← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

قال: نَزَل عليّ عبدُ الله، وكان صحابيًّا، فحدّثني عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الدجال ليس به خَفَاءٌ، يجيء من قِبَل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَعُ، ويَظهَر، فلا يزال حتى يَقْدَم الكوفة، فيُظهِر الدين، ويعمل به فيُتَّبَعُ، وَيحُثّ على ذلك، ثم يَدَّعي أنه نبي، فيَفْزَع من ذلك كلُّ ذي لُبّ، ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتُغْشَى عينه، وتقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافرٌ، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق، في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان"، وسنده ضعيف. (المسألة الرابعة): أنه اشتَهَرَ السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذُكر عنه من الشرّ، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمرِ بالاستعاذة منه حتى في الصلاة. [وأجيب بأجوبة]: (أحدها): أنه ذُكِر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، فقد أخرج مسلم، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "ثلاثٌ إذا خَرَجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ، أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض"، وأخرجه الترمذيّ أيضًا، وصححه. (الثاني): قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية [الزخرف: ٦١]، وصَحّ أنه الذي يقتل الدجال، فاكتُفِي بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يُلَقَّب بالمسيح، كعيسى ﵇، لكن الدجال مَسِيح الضلالة، وعيسى ﵇ مسيح الهدى. (الثالث): أنه تُرِك ذكره احتقارًا. وتُعُقِّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بأشدّ من الفتنة بالدجال. وأجاب البلقيني بأنه اعتَبَر كلَّ من ذُكر في القرآن من المفسدين، فوجَدَ كلَّ من ذُكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعدُ، فلم يُذكَر منهم أحدٌ. انتهى.

стр. 2347

وتُعُقّب بأنه ينتقض بيأجوج ومأجوج. وقد وقع في "تفسير البغويّ" أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآية [غافر: ٥٧]، وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكلّ على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تَكَفَّل النبيّ ﷺ ببيانه والعلم عند الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأجوبة كلها ليست مُقنعة، فالأولى أن نَكِلَ علمه في عدم ذكره في القرآن إلى العليم الخبير، فالله تعالى أعلم. وأما ما يظهر على يده من الخوارق، فقد ثبت في الصحيح من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار"، وأخرج نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" من طريق كعب الأحبار، قال: "يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقيّ، ثم يُلتَمَس، فلا يُقْدَر عليه، ثم يُرَى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يدرى أين توجه؟ ثم يظهر بالمشرق، فيُعطَى الخلافة، ثم يُظْهِر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا، ويأمر الريح أن تثير سحابًا من البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر، فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد" (١). وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال"، أخرجه الحاكم، وعند الحاكم من طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد رفعه: "أنه يخرج - يعني: الدجال - في نقص من الدنيا، وخِفّة من الدين، وسوء ذات بَيْن، فيرد كل منهل، وتُطوَى له الأرض … " الحديث. وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؟ فإنه يَهلك بعد ظهوره على الأرض كلها،

стр. 2348

إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى ﵇ فيقتله؛ أخرجه مسلم أيضًا. وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند حسن صحيح إليه قال: "لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة"، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١)، وسيأتي تمام البحث في "كتاب الفتن" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر بعض ما ورد في دابّة الأرض: (اعلم): أنه وردت أحاديث في تعيينها، وصفتها، ومن أين تخرج؟: (فمنها): ما سيأتي للمصنّف في "كتاب الفتن " (٢٩٠١) من طريق فُرَات القَزّاز، عن أبي الطُّفَيل، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ، قال: اطَّلَع النبيّ ﷺ علينا، ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ "، قالوا: نَذْكُرُ الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات"، فذكر "الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تَخرُج من اليمن، تَطْرُد الناس إلى محشرهم" (٢). (ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (١١٦٥) عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم، فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عُمير الليثيّ، أن أبا الطُّفَيل حَدَّثه، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ أبي سَرِيحة، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود، وحديث طلحة أَتَمُّهما وأحسن، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة، فقال: "لها ثلاث خَرَجَات من الدهر، فتخرج من أقصى البادية، ولا يدخل ذِكرُها القرية

стр. 2349

- يعني مكة - ثم تَكْمُن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خَرْجةً أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة -". قال رسول الله ﷺ : "ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمةً، خيرِها وأكرمِها المسجدِ الحرام، لم يَرُعْهم إلا وهي تَرْغُو بين الركن والمقام، تنفُضُ عن رأسها التراب، فارْفَضَّ الناس معها (١) شَتّى ومَعًا، وتثبت عصابة من المؤمنين، وعَرَفُوا أنهم لن يُعجِزوا الله، فبدأت بهم، فجَلَّت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدُّرّيّ، ووَلَّت في الأرض، لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي؛ فيُقبِل عليها، فَتَسِمُهُ في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يُعْرَف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى إنّ الكافر يقول: يا مؤمن اقضني حقّي"، وهو حديث ضعيفٌ (٢). ورواه ابن جرير في "تفسيره " (٢٠/ ١٤ - ١٥) من طريقين عن حذيفة بن أَسِيد موقوفًا، والله أعلم. ورواه من رواية حُذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم، وهو يطوف بالبيت، ولكن إسناده لا يصح، قاله الحافظ ابن كثير ﵀. (ومنها): ما أخرجه المصنّف أيضًا في "كتاب الفتن" (٢٩٤١) من طريق

стр. 2350

أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو، قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أوّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، وأَيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا". (ومنها): ما أخرجه فيه أيضًا (٢٩٤٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدائة، وخاصّةَ أحدكم، وأمر العامة". (ومنها): ما أخرجه أيضًا (٢٩٤٧) من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رَبَاح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم". (ومنها): ما أخرجه ابن ماجه في "كتاب الفتن " من "سننه" (٤٠٥٦) بإسناد حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سَعْد، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، والدجال، أو خاصة أحدكم، وأمر العامة" (١). (ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (٢٦٨٧) من طريق أوس بن خالد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵇ فتَخْطِم أنف الكافر بالعصا، وتُجَلِّي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخِوَان يُعْرَف المؤمن من الكافر". وفي سنده علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف. ورواه أحمد في "مسنده" (٧٨٧٧)، وقال: "فتَخْطِم أنف الكافر بالخاتم،

стр. 2351

وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخِوَان الواحد ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، وبقول هذا: يا كافر". وفيه ما في سابقه. (ومنها): ما أخرجه ابن ماجه أيضًا في "سننه" (٤٠٦٧)، من طريق خالد بن عبيد، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه ﵁، قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية، قريبٍ من مكة، فإذا أرض يابسة، حولها رَمْلٌ، فقال رسول الله ﷺ : "تَخرُج الدابة من هذا الموضع"، فإذا فِتْرٌ في شِبْرٍ، قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين، فأرانا عَصًا له، فإذا هو بعصاي هذه هكذا وهكذا. وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده خالد بن عبيد متروك الحديث (١). (ومنها): ما أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره"، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن ابن عباس قال: هي دابة ذات زَغَب، لها أربع قوائم، تَخرُج من بعض أودية تهامة (٢). (منها): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن فُضيل بن مرزوق، عن عطية، قال: قال عبد اللهِ: "تخرُج الدابة من صَدْعٍ من الصفا، كجَرْيِ الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها". وفيه عطية العوفيّ، وهو ضعيف. وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، قال: سئل عبد الله بن عمرو عن الدابة، فقال: تَخْرُج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم، أو لو شئت لقرعت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها، قيل: فتصنع

стр. 2352

ماذا يا عبد الله بن عمرو؟ قال: تستقبل المشرق، فتصرخ صَرْخَة تُنْفِذُه، ثم تستقبل الشام، فتصرُخ صرخةً تُنْفِذه، ثم تستقبل المغرب، فتصرُخ صرخة تُنفِذه، ثم تستقبل اليمن، فتصرخ صرخة تُنفِذه، ثم تروح من مكة، فتصبح بعُسْفان، قيل: ثم ماذا؛ قال: ثم لا أعلم. رواه ابن أبي حاتم (١). وعن عبد الله بن عُمَر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جمع، رواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده ابن البيلماني، وهو ضعيف. وعن وهب بن منبه أنه حَكَى من كلام عزير ﵁ أنه قال: تخرج من تحت سَدُوم (٢) دابة تُكلِّم الناس كلّ يسمعها، وتَضَع الحبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أُجاجًا، ويتعادى الأخلاء، وتُخْرَق الحكمة، ويُرفَع العلم، وتُكلِّم الأرضُ التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعنّون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون. رواه ابن أبي حاتم عنه (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مريم أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: إن الدابة فيها من كلّ لون، ما بين قرنيها فَرْسخٌ للراكب. وقال ابن عباس: هي مثل الحَرْبة الضخمة. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إنها دابة لها ريشٌ، وزَغَبٌ، وحافر، وما لها ذنبٌ (٤)، ولها لِحْيَةٌ، وإنها لتخرج حُضرَ (٥) الفرس الجواد ثلاثًا، وما خَرَج ثلثها. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه وصف الدابة، فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أَيّل، وعنقها عنق نَعَامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نَمِر، وخاصرتها خاصرة هِرّ، وذنبها ذنب كَبْش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا، تخرج معها

