← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

عندها ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]. "ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على هارون، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أخوك هارون، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أَوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على موسى، فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، فلما جاوزته بكى، قيل: وما يبكيك؟ قال: رَبِّ هذا غلام، بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففتح لنا، فأَتيت على إبراهيم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك إبراهيم، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، ثم رُفِع لنا البيت المعمور، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخرَ ما عليهم، ثم رُفعت لنا السدرة المنتهى، فحَدّث نبيُّ الله ﷺ أنّ ورقها مثلُ آذان الفِيَلة، وأن نَبقَها مثلُ قلال هَجَر، وحَدَّث نبيّ الله ﷺ أنه رأى أربعة أنهار، يخرجن من أَصلها، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان، فنهران في الجنة، وأما النهران الظاهران، فالنيل والفرات، قال: ثم أُتيت بإنائين: أحدهما لبن، والآخر خمر، فاخترت اللبن، فقيل لي: أصبت أصاب الله بك، وأمتُك على الفطرة، وفُرِضت عليَّ خمسون صلاة في كل يوم، فأَتيت على موسى، فقال: بما أُمرت؟ قلت: فُرضت عليّ خمسون صلاةً كلَّ يوم، قال: إني قد بَلَوْتُ الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسَلْه التخفيف لأمتك، قال: فرجعت إلى ربي، فحَطّ عني خمسًا، ثم أَتيت على موسى، فقال: بما أمرت؟

стр. 2557

قلت: حط عني خمسًا، قال: إني قد بَلَوتُ الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، قال: فما زلت بين موسى وبين ربي، حتى صُيِّرت إلى خمس صلوات في كل يوم، فأَتيت على موسى، فقال: بما أُمرت؟ قلت: صُيِّرت إلى خمس صلوات كل يوم، قال: إني بلوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، فقلت: لقد رجعت إلى ربي، حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلّم، قال: فنوديت أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): أن حديث مالك بن صَعْصَعَة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٣ و ٤٢٤] (١٦٤)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٠٧)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٩٣) و (٣٤٣٠)، و"المناقب" (٣٨٨٧)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٤٦)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٤٨)، و"الكبرى" (٣١٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٤/ ٣٠٢ - ٣٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩ - ٢١٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٣٦ و ٣٣٧ و ٣٣٨ و ٣٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٨٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ذكره الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه"، وهو تحقيقٌ

стр. 2558

نفيسٌ، يكون فَذْلَكَةً لِمَا سبق من التحقيقات، أسوقه بطوله لنفاسته، قال ﵀ (١/ ٢٤٣ - ٢٤٧): قال أبو حاتم: الله جل وعلا قادر على ما يشاء، ربما يَعِدُ الشيءَ لوقت معلوم، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت، كوعده إحياء الموتى يوم القيامة، وجعله محدودًا، ثم قَضَى كون مثله في بعض الأحوال، مثل مَن ذكره الله، وجعله الله جل وعلا في كتابه، حيث يقول: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٩]، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم صلوات الله عليه بعض الأموات، فلما صَحَّ وجود كون هذه الحالة في البشر إذا أراده الله جل وعلا قبل يوم القيامة، لم يُنكَر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره، حتى مَرّ ﷺ ليلة أسري به، وذاك أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس، فرآه ﷺ يدعو في قبره؛ إذ الصلاة دعاء (١) فلما دخل ﷺ بيت المقدس، وأُسري به أُسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة، وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدم ذكرنا له، وكذلك رؤيته سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة. فأما قوله ﷺ في خبر مالك بن صعصعة: "بينما أنا في الحطيم، إذ أتاني آتٍ، فشقّ ما بين هذه إلى هذه"، فكان ذلك له فضيلة فُضّل بها على غيره، وأنه من معجزات النبوة؛ إذ البشر إذا شُقّ عن موضع القلب منهم ثم استُخْرِج قلوبهم ماتوا. وقوله: "ثم حُشِي" يريد أن الله جل وعلا حَشَا قلبه اليقين والمعرفة الذي كان استقراره في طست الذهب، فنُقِل إلى قلبه، ثم أُتي بدابة، يقال لها: البراق، فحُمِل عليه من الحطيم أو الحجر، وهما جميعًا في المسجد الحرام، فانطَلَق به جبريل، حتى أتى به على قبر موسى، على حسب ما وصفناه، ثم

стр. 2559

دخل مسجد بيت المقدس، فخَرَق جبريل الصخرة بإصبعه، وشدَّ بها البراق، ثم صَعِد به إلى السماء، ذُكِر شدّ البراق بالصخرة في خبر بريدة، ورؤيته ﷺ موسى يصلي في قبره ليسا جميعًا في خبر مالك بن صعصعة، فلما صَعِد به إلى السماء الدنيا، استَفتَحَ جبريل قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أُرسِل إليه؛ يريد به: وقد أرسل إليه لِيُسْرَى به إلى السماء، لا أنهم لم يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت؛ لأن الإسراء كان بعد نزول الوحي بسبع سنين، فلما فُتِح له، فرأى آدم على حسب ما وصفنا قبلُ، وكذلك رؤيته في السماء الثانية يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، وفي السماء الثالثة يوسف بن يعقوب، وفي السماء الرابعة إدريس، ثم في السماء الخامسة هارون، ثم في السماء السادسة موسى، ثم في السماء السابعة إبراهيم؛ إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم؛ لأن يراهم المصطفى ﷺ في تلك الليلة، فيكون ذلك آيةً معجزة يُسْتَدَلّ بها على نبوته على حسب ما أصّلنا قبلُ، ثم رُفع له سدرة المنتهى، فرآها على الحالة التي وَصَفَ، ثم فُرِض عليه خمسون صلاةً، وهذا أمر ابتلاءٌ، أراد الله جل وعلا ابتلاء صفيه محمد ﷺ حيث فَرَض عليه خمسين صلاةً؛ إذ كان في علم الله السابق أنه لا يَفْرِض على أمته إلا خمس صلوات فقط، فأَمَره بخمسين صلاة أمر ابتلاء، وهذا كما نقول: إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر يريد أن يأتي المأمور به إلى أمره من غير أن يريد وجود كونه، كما أَمَر الله جل وعلا خليله إبراهيم بذبح ابنه، أَمَره بهذا الأمر، أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما أسلما وتلّه للجبين فداه بالذبح العظيم؛ إذ لو أراد الله جل وعلا كون ما أَمَر لوَجَد ابنه مذبوحًا، فكذلك فَرَض الصلاة خمسين، أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما رجع إلى موسى، وأخبره أنه أمر بخمسين صلاة كل يوم، ألهم الله موسى أن يسأل محمدًا ﷺ بسؤال ربِّه التخفيف لأمته، فجعل جل وعلا قول موسى ﵇ له سببًا لبيان الوجود لصحة ما قلنا: إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمسًا لا خمسين، فرَجَع إلى الله جل وعلا، فسأله فوضع عنه عشرًا، وهذا أيضًا أمر ابتلاء، أريد به الانتهاء إليه دون وجود كونه، ثم جَعَل سؤال موسى ﵇ إياه سببًا لنفاذ قضاء الله جل وعلا في سابق علمه، أن الصلاة تُفْرَض على هذه

