← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَقَالَ: "فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]، قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الْأَوْثَانُ، وَقَالَ: "فَجُئِثْتُ مِنْهُ" كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة، كلّهم تقدّموا قريبًا. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي: بإسناد الزهريّ الماضي، وهو: عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄. وقال: (وَقَالَ: "فَأَنْزَلَ اللهُ … إلخ) الضمير لمعمر، يعني: أن معمرًا خالف يونس، وذلك أن يونس ساق الآيات كلّها، وأما معمر، فقال: إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾، وزاد: "قبل أن تُفرض الصلاة". وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) يعني: أن هذه الواقعة كانت قبل أن يَفرض الله تعالى الصلوات الخمس؛ لأن فرضها كان ليلة الإسراء، وذلك بعد البعثة بخمس سنين. وقال في "الفتح": وكأنه أشار بقوله: "قبل أن تُفرض الصلاة" إلى أن تطهير الثياب كان مأمورًا به قبل أن تُفرض الصلاة. انتهى. وقوله: (وَهِيَ الْأَوْثَانُ) هذا من قول أبي سلمة ﵀، كما صُرّح به في الرواية التي قبله. وقوله: (فَجُثِثْتُ مِنْهُ) يعني بثاءين مثلثتين، مبنيًّا للمفعول، كما سبق في رواية عُقيل بن خالد التي قبله. [تنبيه]: رواية معمر هذه التي أحالها المصنّف على رواية يونس ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٤٩٢٥) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، (ح) وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال الزهري: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله ﵄ -

стр. 2452

قال: سمعت النبيّ ﷺ ، وهو يُحَدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجُثِثت (١) منه رعبًا، فرَجَعْت، فقلت: زمّلوني زملوني، فَدَثَّروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] "، قبل أن تُفْرَض الصلاة، وهي الأوثان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٦] ( … ) - (وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثنَا (٢) الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي، وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَاِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْني: جِبْرِيلَ ﵇ فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ١ - ٤] "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.

стр. 2453

٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، يدلّس تدليس التسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عَمرو الفقيه، ثقةٌ ثبت إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (قَالَ) الأوزاعيّ (سَمِعْتُ يَحْيَى) بن أبي كثير (يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟) هي من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، كما سبق قريبًا في "بَعْدُ"، أي: في أول الأمر، وفي رواية البخاريّ: أي القرآن أُنزل أول؟. (قَالَ) أبو سلمة: أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قال يحيى بن أبي كثير: (فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾ أي: بل الأول سورة ﴿اقْرَأْ﴾، فـ "أو" بمعنى "بل" الإضرابيّة. وفي رواية البخاريّ من طريق حرب بن شدّاد، عن يحيى: "فقلت: أُنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن حرب: "قلت: إنه بلغني أنه أول ما نَزَل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ". قال في "الفتح": ولم يُبَيِّن يحيى بن أبي كثير مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد عروة بن الزبير، كما لم يبيّن أبو سلمة مَن أنبأه بذلك، ولعله يريد عائشة، فإن الحديث مشهور عن عروة، عن عائشة كما تقدم من طريق الزهريّ عنه مُطَوَّلًا. انتهى. (فَقَالَ) أبو سلمة (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] هذا محمول على أن المراد بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، بدليل قوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسيّ بين السماء والأرض"، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن

стр. 2454

المراد أنها أولية مطلقة، فيُحمل قول من قال: أول ما نزل ﴿اقْرَأْ﴾ على أنه أراد أولية مطلقة، ومن قال: إنها المدثر أراد بقيد التصريح بالإرسال. قال الكرمانيّ: استَخْرَج جابر أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] باجتهاد، وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة ﵂. وقيل: يحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ بقيد السبب، أي: هي أول ما نزل من القرآن بسببٍ مُتَقَدِّمٍ، وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرُّعْب، وأما ﴿اقْرَأْ﴾ فنزلت ابتداءً بغير سبب متقدم، ولا يخفى بُعْدُ هذا الاحتمال، ذكره في "الفتح" (١). وقال النوويّ ﵀: القول بأن أول ما أُنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ ضعيف، بل باطل، والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] كما صُرِّح به في حديث عائشة ﵂، وأما ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ فكان نزولها بعد فترة الوحي، كما صُرِّح به في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁. والدلالة صريحة فيه في مواضع، منها: قوله: "وهو يحدِّث عن فترة الوحي" … إلى أن قال: "فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، ومنها: قوله ﷺ : "فإذا الملك الذي جاءني بحراء"، ثم قال: "فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ "، ومنها: قوله: "ثم تتابع الوحي"، يعني: بعد فترته، فالصواب أن أوّلَ ما نَزَل ﴿اقْرَأْ﴾، وأن أول ما نَزَل بعد فترة الوحي ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، وأما قول من قال من المفسرين: إنّ أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يُذْكَر. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وفي أول سورة نزلت قول آخرُ نُقِل عن عطاء الخراسانيّ قال: "المزمل" نزلت قبل "المدثر"، وعطاءٌ ضعيف، وروايته مُعْضَلَةٌ؛ لأنه لم يثبت لقاؤه لصحابي معين، وظاهر الأحاديث الصحيحة تدلّ على تأخُّر المزمل؛ لأن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي، بخلاف المدثر، فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢].

стр. 2455

وعن مجاهد: أول سورة نزلت ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، وأول سورة نزلت بعد الهجرة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١]، وهذا أيضًا ضعيف. (فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾، قَالَ جَابِرٌ) ﵁ (أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا) وفي مرسل عُبيد بن عُمير ما يدلّ على أنه شهر رمضان (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي) بكسر الجيم مصدر جاور، يقال: جاور جِوَارًا، ومجاورةً، قال في "الخلاصة": لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ (نَزَلْتُ) أي: من جبل حراء (فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي) أي: صِرتُ في باطنه (فَنُودِيتُ) أي: ناداني الملك (فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأسِي) أي: إلى السماء (فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ) وفي رواية على بن المبارك التالية: "فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"، و"إذا" هي الفُجائيّة، والمراد بالعرش هو الكرسيّ الذي سبق في الرواية الماضية، قال أهل اللغة: العرش هو السرير، وقيل: سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] (فِي الْهَوَاءِ) بالمدّ، ويُكتب بالألف: هو الجَوّ الذي بين السماء والأرض، والهواء: الخالي، قال الله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وقوله: (- يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇) هذه العناية من بعض الرواة، ويحتمل أن تكون من جابر ﵁ أو من دونه، والله تعالى أعلم (فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ) بفتح الراء، وسكون الجيم: المرّة من الرّجف، يقال: رَجَفَ الشيءُ رَجْفًا، من باب نصر، ورَجِيفًا، ورَجَفَانًا: إذا تحرّك، واضطرب. وقال النوويّ ﵀: قوله: "فأخذتني رَجْفة شديدة" هكذا هو في الروايات المشهورة: "رَجْفة" بالراء، قال القاضي: ورواه السمرقنديّ: "وَجْفَة" بالواو، وهما صحيحان، متقاربان، ومعناهما الاضطراب، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ [النازعات: ٦]، وقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية [المزمل: ١٤]. انتهى (١). (فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ) ﵂ (فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي) هو بمعنى زمّلوني، أي: لَفّفوني

стр. 2456

(فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً) هكذا رواية المصنّف بصيغة الماضي، وفي رواية البخاريّ: "وصُبُّوا عليّ ماءً باردًا"، فيكون معنى ما هنا أنه أمرهم بالصبّ، فصبّوا عليه، وفيه أنه ينبغي أن يُصَبّ على الفَزع الماء؛ ليسكن فَزَعه (١). (فَأنزَلَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزّمّل: ١ - ٤] ") تقدّم شرح الآيات مفصّلًا قريبًا، فلا تنسَ. [تنبيه]: استشكل في "الفتح" رواية يحيى هذه، فقال: والمشكل من رواية يحيى بن أبي كثير قوله: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قَضَيتُ جواري نزلت، فاستبطنت الوادي، فنوديت … إلى أن قال: فرفعت رأسي، فإذا هو على العرش في الهواء - يعني: جبريل - فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني". قال: ويزيل الإشكال أحد أمرين: إما أن يكون سقط على يحيى بن أبي كثير وشيخه من القصة مجيء جبريل بحراء بـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وسائر ما ذكرته عائشة ﵂، وإما أن يكون جاور ﷺ بحراء شهرًا آخر، فقد تقدم أن في مرسل عُبيد بن عُمير عند البيهقيّ أنه كان يجاور في كل سنة شهرًا، وهو رمضان، وكان ذلك في مُدّة فترة الوحي، فعاد إليه جبريل بعد انقضاء جواره. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: تخريج الحديث، وفوائده تقدّمت قريبًا، فلا حاجة إلى إعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَك، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ (٣): "فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ").

