← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الْأَنْصَارِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَأَمَّكُمْ؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ، فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوق له أوهام [٦] (ت ١٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وأمَّكم) وفي نسخة: "فأمكم" بالفاء؛ أي: قادكم بشريعة محمد ﷺ ، ويحتمل أن يكون المعنى: صلى بكم إمامًا، والأول أولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ "، فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ"، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا "أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ " قُلْتُ: تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ).

стр. 2312

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) القائل هو الوليد بن مسلم. وقوله: (إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثنَا) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الإمام الفقيه الحجة المشهور المتوفّى سنة (١٥٧ هـ)، تقدّم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. وقوله: (تَدْرِي مَا "أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ ") بتقدير أداة الاستفهام؛ أي أتدري، أي: هل تعلم ما معنى قوله: "أمّكم منكم؟ ". وقوله: (فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) يعني: قادكم، وساسكم بكتاب الله العظيم، وسنّة نبيّه الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ المشار إليها هنا، أخرجها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٥١٥)، فقال: (٤١٣) أنبأ خيثمة بن سليمان، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، (ح) وأنبأ الحسن بن مروان، ثنا إبراهيم بن أبي سفيان، ثنا محمد بن يوسف الفريابيّ، (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا بشر بن بكر، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، قال: أخبرني الزهريّ، عن نافع، مولى أبي قتادة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابنُ مريم، وإمامكم منكم؟ ". انتهى. ثم قال: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وابن أبي ذئب.

стр. 2313

انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٢] (١٥٦) - (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" - قَالَ -: "فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ، صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ الكِنْديّ، أبو هَمّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ (٢) [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، وابن أبي زائدة، والوليد بن مسلم، وبَقِيَّة، وحجَّاج بن محمد، وابن وهب، وعلي بن مُسْهِر، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وأبوه أبو بدر، وإبراهيم الحربيّ، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا، وعمران بن إبراهيم أبو الآذان الحافظ، وأبو بكر بن أبي خيثمة، والقاسم بن زكريا، وغيرهم. قال أحمد بن محمد بن صدقة: سمعت أحمد يُسأل عنه، فقال: اكتبوا عنه، وقال ابن مُحْرِز: سألت ابن معين عنه، فقال: لا بأس به، ليس هو ممن يَكْذِب، وقال الغلابيّ: سمعت ابن معين يقول: عند أبي هَمّام ستة آلاف حديث عن الثقات، وما سمعته يقول فيه سُوءًا قطّ، وكان يقول: ليس له

стр. 2314

بَخْتٌ (١)، وقال العجليّ: رأيته يأخذ الحديث أخذًا رديئًا، وقال صالح جَزَرَة: تكلموا فيه، سئل عنه ابنُ معين، فقال: ليس له بَخْتٌ مثل أبيه، وقال أبو حاتم: شيخٌ صدوقٌ، يُكتب حديثه، ولا يُحتَجّ به، وهو أحب إلي من أبي هشام الرِّفَاعيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الإسماعيليّ: تكلم فيه أحمد بن حنبل لَمّا رَوَى عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، حديث: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث، وقال البَرْقانيّ: فقلت للإسماعيليّ: لِمَ تَكَلَّم فيه؟ قال: لأنه قال: هذا الحديثُ لم يروه عن ابن وهب إلا الكبار، وقال أبو عليّ النحويّ: سألت أبا كريب عن أبي هَمّام، فقال: ما له؟ قلت: يُحَدِّث عن ابن المبارك وغيره، قال: هو أقدم سماعًا مني، كان يَمُرُّ بنا، ونحن نلعب، وهو يكتب الحديث، وما جئت إلى مُحدِّث بالكوفة إلا قال: ما زال يَختلف السَّكُوني إليّ، ما أخرجوا إلي كتابًا إلا وفيه فرَغ أبو همام، فرغ أبو همام، وأما يحيى بن حمزة، فإنني جئت إلى دمشق، فسألت عن أبي هَمّام، فقالوا: قد كان ههنا مقيمًا، وسمع من يحيى بن حمزة، وخرج، قلت: فابن وهب؟ قال: أما حديث ابن وهب، فإنه خَرَجَ من عندنا إلى مصر حتى نسيناه، ثم قَدِمَ، وجَعَل يذكر من فضائله، وقال العجليّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به. قال البخاريّ: مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وفيها أَرّخه غير واحد، وقيل: مات سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة تسع وثلاثين، والأول أصح. رَوَى عنه المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب تسعة (٢) أحاديث، فقط، هذا (١٥٦)، وحديث (٩٤٨): "ما من رجل

стр. 2315

مسلم يموت، فيقوم على جنازته … "، و (٩٨١): "فيما سقت الأنهار والغيم … "، و (١٦٨٤): "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، فصاعدًا"، و (١٩١٦): "الطاعون شهادة لكلّ مسلم"، و (١٩٢٩): "إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله … "، و (٢٠٦٥): "الذي يشرب في آنية الفضّة … "، و (٢٣٠٥): "ألا إني فَرَطٌ لكم على الحوض … "، و (٢٤٥٩): "قيل لي: أنت منهم". ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال البَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجَّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجَّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٤ - (حَجَّاجٌ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المِصيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره، لَمّا قَدِمَ بغداد [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ، قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيوخه الثلاثة، فالوليد لم يروِ عنه البخاريّ، والنسائيّ، وهارون لم يروِ عنه البخاريّ، وحجَّاج تفرّد به هو وأبو داود فقط، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 2316

شرح الحديث: (عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْجٍ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ السَّلَميَّ ﵄ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَزَالُ) هي من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر واسمها، قوله: (طَائِفَةٌ مِنْ أَمَّتِي) قال الفيّوميّ ﵀: الطائفة: الفرقة من الناس، والطائفة: القطعة من الشيء، والطائفة من الناس الجماعة، وأقلّها ثلاثة، وربّما أُطلقت على الواحد والاثنين. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: الطائفة الجماعة، وهم الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١]. والطائفة في الأصل: هي القطعة من الشيء، يقال: طائفة من كذا؛ أي: قطعة منه، وهي من الناس الجماعة. قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف، وكذلك قال النخعيّ. وقال عطاء: أقلّه رجلان، فصاعدًا. وقال الزهريّ: ثلاثة فصاعدًا. والطائفة هي الفرقة التي يُمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة الحافّة حول الشيء، أقلّها ثلاثة، أو أربعة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). وقوله: (مِنْ أُمَّتِي) المراد أمة الإجابة (يُقَاتِلُونَ) حذف المفعول للتعميم؛ أي: جميع أعداء الإسلام (عَلَى الْحَقِّ) متعلّق بحال مقدَّر؛ أي: حال كونهم كائنين على الحقّ، أي: الثابت من الله على لسان رسوله ﷺ (ظَاهِرِينَ) حال من الواو أيضًا، أي: حال كونهم غالبين أعداءهم، أو من خالفهم، أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى؛ لِمَا أخرجه المصنّف من حديث عقبة بن عامر ﵁: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة". وقوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ") متعلّق بـ"لا تزال"، أو بـ"يُقاتلون"؛ أي: إلى أن يقرب يوم القيامة، وذلك بإتيان العلامة، وهي الريح التي تقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة؛ لِمَا أخرجه المصنّف ﵀ عن عبد الرحمن بن شِمَاسة المَهْريّ، أنه قال: كنت عند مَسْلَمَةَ بن مُخَلَّد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال

