قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأَولى في توجيه رواية المصنّف هذه حملها على أنها مختصرة من المتن الطويل، وبه يزول الإشكال دون تكلّف وتعسّف، فهي كسائر الروايات التي يوردها المصنّف مختصرة، غاية الأمر أنه لم يُشِر إلى أنها مختصرة، وهذا لا يضرّ فيما قلنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(مسألة): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا بهذا الطريق، وأخرجه (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤١٤)، و (أبو بكر البَرْقانيّ) كما سبق آنفًا من رواية الحميديّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَان، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِه، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِه، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ، يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ، وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْن، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ).
رجال هذا الإسناد أربعةٌ:
وقد تقدّموا كلهم قبل حديث، وهو (١٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇) وقوله: (وَهُوَ يَلْعَبُ) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِبَ، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (مَعَ الْغِلْمَانِ) بكسر الغين المعجمة، وسكون اللام: جمع
стр. 2487
كثرة لغُلام بالضمّ، وهو الابن الصغير، وجمع القلّة: غِلْمة بكسر فسكون، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ مجازًا باسم ما يؤول إليه، قاله الفيّوميّ (١)، (فَأخَذَهُ، فَصَرَعَهُ) أي: ألقاه على الأرض، يقال: صرَعَه يَصْرَعه، كمَنَعه يمنعه: إذا طرحه على الأرض، أفاده المجد (٢)، (فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ) أي: محلّ قلبه، (فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ) أي: من القلب (عَلَقَةً) بفتحتين أي: قِطعة دم، قال المجد ﵀: "العَلَقُ" محرّكةً: الدم عامّةً، أو الشديد الحُمْرة، أو الغليظ، أو الجامد، والقِطْعةُ منه بهاء. انتهى (٣). (فَقَالَ) الملك (هَذَا) إشارة إلى العلقة، وذكّره نظرًا للخبر (حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ) أي: نصيبه الذي يستطيع إيصال الوسوسة إليك منه، قال القرطبيّ ﵀: وهذه العَلَقةُ المنتزعة عنه، هي القابلة للوساوس والمحرّكة للشهوات، فأُزيل ذلك عنه، وبذلك أعين على شيطانه حتى سلم منه. انتهى (٤).
وقال القاضي عياض ﵀: ويحتمل أن تكون هذه العَلَقَةُ التي استخرجها من قلبه هي أحد أجزاء القلب المختصّ بها حبّ الدنيا، والنزوع إلى الشهوات التي منها يأتي الشيطان، أو ما يختصَّ بها من عوارض السهو والغفلة، كلُّ ذلك بتدبير العزيز الحكيم، وهي الأبواب التي يأتي منها الشيطان، فطُرِحت عنه، فلا يجد الشيطان إليه سبيلًا، كما طُرح عن يحيى شهوة النساء.
أو تكون تلك العَلَقَة إذا كانت في القلب هي القابلة لوسواس الشيطان، والمحرّكة للنفس بما رَكب الله فيها من القُوَى لما يُوافقه، فأُزيحت عنه ﷺ ليسلم من دواعيه الخبيثة، ونُقّي القلب وغُسل منها حتى لا يبقى لها أثرٌ في القلب جُملةً. انتهى كلام القاضي ﵀ (٥).
(ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) قال النوويّ ﵀: "الطَّست" - بفتح الطاء، وإسكان السين المهملتين -: إناء معروف، وهي مؤنثة، وحَكَى القاضي عياض كسر الطاء لغةً، والمشهور الفتح، ويقال فيها: طَسّ - بتشديد السين،
стр. 2488
وحذف التاء - وطَسَّة أيضًا، وجمعها طِسَاس وطُسُوسٌ وطَسّات. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الطَّسْتُ" قال ابن قُتيبة: أصلها طَسٌّ، فأُبدلت من أحد المضعّفين تاء؛ لثِقَل اجتماع المثلين؛ لأنه يقال في الجمع: طِسَاسٌ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَام، وفي التصغير: طُسَيسة، وجُمِعت أيضًا على طُسُوس باعتبار الأصل، وعلى طُسُوت باعتبار اللفظ، قال ابن الأنباريّ: قال الفرّاء: كلام العرب طَسّةٌ، وقد يقال: طَسّ بغير هاء، وهي مؤنّثةٌ، وطيّئٌ تقول: طَسْتٌ، كما قالوا في لَصّ: لَصْتٌ، ونُقل عن بعضهم التذكير والتأنيثُ، فيقال: هو الطسّةُ والطّسْتُ، وهي الطّسّةُ والطَّسْتُ، وقال الزجّاج: التأنيث أكثر كلام العرب، وجمعها طَسّات على لفظها، وقال السِّجِسْتانيّ: هي أعجميّةٌ مُعرّبةٌ، ولهذا قال الأزهريّ: هي دَخِيلة في كلام العرب؛ لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربيّة. انتهى (٢).
(بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ) بفتح اللام، وبعدها همزة، على وزن ضَرَبه، وفيه لغة أُخرى لاءمه بالمد، على وزن آذنه، ومعناه: جمعه وألزقه، وضمّ بعضه إلى بعض حتى التأم (٣).
قال النوويّ: وليس في هذا ما يوهم جوازَ استعمال إناء الذهب لنا، فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان أوّل الأمر قبل تحريم النبيّ ﷺ أوانيَ الذهب والفضة. انتهى (٤).
(ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ) أي: أعاد الملكُ القلبَ إلى مكانه الأول، والظاهر أن "ثمّ" للترتيب الذكريّ؛ لأن اللأم بعد وضعه في مكانه، والله تعالى أعلم، (وَجَاءَ الْغِلْمَانُ) أي: الذين كانوا يلعبون معه ﷺ (يَسْعَوْنَ) أي: يُهَرْولون ويُسرعون في مشيهم (إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ -) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، أي: أراد بقوله: "إلى أمه" إلى مرضعته، و"الظِّئْرُ" بكسر الظاء المعجمة، بعدها همزة ساكنة: هي المرضعة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة: ظِئْرٌ، قاله النوويّ ﵀.
стр. 2489
وقال المجد ﵀: "الظِّئْرُ" بالكسر: العاطفة على ولد غيرها المرضعةُ له في الناس وغيرهم، للذكر والأنثى، جمعه أَظْؤُرٌ، وأَظْآرٌ، وظُؤُورٌ، وظُؤُورةٌ، وظُؤَارٌ، وظُؤْرَةٌ. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الظّئْرُ" بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: الناقة تَعْطِف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة الأجنبيّة تَحْضنُ ولد غيرها: ظِئْرٌ، وللرجل الحاضن: ظِئْرٌ أيضًا، والجمع أَظْآرٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحمال، وربّما جُمعت المرأة على ظِئَارٍ بكسر الظاء وضمّها، وظَأَرْتُ أَظأَرُ بفتحتين: اتّخذتُ ظِئْرًا. انتهى (٢).
[تنبيه]: المراد بـ "ظِئْره" هنا هي حليمة السعديّة، مرضعة النبيّ ﷺ ، وهي بنت أبي ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شِجْنة - بكسر المعجمة، وسكون الجيم، بعدها نون - ابن رِزَام - بكسر الراء، بعدها زاي - ابن ناضرة بن سعد بن بكر بن هوازن.
قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: أرضعت النبيّ ﷺ ، ورأت له بُرهانًا، تركنا ذكره لشهرته، وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة ابنة عبد الله، أم النبيّ ﷺ من الرضاعة إلى رسول الله ﷺ ، فقام إليها وبسط لها رداءه، فجلست عليه، وروى عنها عبد الله بن جعفر، وحديثه عنها بقصّة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبّان في "صحيحه"، وصرّح فيه بالتحديث بين عبد الله بن جعفر وحليمة، قاله في "الإصابة" (٣).
(فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا) ﵀ (قَدْ قُتِلَ) أي: لأنهم رأوا الملك يصرعه، ويشقّ عن قلبه (فَاسْتَقْبَلُوهُ) أي: استقبلت النبيّ ﷺ أمه ومن معها من أقاربها (وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ) - بالقاف المفتوحة - أي: مُتَغَيّر اللون، قال أهل اللغة: امْتُقِعَ لونه فهو مُمْتَقَعٌ، وانْتُقِعَ فهو مُنْتَقَعٌ، وابْتُقِعَ - بالباء - فهو مُبْتَقَعٌ، فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهنّ، قال الجوهريّ وغيره: والميم أفصحهنّ، ونَقَل الجوهريّ اللغات الثلاث عن الكسائيّ، قال: ومعناه: تَغَيُّرٌ مِن حُزْنٍ أو فَزَعٍ، وقال
стр. 2490
الهرويّ في "الغريبين" في تفسير هذا الحديث: يقال: انْتُقِعَ لونُهُ، وامْتُقِعَ، وَاهْتُقِعَ، والتُمِعَ، واسْتُنْقِعَ، والتُمِئَ، وانْتُسِفَ، وابْتُسِرَ، والتُهِمَ بمعنى واحد، كلها عن الفرّاء.
