنه ضبطه بالتثليث، ونحوه في "القاموس"، فإنه قال: السّمّ الثَّقْبُ، وهذا القاتل المعروف، ويثلّث فيهما، جمعه سُمُوم، وسِمَام. انتهى (٣).
فقد ثبت فيهما التثليث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَتَلَ نَفْسَهُ) فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها بيان توقّف الجزاء المذكور عليها (فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ) أي السمّ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ) أي أسقط نفسه منه؛ لما يدلّ عليه قوله: (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) على أنه تعمّد ذلك، وَإلا فمجرّد قوله: "تردَّى" لا يدلّ على التعمّد، قاله في "الفتح" (٤).
стр. 1666
وقال الطيبيّ: التردّي في الأصل: التعرّض للهلاك من الردى، وشاع في التدهور؛ لإفضائه إلى الهَلَكَة، والمراد به هنا أن يتهوّر الإنسان، فيرمي نفسه من جبل. انتهى (١). (فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي ينزل من جبال النار إلى أوديتها (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) قال الطيبيّ: وفي تعذيب الفسّاق بما هو من جنس أفعالهم حِكَمٌ لا تخفى على المتفكّرين من أولي الألباب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٩/ ٣٠٧ و ٣٠٨] (١٠٩)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٦٥ و ٥٧٧٨)، و (أبو داود) في "الطبّ" (٣٨٧٢)، و (الترمذيّ) في "الطبّ" (٢٠٤٣)، و (ابن ماجه) في "الطبّ" (٣٤٦٥)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٦٥) وفي "الكبرى" (٢٠٩٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٤ و ٤٧٨ و ٤٨٨)، و (الدارمي) في "سننه" (٢/ ١٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٣ و ١٢٤ و ١٢٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٣ و ٢٩٤ و ٢٩٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٢٧ و ٦٢٨ و ٦٢٩)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٩٦ و ١٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٣ - ٢٤ و ٩/ ٣٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد هذا الحديث في "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه من كبائر الذنوب التي يستحقّ بها العذاب الأليم.
٣ - (ومنها): أن جزاء من قتل نفسه بشيء أن يعذّب بذلك الشيء.
стр. 1667
٤ - (ومنها): ما قاله التوربشتيّ: لَمّا كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر، والْحُمْق، والغضب على إتلاف نفسه، ويُسَوِّلُ له الشيطان أن الخطب فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه، وإذا لم يكن لصنيعه مطالب من قِبَل الخلق، فإن الله يغفر له، أعلم النبيّ ﷺ المكلّفين أنهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة، ومُعذَّبون به عذابًا شديدًا، فإن ذلك في التحريم، كقتل سائر النفوس المحرَّمة. انتهى (١).
٥ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه.
قال القاضي عياض: وفيه حجة لمالك، ومن قال بقوله على أن القصاص من القاتل بما قَتَل به، مُحدّدًا كان أو غير محدّد، خلافًا لأبي حنيفة؛ اقتداءً بعقاب الله لقاتل نفسه في الآخرة، ثم ذكر حديث اليهوديّ، وحديث العرنيين.
وتعقّبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا الذي أخذه من هذا الحديث في هذه المسألة ضعيفٌ جدًّا؛ لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله، وليس كلُّ ما ذكر الله أنه يفعله في الآخرة يُشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار، هالساع الحيّات والعقارب، وسَقْي الحميم المقطِّع للأمعاء.
وبالجملة، فما لناَ طريق إلى إثبات الأحكام إلا نصوص تدلّ عليها، أو قياس على المنصوص عند القياسيين، ومن شرط ذلك أن يكون الأصل المقيس عليه حكمًا، أما ما كان من فعل الله تعالى فلا، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وليس ما نعتقده فعلًا لله تعالى في الدنيا أيضًا بالمباح لنا فيه، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء بعباده، ولا حكم عليه، وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه، بواسطة، أو بغير واسطة. انتهى كلام ابن دقيق العيد (٢).
стр. 1668
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القائلين بالمماثلة في القصاص بهذا الحديث، وإن ضعّفه ابن دقيق العيد، إلا أن لهم أدلّة أخرى، فقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وحديث رَضّ النبيّ ﷺ رأسَ اليهوديّ الذي رَضَّ رأس الجارية، وغيرِ ذلك من الأدلة، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غير:
١ - (يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ الْحَاثِيِّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبت [٨] (ت ١٨٦) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
وقوله: (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد.