стр. 2317

عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شَرٌّ من أهل الجاهليّة، لا يَدْعُون الله بشيء، إلا ردّه عليهم، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك"، فقال عبد الله: أَجَلْ: "ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مَسُّها مَسُّ الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة". (قَالَ) ﷺ ("فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ ) "ابن" هنا لا تحذف همزة الوصل منها؛ لأنها مضافة إلى أم لعيسى، لا إلى أب له، ومن شرط حذفها كون ما تُضاف إليه أبًا للأول، نحو قولك: محمد بن عبد الله (فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ) هو المهديّ (تَعَالَ) بفتح اللام، فعل أمر من تعالى يتعالى، يقال: تعالى يَتَعالى تعَاليًا: إذا ارتفع، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُرَ في كلامهم حتى استُعمل بمعنى هَلُمَّ مطلقًا، سواء كان موضع المدعوّ أعلى أو أسفل، أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنًى خاصّ، ثم استُعمِل في معنى عامّ، وتتّصل به الضمائر باقيًا على فتحه، فيقال: تعالَوْا، تعالَيَا، تعالَيْن، وربّما ضُمّت اللام مع جمع المذكّر السالم، وكُسِرت مع المؤنّثة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية؛ لمجانسة الواو (١)؛ أي: أقبل إلينا، وقوله: (صَلِّ لَنَا) بدل من "تَعَالَ" بدل فعل من فعل، كما في تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، فـ ﴿يُضَاعَفْ﴾ بدلٌ من ﴿يَلْقَ﴾، أُعرب بإعرابه، وهو الجزم، ومنه قول الشاعر [من الرجز]: إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبَايِعَا … تُؤْخَذَ كُرْهًا أَوْ تَجِيءَ طَائِعًا فـ"تؤخَذَ" بدل من "تبايعا"، ولذا نُصب، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:

стр. 2318

وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ"مَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ" (فَيَقُولُ) عيسى ﵇ (لَا) أي: لا آتيكم لأصلّي بكم، وقوله: (إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ) جملة تعليليّة لعدم صلاته بهم؛ أي: لأن بعض هذه الأمة أُمراء على بعضها، والأمير هو الأحقّ بأن يصلّي بها، وقوله: (تَكْرِمَةَ اللهِ) منصوب على أنه مفعول من أجله، كما قال في "الخلاصة": يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ المَصْدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كَـ"جُدْ شُكْرًا وَدِنْ" وفي رواية أبي عوانة: "لتكرمة الله هذه الأمة" باللام. وقوله: (هَذِهِ الْأُمَّةَ") منصوب على أنه مفعول به لـ"تكرمة"؛ إذ هو مصدر يعمل عمل فعله، كما قال في "الخلاصة": بِفِعْلِهِ المَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي العَمَلْ … مُضَافًا أَوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ "أَلْ" إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ "أَلْ" أَوْ "مَا" يَحُلْ … مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ والمعنى: إن بعضكم أمراء على بعضٍ؛ لأجل تكرمة الله تعالى إياكم، فلا ينبغي لغيركم أن يكون إمامًا لكم. وفي رواية أحمد من حديث جابر ﵁ في قصة الدجال، ونزول عيسى ﵇: "وإذا هم بعيسى، فيقال: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم، فليُصَلِّ بكم"، ولابن ماجه في حديث أبي أمامة الطويل في الدجال قال: "وإمامهم رجل صالحٌ، فبينما إمامهم قد تقدَّم، يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبحَ، فرجع ذلك الإمام يَنكُص، يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم، فصلّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم … ". وقال أبو الحسن الأُبَّديّ في مناقب الشافعي ﵀: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك رَدًّا للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس ﵁ وفيه: "ولا مَهْدِيَّ إلا عيسى". وقال ابن الجوزي ﵀: لو تقدم عيسى إمامًا لوقع في النفس إشكال، ولَقِيل: أتراه تقدم نائبًا أو مبتدئًا شرعًا؟ فصلى مأمومًا؛ لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجهُ قوله ﷺ : "لا نَبِيَّ بعدي"، وفي صلاة عيسى ﵇ خلف رجل من هذه الأمة، مع كونه في آخر الزمان، وقرب قيام الساعة دلالةٌ للصحيح من

стр. 2319

الأقوال: أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا تفرّد به المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٧٧/ ٤٠٢] (١٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣١٧)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٤١٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٠٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نزول عيسى ﵇، وحكمه بشريعة نبيّنا محمد ﷺ . ٢ - (ومنها): بيان قيام هذه الأمة على شريعة نبيّها ﷺ إلى قيام الساعة. ٣ - (ومنها): بيان فضل اتّباع سنّة رسول الله ﷺ ، ووجه ذلك أن هؤلاء الطائفة ما حصل لهم ذلك النصر، والثبات على مقاومة العدوّ، وإبادته إلا بسبب اتّباعهم سنته ﷺ . ٤ - (ومنها): أن فيه بيان فضل هذه الأمّة، حيث إن الله أجارها عن الاتّفاق على الضلال، فلا تزال جماعة مؤمنة بربّها أيَّ إيمان، متّبعة لسنة نبيّها ﷺ ، لا يغيّرها حوادث الزمان، ولا مضايقة أهل المكان، ولا يبدّل أحوالها تعاقب الملوين، واختلاف الجديدين، بل تبقى صابرةً صامدة على الحقّ، لا تبالي بتآمر جميع الخلق، فسبحان من اصطفى خيار عباده لنيل صَفْوِ وداده. ٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً على صحّة الإجماع؛ لأن الأمة إذا أجمعت على شيء، فقد دخلت فيهم هذه الطائفة المختصة بهذا الفخر العظيم، فكلّ

стр. 2320

الأمّة مُحِقّ، فإجماعهم حقّ، ويفيد هذا المعنى قوله : ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١]، قاله القرطبيّ ﵀ (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهو أصح ما استُدِلَّ به من الحديث على كون الإجماع حجةً، وأما حديث: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، فضعيف (٢). انتهى (٣). ٦ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ ﷺ ، فإنّ هذا الوصف ما زال - بحمد الله تعالى - من زمن النبيّ ﷺ إلى الآن، ولا يزال - بفضل الله تعالى - حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بهذه الطائفة: قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: قد اختلف العلماء في من هذه الطائفة؟، وأين هم؟، فقال عليّ ابن المدينيّ: هم العرب، واستدلّ برواية من روى: "وهم أهل الغرب"، وفسّر "الغرب" بالدلو العظيمة. وقيل: أراد بالغرب أهل القوّة، والشدّة، والحدّ، وغرب كلّ شيء حدّه. وقيل: أراد به غرب الأرض، وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ وقال فيه: "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ في المغرب حتى تقوم الساعة"، ورواه عبد بن حميد، وقال فيه: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم الساعة، أو يأتي