وقال الأزهريّ: التُمِغَ - بالغين المعجمة أيضًا - وانْتُشِفَ - بالشين المعجمة أيضًا -.
قال القاضي عياض: وأصل انْتُقِعَ - والله أعلم - من النَّقْعِ وهو التراب، أي: تغيّر وجهه وزال عنه نور الحياء حتى أشبه التراب وكأنما ذُرّ عليه. انتهى (١).
(قَالَ أنَسٌ) ﵁ (وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) هو بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الياء، وهي الإِبْرة.
[تنبيه]: قال القرطبيّ ﵀: وهذا الشقّ هو خلاف الشقّ المذكور في حديث أبي ذرّ ومالك بن صعصة ﵄، بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين، أما الزمانان؛ فالأول في صِغَره والثاني في كِبَره، وأما المكانان؛ فالأول كان ببعض جهات مكة عند مرضعته والثاني عند البيت، وأما الحالان؛ فالأول نُزع من قلبه ما كان يضرّه وغُسِل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني غُسِل، ومُلئ حكمةً وإيمانًا، وهو إشارةٌ إلى التهيّؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يُشْهِدَه، ولا يُلْتَفت إلى قول من قال: إن ذلك كان مرّةً واحدةً في صغره، وأخذ يُغلّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أَلْيَق والوهم منه أقرب، فإن رُواة الحديثين أئمة مشاهير حُفّاظ، ولا إحالة في شيء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء، منهم القاضي المهلَّب بن أبي صفرة في "شرح مختصر صحيح البخاري". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2491
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٠]، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢١ - ١٤٩ - ٢٨٨)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٣٠٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٧٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤١٥)، وفي "دلائل النبوّة" (١٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٣٤ و ٦٣٣٦)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (١/ ١٤٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عناية الله بنبيّه ﷺ حيث أخرج منه حظّ الشيطان حتى لا يتسلّط عليه، قال القرطبيّ ﵀: ما دلّ عليه الحديث من الشقّ، والإخراج فهو محمولٌ على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا إحالة في متنه عقلًا، ولا يُستبعد من حيث إنّ شقّ الصدر وإخراج القلب موجب للموت، فإن ذلك أمر عاديّ، وكانت جلّ أحوال النبيّ ﷺ خارقةً للعادة، إما معجزةً، وإما كرامةً. انتهى (١).
٢ - (ومنها): ما قال القاضي عياضٌ ﵀: وفي هذه القصّة أدلّ حجة، وأوضح برهان، وأصحّ دليل على مذهب أهل الحقّ من أن الموت والحياة وسائر الأشياء من فعل الله تعالى وخلقه محضًا، ليس يُوجبها سبب، ولا تقتضيها طبيعة، ولا يُشترط لوجودها شرط لا توجد إلا معه البتّة، إلا من حيث أجرى الله العادة حتى إذا شاء خرقها وأنفذ قدرته كيف شاء، وكانت بمجرّد قدرته خلافًا للفلاسفة ومن ضارع مذهبها من المعتزلة، فإن شقّ الجوف، وإخراج الحشوة، وإخراج القلب، وشقّه، ومعاناته، وغسله، وإخراج شيء منه كلّ ذلك مُقتِل في العادة، وسبب يوجد معه الموت لا محالة، وقد اجتمعت هذه كلّها في هذه القصّة، ولم يمت صاحبها؛ إذ لم يُرد الله تعالى موته ولا
стр. 2492
قضاه، بل كانت هذه المهالك في حقّ غيره أسبابًا لحياة نفسه، وقوّة روحه، وكمال أمره. انتهى كلام القاضي ﵀ (١).
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: وفي هذا دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل، ولا خلاف في جوازه، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته، إلا أن ينظر بشهوة، فإنه يحرم النظر بشهوة إلى كل آدميّ إلا الزوج لزوجته ومملوكته، وكذا هما إليه، وإلا أن يكون المنظور إليه أمرد حسن الصورة، فإنه يحرم النظر إليه إلى وجهه وسائر بدنه، سواء كان بشهوة أو بغيرها، إلا أن يكون لحاجة البيع والشراء، والتطبيب، والتعليم، ونحوها. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ في الأمر من تحريم النظر إلى وجهه مطلقًا فيه نظرٌ لا يخفى، فإنه كان في أولاد الصحابة ﵃ من هو صبيح الوجه، فلم يُنقل تحريم النظر إليهم، ومن ذلك أن النبيّ ﷺ صرف وجه الفضل بن عباس ﵄ في حجة الوداع لنظر تلك المرأة إليه ونظره إليها، وكان صبيح الوجه، فلما سئل عن ذلك أجاب بأنه خشي افتتان المرأة به وافتتانه بها، فإنما منع أن تنظر إليه المرأة وينظر إليها، ولم يمنع أحدًا من الرجال أن ينظر إليه، وأمثال ذلك كثيرة.
وهذا إذا لم يكن النظر بشهوة، وأما إذا كان بشهوة، فالمنع لا شك فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان ﵀ بعد إخراجه لهذا الحديث: شُقّ صدرُ النبيّ ﷺ وهو صبيّ يَلعب مع الصبيان وأُخرج منه العَلَقة، ولَمّا أراد الله جلّ وعلا الإسراء به، أمر جبريل بشقّ صدره ثانيًا وأخرج قلبه فغسله، ثم أعاده مكانه مرّتين في موضعين، وهما غير متضادّين. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2493
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢١] ( … ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَني سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَني شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَة، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاَثةُ نَفَرٍ، قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْه، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِي، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقَةٌ ثبتٌ عابدٌ حافظٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد أو أبو أيوب، المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) القُرَشيّ، وقيل: الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥].
رَوَى عن أنس، وسعيد بن المسيِّب، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وكريب، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد المقبريّ وهو أكبر منه، والثوريّ، ومالك، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز الدراورديّ، وغيرهم.
قال ابن معين والنسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال ابن عديّ: إذا رَوَى عنه ثقة فلا بأس برواياته، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقة، وقال النسائيّ أيضًا: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن الجارود: ليس به بأس، وليس
стр. 2494
بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد لا يحدِّث عنه، قال الساجيّ: كان يَرَى القدر.
قال الواقديّ: تُوُفّي قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بعد سنة أربعين ومائة، وقال ابن عبد البر: مات سنة (١٤٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث، والصحابيّ سبق قريبًا.
وقوله: (عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول، والإسراء: سير الليل، يقال: سَرَيتُ مَسْرًى وسُرًى، وأسريتُ إسراءً بمعنًى واحد، وبالألف لغة أهل الحجاز، وقد جاء في القرآن، وقال حسّان:
حَيِّ النَّضِيرَ رَبَّةَ الخِدْرِ … أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي
وقيل: أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، والقول الأول أعرف، ويقال: سَرَينا سَرْيَةً واحدةً، والاسم: السُّرْيةُ بالضمّ والسُّرَى، ويقال: أسراه وأسرى به، مثل أخذ الخطام وأخذ به (١).
وقوله: (أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاَثةُ نَفَرٍ) هم ملائكة، ولم يُعرف تسميتهم، ويحتمل أن يكون منهم ما وقع في رواية ميمون بن سِيَاه، عن أنس عند الطبراني: "فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقالا: أُمِرنا بسيدهم، ثم ذهبا ثم جاءا، وهم ثلاثة، فألقوه فقلبوه لظهره" (٢).
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ) أنكره الخطابيّ، وابنُ حزم، وعبد الحقّ، والقاضي عياض، والنوويّ، وعبارة النوويّ: وقع في رواية شريك - يعني هذه - أوهام، أنكرها العلماء، أحدها: قوله: "قبل أن يوحى إليه"، وهو غلطٌ (٣)، لم يوافق عليه، وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي. انتهى، وصرح المذكورون بأن شريكًا تفرد بذلك.
قال الحافظ: وفي دعوى التفرد نظرٌ، فقد وافقه كثير بن خُنيس - بمعجمة،
стр. 2495
ونون، مصغَّرًا - عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ في "كتاب المغازي" من طريقه. انتهى (١).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِضَتِهِ) يعني: أن شريكًا ساق متن الحديث مطوّلًا، وفيه قصة الإسراء بطولها.