وقوله: (عَبْثَرُ) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، هو: ابن القاسم الزّبَيديّ.
وقوله: (يَعْني ابْنَ الْحَارِثِ) العناية من المصنّف، وقد تقدّم توجيهها غير مرّة.
وقوله: (كُلُّهُمْ) أي كلّ الثلاثة: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الماضي، وهو إسناد وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
стр. 1669
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وقوله: "كلُّهم بهذا الإسناد مثله"، وفي رواية شعبة: "عن سليمان: قال: سمعت ذكوان": يعني بقوله: "هذا الإسناد" أن هؤلاء الجماعة المذكورين، وهم: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة، رووه عن الأعمش، كما رواه وكيع في الطريق الأولى، إلا أن شعبة زادها هنا فائدةً حسنةً، فقال: "عن سليمان" - وهو الأعمش - "قال: سمعت ذكوان" - وهو أبو صالح - فَصَرَّحَ بالسماع، وفي الروايات الباقية يقول: "عن"، والأعمش مُدَلّسٌ لا يُحْتَجُّ بعنعنته إلا إذا صَحَّ سماعه الذي عنعنه من جهة أخرى، فَبَيَّنَ مسلمٌ أن ذلك قد صَحَّ من رواية شعبة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (١).
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث السابق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما رواية جرير، وعبثر، فلم أجد من ساقهما، وأما رواية شعبة، فقد ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٥٧٧٨) حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت ذكوان، يحدث عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "مَن تَرَدَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردَّى فيه، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومَن تَحَسَّى سَمًّا فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومن قَتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأ بها في بطنه، في نار جهنم، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا".
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ) هو الأعمش (قَالَ) أي سليمان الأعمش (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أي أبا صالح، وغرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا بيان لطيفة إسناديّة مهمّة جدًّا، وهي أن الأعمش مشهور بالتدليس، وقد عنعن في الرواية السابقة مما يوقع في اتّهامه بالتدليس، فأزال ذلك برواية شعبة عنه المصرّحة بسماعه من أبي صالح، على أنه لو لم يُصرّح لكفانا رواية شعبة عنه، فإنه قد صرّح بأنه قال: كفيتكم شرّ تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، وقد ذكرت هذه القاعدة، وقاعدة رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ في "الجوهر النفيس"، فقلت:
стр. 1670
وَكَيْفَ لَا وَقَدْ كَفَانَا عَلَنَا … مِنْ شَرِّ تَدْلِيسِ ثَلَاثَةٍ لَنَا
قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبِيعِي الأَعْمَشِ … فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلَا تُفَتِّشِ
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيِّدَةُ … إِذَا أَتَتْ لَنَا مِنْهُمْ رِوَايَةُ
أَي مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةٍ مُعَنْعَنَهْ … مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ آمِنَهْ
نَظِيرُهُ اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ مُسْلِمِ … فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ مِنْ ذَا الْعَالِمِ
لِغَيْرِ مَا سَمِعَهُ مِنْ جَابِرِ … وَاللهُ حَسْبِي دَائِمًا وَجَابِرِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٩] (١١٠) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَامٍ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ، أنهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَة، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كلمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ - بتشديد اللام - الدِّمَشْقِيُّ) الحبشيّ، ويقال: الأَلْهَانيّ، أبو سلّام الدمشقيّ، سكن حمصَ، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وجده، وأخيه زيد، ونافع مولى ابن عمر، والزهريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، ومحمد بن المبارك، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعثمان بن سعيد بن دينار، وعثمان بن عبد الرحمن الحرانيّ، وغيرهم.