стр. 2560

الأمة خمسًا لا خمسين، حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل وعلا صفيه ﷺ حينئذ حتى قال لموسى: قد سألت ربي حتى استحييتُ لكني أَرْضَى وأُسَلِّم، فلما جاوز ناداه منادٍ: أمضيت فريضتي، أراد به الخمس صلوات، وخففت عن عبادي، يريد: عن عبادي من أمر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاة التي ذكرناها. وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها رسول الله ﷺ بجسمه عيانًا، دون أن يكون ذلك رؤيا أو تصويرًا صُوِّرَ له؛ إذ لو كان ليلة الإسراء، وما رأى فيها نومًا دون اليقظة، لاستحال ذلك؛ لأن البشر قد يَرون في المنام السماوات، والملائكة، والأنبياء، والجنة، والنار، وما أشبه هذه الأشياء، فلو كان رؤية المصطفى ﷺ ما وُصِفَ في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة، لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر؛ إذ هم يرون في مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالةً معجزةً يُفَضَّل بها على غيره، ضدّ قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء حكمه لما يحب كما يحب، جلّ ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه. انتهى كلام ابن حبّان ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو حمد بن أبي جمرة ﵀ في قوله ﷺ : "بينا أنا بين النائم واليَقْظَان": لو قال ﷺ : إنه كان يقظان لأخبر بالحقّ؛ لأن قلبه في النوم واليقظة سواءٌ، وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكّن منها، لكنه تحرَّى ﷺ الصدق في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يُعْدَل عن حقيقة اللفظ للمجاز إلا لضرورة. انتهى. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع وحسن الخلق، حيث كان نائمًا بين الرجلين. ٤ - (ومنها): بيان جواز نوم جماعة في موضع واحد، لكنه يشترط أن لا يجتمعوا في لِحَافٍ واحد؛ لِمَا ثبت من النهي عن ذلك. ٥ - (ومنها): فضيلة ماء زمزم على جميع المياه، قال ابن أبي جمرة ﵀: وإنما لم يُغسَل بماء الجنة لِمَا اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنّة، ثم استقرّ في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبيّ ﷺ في الأرض. انتهى.

стр. 2561

قال الجامع عفا الله عنه: كون ماء زمزم من الجنّة يحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم. وقال السهيليّ ﵀: لَمّا كانت زمزم هَزْمة جبريل روحِ القدس لأمّ إسماعيل جدّ النبيّ ﷺ ، ناسب أن يُغسل بمائها عند دخولى حضرة القدس ومناجاته. ومن المناسبات المستبعدة قول بعضهم: إن الطست يناسب ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ [النمل: ١]. انتهى (١). ٦ - (ومنها): ما قال النووي في هذا الحديث: إن أصل النيل والفرات من الجنة، وإنهما يَخرُجان من أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شَهِد به ظاهر الخبر، فَلْيُعْتَمَد، وأما قول عياض: إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض؛ لكونه قال: إن النيل والفرات يَخرُجان من أصلها، وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض. ففد تُعُقّب بأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض. والحاصل أن أصلهما في الجنة، وهما يخرجان أوّلًا من أصلها، ثم يسيران إلى أن يَستقِرّا في الأرض، ثم ينبعان. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على فضيلة ماء النيل والفرات؛ لكون منبعهما من الجنة، وكذا سيحان وجيحان. قال القرطبيّ ﵀: لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء؛ لكونهما ليسا أصلًا برأسهما، وإنما يَحتَمِل أن يتفرّعا عن النيل والفرات، قال: وقيل: إنما أُطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة؛ لِمَا فيها من شدّة العُذُوبة والحسن والبركة، والأولى أولى، والله تعالى أعلم (٢). ٨ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: فيه أن الحكمة ليس بعد

стр. 2562

الإيمان أجلُّ منها، ولذلك قُرِنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ٩ - (ومنها): أن هذه القصة، قد اشتَمَلت من خوارق العادة على ما يُدْهِش سامعه فضلًا عمن شاهده، فقد جَرَت العادة بأن مَن شُقّ بطنه، وأُخرج قلبه يموت لا محالةَ، ومع ذلك فلم يؤثِّر في النبيّ ﷺ ذلك ضررًا ولا وجعًا، فضلًا عن غير ذلك. ١٠ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في شقّ قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمةً بغير شقّ الزيادة في قوّة اليقين؛ لأنه أُعطي برؤية شقّ بطنه، وعدم تأثّره بذلك ما أَمِنَ معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس، وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصِف بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]. [تنبيه]: اختُلِف، هل كان شق صدره ﷺ وغسله مختصًّا به ﷺ أو وقع لغيره من الأنبياء ﵇؟ وقد وقع عند الطبراني في قصة تابوت بني إسرائيل أنه كان فيه الطست التي يُغسَل فيها قلوب الأنبياء، وهذا مشعر بالمشاركة، ونظير هذا البحث في ركوبه البراق، قاله في "الفتح" (١)، ويحتاج إلى صحّة ما عزاه إلى الطبرانيّ، فإن صحّ فقد ارتفع النزاع، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: الحكمة في تخصيص موسى ﵇ بمراجعة النبيّ ﷺ في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كُلِّفت من الصلوات بما لم يُكلّف به غيرها من الأمم، فثَقُلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد ﷺ من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: "إني قد جَرّبت الناس قبلك". انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ لقوله: "لكون أمة موسى … إلخ" ما جاء في رواية النسائيّ من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس ﵁، وفيه: "فإنه فَرَض على بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما … " الحديث. وقيل في وجه الحكمة غير ذلك (٢)، مما لا ينشرح له الصدر، فيكفي هذا، والله تعالى أعلم.

стр. 2563

١٢ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه ﷺ لَمّا عُرِج به رأى في تلك الليلة تعبُّد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، وفي اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظيم شأنها، ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة، بل بمراجعات تعددت على ما سبق بيانه، والله تعالى أعلم (١). ١٣ - (ومنها): أنه قد اختُلِف في الحكمة في اختصاص كل من الأنبياء ﵈ بالسماء التي التقاه بها النبيّ ﷺ ، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أُمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زَيّفه السهيليّ، فأصاب، وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، فأما آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع للنبيّ ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما أَلِفَه من الوطن، ثم كان مآل كلّ منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه، وبعيسى ويحيى على ما وقع له في أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه، وبيوسف على ما وقع له من إخوته، من قريش في نصبهم الحرب له، وإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح: "أقول كما قال يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢] "، وبإدريس على رَفِيع منزلته عند الله، وبهارون على أن قومه رَجِعوا إلى محبته بعد أن آذوه، وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فَصَبَر"، وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما خُتِم له ﷺ في آخر عمره، من إقامة منسك الحج، وتعظيم البيت، وهذه مناسبات لطيفة أبداها السهيليّ، وأوردها الحافظ في "الفتح" مُنَقَّحةً مُلَخَّصَةً.