стр. 2457

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) وهو أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّم غير مرّة. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس بن لَقِيط العبديّ، أبو محمد، وقيل: أبو عديّ، وقيل: أبو عبد الله البصريّ، قيل: أصله من بخارى، ثقة [٩]. رَوَى عن ابن عون، وكَهْمس بن الحسن، وأبي مَعْشر السِّنديّ، ويونس بن يزيد الأيليّ، وإسرائيل بن يونس، ومعاذ بن العلاء، وفُليح بن سليمان، وابن أبي ذئب، وشعبة، وعلي بن المبارك، وداود بن قيس الفراء، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وبُندار، وأبو موسى، وعبد الله بن محمد المُسْنَديّ، وأحمد بن سعيد الدارمي، وإبراهيم بن يونس بن محمد المؤدب، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وابن سعد: ثقة، وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن قانع: صالح، وقال البخاريّ في "تاريخه": قال عليّ: احتَجّ يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين، عن أسامة، عن عطاء، عن جابر: "عرفةُ كلها موقف". قال عمرو بن علي، وغير واحد: مات سنة (٢٠٩) في ربيع الأول، وقيل: سنة (٧)، وقيل: سنة (٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الهُنَائِيُّ - بضم الهاء، وتخفيف النون الممدودة - البصريّ، ثقة، في حديث الكوفيين عنه شيء، من كبار [٧]. رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، وأيوب، وهشام بن عروة، ويحيى بن أبي كثير، وحسين المعلم، ومحمد بن واسع، والحسن بن مسلم العبدي، وغيرهم. وروى عنه وكيع، والقطان، وابن المبارك، وابن علية، ومسلم بن قتيبة، ويحيى بن كثير العنبري، ومحمد بن عباد الهنائي، وهارون الخزاز، وغيرهم.

стр. 2458

قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، كانت عنده كتبٌ عن يحيى بن أبي كثير، بعضها سمعها، وبعضها عرض. وقال الدُّوري عن ابن معين: قال بعض البصريين: عَرَض علي بن المبارك على يحيى بن أبي كثير عَرْضًا، وهو ثقة، وليس أحد في يحيى مثل هشام الدستوائي والأوزاعي، وهو بعدهما. وقال يعقوب بن شيبة: علي والأوزاعي ثقتان، والأوزاعي أثبتهما، ورواية الأوزاعي عن الزهري خاصة فيها شيء، ورواية علي عن يحيى بن أبي كثير فيها وَهَاء. وقال ابن المديني: قال يحيى - يعني: القطان -: كان عنده كتاب واحد سمعه من يحيى، والآخر تركه عنده، قيل له: فرواية يحيى بن سعيد عنه؟ قال: لم يسمع منه يحيى إلا ما سمعه من يحيى. قال يعقوب بن شيبة: وسمعت علي بن عبد الله يقول: علي بن المبارك أحب إليَّ من أبان. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال أيضًا: كان عنده كتابان: كتاب سماع، وكتاب إرسال، قلت لعباس العنبري: كيف يُعْرَف كتاب الإرسال؟ قال: الذي عند وكيع عنه، عن عكرمة، من كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ضابطًا متقنًا. وقال ابن عَمّار عن يحيى بن سعيد: أما ما رويناه نحن عنه فما سمع، وأما ما رَوَى الكوفيون عنه، فمن الكتاب الذي لم يسمعه. وقال ابن عديّ: ولعليّ أحاديث، وهو ثَبْتٌ في يحيى، متقدم فيه، وهو عندي لا بأس به. ووثقه ابن المديني، وابن نمير، والعجلي. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. [تنبيه]: رواية عليّ بن المبارك هذه التي أحالها المصنّف على رواية الأوزاعيّ ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٤٩٢٢) حدثنا يحيى (١)، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن

стр. 2459

ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدَّثنا رسول الله ﷺ ، قال: "جاورت بحراء، فلما قضيت جِوَاري هَبَطتُ، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي، فلم أرَ شيئًا، ونظرت خلفي، فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دَثّروني، وصُبُّوا عليّ ماءً باردًا، قال: فدَثروني، وصَبُّوا عليّ ماءً باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ١ - ٣] "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٠) - (بَابُ الإسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى السَّمَاوَات، وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٨] (١٦٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُتِيتُ بِالْبُرَاق، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْل، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِه، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِس، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكعَتَيْن، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاء، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أنتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لنا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ويَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا

стр. 2460

وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي (١) إِلَى السَّمَاءِ الثالِثَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِيُوسُفَ ﷺ ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْن، فَرَحَّبَ (٢) وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ (٣) قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِليْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ (٤) قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﷺ فَرَحَّبَ (٥) وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﷺ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ (٦): وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُور، وَإذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْه، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَة، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَال، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى (٧)، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ ، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ

стр. 2461

عَلَى أمّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ (١) التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ (٢) صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوق، يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. [تنبيه]: فَرّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة -: اسم عجميّ، ولذا لا ينصرف؛ للعلميّة والعجمة. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابتٍ، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٣ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِي) هو ثابت بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع ومائة وعشرين)، وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.

стр. 2462

[تنبيه]: "البُنانيّ" - بضمّ الموحّدة، ونونين مخفّفين -: منسوب إلى قبيلة معروفة (١). ٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٩٢ أو ٩٣) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد وهو (١٤) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وحماد بن سلمة، قد علّق له البخاريّ، بل قيل: روى عنه حديثًا واحدًا في "كتاب الرقاق". ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريّين، وشيبان أُبُلّيّ - بضمتين، وتشديد اللام - قرية من قرى البصرة. ٤ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت، وثابتٌ ألزم أصحاب أنس ﵁ له، فقد قيل: إنه لازمه أربعين سنة. ٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁، من المكثرين السبعة ﵃، فقد روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو ممن نال الكرامة بخدمة رسول الله ﷺ ، فقد خدمه عشر سنين، ودعا له بالبركة، فنال ذلك، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد عُمِّر أكثر من مائة سنة ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُتِيتُ) بالبناء للمفعول (بِالْبُرَاقِ) - بضم الباء الموحدة - قال أهل اللغة: "البُرَاق": اسم الدابة التي ركبها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء. قال الزبيديّ في "مختصر العين"، وصاحب "التحرير": هي دابة كان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يركبونها.

стр. 2463

قال النوويّ: وهذا الذي قالاه، من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ما يُثبت ذلك من النقل - إن شاء الله تعالى - قريبًا. قال ابن دُرَيد: اشتقاق البراق من البَرْق - إن شاء الله تعالى - يعني: لسرعته، وقيل: سُمِّي بذلك؛ لشدة صفائه، وتلألئه، وبريقه، وقيل: لكونه أبيض. وقال القاضي عياض: يحتمل أنه سمِّي بذلك؛ لكونه ذا لونين، يقال: شاة بَرْقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيضِ طاقاتٌ سُودٌ، قال: ووُصف في الحديث بأنه أبيض، وقد يكون من نوع الشاة البَرْقاء، وهي معدودة في البيض، والله تعالى أعلم (١). وقال في "الفتح": و"البُرَاق" - بضم الموحدة، وتخفيف الراء -: مشتقّ من البَريق، فقد جاء في لونه أنه أبيض، أو من البَرق؛ لأنه وصفه بسرعة السير، أو من قولهم: شاةٌ بَرْقاء: إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سُودٌ، ولا ينافيه وصفه في الحديث بأن البراق أبيض؛ لأن البرقاء من الغنم معدودة في البياض، ويحتمل أن لا يكون مشتقًّا. انتهى (٢). [تنبيه]: قيل: الحكمة في الإسراء به ﷺ راكبًا، مع القدرة على طيّ الأرض له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة في مقام خرق العادة؛ لأن العادة جرت بأن الملك إذا استَدْعَى من يختص به يَبْعَث إليه بما يركبه (٣). (وَهُوَ) أي: البراق (دَابَّةٌ أَبْيَضُ) ذكّر وصفه باعتبار كونه مركوبًا، أو نظرًا للفظ البراق. والحكمة في كونه بهذه الصفة الإشارة إلى أن الركوب كان في سِلْم وأَمْن، لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة.