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل، وذَكَر أصحاب يحيى بن أبي كثير، فقال: هشامٌ - يعني: الدستوائيّ - يَرْجع إلى كتاب، والأوزاعي
стр. 1671
حافظ، وهَمّام ثقةٌ، وحرب بن شدّاد، ومعاوية بن سلّام ثقتان، وقال يوسف بن موسى الْعَطّار الحربيّ: سئل أبو عبد الله عن معاوية بن سلّام؟ فقال: معاوية بن سلّام، وحرب بن شدّاد، وعليّ بن المبارك، هؤلاء متقاربون في حديث يحيى - يعني: ابن أبي كثير -، وهشام - يعني: الدستوائيّ - فوق هؤلاء، وقال أبو زرعة الدّمَشقيّ: عَرَضتُ على أحمد حديثًا، قال: من يروي هذا؟ قلت: معاوية بن سلام، فقال: معاوية بن سلّام ثقة، وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عبّاس بن الوليد الخلّال: قال لي يحيى بن معين: معاوية بن سلّام مُحَدِّث أهل الشام، وهو صدوق الحديث، ومن لم يكتب حديثه، مسنده ومنقطعه، فليس بصاحب حديث، وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة، وعن دُحَيم: جَيِّد الحديث، ثقة، كان بحمص، ثم انتقل إلى دمشق، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال مروان بن محمد: قلت لمعاوية بن سلام تَعَجُّبًا به لصدقه: إنك لشيخ كَيِّس، وقال أبو زرعة الدمشقي: كان يحيى بن حَسّان ومروان يَرْفَعان مِنْ ذِكْرِه، وكان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال النسائي: ثقةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: دَفَع إليه يحيى بن أبي كثير كتابًا، ولم يقرأه، ولم يسمعه.
قال ابن عساكر بلغني أنه كان حَيًّا سنة أربع وستين ومائة، وذكر الذهبي أنه تُوُفِّي في حدود السبعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٥ - (ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ) بن خَلِيفة بن ثعلبة بن عديّ بن كعب بن عبد الأشهل، الأنصاريّ الأشهليّ الأوسيّ، أبو زيد المدنيّ، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رَدِيف رسول الله ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد، روى عن النبيّ ﷺ ، ورَوَى عنه عبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ، وأبو قِلابة، عبد الله بن زيد الجرميّ.
стр. 1672
قال عمرو بن عليّ: مات سنة (٤٥)، وقال البخاريّ، والترمذيّ: شهد بدرًا، وحَكَى أبو حاتم أنّ ابن نُمَير قال: هو والد زيد بن ثابت، ورَدّه أبو حاتم، فقال: إن كان ابن نُمير قاله، فقد غَلِطَ، وذلك أن أبا قلابة يقول: حدثني ثابت بن الضحاك بن خَلِيفة، وأبو قلابة لم يدرك زيد بن ثابت، فكيف يدرك أباه؟.
قال الحافظ: ولعل ابن نُمير لم يُرِد ما فَهِموه عنه، وإنما أفاد أن له ابنًا يُسَمَّى زيدًا، لا أنه عَنَى والدَ زيد بن ثابت المشهور، ولذلك يُكنى أبا زيد، وذكر غير واحد، منهم ابنُ سعد وابنُ مَنْدَه، وهارون الْحَمَّال، فيما حكاه البغويّ، وأبو جعفر الطبريّ، وأبو أحمد الحاكم: أنه مات في فتنة ابن الزبير، زاد بعضهم في سنة (٦٤).
قال الحافظ: وهذا عندي أشبه بالصواب من قول عمرو بن علي؛ لأن أبا قلابة صَحَّ سماعه منه، وأبو قلابة لم يَطلُب العلم إلا بعد سنة (٦٩). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر في "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٦٥) وفيه إشكالٌ أيضًا؛ لأنه إذا ثبت أن أبا قلابة لم يطلب العلم إلا بعد سنة (٦٩) يبعد أن يسمع ممن مات سنة (٦٤)، إلا أن يكون الرقم المذكور دخله التصحيف، فليُحرّر، والله أعلم.
وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وكرّره هنا ثلاث مرّات، وحديث (١٥٤٩): "نهى عن المزارعة"، وأعاده بعده، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، والإخبار.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة.
стр. 1673
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من خيار الصحابة، بايع تحت الشجرة، وشهد بدرًا إن صحّ، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وليس له فيه إلا حديثان، كما أسلفت ذلك آنفًا، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو أربعة أحاديث فقط، الحديثان المتقدّمان آنفًا، وحديث مبايعته تحت الشجرة عند الشيخين، وحديث: "نذر رجل على عهد النبيّ ﷺ أن ينحر إبلًا ببُوانة … " عند أبي داود فقط، راجع ترجمته في "تحفة الأشراف" ٢/ ١٤٣ و ١٤٥، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اسمه صالح بن المتوكّل (أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ) بكسر القاف (أَخْبَرَهُ) أي أخبر يحيى (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَاكِ) ﵁ (أَخْبَرَهُ) أي أبا قلابة (أنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي عاهده، وعاقده، قال في "النهاية" ما معناه: المبايعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأنّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايعَ للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدَقَ على ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١]. انتهى (٢).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
(تَحْتَ الشَّجَرَةِ) "أل" للعهد: أي الشجرة المعروفة التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨].