стр. 2321

أمر اللهُ". ورواه بقيّ بن مَخْلَد في "مُسنده" كذلك: "لا يزال أهل المغرب كذلك". قال القرطبيّ: وهذه الروايات تدلّ على بطلان التأويلات المتقدّمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة مدينة النبيّ ﷺ إنما هو الشام، وآخره حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى، وما بينهما، كلّ ذلك يُقال عليه: مغرب، فهل أراد المغرب كلّه، أو أوّله؟ كلُّ ذلك محتملٌ، لا جَرَم قال معاذٌ ﵁ في الحديث الآخر: "هم أهل الشام"، ورواه الطبريّ، وقال: هم ببيت المقدس. وقال أبو بكر الطرطوشيّ في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب بعد أن أورد حديثًا في هذا المعنى قال: - والله تعالى أعلم - هل أرادكم رسول الله ﷺ أو أراد بذلك جملةَ أهل المغرب لما هم عليه من التمسّك بالسنّة والجماعة، وطهارتهم من البِدَع والإحداث في الدين، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح؟. والله تعالى أعلم. انتهى ما ذكره القرطبيّ (١). وقال في "الفتح": قال صاحب "المشارق" في قوله: "لا يزال أهل الغرب" يعني الرواية التي في بعض طرق مسلم، وهي - بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء -: ذكر يعقوب بن شيبة عن علي ابن المديني قال: المراد بالغرب الدلو؛ أي: العَرَب - بفتح المهملتين - لأنهم أصحابها، لا يستقي بها أحد غيرهم، لكن في حديث معاذ: "وهم أهل الشام"، فالظاهر أن المراد بالغرب البلد؛ لأن الشام غربي الحجاز، كذا قال، وليس بواضح. ووقع في بعض طرق الحديث "المغرب" - بفتح الميم، وسكون المعجمة - وهذا يَرُدّ تأويل الغرب بالعرب، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه، أن المراد الإقليم، لا صفة بعض أهله. وقيل: المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد في الجهاد، يقال: في لسانه غَرْب - بفتح، ثم سكون - أي: حِدّة. ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد: "أنهم ببيت المقدس"، وأضاف "بيت" إلى "المقدس". وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في

стр. 2322

"الأوسط" للطبراني: "يقاتلون على أبواب دمشق، وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين إلى يوم القيامة". ويمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو، وحِدَّة وجِدٌّ. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: وأما هذه الطائفة فقال البخاريّ: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث (٢). وقال في "الفتح": قال النووي: يجوز أن تكون هذه الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أَوّلًا فأوّلًا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى ملخصًا مع زيادة فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب في المراد بالطائفة المذكورة هم الجماعة الذين يقومون بنصرة الدين، والذبّ عن حريمه، واتّباع السنّة، وقمع البدعة، فيشمل كلّ من كان متّصفًا بما ذُكر من علماء الحديث، والمفسّرين، والفقهاء، والأمراء، والسلاطين، والشجعان، القائمين بما ذكر، والله تعالى أعلم. قال (٣): ونظير ما نَبّهَ عليه - يعني: النووي في كلامه السابق - ما حَمَل

стр. 2323

عليه بعضُ الأئمة حديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحدٌ فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو مُتَّجِهٌ، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعيّ، وإن كان متصفًا بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كُلُّ من كان متصفًا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهو بحثٌ نفيسٌ جِدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين قوله ﷺ في هذا الحديث: "حتى تقوم الساعة"، وحديث مسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق". قال ابن بطال رحمه الله تعالى: هذا الحديث وما أشبهه، ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض، حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف، ويعود غريبًا كما بدأ، ثم ذكر حديث: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق … " الحديث، قال: فتبيّن في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحق، تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة، قال: فبهذا تأتلف الأخبار. وتعقّبه الحافظ رحمه الله تعالى، قائلًا: ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة، وإنما فيه حتى يأتي أمر الله، فيحتمل أن يكون المراد بأمر الله، ما ذُكر من قبض مَن بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى ﵇، ثم إذا

стр. 2324

بعث الله الريح الطيبة، فقبضت روح كل مؤمن لم يبقَ إلا شرار الناس. وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"، وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع تناثر الخَرَز بسرعة، وهو عند أحمد، وفي مرسل أبي العالية: "الآيات كلها في ستة أشهر". وعن أبي هريرة ﵁: "في ثمانية أشهر"، وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة ﵁ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك، ولفظه: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعزى"، وفيه: "يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفَّى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "يخرج الدجال في أمتي … " الحديث، وفيه: "فيبعث الله عيسى ابن مريم، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد، في قلبه مثقال حبة من خير"، أو "إيمان، إلا قبضته"، وفيه: "فيبقى شرار الناس في خِفَّة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور". فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث: "لا تزال طائفة" وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئًا يسيرًا، ويؤيده حديث عمران بن حصين ﵄، رفعه: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال"، أخرجه أبو داود، والحاكم، قال: ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال، يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يُرسَل عليهم الريح الطيبة، فلا يبقى بعدهم إلا الشرار، كما تقدم (١). وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر ما خلاصته: إن المراد بأمر الله هبوب تلك الريح، وبقيام الساعة ساعتهم، والمراد بالذين يكونون ببيت

стр. 2325

المقدس هم الذين يحصرهم الدجال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم، فيقتل الدجال، ويَظهر الدين في زمن عيسى، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة، فهذا هو المعتمد في الجمع - والعلم عند الله تعالى -. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في المراد بقوله ﷺ : "حتى تقوم الساعة"، وبقوله: "حتى يأتي أمر اللهُ"، علامة الساعة التي هي هبوب الريح المذكورة، فلا يوجد بعده نفس مؤمنة، بل يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٨) - (بَابُ بَيَانِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٣] (١٥٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاء، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِذٍ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.

