← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

هُمْ؟ "، قال: ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام، مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه، فأَشْعَر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار أو التفجع، ويؤكد ذلك أن الوطن المشار إليه حرم الله، وجوار بيته، وبلدة الآباء من عهد إسماعيل ﵇. انتهى ملخصًا. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون انزعاجه كان من جهة خشية فوات ما أَمَّله من إيمان قومه بالله، وإنقاذهم به من وَضَرِ الشرك، وأدناس الجاهلية، ومن عذاب الآخرة، وليَتِمَّ له المراد من إرساله إليهم، ويحتمل أن يكون انزَعَجَ من الأمرين معًا. انتهى (١). [تنبيه]: قال ابن مالك ﵀: الأصل في قوله: "أو مخرجيّ هم؟ " وفي أمثاله تقديم حرف العطف على الهمزة كما تُقدّم على غيرها من أدوات الاستفهام، نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠١]، ونحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ الآية [الرعد: ١٦]، ونحو: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ [التكوير: ٢٦]، فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كما جيء بعده في أخواتها، فيقال في ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، وفي ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة: ١٠٠]: فأتطمعون، وأكلّما؛ لأن أداة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجُمَل، والعاطف لا يتقدّم عليه جزء مما عُطف، ولكن خُصّت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أنها أصل أدوات الاستفهام، لأن الاستفهام له صدر الكلام، وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة، وأرادوا التنبيه عليه، دكانت الهمزة بذاك أولى؛ لأصالتها في الاستفهام، وقد غفل الزمخشريّ في معظم كلامه في "الكشّاف" عن هذا المعنى، فادّعى أن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوف معطوفًا عليها بالعاطف ما بعده، وفي هذا تكلّف، وحذفٌ في موقع لم يثبت فيه الثبوت على ما سبق في "يا ليتني". انتهى. وتعقّب الطيبيّ كلام ابن مالك هذا، فقال: والجواب أنه لا يجوز فيما نحن فيه أن يُقدّر تقديم حرف العطف على الهمزة؛ لأن قوله ﷺ : "أو مخرجيّ

стр. 2417

هم؟ " جواب ورد على قوله: "إذ يُخرجك قومك" على سبيل الاستبعاد، والتعجُّب، فكيف يستقيم العطف؟ ولأن هذه جملة إنشائيّة، وتلك خبريّة، والحقّ أن الأصل: أمخرجيّ هم؟، فأريدَ مزيد استبعاد وتعجّب، فجيء بحرف العطف على تقدير: أمعاديّ هم، ومخرجيّ هم؟. وأما إنكار الحذف في مثل هذه المواضع فمستبعد؛ لأن مثل هذا الحذف من حلية البلاغة، لا سيّما وقد شُحن التنزيل بمثله، على أن الحذف المردود هو ما لا دليل عليه، ولا أمارة قائمة عليه، والدليل هنا وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور، فيجب أن يقدّر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف؛ تقريرًا للاستبعاد، وشدًّا لعضده. انتهى (١). (قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ) وفي رواية للبخاريّ: "إلا أوذي"، فذكر ورقةُ أن العلة في ذلك مجيئه له بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه عَلِمَ من الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك، وأنه يلزمه لذلك منابذتهم ومعاندتهم، فتنشأ العداوة من ثَمّ، وفيه دليل على أن المجيب يُقِيم الدليل على ما يُجيب به إذا اقتضاه. (وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ) أي: وقت إخراجك، أو وقت إظهار الدعوة، أو وقت الجهاد. فـ "إن" شرطية، والفعل بعدها مجزوم، زاد في رواية للبخاريّ: "حَيًّا"، ولابن إسحاق: "إن أدركت ذلك اليوم"، يعني: يوم الإخراج. قال الطيبيّ: يريد الزمان الذي أظهر فيه الدعوة، وعاداه قومه فيه، وقصدوا إيذاءه، وإخراجه. انتهى. (أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) - بفتح الزاي، وبهمزة قبلها -؛ أي: قويًّا بالغًا، مأخوذ من التأزير، بمعنى التقوية، وأصله من الأَزْر، وهو القوّة، وأنكر القزّاز أن يكون في اللغة مُؤَزَّر، من الأزر، وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته، كما قال الأخطل [من البسيط]: قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ

стр. 2418

وقال القاضي عياض ﵀: كذا جاءت الرواية "مؤزّرًا" قال بعضهم (١): أصله "مُوَازَرًا"؛ لأنه من وازرتُ؛ أي: عاونتُ، ويقال فيه: آزرتُ، قال: ويحتمل أن الألف سقطت أمام الواو على التأويل؛ إذ لا أصل لـ"مؤزّر" في الكلام. قال القاضي: وقد ظهر لي أنه صحيحٌ على ما جاءت به الرواية، وأنه أولى، وأليق بالمعنى، والمراد نصرًا قويًّا، مأخوذ من الأَزْر، وهو القوّة، ومنه تأزّر النبتُ: إذا اشتدّ وطال، قال الله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]، قيل: قوّتي، وقيل: ظهري، ولو كان على ما ذهب إليه هذا القائل لكان صواب الكلام "مُوَازِرًا" بكسر الزاي، وبعد أن ظهر لي هذا وجدت معناه مُعلّقًا عن بعض المشايخ، ووجدته للخطابيّ، وهو كلام صحيح. انتهى (٢). [تنبيهات]: [الأول]: زاد في رواية البخاريّ: "ثُمَّ لم يَنْشَبْ ورقةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ". قال في "الفتح": قوله: "لم يَنْشَب " - بفتح الشين المعجمة - أي: لم يَلْبَث، وأصل النُّشُوب: التعلَّق؛ أي: لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وهذا بخلاف ما في "السيرة" لابن إسحاق أنّ ورقة كان يَمُرُّ ببلال، وهو يُعَذَّب، وذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام، فإن تمسكنا بالترجيح، فما في الصحيح أصحّ، وإن لحظنا الجمع أمكن أن يقال: الواو في قوله: "وفَتَرَ الوحيُ" ليست للترتيب، فلعلّ الراوي لم يَحْفَظ لورقة ذكرًا بعد ذلك في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاءَ أمره بالنسبة إلى علمه، لا إلى ما هو الواقع، وفتورُ الوحي عبارة عن تأخره مُدَّةً من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان ﷺ وَجَدَهُ من الرَّوْع، وليحصل له التّشَوُّف إلى العَوْد، فقد روى البخاريّ من طريق معمر، عن الزهريّ ما يدُلّ على ذلك. [الثاني]: ردّ العلامة ابن القيم ﵀ بهذه الزيادة - أعني قوله: "ثم لم ينشب ورقة أن توفي" - ما وقع في "السيرة النبوية" لابن إسحاق: أن ورقة كان يَمُرّ ببلال، والمشركون يعذبونه، وهو يقول: أحدٌ أحد، فيقول: أحدٌ والله يا

стр. 2419

بلال … إلخ، فقال: هذا وَهَمٌ؛ لأن ورقة قال: "وإن أدركني يومك حيًّا لأنصرنك نصرًا مؤزرًا"، فلو كان حيًّا عند ابتداء الدعوة، لكان أوّل من استجاب، وقام بنصر النبيّ ﷺ كقيام عمر وحمزة. وتعقّبه الحافظ، بأن ورقة إنما أراد بقوله: "فإن يدركني يومك حيًّا أنصرك" اليوم الذي يُخرجونك فيه؛ لأنه قال ذلك عند قوله: "أوَ مخرجيّ هم؟ "، وتعذيب بلال كان في أول الدعوة، وبين ذلك وبين إخراج المسلمين من مكة للحبشة، ثم للمدينة مدةٌ متطاولةٌ، والله تعالى أعلم (١). [الثالث]: وقع في "تاريخ أحمد بن حنبل" عن الشعبي أن مُدّة فترة الوحي، كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحَكَى البيهقيُّ أن مُدّة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده، وهو ربيع الأول، بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين، وهي ما بين نزول: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١]، و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] عدمُ مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط. قال الحافظ: ثم راجحت المنقول عن الشعبى من "تاريخ الإمام أحمد"، ولفظه من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ: "أُنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقُرِن بنبوّته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يُعَلِّمه الكلمةَ والشيءَ، ولم يَنْزِل عليه القرآن على لسانه، فلما مَضَت ثلاث سنين قُرِن بنبوته جبريل، فنَزَل عليه القرآنُ على لسانه عشرين سنة". وأخرجه ابن أبي خيثمة من وجه آخر مختصرًا، عن داود بلفظ: "بُعِث لأربعين، ووُكِل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وُكِل به جبريل"، فعلى هذا فيحسن - بهذا المرسل إن ثبتَ - الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، فقد قيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشر، ولا يتعلّق ذلك بقدر مدّة الفترة، والله أعلم. وقد حَكَى ابن التين هذه القصّة، لكن وقع عنده ميكائيل بدل إسرافيل، وأنكر الواقديّ هذه الرواية المرسلة، وقال: لم يُقْرَن به من الملائكة إلا جبريل. انتهى.