стр. 2564

قال: وذكر ابن المُنَيِّر ﵀ في مناسبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة معنىً لطيفًا زائدًا، وهو ما اتَّفَقَ له ﷺ من دخول مكة في السنة السابعة، وطوافه بالبيت، ولم يَتَّفِق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه، بل قَصَدَها في السنة السادسة فصَدُّوه عن ذلك. وقال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو أصل، فكان أوّلًا في الأولى، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة، وعيسى في الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمد ﷺ ، ويليه يوسف، لأن أمة محمد ﷺ تدخل الجنة على صورته، وإدريس في الرابعة؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه؛ لفضل كلام الله، وإبراهيم؛ لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبيّ ﷺ بِلُقِيِّه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع النبيّ ﷺ عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى، والله تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يُعْرَف من جميع العوالم مَن يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا ما ثَبَت عن الملائكة في هذا الخبر. ١٥ - (ومنها): أن قوله: "فنُودِيتُ: أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها" من أقوى ما استُدِلّ به على أن الله كَلَّم نبيه محمدًا ﷺ ليلة الإسراء بغير واسطة. ١٦ - (ومنها): أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبيّ ﷺ : إنه عالج الناس قبله وجَرّبهم. ١٧ - (ومنها): أنه يستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن مَن سَلَفَ من الأمم كانوا أقوى أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى ﵇ في كلامه: إنه عالجهم على أقلَّ من ذلك، فما وافقوه، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة ﵀، قال: ويستفاد منه أن مقام الخلّة مقام الرضا

стр. 2565

والتسليم، ومقام التكليم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثَمّ استَبَدّ موسى ﵇ بأمر النبيّ ﷺ بطلب التخفيف دون إبراهيم؛ مع أن للنبيّ ﷺ من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى ﵇ لمقام الأُبُوّة، ورفعة المنزلة، والاتباع في الملة، وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الحديث مِن سَبقِهِ إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه، ذكره في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: الحكمة التي ذكرها غير ابن أبي جمرة مما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الخبر هو الأظهر، لا ما قاله ابن أبي جمرة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٤] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: "فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْن، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ وربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر بوزن جَعْفر الدَّستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. والباقون تقدّموا في الذي قبله.

стр. 2566

وقوله: (قَالَ) لمعاذ بن هشام. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَر" ضمير هشام الدستوائيّ. وقوله: (وَزَادَ فِيهِ) أي: زاد هشام على رواية سعيد بن أبي عروبة الماضية قوله: "فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ … إلخ". وقوله: (فَشُقَّ) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير "صدره"، أي: شقّ صدره ﷺ . وقوله: (إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ) بفتح الميم، وتشديد القاف، وهو ما سَفَل من البطن، ورَقَّ من جلده، قال الجوهريّ: لا واحد لها، وقال صاحب "المطالع": واحدها مَرَقّ. انتهى (١). [تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ التي أحالها المصنّف على رواية سعيد بن أبي عروبة هنا، أخرجها النسائيّ ﵀ في "كتاب الصلاة" من "المجتبى"، فقال: (٤٤٤) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام الدستوائيّ، قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبيّ ﷺ قال: "بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ أقبل أحد الثلاثة، بين الرجلين، فأُتيت بطست من ذهب، ملآن حكمةً وإيمانًا، فشُق من النحر إلى مَرَاقّ البطن، فغُسِل القلب بماء زمزم، ثم مُلئ حكمة وإيمانًا، ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، ثم انطلقت مع جبريل ﵇، فأتينا السماء الدنيا، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؛ مرحبًا به، ونعم المجيءُ جاء، فأَتيت على آدم ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك، من ابنٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك، فاتيت على يحيى وعيسى، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك، فأتيت على يوسف ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الرابعة، فمثل ذلك، فأتيت على إدريس ﵇، فسلمت عليه،

стр. 2567

فقال: مرحبًا بك، من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الخامسة، فمثل ذلك، فأتيت على هارون ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك، من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء السادسة، فمثل ذلك، ثم أتيت على موسى ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك، من أخٍ ونبيّ، فلما جاوزته بكى، قيل: ما يبكيك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنةَ أكثر وأفضل مما يدخل من أمتي، ثم أتينا السماء السابعة، فمثل ذلك، فأتيت على إبراهيم ﵇، فسلمت - عليه، فقال: مرحبًا بك، من ابنٍ ونبيّ، ثم رُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ ملكٍ، فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخرُ ما عليهم، ثم رُفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نَبِقُها مثل قلال هَجَر، وإذا وَرَقها مثل آذان الفِيَلة، وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالفُرات والنيل، ثم فُرضت عليّ خمسون صلاةً، فأتيت على موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضت عليّ خمسون صلاةً، قال: إني أعلم بالناس منك، إني عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وإن أمتك لن يطيقوا ذلك، فارجع إلى ربك، فاسأله أن يخفف عنك، فرجعت إلى ربي، فسألته أن يخفف عني، فجعلها أربعين، ثم رجعت إلى موسى ﵇، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها أربعين، فقال لي مثل مقالته الأولى، فرجعت إلى ربي ، فجعلها ثلاثين، فأتيت على موسى ﵇، فأخبرته، فقال لي مثل مقالته الأولى، فرجعت إلى ربي، فجعلها عشرين، ثم عشرة، ثم خمسة، فأتيت على موسى ﵇، فقال لي مثل مقالته الأولى، فقلت: إني أستحي من ربي أن أرجع إليه، فنودي: أن قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي بالحسنة عشر أمثالها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٥] (١٦٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَة، يَقُولُ:

стр. 2568

حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ - يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ - قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُسْرِيَ بِه، فَقَالَ: "مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَقَالَ: عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ"، وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف بـ "بُندار"، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بـ "غندر"، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (تَ ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج البصريّ الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. ٤ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) - رُفيع - بالتصغير - بن مِهْران الرّيَاحيّ - بكسر الراء، والتحتانيّة - مولاهم البصريّ، ثقةٌ كثير الإرسال [٢]. أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبيّ ﷺ بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصَلّى خلف عمر، ورَوَى عن عليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، وأبي أيوب، وأُبي بن كعب، وثوبان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، ورافع بن خَدِيج، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم. ورَوَى عنه خالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، ومحمد بن سيرين، ويوسف بن عبد الله بن الحارث، وحفصة بنت سيرين، والربيع بن أنس، وقتادة، ومنصور بن زاذان، وجماعة. قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال اللالكائيّ: مجمعٌ على ثقته، وقال قتادة عنه: قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم ﷺ بعشر سنين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ذهب علم أبي العالية، لم يكن له رُواة، قال ابن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير، وبعده السُّدّيّ، وبعده الثوريّ، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وأكثر ما نُقِمَ عليه حديث الضحك في الصلاة، وكلُّ مَن رواه غيره، فإنما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يُعْرَف، ومن أجله تَكَلّموا

стр. 2569

فيه، وسائر أحاديثه مستقيمةٌ صالحةٌ، وقال ابن المدينيّ: أبو العالية سمع من عمر، حدّثنا معمر (١)، عن هشام، عن حفصة، عن أبي العالية قال: قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرات، وقال عليّ أيضًا: سمع من عليّ، وأبي موسى، وابن عباس، وابن عمر، وقال عباس، عن يحيى: لم يسمع من عليّ، وقال أحمد: ثنا حجاج، ثنا شعبة: قد أدرك رُفَيع عليًّا، ولم يسمع منه، وقال النضر بن شُميل، عن شعبة، عن عاصم: قلت لأبي العالية: مَن أكبر من رأيت؟ قال: أبو أيوب، غير أني لم آخذ عنه شيئًا، رواه ابن أبي حاتم في "المراسيل"، وهو عجيب، وقال العجليّ: تابعيٌّ ثقةٌ من كبار التابعين، ويقال: إنه لم يسمع من عليّ، إنما يُرسل عنه، وعن أبي خَلْدة، عنه، قال: رحم الله الحسن، قد سمعت العلم قبل أن يولد، ورَوَى أبو أحمد الحاكم، عن أبي خَلْدة، قال: قلت لأبي العالية: أدركت النبيّ ﷺ ؟ قال: لا، جئت بعد سنتين أو ثلاث، وقال الشافعي: حديث الرِّيَاحيّ رِيَاح، يعني: في القهقهة. ذكر الهيثم وغيره أنه مات في ولاية الحجَّاج، وقال أبو خَلْدة: مات سنة تسعين، وقال غيره: سنة (٩٣)، وقال المدائنيّ: سنة (١٠٦)، وقال أبو عمر الضرير: مات سنة (١١١)، والصحيح الأول، وكذا جزم به ابن حبان، ورَوَى البخاريّ وغيره عن أبي خَلْدة أنه تُوُفّي سنة (٩٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا (١٦٥) وأعاده بعده، وحديث (١٦٦): "أي واد هذا؟ … " وأعاده بعده، وحديث (١٧٦): "رآه بفوائده مرّتين"، و (٨٢٦): "نهى عن الصلاة بعد الفجر … "، و (٢٣٧٧): "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس … "، و (٢٧٣٠): "لا إله إلا الله العظيم الحليم … ". [تنبيه]: "أبو العالية" في الرواة اثنان: (الأول): هذا المترجم هنا. (الثاني): أبو العالية البرّاء بتشديد الراء نسبة إلى بري السهام، البصريّ،

стр. 2570

وهو أيضًا يروي عن ابن عبّاس ﵄، واسمه زياد، وقيل: كُلثوم، وقيل: أُذينة، وقيل: ابن أذينة، ثقةٌ من الطبقة الرابعة، مات في شوّال سنة (٩٠) تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، أحدهما في الصلاة، والآخر في الحجّ، وسيأتي برقم (٦٤٨) و (١٢٤٠)، والله تعالى أعلم. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله، الحبر البحر ﵁ توفّي (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والباقيان تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وشعبة وإن كان واسطيًّا إلا أنه قد انتقل إلى البصرة واستوطنها، وكذلك ابن عبّاس ﵄. ٤ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة عن أبي العالية. ٦ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، دعا له النبيّ ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يسمّى الحبر والبحر؛ لسعة علمه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ) رُفَيع بنَ مِهْران (يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ ؛ يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أسْرِيَ بِهِ) أي: وقت الإسراء به، فهو مفعول به لـ "ذَكَر"، وليس ظرفًا له؛ لأن ذكره لم يكن وقت الإسراء، وإنما المراد أنه ذكر يومًا ما حصل له وقت الإسراء به، فافهمه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: "مُوسَى) بن عمران النبيّ المعروف ﵇، وهو مبتدأ خبره قوله: (آدَمُ) أفعل من الأدمة بالضمّ، وهي السُّمْرة. قال ابن الأثير ﵀: "الأُدْمةُ": في الإبل: البياض مع سواد المُقلتين، بعير آدمُ بَيِّنُ الأدْمة، وناقةٌ أَدْماءُ، وهي في الناس: السُّمْرة الشديدة، وقيل: من

стр. 2571

أَدْمة الأرض، وهو لونها، وبه سُمّي آدم ﵇ انتهى (١). وقال المجد ﵀: الأُدْمة بالضمّ في الإبل: لونٌ مُشْرَبٌ سَوَادًا أو بياضًا، أو هو البياض الواضح، وفي الظباء: لون مُشْربٌ بياضًا، وفينا: السُّمْرةُ، أَدِمَ، كعَلِمَ، وكَرُمَ، فهو آدم، وجمعه: أُدْمٌ، وأُدْمانٌ بضمّهما، وهي أَدماءُ، وشذّ أَدْمانة، وجمعه أُدْم بالضمّ. انتهى (٢). (طُوَالٌ) بضم الطاء المهملة، وتخفيف الواو، قال الجوهريّ: الطُّوال بالضمّ: الطَّوِيل، يقال: طَوِيلٌ، وطُوالٌ، فإذا أفرط في الطول قيل: طُوّالٌ بالتشديد. انتهى (٣). وقال ابن منظور: يقال للرجل إذا كان أَهْوَج (٤) الطُّول: طُوال - بالتخفيف - وطُوّال بتشديدها، وامرأةٌ طُوَالَةٌ، وطُوّالَةٌ (٥)، وقال أيضًا: والطُّوَال بالضمّ: المُفْرط الطول، وأنشد ابن برّيّ قول الطُّفيل [من الوافر]: طُوَالُ السَّاعِدَيْنِ يَهُزُّ لَدْنًا … يَلُوحُ سِنَانُهُ مِثْلَ الشِّهَابِ (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) بشين معجمة مفتوحة، ثم نون، ثم واو، ثم همزة، ثم هاء، وهو حيّ من اليمن يُنسبون إلى شنوءة، وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ولُقّب شنوءة؛ لشنآن كان بينه وبين أهله، والنسبة إليه شَنُوئيّ بالهمز بعد الواو، وبالهمز بغير واو، وقال الداوديّ: رجال الأزد معروفون بالطول. انتهى (٦). وقال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": سُمّوا بذلك من قولك: رجل فيه شَنُوءَةٌ، أي: تَقَزُّزٌ، قال: ويقال: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم تشانؤوا وتباعدوا، وقال الجوهريّ: الشَّنُوءَةُ على فَعُولة: التَّقَزُّزُ، وهو التباعد من الأدناس، ومنه أَزْدُ شنوءةَ، وهم حيّ من اليمن، يُنسَب إليهم شَنَئِيٌّ، قال: قال ابن السِّكِّيت: وربما قالوا: أَزْدُشَنُوَّةَ بالتشديد غيرَ مهموز، ويُنْسَب إليها شَنَوِيٌّ، وقال الراجز:

стр. 2572

نَحْنُ قُرَيْشٌ وَهُمُ شنُوَّةُ … بِنَا قُرَيْشًا خُتِمَ النُّبُوَّةُ (١) (وَقَالَ) ﷺ (عِيسَى جَعْدٌ) مبتدأ وخبره، يعني: أن عيسى ﵇ جَعْدٌ؛ أي: مكتنز الجسم، قال النوويّ ﵀: وقع في أكثر الروايات في صفته سَبِطُ الرأس، فقال العلماء: المراد بالجعد هنا جُعُودة الجسم، وهو اجتماعه واكتنازه، وليس المراد جعودة الشعر، وأما الجعد في صفة موسى ﵇، فسيأتي الكلام عليه في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. (مَرْبُوعٌ") قال أهل اللغة: هو الرجل بَيْن الرجلين في القامة، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير الحقير، وفيه لغات، ذكرهنّ صاحب "المحكم" وغيره، مَرْبُوع، ومُرْتَبِعٌ، ومُرْتَبَعٌ، - بفتح الباء وكسرها - ورَبْع، ورَبْعَة، ورَبَعَةٌ، الأخيرة بفتح الباء، والمرأة رَبْعَةٌ، ورَبَعَةٌ، نقله النوويّ ﵀ (٢). وقال المجد ﵀: الرَّبْعُ: الرجل بين الطُّول والقِصَر، كالمَرْبُوع، والرَّبْعَة، ويُحَرَّكُ، والمِرْبَاع، والمُرْتَبع، مبنيًّا للفاعل وللمفعول، وهي رَبْعَةٌ أيضًا، جمعها رَبْعَاتٌ، ومحرَّكةً شاذٌّ؛ لأن فَعْلةً صفةً لا تُحَرَّك عينها في الجمع، وإنما تُحرَّك إذا كانت اسمًا، ولم تكن العين واوًا أو ياءً. انتهى (٣). (وَذَكَرَ) أي: النبيّ ﷺ (مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ) أعاذنا الله تعالى منها (وَذَكَرَ الدَّجَّالَ) سيأتي قريبًا وصف النبيّ ﷺ بأنه رجل جَعْد قَطَط، أعور العين اليمنى، كأنها عِنَبةٌ طافية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٥ و ٤٢٦] (١٦٥) و [٨٠/ ٤٢٧ و ٤٢٨ و ٤٢٩] (١٦٦)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٣٩)، و"أحاديث

стр. 2573

الأنبياء" (٣٣٩٦)، و (ابن ماجه) في "كتاب المناسك" (٢٨٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٥ - ٢٥٩ - ٣٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٠ و ٣٩١ و ٣٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢١ و ٤٢٢ و ٤٢٣ و ٤٢٤ و ٤٢٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٣٢ و ٢٦٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): إثبات الإسراء بالنبيّ ﷺ . ٢ - (ومنها): بيان بعض ما رآه النبيّ ﷺ ليلة الإسراء، وهو رؤيته الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومالكًا خازن النار ﵇، والدجّال الكذاب، أعاذنا الله من فتنته. ٣ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على حبيبه ﷺ ، حيث أسرى به في ليلة واحدة، حتى وصل إلى الملإ الأعلى في سويعة، وشاهد فيها ما أطلعه الله على المغيّبات العلوية والسفليّة من الآيات الكبرى، ثم حفظ ذلك، وحدّث به كأنه يشاهده، وهذا من الفضل الجسيم، كما قاله : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ٤ - (ومنها): جواز نعت الإنسان بما فيه من الأوصاف الخَلْقيّة والخُلُقيّة؛ للتخصيص لا للتنقيص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبيِ العَالِيَة، حَدَّثنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ؛ رَجُلٌ آدَمُ، طُوَالٌ، جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْق، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاض، سَبِطَ الرَّأْسِ"، وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِنَ النَّار، وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ، أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ: (﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَدْ لَقِيَ مُوسَى ﵇.

стр. 2574

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبد لقبٌ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدِّب، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٣ - (شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. والباقون تقدّموا فيما قبله. وقوله: (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في بعض الأصول، وسقطت لفظة "مررت" في معظمها، ولا بُدّ منها، فإن حُذفت كانت مرادة. انتهى (١). وقوله: (جَعْدٌ) صاحب "التحرير" ﵀: فيه معنيان: [أحدهما]: ما تقدّم في عيسى ﵇، وهو اكتناز الجسم. [والثاني]: جُعُودة الشعر، قال: والأول أصحّ؛ لأنه قد جاء في رواية أبي هريرة ﵁ في "الصحيح" أنه رَجِلُ الشعر. انتهى. قال النوويّ ﵀: والمعنيان فيه جائزان، وتكون جُعُودة الشعر على المعنى الثاني ليست جعودة القَطَط، بل معناها أنه بَيْنَ القَطَط والسَّبِط، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). وقوله: (إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ) أي: بينهما. وقوله: (سَبِطَ الرَّأْسِ) قال النوويّ ﵀: "السَّبِطُ" بفتح السين المهملة، والباء الموحّدة، ويجوز كسرها، لغتان مشهورتان، ويجوز إسكان الباء مع كسر السين وفتحها، على التخفيف، كما في كَتِفٍ وبابِه، قال أهل اللغة: الشعرُ السَّبِطُ: هو المُسْتَرْسِلُ، ليس فيه تَكَسُّرٌ، ويقال في الفعل منه: سَبِطَ شعرُهُ - بكسر الباء - يَسْبَطُ - بفتحها - سَبَطًا بفتحها أيضًا. انتهى (٣).