وقوله: (وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ) إشارة إلى ما وقع لشريك من المخالفات، وقد تكلّم العلماء على هذه المخالفات، ونبّهوا عليها كما أشار إليه المصنّف هنا، وبيّنوا ما فيها من الغلط:
قال عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين": زاد فيه - يعني: شريكًا - زيادة مجهولةً، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ، فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ.
وسبق إلى ذلك أبو محمد بن حزم، فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جزء سمّاه "الانتصار لأيامى الأمصار"، فنَقَل فيه عن الحميديّ، عن ابن حزم، قال: لم نجد للبخاريّ ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم، مع إتقانهما وصحة معرفتهما فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك.
من ذلك قوله: "قبل أن يوحى إليه"، وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة.
ثم قوله: "إن الجبار دنا فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى"، وعائشة ﵂ تقول: إن الذي دنى فتدلى جبريل. انتهى.
وقال أبو الفضل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يُسْبَق إليه، فإن شريكًا قَبِله أئمة الجرح والتعديل، ووثَّقُوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، ورَوَى عبد الله بن أحمد الدَّوْرَقيّ، وعثمان الدارميّ، وعباس الدُّوريّ عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال ابن عديّ: مشهور من أهل المدينة، حَدَّث عنه مالك
стр. 2496
وغيره من الثقات، وحديثه إذا رَوَى عنه ثقة لا بأس به، إلا أن يَرْوِي عنه ضعيف، قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقةٌ، وهو سليمان بن بلال، قال: وعلى تقدير تسليم تفرده "قبل أن يوحى إليه" لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث، لا يُسقط جميع الحديث، ولا سيَّما إذا كان الوَهَم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو تُرِك حديث مَن وَهِم في تاريخ، لتُرك حديث جماعة من أئمة المسلمين، ولعله أراد أن يقول: "بعد أن أوحي إليه"، فقال: "قبل أن يوحى إليه". انتهى.
وقد سبق ابنَ حزم أيضًا إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابيّ، وقال فيه النسائيّ، وأبو محمد بن الجارود: ليس بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، نعم، قال محمد بن سعد، وأبو داود: ثقةٌ، فهو مختلف فيه، فإذا تفرّد عُدّ ما ينفرد به شاذًّا، وكذا منكرًا على رأي من يقول: المنكر والشاذّ شيء واحد.
والأَوْلى التزام وُرود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها، إما بدفع تفرّده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة.
ومجموع ما خالفت فيه روايةُ شريك غيرَه من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك:
[الأول]: أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، وقد أفصح بأنه لم يَضْبِط منازلهم، وقد وافقه الزهريّ في بعض ما ذَكَر.
[الثاني]: كون المعراج قبل البعثة، وقد سبق الجواب عن ذلك، وأجاب بعضهم عن قوله: "قبل أن يوحى" بأن القبلية هنا في أمر مخصوص وليست مطلقةً، واحتَمَلَ أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلًا، أي: أن ذلك وقع بغتةً قبل أن يُنذَر به، ويؤيده قوله في حديث الزهريّ: "فُرِجَ سقفُ بيتي".
قِال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الجواب - أعني: كون الوحي المنفيّ في شأن الإسراء لا وحي الرسالة - هو الأقرب، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
[الثالث]: كونه منامًا، وسيأتي الجواب عنه أيضا بما فيه غنية.
стр. 2497
[الرابع]: مخالفته في محل سحدرة المنتهى وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما سيأتي أيضًا.
[الخامس]: مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور روايته أنهما في السماء السابعة وأنهما من تحت سدرة المنتهى.
[السادس]: شقّ الصدر عند الإسراء، وقد وافقته رواية غيره، كما سيأتي في شرح رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة.
[السابع]: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة، كما سيأتي أيضًا.
[الثامن]: نسبة الدنوّ والتدلّي إلى الله ، والمشهور في الحديث أنه جبريل ﵇.
[التاسع]: تصريحه بأن امتناعه ﷺ من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسعة.
[العاشر]: قوله "فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه"، وقد تقدم ما فيه (١)
[الحادي عشر]: رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى ﵊ أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس، فامتنع كما سيأتي.
[الثاني عشر]: زيادة ذكر التَّوْر في الطَّست.
قال الحافظ ﵀: فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرَها مجموعة في كلام أحد ممن تقدّم، وقد بيّنت في كل واحد إشكال من استشكله والجواب عنه إن أمكن، وبالله التوفيق.
стр. 2498
وقد جزم ابن القيّم في "الهدي" بأن في رواية شريك عشرة أوهام، لكن عدَّ مخالفته لمحالّ الأنبياء أربعة منها، وأنا جعلتها واحدة، فعلى طريقته تزيد العِدّة ثلاثة، وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: رواية شريك التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية ثابت قد ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب التوحيد" من "صحيحه" مطوّلةً، فقال:
(٧٥١٧) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله، أنه قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: ليلة أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نَفَرٍ قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يَرَهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يَرَى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشَقّ جبريل ما بين نَحْره إلى لَبَّته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أَتَى بطست من ذهب، فيه تَوْر من ذهب، محشوًّا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولَغَاديده - يعني: عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: مَن هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بُعِث؟، قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يَعْلَم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعلمهم، فوَجَدَ في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم، فسَلِّم عليه فسَلَّم عليه ورَدّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطّردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مَضَى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرْجَد، فضرب يده، فإذا هو مسكٌ أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عَرَج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قالوا:
стр. 2499
وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عَرَج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عَرَج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عَرَج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عَرَج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربّ، لم أظُنّ أن يُرْفَع عليّ أحدٌ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا للجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاةً على أمتك كلَّ يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عَهِدَ إليك ربك؟ قال: عَهِد إليّ خمسين صلاةً كلَّ يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع، فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبيّ ﷺ إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا ربِّ خَفّف عنّا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى، فاحتبسه، فلم يزل يُرَدّده موسى إلى ربه، حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضَعُفُوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع، فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبيّ ﷺ إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنّا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يُبَدَّل القول لديّ كما فرضتُهُ عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خَفَف عنّا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك، فتركوه، ارجع إلى ربك، فليخفف عنك أيضًا، قال رسول الله ﷺ : يا موسى،
стр. 2500
قد والله استحييت من ربي، مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام".
قوله: "فقال أولهم: أيُّهم هو؟ " فيه إشعار بأنه كان نائمًا بين جماعة أقلّهم اثنان، وقد جاء أنه كان نائمًا معه حينئذ حمزة بن عبد المطلب عمه، وجعفر بن أبي طالب ابن عمه.
وقوله: "فلم يرَهم" أي: بعد ذلك "حتى أتوه ليلة أخرى"، ولم يُعَيِّن المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أُوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدةٌ، فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي كثيرة، أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابيّ وابن حزم وغيرهما بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وبالله التوفيق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل هذا الجواب أن قوله: "قبل أن يوحى إليه" ليس ظرفًا للإسراء، وإنما هي ليلة أخرى، ثم بعد أن أوحي إليه جاؤوه فوقع الإسراء، وهذا تأويل قويّ، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأما ما ذكره بعض الشرّاح أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: ثلاثة عشر، فيُحْمَل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيِّم في هذا الحديث نفسه.
وأقوى ما يُسْتَدَلُّ به أن المعراج بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسِهِ: إن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: أبُعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة، فيتعين ما ذكرته من التأويل.
وقوله: "فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام"، فإن حُمِل على ظاهره جاز أن يكون نام بعد أن هَبَط من السماء، فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام، وجاز أن يؤَوَّل قوله: "استيقظ" أي: أفاق مما كان فيه، فإنه كان إذا أُوحي إليه يَستغرق فيه، فإذا انتهى رَجَع إلى حالته الأولى، فكَنَى عنه بالاستيقاظ.
стр. 2501
قال الجامع عفا الله تعالى عنه؛ هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
وقوله: "ثم أطبقه، ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا" إن كانت القصة متعددة فلا إشكال، وإن كانت متحدة، ففي هذا السياق حذف تقديره: "ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس، ثم أَتَى بالمعراج"، كما في حديث مالك بن صعصعة: "فغُسِل به قلبي، ثم حُشِي، ثم أعيد، ثم أُتيت بدابة، فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل، حتى أتى السماء الدنيا"، وفي سياقه أيضًا حذف تقديره: "حتى أتى بي بيت المقدس، ثم أَتى بالمعراج"، كما في رواية ثابت، عن أنس رفعه: "أُتيت بالبراق، فركبته حتى أتى بي بيت المقدس، فربطته، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين".