стр. 2420

ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مُقَدَّم على النافي، إلا إن صَحِبَ النافي دليلُ نفيه فيُقَدَّم، والله أعلم. وأخذ السُّهَيليّ هذه الرواية، فجَمَع بها المختلف في مكثه ﷺ بمكة، فإنه قال: جاء في بعض الروايات المسندة أنّ مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال: مَكَثَ عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال: ثلاث عشرة أضافهما، وهذا الذي اعتمده السهيليّ من الاحتجاج بمرسل الشعبيّ لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أيامًا، قاله في "الفتح" (١). [الرابع]: زاد البخاريّ في "كتاب التعبير" (٦٩٨٢) من رواية معمر عن الزهريّ بعد قوله: "ثم لم يَنْشَب ورقة أن تُوفِّي، وفتر الوحي" ما نصّه: "فترةً حتى حَزِن النبيّ ﷺ فيما بلغنا حُزْنًا غَدَا منه مرارًا كي يَتَرَّدى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يُلقي منه نفسه تَبَدَّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جَأْشُهُ (٢)، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل، تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك". [تنبيه]: زاد أبو عوانة في "مسنده" في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال: فأخبرني عروة بن الزبير، قال: وقد كانت خديجة تُوفّيت قبل أن يُفرض من الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "أُريتُ لخديجة بيتًا من قَصَبِ لا سَخَبَ فيه، ولا نصب"، وهو قصب اللؤلوء. انتهى، والله تعالى أعلمَ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 2421

أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٩/ ٤١٠ و ٤١١ و ٤١٢] (١٦٠)، و (البخاريّ) في "بدء الوحي" (٣)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٩٢)، و"التفسير" (٤٩٥٣ و ٤٩٥٥ و ٤٩٥٦ و ٤٩٥٧)، و"التعبير" (٦٩٨٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٩٧١٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣)، وأبو عوانة في "مسنده" (٣٢٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٠٥ و ٤٠٦ و ٤٠٧)، وفي "دلائل النبوّة" (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ١٣٥ - ١٣٦)، و (الآجريّ) في "الشريعة" (ص ٤٣٩ - ٤٤٠)، و (ابن جرير) في "تفسيره" (٣٠/ ١٦١ - ١٦٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، ومناسبته لذكره في أبواب الإيمان من حيث إن الإيمان هو التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالجوارح والأركان بكلّ ما جاء الرسول ﷺ من عند الرحمن، وذلك لا يكون إلا عن طريق الوحي، فتأمله بالإيقان. ٢ - (ومنها): التصريح من عائشة عنها بأن رؤيا النبيّ ﷺ من جملة أقسام الوحي، وهو محلّ وفاق. ٣ - (ومنها): مشروعيّة اتّخاذ الزاد، وأنه لا ينافي التوكّل، فقد اتّخذه سيّد المتوكلين ﷺ . ٤ - (ومنها): الحضّ على التعليم ثلاثًا بما فيه مشقّة، كما فتل النبيّ ﷺ أذن ابن عبّاس ﵄ في إدارته إلى جهة اليمين في الصلاة. ٥ - (ومنها): ما استنبطه منه شُريح القاضي ﵀ أنه لا يُضرب الصبيّ على القرآن إلا ثلاثًا، كما غطّ جبريل ﵇ النبيّ ﷺ ثلاثًا. ٦ - (ومنها): بيان كمال كرمه بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ٧ - (ومنها): بيان فضل علم الكتابة؛ لما فيه من المنافع العظيمة التي لا تُحصى؛ إذ بها دُوِّنت العلوم، وقُيِّدت الحِكَم، وضُبطت أخبار الأولين، وحُفظت كُتب الله المنزّلة، واستقامت أمور الدين والدنيا.

стр. 2422

٨ - (ومنها): بيان أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وبه يقول الجمهور، قال النوويّ ﵀: هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وقيل: أوله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] وليس بشيء. انتهى. وأما قول جابر ﵁ الآتي: "فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، فمحمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي، وقيل: إن أول ما نزل الفاتحة، وهو قول شاذّ، لا يُلتفت إليه. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهي أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علّم الإنسان ما لم يعلم، فشرّفه وكرّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البريّة آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان، ذهنيّ، ولفظيّ، ورسميّ، والرسميّ يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥]، وفي الأثر: "قيّدوا العلم بالكتابة" (١)، وفيه أيضًا: "من عَمِلَ بما عَلم رزقه الله عِلم ما لم يعلم" (٢). انتهى كلام ابن كثير ﵀ (٣). ٩ - (ومنها): أنه استدلّ به بعض من يقول: إن "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ليست من القرآن في أوائل السور؛ لكونها لم تُذكر هنا، وأجاب المثبتون لها بان البسملة لم تنزل أوّلًا، بل نزلت في وقت آخر، كما نزل باقي السور. وقال السهيليّ ﵀: في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دليلٌ من الفقه على

стр. 2423

وجوب استفتاح القراءة ببسم الله، غير أنه أمر مبهم، لم يتبيّن له بأي اسم من أسمائه يستفتح حتى جاء البيان بعدُ في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، ثم في قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، ثم بعد ذلك كان ينزل جبريل ﵇ بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مع كلّ سورة، وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع الصحابة ﵃ على ذلك، وحين نزلت "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" سبّحت الجبال، فقالت قريش: سحر محمد الجبال، ذكره النقّاش. وتعقّبه العينيّ ﵀، فقال: دعوى الوجوب تحتاج إلى دليل، وكذلك دعوى نزول جبريل ﵇ بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مع كلّ سورة، وثبوتها في سواد المصحف لا يدلّ على وجوب قراءتها، وما ذكره النقّاش في "تفسيره" فقد تكلّموا فيه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أنه لا دليل على وجوب قراءتها، بل هي على الاستحباب، ومما يدلّ على عدم الوجوب حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه المصنّف: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي … " وفيه: "فماذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين … " الحديث، وما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الترمذيّ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "سورة من القرآن، ثلاثون آية، تشفع لصاحبها حتى يُغفَر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] "؛ إذ لم يبدأها بالبسملة. والحاصل أن قراءة "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مستحبّ، لا واجب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): أن من فَزع لا ينبغي أن يسأل عن شيء حتى يزول عنه فَزَعه، ومن ثَمّ قال الإمام مالك ﵀: إن المذعور لا يلزمه بيعٌ، ولا إقرار، ولا غيره. ١١ - (ومنها): أن مكارم الأخلاق، وخصال الخير سبب للسلامة من

стр. 2424

مصارع السوء، وأنواع المكاره، فمن كثر خيره، حسُنت عاقبته، ورُجي له سلامة الدين والدنيا. ١٢ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه؛ لمصلحة، ولا يعارضه ما أخرجه المصنّف من حديث المقداد ﵁، مرفوعًا: "إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب"؛ لأن هذا فيما إذا كان المدح بباطل، أو يؤدّي إلى باطل، كالعجب، ورؤية النفس. ١٣ - (ومنها): أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة، وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له. ١٤ - (ومنها): أن فيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة ﵂، وجَزَالة رأيها، وقوّة نفسها، وعَظيم فقهها، فقد جمعت في وصفها للنبيّ ﷺ جميع أنواع أصول المكارم، وأمهاتها؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، وإما إلى الأجانب، وإما بالبدن، وإما بالمال، وإما على من يستقلّ بأمره، وإما على غيره. ١٥ - (ومنها): جواز ذكر الشخص بالعاهة التي فيه، ككونه أعمى، أو أعرج، أو أشلّ، أو نحو ذلك، وأنه لا يكون من الغيبة المحرّمة، لكن بشرط أن لا يقصد تنقيصه، بل لمجرّد التعريف بها، لاشتهاره بها، وإلى هذا أشار في "ألفيّة الحديث"، حيث قال: وَذِكْرُهُ بِالوَصفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ ١٦ - (ومنها): أن من نزل به أمرٌ يُستحبّ أن يُطلِع من يَثِقُ بنصحه، وصحّة رأيه. ١٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المجيب يقيم الدليل على ما يُجيب به إذا اقتضى المقام؛ فإن خديجة رلمحنها أقامت على قولها: "ما يُخزيك الله أبدًا" دليلًا، وهو قولها: "إنك لتصل الرحم … إلخ". ١٨ - (ومنها): الإرشاد إلى أن صاحب الحاجة يُقَدِّم بين يديه من يعرف بقدره، ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مستفاد من قول خديجة ﵂ لورقة: اسمع من ابن أخيك، أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبيّ ﷺ ، وذلك أبلغ في التعليم.