стр. 2575

وقال المجد ﵀: "السَّبْطُ"، ويُحرَّك، وكَكَتِفٍ: نقيض الجَعْد، وقد سَبُطَ، كَكَرُمَ، وفَرِحَ، سَبْطًا، وسُبُوطًا، وسُبُوطَةً، وسَبَاطَةً. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: سَبِطَ الشعرُ سَبَطًا، من باب تَعِبَ، فهو سَبِطٌ بكسر الباء، وربّما قيل: سَبَط بالفتح وَصْفٌ بالمصدر: إذا كان مُسْتَرْسِلًا، وسَبُطَ سُبُوطَةً، فهو سَبْطٌ، مثلُ سَهُلَ سُهُولةً، فهو سَهْلٌ لغة فيه. انتهى (٢). وقوله: (وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ) قال النوويّ ﵀: هو بضم الهمزة، وكسر الراء، و"مالكًا" بالنصب، ومعناه: أُري النبيّ ﷺ مالكًا، وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" في هذا الحديث: "ورأيت مالكًا"، ووقع في أكثر الأصول: "مالكٌ" بالرفع، وهذا قد يُنْكَر، ويقال: هذا لحنٌ، لا يجوز في العربية، ولكن عنه جواب حَسَنٌ، وهو أن لفظة "مالك" منصوبة، ولكن أُسقطت الألف في الكتابة، وهذا يفعله المحدثون كثيرًا، فيكتبون "سمعتُ أَنَسً" بغير ألف، ويقرأونه بالنصب، وكذلك "مالكً" كتبوه بغير ألف، ويقرأونه بالنصب، فهذا - إن شاء الله تعالى - من أحسن ما يقال فيه، وفيه فوائدُ، يُتَنَبَّهُ بها على غيره. انتهى (٣)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]) قال النوويّ ﵀: هذا الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ هو من استدلال بعض الرواة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه من كلام ابن عبّاس ﵁، ويحتمل أن يكون مرفوعًا، وعليه يكون في قوله: "وأُري مالكًا … إلخ" التفات، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَدْ لَقِيَ مُوسَى ﵇ قال النوويّ ﵀: وأما تفسير قتادة فقد وافقه عليه جماعة منهم: مجاهد، والكلبيّ، والسديّ، وعلى مذهبهم معناه: فلا تكن في شكّ من لقائك موسى ﵇، وذهب كثيرون من المحققين من المفسرين، وأصحاب المعاني إلى أن معناها:

стр. 2576

فلا تكن في شكّ من لقاء موسى الكتاب، وهذا مذهب ابن عباس، ومقاتل، والزجاج، وغيرهم، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال القاضي عياض ﵀: وقول قتادة في آخر الحديث: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]؛ أي: أن نبيّ الله ﷺ لقي موسى ﵇، يعني: ليلة الإسراء، فالهاء على هذا عائدة على موسى ﵇، وقال غيره من المفسّرين: الهاء عائدة على الكتاب، أي: فلا تكن في مرية من تلقّي موسى الكتاب الذي أوتي، وعن الحسن: معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكُذّب، فلا تكن في مرية أنك ستلقى مثل ما لقيه من الأذى والتكذيب، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، يعود إلى الرجوع للآخرة والبعث، وما تقدّم من قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، واعتَرَضت قصّة موسى بين الكلامين. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول الأخير ضعفه مما لا يخفى؛ إذ فيه إخراج أسلوب الكتاب عن وضعه، فلا ينبغي ذكر مثله إلا للردّ عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٧] (١٦٦) - (حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَق، فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَق، قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّة، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ"، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ " قَالُوا (٣): ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي".

стр. 2577

قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيْمٌ: يَعْني لِيفًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المَروزيّ، ثم البغداديّ، خَرَجت به أمُّه من مرو وهي حاملٌ، فوَلَدته ببغداد، وبها طلب العلم، ثم طاف البلاد، أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ حافظٌ فقيه، مجتهدٌ، حجة، رأس الطبقة [١٠]. رَوَى عن بشر بن المفضل، وإسماعيل ابن علية، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وعلي بن عيّاش الحمصيّ، والشافعيّ، وغُندر، ومعتمر بن سليمان، وجماعة كثيرين. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والباقون مع البخاري أيضًا بواسطة، وأسود بن عامر شاذان، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبو الوليد، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، وهم من شيوخه، وقتيبة، وداود بن عمرو، وخَلَف بن هشام، وهم أكبر منه، وأحمد بن أبي الحواريّ، ويحيى بن معين، وعلي بن المدينيّ، والحسين بن منصور، وزياد بن أيوب، ودُحَيم، وأبو قُدامة السرخسيّ، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى بن أبي سُمينة، وهؤلاء من أقرانه، وابناه: عبد الله، وصالح، وتلامذته: أبو بكر الأثرم، وحرب الكرمانيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وحنبل بن إسحاق، وشاهين بن السَّميْدَع، والميمونيّ، وغيرهم، وآخر مَن حدَّث عنه أبو القاسم البغويّ. قال ابن معين: ما رأيت خيرًا من أحمد، ما افتخر علينا بالعربية قطّ، وقال عارم: قلت له يومًا: يا أبا عبد الله بلغني أنك من العرب، فقال: يا أبا النعمان، نحن قومٌ مساكين، وقال صالح: سمعت أبي يقول: وُلدت في سنة (١٦٤) في أولها، في ربيع الأول، وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: مات هُشيم سنة (١٨٣)، وخرجت إلى الكوفة في تلك الأيام، ودخلت البصرة سنة (٨٦)، وقال أيضًا: سمعته يقول: سمعت من علي بن هاشم بن البَرِيد سنة (١٧٩) في أول سنة طَلَبْتُ، وهي السنة التي مات فيها مالك، وقال أيضًا:

стр. 2578

حججت سنة (٨٧)، وقد مات فُضيل، ورأيت ابن وهب، ولم أكتب عنه، قال: وحججت خمس حِجَجٍ، منها ثلاثُ حِجج راجلًا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا، وقال إبراهيم بن شماس: وكيع بن الجراح، وحفص بن غياث يقولان: ما قَدِم الكوفة مثل ذاك الفتى؛ يعنيان: أحمد، وقال القطان: ما قَدِم عليّ مثل أحمد، وقال فيه مرة: حَبْرٌ من أحبار هذه الأمة، وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشدّ تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل، وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع، وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه، وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا، وقال الشافعيّ: خرجت من بغداد، وما خَفَفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل، وقال عبد الله الخُريبيّ: كان أفضل أهل زمانه، وقال أبو الوليد: ما بالمصرين أحبّ إليّ من أحمد، ولا أرفع قدرًا في نفسي منه، وقال العباس العنبريّ: حجة، وقال ابن المدينيّ: ليس في أصحابنا أحفظ منه، وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا، وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال يحيى بن معين: لو جلسنا مجلسًا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبت في الحديث، نَزِهُ النفس، فقيه في الحديث، مُتَّبع الآثار، صاحب سنة وخير، وقال أبو ثور: أحمد شيخنا وإمامنا، وقال العباس بن الوليد بن مَزْيد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا إلا شابٌّ في ناحية المشرق، يعني: أحمد، وقال بشر بن الحارث: أُدْخِل الكير، فخرج ذهبًا أحمر، وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل، وقال أحمد الدَّوْرقيّ: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتهموه على الإسلام، وقال أبو زرعة الرازيّ: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يُدريك؛ قال: أخذت عليه الأبواب، وقال نوح بن حبيب: رأيت أحمد في مسجد الخيف سنة (٩٨) مُستندًا إلى المنارة، فجاءه أصحاب الحديث، فجعل يُعَلِّمهم الفقه والحديث، ويفتي الناس، وقال عبد الله: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة. فال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكروا هذه القصّة، وما أظنّها تصحّ، فإن أحمد إمام في السنّة لا يخالف هدي النبيّ ﷺ في صلاته، فإنه لم يثبت عنه ﷺ -