وقوله: "فإذا هو في السماء الدنيابنهرين يَطّرِدان"؛ أي: يجريان، وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: "فإذا في أصلها أربعة أنهار"، وُيجمَع بأن أصل نَبْعهما من تحت سدرة المنتهى، ومَقَرّهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض.
وقوله: "قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك"، هذا ممَّا يُستَشكَل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة في السماء السابعة، وقد أخرج أحمد من حديث حميد الطويل، عن أنس رفعه: "دخلت الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي في مجرى مائه، فإذا مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى"، وأصل هذا الحديث عند البخاريّ بنحوه من طريق قتادة، عن أنس، لكن ليس فيه ذكر الجنة، وأخرجه أبو داود، والطبري من طريق سليمان التيميّ، عن قتادة، ولفظه: "لَمّا عُرِج بنبيّ الله ﷺ عَرَض له في الجنة نهرٌ … " الحديث.
ويمكن أن يكون بهذا الموضع شيء محذوف، تقديره: ثم مَضَى به في السماء الدنيا إلى السابعة، فإذا هو بنهر.
وقوله: "كلُّ سماء فيها أنبياء، قد سماهم، فوَعَيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة".
стр. 2502
كذا في رواية شريك، وفي حديث الزهريّ، عن أنس، عن أبي ذرّ، قال أنس: فذكر أنه وَجَد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، ولم يُثْبِت كيف منازلهم، غير أنه وَجَد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. انتهى.
وهذا موافق لرواية شريك في إبراهيم، وهما مخالفان لرواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، قال الحافظ: وقد وافق الأكثرون قتادة، وسياقه يدُلّ على رُجحان روايته، فإنه ضَبَط اسم كلِّ نبيّ والسماء التي هو فيها، ووافقه ثابت عن أنس وجماعة، فهو المحتمد، لكن إن قلنا: إن القصة تعددت، فلا ترجيح ولا إشكال.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعدّد القصّة غير صحيح؛ لِمَا سيأتي، فالترجيح هو الصحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: "وموسى في السابعة بفضل كلامه لله"، قال الحافظ: وهذا التعليق (١) يدُل على أن شريكًا ضَبَط كون موسى في السماء السابعة، وقد قدمنا أن حديث أبي ذر يوافقه، لكن المشهور في الروايات أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة، بأنه كان مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، فمع التعدد لا إشكال، ومع الاتحاد فقد جُمِع بأن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يُذكَر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فَرَض الله على أمته من الصلاة كما كلمه موسى، والسماء السابعة هي أوّلُ شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات، ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة، فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة، وقد أشار النووي إلى شيء من ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
стр. 2503
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل يردّه قوله في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند النسائيّ: "فرجعت إلى إبراهيم، فلم يسألني عن شيء، ثم أتيت على موسى، فقال: كم فرض الله عليك … "، فإنها ظاهرة بأنه مرّ أوّلًا على إبراهيم؛ لأنه في السماء السابعة، ثم مرّ على موسى في السادسة، فالأولى ترجيح الروايات المشهورة: أن إبراهيم في السابعة، وموسى في السادسة، فتبصّر بإمعان، والله تعالى أعلم.
وقوله: "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى"، كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة.
قال الحافظ: ولعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل: "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله".
ووقع في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبريّ بعد ذكر إبراهيم في السابعة: "فإذا هو بنهر، فذكر أمر الكوثر، قال: ثم خرج إلى سدرة المنتهى" وهذا موافق للجمهور.
ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلوّ البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها. انتهى.
وقوله: "ودنا الجبار ربُّ العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى"، في رواية ميمون المذكورة: "فدنا ربك ، فكان قاب قوسين أو أدنى".
قال الخطابيّ: ليس في هذا الكتاب - يعني: صحيح البخاري - حديث أشنع ظاهرًا ولا أشثع مَذَاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما. هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلَّق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قُصاراه إما ردّ الحديث من أصله وإما الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره، فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرَّح فيهما بأنه كان رؤيا؛
стр. 2504
لقوله في أوله: "وهو نائم"، وفي آخره: "استيقظ"، وبعض الرؤيا مَثَلٌ يُضرَب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يُصرَف إليه في مثله، وبعض الرؤيا لا يَحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة.
قال الحافظ؛ وهو كما قال، ولا التفات إلى مَن تعقّب كلامه بقوله في الحديث الصحيح: "إن رؤيا الأنبياء وحي"، فلا يَحتاج إلى تعبير؛ لأنه كلام مَن لم يُمْعِن النظر في هذا المحل، فقد ثبت أن بعض مرأى الأنبياء يقبل التعبير، ومن ذلك قول الصحابة ﵃ له ﷺ في رؤية القميص: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: "الدين"، وفي رؤية اللبن قال: "العلم" إلى غير ذلك.
لكن جزْم الخطابي بأنه كان في المنام متعَقَّب بما تقدم تقريره قبلُ، ثم قال الخطابيّ مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصة بطولها: إنما هي حكاية يَحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزُها إلى النبيّ ﷺ ، ولا نَقَلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس وإما من شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة. انتهى.
وتعقّبه الحافظ وأحسن، فقال: وما نفاه من أنَّ أنسًا لم يُسند هذه القصة إلى النبيّ ﷺ لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابيّ، فإما أن يكون تلقّاها عن النبيّ ﷺ أو عن صحابيّ تلقاها عنه، ومثل ما اشتَمَلت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذكره تأثير لم يُحمَل حديثُ أحدٍ، رَوَى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود.
ثم قال الخطابيّ: إن الذي وَقَع في هذه الرواية من نسبة التدلي للجبار مخالف لعامة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، مَن تقدم منهم ومَن تأخر، قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه دَنَا جبريل من محمد ﷺ ، فتدلى، أي: تقرّب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: تدلى فدنا؛ لأن التدلي بسبب الدنو.
[الثاني]: تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه متدليًا كما
стр. 2505
رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله، حيث أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسك بشيء.
[الثالث]: دنا جبريل فتدلى محمد ﷺ ساجدًا لربه تعالى شكرًا على ما أعطاه، قال: وقد رُوي هذا الحديثُ عن أنس من غير طريق شريك، فلم تُذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يُقَوِّي الظن أنها صادرة من جهة شريك. انتهى.
وقد أخرج الأموي في "مغازيه"، ومن طريقه البيهقي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قال: دنا منه ربه، وهذا سَنَد حسنٌ، وهو شاهد قويٌّ لرواية شريك.
ثم قال الخطابيّ: وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرّد بها شريك أيضًا لم يَذكُرها غيره، وهي قوله: "فعلا به - يعني: جبريل - إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب". قال: والمكان لا يضاف إلى الله تعالى، إنما هو مكان النبيّ ﷺ في مقامه الأوّل الذي قام فيه قبل هبوطه. انتهى.
قال الحافظ: وهذا الأخير متعيِّنٌ، وليس في السياق تصريحٌ بإضافة المكان إلى الله تعالى.
وأما ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلي، ففيه نظرٌ، فقد ذكرتُ من وافقه، وقد نَقَل القرطبيّ عن ابن عباس أنه قال: دنا الله ، قال: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلّي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، قال: وقيل: تدلَّى الرفرف لمحمد ﷺ حتى جَلَس عليه، ثم دنا محمد من ربه. انتهى.
قال: وقال القاضي عياض في "الشفاء": إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى، أو من الله، ليس دنوّ مكان ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبيّ ﷺ إبانة لعظيم منزلته وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله تأنيس لنبيّه وإكرام له، ويتأول فيه ما قالوه في حديث: "يَنزل ربنا إلى السماء"، وكذا في حديث: "مَن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا"، وقال غيره: الدنوّ مجاز عن القرب المعنوي؛ لإظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى، والتدلّي طلب زيادة القرب، وقاب قوسين بالنسبة إلى النبيّ ﷺ عبارة عن لطف المحلّ وإيضاح
стр. 2506
المعرفة، وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله ورفع درجته. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: زيادة الدنوّ في هذا الحديث مما أُنْكِر على شريك، قال الإمام البيهقيّ ﵀: في حديث شريك زيادة تفرّد بها على مذهب من زعم أنه ﷺ رأى ربه، يعني: قوله: "ثم دنا الجبار ربُّ العزة فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى" قال: وقول عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل ﵇ أصحّ.
قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" بعد نقل كلام البيهقيّ ما نصّه: وهذا الذي قاله البيهقيّ في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذرّ ﵁ قال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: "نورٌ أنَى أراه؟ "، وفي رواية: "رأيتُ نورًا"، أخرجه مسلم ﵀.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨] إنما هو جبريل ﵇ كما ثبت ذلك في "الصحيحين" عن عائشة أم المؤمنين وابن مسعود ﵄، وكذلك هو في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، ولا يُعرف لهم مخالفٌ من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (٢).