стр. 2464

(طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْلِ) الظرف متعلّق بصفة بعد الصيم لـ "دابّة"، أو بحال منه (يَضَعُ حَافِرَهُ) واحد حوافر الدابّة، وقد يُستعار للقدم كما في قول الشاعر [من الطويل]: فَمَا بَرِحَ الوِلْدَانُ حَتَّى رَأَيْتُهُ … عَلَى البَكْرِ يَمْرِيهِ بِسَاقٍ وَحَافِرِ قاله في "الصحاح" (١). (عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) أي: عند نهاية نظرها، فـ "الطَّرْفُ" - بفتح، فسكون -: مصدرُ طَرَفَ، يقال: طَرَفَ البَصَرُ طَرْفًا، من باب ضَرَبَ: تحرّك، وطَرْفُ العين: نَظَرُها، ويُطلق على الواحد وغيره؛ لأنه مصدرٌ، قاله الفيّوميّ (٢)، وفي رواية النسائيّ: "خَطْوُها عند منتهى طَرْفِها"، والخَطْو بالفتح مصدر خطأ يخطو: إذا مشى. وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند أبي يعلى والبزَّار: "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هَبَط ارتفعت يداه"، وفي رواية لابن سعد، عن الواقديّ بأسانيده: "له جناحان"، قال الحافظ: ولم أرَها لغيره، وعند الثعلبيّ بسند ضعيف، عن ابن عباس في صفة البراق: "لها خَدّ كخدّ الإنسان، وعَرْف كالفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف وذَنَب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء". قيل: ويؤخذ من ترك تسمية سير البراق طيرانًا أن الله إذا أكرم عبدًا بتسهيل الطريق له، حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير أن لا يَخرُج بذلك عن اسم السفر، وتجري عليه أحكامه. قال ابن أبي جمرة ﵀: خُصَّ البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به؛ لأنه لم يُنقَل أن أحدًا ملكه، بخلاف غير جنسه من الدواب، قال: والقدرة كانت صالحة لأن يصعد بنفسه من غير براق، ولكن ركوب البراق كان زيادةً له في تشريفه؛ لأنه لو صَعِدَ بنفسه لكان في صورة ماشٍ، والراكب أعزّ من الماشي. (قَالَ) ﷺ (فَرَكِبْتُهُ) أي: البراق (حَتَّى أتيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان مشهورتان غايةَ الشهرة:

стр. 2465

[إحداهما]: بفتح الميم، وإسكان القاف، وكسر الدال المخففة. [والثانية]: بضم الميم، وفتح القاف، والدال المشددة، قال الواحديّ: أما مَن شَدَّده، فمعناه المُطَهَّر، وأما مَن خَفّفه، فقال أبو عليّ الفارسيّ: لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، فان كان مصدرًا، كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ونحوه من المصادر، وإن كان مكانًا، فمعناه بيت المكان الذي جُعِل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها، وقال الزجاج: البيت المقدَّس: المطَهَّر، وبيت المقدس؛ أي: المكان الذي يُتطهَّر فيه من الذنوب، ويقال فيه أيضًا: إيلياء (١). (قَالَ) ﷺ (فَرَبَطْتُهُ) بفتح الموحّدة، يقال: رَبَطته رَبْطًا، من بابي ضرب ونَصَرَ: إذا شددته، والرِّباط بالكسر: ما تُربط به القربة وغيرها، والجمع رُبُط، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، قاله الفيّوميّ (٢). (بِالْحَلْقَةِ) بإسكان اللام، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى الجوهريّ وغيره فتح اللام أيضًا، قال الجوهريّ: حَكَى يونس، عن أبي عمرو بن العلاء حَلَقَة بالفتح، وجمعها حَلَقٌ، وحَلَقَات، وأما على لغة الإسكان، فجمعها حَلَق وحِلَق، بفتح الحاء وكسرها، قاله النوويّ (٣). وقال ابن منظور ﵀: "الحَلْقَةُ": كلُّ شيء استدار، كحلقة الحديد والفضّة والذهب، وكذلك هو في الناس، والجمع حِلاق بالكسر على الغالب، وحِلَق بكسر، ففتح، على النادر، كهَضَبة وهِضَب، والحَلَق بفتحتين عند سيبويه اسم للجمع، وليس بجمع؛ لأن فَعْلَةً ليست مما يُكسَّر على فَعَل، أفاده ابن منظور (٤). وقال الفيّوميّ ﵀: وَحَلَقةُ الباب بالسكون من حديد وغيره، وحَلَقَةُ القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كلُّهُ، والجمع حَلَق بفتحتين على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَق بالكسر، مثلُ قَصْعَةٍ وَقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَة بالفتح

стр. 2466

لغةٌ في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ. انتهى (١). (الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأنبِيَاءُ) كذا هو في الأصول "يَربط به" بضمير المذكر، فأما "يَربط"، فإنه يجوز فيه الأمران؛ لأنه مسند إلى "الأنبياء"، والجمع يجوز تذكيره وتأنيثه، كما قال في "الخلاصة": وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ … مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ وأما "به" فأعاده على معنى "الحلقة"، وهو الشيء. قال صاحب "التحرير": المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ﷺ (ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: الأقصى (فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكَعَتَيْنِ) أي: تحيّة للمسجد (ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) أي: ليشرب ما يشاء (فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ) أي: فخيّرني أن آخذ أيّهما شئتُ، فاخترت بتوفيق من الله ، ففي هذه الرواية اختصار، تبيّنها رواية أبي هريرة ﵁ الآتية بلفظ: "فأُتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربته " (فَقَالَ جِبْرِيلُ ﷺ : اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ) قال النوويّ ﵀: فَسَّرُوا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة، ومعناه - والله أعلم -: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، وجُعِل اللبن علامة؛ لكونه سهلًا طيبًا طاهرأ سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر، فإنها أمّ الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: أصل الفطرة: ابتداء الخلقة، ومنه فَطَرَ ناب البعير إذا ابتدأ خروجه، ومنه قول الأعرابيّ المتحاكم إلى ابن عبّاس ﵄ في البئر: أنا فَطَرتها، أي: ابتدأت حفرها، وقيل في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: جِبِلّة الله التي جَبَلَهم عليها، من التهيّؤ لمعرفته، والإقرار به، وقيل: هي ما أُخذ عليهم في ظهر آدم ﵇ من الاعتراف بربوبيّته، وقيل: الفطرة الإسلام؛ لأنه الذي لقتضيه فطرة العقل ابتداءً، وقد حُمِل على

стр. 2467

هذا قوله ﷺ : "كلّ مولود يولد على الفطرة … " الحديث، متّفقٌ عليه، وقد نصّ على هذا في حديث آخر، فقد أخرج المصنّف من حديث عياض بن حمار ﵁ مرفوعًا، قال: "إني خلقت عبادي حُنفاء كلّهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم … " الحديث، وكأن معنى هذا الحديث: أنه لَمّا مال إلى ما يُتَناوَل بالجِبِلّة والطبع، وما لا ينشا عنه مفسدة، وهو اللبن، وعَدَلَ عمّا ليس كذلك مما يُتوقَّع منه مفسدةٌ أو من جنسه، وهي إذهاب العقل الموصل للمصالح، صَوَّب الملك فعله ودعا له، كما قال في الرواية الأخرى: "أَصَبْتَ أصاب الله بك". ويحتمل أن يكون من باب التفاؤل والتشبيه لَمّا كان اللبن أوّل شيء يدخل جوف الصبيّ، ويشقّ أمعاءه، فسُمّي بذلك فطرة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). وقال القاضي عياض ﵀: أصل الفطرة في كلام العرب: الخِلْقة، ومنه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]؛ أي: خالقهما، وقيل: الفطرة: الا بتداء، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]؛ أي: أقم وجهك للدين الذي فطر الله الناس عليه، قبل الْجِبِلّة التي جَبَلهم عليها من التهيّؤ لمعرفة الله تعالى والإقرار به، وقيل: ما أخذ الله عليهم في ظهر آدم ﵇ من الاعتراف بربوبيّته. وقيل: معناه الاستقامة؛ لأن الحنيف عند بعضهم المستقيم، وسُمِّي الأحنف على القلب، كما سُمّي اللديغ سَلِيمًا، والحنيفيّة المستقيمة عن الميل لأديان أهل الشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]. وقيل في قوله ﷺ : "كلُّ مولود يولد على الفطرة" متّفقٌ عليه، هذه الأقوال كلّها، وقيل: ما كُتب عليه في بطن أمه، وقيل: الإسلام. ويحتمل أن المراد بالفطرة في قوله: "اخترتَ الفطرة" بعض هذه المعاني: الإسلام، أو الاستقامة، أو الحنيفيّة، ويكون أيضًا لَمّا كان اللبن كلّه