стр. 2425

١٩ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "فغطني الثالثة" أن مَن يريد التأكيد في أمر، وإيضاح البيان فيه ينبغي له أن يكرره ثلاثًا، كما كان ﷺ يفعل ذلك، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم، فسَلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا". قال في "الفتح": ولعل الحكمة في تكرير الإقراء الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ الوحي بسببه في ثلاث: القول، والعمل، والنية، وأن الوحي يشتمل على ثلاث: التوحيد، والأحكام، والقَصَص، وفي تكرير الغطّ الإشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقدت له، وهي الحصر في الشِّعب، وخروجه في الهجرة، وما وقع له يوم أُحُد، وفي الإرسالات الثلاث إشارة إلى حصول التيسير له عقب الثلاث المذكورة، في الدنيا، والبرزخ، والآخرة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قد نظم الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقيّ ﵀ قصة بدء الوحي في "ألفيّة السيرة"، فقال: حَتَّى إِذَا مَا بَلَغَ الرَّسُولُ … الأَرْبَعِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَهْوَ بِغَارٍ بِحِرَاءٍ مُخْتَلِي … فَجَاءَهُ بِالوَحْي مِنْ عِنْدِ العَلِي فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ وَكَانَ قَدْ خَلَتْ … مِنْ شَهْرِ مَوْلِدٍ ثَمَانٌ إِنْ ثَبَتْ وَقِيلَ فِي سَابِعِ عِشْرِي رَجَبِ … وَقِيلَ بَلْ فِي رَمَضَانَ الطَّيِّبِ قَالَ اقْرَأْ وَهْوَ فِي المِرَارِ … يُجِيبُ نُطْقًا مَا أَنَا بِقَارِي فَغَطَّهُ ثَلَاثَةً حَتَّى بَلَغْ … الجُهْدَ فَاشْتَدَّ لِذَاكَ وَانْصَبَغْ أَقْرَأَهُ جِبْرِيلُ أَوَّلَ العَلَقْ … قَرَأَهُ كَمَا لَهُ بِهَا نَطَقْ وَكَوْنُ ذَا الأَوَّلَ فَهْوَ الأَشْهَرُ … وَقَيلَ بَلْ يَا أَيُّهَا المُدَّثّرُ وَقِيلَ بَلْ فَاتِحَةُ الكِتَابِ … وَالأَوَّلُ الأَقْرَبُ لَلصَّوَابِ جَاءَ إِلَى خَدِيجَةَ الأَمِينَهْ … يَشْكُو لَهَا مَا قَدْ رَآهُ حِينَهْ فَثَبَّتَتْهُ إِنَّهَا مُوَفَّقَهْ … أَوَّلَ مَا قَدْ آمَنَتْ مُصَدِّقَهْ ثُمَّ أَتَتْ بِهِ تَؤُمُّ وَرَقَهْ … قَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى فَصَدَّقَهْ

стр. 2426

فَهْوَ الَّذِي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيًا … وَكَانَ بَرًّا صَادِقًا مُوَافِيَا (١) وَالصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ إِنَّهْ … رَأَى لَهُ تَخْضُخُا (٢) فِي الجَنَّهْ أَقَامَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ البِعْثَةِ … ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِغَيْرِ مِرْيَةِ وَقِيلَ عَشْرًا أَوْ فَخَمْسَ عَشْرَهْ … قَوْلَانِ وَهَّمُوهُمَا بِمَرَّهْ فَكَانَ فِي صَلَاتِهِ يَسْتَقْبِلُ … بِمَكَّةَ القُدْسَ وَلَكِنْ يَجْعَلُ البَيْتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَيْضًا … فِيمَا أَتَى تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضَا وَبَعْدَ هِجْرَةٍ كَذَا لِلْقُدْسِ … عَامًا وَثُلْثًا أَوْ وَنِصْفَ سُدْسِ وَحُوِّلَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ القِبْلَةُ … لِكَعْبَةِ اللهِ وَنِعْمَ الجِهَةُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم بأيّ عبادة تعبّد النبيّ ﷺ في حراء؟: (اعلم): أن الذي يجب القطع به أن نبيّنا ﷺ لم يكن قبل البعثة على دين قريش، وأهل الشرك، ولا يجوز اعتقاد خلاف هذا، فقد قطع بهذا أئمة الإسلام، قال الإمام أحمد ﵀: من زعمه، فقول سوء، وما حُكي عن بعضهم بخلاف هذا فقد أنكروه، قال في "شرح التحرير": الذي يُقطع به أن هذا القول خطأ، وقال ابن عَقِيل: لم يكن قبل البعثة على دين سوى الإسلام، ولا كان على دين قومه قطّ، بل وُلد مؤمنًا نبيًّا صالحًا على ما كتبه الله تعالى، وعَلِمه من حاله وخاتمته لا بدايته. انتهى (٣). ولكن اختَلفوا هل كان ﷺ قبل البعثة متعبدًا بشرع أم لا؟ على مذاهب؛ فقيل: إنه ﷺ كان متعبدًا قبل البعثة بشريعة آدم ﵇؛ لأنها أول الشرائع، وقيل: بشريعة نوح ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، وقيل: بشريعة إبراهيم ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾

стр. 2427

[النحل: ١٢٣]، قال الواحدي: وهذا هو الصحيح، قال ابن القشيري في "المرشد": وعُزِيَ إلى الشافعيّ، قال الأستاذ أبو منصور: وبه نقول، وحكاه صاحب "المصادر" عن أكثر أصحاب أبي حنيفة، وإليه أشار أبو علي الجبائي. وقيل: كان متعبدًا بشريعة موسى ﵇، وقيل: بشريعة عيسى ﵇؛ لأنه أقرب الأنبياء، ولأنه الناسخ لما قبله من الشرائع، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني كما حكاه عنه الواحدي، وقيل: كان على شرع من الشرائع، ولا يقال: كان من أمة نبي من الأنبياء، أو على شرعه، قال ابن القشيري في "المرشد": وإليه كان يميل الأستاذ أبو إسحاق، وقيل: كان متعبدًا بشريعة كل من قبله من الأنبياء إلا ما نُسِخ منها واندرس، حكاه صاحب "الملخص"، وقيل: كان متعبدًا بشرع، ولكن لا نَدرِي بشرع مَن تعبده الله، حكاه ابن القشيري، وقيل غير ذلك من الأقوال التي يُستبشع حكايتها. واختار النووي في "الروضة" تبعًا لإمام الحرمين، وابن القشيريّ، وإِلْكِيا، والغزالي، والآمدي، وغيرهم الوقفَ؛ إذ ليس فيه دلالة عقل، ولا ثبت فيه نصّ ولا إجماع، قال ابن القشيري في "المرشد" بعد حكاية الاختلاف في ذلك: وكل هذه أقوال متعارضة، وليس فيها دلالة قاطعة، والعقل يُجَوِّز ذلك، لكن، أين السمع فيه؟. انتهى. وقال إمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها فائدة، بل تجري مَجْرَى التواريخ المنقولة، ووافقه المازري، والماوردي، وغيرهما. قال الشوكانيّ: وهذا صحيح، فانه لا يتعلق بذلك فائدة باعتبار هذه الأمة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها، وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته، قال: وأقرب هذه الأقوال قول من قال: إنه كان متعبدًا بشريعة إبراهيم ﵇، فقد كان ﷺ كثير البحث عنها، عاملًا بما بلغ إليه منها، كما يُعرَف ذلك من كتب السير، وكما تفيده الآيات القرآنية من أمره ﷺ بعد البعثة باتباع تلك الملة، فإن ذلك يُشعر بمزيد خصوصية لها، فلو قدّرنا أنه كان على شريعة قبل البعثة لم يكن إلا عليها. انتهى (١).

стр. 2428

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بالتوقّف هو الأرجح؛ لعدم حجة مقنعة، وما ذكروه من الأدلّة فإنها متعارضة متساقطة، على أن الخوض في هذه المسألة ونحوها من فضول الكلام، لا ينبغي شغل الوقت به، إلا أنهم خاضوا كما رأيت، فما وسعنا إلا المشاركة في ترجيح ما يظهر حجته، وقد أشرت إلى هذا في "التحفة المرضية" (١)، حيثُ قلت: وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُتَّبِعًا … دِينَ قُرَيْشٍ قَبْلَ بَعْثٍ فَاقْطَعَا بَلْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ … نَوْعُ العِبَادَةِ فَصَوِّبْ مَنْ سَكَت والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْي … وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللهِ لَا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا، وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحِميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ تغيّر بعد أن عمي، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.