стр. 2353

عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نَكَّتت في وجهه بعصا موسى نُكْتَةً بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نَكَّتت في وجهه نكتةً سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يَسْوَدّ بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون على مائدتهم، فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان أبْشر أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢]. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن هذه الدابّة هي دابّة تكلِّم الناس بكلام فصيح، كما أخبر الله تعالى بذلك، وأما ما سبق من هذه الآثار في صفتها، وكيفية خروجها، ومكانه، فلا يصحّ شيء من ذلك؛ لضعف أسانيدها، وكون أكثرها إسرائيليّات، فلا ينبغي الاعتماد عليها. وأما ما قاله القرطبيّ في "تفسيره " من أن أصحّ الأقوال في تعيين الدابّة أنها فصيل ناقة صالح، واستشهد بما سبق من حديث حذيفة بن أَسِيد المتقدّم وفيه قوله: "وهي ترغو بين الركن والمقام"، قال: والرّغاء إنما هو للإبل، ففيه نظرٌ من وجوه: (الأول): أن قوله: "والرغاء إنما هو للإبل " غير صحيح؛ لأنه يكون لغيرها أيضًا، قال في "القاموس": رَغَا البعيرُ، والضَّبُعُ، والنَّعَامُ رُغَاءً بالضمّ: صَوّتت، فضَجّت، والصبيّ: بَكَى أشدّ البُكاء. انتهى (١). (والثاني): أن الحديث ليس فيه تصريح بكونه ولد ناقة صالح ﵇. (والثالث): أن الحديث ضعيف، فلا يصحّ الاحتجاج به. قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: وقد اختُلف في صورتها، وفي أيّ موضع تخرُج على أقوال كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبرٌ صحيحٌ مرفوع. انتهى (٢). وهو كلام نفيسٌ.

стр. 2354

والحاصل أن تعيين الدابّة، وصفتها، ومكان خروجها مما لا دليل عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال أبو العبّاس القرطبي ﵀: قال بعض المتأخّرين من المفسّرين: الأقرب أن تكون هذه الدابّة إنسانًا متكلِّمًا، يناظر أهل البِدَع والكفر، ويُجادلهم لينقطعوا، فيَهلِك من هَلَك عن بيّنة، وَيحيَى من حَيَّ عن بيّنة. قال القرطبيّ: وإنما كان هذا عند هذا القائل الأقرب؛ لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابّة آيةٌ خاصّة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجّين على أهل البدع كثيرٌ، فلا آية خاصّة، فلا ينبغي أن تُذكَر مع العشر، وترتفع خصوصيّة وجودها. ثم فيه العدولُ عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يَحتجّ على أهل الأرض باسم الإنسان، أو بالعالم، أو بالإمام إلى أن يُسمَّى بدابّة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير - أي: من كونها دابّة من ذوات الأربع - قال: وأما كيفيّة صفتها وخلقتها، وبماذا يملّمهم، فالله أعلم بذلك. انتهى (١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٦] (١٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، سَمِعَهُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: "أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "إِن هَذِهِ

стр. 2355

تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ (١)، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْش، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي (٢)، أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِك، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أتدْرُونَ (٣) مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ المذكور قبل حديثين. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظليّ المروزيّ، أبو محمد، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٤ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣. [تنبيه]: كون يونس ابنَ عُبيد هو الذي صرّح به أبو نعيم في "المستخرج" ١/ ٢٢١ (٣٩٧)، من طريق مؤمّل بن هشام، عن ابن عليّة، وابن حبّان في "صحيحه" ١٤/ ٢١ (٦١٥٣)، من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن عليّة، لكن ابن حبّان قال: هكذا قال إسحاق: "عن يونس بن عُبيد، عن إبراهيم التيميّ"، والمشهور هذا الخبر عن يونس بن خبّاب (٤)، عن إبراهيم التيميّ. انتهى.

стр. 2356

قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام ابن حبّان ﵀ يوهم أن إسحاق تفرّد بقوله: "ابن عُبيد"، وفيه نظر؛ لما ذكرنا من أن مؤمّل بن هشام تابعه عليه عند أبي نعيم، فلم ينفرد به، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٥ - (إِبْرَاهيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ) تيم الرباب، أبو أسماء الكوفيّ العابد، ثقةٌ، يرسلُ، ويُدلّس [٥]. رَوَى عن أنس، وأبيه، والحارث بن سُويد، وعمرو بن ميمون، وأرسل عن عائشة. ورَوَى عنه بيان بن بشر، والحكم بن عتيبة، وزُبيد بن الحارث، ومسلم البَطِين، ويونس بن عبيد، وجماعة. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: ثقةٌ، مرجئ، قتله الحجَّاج بن يوسف، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الأعمش: كان إبراهيم إذا سجد تَجيء العصافير، فتَنْقُر ظهره. وقال الكرابيسي: حدّث عن زيد بن وهب قليلًا، أكثرها مُدَلَّسَةٌ، وقال الدارقطني: لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما، وقال أحمد: لم يَلْقَ أبا ذر، وقال ابن حبان في "الثقات": كان عابدًا صابرًا على الجوع الدائم، وقال أبو داود في "كتاب الطهارة" من "سننه": لم يسمع من عائشة، وكذا قال الترمذي، وقال ابن المديني: لم يسمع من علي، ولا من ابن عباس، وقال القطان في رواية إبراهيم التيمي، عن أنس في القبلة للصائم: لا شيء، لم يسمعه، نقله الضياء الحافظ، قال أبو داود: مات ولم يبلغ أربعين سنة، وقال غيره: مات سنة (٩٢)، وقال الواقدي: مات سنة (٩٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٦ - (أبوه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي مسعود، وحذيفة، وأبي معمر. ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وإبرإهيم النخعي، وجَوّاب التيمي، والحكم بن عتيبة، وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في

стр. 2357

"الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وكان عَرِيفَ قومه، وله أحاديث، وقال أبو موسى المديني في "الذيل": يقال: إنه أدرك الجاهلية. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. ٧ - (أَبُو ذَرّ) الغفاريّ الصحابيّ الشهير، اسمه جُندب بن جُنادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه جمّة، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: يونس، عن إبراهيم، عن أبيه، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الخامسة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، سَمِعَهُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيهِ) هكذا في هذه الرواية عند المصنّف ﵀ من رواية ابن عليّة، عن يونس قال: "سمعه - فيما أعلم - عن أبيه"، وليس ذلك في رواية خالد الطحان التالية، ولا في رواية الأعمش، عن إبراهيم الآتية أيضًا، والظاهر أن القائل: "سمعه … إلخ" هو ابن عليّة، ويحتمل كونه من يونس، ولعله حينما حدّث به ابن عليّة لم يجزم، وجزم حين حدّث به خالدًا الطحّان، والله تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: "أتدْرُونَ) أي: هل تعلمون (أَيْنَ تَذْهَبُ هَذ الشَّمْسُ؟ " قَالُوا) أي: الصحابة الحاضرون (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ (إِنَّ هَذِهِ) أي: الشمس (تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا) بصيغة اسم المفعول، أي: محلّ استقرارها، وقوله: (تَحْتَ الْعَرْشِ) ظرف متعلّق بـ "مستقرّ"، يعني: أنها تمرّ مرًّا سريعًا إلى مكانها تحت العرش، شُبّه مستقَرُّها من فلكها بمستقرّ المسافر إذا قَطَع مسيره من حيث إن في كلٍّ انتهاء