والحاصل أن زيادة الدنوّ لا تثبُت في حديث صحيح، فلا حاجة إلى توجيهها؛ لأنه فرع ثبوتها، فلو ثبتت لما توقّفنا في حملها على ظاهرها كسائر الصفات، من الاستواء، والنزول، والقرب، والمجيء، وغير ذلك مما ثبت في النصوص الصحيحة على ما يليق بجلال الله تعالى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: "عند الخامسة" هذا التنصيص على الخامسة على أنها الأخيرة يخالف رواية ثابت عن أنس أنه وضع عنه في كل مرة خمسًا، وأن المراجعة كانت تسع مرات، ورجوع النبيّ ﷺ بعد تقرير الخمس لطلب التخفيف مما وقع من تفردات شريك في هذه القصة، والمحفوظ ما تقدم أنه ﷺ قال لموسى في الأخيرة: "استحييت من ربي".
стр. 2507
وقوله: "فاستيقظ وهو في المسجد الحرام"، قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومة نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها، ويحتمل أن يكون المعنى: أفقت مما كنتُ فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، فلم يرجع إلى حال بشريته ﷺ إلا وهو بالمسجد الحرام، وأما قوله في أوله: "بينا أنا نائم"، فمراده في أول القصة، وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه، وفي قوله في الرواية الأخرى: "بينا أنا بين النائم واليقظان أتاني الملك" إشارة إلى أنه لم يكن استَحْكَم في نومه. انتهى.
قال الحافظ: وهذا كله ينبني على توحيد القصة، وإلا فمتى حُمِلت على التعدد، بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في اليقظة فلا يحتاج لذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالتعدّد ليس بسديد، على ما يأتي بيانه، فالأولى التأويل إن أمكن، أو الترجيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٢٢] (١٦٣) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي، وَأنا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلى السَّمَاء، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ؛ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، قَالَ: فَاُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحَ، قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ
سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَان لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) - بضمّ التاء وفتحها - المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المذكور في السند الماضي.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ المذكور قبل باب.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المذكور في الباب الماضي.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير المذكور في السند الماضي.
٦ - (أبو ذرّ) جندب بن جُنادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك في اسمه، الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه وتأخّرت هجرته فلم يشهد بدرًا، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ويونس وإن كان أيليًّا إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ﵄.
٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ هو الخادم المشهور، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا.
٦ - (ومنها): أن أبا ذرّ ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، ذو مناقب جمّة، كان من أزهد الصحابة، وقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق من أبي ذرّ"، رواه أحمد والترمذيّ (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 2510
[تنبيه]: هذا الحديث رواه عن النبيّ ﷺ جماعة من الصحابة ﵃، لكن طرقه في "الصحيحين" تدور على أنس ﵁ مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزهري عنه، عن أبي ذر كما في هذه الرواية، ورواه قتادة عنه، عن مالك بن صعصعة، كما في الرواية الآتية، ورواه شريك بن أبي نمر، وثابت البناني عنه، عن النبيّ ﷺ بلا واسطة، كما سبقت روايتهما، وفي سياق كل منهم عنه ما ليس عند الآخر (١)، وقد بيّنّا بعضه، وسنبيّن ما بقي فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة الصحابيّ المشهور ﵁، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، (يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَالَ: فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي) - بضم الفاء، وبالجيم - أي: فُتِح، والحكمة فيه أن الملك انصَبّ إليه من السماء انصبابة واحدة، ولم يُعَرِّج على شيء سواه مبالغةً في المناجاة، وتنبيهًا على أن الطلب وقع على غير ميعاد.
ويحتمل أن يكون السرّ في ذلك التمهيد لِمَا وقع من شقّ صدره، فكأن الملك أراه بانفراج السقف والتئامه في الحال كيفيةَ ما سيصنع به لطفًا به وتثبيتًا له، والله تعالى أعلم.
وقال العينيّ ﵀: فإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال: بيتي بإضافته إلى نفسه؟
قلت: إضافته إليه بأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب، كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرَفَك.
فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟.
قلت: أما على كون العروج مرّتين فظاهرٌ، وأما على كونه مرّة واحدةً، فلعلّه ﷺ بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ ومنه عُرِج به إلى السماء.
والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب،
стр. 2511
كون ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به. انتهى (١).
(وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇، فَفَرَجَ صَدْرِي) هو بفتح الفاء، وبالجيم أيضًا؛ أي: شقَّه، ورجَّح القاضي عياض أنّ شقّ الصدر كان وهو صغير، عند مرضعته حليمة، وتعقّبه السهيلي بأن ذلك وقع مرتين، وهو الصواب، والحكمة في الشق الأول، كان لاستعداده لنزع العلقة التي قيل له عندها: هذا حظ الشيطان منك، والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة، وقد رَوَى الطيالسيّ والحارث في "مسنديهما" من حديث عائشة ﵄، أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء، - والله تعالى أعلم - ومناسبته ظاهرة، ورُوي الشَّقّ أيضًا وهو ابن (٢) عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب، أخرجها أبو نعيم في "الدلائل"، وروى مرة أخرى خامسة ولا تثبت، قاله في "الفتح" (٣).
(ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) تقدّم ضبطه ومعناه قريبًا، وإنما خُص بذلك لأنه آلة الغسل عرفًا، وكان من ذهب لأنه أعلى أواني الجنة، وهو رأس الأثمان، وله خواصّ، منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض ولا تغيّره، وهو أنقى كلّ شيء وأصفاه ويقال في المثل: أنقى من الذهب، وهو بيت الفرح والسرور، وقال الشاعر [من البسيط]:
صَفْرَاءُ لَا تَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا … لَوْ مَسَّهَا حَجَر مَسَّتْهُ سَرَّاءُ
وهو أثقل الأشياء، فيُجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيَرسُبُ، وهو موافق لثقل الوحي، وهو عزيز، وبه يتمّ الملك.
وقد أبعد من استدَلّ به على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب؛ لأن المستعمِل له الملك، فيحتاج إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كُلِّفنا به، ووراء ذلك أنّ ذلك كان على أصل الإباحة؛ لأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة، كما سيأتي واضحًا في محلّه من "كتاب اللباس" - إن شاء الله تعالى -.
стр. 2512
(مُمْتَلِئٍ) كذا وقع بالتذكير على معنى الإناء، لا على لفظ الطست؛ لأنها مؤنثه.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح"، وفيه أنه وإن كان التأنيث فيها أكثر، إلا أنه يجوز تذكيرها، فلا حاجة إلى ما ذكره، وقد سبق تحقيقه في شرح الحديث الذي قبل حديث، فارجع إليه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنصب على التمييز، قال في "الفتح": والمعنى أن الطست جُعِل فيها شيءٌ يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسُمِّيَ حكمةً وإيمانًا مجازًا، أو مُثِّلا له بناءً على جواز تمثيل المعاني، كما يُمَثَّل الموت كبشًا.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب حمل الحديث على ظاهر المعنى، فما الحامل على دعوى المجاز؟، فالحقّ أن الحكمة والإيمان جُعلا في الطست، وأُفرغا في صدر النبيّ ﷺ ، على ظاهر ما دلّ عليه الحديث، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
و"الحكمة": اسم من حَكُم بضمّ عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: هو المتقن للأمور، وأما حَكَمَ بفتح عين الفعل، فمعناه: قضى، ومصدره الحُكْم بالضمّ، والحُكْم أيضًا الحكمة بمعنى العلم، والحكيم: العالم (١).
وقال ابن منظور ﵀: الحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال من يُحسِنُ دقائق الصناعات ويُتقنها: حكيم، قال: والْحَكَمَة - بفتحتين -: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحَنَكِه، تمنعه عن مخالفة راكبه. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: الحَكمَة وزان قَصَبَة للدابّة، سُمّيت بذلك لأنها تذلّلها لراكبها حتى تمنعها الجِمَاح ونحوَهُ، ومنه اشتقاق الحِكْمَة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال. انتهى (٣).
стр. 2513
وقال ابن دريد ﵀: كلّ كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نَهَتك عن قبيح فهي: حكمة (١).
وقال النوويّ ﵀: في تفسير الحكمة أقوال كثيرة مضطربة، صَفَا لنا منها أن الحكمة: العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقّ للعمل به، والكفّ عن ضدّه، والحكيمُ من حاز ذلك. انتهى ملخصًا.