стр. 2579

أنه كان يصليّ هذا المقدار من الصلاة، فتبصّر ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال هلال بن العلاء: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعيّ تفقه بحديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين نَفَى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عُبيد فسّر الغريب، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: هو إمام، وهو حجة، وقال النسائي: الثقة المأمون أحد الأئمة، وقال ابن ماكولا: كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين، وقال الخليليّ: كان أفقه أقرانه، وأروعهم، وأكفّهم عن الكلام في المحدثين، إلا في الاضطرار، وقد كان أمسك عن الرواية من وقت الامتحان، فما كان يروي إلا لبنيه في بيته، وقال ابن حبان في "الثقات": كان حافظًا متقنًا فقيهًا ملازمًا للورع الخفيّ، مواظبًا على العبادة الدائمة، أغاث الله به أمة محمد ﷺ ، وذلك أنه ثبت في المحنة، وبَذَل نفسه لله، حتى ضُرِب بالسياط للقتل، فعصمه الله تعالى عن الكفر، وجعله علمًا يُقْتَدَى به، وملجأً يُلْجَأُ إليه، وقال سليمان بن حرب لرجل سأله عن مسألة: سل عنها أحمد، فإنه إمام، وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجيّ: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد ولا أعقل، وهو عندي أفضل وأفقه من الثوريّ، وقال ابن سعد: ثقةٌ ثبتٌ صدوقٌ كثير الحديث، وقال أبو الحسن ابن الزاغونيّ: كُشِفَ قبرُ أحمد حين دُفن الشريفُ أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه، فوُجِد كفنه صحيحًا لم يَبْلَ، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة. قال عباس الدُّوريّ، ومُطَيَّن، والفضل بن زياد، وغيرهم: مات يوم الجمعة، لثنتي عشرة خَلَت من ربيع الأول سنة (٢٤١)، لكن قال الفضل: في ربيع الآخر، وكذلك قال عبد الله بن أحمد، وقيل: حُزِر مَن صلَّى عليه، فكانوا ثمانمائة ألف رجل وستين ألف امرأة، وقيل: أكثر من ذلك، وقال عبد الله: كان أبي يقول: قولوا لأهل البِدَع: بيننا وبينكم الجنائز. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٢ - (وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٩/ ٢٠٢٥.

стр. 2580

[تنبيه]: من يُسمّى بسُرَيج بالجيم مصغّرًا في الرواة اثنان فقط: (أحدهما): هذا المترجم هنا. (الثاني): سُريج بن النعمان بن مروان الجوهريّ، أبو الحسن البغداديّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ، يَهِم قليلًا، من كبار الطبقة [١٠] (ت ٢١٧) من رجال البخاريّ، والأربعة، ولم يروِ عنه المصنّف، والله تعالى أعلم. ٣ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٤ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) وقيل قبلها (حمام ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١. والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه سُريج، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، وداود علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فبغداديان، وهشيمًا فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ) هو وادٍ خلف أَمَجٍ، بينه وبين مكّةَ ميلٌ واحدٌ، و"أَمَج" بفتح الهمزة والميم، وبالجيم: قرية ذات مزارع هناك، قاله في "الفتح" (١). (فَقَالَ) ﷺ " (أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا) أي: الصحابة الحاضرون السؤالَ (هَذَا وَادِي الْأَزْرَق، قَالَ) ﷺ " (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى

стр. 2581

مُوسَى ﵇ قال المهلَّب ﵀: هذا وَهَمٌ من بعض رواته؛ لأنه لم يَأْتِ أثرٌ ولا خبرٌ أن موسى حيّ وأنه سيحجّ، وإنما أتى ذلك عن عيسى، فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: "لَيُهِلَّنَّ ابن مريم بفَجّ الرَّوْحَاء". انتهى. فتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: وهو تغليطٌ للثقات بمجرد التوهم، فسيأتي في "كتاب اللباس" من البخاريّ بالإسناد المذكور بزيادة ذكر إبراهيم فيه، أفيقال: إن الراوي غَلِطَ، فزاده؟ وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أبي العالية، عن ابن عباس بلفظ: "كأني أنظر إلى موسى هابطًا من الثنية، واضعًا إصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي، وله جؤارٌ إلى الله بالتلبية"، قاله لما مَرّ بوادي الأزرق، واستفيد منه تسمية الوادي، وهو خَلْفَ أَمَجٍ بينه وبين مكة ميل واحد، قال: وفي هذا الحديث أيضًا ذكر يونس، أفيقال: إن الراوي الآخر غَلِطَ، فزاد يونس؟. انتهى، وهو تعقّبٌ نفيسٌ. وقال ابن المُنَيِّر في "الحاشية": توهيم المهلَّب للراوي وَهَمٌ منه، وإلا فأيّ فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رُفع نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل. قال الحافظ: أراد المهلب بأن عيسى لَمّا ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: كأني أنظر إليه، ولهذا استدلّ المهلب بحديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه: "لَيُهِلَّنّ ابن مريم بالحج"، والله تعالى أعلم (١). وقوله: (هَابِطًا) منصوب على الحال، أي: حال كونه نازلًا (مِنَ الثَّنِيَّةِ) هي: العقَبَةُ، أو طريقها، أو الجَبَلُ، أو الطريقة فيه أو إليه، قاله المجد (٢). (وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبيَةِ) "الجُؤَارُ": بضم الجيم، وبالهمزة: رفع الصوت، ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]؛ أي: ترفعون أصواتكم، وتستغيثون، يقال: جأر يَجْأَرُ، قال عديّ بن زيد [من الرمل]: إِنَّنِي وَاللهِ فَاقْبَلْ حَلْفَتِي … بِأَبِيلٍ (٣) كُلَّمَا صَلَّى جَأَرْ