стр. 2358

إلى محلّ معيّن (فتَخِرُّ) بكسر الخاء المعجمة، وضمها، من بابي ضرب، وقعد، قال المجد ﵀: الخَرّ - أي بالفتح -: السقوط، كالخُرور، أو من عُلْوٍ إلى سُفْل، يَخِرُّ - أي بكسر الخاء -، وَيخُرّ - أي بضمّها - انتهى (١). (سَاجِدَةً) منصوب على الحال، وقال القاضي عياض ﵀: قد اختلفت أقاويل المفسّرين في هذا، فقال القُتَبيّ: مُستقرّها: أقصى منازلها في الغروب، لا تُجاوزه، ثم ترجع، ورُوي عن ابن عبّاس ﵄ أنه قرأ هذا الحرف: "لا مُسْتَقَرّ لها"، أي: إنها جاريةٌ أبدًا، لا تثبتُ في موضع واحد، قال بعض أصحاب المعاني: وعلى جمع القراءتين جريُها بحُسبان، لا مستقرّ لها حتى ترتفع إلى أبعد غاياتها، وجريها تحت العرش، وهو مستقرّها على القراءة الأخرى. انتهى (٢). وقال النووي ﵀: هذا مما اختلف المفسّرون فيه، فقال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحديّ: وعلى هذا القول إذا غربت كلَّ يوم استقرّت تحت العرش إلى أن تطلُع من مغربها، وقال قتادة، ومقاتل: معناه: تجري إلى وقتٍ لها، وأجلٍ، لا تتعدّاه، قال الواحديّ: وعلى هذا مستقرّها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا، وهذا اختيار الزجّاج، وقال الكلبيّ: تسير في منازلها إلى آخر مستقرّها الذي لا تتجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها، واختار ابن قُتيبة هذا القول. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: في معنى قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قولان: أحدهما أن المراد مُستَقَرّها المكانيّ، وهو تحت العرش، مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سَقْفُها، وليس بِكُرَة، كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قُبَّةٌ، ذات قوائم، تحمله الملائكة، وهو فوق العالم، مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قُبّة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فَلَكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت

стр. 2359

نصف الليل، صارت أبعد ما تكون إلى العرش، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت في ذلك الأحاديث. وقيل: المراد بِمُستقرِّها هو انتهاء سيرها، وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف، وهو أَوْجُها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء، وهو الحضيض. والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يَبطُل سيرها، وتسكن حركتها، وتُكَوَّر، وَيَنتهِي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزمانيّ. قال قتادة: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] أي: لوقتها لأَجَلٍ لا تعدوه، وقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مُدَّة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، يُرْوَى هذا عن عبد الله بن عمرو ﵄. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس ﵃: "والشمس تجري لا مُسْتَقَرَّ لها"؛ أي: لا قَرَارَ لها، ولا سكون، بل هي سائرة ليلًا ونهارًا، لا تَفْتُر، ولا تَقِفُ، كما قال ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة. انتهى كلام ابن كثير ﵀ باختصار (١). وقال في "الفتح": وأما قوله: "تحت العرش" فقيل: هو حين محاذاتها، ولا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، فإن المراد بها نهاية مُدْرَك البصر إليها حال الغروب، وسجودُها تحت العرش إنما هو بعد الغروب. قال: وفي الحديث رَدٌّ على من زَعَمَ أن المراد بمستقرّها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة، وقيل: إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا. وقال الخطابيّ: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارًا لا نحيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ عِلْمَ ما سألت عنه (٢) من مُستقرِّها تحت العرش في كتاب كُتِب فيه ابتداءُ أمور العالم

стр. 2360

ونهايتها، فيُقطع دورانُ الشصس، وتستقرّ عند ذلك، ويبطل فعلها، وليس في سجودها كلَّ ليلة تحت العرش ما يُعِيق عن دورانها في سيرها. قال الحافظ: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبَّرُ عنه بالجَرْي، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى القول بما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن معنى مستقرّها، أي: موضع استقرارها تحت العرش هو الحقّ؛ إذ لا يُنكَر أن يكون لها استقرارٌ تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبرنا عن غيب، فلا نكذّبه، ولا نُكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به. والحاصل أن كون مُستقرّها تحت العرش، وسجودها فيه على ظاهره؛ إذ لا مانع من ذلك، فلا تلتفت إلى الأقوال المخالفة لظواهر النصوص حتى تكون من ذوي الخصوص، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: استدلّ الطحاويّ ﵀ بهذا الحديث على أن الشمس تغرُب في السماء، وذكر قراءة من قرأ "حامية" يعني: حارّة، ﴿حَمِئَةٍ﴾ من الحمأة والطين، وقال: لا يبعد أن يوجد الطين في السماء، واستشهد بقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ الآيتين [الذاريات: ٣٣]. وتعقّبه القاضي عياض، فقال: ولا حجة في هذا، فقد جاءت الآثار أن العين الحَمِئة في الأرض، وهو ظاهر في القرآن في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية [الكهف: ٨٦]، وأما إرسال الحجارة، فيُرسلها الله تعالى من حيث شاء، ويخلقها حيث يشاء. انتهى (٢). (فَلَا تَزَالُ (الشمس (كَذَلِكَ) (٣) أي: على هذه الحالة، من سجودها تحت العرش، وفي نسخة: "فلا يزال كذلك " بالياء التحتانيّة، أي: لا يزال الأمر على ما ذُكر (حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي) أي: عن السجود (ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ) أي: من المكان الذي جئت منه، وهو مطلعها كلّ يوم (فَتَرْجِعُ) بفتح

стр. 2361

أوله، وكسر ثالثه، يقال: رجع من سفره، وعن الأمر رَجْعًا، ورُجُوعًا، ورُجْعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السّكِّيت: هو نقيض الذهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة الفُصْحَى، فيقال: رَجَعته عن الشيء، وإليه، ورَجَعتُ الكلامَ وغيره؛ أي: رددتُهُ، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] الآية، وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف، قاله الفيّوميّ (١). (فَتُصْبحُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإصباح، وقوله: (طَالِعَةً) منصوب على أنه خبر "تُصبح"؛ لأنها من أخوات كان، ترفع الاسم، وتنصب الخبر، واسمها ضمير الشمس، وقد ذكرها ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: تَرْفَعُ "كَانَ" المُبْتَدَا اسْمًا وَالخَبَرْ … تَنْصِبُهُ كـ"كَانَ سَيّدًا عُمَرْ" كـ"كَانَ" "ظَلَّ" "بَاتَ" "أَضْحَى" "أَصْبَحَا" … "أَمْسَى" وَ"صَارَ" "لَيْسَ" "زَالَ" "بَرِحَا" "فَتِئَ" وَ"انْفَكَّ" وَهَذِي الأَرْبَعَهْ … لِشِبْهِ نَفْيٍ أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ وَمِثْلُ "كَانَ" "دَامَ" مَسْبُوقًا بِـ"مَا" … كـ" أَعْطِ مَا دُمْتَ مُصِيبًا دِرْهَمَا" (مِنْ مَطْلِعِهَا) بكسر اللام، وفتحها، اسم مكان الطلوع، من طَلَعَ يطلُعُ، من باب قعد، أي: محلّ طلوعها، وهو المشرق (ثُمَّ تَجْرِي) أي: تذهب سريعةً (حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا) أي: لا يجهلون من حال الشمس شيئًا، يقال: نَكِرَ فلانٌ الأمرَ، كفَرِحَ نَكَرًا، محرَّكةً، ونُكْرًا، ونُكُورًا بضمّهما، ونكيرًا، وأنكره، واستنكره، وتناكره: إذا جهله، قاله المجد (٢). (حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْش، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي) وفي نسخة: "ارجعي" (أَصبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ) بفتح أوّله، وكسر ثالثه: أي: محلّ غروبك (فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَدْرُونَ) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة: "تدرون" بحذفها، أي: تعلمون؟ (مَتَى ذَاكُمْ؟) أيْ: في أيّ وقت يقع هذا الأمر (ذَاكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ") قد تقدّم شرح هذه الآية مستوفًى في

стр. 2362

حديث أبي هرير ﵁ الماضي أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (٧٨/ ٤٠٦ و ٤٠٧ و ٤٠٨ و ٤٠٩) (١٥٩)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٨٠٢ و ٤٨٠٣)، و"التوحيد" (٧٤٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٥٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٢٠ و ٣٢١ و ٣٢٢ و ٣٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٩٧ و ٣٩٨ و ٣٩٩ و ٤٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٥٢ و ٦١٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٩٣)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٣٩٣)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٨١)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٤٢٠٤ و ١٤٢٠٥ و ١٤٢٢١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الوقت الذي لا يُقبل فيه الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان أن النبيّ ﷺ أطلعه الله على بعض المغيّبات، فحدّث به أمته حتى تؤمن به، وتستضيء بمعرفته؛ لأن بقدر سعة العرفان يتقوّى إيقان الإنسان. ٣ - (ومنها): بيان بديع صنع الله تعالى، وعظيم حكمته، حيث سخّر الشمس لإضاءة العالم كلّه على الدوام، حيث يستمرّ سيرها ودورها فيه. ٤ - (ومنها): إثبات العرش، وأنه فوق العالم كلّه؛ إذ هو سقفه. ٥ - (ومنها): إثبات سجود الشمس لله تعالى؛ كسائر المخلوقات، كما قال الله : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ

стр. 2363

عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩]. ٦ - (ومنها): شدة حرص النبيّ ﷺ على تعليم أمته ما ينفعهم، وإن لم يوجّهوا السؤال إليه، حيث قال لهم: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ … ". ٧ - (ومنها): بيان تغيّر الأحوال في آخر الزمان، حيث ينعكس الأمر، فتطلع الشمس من مغربها؛ إيذانًا بزوال هذه الدنيا. ٨ - (ومنها): بيان أن الإيمان والأعمال الصالحة لها وقت محدّد تنفع فيه، فإذا انقضى ذلك الوقت لا تنفع، وهو طلوع الشمس من مغربها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ - عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: "أتدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذه الشَّمْسُ؟ … "، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) (١). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) هو: عبد الحميد بن بيان بن زكريّا بن خالد بن أسلم، وقيل: بيان بن أبان، أبو الحسن بن أبي عيسى العطار (٢) الواسطيّ السُّكَّريّ، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وهُشيم، وخالد الطحان الواسطيّ، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد، وغيرهم.

стр. 2364

ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأسلم بن سهل، والحسن بن علي العمريّ، وأبو زرعة، وعلي بن عبد الله بن بِشْر، والحسن بن سفيان، ومحمد بن جرير، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغَنْديّ، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة: ثنا عنه ابنُ مُبَشَر، وهو ثقةٌ، وقال بَحْشَل: تُوُفّي سنة أربع وأربعين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٥٩)، وحديث (٣٨٩): "إذا أذّن المؤذّن أدبر الشيطان … "، و (٥٩٧): "من سبّح الله في دبر كلّ صلاة … "، و (١٩١٥): "ما تعُدّون الشهيد فيكم؟ … "، و (٢٤٧٥): "ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت … "، و) ٢٤٧٦): "هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟ … "، و (٢٧١٣): "اللهم رب السموات، وربّ الأرض … ". ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطّحّان أبو الهَيْثَم، ويقال: أبو محمد المُزَنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وحميد الطويل، وسليمان التيميّ، وأبي طُوَالة، وابن عون، وخالد الحذّاء، وعمرو بن يحيى بن عُمَارة، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وأبي حيان التيميّ، ويونس بن عبيد، وجماعة. ورَوَى عنه زيد بن الحُبَاب، وعبد الرحمن بن مهديّ، ووكيع، ويحيى القطان، وعَفّان، وعمرو بن عون، ومُسَدَّد، وسعيد بن منصور، وابنه محمد بن خالد، ومحمد الدُّولابيّ، وإسحاق بن شاهين الواسطيّ، وقتيبة، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان خالد الطحان ثقةً صالحًا في دينه، وهو أحب إلينا من هُشيم، وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، صحيح الحديث، وقال الترمذيّ: ثقةٌ حافظ، وقال أبو داود: قال إسحاق الأزرق: ما رأيت أفضل من خالد الطحان، قيل: قد رأيتَ سفيان؟ قال: كان سفيان رجلَ نفسِه، وكان خالد رجلَ عامة، وسئل محمد بن عَمّار عن جرير وخالد: أيهما أثبت؟ فقال: خالد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو زرعة: لم يَسْمَع من الأعمش، حكاه ابن أبي حاتم عنه في "المراسيل".

стр. 2365

قال عبد الحميد بن بيان، ويعقوب بن سفيان، وعلي بن عبد الله بن مُبَشِّر: مات سنة (١٧٩)، زاد عليّ: وُلِد سنة (١١٠)، وقال خليفة، ومحمد بن سعد: مات سنة (١٨٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا. [تنبيه]: وقع في "التمهيد" لابن عبد البر في ترجمة يحيى بن سعيد في الكلام على حديث البياضيّ في النهي عن الجهر بالقرآن بالليل: رواه خالد الطحّان عن مُطَرِّف، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ نحوه، وقال: تفرد به خالد، وهو ضعيف، وإسناده كله ليس مما يُحْتَجّ به. انتهى. وتعقّبه الحافظ ﵀، حيث قال بعد ذكر كلامه المذكور: قلت: وهي مجازفة ضعيفة، فإن الكل ثقاث، إلا الحارث، فليس فيهم ممن لا يحتج به غيره. انتهى، وهو تعقّب حسن، والله تعالى أعلم. والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، و"يونس"، هو ابن عُبيد، وقد سبق الكلام فيه. وقوله: (بمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) وفي نسخة: "بمثل حديث ابن عليّة"، يعني: أَن رواية خالد الطحّان عن يونس بمعنى حديث إسماعيل ابن عليّة، عنه، لا بلفظه، كما يتبيّن في التنبيه التالي. [تنبيه]: رواية خالد الطحّان التي أحالها المصنّف هنا على رواية ابن عليّة، قد أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده"، حيث قال (١/ ١٠٧): حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد، عن يونس، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ، أن النبيّ ﷺ قال: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها تَجْرِي لمستقر لها تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، فارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعةً في مطلعها، فتجري لا يُنْكِر الناس منها شيئًا، فيقال لها: اطلُعي من مغربك - قال: - فتصبح طالعةً من مغربها"، فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون أيُّ يوم ذلك؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذاك يوم ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2366

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسن، فَلَمَّا غَابَتِ الشَمْسُ، قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ " (١)، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإنَّهَا تَذْهَبُ، فتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُود، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا"، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩]، (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْران الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ الحافظ الحجة الثبت [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" للعهد الذهنيّ. وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو، أو الضمير الذي في مُتَعَلَّقِ "جالس"؛ إذ تقديره: "جالسٌ فيه"، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: وَجُمْلَةُ الحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا وقوله: (أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ ") وفي نسخة: "هذه الشمس؟ ". قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ، فَتَسْتَأَذِنُ فِي السُّجُود، فَيُوذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا … " إلخ؛ "كأنّ" هنا للتحقيق كما هو مذهب الكوفيين والزجاج، كما في قول الشاعر [من الوافر]:

стр. 2367

فَأَصبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرَّا … كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ أي: لأن الأرض؛ إذ لا يكون تشبيهًا؛ لأنه ليس في الأرض حقيقة، قاله ابن هشام ﵀ في "مغنيه" (١). وقوله: (قَالَ: ثمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁، يعني: أنه ﷺ قرأ هذه الآية بما كان يقرأ عبد الله بن مسعود ﷺ بعده ﷺ ، وقد تقدّم مباحث الحديث مستوفى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قَالَ: "مُسْتَقَرَّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١١٧، وهو ممن اتّفق الأئمة الستة، أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد سبق ذكرهم غير مرّة. والباقون تقدّموا قريبًا، و"إسحاق" هو: ابن راهويه، و"وكيع" هو: ابن الجرّاح. وقوله: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى … إلخ) قال في "الفتح" كذا رواه وكيع عن الأعمش مُخْتَصَرًا، وهو بالمعنى، فإن في الرواية الأولى أن النبيّ ﷺ هو الذي استفهمه: "أتدري أين تغرب الشمس؟ "، فقال: الله ورسوله أعلم … إلخ انتهى (٢).