وقد تُطلَق الحكمة على القرآن، وهو مشتمل على ذلك كلِّه، وعلى النبوة كذلك، وقد تُطلَق على العلم فقط، وعلى المعرفة فقط، ونحو ذلك (٢).
(فَأفرَغَهَا) قال النوويّ ﵀: الضمير للطست، فجاء "ممتلئ" على معناها، وهو الإناء، و"أفرغها" على لفظها، وحَكَى صاحب "التحرير" قولًا أنه يعود على الحكمة، وهذا القول، وإن كان له وجهٌ، فالأظهر ما قدّمناه؛ لأن عوده على الطست يكون تصريحًا بإفراغ الإيمان والحكمة، وعلى قوله يكون إفراغ الإيمان مسكوتًا عنه. انتهى (٣). (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء: إذا غطيته وجعلته مطبقًا، (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) قال في "الفتح": استَدَلّ به بعضهم على أن المعراج وقع غير مرّة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يُذْكَر هنا، ويمكن أن يقال: هو من اختصار الراوي، والإتيان بـ "ثُمّ" المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع أمر الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما الإطباق والعروج، بل يشير إليه، وحاصله أن بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر. انتهى.
قال الجامح عفا الله عنه: كونه من اختصار الراوي هو الأقرب؛ لأن حمله على التعدّد مما لا يخفى بعده، والله تعالى أعلم.
(فَعَرَجَ بِي) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الملك، ووقع عند البخاريّ من رواية الكشميهني: "فعرج به" على الالتفات أو التجريد، و"العُرُوج": الصعود، يقال: عَرَج يَعرُج من باب نصر إذا صَعِدَ، وقال ابن سِيدهْ: عَرَج في
стр. 2514
الشيء وعليه يَعْرُجُ عُرُوجًا: رَقِيَ، وعَرَجَ الشيءُ فهو عَرِيجٌ: ارتفع وعلا، والمعراج: شبه سُلّم، مِفْعال من العروج. انتهى.
(إِلَى السَّمَاءِ) وللبخاريّ: "إلى السماء الدنيا"، (فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فُعْلَى من الدنوّ؛ أي: القريبة من الأرض (افْتَحْ) هذا يدُلّ على أن الباب كان مغلقًا، قال ابن المُنَيِّر: حكمته التحقق أن السماء لم تُفْتَح إلا من أجله، بخلاف ما لو وجده مفتوحًا (قَالَ) أي: الخازن (مَنْ هَذَا؟) مَن استفهاميّة مبتدأ، خبرها اسم الإشارة، ويجوز العكس (قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ) أي: المستأذن هو جبريل ﵇، وفيه أن من أدب الاستئذان أن يُسَمِّيَ المستأذن نفسه؛ لئلا يلتبس بغيره (قَالَ) الخازن (هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ) جبريل (نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، قَالَ) الخازن (فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أفأرسل إليه؟.
وفي رواية البخاريّ: "أَأُرْسَل إليه" بهمزتين، أولاهما للاستفهام وهي مفتوحة، والثانية همزة التعدية وهي مضمومة.
واستفهام الخازن هذا يحتمل أن يكون خَفِي عليه أصل إرساله لاشتغاله بعبادته، ويحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر؛ لقوله: "إليه"، ويؤيد الاحتمال الأول قوله في رواية شريك: "أوَ قد بُعِث"، لكنها من المواضع التي تُعُقِّبت كما سبق الكلام عليها، أفاده في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الاحتمال الأول بعيد، يبعده عدم استفهامه لِمَا قاله جبريل: معي محمد، حيث لم يقل: من محمد؟ فإنه دليل واضح على أَنَّ نبوته ﷺ معلومة لدى أهل السماء، وإنما الاستفهام: هل هو مأمور الآن بالعروج إلى السماء أم لا؟، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) جبريل (نَعَمْ، فَفَتَحَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الخازن (قَالَ) ﷺ (فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) قال العينيّ: ضمير الجمع فيه يدلّ على أنهما كان معهما ملائكة آخرون، فكأنهما كلّما تعدّيا سماء تشيّعهما الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ فيه نظر؛ لأن "نا" ضمير
стр. 2515
للمتكلّم ومعه غيره، سواء كان واحدًا أو أكثر، فالنبيّ ﷺ وجبريل ﵇ يُطلق عليهما "نا"، فلا حاجة إلى وجود غيرهما معهما، وأيضًا تشييع ملائكة كلّ سماء لهما يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا) هي الفجائيّة، وتختصّ بالجملة الاسميّة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرّد، وزمان عند الزجّاج (١).
(رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) جمع سَوَاد، كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامّهم، وكلّ عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كلّ شيء، قال أبو عبيد: هو شخص كلّ شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساودة جمع الجمع. انتهى (٢). (وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ) ﷺ (فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: بمعنى الجهة، وظرف متعلّق بـ "نظر" (ضَحِكَ) استبشارًا بأهل اليمين حيث إنهم من أهل الجنّة (وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى) حزنًا على أهل الشمال حيث إنهم من أهل النار، وهم من ذريّته (قَالَ: فَقَالَ) أي: ذلك الرجل (مَرْحَبًا) أي: أصبتَ رُحْبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تستوحش (بِالنَّبِي الصَّالِح وَالابْنِ الصَّالِحِ) "الصالح": هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، وكلَّهم قالوا له: "بالنبيّ الصالح"؛ لشموله سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق والأمانة والعَفَاف والفضل، ولم يقل أحد منهم: مرحبًا بالنبيّ الصادق ولا "بالنبيّ الأمين"؛ لِمَا ذكرنا من أن الصلاح شامل لسائر أنواع الخير (قَالَ) ﷺ (قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟) ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم ﵇: "مَرْحَبًا"، ورواية مالك بن صَعْصَعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة، فتُحْمَل هذه عليها؛ إذ ليس في هذه أداة ترتيب (٣).
(قَالَ) جبريل ﵇ (هَذَا آدَمُ ﷺ ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النون والسين المهملة: جمع نَسَمة، وهي الروح، وحَكَى ابن التين أنه رواه بكسر الشين المعجمة، وفتح الياء آخر الحروف، بعدها ميم، وهو
стр. 2516
تصحيف، وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل.
قال القاضي عياض ﵀: قد جاء أن أرواح الكفار في سِجِّين، وأن أرواح المؤمنين مُنَعَّمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟.
وأجاب بأنه يَحتَمِل أنها تُعْرَض على آدم أوقاتًا، فصادف وقتُ عرضها مرورَ النبيّ ﷺ ، ويدُلّ على أن كونهم في الجنة والنار إنما هو في أوقات دون أوقات قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
واعتُرِض بأن أرواح الكفار لا تُفَتَّحُ لها أبواب السماء، كما هو نَصُّ القرآن.
والجواب عنه ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكان يُكْشَف له عنهما. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يقال: إن النَّسَم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعدُ، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومُستَقَرُّها عن يمين آدم وشماله، وقد أُعْلِم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى مَن عن يمينه، ويَحْزَن إذا نظر إلى مَن عن يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادةً قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرِّها من جنة أو نار، فليست مرادةً أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويُعْرَف أن قوله: "نسم بنيه" عام مخصوص، أو أريد به الخصوص.
وأما ما أخرجه ابن إسحاق والبيهقيّ من طريقه في حديث الإسراء: "فإذا أنا بآدم، تُعْرَض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: رُوح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تُعْرَض عليه أرواح ذريته الفُجّار، فيقول: روح خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجّين"، وفي حديث أبي هريرة عند الطبرانيّ والبزَّار: "فإذا عن يمينه باب يَخرُج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حَزِن"، فهذا لو صَحّ لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف، قاله في "الفتح" (١).
стр. 2517
(فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّة، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّار، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ) ﷺ (ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ) ﵇ (حَتَّى أتى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ) البابَ (قَالَ) ﷺ (فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي: من قوله: "من هذا؟ هل معك أحد؟ أفأرسل إليه؟ " (فَفَتَحَ) الخازن الباب.
(فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (فَدكَرَ) أي: أبو ذرّ ﵁ (أَنَّهُ) أي: النبيّ ﷺ (وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُثْبِتْ) بضم أوله، من الإثبات: أي: لم يُعيِّن أبو ذرّ ﵁ (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: منازل هؤلاء الأنبياء ﵈ التي تخصّ كلّ واحد منهم (غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ أنهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ ﵇ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هذا موافق لرواية شريك، عن أنس ﵁، والثابت في جميع الروايات غير هاتين أنه في السابعة، فإن قلنا بتعدد المعراج، فلا تعارض، وإلا فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: "إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور"، وهو في السابعة بلا خلاف، وأما ما جاء عن عليّ ﵁ أنه في السادسة عند شجرة طوبى، فإن ثبت حُمِل على أنه البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبى؛ لأنه جاء عنه أن في كل سماء بيتًا يُحاذي الكعبة، وكلّ منها معمور بالملائكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره أن البيت المعمور في السماء الدنيا، فإنه محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السماوات، ويقال: إن اسم البيت المعمور الضُّرَاح، بضم المعجمة، وتخفيف الراء، وآخره حاء مهملة، ويقال: بل هو اسم سماء الدنيا، ولأنه قال هنا: إنه لم يُثْبِت كيف منازلهم؟ فرواية مَن أثبتها أرجح، قاله في "الفتح".
قال الجامع: هذا الذي ذكره من أن في كلّ سماء بيتًا يُحاذي الكعبة يحتاج إلى دليل يَثبتُ به، فما هو؟ والله تعالى أعلم.
(قَالَ) لفظ البخاريّ: "قال أنسٌ"، فقال في "الفتح": ظاهره أن هذه اللفظة لم يسمعها أنسٌ من أبي ذرّ (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِدْرِيسَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ولفظ البخاريّ: "مرّ جبريل بالنبيّ ﷺ بإدريس"، فالباء الأولى للمصاحبة، والثانية للإلصاق، أو بمعنى "على" (قَالَ) أي: إدريس
стр. 2518
(مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ) قال القاضي عياض ﵀: هذا مخالف لِمَا يقوله أهل النسب والتاريخ، من أن إدريس ﵇ أبٌ من آباء النبيّ ﷺ ، وأنه جَدٌّ أعلى لنوح ﵇، وأن نوحًا هو ابن لامك بن مَتُّوشَلَخ بن خَنُوخ، وهو عندهم إدريس بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇، ولا خلاف عندهم في عدد هذه الأسماء وسَرْدها على ما ذكرناه، وإنما يختلفون في ضبط بعضها وصورة لفظه، وجاء جواب الآباء هنا إبراهيم وآدم مرحبًا بالابن الصالح، وقال إدريس: مرحبًا بالأخ الصالح، كما قال موسى، وعيسى، وهارون، ويوسف، ويحيى، وليسوا بآباءٍ صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قيل عن إدريس: إنه إلياس، وإنه ليس بجدّ لنوح، فإن إلياس من ذرية إبراهيم، وإنه من المرسلين، وأن أول المرسلين نوح ﵇، كما جاء في حديث الشفاعة. انتهى كلام القاضي عياض ﵀.
قال النوويّ ﵀ بعد نقله كلام القاضي هذا: وليس في هذا الحديث ما يمنع كون إدريس أبًا لنبينا محمد ﷺ ، فإن قوله: "والأخ الصالح" يَحْتَمِل أن يكون قاله تلطُّفًا وتأدُّبًا، وهو أخٌ وإن كان ابنًا، فالأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاضي هو الظاهر، فلو صحّ ما قاله أهل النسب بدليل صحيح، لتكلّفنا لِمَا قاله النوويّ، وإلا فلا داعي إلى التكلّف، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: ثُمَّ مَرَّ) أي: جاوز جبريل مع النبيّ ﷺ إدريس (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ﵇، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأخِ الصَّالِح، قَالَ) ﷺ (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ) جبريل (هَذَا مُوسَى، قَالَ) ﷺ (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) "ثم" هنا ليست على بابها في الترتيب؛ إذ الروايات الكثيرة متفقة على أن مروره بموسى بعد عيسى، والحمل على التعدّد بعيد، كما لا يخفى (فَقَالَ) عيسى (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخَ الصَّالِح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
стр. 2519
هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح، وَالابْنِ الصَّالِحِ) إنما قال: "والابن الصالح" كما قال آدم ﵇؛ لأن لهما أبوّة بخلاف سائر الأنبياء، فإنهم قالوا: "والأخ الصالح" (قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ) ﵇.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ الخزرجيّ، ثم النجّارَيّ المدنيّ القاضي، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، وقيل: اسمه كنيته، ثقة عابدٌ [٥].
رَوَى عن أبيه وأرسل عن جدّه وعبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاريّ، وروى عن خالته عمرة بنت عبد الرحمن، وأبي حبّة البدريّ، وخالدة بنت أنس، ولها صحبة، والسائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وسلمان الأغر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبد الله، ومحمد، وابن عمه، محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، وعمرو بن دينار وهو أكبر منه، والزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم.
قال ابن سعد: فَوَلَد محمدُ بن عمرو بن حزم: عثمانَ، وأبا بكر الفقيهَ، وأم كلثوم، وأمهم كبشة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، وقال ابن معين، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عَطّاف بن خالد، عن أمه، عن امرأة أبي بكر بن محمد بن حزم، قالت: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل، وقال محمد بن علي بن شافع: قالوا لعمر بن عبد العزيز: استَعْمَلت أبا بكر بن حزم غَرَّك بصلاته، فقال: إذا لم يَغُرَّني المصلون، فمَنْ يَغُرُّني؟ قال: وكانت سجدته قد أخذت جبهته وأنفه، وذكره الهيثم بن عديّ في محدثي أهل المدينة، والواقديّ في ثقاتهم، وقال أبو ثابت، عن ابن وهب، عن مالك: لم يكن عندنا أحدٌ بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان ولَّاه عمر بن عبد العزيز، وكَتَب إليه أن يكتب له من العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، ولم يكن بالمدينة أنصاريّ أميرٌ غير أبي بكر بن حزم، وكان قاضيًا،
стр. 2520
زاد غيره: فسألت ابنه عبد الله بن أبي بكر، عن تلك الكتب، فقال: ضاعت، وقال سعيد بن عُفير عن ابن وهب: قال لي مالك: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مُرُوءة، ولا أتمَّ حالًا، ولا رأيت مثل ما أُوتي، وَليَ المدينة والقضاء والموسم.
قال خليفه بن خياط: سنة مائة أقام الحج أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وفيها مات، وقال عمر بن عبد الله التميميّ: تُوُفّي سنة عشر ومائة، وقال الهيثم بن عديّ، وأبو موسى، وابن بكير: مات سنة سبع عشرة ومائة، وقال الواقديّ، وابن المدينيّ، وغيرهما: مات سنة عشرين، زاد الواقديّ: وكان ثقةً كثيرَ الحديث، ويقال عن الهيثم بن عديّ: مات سنة ست وعشرين، وهو خطأ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
(أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ) قال النوويّ ﵀: "أبو حَبّة" - بالحاء المهملة، والباء الموحدة - هكذا ضبطناه هنا، وفي ضبطه واسمه اختلاف، فالأصح الذي عليه الأكثرون "حَبّة" - بالباء الموحدة - كما ذكرنا، وقيل: "حَيَّة" بالياء المثنّاة تحتُ، وقيل: "حَنّة" - بالنون - وهذا قول الواقديّ، ورُوي عن ابن شهاب الزهريّ، وقد اختُلِف في اسم أبي حبة، فقيل: عامر، وقيل: مالك، وقيل: ثابت، وهو بدريّ باتفاقهم، واستُشْهِد يوم أحد، وقد جَمَع الإمام أبو الحسن ابن الأثير الجزريّ ﵀ الأقوال الثلاثة في ضبطه والاختلاف في اسمه في كتابه "معرفة الصحابة ﵃ "، وبَيّنها بيانًا شافيًا ﵀. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال الحافظ ﵀ في "التقريب" (ص ١١٣١): أبو حبّة بتشديد الموحدة الأنصاريّ البدريّ، قيل: اسمه عامر بن عمرو، وقيل: ابن عبد عمرو، وقيل: اسمه عمرو، قال ابن إسحاق: استُشهد بأحد، وزعم الواقديّ أن الذي شَهِدَ بدرًا واستُشهِدَ بأحد أبو حَنَّةَ بالنون بدل الموحّدة، والذي يظهر أن أبا حبّة الذي روى حديث الإسراء وحديث ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١]، وروى عنه ابن
стр. 2521
حزم، وعمّار بن أبي عمّار، وضبطه المحدّثون بالموحّدة غير الذي ذكر أهل المغازي أنه استُشهِد بأحد، واختلفوا هل هو بالموحّدة، أو النون، أو التحتانيّة؟ فإن شيخ عمّار بقي إلى خلافة معاوية لتصريح عمّار بالسماع منه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام الحافظ يقتضي أن رواية أبي بكر بن محمد بن حزم المذكورة هنا متّصلة؛ لأنه تأخّر موته إلى خلافة معاوية ﵁، واحتجّ على ذلك بما رواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن عفّان، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن عمّار بن أبي عمّار، سمعت أبا حبّة البدريّ يقول: لَمّا نزلت ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١] … فذكر الحديث (٢)، قال: فهذا إن كان محفوظًا يدلّ على تأخّر أبي حبّة إلى أيام معاوية ﵁. انتهى (٣).