وهي المبايعة المسمّاة ببيعة الرضوان، وكانت بالْحُديبية، هي موضع فيه ماء، قيل: بينها وبين مكة تسعة أميال، وذلك أن النبيّ ﷺ أقام مُنْصَرَفه من
стр. 1674
غزوة بني المصطلق في شوال، وخرج في ذي القعدة سنة ستّ من الهجرة مُعتمرًا، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة، فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج النبيّ ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة، وساق معه الهديَ، فأحرم رسول الله ﷺ ؛ ليعلم الناس أنه لم يَخرج لحرب، فلما بلغ خروجه قريشًا خرج جمعهم صادّين لرسول الله ﷺ عن المسجد الحرام، ودخولِ مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقَدَّموا خالد بن الوليد في خيل إلى كُرَاع الْغَمِيم، فورد الخبر بذلك على رسول الله ﷺ وهو بعسفان، فسلك طريقًا يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، فلما بلغ ذلك خيلَ قريش التي مع خالد، جَرَت إلى قريش تعلمهم بذلك، فلما وصل رسول الله ﷺ إلى الحديبية، بَرَكَت ناقته ﷺ ، فقال الناس: خَلأت خَلأت، فقال النبيّ: "ما خلأت، وما هو لها بُخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليومَ إلى خُطَّة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها". ثم نزل ﷺ هناك، ثم جَرَت السُّفَراء بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامريّ فقاضاه على أن ينصرف ﷺ عامه ذلك، فإذا كان من قابلٍ أتى معتمرًا، ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح حاشا السيوف في قُرُبها، فيقيم بها ثلاثًا، ويَخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صُلْحٌ عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس، ويأمن بعضهم بعضًا، مع شروط أخرى، فتمّ الصلح على ذلك، وكان رسول الله ﷺ قبل الصلح قد بَعَثَ عثمان بن عفان إلى مكة رسولًا، فجاء خبر إلى رسول الله ﷺ بأن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول الله ﷺ حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة، فبايعه أصحابه على الموت، أو على أن لا يفرّوا، وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة التي أخبر الله تعالى أنه رَضِي عن المبايعين لرسول الله ﷺ تحتها، وأخبر رسول الله ﷺ أنهم لا يدخلون النار، وضرب رسول الله ﷺ بيمينه على شماله لعثمان، فهو كمن شهدها، والقصّة طويلة (١)، وستأتي مطوّلة في محلّها من"كتاب الفضائل" - إن شاء الله تعالى -.
стр. 1675
(وَانَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) بفتح "أنّ"؛ لكونها معطوفةً على قوله: "أنه بايع … إلخ"، فهو مفعول ثانٍ لـ "أخبر" (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة، جوابها قوله: "فهو كما قال" (حَلَفَ) أي أقسم (عَلَى يَمِينِ) المراد باليمين هنا: المحلوف عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو بـ "ملةَ غير الإسلام"، ويجوز أن يقال: إنّ "على" صلةٌ، وينتصب "يمين" على أنه مصدر مُلاقٍ في المعنى، لا في اللفظ، قاله القرطبيّ.
(بِمِلَّةٍ) - بكسر الميم، وتشديد اللام -: الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعمّ جميع الْمِلَل، من أهل الكتاب، كاليهود، والنصرانيّة، ومن لَحِق بهم من المجوسيّة، والصابئة، وأهل الأوثان، والدَّهريّة، والمعطّلة، وعَبَدَة الشياطين، والملائكة، وغيرهم.
قال الصنعانيّ رحمه الله تعالى في "العدّة": لا يتبادر من قوله: "على يمينٍ بملّة" إلا أن الملّة محلوف بها، وأنه قال الحالف: وملّةِ اليهوديّة، وقوله: "كاذبًا" حال من فاعل "حَلَفَ"، وحَلَفَ يتضمّن عَظَّمَ، إذ الحلِفُ تعظيم للمحلوف به قطعًا، فقوله: "كاذبًا"، فكأنه قال: مَن حلف معظّمًا لملّة اليهوديّة، حال كونه كاذبًا في تعظيمه إياها بحلفه، إذ الحلف يتفرعّ عن تعظيم ما حُلِف به، فكَذِبه كان بتعظيمه ما أهانه الله تعالى، والحلف بالشيء يتضمّن الإخبار بتعظيمه، ولذا يقول صاحب الملك: وحياةِ الملك، فإن هذا حلف يتضمّن الإخبار باعتقاده، وتعظيم مَن حلف به، هذا مما لا ريب فيه. انتهى (١).