стр. 2368

وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]) قال أبو سليمان الخطّابيّ ﵀: إن أهل التفسير، وأصحاب المعاني قالوا فيه قولين، قال بعضهم: معناه أي لأجلٍ قُدّر لها؛ يعني: انقطاع مدّة بقاء العالم، وقال بعضهم: مُستقرّها غاية ما تنتهي إليه في صعودها وارتفاعها لأطول يوم في الصيف، ثم تأخذ حتى تنتهي إلى أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة. وأما قوله ﷺ : " مستقرّها تحت العرش" فلا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب، فلا نكذّب به، ولا نكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به، ويحتمل أن يكون المعنى: أن علمَ ما سألت عنه من مستقرّها تحت العرش في كتاب كُتب فيه مبادئ أمور العالم، ونهاياتها، والوقت الذي تنتهي به مدّتها، فينقطع دوران الشمس، وتستقرّ عند ذلك، فيبطل فعلها، وهو اللوح المحفوظ. قال الجامع عفا الله عنه: بُعد هذا الاحتمال عن سياق الحديث مما لا يخفى على الفطن؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الخطابيّ أيضًا: وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش، فلا يُنكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، وليس في سجودها تحت العرش ما يَعُوقها عن الدأب في سيرها، والتصرّف لما سُخّرت له. وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية [الكهف: ٨٦]، فهو نهاية مُدرَك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب، وليس معنى قوله: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أنها تسقط في تلك العين فتغمُرها، وإنما هو خبر عن الغاية التي بلغها ذو القرنين في مسيره حتى لم يجد وراءها مسلكًا، فوجد الشمس تتدلّى عند غروبها فوق هذه العين، وكذلك يتراءى غروب الشمس لمن كان في البحر، وهو لا يرى الساحل، كأنها تغيب في البحر، والله أعلم. وقوله : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦]؛ أي: يجريان بحساب معلوم، وعلى منازل ومقادير لا يُجاوزانها، قال الله : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩]، وقيل: حسبان جمع حساب، وقوله :

стр. 2369

﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ت ٨٦]؛ أي: في رأي العين، فمن قرأها ﴿حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بلا همز أراد الحارّة، ومن قرأ: ﴿حَمِئَةٍ﴾ بلا ألف مهموزًا أراد عينًا ذات حمأة، يقال: حَمَأْتُ البئرَ: إذا نَزَعْتَ منها الحمأةَ، وأحمأتها: إذا ألقيتَ فيها الحمأة. انتهى، ذكره البغويّ في "شرح السنّة" (١). وأغرب الألوسيّ في "تفسيره" (٢٣/ ١٤) حيث قال: إن للشمس نفسًا، كما قيل في الأفلاك، فتنسلخ منها، وتسجد تحت العرش. وهذا منه خوضٌ فيما لا عِلْمَ له به، والواجب أن نُصدّق أنها تسجد تحت العرش، كما ورد في النصّ، ولا يجب علينا معرفة كيفيّة سجودها، ولا يجوز لأحد أن يخوض فيما لا يعلمه، فقد نهى الله تعالى عن ذلك، حيث قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٩) - (بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ -) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٠] (١٦٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أنَّهَا قَالَتْ: كانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْم، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا، إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ الْعَدَد، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِه، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ

стр. 2370

حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ (١): "فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ"، قَالَ: "قُلْتُ: مَا أنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِي، فَغَطَّني الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِني الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَني، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَني، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]؛ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: "زَمِّلُونِي، زَمِّلُوني"، فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْع، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: "أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي؟ لا، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبدًا، وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَق. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ، حَتَّى أتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَآهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﵇، يَا لَيْتَيي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَني أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأَتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ (٢) إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْني يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.

стр. 2371

٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الفقيه، نُسِب إلى جدّ جدّه؛ لشهرته، الزهريّ، نُسِب إلى جدّه الأعلى زُهْرَة بن كلاب، وهو من رهط آمنة أم النبيّ ﷺ ، اتفقوا على إتقانه وإمامته، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُوَيلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين ﵄ (ت ٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير مرة. ٦ - (ومنها): أن عائشة ﵄ من المكثرين السبعة، كما سبق بيانه في ترجمتها آنفًا، والله تعالى أعلم.

стр. 2372

شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ عَائِشَةَ) ﵄ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) بالنصب على البدليّة، ويجوز قطعه على تقدير "هي"، ونصبه بتقدير "أعني" (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) برفع "أولُ" على أنه مبتدأ خبره "الرؤيا … إلخ". [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث من مراسيل الصحابة ﵃، فإن عائشة ﵄ لم تُدرك هذه القضيّة، والقاعدة أن من حكى قصّة لم يدركها يكون منقطعًا، كما قال السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث": وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى … مُتَّصلٌ وَعيْرُهُ قَطْعًا حَوَى فيحتمل أن تكون عائشة ﵄ سمعتها من النبيّ ﷺ ، أو من بعض الصحابة، وقد سبق في "شرح المقدّمة" أن مرسل الصحابيّ حجة عند جمهور العلماء، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال: وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ … كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ إِسْلَامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي … رَآهُ لَا مُمَيِّزًا لَا تَحْتَ ذِي وقال الطيبيّ ﵀ بعد ذكره كلام النوويّ المذكور ما نصّه: أقول: والظاهر أنها سمعت من النبيّ ﷺ ؛ لقولها: قال: "فأخذني، فغطّني"، فيكون قولها: "أولُ ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي" حكاية ما تلفّظ به ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء على تأويل أن النبيّ ﷺ يؤدّي لفظ ما أوحي إليه، أو معناه، فلا يكون الحديث حينئذ من المراسيل. انتهى (١). [تنبيه آخر]: قال في "الفتح" بعد نقل كلام النوويّ من أن هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة … إلخ، ما نصّه: وتعقّبه مَن لم يَفْهَم مراده، فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبيّ ﷺ ، فكيف يَجزِم بأنها من المراسيل؟.

стр. 2373

[والجواب]: أن مرسل الصحابي ما يَرويه من الأمور التي لم يُدرك زمانها، بخلاف الأمور التي يدرك زمانها، فإنها لا يقال: إنها مرسلة، بل يُحْمَل على أنه سمعها، أو حضرها، ولو لم يُصَرِّح بذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابيّ، بل مرسل التابعي إذا ذَكَر قصة لم يحضرها سُمّيت مرسلةً، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سَمِعها من الصحابي الذي وقعت له تلك القصة، وأما الأمور التي يُدركها فيُحْمَل على أنه سمعها أو حضرها، لكن بشرط أن يكون سالِمًا من التدليس. قال: ويؤيد أنها سمعت ذلك من النبيّ ﷺ قولها في أثناء هذا الحديث: "فجاءه الملك، فقال: اقرأ، فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذني … " إلى آخره، فقوله: "قال: فأخذني، فَغَطّني" ظاهر في أن النبيّ ﷺ أخبرها بذلك، فتُحمَل بقية الحديث عليه. انتهى (١). وقوله: (مِنَ الْوَحْي) يحتمل أن تكون "من" فيه تبعيضية؛ أي: من أقسام الوحي، ويحتمل أن تكوَن بيانيةً، ورجحه القَزّاز (٢)، قاله في "الفتح" (٣). وقال القاضي عياض: وقال أبو عبد الله القزّاز: قوله: "من الوحي"، "من" هنا لإبانة الجنس، كأنه قال: من جنس الوحي، وليست من الوحي، فتكون "من" للتبعيض، ولذلك قال: "في النوم"، ورؤيا الأنبياء في الصحّة كالوحي انتهى. قال القاضي: قد جاء في الحديث الآخر أنها جزء من أجزاء النبوّة، وقدّمنا أنها من جملة خصالها، والوحي أنواع وضُرُوب، وينطلق على معانٍ، فلا يبعد أن تكون "من" للتبعيض على هذا، وأصله الإعلام، ورؤيا المنام إعلام، وإنذار، وبِشارة انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، وليس مثله، وقد

стр. 2374

ثبتٌ في "الصحيحين" قوله ﷺ : "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة"، هذا في مطلق الرؤيا، فما بالك في رؤيا الأنبياء؛ وقد صحّ عن ابن عبّاس ﵄ أنه قال: رؤيا الأنبياء وحيٌ (١). والحاصل أن كون "من " للتبعيض هو الحقّ، على أن كونها للجنس أيضًا لا ينافي معنى البعضيّة، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. والمقصود أن أول ما بدئ به ﷺ في أول المبتدءات من إيجاد الوحي الرؤيا، وأما مطلق ما يَدُلّ على نبوته، فتقدمت له أشياء، مثل تسليم الحجر، كما ثبتٌ في "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة ﵁، وما سمعه من بَحِيرا الراهب، وهو عند الترمذي بإسناد قويّ، عن أبي موسى، ثم ما سمعه عند بناء الكعبة، حيث قيل له: "اشدُد عليك إزارك"، وهو في "صحيح البخاريّ" من حديث جابر ﵁. (الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ) أي: التي ليس فيها ضِغْثٌ، ولا تلبيس شيطان، ووقع عند البخاريّ من طريق عُقيل عن ابن شهاب بلفظ: "الرؤيا الصالحة"، وكلاهما بمعنًى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حقّ الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخصّ، فرؤيا النبيّ كلها صادقة، وقد تكون صالحةً، وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص، إن فَسَّرنا الصادقة بأنها التي لا تَحتاج إلى تعبير وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث، فالصالحة أخَصُّ مطلقًا، وقال الإمام نصر بن يعقوب الدِّينَوريّ في "التعبير القادري": الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه، أو ما يُعَبَّر في المنام، أو يُخبِر به ما لا يكذب، والصالحة ما يَسُرّ. انتهى (٢). وقال القاضي عياضٌ ﵀: في هذا حكمة من الله تعالى، وتدريج لنبيّه ﷺ لِمَا أراد الله به جلّ اسمه؛ لئلا يَفْجَأه الملك، ويأتيه صريح النبوّة بغتةً، فلا يتحمّلها قُوَى البشريّة، فبُدئ بأوائل خصال النبوّة، وتباشير الكرامة،