لكن الحديث الذي احتجّ به في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف فلا يصلح للاحتجاج به، ولذا قال في "الفتح": لكن رواية أبي بكر عن أبي حبّة منقطعة؛ لأنه استُشهد بأُحد قبل مولد أبي بكر بدهر وقبل مولد أبيه محمد أيضًا.
والحاصل أن رواية أبي بكر بن حزم عن أبي حبّة هذه مرسلة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (ثُمَّ عَرَجَ بِي) بالبناء للفاعل، أي: صَعِد بي جبريل ﵇ (حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوتُ وارتفعتُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]،
стр. 2522
والفتح: ٢٨، والصفّ: ٩]، وحديث: "والشمسُ في حُجرتها لم تَظْهَر"، وقول النابغة الجعديّ [من الطويل]:
عَلَوْنَا السَّمَاءَ عِفَّةً وَتَكَرُّمَا … وَإِنَّا لَنْبْغِي فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
(لِمُسْتَوًى) بضم الميم وفتح الواو: المَصْعَد، وقيل: المكان المستوي، وقال القاضي عياضٌ ﵀: "المستوى" يكون بمعنى العلوّ والمصعد، قال ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قال: صَعِدَ أمره.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفسير الذي ذكره القاضي عن ابن عباس ﵄ في معنى "استوى" أخرجه البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (١) وصرّح بضعفه، وهو كما قال؛ لأنه من رواية محمد بن مروان السدّيّ الصغير، وهو كذَّاب، عن محمد بن السائب الكلبيّ وهو كذّاب أيضًا، عن أبي صالح مولى أم هانئ وهو متروك، بل قيل بتكذيبه أيضًا، كما في "الميزان" (٢)، وهذا الإسناد معروف عندهم بسلسلة الكذب، كما في "تدريب الراوي" (٣)، فلا يصلح للاحتجاج به.
والحقّ أن معنى استوى: علا وارتفع، وهو المنقول عن السلف، كما ذكره البخاريّ في "صحيحه" عن أبي العالية وغيره، فالواجب أن نقول: إن الاستواء بمعنى العلوّ ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، وقد أشبعت الكلام في غير هذا الموضع، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
قال القاضي: وقد يكون المستوى بمعنى موضع متوسّط مما شاء الله تعالى من ملكوته، وقيل في قوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أي: متوسّطًا، وقد يكون "مستوى" أي: حيث يظهر عدل الله وحكمه لعباده هناك، ويقال للعدل: "سواء" ممدودًا ومفتوحًا، و"سوى" مكسورًا مقصورًا، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. انتهى (٤).
وقال في "العمدة": اللام في "لمستوى" للتعليل، أي: عَلَوْتُ لأجل استعلاء مستوى، أو لأجل رؤيته، أو تكون بمعنى "إلى"، كما قوله تعالى:
стр. 2523
﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها، ويجوز أن يكون متعلّقًا بالمصدر، أي: ظهرت ظهور المستوى. انتهى (١).
(أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأقلَامِ") - بالصاد المهملة -؛ أي: تصويتها حال الكتابة، قال الخطابيّ: ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى، ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يُكْتَب ويُرْفَع لِمَا أراده من أمره وتدبيره.
(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) أي: عن شيخه (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) أي: عن أبي ذرّ، كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلًا من جهة ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة، قاله في "الفتح" (٢).
وقال الكرمانيّ ﵀: الظاهر أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاريّ، وليس بين أنس وبين رسول الله ﷺ ذكر أبي ذرّ، ولا بين ابن حزم ورسول الله ﷺ ذكر ابن عبّاس وأبي حبّة، فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدّم آنفًا، مع أن الظاهر من حال الصحابيّ أنه إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، يكون بدون واسطة، فلعلّ أنسًا سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله ﷺ ، والباقي سمعه من أبي ذرّ ﵁. انتهى (٣).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) وفي رواية ثابت، عن أنس المتقدّمة: "فَرَض الله عليّ خمسين صلاةً، كلَّ يوم وليلة"، ونحوه في رواية مالك بن صعصعة الآتية، فيَحْتَمِل أن يقال: في كل من هذه الرواية، والرواية الأخرى اختصار، أو يقال: ذكر الفرض عليه يَستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس، إلا ما يُستَثنى من خصائصه ﷺ ، قاله في "الفتح" (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الصواب، فالحقّ أن الفرض عليه ﷺ فرض على أمته، وبالعكس، إلا الخصائص، ومما يؤكّد هذا قول موسى؛ للنبيّ ﷺ في رواية ثابت الماضية التي فيها قوله ﷺ : "فرض الله
стр. 2524
عليّ خمسين صلاةً": "ماذا فَرَض ربُّك على أمتك؟ "، فقال النبيّ ﷺ : "خمسين صلاةً"، أي: فرض عليهم كما فرض عليّ، فتبيّن بهذا أن الفرض على أحدهما يستلزم الآخر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى ﵇: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى ﵇: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة عند البخاريّ: "فوضع عني عشرًا"، ومثله في رواية شريك، وفي رواية ثابت: "فحطّ عني خمسًا".
قال النوويّ ﵀: هذا المذكور هنا لا يخالف أنه ﷺ قال: "حَطّ عني خمسًا … " إلى آخره، فالمراد بحط الشطر هنا أنه حَطّ في مرات بمراجعات، وهذا هو الظاهر، وقال القاضي عياض ﵀: المراد بالشطر هنا الجزء، وهو الْخَمْس، وليس المراد به النصف، وهذا الذي قاله محتمل، ولكن لا ضرورة إليه، فإن هذا الحديث الثاني مختصر، لم يُذكَر فيه كرّات المراجعة.
واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع في دفعة واحدة، وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد بالشطر في هذا الحديث البعض، وقد حَقَّقت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة، يتعيّن حَمْلُ باقي الروايات عليها.
وأما قول الكرمانيّ: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وَضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر، يعني: نصف الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعًا، كذا قال، وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء، إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فيتجه، لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم.
وأبدى ابن المُنَيِّر هنا نكتةً لطيفةً في قوله ﷺ لموسى ﵇ لَمّا أمره أن
стр. 2525
يرجع بعد أن صارت خمسًا، فقال: "استحييت من ربي"، قال ابن المنيّر: يحتمل أنه ﷺ تفرّس من كون التخفيف وقع خمسًا خمسًا أنه لو سأل التخفيف بعد أن صارت خمسًا، لكان سائلًا في رفعها، فلذلك استحيا. انتهى.
ودَلَّت مراجعته ﷺ لربه في طلب التخفيف تلك المرات كلها، أنه عَلِم أن الأمر في كل مرة لم يكن على سبيل الإلزام، بخلاف المرة الأخيرة، ففيها ما يُشْعِر بذلك، لقوله : "لا يبدَّل القول لديّ".
ويحتمل أن يكون سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة وأول جمع الكثرة، فخَشِي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، لكن الإلحاح في الطلب من الله مطلوب، فكأنه خَشِي من عدم القيام بالشكر، والله أعلم.
قال: وأبدى بعض الشيوخ حكمةً لاختيار موسى؛ تكرير ترداد النبيّ ﷺ ، فقال: لَمّا كان موسى قد سأل الرؤية فمُنِعَ، وعَرَف أنها حصلت لمحمد ﷺ قَصَد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته؛ لِيَرى مَن رأى، كما قيل: لعلّي أراهم أو أرى من رآهم.
قال الحافظ: ويَحتاج إلى ثبوت تجدد الرؤية في كل مرة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أبداه بعض الشيوخ وأقرّه عليه الحافظ، وإن اعترضه في التكرار ليس بسديد؛ لأن الصحيح أن النبيّ ﷺ لم يرَ ربّه، كما سيأتي للمصنّف أنه ﷺ قال لأبي ذرّ ﵁ لما سأله: هل رأيت ربك؟ -: "نور أنَّى أراه"، وفي رواية: "رأيتُ نورًا"، وسيأتي تمام البحث في هذا في بابه قريبًا إن شاء الله تعالى.
وأما طلب موسى تكرار المراجعة فالظاهر - كما قاله بعض المحقّقين - أنه حمله على ذلك رحمته لأمة محمد ﷺ والشفقة عليهم، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أمّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ) وفي رواية البخاريّ: "هنّ خمس، وهنّ خمسون"، والمراد هي خمس عددًا باعتبار