стр. 2326

٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحُرَقيّ، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٥ - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الجُهنيّ الحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماستات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه الثلاثة، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "يعنون ابن جعفر"، وقوله: "وهو ابن عبد الرحمن"، وقد تقدّم البحث عنه غير مرّة، وخلاصته أن مشايخه لم ينسبوا إسماعيل، والعلاء إلى أبويهما، فأراد أن يوضّح ذلك لطلابه، فزاد كلمة "يعنون"، وكلمة "وهو" فصلًا بين ما نقله، وبين ما زاده من عنده، فتبصّر. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى تَطْلُعَ) بضمّ اللام مضارع طَلَع بفتحها، يقال: طَلَعَ يَطْلُعُ طُلُوعًا، من باب قَعَدَ يَقْعُدُ قُعُودًا، ومَطْلَعًا بفتح اللام، وكسرها، وكلُّ ما بدا لك من عُلوّ، فقد طَلَعَ عليك، وطَلَعتُ الجبلَ طُلُوعًا يتعدَّى بنفسه؛ أي: عَلَوته، وطَلَعْتُ فيه: رَقِيته،

стр. 2327

قاله الفيّوميّ (١)، وقال المجد: طَلَعَ الكوكب، والشمس طُلُوعًا وَمَطْلَعًا ومَطْلِعًا: ظَهَرَ، كاطَّلَعَ. انتهى (٢). (الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) - بفتح الميم، وكسر الراء -: أي: محلّ غروبها، وقد وقع تفسير كيفيّة طلوعها في حديث أبي ذرّ ﵁ الآتي في قوله: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ … " الحديث. [تنبيه]: هذا الحديث مختصر من الحديث الذي ساقه الإمام البخاريّ ﵀ في أواخر "كتاب الفتن" بطوله، فقال: (٧١٢١) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة، حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مَقْتَلَةٌ عظيمةٌ، دعوتهما واحدة، وحتى يُبْعَث دجالون، كذابون، قريب من ثلاثين، كلُّهم يَزْعُمُ أنه رسول الله، وحتى يُقبَض العلم، وتَكثُر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفِتَن، وَيكْثُر الهَرْج - وهو القتل - وحتى يكثر فيكم المال، فيَفِيضَ حتى يُهِمَّ ربُّ المال من يَقْبَل صدقته، وحتى يَعْرِضه عليه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أَرَبَ لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يَمُرَّ الرجلُ بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تَطلُع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس، يعني: آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ولَتَقُومنّ الساعةُ، وقد نَشَرَ الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يَطوِيانه، ولتقومنَّ الساعةُ، وقد انصرف الرجل بلبن لِقْحَته، فلا يَطْعمه، ولتقومن الساعة، وهو يَلِيط حوضه، فلا يَسْقِي فيه، ولتقومنّ الساعةُ، وقد رَفَع أُكْلته إلى فيه، فلا يَطْعمها". وقال الطيبيّ ﵀: الآيات أماراتٌ للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها، فمن الأول الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس، وحديث الباب يُؤذِن بذلك؛ لأنه جَعَل في طلوعها من المغرب

стр. 2328

غايةً؛ لعدم قيام الساعة، فيقتضي أنها إذا طَلَعَت كذلك انتفى عدم القيام، فثبت القيام، قاله في "الفتح" (١). (فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) وفي رواية أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ في "التفسير": "فإذا رآها الناس آمَنَ مَن عليها"، أي: على الأرض من الناس (فَيَوْمَئِذٍ) وفي رواية للبخاري: "فذاك حين" (﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]) قال الإمام ابن جرير الطبريّ ﵀: معنى الآية: لا ينفع كافرًا لم يكن آمن قبل الطلوع إيمانٌ بعد الطلوع، ولا ينفع مؤمنًا لم يكن عَمِل صالحًا قبل الطلوع عَمَلٌ صالحٌ بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان، والعمل الصالح حينئذ حكمُ مَن آمن، أو عَمِل عند الغَرْغَرَة، وذلك لا يفيد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية [غافر: ٨٥]، وكما ثبت في الحديث الصحيح: "تُقبَل توبةُ العبد ما لم يبلغ الغرغرة" (٢). وقال ابن عطية وغيره ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب، وكذلك العاصي لا تنفعه توبته، ومن لم يعمل صالحًا من قبلُ، ولو كان مؤمنًا لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب. وقال القاضي عياض ﵀: المعنى لا تنفع توبةٌ بعد ذلك، بل يُختم على عمل كلِّ أحد بالحالة التي هو عليها. والحكمة في ذلك أن هذا أولُ ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلويّ، فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروريّ بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشممس من المغرب مثله. وقال القرطبيّ في "التذكرة" بعد أن ذكر هذا: فعلى هذا، فتوبة من شاهد

стр. 2329

ذلك، أو كان كالمشاهد له مردودةٌ، فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر، أو ينقطع تواتره، ويصير الخبر عنه آحادًا، فمن أسلم حينئذ، أو تاب قُبِل منه، وأَيَّد ذلك بأنه رُوي أن الشمس والقمر يُكْسَيان الضوء بعد ذلك، ويطلعان، ويغربان من المشرق، كما كانا قبل ذلك. قال: وذكر أبو الليث السمرقنديّ في "تفسيره" عن عمران بن حُصين قال: إنما لا يُقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع، لأنه يكون حينئذ صيحة، فيهلك بها كثير من الناس، فمن أسلم، أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل في "الفتح" (١) هذا القول عن القرطبيّ، وسكت عليه، وعندي أنه محلّ نظر، فأين الدليل على قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها؟، وما ذكره من طلوعهما وغروبهما بعد ذلك كعادتهما ليس فيه دلالة على القبول المزعوم، وما ذكره أبو الليث عن عمران بن حصين ﵄ يحتاج إلى ثبوته، فتبصر، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطية ﵀: في هذا الحديث دليلٌ على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] طلوعُ الشمس من المغرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وأسند الطبريّ عن ابن مسعود، أن المراد بالبعض إحدى ثلاث: هذه، أو خروج الدابة، أو الدجال، قال: وفيه نظرٌ؛ لأن نزول عيسى ابن مريم، يَعْقُبُ خروج الدجال، وعيسى لا يَقْبَل إلا الإيمان، فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يُقْبَل الإيمان ولا التوبة. انتهى. لكن يأتي عند المصنّف في الحديث التالي من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "ثلاثٌ إذا خَرَجن لم ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل: طلوعُ الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض". قيل: فلعل حصول ذلك يكون متتابعًا، بحيث تَبْقى النسبة إلى الأول منها مجازية، وهذا بعيدٌ؛ لان مُدّة لَبث الدجال إلى أن يقتله عيسى، ثم لبث عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من

стр. 2330

المغرب، فالأرجح أن خروج الدجال أولُ الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلويّ، وينتهي ذلك بقيام الساعة، قاله الحافظ ﵀، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٧٨/ ٤٠٣ و ٤٠٤] (١٥٧)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٦٣٥ و ٤٦٣٦)، و"الرقاق" (٦٥٠٦)، و"الفتن" (٧١٢١)، و (أبو داود) في "الملاحم" (٤٣١٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١١١٧٧)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١ - ٣١٣ - ٣٥٠ - ٣٩٨ - ٥٣٠)، و (ابن جرير الطبريّ) في "تفسيره" (١٤٢٠٤ و ١٤٢٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣١٨ و ٣١٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٩٦ و ٤٠١ و ٤٠٢ و ٤٠٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٤٣ و ٤٢٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الزمن الذي لا يُقبَلُ فيه الإيمان، وهذا هو وجه مطابقة ذكره في "كتاب الإيمان". ٢ - (ومنها): إثبات قيام الساعة، وأنه شيء لا بدّ من وقوعه. ٣ - (ومنها): إثبات علامات وأمارات لوقوع الساعة. ٤ - (ومنها): إثبات طلوع الشمس من مغربها، مخالفة لعادتها، قال القاضي عياضٌ ﵀: وهو على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلّمين من