стр. 2468

حلالًا في هذه الشريعة والخمر كلّه حرامًا، فعَدَل عما حُرّم فيها إلى ما أُحلّ فيها، ودلّ ذلك على هدايته لها، وقيل: هو من باب التفاؤل الحسن لَمّا كان اللبن أوّل شيء يدخل جوف الرضيع ويَفتح فمه عليه، سُمّي فِطرةً لشقّه الأمعاء، وما تقدّم أوجَه. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لَمّا كان الخمر كلّه حرامًا" فيه نظر؛ إذ الخمر لم تكن حينئذ محرّمة، اللهم إلا أن يكون المراد أنها ستحرّم، فألهمه الله تعالى ذلك، فأعرض عنها، فيكون من توفيق الله له للهدى، أو نَفَرَ منها لِمَا جَبَلَه الله تعالى عليه من البُعْد عن أسباب الشرّ والفساد، كما نَفَر عنها كثير من عقلاء الجاهليّة لذلك، أو نَفَر منها لكونه لم يَعْتَدْ شربها، فوافق طبعه ما سيقع من تحريمها بعدُ، حفظًا من الله تعالى له ورعايةً، واختار اللبن؛ لكونه مألوفًا له، سهلًا طيّبًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ عَرَجَ) بفتح العين والراء، من باب قعد، أي: صَعِدَ، وارتقى (بِنَا) أي: به ومن معه، وهو جبريل ﵇، أو عبّر بما هو للجماعة عن نفسه، لأن المقام مقام فخر واعتزاز، وتحدّث بنعمة الله تعالى (إِلَى السَّمَاءِ) أي: الدّنيا، كما جاء في الرواية الأخرى، ومعناه: القربى، وهي الأولى، (فَاسْتَفْتَحَ) أي: طلب فتح الباب، فالمفعول محذوف اختصارًا (جِبْرِيلُ)؛ (فَقِيلَ) أي: قال له خزانها، كما صُرّح به في الرواية الأخرى (مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ) خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنا جبريل، قال النوويّ ﵀: فيه بيان الأدب فيمن استأذن بدَقّ الباب ونحوه، فقيل له: من أنت؟ فينبغي أن يقول: زيد مثلًا، إذا كان اسمه زيدًا، ولا يقول: أنا، فقد جاء الحديث بالنهي عنه، ولأنه لا فائدة فيه. انتهى (٢). (قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ) خبر لمحذوف أيضًا؛ أي: هو محمد، أو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: محمد معي، (قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ ﵀: مراد البوّاب بقوله: "وقد بُعِث إليه؟ " بعثه للإسراء وصعود السموات، وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة،

стр. 2469

فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدّة، فهذا هو الصحيح - والله أعلم - في معناه، ولم يذكر الخطابيّ في "شرح البخاريّ" وجماعة من العلماء غيرَهُ، وإن كان القاضي قد ذكر خلافًا، أو أشار إلى خلاف في أنه استَفْهَمَ عن أصل البعث، أو عما ذكرتُهُ، قال القاضي: وفي هذا أن للسماء أبوابًا حقيقيةً، وحفظةً مُوَكَّلين بها، وفيه إثبات الاستئذان، والله أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وقد بُعث إليه" هو استفهام من الملائكة عن بعث النبيّ ﷺ وإرساله إلى الخلق، وهذا يدلّ على أنهم لم يكن عندهم علمٌ من وقت إرساله؛ لكونهم مستغرقين بالعبادة، لا يَفترون عنها، وقيل: معناه استفهامهم عن إرسال الله تعالى إليه بالعروج إلى السماء. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الأظهر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) جبريل ﵇ (قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ) أي: بالصعود، (فَفُتِحَ لَنَا) بالبناء للمفعول، أي: فتح خازن السماء باب السماء لأجلنا، (فَإِذَا أَنَا) "إذا" هي الفُجائيّة، (بِآدَمَ) أبي البشر؛ (فَرَحَّبَ بِي) أي: قال لي بعد ردّ السلام: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، كما سيأتي في الروايات الأخرى، يقال: رَحّب به ترحيبًا: إذا دعاه إلى الرُّحْب، بالضمّ؛ أي: المكان الواسع، (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) قال القاري: يحتمل أن يكون المراد قوله: "ولنعم المجيءُ جاء"، وأن يكون غيره غيرَ مُبيَّن. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول مما لا يخفى بُعده فتفطّن، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇) الباب، (فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا) قال الأزهريّ: قال ابن السّكِّيت: يقال: هما ابنا عَمٍّ، ولا يقال: ابنا خال، ويقال: هما ابنا خالة، ولا يقال: ابنا عمة. انتهى. (فَرَحَّبَا، وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي) وفي نسخة: "بنا" (إِلَى السَّمَاءِ

стр. 2470

الثَّالِثَة، فَاسْتَفْتَحَ) البابَ جِبْرِيلُ؛ (فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ) بنِ يعقوب ﵇، (إِذَا هُوَ) بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال، قاله القاري (١)، (قَدْ أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، (شَطْرَ الْحُسْنِ) أي: نصف حسن الناس، وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند البيهقي، وأبي هريرة ﵁ عند ابن عائذ والطبرانيّ: "فإذا أنا برجل أحسنِ ما خَلَقَ اللهُ، قد فَضَلَ الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب"، وهذا ظاهره أن يوسف؛ كان أحسن من جميع الناس، لكن رَوَى الترمذيّ، من حديث أنس ﵁: "ما بَعَثَ الله نبيًّا إلا حَسَنَ الوجه، حَسَنَ الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا"، فعلى هذا فيُحْمَل حديث المعراج على أنّ المراد غير النبيّ ﷺ ، ويؤيده قول من قال من الأصوليين: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه. وأما حديث الباب، فقد حمله ابن المُنَيِّر ﵀ على أن المراد: أن يوسف أُعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبيّنا ﷺ ، والله تعالى أعلم (٢). (فَرَحَّبَ) وفي نسخة: "ورحّب بي"، (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) وفي نسخة: "فقيل: من هذا؟ " (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] أي: في السماء الرابعة، ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عند شرح هذه الآية (٣/ ١٢٧) ما نصّه: وقد رَوَى ابن جرير ههنا أثرًا غريبًا عجيبًا، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شَمِر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾؟ فقال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه أني أَرْفَع لك كلَّ يوم مثلَ عمل جميع

стр. 2471

بني آدم، فأَحَبّ أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال له: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكَلِّم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملًا، فحمله بين جناحيه، حتى صَعِد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت مُنْحَدِرًا، فكلَّم ملك الموت في الذي كلَّمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: العجب بُعِثتُ، وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]. قال ابن كثير: هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: إسناد هذا الأثر ثقات، رجال الصحيح، غير شَمِر بن عطيّة، وهو ثقة وثّقه النسائيّ، وابن سعد، وغيرهما، إلا أنه من الإسرائيليّات، لا سيَّما وقد قال ابن كثير: وفي بعضه نكارة، فالظاهر عدم صحّته، والله تعالى أعلم. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس، أنه سأل كعبًا … فذكر نحو ما تقدَّم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله - يعني: ملك الموت - كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل؟ … وذكر باقيه، وفيه أنه لَمّا سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر، ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه، فإذا هو قد قُبِضَ ﵇ وهو لا يشعر به. ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس: أن إدريس كان خَيّاطًا، فكان لا يَغْرِز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحدٌ أفضل عملًا منه، وذكر بقيته كالذي قبله. وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: إدريس رُفِع لم يمت كما رفع عيسى. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: السماء الرابعة، وقال العَوْفي عن ابن عباس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: رُفِع

стр. 2472

إلى السماء السادسة، فمات بها، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال الحسن وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] قال: الجنة. انتهى ما ذكره ابن كثير ﵀. وقال في "الفتح": واستَشْكَل بعضهم قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ بأن غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه! ثم أجاب بأن المراد أنه لم يُرْفَع إلى السماء مَن هو حي غيره. وفيه نظر؛ لأن عيسى ﵇ أيضًا قد رُفع وهو حي على الصحيح، وكون إدريس رُفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قويّة، ثم أورد أثر كعب الذي سبق من رواية الطبريّ، ثم قال: وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذه الآثار كلّها لا تستند إلى دليل مرفوع صحيح، فليست حجة مقنعة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) وفي نسخة: "فقيل: من هذا؟ " (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بِهَارُونَ ﷺ ، فَرَحَّبَ) وفي نسخة: "فرحّب بي" (وَدَعَا لِي بِخَيْر، ثمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﷺ ، فَرَحَّبَ، وَدَعَا لِي بِخَيْر، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قِيل) وفي نسخة: "قال"، (وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ ) حال كونه، (مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) أي: الذي تعمُره الملائكة بالعبادة، قال القاضي عياضٌ ﵀: يُستَدَلّ به على جواز الاستناد إلى القبلة، وتحويل الظهر إليها. انتهى. (وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ) أي: للعبادة فيه، (لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ) أي: لكثرتهم، فلا يستطيعون العودة إليه مرّة