(غَيْرِ الْإِسْلَامِ) بالجرّ صفة لـ "ملّةٍ": أي بملّة غيرِ دين الإسلام، أيَّ دِينٍ كان، كما ذُكر بيانه آنفًا.
(كَاذِبًا) زاد في الرواية الآتية من طريق الثوريّ، عن خالد الحذّاء: "مُتَعَمّدًا"، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: قوله: "كاذبًا متعمّدًا" تفرّد بزيادتها - يعني: لفظة "متعمّدًا" - سفيان الثوريّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها أن الحالف المتعمّد إن كان مُطمئنّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيم
стр. 1676
ما لا يُعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملّة لكونها حقًّا كَفَرَ، وإن قالها لمجرّد التعظيم لها احتمل.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضًا (١).
قال الجامع: توجيه الحافظ هذا بُعده مما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم.
قال: ودعوى عياض تفرد سفيان بهذه الزيادة إنما هو بالنسبة لرواية مسلم، وإلا فقد أخرجها البخاريّ من طريق يزيد بن زُريع، والنسائيّ من طريق ابن أبي عديّ، كلاهما عن خالد الحذّاء، فتنبّه (٢)، والله تعالى أعلم.
(فَهُوَ كمَا قَالَ) "ما" مصدريّة، أو موصولة، والعائد محذوفٌ: أي فهو مثل قوله، أو فهو كالذي قاله.
ثم هو بظاهره يفيد أنه يصير كافرًا، لكن يَحتمل أن يكون المراد ضعفه في دينه، وخروجه عن الكمال فيه.
ويحتمل أن يكون المراد إن كان راضيًا بالدخول في تلك الملّة، فيكون كافرًا على ظاهره، خارجًا عن الإسلام.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يريد به النبيّ ﷺ : من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملّة المغايرة لملّة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظ على ظاهره، و"كاذبًا" منصوث على الحال: أي في حال تعظيم تلك الملّة التي حَلَف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]؛ لأن من عظّم ملّةَ غير الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه دائمًا في كلّ حال، وكلّ وقتٍ، لا ينتقل عن ذلك، ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه؛ لأنه يستوي في ذمّه كونه صادقًا، أو كاذبًا، إذا حلف بملّة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمّه الشرع من حيث إنه حَلَف بتلك الملّة الباطلة، معظّمًا لها، على نحو ما تُعظَّم به ملّة الإسلام الحقّ، فلا فرق بين أن يكون صادقًا، أو كاذبًا في المحلوف عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 1677
وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثمٌ، مرتكبٌ كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظّم تلك الملّة، ويعتقدها، فغلّظ عليه الوعيد، بأن صيّره كواحد منهم، مبالغةً في الردع، والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي الرواية التالية: "ومن قتل نفسه بِشيء في الدنيا عُذّب به يوم القيامة"، وفي الرواية التي بعدها: "ومن قتل نفسه بشيء عَذّبه الله به في نار جهنّم"، وفي رواية للبخاريّ: "ومن قتل نفسه بشيء عُذب به في نار جهنّم".
وقوله: "بشيء" أعمّ من قوله في حديث أبي هريرة ﵁ السابق: "بحديدة"، وقوله أيضًا: "ومن تحسّى سمًّا"، وقد سبق أن هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي دته تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه.
(وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ) ليس كونه رجلًا قيدًا في هذا، بل هو باعتبار الغالب، وإلا فالمرأة فيه مثله، ويدلّ على ذلك رواية البخارفي بلفظ: "وليس على ابن آدم نذر فيما لا يَملك" (نَذْرٌ) أي وفاء نذر، فهو على حذف مضاف، و"النذر" - بفتح، فسكون - مصدر نَذَرَ يَنْذِر، قال في "النهاية": يقال: نَذَرتُ أَنْذِر، وأنْذُرُ نَذْرًا - يعني: من بابي ضرب ونصر - إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرُّعًا، من عبادة، أو صَدَقَة، أو غير ذلك. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": نذَر على نفسه يَنْذِر - بكسر الذال - ويَنذُرُ - بضمها - نَذْرًا ونُذُورًا: أوجبه، كانتذر، ونَذَرَ ماله، ونَذَرَ لله سبحانه كذا، أو النذر ما كان وعدًا على شرط، فعليّ إن شفى الله مريضي كذا نذرٌ، وعليّ أن أتصدّق بدينار ليس بنذر. انتهى (٣).