стр. 2331

أهل السنّة، خلافًا لمن تأوله من المبتدعة والباطنيّة، وهو أحد أشراط الساعة المنتظرة. انتهى (١). ٥ - (ومنها): أن ذلك طلوعها علامة غلق باب التوبة، فبعد ذلك لا ينفع الكافر أن يؤمن، ولا العاصي أن يتوب. ٦ - (ومنها): بيان أن توبة العبد مقبولة قبل ذلك، وإن عمل ما عمل من كبائر الذنوب. ٧ - (ومنها): بيان سعة رحمة الله ، حيث أمهل العصاة أمدًا طويلًا، فمن أراد منهم أن يرجع إليه قبله، فلا ينبغي للعبد أن يستعظم ذنوبه، ويقع في اليأس، فإن الله تعالى لا يعظُم عليه شيء، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أول علامات الساعة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك؛ لاختلاف الآثار الواردة فيه، قال القاضي عياضٌ ﵀: اختُلف في أول الآيات، فقيل: أولها طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابّة، من رواية عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا"، وفي حديث أنس ﵁: "أولُ أشراط الساعة نارٌ تحشُر الناس، تخرُج من اليمن"، وفي حديث حذيفة بن أَسِيد ﵁: "آخر ذلك النار". انتهى (٢). وقد لخّص الحافظ ﵀ في "الفتح" تلك الآثار، وجمع بين أشتاتها، فأجاد وأفاد ﵀، ودونك خلاصته: قال ﵀: الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أولُ الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلويّ، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج

стр. 2332

الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب، وقد أخرج مسلم أيضًا من طريق أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، رفعه: "أولُ الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، فأيُّهُما خرجت قبل الأخرى، فالأخرى منها قريب" (١). وفي الحديث قصة لمروان بن الحكم، وأنه كان يقول: أولُ الآيات خروج الدجال، فأنكر عليه عبد الله بن عمرو. قال الحافظ: ولكلام مروان مَحْمِلٌ يُعْرَف مما ذكرته. وقال الحاكم أبو عبد الله ﵀: الذي يظهر أن طلوع الشمس يَسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه. قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يُغْلَق بابُ التوبة، فتخرج الدابة تُمَيِّز المؤمن من الكافر؛ تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة. وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تَحْشُر الناس كما ثبت في حديث أنس ﵁ في مسائل عبد الله بن سلام، ففيه: "وأما أوّلُ أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" (٢).

стр. 2333

وذكر الميانشيّ عن عبد الله بن عمرو رفعه، قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة. قال الحافظ: رفع هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" بسند جيّد عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وقد ورد عنه ما يعارضه، فأخرج أحمد، ونعيم بن حماد من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو، رفعه: "الآيات خَرَزَات منظومات في سلك، إذا انقطع السلك تَبعَ بعضها بعضًا"، وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو، رفعه: "إذا طلع الشمس من مغربها خَرَّ إبليس ساجدًا، ينادي: إلهي مُرْني أن أسجد لمن شئت … " الحديث، وأخرج نعيم نحوه، عن أبي هريرة، والحسن، وقتادة، بأسانيد مختلفة. وعند ابن عساكر، من حديث حُذيفةَ بنِ أَسِيد الغفاريّ، رفعه: "بين يدي الساعة عشر آيات، كالنّظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة توالت"، وعن أبي العالية: "بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر، يتتابعن كتتابع الخَرَزات في النظام". ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بأن المدّة، ولو كانت كما قال: عشرين ومائة سنة، لكنها تَمُرّ مرورًا سريعًا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك، أو دون ذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر … " الحديث، وفيه: "واليوم كاحتراق السَّعَفَة". وأما حديث عمران، فلا أصل له، وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقيّ في "البعث والنشور"، فقال في "باب خروج يأجوج ومأجوج": (فصل) ذَكَرَ الحَلِيميّ أن أول الآيات الدجال، ثم نزول عيسى؛ لأن طلوع الشمس من

стр. 2334

المغرب، لو كان قبل نزول عيسى لم ينفع الكفار إيمانهم في زمانه، ولكنه ينفعهم؛ إذ لو لم ينفعهم لَمَا صار الدين واحدًا بإسلام من أسلم منهم. قال البيهقيّ: وهو كلام صحيح، لو لم يعارض الحديث الصحيح المذكور: "إن أول الآيات طلوع الشمس من المغرب"، وفي حديث عبد الله بن عمرو: "طلوع الشمس، أو خروج الدابة"، وفي حديث أبي حازم، عن أبي هريرة الجزم بهما، وبالدجال في عدم نفع الإيمان. قال البيهقيّ: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابقٌ احتَمَل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا، وتطاول الزمان، وعاد بعضهم إلى الكفر، عاد تكليفه الإيمانَ بالغيب، وكذا في قصة الدجال، لا ينفع إيمانُ من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال، وينفعه بعد انقراضه، وإن كان في علم الله طلوع الشمس بعد نزول عيسى، احتَمَلَ أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عمرو آيات أخرى غير الدجال، ونزول عيسى؛ إذ ليس في الخبر نَصّ على أنه يتقدم عيسى. قال الحافظ: وهذا الثاني هو المعتمد، والأخبار الصحيحة تخالفه، ففي "صحيح مسلم" من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، رفعه: "مَن تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه"، فمفهومه أن من تاب بعد ذلك، لم تقبل، ولأبي داود، والنسائيّ من حديث معاوية، رفعه: "لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"، وسنده جيّد، وللطبراني عن عبد الله بن سلام نحوه، وأخرج أحمد، والطبريّ، والطبرانيّ، من طريق مالك بن يُخَامِر - بضم التحتانية، بعدها خاء معجمة، وبكسر الميم - وعن معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو، رفعوه: "لا تزال التوبة مقبولةً، حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طَبَعَ الله على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ الناس العملَ"، وأخرج أحمد، والدارميّ، وعبد بن حميد في "تفسيره" كلهم من طريق أبي هند، عن معاوية، رفعه: "لا تنقطع التوبة، حتى تطلع الشمس من مغربها"، وأخرج الطبريّ بسند جيِّد من طريق أبي الشَّعْثاء، عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا: التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها. وفي حديث صفوان بن عَسّال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بالمغرب بابًا