стр. 2473

أخرى، وفيه كثرة الملائكة على سائر المخلوقات، (ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى) هكذا وقع في الأصول "السدرة" بالألف واللام، وفي الروايات بعد هذا: "سدرة المنتهى" بالإضافة، وسيأتي عند المصنّف (١) في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنها سُمِّيت بذلك؛ لأنه إليها يَنتهي ما يُعرَج به من الأرض فيُقبَض منها، وإليها ينتهي ما يُهبَط به من فوقها فيُقبض منها. وقال النوويّ ﵀: سُمِّيت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ إلا رسول الله ﷺ . قال الحافظ ﵀: وهذا لا يعارض حديث ابن مسعود ﵁ المتقدم، لكن حديث ابن مسعود ثابت في "الصحيح"، فهو أولى بالاعتماد، وأورده النووي بصيغة التمريض، فقال: وحُكِي عن ابن مسعود أنها سُمّيت بذلك … إلخ هكذا أورده، فأشعر بضعفه عنده، وهو صحيح مرفوع، فكان الأولى له إيراده بالجزم. وقال القرطبيّ في "المفهم": ظاهر حديث أنس ﵁ أنها في السابعة؛ لقوله بعد ذكر السماء السابعة: "ثم ذَهَب بي إلى السدرة"، وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شكّ فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وكل ملك مقرَّب، على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد. وقال غيره: إليها منتهى أراوح الشهداء، قال: ولترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف، قال الحافظ: كذا قال، ولم يُعَرِّج على الجمع بل جزم بالتعارض، قال: ولا يعارض قولُهُ: "إنها في السادسة" ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة؛ لأنه يُحمَل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها. (وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ) بكسر الفاء، وفتح الياء التحتانيّة، بعدها لام،

стр. 2474

جمع فِيلٍ، وفي رواية للبخاريّ: "مثلُ آذان الفُيُول" وهو أيضًا جمع فيل، قال ابن دحية: اختيرت السدرة دون غيرها؛ لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظلّ ممدود، وطعائم لذيذٌ، ورائحة زكيّة، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يَجمع القول والفعل والنيّة، فالظلّ بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النيّة، والرائحة بمنزلة القول. انتهى (١). (وَإِذَا ثَمَرُهَا) وفي رواية: "فإذا نَبِقها" بفتح النون، وكسر الموحّدة وسكونها أيضًا، قال ابن دحية: والأول هو الذي ثبت في أصل الرواية، أي التحريك، و"النَّبِقُ": معروف وهو ثَمَرُ السدر (٢)، (كَالْقِلَالِ) بكسر القاف، جمع قُلّة بالضمّ، وهي: جَرَّةٌ عظيمة، تَسَعُ قِرْبتين أو أكثر، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وفي الرواية الآتية: "مثلُ قلال هَجَر"، و"هَجَر" بفتحتين بلد بقرب المدينة، لا تنصرف للعلميّة والتأنيث باعتبار البقعة، ويجوز صرفها باعتبار المكان، قال الخطابيّ ﵀: يريد أن ثمرها في الكثرة مثل القلال، وكانت معروفةً عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها، قال: وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين … " الحديث (٣)، (قَالَ) ﷺ (فَلَمَّا غَشِيَهَا) بكسر الشين، من باب تَعِبَ؛ أي: غطّاها، (مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ) "ما" موصولة فاعل "غشيها"، وعبّر بها تفخيمًا وتعظيمًا للأمر، كما في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، وقال القرطبيّ: يعني غشيها من جلال الله تعالى وعظيم شأنه وسلطانه، (تَغَيَّرَتْ) أي: انتقلت عن حالها الأول إلى حال أخرى أحسن منها، (فَمَا) نافية، أي: ليس (أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا) بفتح العين، يقال: نَعَتَ الرجلُ صاحبه نَعْتًا، من باب نَفَعَ: إذا وصفه، ونَعَتَ نفسَهُ بالخير: وصفَها به، وانتَعَتَ: اتّصفَ، ونَعُتَ الرجلُ بضمّ العين: إذا كان النعت له خِلْقةً، قاله الفيّوميّ (٤)، وقوله: (مِنْ حُسْنِهَا) أي: لأجل شدّة حسنها، فهو تعليلٌ لعدم استطاعة نعتها (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى) وفي نسخة: "فأوحى إليّ ما أوحى"، أي: الذي أوحاه، وأبهمه أيضًا للتفخيم والتغظيم.

стр. 2475

(فَفَرَضَ عَلَيَّ) أي؛ وعلى أمته، ففي الرواية الأخرى: "فقم بها أنت وأمتك" (خَمْسِينَ صَلَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ ، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ) وفي نسخة: "فَسَله"، (التَّخْفِيفَ، فَإنَّ أُمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ) أي: اختبرت، يقال: بلاه الله بخير أَو شرّ، يبلوه بَلْوًا، وأبلاه بالألف، وابتلاه ابتلاء: بمعنى امتحنه (بَني إِسْرَائِيلَ، وَخَبَرْتُهُمْ) عطف تفسير لـ "بلوت" (قَالَ) ﷺ (فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي) إلى الموضع الذي ناجيته منه أوّلًا، فناجيته فيه ثانيًا، (فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَط عَنِّي خَمْسًا، قَالَ) موسى ﵇ (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ) ﷺ (فَلَمْ أَزَلْ أَرْجعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى؛ (حَتَّى قَالَ) (يَا مُحَمَّدُ) فيه أن الله كلّم نبيه محمدًا ﷺ في تلك الليلة بلا واسطة (إِنَّهُنَّ) أي: الصلوات (خَمْسُ صَلَوَاتٍ، كُلَّ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ) إذ الحسنة بعشر أمثالها (فَذَلِكَ خَمْسُونَ) وفي نسخةَ: "فتلك خمسون" (صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) أي: قصد أن يعمل حسنة (فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ) بالبناء للمفعول (لَهُ حَسَنَةً) منصوب على الحال (فَإنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا) أي: عشر حسنات (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ سَيئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ) أي: من محلّ المناجاة (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ) موسى (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ) أي: من الخمس (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ") والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤١٨ و ٤١٩ و ٤٢٠ و ٤٢١، (١٦٢)، و (البخاريّ) في "صفة النبيّ ﷺ " (٣٥٧٠)، و"التفسير" (٤٩٦٤)، و"الأشربة" (٥٦١٠)، و"الرقاق" (٦٥٨١)، و"التوحيد" (٧٥١٧)، وفي "خلق

стр. 2476

أفعال العباد" (٢٦ و ٦٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤٨ - ١٥٣ - ٢٨٦)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٢١٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات الخمس فيها. ٢ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه وحبيبه ﷺ بالعروج إليه، وتكليمه إياه بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه ﷺ عُرج به روحًا وجسدًا، يقظة لا منامًا، على ما هو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على نبيّه ﷺ حيث هداه الله تعالى للفطرة، فاختار اللبن. ٥ - (ومنها): بيان أن الخمر خبيثة، وهي أم الخبائث، تُخرج عن الطبيعة وتلقي في الشرّ والضلال. ٦ - (ومنها): إثبات البُراق وبيان صفته، أنه من الدواب المعروفة بهذه الصفة السامية. ٧ - (ومنها): أن في ربطه الأخذَ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يَقْدَح في التوكل، إذا كان الاعتماد على الله تعالى. ٨ - (ومنها): فيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر، والترحيب، والكلام الحسن، والدعاء لهم، وإن كانوا أفضل من الداعي. ٩ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، إذا أُمِن عليه الإعجاب وغيره من الفتن. ١٠ - (ومنها): إثبات أبواب للسماء حقيقيّة وحفَظَة موكّلين بها. ١١ - (ومنها): مشروعيّة الاستئذان لدخول بيوت الناس. ١٢ - (ومنها): أن من آداب الاستئذان، أن يقول إذا قيل له: من أنت؟ أن يقول: محمد، أو أحمد باسمه، ولا يقول: أنا؛ إذ لا فائدة فيه، ولأنه ورد الإنكار فيه، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتيت النبيّ ﷺ -

стр. 2477

في دَيْن كان على أبي، فدققت الباب، فقال: "من ذا؟ " فقلت: أنا، فقال: "أنا أنا! "، كأنه كرهها. ١٣ - (ومنها): بيان أن من أدب البوّاب أن لا يسمح لأحد بالدخول إلا بعد أن يتأكّد من إذن صاحب البيت للطارق، ولو كان ذلك صديقًا له. ١٤ - (ومنها): أن الملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله تعالى به، فإنهم استفهموا جبريل عن بعثة النبيّ ﷺ . ١٥ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به هؤلاء الأنبياء، حيث رفعهم إلى السماوات العلى. ١٦ - (ومنها): بيان تفاوت مراتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. ١٧ - (ومنها): مشروعيّة تحيّة المسجد بركعتين. ١٨ - (ومنها): أن فرض الصلاة ليلة الإسراء، وهو مجمع عليه. ١٩ - (ومنها): أن المارّ يُسلِّم على القاعد، وإن كان المارّ أفضل من القاعد. ٢٠ - (ومنها): فيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظَهر وغيره، وهو مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة. ٢١ - (منها): جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل. ٢٢ - (ومنها): استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشفاعة عنده؛ لِمَا وقع منه ﷺ في إجابته مَشُورة موسى ﵇ في سؤال التخفيف. ٢٣ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ الاستحياء وبذل النصيحة من يَحتاج إليها، وإن لم يستشر الناصح في ذلك. ٢٤ - (ومنها): بيان ما أسدى موسى ﵇ إلى هذه الأمة حيث أمر النبيّ ﷺ بطلب التخفيف عليهم عن خمسين صلاةً حتى خمسًا. ٢٥ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة حيث خفّف عنها خمسين صلاةً من حيث العدد، وأبقى أجرها كما هي ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].