стр. 2375

من صدق الرؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء، وسماعِ الصوت، وسلامِ الحجر والشجر عليه بالنبوّة حتى استشعر عظيم ما يُراد به، واستعدَّ لما ينتظره، فلم يأتِه الملك إلا بأمر عنده مقدَّماته، وبِشاراته. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أراد بقوله: ما جاء في الحديث الآخر … إلخ ما أخرجه المصنّف ﵀ في "كتاب الفضائل" (٢٣٥٣) عن ابن عباس ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة يَسمَع الصوت، ويَرَى الضوءَ سبع سنين، ولا يَرَى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا". وما أخرجه أيضًا فيه (٢٢٧٧) عن جابر بن سمرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أُبْعَثَ، إني لأعرفه الآن". وما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦٢٠) عن عليّ ﵁: "كنا مع رسول الله ﷺ بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر، ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله"، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي النَّوْمِ) لزيادة الإيضاح، أو ليُخْرِج رؤيا العين في اليقظة؛ لجواز إطلاقها مجازًا (فَكَانَ) ﷺ (لَا يَرَى رُؤْيَا) بوزن فُعْلى بضمّ، فسكون مقصورًا ممنوعٌ من الصرف؛ لألف التأنيث، قال المجد ﵀: "الرؤيا": ما رأيته في منامك، جمعه رُؤًى، كَهُدًى. انتهى (٢). وقال العينيّ ﵀: "الرؤيا" على وزن فُعْلى، كحُبْلَى، يقال: رأى رؤيا بلا تنوين، وجمعها رُؤًى بالتنوين على وزن دُعًى. انتهى (٣). (إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) بنصب "مِثْلَ" على الحال؛ أي: مُشْبِهَةً ضِيَاءَ الصبح، أو على أنه صفة لمحذوف؛ أي: جاءت مجيئًا مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخُصَّ بالتشبيه؛ لظهوره الواضح الذي لا شك فيه. وقال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: فَلَقُ الصبح، وفَرَقُ الصبح - بفتح

стр. 2376

الفاء واللام والراء -: هو ضياؤه، وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البَيِّن. انتهى (١). وقال القاضي البيضاويّ ﵀: شُبّه ما جاءه في اليقظة، ووَجَده في الخارج طِبْقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه، والفَلَق: الصبح، لكنه لَمّا كان مستعمَلًا في هذا المعنى، وفي غيره أُضيف إليه للتخصيص والبيان إضافةَ العامّ إلى الخاصّ، كقولهم: عين الشيء، ونفسه. قال الطيبيّ ﵀: للفلق شأن عظيمٌ، ولذلك جاء وصفًا لله تعالى في قوله : ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وأَمَرَ بالاستعاذة بربّ الفلق؛ لأنه يُنبئ عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة، وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس، وإشراقها الآفاقَ، كما أن الرؤيا الصالحة مبشّرات تنبئ عن وفود أنوار عالم الغيب، وآثار مطالع الهدايات، شُبّه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوّة، وتنبيهٌ من تنبيهاتها لمشتركي العقول على ثبوت النبؤة؛ لأن النبيّ إنما سُمّي نبيًّا لأنه يُنبئ عن عالم الغيب الذي لا تستقلّ العقول بإدراكه. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢). وقال ابن أبي جمرة ﵀: إنما شَبّهها بفَلَق الصبح دون غيره؛ لأن شمس النبوة كانت الرؤيا مبادي أنوارها، فما زال ذلك النور يَتَّسِع حتى أشرقت الشمس، فَمَن كان باطنه نوريًّا كان في التصديق بَكْريًّا؛ كأبي بكر، ومن كان باطنه مظلمًا، كان في التكذيب خُفّاشًا؛ كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين، كل منهم بقدر ما أُعطي من النور. انتهى (٣). (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ) ببناء الفعل للمجهول؛ لعدم تَحَقُّق الباعث على ذلك، وإن كان كل من عند الله، أو للتنبيه على أنه لم يكن من باعث البشر، أو يكون ذلك من وحي الإلهام.

стр. 2377

و"الخلاء" بالمدِّ: الخلوة، والسرُّ فيه أن الخلوة فيها فراغ القلب لما يتوجه له، وهي شأن الصالحين، وعباد الله العارفين. ثم إن التعبير بـ "ثُمَّ" ظاهرٌ في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يُحَبَّب إليه الخلاء، ويحتمل أن تكون لترتيب الإخبار، فيكون تحبيب الخلوة سابقًا على الرؤيا الصادقة، والأول أظهر (١). قال الخطابيّ ﵀: إنما حُبّب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغَ القلب، وهي معينة على التفكّر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويخشع قلبه، ويُجمع همّه، فالمخلص في الخلوة يفتح الله عليه ما يؤنسه في خلوته تعويضًا من الله تعالى إياه عما تركه لأجله، واستنار قلبه بنور الغيب حتى تذهب ظلمة النفس، واختيار الخلوة لسلامة الدين، وتفقّد أحوال النفس، وإخلاص العمل لله تعالى. انتهى (٢). (فَكَانَ) ﷺ (يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) الغار: الكهف، والنَقْبُ في الجبل، وجمعه غِيران، والمغار والمغارة بمعنى الغار، وتصغير الغار غُوير (٣). و"حراء": بالمدّ، وكسر أوله، قال في "الفتح": كذا في الرواية، وهو صحيح، وفي رواية الأصيليّ بالفتح والقصر، وقد حُكِي أيضًا، وحُكيَ فيه غير ذلك جوازًا، لا روايةً، وهو جبل معروف بمكة (٤). وقال النوويّ ﵀: وأما "حِرَاء" فبكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء وبالمد، وهو مصروف، ومذكّر، هذا هو الصحيح، وقال القاضي فيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أكثر، فمن ذَكَّره صَرَفه، ومن أَنَّثه لم يَصرِفه، وأراد البقعة، أو الجهة التي فيها الجبل، قال القاضي: وقال بعضهم فيه: حَرَى بفتح الحاء والقصر، وهذا ليس بشيء، قال أبو عمر الزاهد، صاحب ثعلب، وأبو سليمان الخطابيّ، وغيرهما: أصحابُ الحديث، والعوامُّ يُخطِؤون في حِرَاء في

стр. 2378

ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء، وهي مكسورة، ويكسرون الراء، وهي مفتوحة، ويقصرون الألف، وهي ممدودة. وحِراءٌ: جبلٌ بينه وبين مكة نحوُ ثلاثة أميال، عن يسار الذاهب من مكة إلى منى. انتهى (١). قال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في تخصيصه حراء بالتخلي فيه أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة، فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاثة عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت. وقال الحافظ: وكأنه مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن الاعتكاف، وكانت قريش تفعله كما كانت تصوم عاشوراء، قال: وإنما لم ينازعوا النبيّ ﷺ في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره؛ لأن جدّه عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته، وكِبَرِ سِنِّه، فتبعه على ذلك مَن كان يَتَأَلَّه، فكان ﷺ يخلو بمكان جدّه، وسَلّم له ذلك أعمامه؛ لكرامته عليهم. انتهى (٢). (يَتَحَنَّثُ فِيهِ) هي بمعنى يَتَحَنَّف؛ أي: يتبع الحَنِيفية، وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في "السيرة" "يَتَحَنَّفُ" بالفاء، أو التحنث: إلقاء الحِنْث، وهو الإثم، كما قيل: يَتَأَثَّم، وَيتَحَرَّج، ونحوهما، قاله في "الفتح" (٣). وقال النوويّ ﵀: وأما التَّحَنُّث بالحاء المهملة والنون والثاء المثلّثة، فقد فَسَّره بالتعبد، وهو تفسير صحيح، وأصل الحِنْث الإثم، فمعنى يتحَنَّث: يتجنَّب الحنثَ، فكأنه بعبادته يَمنَع نفسه من الحنث، ومثل يتحنث يتحرَّج، ويتأثَّم؛ أي: يتجنب الحرج والإثم. انتهى (٤). وقوله: (وَهُوَ التَّعَبُّدُ) مُدْرَج في الخبر، وهو من تفسير الزهريّ ﵀، كما