стр. 2429

والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) هكذا هو في الأصول: "وأخبرني عروة" بالواو، وهو صحيح، والقائل: "وأخبرني" هو الزهريّ، وفي هذه الواو فائدة لطيفة، وقد تقدّمت في مواضع، وهي أن معمرًا سمع من الزهريّ أحاديث، قال الزهريّ فيها: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني عروة بكذا … إلى آخرها، فإذا أراد معمر رواية غير الأول قال: قال الزهريّ: وأخبرني عروة، فأتى بالواو ليكون راويًا كما سمع، وهذا من الاحتياط والتحقيق، والمحافظة على الألفاظ والتحرّي فيها، أفاده النوويّ ﵀ (١). وقال في "الفتح" عند قوله: "قال: قال الزهريّ: فأخبرني عروة" ما نصه: وقع عند مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق مثله، لكن فيه: "وأخبرني" بالواو، لا بالفاء، وهذه الفاء معقّبة لشيء محذوف، وكذلك الواو عاطفة عليه، وقد بيّنه البيهقيّ في "الدلائل" حيث أخرج الحديث من وجه آخر عن الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلًا، فذكر قصّة بدء الوحي مختصرةً، ونزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ٢]، وقال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله ﷺ بذلك، قال الزهريّ: فسمعت عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة … فذكر الحديث مطوّلًا. انتهى (٢). وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) الضمير لمعمر، يعني: أن معمرًا ساق الحديث بمثل لفظ يونس المتقدّم. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) بنصب "غير" على الاستثناء، كما قال في "الخلاصة": وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِـ "غَيْرٍ" مُعْرَبَا … بمَا لِمُسْتَثْنًى بِـ "إِلَّا" وَجَبَا وقوله: (فَوَاللهِ لَا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا) أَي: أن معمرًا قال بدل قول يونس: "لا يُخزِيك الله أبدًا" بخاء معجمة، وياء تحتانية: "لا يحزنك الله أبدًا" بالحاء المهملة، والنون، وهو بفتح أوله، وضمّ ثالثه، ثلاثيًّا، أو بضمّ أوله، وكسر

стр. 2430

ثالثه رباعيًّا، قال الفيّوميّ ﵀: حَزِنَ حَزَنًا، من باب تَعِبَ، والاسم الْحُزْنُ بالضمّ، فهو حَزِينٌ، ويتعدّى في لغة قُريش بالحركة، يقال: حَزَنَني الأمرُ يَحْزُنُني، من باب قَتَلَ، قاله ثَعْلَبٌ، والأزهريّ، وفي لغة تميم بالألف، ومثّلَ الأزهريّ باسم الفاعل والمفعول في اللغتين على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال الماضي من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يُستعمل المضارع من الثلاثيّ، فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى (١). و"الخِزْيُ" بكسر، فسكون: الذّل والهَوَانُ (٢)، وفي "القاموس": خَزِيَ كرَضِيَ خِزْيًا بالكسر، وخَزًى: وَقَعَ في بليّة وشُهْرة، فذلُّ بذلك. انتهى (٣). و"الحُزنُ": بضمّ، فسكون، و"الحَزَنُ" بالتحريك: الهَمّ (٤). وقوله: (وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَي ابْنَ عَمِّ … إلخ) يعني: أن معمرًا أيضًا قال في روايته: "أي ابن عمّ" بدل قول يونس: "أي عمّ"، وقد تقدّم أنه قيل: إن قوله: "عمّ" وَهَمٌ، ولكن الصواب أنه لا وَهَمَ، بل له وجه صحيح، كما أسلفت تحقيقه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معمر هذه التي أحالها المصنّف ﵀ أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٤٧٦٨) حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهريّ، فذكر حديثًا، ثم قال: قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة، أنها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراءً، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فتزوّده لمثلها، حتى فَجِئه الحقّ، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، فقال رسول الله ﷺ : "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني، فغطّني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ،

стр. 2431

فأخذني، فغطني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] "، قال: فرجع بها، تَرْجُف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: "زمّلوني، زملوني"، فزملوه، حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال: "يا خديجة، ما لي؟ " فأخبرها الخبر، قال: "وقد خشيت عليّ"، فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ، ثم انطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصَي، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربيّ، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يَكْتُب، وكان شيخًا كبيرًا، قد عَمِي، فقالت خديجة: أي ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ﵇، يا ليتني فيها جذعًا، أكون حيًّا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أوَ مُخْرِجيَّ هم؟ " فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنشَب ورقة، أن تُوفي، وفتر الوحي فترةً، حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنًا غَدَا منه مرارًا كي يَتَرَدَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يُلقي نفسه منه، تَبَدَّى له جبريل ﵇، فقال له: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا، فيسكن ذلك جَأْشَهُ، وتَقَرّ نفسه ﵊، فيرجع: فإذا طالت عليه، وفتر الوحي غَدَا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبَدَّى له جبريل ﵇، فقال له مثل ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق الإمام أحمد رواية معمر، وفيها هذه الزيادة، "ثم لم يَنْشَب ورقة … إلخ"، وهو أيضًا كذلك في، "مصنّف عبد الرزاق" ٥/ ٣٢١ - ٣٢٣ رقم (٩٧١٩)، وهكذا ساقه البخاريّ في "صحيحه"، فقال: (٦٩٨٢) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، (ح) وَحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أول ما بدئ به

стр. 2432

رسول الله ﷺ .... " بلفظ أحمد وفيه هذه الزيادة، وهكذا ساقه الإمام ابن حبّان في "صحيحه" (٣٣)، وفيه هذه الزيادة أيضًا. والظاهر أن المصنّف وقعت له رواية معمر هذه مختصرة دون هذه الزيادة، ومما يؤكّد هذا استثناؤه بقوله: "غير أنه قال … إلخ"، فإن قوله: "لا يخزيك الله" وقع عند جميعهم بلفظ: "لا يُخزيك الله" بالخاء المعجمة والزاي، إلا أن في "الفتح" أشار إلى أنه وقع في رواية الكشميهني بالحاء المهملة والنون (١)، كما قال المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ"، وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْيهِ: "فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا"، وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَيِ ابْنَ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.

стр. 2433

٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) - بضمّ العين - ابن عَقَيل - بالفتح - الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ … إلخ) الضمير لعُقيل، يعني: أن عقيلًا روى هذا الحديث، عن الزهريّ، وساقه بمثل رواية يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، عن الزهريّ. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ") يعني: أنه اختصر الحديث من أوله، فحذفه إلى قوله: "فرجَع إلى خديجة … إلخ". وقوله: (وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلهِ: "فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا") يعني: أن عُقيلًا وافق يونس في قوله: "لا يُخزيك الله" بالخاء، والياء، بدل قول معمر: "لا يَحزنك الله" بالحاء والزاي. وقوله: (وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَيِ ابْنَ عَمّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) يعني: أنه وافق معمرًا في قوله: "أي ابن عمّ … إلخ"، مخالفًا لقول يونس: "أي عمّ … إلخ"، هكذا قال، لكن التي من رواية أحمد: "قالت: أي عمّ" مثل رواية يونس، والظاهر أن المصنّف وقع له هكذا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عُقيل التي أحالها المصنّف هنا، ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: (٢٤٦٨١) حدثنا حجاج، أخبرنا ليث بن سعد، قال: حدثني عُقَيل بن خالد، قال: وقال محمد بن مسلم: سمعت عروة بن الزبير، يقول: قالت عائشة زوج النبيّ ﷺ : فرجع إلى خديجة يَرْجُفُ فؤاده، فدخل، فقال: "زَمِّلُوني، زملوني"، فزُمِّلَ، فلمّا سُرِّي عنه قال: "يا خديجة، لقد أشفقت على نفسي بلاءً، لقد أشفقت على نفسي بلاءً"، قالت خديجة: أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصدق الحديث، وتَصِلُ الرحم، وتَحْمِل الكَلَّ، وتَقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد، وكان رجلًا قد تنصّر، شيخًا أعمى، يقرأ الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: أي عَمّ، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا

стр. 2434

ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بالذي رأى من ذلك، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نُزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك، قال رسول الله ﷺ : "أوَ مخرجيَّ هم؟ " قال: نعم، لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به قطّ إلا عُودي، وإن يُدْركني يومك أَنْصُرْك نصرًا مؤزرًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٣] (١٦١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي - قَالَ فِي حَدِيثِهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاء، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدّثّر: ١ - ٥] "، وَهِيَ الْأَوْثَانُ، قَالَ: ثُمَّ تتَابَعَ الْوَحْيُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. ٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تُوفّي بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. والباقون تقدّموا في أول حديث الباب. ومن لطائف هذا الإسناد أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة من التابعين على بعض الأقوال، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد الله ﵄ -

стр. 2435

صحابيّ ابن صحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (١٥٤٠) حديثًا، وبقيّة اللطائف تقدّمت في سند أول الباب، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن) بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ) ﵄ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) قال النوويّ ﵀: هذا نوعٌ مما يَتَكَرَّر في الحديث، ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه قال: "عن جابر، وكان من أصحاب النبيّ ﷺ "، ومعلوم أن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ﵄ من مشهوري الصحابة، أشَدُّ شهرة، بل هو أحدُ الستة الذين هم أكثر الصحابة روايةً عن رسول الله ﷺ . وجوابه أن بعض الرُّواة خاطب به مَن يَتَوَهَّم أنه يَخْفَى عليه كونه صحابيًّا، فبيّنه إزالة للوهم، واستمرّت الرواية به. [فإن قيل]: فهؤلاء الرُّواة في هذا الإسناد أئمة جِلّةٌ، فكيف يُتَوَّهم خفاء صحبة جابر ﵁ في حقهم؟. [فالجواب]: أن بيان هذا لبعضهم كان في حالة صغره، قبل تمكّنه ومعرفته، ثم رواه عند كماله كما سمعه. قال: وهذا الذي ذكرته في جابر يتكرر مثله في كثيرين من الصحابة ﵃، وجوابه كلِّهِ ما ذكرته. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ ﵀، بحثٌ نفيسٌ جدًّا، وأما قوله: "من الستة … إلخ"، الصواب من السبعة، وهم الذين جمعتهم في قولي: المُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الغُرَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عَمَرْ … فَأَنَسُ فَزَوْجَةُ الهَادِي الأَبَرْ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ (كَانَ يُحَدِّثُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير جابر ﵁، وقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) بيان لمعنى "يُحدّث" - قال في "الفتح": وهو من مراسيل