стр. 2478

٢٦ - (ومنها): شدّة رأفة النبيّ ﷺ على أمته، حيث سعى في التخفيف عنها عن خمسين صلاة، فظهر به مصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قصّة الإسراء: (اعلم): أنهم اختَلَفوا في الإسراء برسول الله ﷺ ، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام، والحقّ الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، أنه أُسري بجسده ﷺ ، والآثار الكثيرة التي أوردها المصنّف في هذا الباب، وكذا غيره من المحدّثين، وأهل السير في كتب السنّة واضحة في الدلالة على ذلك من طالعها، وبحث عنها، وتأمّلها حقّ تأمّل، ولا يُعدَل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه فيُحتاجَ إلى تأويل. وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نَبّه مسلم على ذلك بقوله: "فقدَّم وأخَّر، وزاد ونقَّص". فمن ذلك قوله: "وذلك قبل أن يُوحَى إليه"، وهو غلطٌ بلا شكّ، فإن الإسراء أقلُّ ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه ﷺ بخمسة عشر شهرًا، وقال الحربيّ: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهريّ: كان ذلك بعد مبعثه ﷺ بخمس سنين، وقال ابن إسحاق: أُسْرِي به ﷺ ، وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل. وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق؛ إذ لم يَختلفوا أن خديجة ﵂ صلَّت معه ﷺ بعد فرض الصلاة عليه، ولا خلاف أنها تُوفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس. ومنها أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا قبل أن يُوحَى إليه. وأما قوله في رواية شريك: "وهو نائم"، وفي الرواية الأخرى: "بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان"، فقد يحتج به مَن يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه؛ إذ قد يكون ذلك حالة أول وصول الملك إليه، وليس في الحديث ما يدل

стр. 2479

على كونه نائمًا في القصة كلها، هكذا حقّق القاضي عياض ﵀. قال النوويّ ﵀ بعد نقل كلام عياض هذا: وهذا الذي قاله في رواية شريك، وأن أهل العلم أنكروها قد قاله غيره، وقد ذكر البخاريّ ﵀ رواية شريك هذه، عن أنس، في "كتاب التوحيد" من "صحيحه"، وأتى بالحديث مُطَوَّلًا. قال الحافظ عبد الحقّ ﵀ في كتابه "الجمع بين الصحيحين" بعد ذكر هذه الرواية: هذا الحديث بهذا اللفظ، من رواية شريك بن أبي نَمِر، عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأَتَى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد رَوَى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البنانيّ، وقتادة، يعني: عن أنس، فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريك ليمس بالحافظ عند أهل الحديث، قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعوَّل عليها. انتهى كلام الحافظ عبد الحق ﵀ (١). وقال في "الفتح": وقد اختُلِف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذّ إلا إن حُمِل على أنه وقع حينئذ في المنام، وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا، فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النوويّ، وبالغ ابن حزم، فنَقَل الإجماع فيه، وهو مردود، فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا، يزيد على عشرة أقوال، منها ما حكاه ابن الجوزيّ أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وحكى هذا الثاني أبو الربيع بن سالم، وحَكَى ابن حزم مقتضى الذي قبله؛ لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربيّ، حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورَجَّحه ابن المنير في "شرح السيرة" لابن عبد البر، وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قاله السديّ، وأخرجه من طريقه الطبريّ، والبيهقيّ، فعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان، على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقديّ،

стр. 2480

وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد عن ابن أبي سَبْرة أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النوويّ في "الروضة"، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، وحَكَى عياضٌ وتبعه القرطبيّ والنوويّ عن الزهريّ: أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورَجّحه عياض ومن تبعه، واحتَجَّ بأنه لا خلاف أن خديجة صَلّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث؛ أو نحوها، وإما بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. قال الحافظ: في جميع ما نفاه من الخلاف نظرٌ؛ أما أوّلًا: فإن العسكريّ حَكَى: أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين، وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابيّ: أنها ماتت عام الهجرة. وأما ثانيًا: فإن فرض الصلاة اختُلِف فيه، فقيل: كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشيّ، وإنما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس. وأما ثالثًا: فقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها جَزَمت بأن خديجة ﵂ ماتت قبل أن تُفْرَض الصلاة. فالمعتمد أن مراد مَن قال: بعد أن فُرضت الصلاة ما فُرض قبل الصلوات الخمس، إن ثَبَت ذلك، ومراد عائشة بقولها: ماتت قبل أن تُفْرَض الصلاة - أي: الخمس - فيُجْمَع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء. وأما رابعًا: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر، فحَكَى العسكريّ عن الزهريّ: أنها ماتت لسبع مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك قبل الهجرة بست سنين، فَرّعَه العسكريّ على قول مَن قال: إن المدة بين البعثة والهجرة كانت عشرًا. انتهى ما ذكره في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يميل إليه القلب هو القول بأنه كان قبل

стр. 2481

الهجرة بسنة، كما قال به الأكثرون، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. [تنبيه]: يوجد في هامش بعض النسخ ما نصّه: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ المَاسَرْجِسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ. انتهى. أما "أبو أحمد" فهو: محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الجُلُوديّ، راوي الكتاب عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن الإمام مسلم، تُوفّي سنة (٣٦٨ هـ)، وقد تقدّمت ترجمته في تراجم رواة "صحيح مسلم" أوائل شرح المقدّمة (١). وأما المَاسَرجِسِيّ فهو: الإمام المحدِّث العالم الثقة، أبو العباس، أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى، سِبْطُ الحسن بن عيسى بن مَاسَرْجِس النيسابوريّ. سَمِع جدّه، وإسحاق بن راهويه، وشيبان بن فَرّوخ، والربيع بن ثَعْلب، ووهب بن بقية، وعمرو بن زُرَارة، وطبقتهم. وحدّث عنه الحافظ أبو عليّ النيسابوريّ، وأبو إسحاق المزكِّي، وأبو سهل الصُّعْلوكيّ، وأبو أحمد الحاكم، وآخرون. مات في صفر سنة (٣١٣ هـ)، وهو في عشر المائة، وكان من وجوه أهل بلده، وعلمائهم ﵀ (٢). (فائدة): "المَاسَرْجِسِيّ" - بفتح السين المهملة، وإسكان الراء، وكسر الجيم -: نسبة إلى جدّه مَاسَرْجِس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أتى الجُلُوديّ ﵀ بهذا هنا؛ لأنه قد علا له هذا الحديث برجل، فإنه رواه أوّلًا، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم، عن شيبان بن فَرُّوخ، ثم رواه عن المَاسَرْجِسِيّ، عن شيبان.

стр. 2482

قال النوويّ ﵀: وهذه الفائدة، وهي قوله: "قال الشيخ أبو أحمد … إلى آخره" تقع في بعض الأصول في الحاشية، وفي أكثرها في نفس الكتاب، وكلاهما له وجه، فمَن جعلها في الحاشية، فهو الظاهر المختار؛ لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه، فلا تُدخَل في نفسه، وإنما هي فائد، فشأنها أن تُكْتَب في الحاشية، ومَن أدخلها في الكتاب، فلكون الكتاب منقولًا عن عبد الغافر الفارسيّ، عن شيخه الجُلُوديّ، وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلوديّ، فنقلها عبد الغافر في نفس الكتاب؛ لكونها من جملة المأخوذ عن الجلوديّ، مع أنه ليس فيه لَبْسٌ، ولا إيهام أنها من أصل مسلم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٩] ( … ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُتِيتُ، فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ صدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقة، صاحب حديث، من صغار [١٠] (ت سنة بضع ٢٥٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. ٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ) العَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) وقيل قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١. والباقيان تقدّما في السند الماضي.