وقال ابن الملقّن: النذر لغةً الوعد بخير أو شرّ، وشرعًا وعدٌ بخير، دون
стр. 1678
شرّ، قاله الماورديّ، وقال الرافعيّ: هو التزام شيء، وعبارة غيرهما: أنه التزام قربة غيرِ لازمة بأصل الشرع، زاد بعضهم: مقصودة. انتهى (١).
(فِي شَيءٍ) متعلّق بـ "نذْرٌ"، وقوله: (لَا يَمْلِكُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "شيء"، يعني: أنه لا ينعقد النذر في غير الملك، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا صحيح فيما إذا باشر ملك الغير، كما لو قال: لله عليّ عتقُ عبد فلان، أو هديُ بَدَنة فلان، ولم يُعلّق شيئًا من ذلك على ملكه له، فلا خلاف بين العلماء أنه لا يلزمه شيء من ذلك، غير أنه حُكي عن ابن أبي ليلى في العتق: أنه إذا كان مُوسرًا عتق عليه، ثم رجع عنه، وإنما اختلفوا فيما إذا علّق العتق، أو الهدي، أو الصدقة على الملك، مثل أن يقول: إن ملكت عبد فلان فهو حرّ، فلم يُلزمه الشافعيّ شيئًا من ذلك، عَمّ أو خَصَّ؛ تمسّكًا بهذا الحديث، وألزمه أبو حنيفة كل شيء من ذلك عَمّ أو خَصَّ؛ لأنه من باب العقود المأمور بالوفاء بها، وكأنه رأى أن ذلك الحديث لا يتناول المعلَّقَ على الملك، لأنه إنما يلزمه عند حصول الملك لا قبله، ووافق أبا حنيفة مالك فيما إذا خَصَّ؛ تمسّكًا بمثل ما تمسّك به أبو حنيفة، وخالفه إذا عَمّ؛ رفعًا للحرج الذي أدخله على نفسه، ولمالك قول آخر مثل قول الشافعيّ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ رحمه الله تعالى في هذه المسألة هو الحقّ عندي؛ لظاهر حديث الباب، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثابت بن الضّحّاك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه (٣).
стр. 1679
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٩/ ٣٠٩ و ٣١٠ و ٣١١] (١١٠)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٦٣)، و"المغازي" (٤١٧١ و ٤٨٤٣)، و"الأدب" (٦٠٤٧ و ٦١٠٥)، و"الأيمان والنذور" (٦٦٥٢)، و (أبو داود) في "الأيمان والنذور" (٣٢٥٧)، و (الترمذيّ) في "النذور والأيمان" (١٥٢٧ و ١٥٤٣) و"الإيمان" (٢٦٣٦)، و (النسائيّ) في "الأيمان والنذور" (٣٧٩٧ و ٣٧٩٨ و ٣٨٤٠)، وفي "الكبرى" (٤٨١١ و ٤٧١٢ و ٤٧٥٥)، و (ابن ماجه) في "الكفّارات" (٢٠٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٣ و ٣٤)، و (الدارميّ) في "سننه" في "الديات" (٢٣٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٩ و ١٣٠ و ١٣١ و ١٣٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٦ و ٢٩٧ و ٢٩٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٢٨ و ١٣٣٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): جملة الخصال التي ذكرها المصنّف رحمه الله تعالى في حديث ثابت بن الضحّاك ﵁ هذا ثلاثة أشياء:
١ - "من حلف على يمين بملّة غير الإسلام كاذبًا".
٢ - "ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة".
٣ - "وليس على رجل نذرٌ في شيء لا يملكه".
وزاد في الرواية التالية:
٤ - "ولعنُ المؤمن كقتله".
٥ - "ومن ادّعى دعوى كاذبة؛ ليتكثّر بها، لم يزده الله إلا قلّة".
٦ - "ومن حلف على يمين صبر فاجرة".