стр. 2436

الصحابة كحديث عائشة ﵂ الماضي؛ لأن جابرًا ﵁، لم يدركه زمان القصّة، فيحتمل أن يكون سمعها من النبيّ ﷺ ، أو من صحابيّ آخر حضرها. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الاحتمال في "الفتح"، لكن صرّح جابر ﵁ في الرواية التالية بأنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فزال الاحتمال، حيث ثبت سماعه له منه ﷺ ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَهُوَ) أي: النبيّ ﷺ (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول الله"، وفي رواية للبخاريّ في "بدء الخلق": "ثم فَتَرَ عنّي الوحي فَتْرَةً" (عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ) أي عن احتباسه وعدم تتابعه، وتواْليه في النزول، قال في "الفتح": ودلّ قوله: "عن فترة الوحي"، وقوله: "الملك الذي جاءني بحراء" على تأخّر نزول "سورة المدّثّر" عن ﴿اقْرَأْ﴾ (١). (قَالَ) ﷺ (فِي حَدِيثِهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي) تقدّم الكلام في "فبينا" مستوفًى في شرح المقدّمة، وخلاصته: أن أصلها "بين" الظرفيّة، اشبعت فتحتها، فصارت ألفًا، ويقال أيضًا: "بينما"، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وجاء كثيرًا اقتران جوابهما بـ "إذ"، و"إذا"، وليس لازمًا، تقول: بينا زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، أو: إذا دخل عليه، أو: دخل عليه، ومما دخل عليه "إذا" قوله: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ ومما لم يقترن بهما هذا الحديث حيث قال: (سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاء، فَرَفَعْتُ رَأْسِي) وفي رواية البخاريّ: "فرفعت بصري"، ويؤخذ منه جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها، وقد ترجم له البخاريّ في "كتاب الأدب"، ويُستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لثبوت النهي عنه. (فَإِذَا الْمَلَكُ) "إذا" هي الفجائيّة، أي: ففاجأني رؤية الملك (الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريل ﵇ كما تقدّم، وقوله: (جَالِسًا) بالنصب هكذا على الحال، وفي رواية البخاريّ: "جالس" بالرفع، وهو على تقدير مبتدأ، أي: فإذا صاحب الصوت هو الملك الذي جاءني بحراء، وهو جالس (عَلَى كُرْسِيٍّ) - بضم

стр. 2437

الكاف، وكسرها -: السرير، جمعه كَراسيّ (١)، وفي رواية يحيى بن أبي كثير الآتية: "فإذا هو على العرش في الهواء"، وفي لفظ: "فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض". قال القاضي عياض ﵀: قوله: "على كرسيّ" هذا يُفسّر معنى العرش في الرواية الأخرى، وأنه كالكرسيّ والسرير، وليس بعرش الرحمن، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، قال أهل اللغة: العرش: السرير، وقيل: سرير الملك. انتهى (٢). (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ") الظرف متعلّق بصفة لـ "كرسيّ"، أي: كائن بينهما (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَجُئِثْتُ) قال النوويّ ﵀: رواه مسلم من رواية يونس، وعُقيل، ومعمر، ثم كلهم عن ابن شهاب، وقال في رواية يونس: "فَجُئِثْتُ" - بجيم مضمومة، ثم همزة مكسورة، ثم ثاء مثلّثة ساكنة، ثم تاء الضمير - وقال في رواية عُقيل، ومعمر: "فَجُثِثْتُ" بعد الجيم ثاءان مثلّثتان، هكذا هو الصواب في ضبط رواية الثلاثة، وذكر القاضي عياض ﵀ أنه ضُبِط على ثلاثة أوجه: منهم مَن ضبطه بالهمزة في المواضع الثلاثة، ومنهم مَن ضبطه بالثاء في المواضع الثلاثة، قال القاضي: وأكثر الرواة للكتاب على أنه بالهمز في الموضعين الأوّلين، وهما رواية يونس، وعُقيل، وبالثاء في الموضع الثالث، وهي رواية معمر، قال النوويّ: وهذه الأقوال التي نقلها القاضي كلها خطأٌ ظاهرٌ، فإن مسلمًا ﵀، قال في رواية عُقيل: ثم ذكر بمثل حديث يونس، غير أنه قال: "فَجُثِثْتُ منه فَرَقًا"، ثم قال مسلم في رواية معمر: إنها نحو حديث يونس، إلا أنه قال: "فجُثِثْت منه"، كما قال عُقَيل، فهذا تصريح من مسلم بأنّ رواية معمر وعُقيل متفقتان في هذه اللفظة، وأنهما مخالفتان لرواية يونس فيها، فبطل بذلك قولُ مَن قال: الثلاثة بالثاء، أو الهمزة وبطل أيضًا قول مَن قال: إن رواية يونس وعُقيل متفقة، ورواية معمر مخالفة لرواية عُقيل، وهذا ظاهر لا خفاء به ولا شكّ فيه. قال: وقد ذكر صاحب "المطالع" أيضًا رواياتٍ أُخَر باطلة مُصَحَّفَةً، تركتُ حكايتها؛ لظهور بطلانها.

стр. 2438

قال: وأما معنى هذه اللفظة، فالروايتان بمعنى واحد، أعني: رواية الهمز ورواية الثاء، ومعناها: فَزِعْتُ، ورُعِبْتُ. وقد جاء في رواية البخاريّ: "فَرُعِبْتُ"، قال أهل اللغة: جُئِثَ الرجلُ: إذا فَزعَ، فهو مَجْؤوثٌ، قال الخليل والكسائيّ: جُئِثَ، وجُثَّ، فهو مجؤوثٌ، ومَجْثُوثٌ، أي: مذعورٌ، فَزعٌ. انتهى (١). وفي رواية يحيى بن أبي كثير: "فأخذتني رَجْفةٌ شديدةٌ". (مِنْهُ) أي: من الملك الجالس على الكرسيّ (فَرَقًا) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ "جُثِثتُ" من غير لفظه، كقدت جلُوسًا، وهو بفتحتين مصدر فَرِقَ بكسر الراء، من باب تَعِبَ: إذا خاف وفزع (٢). (فَرَجَعْتُ) أي: إلى أهله، ففي رواية يحيى: "فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني … " (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) أمر من التزميل، أي: التلفيف، فهو بمعنى دثّروني، وفي رواية للبخاريّ: "فقلت: دثّروني" (فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قال العلماء: "المدثر"، و"المزمل"، و"المتلفف"، و"المشتمل" بمعنى واحد، ثم الجمهور على أن معناه: المدثر بثيابه، وحَكَى الماورديّ قولًا عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها. ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢] أي: خَوِّف أهل مكة وحَذِّرهم العذاب إن لم يُسْلِموا، وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوته؛ لأنه مقدمة الرسالة، وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد؛ لأنه المقصود بها، وقال الفراء: قُمْ، فَصَلّ، وأْمر بالصلاة ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣] أي: سَيِّدك، ومالكك، ومُصْلِح أمرك فعَظِّمه، وصِفْهُ بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد، وقيل: إنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ أي: وَصِفْه بأنه أكبر، قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تَتّخِذ وليًّا غيره، ولا تعبد سواه، ولا تَرَ لغيره فعلًا إلا له، ولا نعمة إلا منه.