стр. 2379

جزم به الطيبيّ، قال الحافظ ﵀: ولم يَذْكُر دليله، نعم في رواية البخاريّ من طريق يونس عنه في "التفسير" ما يدلّ على الإدراج. انتهى. ولفظه في "التفسير": "قال: والتحنث: التعبد"، قال في "الفتح": هذا ظاهر في الإدراج؛ إذ لو كان من بقية كلام عائشة لجاء فيه: قالت؛ وهو يحتمل أن يكون من كلام عروة، أو من دونه. انتهى (١). وقوله: (اللَّيَالِيَ) ظرف متعلق بـ "يتحنث"، لا بـ "التعبد"، ومعناه: يتحنث اللياليَ، ولو جُعِل متعلقًا بـ"التعبد" لفَسَدَ المعنى، فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي، بل يُطْلَق على القليل والكثير، وهذا التفسير اعتراض بين كلام عائشة ﵂؛ إذ كلامها: "فيتحنّث فيه الليالي أولات العدد"، قاله النوويّ. وقال الطيبيّ ﵀: أطلق الليالي، وأراد بها الليالي مع أيامهنّ على سبيل التغليب؛ لأنها أنسب للخلوة، ووصف الليالي بقوله: (أوْلَاتِ الْعَدَدِ) لإرادة التقليل، كما قوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] (٢). وقال الكرمانيّ: يحتمل الكثرة؛ إذ الكثير يحتاج إلى العدد، وهو المناسب للمقام. وتعقّبه الحافظ، فقال: أما كونه المناسبَ فمسلَّم، وأما الأول فلا؛ لأن عادتهم جرت في الكثير أن يُوزَن، وفي القليل أن يُعَدّ، وقد جزم الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بأن المراد به الكثرة؛ لأن العدد على قسمين، فإذا أطلق أريد به مجموع القلة والكثرة، فكأنها قالت: ليالي كثيرة؛ أي: مجموع قسمي العدد انتهى (٣). وللبخاريّ: "ذوات العدد"، وهو بمعناه، وإنما أبهم العدد لاختلافه، كذا قيل، وهو بالنسبة إلى المُدَد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة قد عُرِفت مُدَّتها، وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان، رواه ابن إسحاق، قاله في "الفتح" (٤).

стр. 2380

وانتصاب "الليالي" على الظرفية، و"أولات" اسم جمع لا مفرد له من لفظه، بل من معناه، وهو "ذات"، وهو منصوب، وعلامة نصبه كسر التاء؛ لأنه ملحقٌ بجمع المؤنّث السالم، كما قال في "الخلاصة": وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا … يُكْسَرُ فِي النَّصْبِ وَفِي الجَرِّ مَعَا كَذَا "أُوَلَاتُ" وَالَّذِي اسْمًا قَدْ جُعِلْ … كـ"أَذْرِعَاتٍ" فِيهِ ذَا أَيْضًا قُبِلْ (قَبْلَ أَنْ يَرْجعَ) وفي رواية للبخاريّ: "قبل أن يَنْزع"، وهو بوزن "يرجِعَ"، ومعناه (إِلَى أَهْلِهِ) المراد به خديجة وأولاده منها ﵅، ويحتمل أن يريد أقاربه، أو أعمّ، وقوله: (وَيَتَزَوَّدُ) عطفٌ على "يتحنّث"؛ أي: يستصحب الزاد معه، والزاد: هو الطعام الذي يستصحبه المسافر في سفره، والجمع أزواد (١). (لِذَلِكَ) أي: لأجل التحنّث في الغار المذكور (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) ﵂، وخديجة هي: بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، تَجتَمِع مع النبيّ ﷺ في قُصَيّ، وهي من أقرب نسائه ﷺ إليه في النسب، ولم يتزوج من ذرية قُصَيّ غيرها، إلا أم حبيبة، وتزوجها سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، زَوَّجه إياها أبوها خُويلد، ذكره البيهقيّ من حديث الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمُّها عمرو بن أسد، وقيل: أخوها عمرو بن خُويلد، ذكره ابن إسحاق، وكانت قبله عند أبي هالة بن النَّبّاش بن زُرَارة التميميّ، حَلِيف بني عبد الدار، واختُلِف في اسم أبي هالة، فقيل: مالك، قاله الزبير، وقيل: زُرَارة، حكاه ابن منده، وقيل: هند، جَزَم به العسكريّ، وقيل: اسمه النّبّاش، جَزَم به أبو عبيد، وابنُهُ هند، رَوَى عنه الحسن بن علي، فقال: حدثني خالي؛ لأنه أخو فاطمة لأمها، ولهند هذا وَلَدٌ اسمه هند، ذكره الدُّولابيّ وغيره، فعلى قول العسكريّ، فهو ممن اشتَرَك مع أبيه وجده في الاسم، ومات أبو هالة في الجاهلية، وكانت خديجة قبله عند عَتِيق بن عائد المخزوميّ، وكان النبيّ ﷺ قبل أن يتزوج خديجة، قد سافر في مالها مُقارِضًا إلى الشام، فرأى منه مَيْسَرة غلامُها ما رَغَّبها في تزوجه، قال الزبير: وكانت خديجة تُدْعَى في الجاهلية الطاهرةَ، وماتت على الصحيح بعد

стр. 2381

المبعث بعشر سنين، في شهر رمضان، وقيل: بثمان، وقيل: بسبع، فأقامت معه ﷺ خمسًا وعشرين على الصحيح، وقال ابن عبد البر: أربعًا وعشرين سنة وأربعة أشهر. ورَوَى الفاكهيّ في "كتاب مكة" عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ كان عند أبي طالب، فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة، فأَذِنَ له، وبَعَثَ بعده جاريةً له، يقال لها: نبعة، فقال لها: انظري ما تقول له خديجة، قالت نبعة: فرأيت عَجَبًا، ما هو إلا أن سَمِعَت به خديجةُ، فخَرَجت إلى الباب، فأخذت بيده، فضمّتها إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا لشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستُبْعَث، فإن تكن هو، فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي يبعثك لي، قالت: فقال لها: "والله لئن كنت أنا هو قد اصطنعت عندي ما لا أُضِيعه أبدًا، وإن يكن غيري، فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يُضِيعك أبدًا". ذكره في "الفتح" (١). (فَيَتَزَوَّدُ) وفي رواية للبخاريّ في "التعبير": "فتُزوِّده"، أي: خديجة ﵂، قال في "الفتح": خَصَّ خديجة بالذكر بعد أن عَبَّر بالأهل، إما تفسيرًا بعد إبهام، وإما إشارةً إلى اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها. انتهى. (لِمِثْلِهَا) الضمير للّيالي، أو المرة، أو الفَعْلة، أو الخلوة، أو العبادة. ثم يحتمل أن يكون المراد أنه يتزَوّد، ويخلو أيامًا، ثم يرجع، ويتزوّد، ويخلو أيامًا، ثم يرجع ويتزود، ويخلو أيامًا إلى أن ينقضي الشهر، ويحتمل أن يكون المراد أن يتزود لمثلها إذا حال الحول، وجاء ذلك الشهر الذي جَرَت عادته أن يخلو فيه، وهذا استظهره الحافظ ﵀. ويؤخذ منه إعداد الزاد للمختلي، إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله؛ لبعد مكان اختلائه من البلد مثلًا، وأنّ ذلك لا يَقْدَح في التوكل، وذلك لوقوعه من النبيّ ﷺ بعد حصول النبوة له بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك، قاله في "الفتح" (٢).