وقد جمعها البخاريّ رحمه الله تعالى في سياق واحد، إلا الأخيرين، فذكر بدل الخامس قذف المؤمن بكفر، ولم يذكر السادس، فقال في "كتاب الأدب" من"صحيحه":
(٦٠٤٧) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة حدثه، أن رسول الله ﷺ ، قال: "من حلف على ملة غير
стр. 1680
الإسلام، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر، فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا، فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر، فهو كقتله".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: مدار هذا الحديث في الكتب الستّة، وغيرها على أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، ورواه عن أبي قلابة خالد الحذّاء، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، فأخرجه البخاريّ في "الجنائز" من رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذّاء، فاقتصر على خصلتين: الأولى: "مَن حلف بملة غير الإسلام"، والثانية: "من قتل نفسه بحديدة"، وأخرجه مسلم من طريق الثوريّ، عن خالد الحذّاء، ومن طريق شعبة، عن أيوب كذلك، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى، فذكر خصلة النذر، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، ولم يذكر الخصلتين الباقيتين، وزاد بدلهما: "ومن حلف على يمينِ صبرٍ فاجرة، ومن ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده الله إلا قلّة"، فإذا ضُمّ بعض هذه الخصال إلى بعض اجتمع منها سبعة أشياء (١). انتهى كلام الحافظ بتصرّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده (٢):
١ - (منها): بيان تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان الوعيد الشديد لمن حلف بملّةٍ سوى الإسلام، كاليهوديّة، والنصرانيّة، وغيرهما مطلقًا، وكذا تعليق الحلف بها، وسيأتي حكم الكفّارة فيها - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه، وإثمه بذلك.
стр. 1681
٤ - (ومنها): بيان مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنيويّة، وأن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي لله تعالى، لا يجوز أن تُعَامَل إلا بما شرع الله تعالى أن تُعَامَل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش، وغير ذلك من إلحاق الأذى.
ومن هنا يتبيّن غلط كثير من المتعبّدين الذين يُلزمون أنفسهم التقشّف، والزهد الخارج عن هدي رسول الله ﷺ ، فيصعد أحدهم على رأس شجرة تحتها بحر عميق، فيذكر الله تعالى طول ليله، ويرى ذلك أعونَ له على مجاهدة نفسه، وطرد النوم عنها؛ لأنها لاستشعارها أنها إذا غفلت سقطت في ذلك البحر، فغرقت فيه، تطرد عنها النوم خوفًا من ذلك، وهذا هو عين الغلوّ الذي ورد النهي عنه.
فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فرأى حَبْلًا ممدودًا بين ساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ "، فقالوا: لزينب، تصلي، فإذا فَتَرَت تعلقت به، فقال النبيّ ﷺ : "حُلّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فَتَر فليقعد".
والحاصل أن إلحاق الضرر بالنفس جهل عظيم، دخل على جهلة العبّاد، فأدخل عليهم فسادًا عريضًا، ومن أغرب ما يُرى وُشممع أن مثل هذا يُكتب في كتب الرقائق، كأنه من المناقب التي يُفتخر بها، وُيتعزز بها؛ لكونها مجاهدةً للنفس التي أمر الشرع بها، مع أنها من المثالب التي هي من عمل الشيطان، دعا إليها هؤلاء الجهلة، فأطاعوه، واتّبعوه، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
٥ - (ومنها): منع النذر فيما لا يملك الإنسان، وهل يجب عليه فيه كفّارة يمين؟ فقال الجمهور: لا، وأوجبها عليه أحمد، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): تحريم لعنِ المؤمن، وأن إثمه كإثم قتله.
٧ - (ومنها): تحريم دعوى ما ليس له من حقوق الناس، فمن فعل ذلك؛ ليكثر بذلك ماله عاقبه الله تعالى بنقيض قصده، فيُتلف الله ماله، ويقلّله.
стр. 1682
٨ - (ومنها): تحريم الحَلِف على يمين صبرٍ فاجرة، وهي التي فيها الإلزام عند الحاكم، كما سيأتي بيانها قريبًا، فمن فعل ذلك لقي الله تعالى، وهو عليه غضبان، كما في حديث آخر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): في البحث المتعلّق بقوله ﷺ : "مَن حَلَف على يمين … إلخ":
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الحلف بالشيء حقيقةً هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: والله، والرحمن، وقد يُطلق على التعليق بالشيء يمين، كقول الفقهاء: مَن حلف بالطلاق على كذا، فالمراد تعليق الطلاق، وهذا مجازٌ، وكأن سببه مشابهة هذا التعليق باليمين في اقتضاء الحثّ والمنع.