стр. 2335

مفتوحًا للتوبة، مسيرة سبعين سنةً، لا يُغْلَق حتى تطلع الشمس من نحوه"، أخرجه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضًا النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه، وفيه: "فإذا طلعت الشمس من مغربها، رُدّ المصراعان، فيلتئم ما بينهما، فإذا أُغلق ذلك الباب، لم تُقبَل بعد ذلك توبةٌ، ولا تنفع حسنةٌ، إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك، فإنه يُجرَى لهم ما كان قبل ذلك"، وفيه: فقال أُبي بن كعب: "فكيف بالشمس، والناس بعد ذلك؟ قال: تُكسَى الشمس الضوءَ، وتطلع كما كانت تطلع، وتقبل الناس على الدنيا، فلو نُتِج رجلٌ مُهْرًا لم يركبه حتى تقوم الساعة". وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند نعيم بن حماد، في "كتاب الفتن"، وعبد الرزاق في "تفسيره"، عن وهب بن جابر الخَيْوَانيّ - بالخاء المعجمة - قال: كنا عند عبد الله بن عمرو، فذكر قصّةً، قال: ثم أنشأ يحدثنا، قال: "إن الشمس إذا غَرَبت سَلَّمَت وسجدت، واستأذنت في الطلوع، فيؤذن لها، حتى إذا كان ذات ليلة، فلا يؤذن لها، وتُحْبَس ما شاء الله تعالى، ثم يقال لها: اطلُعي من حيث غربت، قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ"، وأخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" عن عبد الرزاق كذلك، ومن طريق أخرى، وزاد فيها قصة المتهجدين، وأنهم هم الذين يستنكرون بطء طلوع الشمس، وأخرج أيضًا من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: "تأتي ليلة قدرُ ثلاث ليالٍ، لا يعرفها إلا المتهجدون، يقوم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ، ثم ينام، ثم يقوم، فعندها يموج الناس بعضهم في بعض، حتى إذا صَلَّوُا الفجر، وجلسوا، فاذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فَيَضِجُّ الناس ضجّة واحدةً، حتى إذا توسطت السماء رجعت"، وعند البيهقي في "البعث والنشور" من حديث ابن مسعود نحوه: "فينادي الرجل جاره: يا فلان ما شأن الليلة؟ لقد نِمْتُ حتى شَبِعتُ وصليت حتى أعييت"، وعند نعيم بن حماد، من وجه آخر، عن عبد الله بن عمرو، قال: "لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج، إلا قليلًا حتى تطلع الشمس من مغربها، فيناديهم منادٍ: يا أيها الذين آمنوا قد قُبِل منكم، ويا أيها الذين كفروا قد أُغلق عنكم باب

стр. 2336

التوبة، وجَفَّت الأقلام، وطُويت الصُّحُف"، ومن طريق يزيد بن شُريح، وكثير بن مُرّة: "إذا طَلَعت الشمس من المغرب، يطبع على القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملًا"، وأخرج عبد بن حميد، والطبريّ بسند صحيح، من طريق عامر الشعبيّ، عن عائشة: "إذا خرجت أول الآيات طُرِحت الأقلام، وطُويت الصحف، وخَلَصت الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال"، وهو وإن كان موقوفًا، فحكمه الرفع، ومن طريق العَوْفيّ، عن ابن عباس نحوه، ومن طريق ابن مسعود قالا: "الآية التي يُختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها". فهذه آثار يشُدُّ بعضها بعضًا متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة، ولم يُفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة، ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها، أوَّلُ الإنذار بقيام الساعة. وفي ذلك رَدٌّ على أصحاب الهيئة، ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفَلَكيّات بسيطة، لا يَختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه، قال الكرمانيّ: وقواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، وعلى تقدير تسليمها، فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي مُعَدَّل النهار، بحيث يصير المشرق مغربًا وبالعكس. واستَدَلّ صاحب "الكشاف" بهذه الآية للمعتزلة، فقال: قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] صفة لقوله: ﴿نَفْسًا﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] عطف على ﴿أَمَنَةً﴾ [الأنفال: ١١]، والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت، وهي آيات مُلجِئة للإيمان، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ من غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها تقديم عمل صالح، فلم يُفَرِّق كما ترى بين النفس الكافرة، وبين النفس التي آمنت في وقته، ولم تكتسب خيرًا لِيُعْلَم أن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [يونس: ٤] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبها ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. قال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا أتى

стр. 2337

بعض الآيات، لا ينفع نفسًا كافرةً إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفسًا سبق إيمانها، ولم تكسب فيه خيرًا، فقد عَلَّق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده، وكذا السابق ومعه الخير، ومفهوم الصفة قويّ، فيُسْتَدَل بالآية لمذهب أهل السنة، ويكون فيه قلبُ دليل المعتزلة دليلًا عليهم. وأجاب ابن المُنَيِّر في" الانتصاف"، فقال: هذا الكلام من البلاغة يُلَقَّبُ اللَّفّ، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا، لم تكن مؤمنة قبلُ إيمانُها بعدُ، ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبلُ ما تكتسبه من الخير بعدُ؛ فَلَفَّ الكلامين، فجعلهما كلامًا واحدًا؛ إيجازًا، وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحقّ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود، فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدُلّ له. وقال ابن الحاجب في "أماليه": الإيمان قبل مجيء الآية نافع، ولو لم يكن عمل صالحٌ غيره، ومعنى الآية: لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها العمل الصالح، لم يكن الإيمان قبل الآية، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها، فاختُصِرَ للعلم. ونَقَلَ الطيبيّ كلام الأئمة في ذلك، ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنير، وابن الحاجب، وبَسْطُهُ: أن الله تعالى لَقا خاطب المعاندين بقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥] علّل الإنزال بقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ [الأنعام: ١٥٦]؛ إزالةً للعذر، وإلزامًا للحجة، وعَقّبه بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٧]؛ تبكيتًا لهم، وتقريرًا لما سبق من طلب الاتباع، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٧]، أي: أنه أَنزل هذا الكتاب المنير كاشفًا لكل رَيْب، وهاديًا إلى الطريق المستقيم، ورحمةً من الله للخلق؛ ليجعلوه زادًا لمعًادهم فيما يقدمونه من الإيمان، والعمل الصالح، فجَعَلُوا شكرَ النعمة أن كَذَّبوا بها، ومُنِعُوا من الانتفاع بها، ثم قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية، أي ما ينتظر هؤلاء المكذِّبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا

стр. 2338

بنزول الملائكة بالعقاب الذي يَستأصل شأفتهم، كما جَرَى لمن مَضَى من الأمم قبلهم، أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها، فحينئذ تفوت تلك الفُرْصة السابقة، فلا ينفعهم شيءٌ، مما كان ينفعهم من قبلُ من الإيمان، وكذا العمل الصالح مع الإيمان، فكأنه قيل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ، إذا لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيرا من قبلُ، ففي الآية لَفّ، لكن حُذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر. ونظيرُهُ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]، قال: فهذا الذي عناه ابن المُنَيِّر بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له: اللَفّ، والمعنى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا، لم تكن مؤمنة من قبل ذلك إيمانُها من بعد ذلك، ولا ينفع نفسًا كانت مؤمنةً، لكن لم تعمل في إيمانها عملًا صالحًا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك، قال: وبهذا التقرير يَظْهَر مذهب أهل السنة، فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتسابُ الخير؛ أي: لإغلاق باب التوبة، ورفع الصّحُف والحفظة، وإن كان ما سَبَقَ قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة. ثم قال الطيبيّ: وقد ظَفِرتُ بفضل الله بعد هذا التقرير على آية أخرى تُشبه هذه الآية، وتُناسب هذا التقرير معنىً ولفظًا من غير إفراط ولا تفريط، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]، فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع، وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع، وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلًا والله تعالى أعلم. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ مُلَخّصًا (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2339