стр. 2439

وقد رُوِي أن أبا سفيان قال يوم أُحُد: اعْلُ هُبَلُ، فقال النبيّ ﷺ : "قولوا: الله أعلى وأجل"، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها، أذانًا، وصلاةً، وذكرًا بقوله: الله أكبر، وحُمِل عليه لفظ النبيّ ﷺ الوارد على الإطلاق في مواردَ، منها قوله: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (١)، والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله؛ تخليصًا له من الشرك، وإعلانًا باسمه في النسك، وإفرادًا لِمَا شُرع منه لأمره بالسفك، وهذا اللفظ "الله أكبرُ" هو المتعبَّد به في الصلاة، المنقول عن النبيّ ﷺ (٢). [تنبيه]: الفاء في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ دخلت على معنى جواب الجزاء، كما دخلت في ﴿فَأَنْذِرْ﴾ أي: قُمْ، فأنذر، وقُمْ فكبّر ربك، قاله الزجاج، وقال ابن جني: هو كقولك: زيدًا فاضرب، أي: زيدًا اضرب، فالفاء زائدة. انتهى. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: فيه ثمانية أقوال: [أحدهما]: أن المراد بالثياب العمل. [الثاني]: القلب. [الثالث]: النفس. [الرابع]: الجسم. [الخامس]: الأهل. [السادس]: الخُلُق. [السابع]: الدين. [الثامن]: الثياب الملبوسات على الظاهر. فمن ذهب إلى القول الأول قال: تأويل الآية: وعَمَلك فاصلح، قاله مجاهد، وابن زيد، ورَوَى منصور، عن أبي رَزِين قال: يقول: وعملك فأصلح، قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا: إن فلان (خبيث الثياب، وإذا كان حَسَن العمل قالوا: إن فلانًا طاهر الثياب، ونحوه عن السُّدّيّ، ومنه قول الشاعر [من الرجز]:

стр. 2440

لَا هُمَّ إِنَّ عَامِرَ بْنَ جَهْمِ … أَوْذَمَ حَجًّا فِي ثِيَابٍ دُسْمِ (١) ومن ذهب إلى القول الثاني قال: إن تأويل الآية: وقلبك فطهّر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ودليله قول امرئ القيس: [من الطويل]: أَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ … وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْرِي فَأَجْمِلِي وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ … فَسُقَي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك، قال الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه: وقلبك فطهِّر من الإثم والمعاصي، قاله ابن عباس وقتادة، والثاني: وقلبك فطَهِّر من الغَدْر، أي: لا تَغْدِر، فتكون دَنِسَ الثياب، وهذا مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ [من الطويل]: فَإِنِّي بِحَمْدِ الله لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ … لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ ومن ذهب إلى القول الثالث قال: تأويل الآية: ونفسك فطَهّر، أي: من الذنوب، والعرب تَكْنِي عن النفس بالثياب، قاله ابن عباس، ومنه قول عنترة [من الكامل]: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيَابَهُ … لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ وقال امرؤ القيس: فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ وقال [من الطويل]: ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ … وَأَوْجُهُهُمْ بِيضُ المَسَافِرِ غُرَّانُ أي: أنفس بني عوف. ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويل الآية: وجسمك فطهّر، أي: عن المعاصي الظاهرة، ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول ليلى، وذكرت إبلًا [من الطويل]: رَمَوْهَا بِأَثْيَابٍ خِفَافٍ فَلَا تَرَى … لَهَا شَبَهًا إِلَّا النَّعَامَ المُنَفَّرَا أي رَكِبُوها، فرَمَوها بأنفسهم.

стр. 2441

ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويل الآية: وأهلك فطهّرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوبًا، ولباسًا، وإزارًا، قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه: ونساءك فطهِّر باختيار المؤمنات العفائف، والثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر، في الطهر لا في الحيض. ومن ذهب إلى القول السادس قال: تأويل الآية: وخُلُقك فَحَسِّن، قاله الحسن، والقرظيّ؛ لأن خُلُق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه، وقال الشاعر: وَيَحْيَى لَا يُلَامُ بِسُوءِ خُلْقٍ … وَيَحْيَى طَاهِرُ الأَثْوَابِ حُرُّ أي: حَسَنُ الأخلاق. ومن ذهب إلى القول السابع قال: تأويل الآية: ودينك فطَهّر، وفي "الصحيحين" عنه ﷺ قال: "ورأيت الناس، وعليهم ثياب، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرُّه"، قالوا: يا رسول الله، فما أوَّلت ذلك؟ قال: "الدين" (١). ورُوي عن مالك بن أنس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] أي: لا تلبسها على غَدْرة، ومنه البيت المتقدّم: ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى … البيت. يعني بطهارة ثيابهم سلامتهم من الدناءات، ويعني بغُرّة وجوههم تنزيهم عن المحرمات، أو جَمَالهم في الخِلقة، أو كليهما، قاله ابن العربيّ. وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كَذِب، ولا جَوْر، ولا غَدْر، ولا إثم، قاله عكرمة، ومنه قول الشاعر:

стр. 2442

...... … أَوْذَمَ جَحًّا فِي ثِيَابٍ دُسْمِ أي: قد دَنَّسها بالمعاصي. ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم في تأويله أربعة أوجه: [أحدهما]: معناه: وثيابك فَأَنْقِ. [الثاني]: وثيابك فشَمِّر، وقَصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة، فإذا انجزت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها، قاله الزجاج، وطاوس. [الثالث]: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين، وابن زيد، والفقهاء. [الرابع]: لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال؛ لتكون مُطَهَّرة من الحرام، وعن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر. قال ابن العربي بعدما ذكر بعض ما تقدّم: ليس بممتنع أن تُحْمَل الآية على عموم المراد، فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة، فهي تتناول معنيين: [أحدهما]: تقصير الأذيال؛ لأنها إذا أُرسلت تَدَنَّست. [والثاني]: غسلها من النجاسة، وهو ظاهر (١). وقال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد ذكر بعض هذه الأقوال: وقال محمد بن سيرين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]؛ أي: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يُطَهِّر ثيابه، قال: وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تَشْمَل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تُطْلِق الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]: أَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّل … وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْرِي فَأَجْمِلِي وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ … فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسَلِ قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن أن الأحسن حمل الآية على هذه

стр. 2443

المعاني كلّها، كما سبقت الإشارة في كلام ابن العربيّ، وابن كثير؛ لأنها تحتملها، فحملها على الجميع أولى، والله تعالى أعلم. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] قرأ الأكثرون بكسر الراء، وقرأ حفص بضمها، وفسّره في الكتاب هنا بالأوثان، وكذا قاله جماعات من المفسرين، والرِّجز في اللغة: العذاب، وسُمِّي الشرك وعبادة الأوثان رِجْزًا؛ لأنه سبب العذاب، وقيل: المراد بالرجز في الآية: الشرك، وقيل: الذنب، وقيل: الظلم، ذكر هذه الأقوال كلها النوويّ. وقال البخاريّ في "صحيحه": يقال: الرجز: العذاب، قال في "الفتح": هو قول أبي عُبيدة. انتهى. وقال ابن كثير ﵀: قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: والرجز، وهو الأصنام، فاهجر، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهريّ، وابن زيد: إنها الأوثان، وقال إبراهيم والضحاك: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾: أي: اترك المعصية. وعلى كل تقدير فلا يَلْزم تَلَبُّسه بشيء من ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقال موسى لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] انتهى كلام ابن كثير ﵀. وقال القرطبيّ ﵀: قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قال مجاهد، وعكرمة: يعني الأوثان، دليله قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، قاله ابن عباس، وابن زيد، وعن ابن عباس أيضًا: والمآثمَ فاهجر، أي: فاترك، وكذا رَوَى مغيرة عن إبراهيم النخعيّ قال: الرجز: الإثم، وقال قتادة: الرجز: إِسَاف ونائلة، صنمان كانا عند البيت، وقيل: الرجز: العذاب، على تقدير حذف مضاف، والمعنى: وعمل الرجز فاهجر، أو العمل المؤدي إلى العذاب، وأصل الرجز: العذابُ، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ١٦٢]، فسُمِّيت الأوثان رجزًا؛ لأنها تؤدي إلى العذاب. وقراءة العامة ﴿الرِّجْزُ﴾ بكسر الراء، وقرأ الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وابن مُحَيصن، وحفص عن عاصم: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، وهما لغتان، مثل

стр. 2444

الذِّكْر والذُّكْر، وقال أبو العالية والربيع: رَوَينا الرجز بالضم: الصنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية، وقال الكسائيّ أيضًا: بالضم: الوَثَن، وبالكسر: العذاب (١). وقوله: (وَهِيَ الْأَوْثَانُ) هذا التفسير من قول أبي سلمة، كما صرّح به في رواية عُقيل التالية، ولفظه: "وقال أبو سلمة: والرجز: الأوثان". قال في "الفتح": تفسير الأوثان بالرجز تفسير معنًى، أي: اهجُر الرجز، أي العذاب، وهي الأوثان، وقال الكرمانيّ: فسّر المفرد بالجمع؛ لأنه اسم جنس، وعند ابن مردويه من طريق محمد بن كثير، عن معمر، عن الزهريّ في هذا الحديث: و"الرجز" بضم الراء، وهي قراءة حفص عن عاصم، قال أبو عبيدة: هما بمعنى، ويُروى عن مجاهد، والحسن: بالضمّ اسم الصنم، وبالكسر اسم العذاب. انتهى (٢). (قَالَ: ثمَّ تتَابَعَ الْوَحْيُ) أي: استمرّ نزوله، ولفظ عُقيل: "ثمّ حَمِيَ الوحيُ بَعْدُ وتتابع"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٩/ ٤١٣ و ٤١٤ و ٤١٥ و ٤١٦ و ٤١٧] (١٦١)، و (البخاريّ) في "بدء الوحي" (٤)، و"بدء الخلق" (٣٢٣٨)، و"التفسير" (٤٩٢٣ و ٤٩٢٤ و ٤٩٢٥ و ٤٩٢٦ و ٤٩٥٤)، و"الأدب" (٦٢١٤)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤ و ٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٢٩ و ٣٣٥ و ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٣٣ و ٣٣٤ و ٣٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٠٨ و ٤٥٩ و ٤١٥ و ٤١١ و ٤١٢)، وفي "دلائل النبوّة" (١/ ٢٧٨)، و (الطبريّ) في "تفسيره " (٢٩/ ٩٠)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ١٣٨ - ١٥٥ - ١٥٦)، والله تعالى أعلم.