إذا ثَبَتَ هذا، فنقول: قوله ﷺ : "من حَلَفَ على يمين بملّة غيرِ الإسلام" يَحْتَمِل أن يُراد به المعنى الأول، ويَحتمل أن يُراد به المعنى الثاني، والأقرب أن المراد الثاني؛ لأجل قوله: "كاذبًا متعمّدًا"، والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وأما قولنا: والله، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين:
[أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا، فهو يهوديّ، أو نصراني.
[والثاني]: يتعلّق بالماضي، مثل أن يقول: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ، أو نصرانيّ. فأما الأول - وهو ما يتعلّق بالمستقبل - فلا تتعلّق به الكفّارة عند المالكيّة، والشافعيّة، وأما عند الحنفيّة ففيها الكفّارة، وقد يتعلّق الأولون بهذا الحديث؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: "فهو كما قال".
وأما إن تعلّق بالماضي، فقد اختلف الحنفيّة فيه، فقيل: إنه لا يُكفّر اعتبارًا بالمستقبل، وقيل: يُكفّر؛ لأنه تنجيز معنى، فصار كما إذا قال: هو يهوديّ، وقال بعضهم: والصحيح أنه لا يُكَفّر فيهما، إن كان يعلم أنه يمين،
стр. 1683
وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر، حيث أقدم على الفعل. انتهى كلام ابن دقيق العيد (١).
قال في "الفتح": وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يُحْكَم عليه بالكفر، إذا كان كاذبًا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن قَصَدَ حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متّصفًا بذلك كفَرَ؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يَكْفُر، لكن هل يَحْرُم عليه ذلك، أو يُكْرَه تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التحريم هو الحقّ؛ لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف بملّة غير الإسلام، أو نحو ذلك:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختُلف فيمن قال: أكفر بالله، ونحو ذلك، إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافرًا، إلا إن أضمر ذلك بقلبه.
وقال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأول أصحّ؛ لقوله ﷺ : "من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله"، ولم يذكر كفّارة.
زاد غيره: ولذا قال: "من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحدٌ عليه، ذكره في "الفتح" (٢).
وقال ابن قُدامة رحمه الله تعالى - بعد ذكر الروايتين عن أحمد -: والرواية الثانية - يعني: القول بعدم الكفّارة - أصحّ - إن شاء الله تعالى -؛ فإن الوجوب من الشارع، ولم يَرِد في هذه اليمين نصٌّ، ولا هي في قياس المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعالى؛ تعظيمًا
стр. 1684
لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من تصحيح القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بملّة سوى الإسلام، أو هو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث، هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجّته، وإنما الواجب عليه التوبة، والاستغفار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٠] ( … ) - (حَدَّثَنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاك، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِه، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً؛ لِيَتكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم - هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدَّستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت هـ ٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر بوزن جَعْفَر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: "لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ)
стр. 1685
أي وفاء نذر (فِيمَا لَا يَمْلِكُ) هذه الجملة تقدّم شرحها في الحديث الماضي.
(وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) "اللعنُ": الإبعاد عن الرحمة، وقطعه عنها، والقتل: هو الموت والقطع عن التصرّفات.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه أنه مثله في الإثم، ووجهه أن من قال لمؤمن: لعنه الله، فقد تضمّن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة، ومن كان كذلك فقد صار بمنزلة المفقود من المسلمين بعد أن كان موجودًا فيهم؛ إذ لم يَنتفع بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به، فأشبه ذلك قتله، وعلى هذا، فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أن القاتل أدخل في الإثم؛ لأنه أفقد المقتول حسًّا ومعنًى، واللاعن أفقده معنًى، فإثمه أخفّ منه، لكنهما اشتركا في مُطلق الإثم، فصَدَق عليه أنه مثله. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله: "ولعنُ المؤمن كقتله" فيه سؤال، وهو أن يقال: إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام الآخرة، لا يمكن المراد أحكام الدنيا؛ لأن قتله يوجب القصاص، ولعنه لا يوجب ذلك.
وأما الثاني: فإما أن يراد بها التساوي في الإثم، أو في العقاب، وكلاهما مشكل الآن، والإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة، وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فإن الخيرات مصالح، والمفاسد شُرور.
قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني المازريّ -: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وهو تشبيه واقعٌ؛ لأن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن التصرّف.