стр. 2483

شرح الحديث: (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُتِيتُ) بالبناء للمفعول، أي: أتاني الملائكة، (فَانْطَلَقُوا بِي) أي: ذهبوا بي (إِلَى زَمْزَمَ) أي: إلى بئر زمزم، وهو البئر المعروفة في المسجد الحرام بمكة، وهي لا تنصرف؛ للعلميّة والتأنيث، ويقال: ماءٌ زَمْزَمٌ، وزَمْزَامٌ، وزُوَازِمُ، وزُوَزِمُ: إذا كان بين الملح والعَذْب، وقد ذكر بعض اللغويين لها أسماءً كثيرة، منها: مَكْتُومةُ، ومَضْنُونةُ، وشُبَاعَةُ، وسُقيا، والرِّواءُ، ورَكْضة جبريل، وهَزْمَةُ جِبريل، وشِفَاءُ سُقْم، وطَعامُ طُعْم، وحَفِيرةُ عبد المطّلب (١). وذكر صاحب "تاج العروس" أنه جمع لها من كتب الحديث وكتب اللغة أسماء تنيف على ستّين اسمًا (٢). (فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي) بالبناء للمفعول، أي: شُقّ، كما في الرواية التالية، (ثُمَّ غُسِلَ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ") بالبناء للمفعول أيضًا، قال النوويّ ﵀: هو بإسكان اللام، وضمّ التاء هكذا ضبطناه، وكذا هو في جميع الأصول والنُّسَخ. انتهى. وقال القاضي عياض ﵀: كذا رويناه عن جميعهم بضمّ الهمزة، وكسر الزاي، وضمّ التاء، وحَكَى لنا بعض شيوخنا عن القاضي أبي الوليد الوَقَّشِيّ - وكان أكثر اعتنائه بأمثال هذه الألفاظ المشكلة، والجسارة على تقويمها بزعمه وإصلاحها - أن اللفظة وَهَمٌ من الرواة وتصحيفٌ، وصوابها: "ثُمّ تُرِكتُ"، فعَرضتُ هذا على شيخنا أبي الحسين بن سِرَاج الحافظ اللغويّ، فقال لي: هذا تكلّف، و"أُنزلتُ" بمعنى تُرِكتُ في كلام العرب معروفٌ (٣)، فاتّفقا في المعنى واختلفا في صحّة اللفظ. قال: ثم ظهر لي أنا بعد ذلك أن "أُنزلتُ" على بابها المستعمل الذي هو ضدّ "رُفِعتُ"، ألا تراه كيف قال في أول الحديث: "انطلقوا بي"؟ أي: رفعوه من مضجعه وحملوه إلى حيث فُعِل به هذا، ثم رُدّ إلى مكانه وأُنزل في مضجعه.

стр. 2484

قال: ولم أزل أَعُدّ هذا وما قبله أنا وغيري من غرائب المعاني، ودقائق أسرار كشف المشكل إلى أن أوقفني المطالعة عن الجلاء فيه، وإذا اللفظ طرفٌ من الحديث الطويل المتقدّم، وقف عليها الراوي معلِّقًا بقيّة الحديث بما تقدّم، ومُحيلًا عليه، فذكر الإمام أبو بكر الخُوَارَزميّ المعروف بالبَرْقانيّ في "الصحيح" فقال فيه: "ثمّ أُنزلت طستٌ مملوءةٌ حكمةً وإيمانًا، فحُشي بها صدري، ثم عُرِج بي … "، وذكر تمام الحديث. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١). قال النوويّ: ومقتضى رواية البَرْقانيّ أن يُضْبَطَ "أُنْزِلَتْ" بفتح اللام وإسكان التاء، وكذلك ضبطناه في الجمع بين "الصحيحين" للحميديّ، وحَكَى الحميديّ هذه الزيادة المذكورة عن رواية البَرْقانيّ وزاد عليها، وقال: أخرجها البَرْقانيّ بإسناد مسلم، وأشار الحميديّ إلى أن رواية مسلم ناقصة، وأن تمامها ما زاده البَرْقانيّ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: نصّ الحميديّ ﵀ في "الجمع": وأخرج مسلم أيضًا طرفًا منه من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أُتيتُ، فانطلقوا بي إلى زمزم، فشُرح عن صدري، ثم غُسل بماء زمزم، ثم أُنزلت"، لم يزد مسلم على هذا فيما رأيناه من نُسَخ كتابه. وتمامه في كتاب أبي بكر البَرْقَانيّ بهذا الإسناد، قال: "ثم أنزلت طستًا (٢) من ذهب ممتلئةً إيمانًا وحكمةً، فحشا بها صدري، ثم عَرَج بي الملكُ إلى السماء الدنيا، فاستفتح الملك، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث؟ قال: نعم، ففتح، فإذا آدم، فقال: مرحبًا بك من ولد ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَج بي إلى السماء الثانية، واستفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال:

стр. 2485

وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا عيسى ويحيى، فقالا: مرحَبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَجَ بي الملك إلى السماء الثالثة، ثم اسَتفتح، قال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: من معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، ففتح، فإذا يوسف، قال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَجَ بي إلى السماء الرابعة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، فإذا إدريس في الرابعة، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَج إلى السماء الخامسة، ثم استفتح، فقالَ: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا هارون، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَج بي الملك إلى السماء السادسة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعث؛ قال: نعم، ففتح، فإذا موسى، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَجَ إلى السماء السابعة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعث؟ قال: نعم، ففتح، فإذا إبراهيم، فقال: مرحبًا بك من ولد ومرحبًا بك من رسول، فانتهيتُ إلى بناء، فقلتُ للملك: ما هذا؟ قال: هذا بناء بناه الله للملائكة، يدخل فيه كلَّ يوم سبعون ألف ملك، يقدّسون الله، ويسبّحونه، ولا يعودون فيه، قال: ثم انتهيتُ إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها، قال: فلمّا غشيها من أمر الله ما غَشِيها، تحرّكت حتى ما يستطيع أحدٌ نعتها، قال: وفُرِض عليّ خمسون صلاةً، فأتيتُ على موسى، قال: بكم أُمرتَ؟ قلت: أُمرتُ بخمسين صلاةً، قال: فإن أمتك لا تُطيق هذا، فارجع إلى ربّك، فاسأله التخفيف، فرجعتُ إلى ربي، فوضع عنّي عشرًا، قال: فما زلت بين ربي وموسى حتى جعلها خمس صلوات، فأَتيتُ على موسى، فقال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، قال: لا، بل أُسلِّم لربي، فنوديتُ: إني قد كمَّلتُ فريضتي وخفَّفتُ عن عبادي، بكلّ صلاة عشر صلوات". انتهى (١).

стр. 2486

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأَولى في توجيه رواية المصنّف هذه حملها على أنها مختصرة من المتن الطويل، وبه يزول الإشكال دون تكلّف وتعسّف، فهي كسائر الروايات التي يوردها المصنّف مختصرة، غاية الأمر أنه لم يُشِر إلى أنها مختصرة، وهذا لا يضرّ فيما قلنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (مسألة): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا بهذا الطريق، وأخرجه (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤١٤)، و (أبو بكر البَرْقانيّ) كما سبق آنفًا من رواية الحميديّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَان، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِه، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِه، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ، يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ، وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْن، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ). رجال هذا الإسناد أربعةٌ: وقد تقدّموا كلهم قبل حديث، وهو (١٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇) وقوله: (وَهُوَ يَلْعَبُ) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِبَ، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (مَعَ الْغِلْمَانِ) بكسر الغين المعجمة، وسكون اللام: جمع