стр. 2445

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): بيان انقطاع الوحي عن رسوله الله ﷺ بعد نزول قوله : ﴿اقْرَأْ﴾. ٢ - (ومنها): جواز تحدّث الإنسان بما حصل له من المِحن بعد زوالها؛ شكرًا لله تعالى. ٣ - (ومنها): بيان أن أوّل ما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] بعد نزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وهذا هو الصواب؛ لأن حديث عائشة ﵂ نصّ صريح في ذلك. ٤ - (ومنها): جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها، وقد ترجم له البخاريّ في "كتاب الأدب"، ويدل عليه قوله : ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٨]، فقد حثّ الله على النظر إلى السماء، والتفكّر فيها. وفيه ردّ على من كره ذلك، كما أخرجه الطبريّ عن إبراهيم التيميّ، وعن عطاء السلميّ أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء تخشّعًا، وهذا تنطّع غير مرضيّ، فإن هدي النبيّ ﷺ خلافه، فقد كان يرفع رأسه إلى السماء كما في هذا الحديث، وكما في رفعه عند قراءته ﷺ في الليل لآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيات، وغير ذلك، ويُعتذر عن عطاء وغيره بأنه لم تصل إليه هذه السنّة، والله تعالى أعلم. نعم يُستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لثبوت النهي عنه، فقد أخرج البخاريّ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "ما بال أقوام يَرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم"، فاشتَدّ قوله في ذلك حتى قال: "لَيَنْتَهُنّ عن ذلك، أو لَتُخطَفَنّ أبصارهم". وأخرج المصنّف، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيَنْتَهِيَنّ أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم". ورَوَى ابن السنيّ بإسناد ضعيف، عن ابن مسعود ﵁ قال: "أُمِرنا أن لا نُتْبع أبصارنا الكواكب إذا انقَضَّت".

стр. 2446

٥ - (ومنها): كرامة جبريل ﵇ حيث يقدر أن يجلس على كرسيّ في الهواء دون أن يكون تحته شيء من الأعمدة ونحوها. ٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث تحقيقُ العلم بتصوّر الملائكة على صور مختلفة، وإقدار الله تعالى لهم على التركيب في أيّ شكل شاؤوا من صُور بني آدم وغيرها، وأن لهم صُوَرًا في أصل خِلْقتهم مخصوصة بهم، كلّ منهم على ما خُلق عليه وشُكّل. انتهى (١). ٧ - (ومنها): بيان كيفيّة معالجة من أصابه فزع، وهو أن يلفّف بالثوب، ويُصبّ عليه ماء بارد، حيث قال ﷺ في رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة الآتية: "فَدَثَّرُوني، فصبّوا عليّ ماءً باردًا". ٨ - (ومنها): جواز مناداة الشخص بما هو متلبّسٌ به، كأن يكون نائمًا، فيقال له: يا نائم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ [المزمل: ١]، فقد نادى الكريم حبيبه ﷺ بما تلبّس به، وعَبّر عنه بصفته ملاطفة في الخطاب، ولم يقل: يا محمد، ويا فلان؛ ليستشعر اللِّين والملاطفة من ربه، ومثله قول النبيّ ﷺ لعلي ﵁؛ إذ نام في المسجد: "قُمْ أبا تراب"، وكان خرج مغاضِبًا لفاطمة ﵂، فسقط رداؤه، وأصابه ترابه، وقصّته في "الصحيحين"، ومثله قوله ﷺ لحذيفة ﵁ ليلة الخندق: "قُمْ يا نَومان"، وقصته في "صحيح مسلم". ٩ - (ومنها): وجوب القيام بالدعوة إلى الله تعالى، وإنذار المعرضين وتبشير المطيعين. ١٠ - (ومنها): وجوب التكبير في الصلاة، كما حَمَل عليه بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣]. ١١ - (ومنها): وجوب تطهير الثياب للصلاة، وقد استدلّ الإمام الشافعيّ ﵀: وغيره على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، وقال ابن سيرين، وابن زيد: لا تصلّ إلَّا في ثوب طاهر، قال القرطبيّ:

стр. 2447

وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالوجوب هو الحقّ، وأما الاستدلال بمسألة الاستجمار، فغير صحيح؛ لأن الشارع جعل الاستجمار طهارة صحيحة، وإن بقي أثر الخارج؛ تخفيفًا على الناس، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. ١٢ - (ومنها): تقصير الثوب وعدم إرساله تحت الكعبين؛ لأنه أنقى وأتقى، كما صحّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لشابّ من الأنصار، وقد رَآه يمسّ إزاره الأرض: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربّك (١). وقد قال النبيّ ﷺ : "إِزْرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار" (٢). فقد جعل النبيّ ﷺ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يُرسلون أذيالهم، ويطليون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم، وهذه حالة الكبر، وقائدة العُجب، وأشدّ ما في الأمر أنهم يَعصُون، ويُنَجِّسون، ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره، ولا ألحق به سواه، قال النبيّ ﷺ : "لا ينظر الله إلى مَن جَرّ ثوبه خيلاء"، ولفظ "الصحيح": "مَن جَرَ إزاره خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، قال رسول الله ﷺ : "لست ممن يصنعه خيلاء"، فَعَمَّ رسول الله ﷺ بالنهي، واستثنى الصدّيق، فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء، وليس ذلك لهم.

стр. 2448

١٣ - (ومنها): وجوب هجر الأوثان، وسائر المعبودات من دون الله تعالى، ووجوب إخلاص التوحيد لله . ١٤ - (ومنها): بيان فضل الله على نبيّه ﷺ حيث أفاض عليه وحيه دون انقطاع حتى فارق الدنيا، قال : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن، يَقُولُ: أَخْبَرَني جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي"، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ"، قَالَ: وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ الْأَوْثَانُ، قَالَ: "ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ بَعْدُ، وَتتَابَعَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا قبل حديث، سوى الصحابيّ، وأبي سلمة، فقد ذكرا في الحديث الماضي. وقوله: (فَبَيْنَا أنا) وفي نسخة: "فبينما أنا". وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ) وفي نسخة: "ثم ذَكَر بمثل … إلخ"، والضمير لعُقيل. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا) بضم الجيم، ثم همزة مكسورة، ثم ثاء مثلّثة، مبنيًّا للمفعول، هو بمعنى "جُثِثْتُ" بثاءين؛ أي: فَزِعتُ وخِفْتُ. وقوله: (حَتَّى هَويتُ إِلَى الْأَرْضِ") - بفتح الهاء، وفتح الواو - بمعنى سقطت، وقال النوويّ ﵀: قوله: هَوَيْتُ إلى الأرض هكذا في الرواية: "هَوَيْتُ"، وهو صحيح، يقال: هَوَى إلى الأرض، وأهوى إليها لغتان؛ أي:

стр. 2449

سَقَطَ، وقد غَلِطَ، وجَهِلَ مَن أنكر "هَوَى"، وزَعَم أنه لا يقال: إلا أهوى. انتهى (١). وقال المجد ﵀: هَوَى الشيءُ: سَقَطَ، كأَهْوَى، وانْهَوَى. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: هَوَى يَهْوِي، من باب ضَرَبَ هُوِيًّا بضمّ الهاء، وفتحها، وزاد ابن القُوطيّة: هَوَاءً بالمدّ: سَقَطَ من أعلى إلى أسفل، قاله أبو زيد وغيره، قال الشاعر: هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ يُروَى بالفتح، والضمّ، واقتصر الأزهريّ على الفتح، وهَوَى يَهْوِي أيضًا هُوِيًّا بالضمّ لا غيرُ: إذا ارتفع، قال الشاعر: يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِيَّ الأَجْدَلِ وقال الآخر: وَالدَّلْوُ فِي إِصْعَادِهَا عَجْلَى الهُوِي وَهَوَت العُقَابُ تَهْوِي هَوِيًّا، وهُوِيًّا: انْقَضَّت على صيد أو غيره ما لم تُرِغْهُ، فإذا أراغته قيل: أهْوَت له بالألف، والإراغة ذهاب الصيد هكذا وهكذا، وهي تتبعه، وهَوَى يَهْوِي: مات، وسَقَطَ في مَهْوَاةٍ من شَرَفٍ هَوِيًّا وهُوِيًّا وهَوَاءً بالمدّ. انتهى (٣). [تنبيه]: هذا الذي سبق من أن ضبط هَوَى بفتح الواو، من باب ضرب إذا لم يكن بمعنى أحبّ، وإلا فهو بكسر الواو، يقال: هَوِيتُ الشيءَ أَهواه، من باب تَعِبَ: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، وهو لا يناسب هنا، فما يوجد في بعض نسخ مسلم مضبوطًا بكسر الواو، فهو غلط، إلا أن يُحمل على لغة طيء الذين يقولون: بَقَى يبقَى، وفَنَى يفنَى بفتح العين في الماضي والمضارع، فتنته، والله تعالى أعلم. وقوله: ("ثُمَّ حَمِيَ بَعْدُ الوحيُ) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم - و"الوحيُ" مرفوع على الفاعليّة؛ أي: جاء كثيرًا.