стр. 2382

(حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ) "حتى" هنا على بابها من انتهاء الغاية؛ أي: انتهى توجهه لغار حراء بمجيء الملك، فترك ذلك، وقوله: "فَجِئه" - بفتح الفاء، وكسر الجيم، ثم همزة - ويجوز فتح الجيم أيضًا، يقال: فَجِئه بكسر الجيم، وفَجَأه بفتح الجيم والهمزة لغتان مشهورتان، حكاهما الجوهريّ وغيره؛ أي: جاءه الوحي بغتةً، فإنه ﷺ لم يكن متوقعًا للوحي، قاله النوويّ (١). وتعقّبه البلقينيّ، وقال: في إطلاق هذا النفي نظرٌ، فإن الوحي كان جاءه في النوم مرارًا، وأسند ذلك إلى ما ذكره ابن إسحاق عن عُبيد بن عُمير أنه وقع له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة، من الغطّ، والأمر بالقراءة، وغير ذلك. انتهى. وتعقّب الحافظ، فقال: في كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظرٌ، فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله البلقينيّ واضحٌ إن صحّ ما ذكره ابن إسحاق؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (الْحَقُّ) قال الطيبيّ: أي أمر الحق، وهو الوحي، أو رسول الحقّ، وهو جبريل ﵇، وقال البلقينيّ: أي الأمر البَيِّن الظاهر، أو المراد: الملك بالحقّ؛ أي: الأمر الذي بُعِث به. انتهى. وفي رواية البخاريّ من طريق عُقيل، عن الزهريّ: "حتى جاءه الحقّ"، قال في "الفتح": وإن ثَبَتَ من مرسل عبيد بن عمير أنه أُوحي إليه بذلك في المنام أَوّلًا قبل اليقظة، أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عَقِبَ ما تقدم في المنام، وسُمِّي حقًّا؛ لأنه وحي من الله تعالى. وقد وقع في رواية أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن النبيّ ﷺ كان أوّلَ شأنه يَرَى في المنام، وكان أوّلَ ما رأى جبريلَ بأجياد، صَرَخَ جبريلُ: يا محمدُ، فنظر يمينًا وشمالًا، فلم يَرَ شيئًا، فرَفَع بصره، فإذا هو على أُفُق السماء، فقال: يا محمدُ جبريلُ جبريلُ؛ فَهَرَب، فدخل في الناس، فلم يَرَ شيئًا، ثم خَرَج عنهم، فناداه، فهرب، ثم استَعْلَن له جبريل من

стр. 2383

قِبَل حراء، فذكر قصة إقرائه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ورَأَى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت، يختطفان البصر، وهذا من رواية ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، وابنُ لهيعة ضعيف. وقد ثبتٌ في "صحيح مسلم" من وجه آخر عن عائشة، مرفوعًا: "لم أَرَهُ - يعني جبريل - على صورته التي خُلِق عليها إلا مرتين". وبَيَّن أحمد في حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يُرِيه صورته التي خُلق عليها، والثانية عند المعراج. وللترمذي من طريق مسروق، عن عائشة: "لم يَرَ محمدٌ جبريلَ في صورته إلا مرتين: مرّةً عند سدرة المنتهى، ومرةً في أجياد"، وهذا يُقَوِّي رواية ابن لهيعة، وتكون هذه المرّة غير المرتين المذكورتين، وإنما لم يضمها إليهما لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله. ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيميّ، فرواها محمد بن عبد الأعلى، عن ولده معتمر بن سليمان، عن أبيه، أن جبريل أتى النبيّ ﷺ في حراء، وأقرأه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم انصرف، فبَقِيَ متردِّدًا، فأتاه من أمامه في صورته، فرأى أمرًا عظيمًا. انتهي وقوله: (وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول؛ أي: حال كون النبيّ ﷺ كائنًا في كهف جبل حراء. (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ) هذه الفاء تُسَمَّى التفسيرية، وليست التعقيبية؛ لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي، حتى تُعَقِّب به، بل هو نفسه، ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسَّر به من جهة الإجمال، وغيرُهُ من جهة التفصيل، قاله في "الفتح" في "كتاب الإيمان". وقال في "كتاب التعبير" - بعد ذكر هذا -: وقال شيخنا البلقينيّ: يحتمل أن تكون للتعقيب، والمعنى بمجيء الحقّ انكشاف الحال عن أمر وَقَع في القلب، فجاءه لذلك عقبه، قال: ويحتمل أن تكون سببية؛ أي: حتى قَضَى بمجيء الوحي، فبسبب ذلك جاءه الملك. قال الحافظ: وهذا أقرب من الذي قبله. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في "كتاب التعبير" بلفظ: "فجاءه الملك

стр. 2384

فيه"، فزاد لفظة "فيه"، قال في "الفتح": يؤخذ منه رفع توهم مَن يظن أن الملك لم يدخل إليه الغارَ، بل كلَّمه، والنبيّ ﷺ داخل الغار، والملك على الباب. قال شيخنا البلقينيّ ﵀: الملك المذكور هو جبريل ﵇، كما وقع شاهده في كلام ورقة، وكما يجيء في حديث جابر ﵁ أنه الذي جاءه بحراء، قال: واللام في "الملك" لتعريف الماهية، لا للعهد، إلا أن يكون المراد به ما عَهِدَه النبيّ ﷺ قبل ذلك لَمّا كلمه في صباه، أو اللفظ لعائشة ﵂، وقَصَدت به ما تَعَهَّده مَن تخاطبه به. انتهى. وقال الإسماعيليّ ﵀: هي عبارة عما عُرِف بعدُ أنه ملك، وإنما الذي في الأصل: فجاءه جَاء، وكان ذلك الجائي ملكًا، فأخبر ﷺ عنه يوم أخبر بحقيقة جنسه، وكأن الحامل على ذلك أنه لم يتقدم له معرفة به. انتهى. قال الحافظ ﵀: وقد جاء التصريح بأنه جبريل ﵇، فأخرج أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" من طريق أبي عِمْران الجَوْنيّ، عن رجل، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ اعتكف، هو وخديجة ﵂، فوافق ذلك رمضان، فخرج يومًا، فسَمِع: السلام عليكم، قال: فظننت أنه من الجنّ، فقال: أبشروا، فإن السلام خير، ثم رأى يومًا آخر جبريل على الشمس، له جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، قال: فَهِبتُ منه … " الحديث، وفيه أنه جاءه، فكلَّمه، حتى أَنِسَ به. وظاهره أن جميع ما وقع له كان، وهو في الغار، لكن وقع في مرسل عُبيد بن عمير: "فأجلسني على دُرْنوك فيه الياقوت واللؤلؤ"، وهو بضم الدال والنون، بينهما راء ساكنة: نوع من البُسُط، له خَمْل. وفي مرسل الزهريّ: "فأجلسني على مَجْلِسٍ كريم، مُعْجِبٍ". وأفاد البلقينيّ أن سِنّ النبيّ ﷺ حين جاءه جبريل في حراء كان أربعين سنة، على المشهور، ثم حكى أقولًا أخرى، قيل: أربعين ويومًا، وقيل: عشرة أيام، وقيل: شهرين، وقيل: وسنتين، وقيل: وثلاثًا، وقيل: وخمسًا، قال: وكان ذلك يوم الاثنين نهارًا، قال: واختُلِف في الشهر، فقيل: شهر رمضان، في سابع عشره، وقيل: سابعه، وقيل: رابع عشريه.

стр. 2385

قال الحافظ: ورمضان هو الراجح؛ لما تَقَدَّم من أنه الشهر الذي جاء فيه في حراء، فجاءه الملك، وعلى هذا فيكون سنُّهُ حينئذ أربعين سنة وستة أشهر، وليس ذلك في الأقوال التي حكاها البلقينيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال ليس عليها دليلٌ يُستند إليه، فالأولى عدم الالتفات إليها، والخوض في مثلها اشتغال بما لا يعني الإنسان، فالله المستعان. [تنبيه]: إذا عُلِم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاء وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أنه نُبِّئ في شهر رمضان، ويَعْكُر على قول ابن إسحاق أنه بُعِث على رأس الأربعين؛ مع قوله: إنه في الشهر الذي وُلد فيه. ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان أوّلًا في شهر رمضان، وحينئذ نُبِّئ، وأنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢]، فيُحمَل قول ابن إسحاق على رأس الأربعين، أي عند المجيء بالرسالة، والله تعالى أعلم (٢). (فَقَالَ) أي: الملك) (اقْرَأْ) يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيُلْقَى إليه، ويحتمل أن يكون على بابه من الطلب، فيُسْتَدَلُّ به على تكليف ما لا يطاق في الحال، وإن قُدِر عليه بعد ذلك، ويحتمل أن تكون صيغة الأمر محذوفة، أي: قل: ﴿اقْرَأْ﴾، وإن كان الجواب "ما أنا بقارئ" فعلى ما فُهِم من ظاهر اللفظ، وكأن السرّ في حذفها؛ لئلا يُتَوَهَّم أن لفظ "قل" من القرآن، ويؤخذ منه جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأن الأمر على الفور، لكن يمكن أن يجاب بأن الفور فُهِم من القرينة (٣). وقال البلقينيّ: ظاهره أنه لم يتقدم من جبريل شيء قبل هذه الكلمة، ولا السلام، فيَحْتَمِل أن يكون سَلَّمَ، وحُذِف ذكره؛ لأنه معتاد، وقد سَلَّم الملائكة على إبراهيم ﵇ حين دخلوا عليه، ويَحْتَمِل أن يكون لم يُسَلِّم؛ لأن المقصود
следующие страницы →