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُرَيب الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضّبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٤ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. ٥ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرمة الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨. ٦ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (كِلَاهُمَا) أي: كلا ابن فُضيل، وجرير. [تنبيه]: رواية أبي زرعة هذه أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "التفسير" من "صحيحه"، فقال: (٤٦٣٥) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن مَن عليها، فذاك

стр. 2340

حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [ … ] ( … ) - (ح) (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذَكوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤. ٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ) القرشيّ، أبو عبد الرحمن المعروف بأبي الزناد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. والباقيان تقدّما قريبًا. [تنبيه]: رواية الأعرج هذه أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ أيضًا في "صحيحه"، فقال: (٦٥٠٦) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، ولتَقُومنَّ الساعةُ، وقد نَشَرَ الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يَطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصَرَف الرجل بلبن لِقْحَته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يَلِيط حوضه، فلا يَسقِي فيه، ولتقومنّ الساعةُ، وقد رَفَع أحدكم أكلته إلى فيه، فلا يَطْعَمُهَا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2341

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [ … ] ( … ) - (ح) (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ (١)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ العَلَاءِ (٢)، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، أبو عبد الله، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام الصنعانيّ الحميريّ مولاهم، أبو بكر، ثقةٌ حافظ، مصنّف، عمي فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عتبة الصنعانيّ، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. وقوله: (بمثل حديث العلاء … إلخ) يعني: أن رواية معمر، عن همّام مثل رواية العلاء عن أبيه … إلخ. [تنبيه]: رواية معمر عن همّام التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" أيضًا، فقال: (٤٦٣٦) حدثني إسحاق، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همّام، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة، حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] " ثم قرأ الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2342

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٥] (١٥٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبيِ حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ، إِذَا خَرَجْنَ، ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]: طُلُوعُ الشمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ"). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزرَقُ) الواسطيّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩١. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ، حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (فُضَيْلِ بْنِ غزْوَانَ) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي - ابن جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، من كبار [٧]. رَوَى عن أبي حازم الأشجعيّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، وأبي إسحاق السبيعي، وعكرمة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، والثوريّ، وابن المبارك، والقطان، ووكيع، وجرير، وحفص بن غياث، وعبد الله بن نمير، والفضل بن موسى السِّينانيّ، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأبو أسامة، ويعلى بن عُبيد، وآخرون. قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، ووثقه محمد بن عبد الله بن عمار، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، قال: كنا نَجلِس أنا وابن شُبْرُمة، والقعقاع بن يزيد، والحارث العُكْليّ نتذاكر الفقه، فربّما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر،

стр. 2343

وذكر الخالديّ الشاعر أنه قُتِل في أيام المنصور (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. والباقون تقدّموا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فإن معظمهم كوفيّون، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه أبا حازم ممن لازم أبا هريرة خمس سنين. ٤ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، وقد مرّ البحث فيها غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له" يعني: أن لفظ الحديث المذكور هنا لفظ محمد بن العلاء، وأما شيخاه أبو بكر، وزهير، فروياه بالمعنى. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ) ذكّر العدد على تقدير ثلاثُ آيات، وللترمذيّ: "ثلاثة" بالتاء على تقدير ثلاثة أشياء، أو أمور (إِذَا خَرَجْنَ) أي: ظهرن في الدنيا وشاهدهنّ الناس ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ أي: كافرةً ﴿إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ﴾ نفسًا مؤمنة لم تكن ﴿كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) أي: في حال كونها مؤمنة لم تعمل عملًا صالحًا غير الإيمان (طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا) بدل تفصيل من "ثلاث"، أو بدل كلّ إن اعتُبر مع ما بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: أحدها طلوع الشمس من

стр. 2344

موضع غروبها (وَالدَّجَّالُ) هكذا الرواية عند المصنّف، وغيره، ووقع في "مسند أحمد": "والدخان" بالخاء المعجمة، وآخره نون. و"الدجّال" بفتح الدال، وتشديد الجيم، هو: الكذّاب، قال ثعلبٌ: الدّجّال: هو المُمَوِّه، يقال: سيفٌ مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي بذهب، وقال ابن دُريد: كلُّ شيء غَطَّيتَهُ: فقد دَجَّلْتَهُ، واشتقاق الدّجّال من هذا؛ لأنه يُغطيّ الأرض بالجمع الكثير، وجمعه دجّالون، قاله الفيّوميّ (١). وقال في "الفتح": "الدَّجّال": فَعّالٌ بفتح أوله، والتشديد من الدَّجْل، وهو التغطية، وسُمِّي الكذّاب دجّالًا؛ لأنه يُغَطّي الحقَّ بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقَطِران: إذا غَطّاه، والإناءَ بالذهب: إذا طلاه، وقال ثعلب: الدجّال: المُمَوِّه، سيف مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي، وقال ابن دُريد: سُمّي دجّالًا؛ لأنه يُغَطِّي الحقَّ بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض، يقال: دَجَلَ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا: إذا فَعَلَ ذلك، وقيل: بل قيل ذلك؛ لأنه يُغَطِّي الأرض، فرجع إلى الأول. وقال القرطبيّ في "التذكرة": اختُلِفَ في تسميته دجّالًا على عشرة أقوال. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، والرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَدَابَّةُ الْأَرْضِ") أُضيفت إلى الأرض مع أن الأصل في الدابّة ما تَدِبُّ على الأرض؛ للإشارة إلى أن خَلْقها ليس بطريق التوالد كبقيّة الدواب المعروفة، بل بالخروج من الأرض على هيئتها المكتملة، وسيأتي البحث فيها في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٧٨/ ٤٠٥] (١٥٨)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٧٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ١٧٨)، و (أحمد) في

стр. 2345

"مسنده" (٩٧٥٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦١٧٠ و ٦١٧٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣١٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٩٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (١٠٢٣)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٨/ ١٠٣)، و (البيهقيّ) في "الاعتقاد" (ص ٢١٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر ما قيل في الدجّال: (اعلم): أن مما يُحتاج إليه في أمر الدجال: أصله، وهل هو ابنُ صيّاد، أو غيره؟، وعلى الثاني فهل كان موجودًا في عهد رسول الله ﷺ أو لا؟ ومتى يَخرُج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يَدَّعيه؟ وما الذي يَظْهَر عند خروجه من الخوارق، حتى تَكْثُر أتباعه؟ ومتى يَهلِك؟ ومن يقتله؟. فأما الأول؛ فقد ثبت في الصحيح من حديث جابر ﵁ أنه كان يَحْلِف أن ابن صيّاد هو الدجّال. وأما الثاني؛ فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداريّ الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي، وأنه محبوس في بعض الجزائر. وأما الثالث؛ ففي حديث النّوّاس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية. وأما سبب خروجه، فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة ﵃ أنه يخرج من غَضبَة يَغْضَبها. وأما من أين يَخرُج؟ فمن قِبَل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يَخرُج من خراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم، من حديث أبي بكر، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم. وأما صفته، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ وصفه بأنه رجل جسيمٌ أحمر جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عِنَبة طافية، أقرب الناس شبهًا به ابن قَطَن، رجل من خُزاعة، وإن بين عينيه مكتوب كافر. وأما الذي يَدَّعيه، فإنه يخرج أوّلًا، فيَدَّعي الإيمان والصلاح، ثم يَدّعي النبوة، ثم يدعى الإلهية، كما أخرج الطبرانيّ، من طريق سليمان بن شهاب،