стр. 2487

كثرة لغُلام بالضمّ، وهو الابن الصغير، وجمع القلّة: غِلْمة بكسر فسكون، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ مجازًا باسم ما يؤول إليه، قاله الفيّوميّ (١)، (فَأخَذَهُ، فَصَرَعَهُ) أي: ألقاه على الأرض، يقال: صرَعَه يَصْرَعه، كمَنَعه يمنعه: إذا طرحه على الأرض، أفاده المجد (٢)، (فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ) أي: محلّ قلبه، (فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ) أي: من القلب (عَلَقَةً) بفتحتين أي: قِطعة دم، قال المجد ﵀: "العَلَقُ" محرّكةً: الدم عامّةً، أو الشديد الحُمْرة، أو الغليظ، أو الجامد، والقِطْعةُ منه بهاء. انتهى (٣). (فَقَالَ) الملك (هَذَا) إشارة إلى العلقة، وذكّره نظرًا للخبر (حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ) أي: نصيبه الذي يستطيع إيصال الوسوسة إليك منه، قال القرطبيّ ﵀: وهذه العَلَقةُ المنتزعة عنه، هي القابلة للوساوس والمحرّكة للشهوات، فأُزيل ذلك عنه، وبذلك أعين على شيطانه حتى سلم منه. انتهى (٤). وقال القاضي عياض ﵀: ويحتمل أن تكون هذه العَلَقَةُ التي استخرجها من قلبه هي أحد أجزاء القلب المختصّ بها حبّ الدنيا، والنزوع إلى الشهوات التي منها يأتي الشيطان، أو ما يختصَّ بها من عوارض السهو والغفلة، كلُّ ذلك بتدبير العزيز الحكيم، وهي الأبواب التي يأتي منها الشيطان، فطُرِحت عنه، فلا يجد الشيطان إليه سبيلًا، كما طُرح عن يحيى شهوة النساء. أو تكون تلك العَلَقَة إذا كانت في القلب هي القابلة لوسواس الشيطان، والمحرّكة للنفس بما رَكب الله فيها من القُوَى لما يُوافقه، فأُزيحت عنه ﷺ ليسلم من دواعيه الخبيثة، ونُقّي القلب وغُسل منها حتى لا يبقى لها أثرٌ في القلب جُملةً. انتهى كلام القاضي ﵀ (٥). (ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) قال النوويّ ﵀: "الطَّست" - بفتح الطاء، وإسكان السين المهملتين -: إناء معروف، وهي مؤنثة، وحَكَى القاضي عياض كسر الطاء لغةً، والمشهور الفتح، ويقال فيها: طَسّ - بتشديد السين،

стр. 2488

وحذف التاء - وطَسَّة أيضًا، وجمعها طِسَاس وطُسُوسٌ وطَسّات. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: "الطَّسْتُ" قال ابن قُتيبة: أصلها طَسٌّ، فأُبدلت من أحد المضعّفين تاء؛ لثِقَل اجتماع المثلين؛ لأنه يقال في الجمع: طِسَاسٌ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَام، وفي التصغير: طُسَيسة، وجُمِعت أيضًا على طُسُوس باعتبار الأصل، وعلى طُسُوت باعتبار اللفظ، قال ابن الأنباريّ: قال الفرّاء: كلام العرب طَسّةٌ، وقد يقال: طَسّ بغير هاء، وهي مؤنّثةٌ، وطيّئٌ تقول: طَسْتٌ، كما قالوا في لَصّ: لَصْتٌ، ونُقل عن بعضهم التذكير والتأنيثُ، فيقال: هو الطسّةُ والطّسْتُ، وهي الطّسّةُ والطَّسْتُ، وقال الزجّاج: التأنيث أكثر كلام العرب، وجمعها طَسّات على لفظها، وقال السِّجِسْتانيّ: هي أعجميّةٌ مُعرّبةٌ، ولهذا قال الأزهريّ: هي دَخِيلة في كلام العرب؛ لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربيّة. انتهى (٢). (بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ) بفتح اللام، وبعدها همزة، على وزن ضَرَبه، وفيه لغة أُخرى لاءمه بالمد، على وزن آذنه، ومعناه: جمعه وألزقه، وضمّ بعضه إلى بعض حتى التأم (٣). قال النوويّ: وليس في هذا ما يوهم جوازَ استعمال إناء الذهب لنا، فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان أوّل الأمر قبل تحريم النبيّ ﷺ أوانيَ الذهب والفضة. انتهى (٤). (ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ) أي: أعاد الملكُ القلبَ إلى مكانه الأول، والظاهر أن "ثمّ" للترتيب الذكريّ؛ لأن اللأم بعد وضعه في مكانه، والله تعالى أعلم، (وَجَاءَ الْغِلْمَانُ) أي: الذين كانوا يلعبون معه ﷺ (يَسْعَوْنَ) أي: يُهَرْولون ويُسرعون في مشيهم (إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ -) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، أي: أراد بقوله: "إلى أمه" إلى مرضعته، و"الظِّئْرُ" بكسر الظاء المعجمة، بعدها همزة ساكنة: هي المرضعة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة: ظِئْرٌ، قاله النوويّ ﵀.

стр. 2489

وقال المجد ﵀: "الظِّئْرُ" بالكسر: العاطفة على ولد غيرها المرضعةُ له في الناس وغيرهم، للذكر والأنثى، جمعه أَظْؤُرٌ، وأَظْآرٌ، وظُؤُورٌ، وظُؤُورةٌ، وظُؤَارٌ، وظُؤْرَةٌ. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: "الظّئْرُ" بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: الناقة تَعْطِف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة الأجنبيّة تَحْضنُ ولد غيرها: ظِئْرٌ، وللرجل الحاضن: ظِئْرٌ أيضًا، والجمع أَظْآرٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحمال، وربّما جُمعت المرأة على ظِئَارٍ بكسر الظاء وضمّها، وظَأَرْتُ أَظأَرُ بفتحتين: اتّخذتُ ظِئْرًا. انتهى (٢). [تنبيه]: المراد بـ "ظِئْره" هنا هي حليمة السعديّة، مرضعة النبيّ ﷺ ، وهي بنت أبي ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شِجْنة - بكسر المعجمة، وسكون الجيم، بعدها نون - ابن رِزَام - بكسر الراء، بعدها زاي - ابن ناضرة بن سعد بن بكر بن هوازن. قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: أرضعت النبيّ ﷺ ، ورأت له بُرهانًا، تركنا ذكره لشهرته، وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة ابنة عبد الله، أم النبيّ ﷺ من الرضاعة إلى رسول الله ﷺ ، فقام إليها وبسط لها رداءه، فجلست عليه، وروى عنها عبد الله بن جعفر، وحديثه عنها بقصّة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبّان في "صحيحه"، وصرّح فيه بالتحديث بين عبد الله بن جعفر وحليمة، قاله في "الإصابة" (٣). (فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا) ﵀ (قَدْ قُتِلَ) أي: لأنهم رأوا الملك يصرعه، ويشقّ عن قلبه (فَاسْتَقْبَلُوهُ) أي: استقبلت النبيّ ﷺ أمه ومن معها من أقاربها (وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ) - بالقاف المفتوحة - أي: مُتَغَيّر اللون، قال أهل اللغة: امْتُقِعَ لونه فهو مُمْتَقَعٌ، وانْتُقِعَ فهو مُنْتَقَعٌ، وابْتُقِعَ - بالباء - فهو مُبْتَقَعٌ، فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهنّ، قال الجوهريّ وغيره: والميم أفصحهنّ، ونَقَل الجوهريّ اللغات الثلاث عن الكسائيّ، قال: ومعناه: تَغَيُّرٌ مِن حُزْنٍ أو فَزَعٍ، وقال

стр. 2490

الهرويّ في "الغريبين" في تفسير هذا الحديث: يقال: انْتُقِعَ لونُهُ، وامْتُقِعَ، وَاهْتُقِعَ، والتُمِعَ، واسْتُنْقِعَ، والتُمِئَ، وانْتُسِفَ، وابْتُسِرَ، والتُهِمَ بمعنى واحد، كلها عن الفرّاء. وقال الأزهريّ: التُمِغَ - بالغين المعجمة أيضًا - وانْتُشِفَ - بالشين المعجمة أيضًا -. قال القاضي عياض: وأصل انْتُقِعَ - والله أعلم - من النَّقْعِ وهو التراب، أي: تغيّر وجهه وزال عنه نور الحياء حتى أشبه التراب وكأنما ذُرّ عليه. انتهى (١). (قَالَ أنَسٌ) ﵁ (وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) هو بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الياء، وهي الإِبْرة. [تنبيه]: قال القرطبيّ ﵀: وهذا الشقّ هو خلاف الشقّ المذكور في حديث أبي ذرّ ومالك بن صعصة ﵄، بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين، أما الزمانان؛ فالأول في صِغَره والثاني في كِبَره، وأما المكانان؛ فالأول كان ببعض جهات مكة عند مرضعته والثاني عند البيت، وأما الحالان؛ فالأول نُزع من قلبه ما كان يضرّه وغُسِل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني غُسِل، ومُلئ حكمةً وإيمانًا، وهو إشارةٌ إلى التهيّؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يُشْهِدَه، ولا يُلْتَفت إلى قول من قال: إن ذلك كان مرّةً واحدةً في صغره، وأخذ يُغلّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أَلْيَق والوهم منه أقرب، فإن رُواة الحديثين أئمة مشاهير حُفّاظ، ولا إحالة في شيء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء، منهم القاضي المهلَّب بن أبي صفرة في "شرح مختصر صحيح البخاري". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
следующие страницы →