стр. 2450

وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعد نزول هذه الآية، وهو ظرف متعلّق بـ "حَمِيَ". قال في "الفتح": فيه مطابقة لتعبيره عن تأخّره بالفتور؛ إذ لم ينتهِ إلى انقطاع كليّ، فيوصف بالضدّ، وهو البرد. وقوله: (وتتابع ") تأكيد معنويّ لـ "حَمِي"، ويحتمل أن يراد بـ "حَمِي": قَوِي، وبـ "تتابع": تكاثر، ووقع في رواية الكشميهني، وأبي الوقت: "وتواتر"، والتواتر: مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير تخلّل (١). وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "ثم حَمِيَ الوحيُ، وتتابع" الكلمتان هما بمعنًى واحد، فأكَّد أحدهما بالآخر، ومعنى حَمِيَ: كثر نزوله، وقوي أمره، وازداد، من قولهم: حَمِيَتِ النارُ والشمسُ؛ أي: قَوِيَتْ حرارتُها، ومنه حَمِيَ الوَطِيسُ؛ أي: قَوِيَ حرّه واشتدّ، ثم استُعير في الحرب - انتهى (٢). [تنبيه]: رواية عُقيل هذه التي أحالها المصنّف على رواية يونس، ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٣٢٣٨) حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: سمعت أبا سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "ثم فَتَرَ عني الوحي فَتْرَة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرَفَعْتُ بصري قِبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعدٌ على كرسيّ بين السماء والأرض، فجُثِثت (٣) منه حتى هَوَيْتُ إلى الأرض، فجئْتُ أهلي، فقلت: زَمِّلوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢] إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] "، قال أبو سلمة: والرجزُ الأوثانُ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2451

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَقَالَ: "فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]، قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الْأَوْثَانُ، وَقَالَ: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ" كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة، كلّهم تقدّموا قريبًا. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي: بإسناد الزهريّ الماضي، وهو: عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄. وقال: (وَقَالَ: "فَأَنْزَلَ اللهُ … إلخ) الضمير لمعمر، يعني: أن معمرًا خالف يونس، وذلك أن يونس ساق الآيات كلّها، وأما معمر، فقال: إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾، وزاد: "قبل أن تُفرض الصلاة". وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) يعني: أن هذه الواقعة كانت قبل أن يَفرض الله تعالى الصلوات الخمس؛ لأن فرضها كان ليلة الإسراء، وذلك بعد البعثة بخمس سنين. وقال في "الفتح": وكأنه أشار بقوله: "قبل أن تُفرض الصلاة" إلى أن تطهير الثياب كان مأمورًا به قبل أن تُفرض الصلاة. انتهى. وقوله: (وَهِيَ الْأَوْثَانُ) هذا من قول أبي سلمة ﵀، كما صُرّح به في الرواية التي قبله. وقوله: (فَجُثِثْتُ مِنْهُ) يعني بثاءين مثلثتين، مبنيًّا للمفعول، كما سبق في رواية عُقيل بن خالد التي قبله. [تنبيه]: رواية معمر هذه التي أحالها المصنّف على رواية يونس ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٤٩٢٥) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، (ح) وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال الزهري: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله ﵄ -

стр. 2452

قال: سمعت النبيّ ﷺ ، وهو يُحَدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجُثِثت (١) منه رعبًا، فرَجَعْت، فقلت: زمّلوني زملوني، فَدَثَّروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] "، قبل أن تُفْرَض الصلاة، وهي الأوثان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٦] ( … ) - (وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثنَا (٢) الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي، وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَاِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْني: جِبْرِيلَ ﵇ فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ١ - ٤] "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.

стр. 2453

٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، يدلّس تدليس التسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عَمرو الفقيه، ثقةٌ ثبت إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (قَالَ) الأوزاعيّ (سَمِعْتُ يَحْيَى) بن أبي كثير (يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟) هي من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، كما سبق قريبًا في "بَعْدُ"، أي: في أول الأمر، وفي رواية البخاريّ: أي القرآن أُنزل أول؟. (قَالَ) أبو سلمة: أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قال يحيى بن أبي كثير: (فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾ أي: بل الأول سورة ﴿اقْرَأْ﴾، فـ "أو" بمعنى "بل" الإضرابيّة. وفي رواية البخاريّ من طريق حرب بن شدّاد، عن يحيى: "فقلت: أُنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن حرب: "قلت: إنه بلغني أنه أول ما نَزَل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ". قال في "الفتح": ولم يُبَيِّن يحيى بن أبي كثير مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد عروة بن الزبير، كما لم يبيّن أبو سلمة مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد عائشة، فإن الحديث مشهور عن عروة، عن عائشة كما تقدم من طريق الزهريّ عنه مُطَوَّلًا. انتهى. (فَقَالَ) أبو سلمة (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] هذا محمول على أن المراد بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، بدليل قوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسيّ بين السماء والأرض"، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن

стр. 2454

المراد أنها أولية مطلقة، فيُحمل قول من قال: أول ما نزل ﴿اقْرَأْ﴾ على أنه أراد أولية مطلقة، ومن قال: إنها المدثر أراد بقيد التصريح بالإرسال. قال الكرمانيّ: استَخْرَج جابر أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] باجتهاد، وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة ﵂. وقيل: يحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ بقيد السبب، أي: هي أول ما نزل من القرآن بسببٍ مُتَقَدِّمٍ، وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرُّعْب، وأما ﴿اقْرَأْ﴾ فنزلت ابتداءً بغير سبب متقدم، ولا يخفى بُعْدُ هذا الاحتمال، ذكره في "الفتح" (١). وقال النوويّ ﵀: القول بأن أول ما أُنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ ضعيف، بل باطل، والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] كما صُرِّح به في حديث عائشة ﵂، وأما ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ فكان نزولها بعد فترة الوحي، كما صُرِّح به في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁. والدلالة صريحة فيه في مواضع، منها: قوله: "وهو يحدِّث عن فترة الوحي" … إلى أن قال: "فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، ومنها: قوله ﷺ : "فإذا الملك الذي جاءني بحراء"، ثم قال: "فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، ومنها: قوله: "ثم تتابع الوحي"، يعني: بعد فترته، فالصواب أن أوّلَ ما نَزَل ﴿اقْرَأْ﴾، وأن أول ما نَزَل بعد فترة الوحي ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، وأما قول من قال من المفسرين: إنّ أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يُذْكَر. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وفي أول سورة نزلت قول آخرُ نُقِل عن عطاء الخراسانيّ قال: "المزمل" نزلت قبل "المدثر"، وعطاءٌ ضعيف، وروايته مُعْضَلَةٌ؛ لأنه لم يثبت لقاؤه لصحابي معين، وظاهر الأحاديث الصحيحة تدلّ على تأخُّر المزمل؛ لأن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي، بخلاف المدثر، فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢].

стр. 2455

وعن مجاهد: أول سورة نزلت ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، وأول سورة نزلت بعد الهجرة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١]، وهذا أيضًا ضعيف. (فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ) ﵁ (أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا) وفي مرسل عُبيد بن عُمير ما يدلّ على أنه شهر رمضان (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي) بكسر الجيم مصدر جاور، يقال: جاور جِوَارًا، ومجاورةً، قال في "الخلاصة": لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ (نَزَلْتُ) أي: من جبل حراء (فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي) أي: صِرتُ في باطنه (فَنُودِيتُ) أي: ناداني الملك (فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأسِي) أي: إلى السماء (فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ) وفي رواية على بن المبارك التالية: "فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"، و"إذا" هي الفُجائيّة، والمراد بالعرش هو الكرسيّ الذي سبق في الرواية الماضية، قال أهل اللغة: العرش هو السرير، وقيل: سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] (فِي الْهَوَاءِ) بالمدّ، ويُكتب بالألف: هو الجَوّ الذي بين السماء والأرض، والهواء: الخالي، قال الله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وقوله: (- يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇) هذه العناية من بعض الرواة، ويحتمل أن تكون من جابر ﵁ أو من دونه، والله تعالى أعلم (فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ) بفتح الراء، وسكون الجيم: المرّة من الرّجف، يقال: رَجَفَ الشيءُ رَجْفًا، من باب نصر، ورَجِيفًا، ورَجَفَانًا: إذا تحرّك، واضطرب. وقال النوويّ ﵀: قوله: "فأخذتني رَجْفة شديدة" هكذا هو في الروايات المشهورة: "رَجْفة" بالراء، قال القاضي: ورواه السمرقنديّ: "وَجْفَة" بالواو، وهما صحيحان، متقاربان، ومعناهما الاضطراب، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ [النازعات: ٦]، وقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية [المزمل: ١٤]. انتهى (١). (فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ) ﵂ (فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي) هو بمعنى زمّلوني، أي: لَفّفوني
следующие страницы →