стр. 2346

قال: نَزَل عليّ عبدُ الله، وكان صحابيًّا، فحدّثني عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الدجال ليس به خَفَاءٌ، يجيء من قِبَل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَعُ، ويَظهَر، فلا يزال حتى يَقْدَم الكوفة، فيُظهِر الدين، ويعمل به فيُتَّبَعُ، وَيحُثّ على ذلك، ثم يَدَّعي أنه نبي، فيَفْزَع من ذلك كلُّ ذي لُبّ، ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتُغْشَى عينه، وتقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافرٌ، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق، في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان"، وسنده ضعيف. (المسألة الرابعة): أنه اشتَهَرَ السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذُكر عنه من الشرّ، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمرِ بالاستعاذة منه حتى في الصلاة. [وأجيب بأجوبة]: (أحدها): أنه ذُكِر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، فقد أخرج مسلم، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "ثلاثٌ إذا خَرَجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ، أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض"، وأخرجه الترمذيّ أيضًا، وصححه. (الثاني): قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية [الزخرف: ٦١]، وصَحّ أنه الذي يقتل الدجال، فاكتُفِي بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يُلَقَّب بالمسيح، كعيسى ﵇، لكن الدجال مَسِيح الضلالة، وعيسى ﵇ مسيح الهدى. (الثالث): أنه تُرِك ذكره احتقارًا. وتُعُقِّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بأشدّ من الفتنة بالدجال. وأجاب البلقيني بأنه اعتَبَر كلَّ من ذُكر في القرآن من المفسدين، فوجَدَ كلَّ من ذُكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعدُ، فلم يُذكَر منهم أحدٌ. انتهى.

стр. 2347

وتُعُقّب بأنه ينتقض بيأجوج ومأجوج. وقد وقع في "تفسير البغويّ" أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآية [غافر: ٥٧]، وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكلّ على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تَكَفَّل النبيّ ﷺ ببيانه والعلم عند الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأجوبة كلها ليست مُقنعة، فالأولى أن نَكِلَ علمه في عدم ذكره في القرآن إلى العليم الخبير، فالله تعالى أعلم. وأما ما يظهر على يده من الخوارق، فقد ثبت في الصحيح من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار"، وأخرج نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" من طريق كعب الأحبار، قال: "يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقيّ، ثم يُلتَمَس، فلا يُقْدَر عليه، ثم يُرَى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يدرى أين توجه؟ ثم يظهر بالمشرق، فيُعطَى الخلافة، ثم يُظْهِر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا، ويأمر الريح أن تثير سحابًا من البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر، فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد" (١). وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال"، أخرجه الحاكم، وعند الحاكم من طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد رفعه: "أنه يخرج - يعني: الدجال - في نقص من الدنيا، وخِفّة من الدين، وسوء ذات بَيْن، فيرد كل منهل، وتُطوَى له الأرض … " الحديث. وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؟ فإنه يَهلك بعد ظهوره على الأرض كلها،

стр. 2348

إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى ﵇ فيقتله؛ أخرجه مسلم أيضًا. وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند حسن صحيح إليه قال: "لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة"، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١)، وسيأتي تمام البحث في "كتاب الفتن" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر بعض ما ورد في دابّة الأرض: (اعلم): أنه وردت أحاديث في تعيينها، وصفتها، ومن أين تخرج؟: (فمنها): ما سيأتي للمصنّف في "كتاب الفتن " (٢٩٠١) من طريق فُرَات القَزّاز، عن أبي الطُّفَيل، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ، قال: اطَّلَع النبيّ ﷺ علينا، ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ "، قالوا: نَذْكُرُ الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات"، فذكر "الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تَخرُج من اليمن، تَطْرُد الناس إلى محشرهم" (٢). (ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (١١٦٥) عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم، فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عُمير الليثيّ، أن أبا الطُّفَيل حَدَّثه، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ أبي سَرِيحة، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود، وحديث طلحة أَتَمُّهما وأحسن، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة، فقال: "لها ثلاث خَرَجَات من الدهر، فتخرج من أقصى البادية، ولا يدخل ذِكرُها القرية

стр. 2349

- يعني مكة - ثم تَكْمُن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خَرْجةً أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة -". قال رسول الله ﷺ : "ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمةً، خيرِها وأكرمِها المسجدِ الحرام، لم يَرُعْهم إلا وهي تَرْغُو بين الركن والمقام، تنفُضُ عن رأسها التراب، فارْفَضَّ الناس معها (١) شَتّى ومَعًا، وتثبت عصابة من المؤمنين، وعَرَفُوا أنهم لن يُعجِزوا الله، فبدأت بهم، فجَلَّت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدُّرّيّ، ووَلَّت في الأرض، لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي؛ فيُقبِل عليها، فَتَسِمُهُ في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يُعْرَف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى إنّ الكافر يقول: يا مؤمن اقضني حقّي"، وهو حديث ضعيفٌ (٢). ورواه ابن جرير في "تفسيره " (٢٠/ ١٤ - ١٥) من طريقين عن حذيفة بن أَسِيد موقوفًا، والله أعلم. ورواه من رواية حُذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم، وهو يطوف بالبيت، ولكن إسناده لا يصح، قاله الحافظ ابن كثير ﵀. (ومنها): ما أخرجه المصنّف أيضًا في "كتاب الفتن" (٢٩٤١) من طريق

стр. 2350

أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو، قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أوّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، وأَيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا". (ومنها): ما أخرجه فيه أيضًا (٢٩٤٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدائة، وخاصّةَ أحدكم، وأمر العامة". (ومنها): ما أخرجه أيضًا (٢٩٤٧) من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رَبَاح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم". (ومنها): ما أخرجه ابن ماجه في "كتاب الفتن " من "سننه" (٤٠٥٦) بإسناد حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سَعْد، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، والدجال، أو خاصة أحدكم، وأمر العامة" (١). (ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (٢٦٨٧) من طريق أوس بن خالد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵇ فتَخْطِم أنف الكافر بالعصا، وتُجَلِّي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخِوَان يُعْرَف المؤمن من الكافر". وفي سنده علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف. ورواه أحمد في "مسنده" (٧٨٧٧)، وقال: "فتَخْطِم أنف الكافر بالخاتم،
следующие страницы →