стр. 2582

وفيه استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد ورد الأمر به، فقد أخرج الترمذي عن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبيّ ﷺ سئل: أيُّ الحج أفضل؟ قال: "العَجّ، والثّجّ" (١)، وأخرج أحمد وأصحاب السنن بإسناد صحيح، عن خلاد بن السائب الأنصاريّ، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇، فأمرني أن آمر أصحابي، ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية"، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح، وسيأتي تمام البحث في محلّه من كتاب الحجّ - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ أتى) ﷺ (عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى) بفتح الهاء، وسكون الراء، بعدها شين معجمة، مقصورًا: قال ابن الأثير: ثنيّةٌ بين مكة والمدينة، وقيل: جبلٌ قُرب الجحفة. انتهى (٢). وقال القاضي عياض: جبلٌ من بلاد تهامة على طريق الشام، والمدينة قريبٌ من الجحفة. انتهى (٣). (فَقَالَ) ﷺ ("أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ لا قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ) ﷺ ("كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ بفتح الميم، وتشديد التاء، مقصورًا، هو اسم أبيه، قال في "الفتح": ووقع في "تفسير عبد الرزاق" أنه اسم أمِّه، وهو مردود بما في حديث ابن عبّاس ﵄ عند البخاريّ: ونسبه إلى أبيه، فهذا أصحّ، قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتّصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس. انتهى (٤). (عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ) متعلّق بحال محذوف، أي: حال كونه راكبًا عليها، و"الناقة": الأنثى من الإبل، قال أبو عُبيدة: ولا تُسمّى ناقةً حتى تُجْذِع، والجمع: أَيْنُقٌ بالقلب المكانيّ، بتقديم عين الكلمة على اللام، ونُوقٌ،

стр. 2583

ونِيَاق (١)، وقوله: (جَعْدَةٍ) بالجرّ صفة لـ "ناقة"، ومعناها: المكتنزة اللحم (عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ) جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، و"الجُبّة" بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة: من اللباس معروفة، جمعها جُبَبٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف (٢)، ويُجمع أيضًا على جِبَاب (٣). و"الصوف بالضمّ: معروفٌ، قاله في "القاموس"، وقال ابن سِيده: الصُّوف للغنم كالشعر للمعز، والوَبَر للإبل، والجمع أصواف، وقد يقال: الصوف للواحدة على تسمية الطائفة باسم الجميع، حكاه سيبويه، ويقال للواحدة: صوفة، وتُصغَّر على صُويفة، قاله في "التاج" (٤). (خِطَامُ نَاقَتِه) مبتدأ خبره قوله: "خُلبة"، و"الخِطام" بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة، جمعه خُطُمٌ، مثل كتاب وكُتُب: هو الحبل الذي يقاد به البعير، يُجعل على خَطْمه، سُمّي بذلك لأنه يَقَع على خطم البعير، وهو مقدّم الأنف والفم (٥)، وقال المجد: الخَطْمُ من الدابّة: مقدّم أنفها وفمها، قال: وخَطَمه بالخِطَام: جعله على أنفه، و"الخِطام ككتاب: ذلك المُعلَّقُ به. انتهى (٦). (خُلْبَة) بضمّ الخاء المعجمة، وبالباء الموحّدة بينهما لام، فيها لغتان مشهورتان: الضمّ، والإسكان، حكاهما ابن السِّكّيت، والجوهريّ، وآخرون، وكذلك الخُلُب، والخُلْبُ، وهو الليف، كما فسّره هُشيم هنا. وقوله: (وَهُوَ يُلَبِّي") جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، فتكون أربعة أحوال، إما مترادفة، أو متداخلة. وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وأنها تتأكد عند الهبوط، كما تتأكد عند الصعود (٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2584

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٢٧ و ٤٢٨ و ٤٢٩] (١٦٦)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٥٥)، و "أحاديث الأنبياء" (٣٣٥٥)، و"كتاب اللباس" (٥٩١٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٥ - ٢٧٦ - ٢٩٦)، أما فوائد الحديث فقد تقدّمت، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "كأني أنظر": (اعلم): أنه قد اختلف أهل التحقيق في معناه على أوجه: قال القاضي عياض ﵀: أكثر الروايات في وصفهم تدلّ على أنه ﷺ رأى ذلك ليلة أُسري به، وقد وقع ذلك مُبَيَّنًا في رواية أبي العالية، عن ابن عباس ﵄، وفي رواية ابن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁، وليس فيها ذكر التلبية. قال: [فان قيل]: كيف يَحُجّون، ويُلَبُّون، وهم أموات، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟. [فاعلم]: أن للمشايخ، وفيما ظَهَرَ لنا عن هذا أجوبةٌ: [أحدهما]: أنه على الحقيقة؛ لأن الأنبياء كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يَبْعُد أن يَحُجُّوا ويُصَلّوا، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا؛ كما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ رأى موسى قائمًا في قبره يصلي، فإنهم وإن كانوا قد تُوُفّوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل. قال القرطبيّ ﵀: حُبِّبت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم، لا بما يُلْزَمون به، كما يُلْهَم أهل الجنة الذكر، ويؤيّده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء؛ لقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية [يونس: ١٠].

стр. 2585

[الوجه الثاني]: أن عمل الآخرة ذكرٌ ودعاءٌ، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية [يونس: ١٠]. [الوجه الثالث]: أن تكون هذه رؤية منام ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء، كما قال في رواية ابن عمر ﵄: "بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة … "، وذكر الحديث في قصة عيسى ﷺ . [الوجه الرابع]: أنه ﷺ أُرِيَ أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومُثِّلُوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجُّهم وتلبيتهم، كما قال ﷺ : "كأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى عيسى، وكأني أنظر إلى يونس ﵈". [الوجه الخامس]: أن يكون أَخْبَر عما أوحي إليه ﷺ من أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرَهم رؤية عين. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ بزيادة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وعندي أن الجواب الأول هو الأرجح؛ لأن معظم الروايات واضحة فيه، والروايات التي تدلّ على أنه وقع له منامًا لا تنافي هذا، فإنه لا يمتنع أن يقع له ذلك في الحالتين في اليقظة والمنام، فتأمل. وممّا يوضّح ما قلته، ويقوّي ما رجّحته ما حقّقه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقيّ ﵀ في كتابه النافع، فقد جمع ﵀ كتابًا لطيفًا في حياة الأنبياء في قبورهم، أورد فيه حديث أنس: "الأنبياء أحياء في قبورهم يُصَلُّون"، أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير، وهو من رجال الصحيح، عن المستلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان، عن الحجَّاج الأسود، وهو ابن أبي زياد البصريّ، وقد وثقه أحمد وابن معين، عن ثابت، عنه، وأخرجه أيضًا أبو يعلى في "مسنده" من هذا الوجه، وأخرجه البزّار، لكن وقع عنده عن حجاج الصوّاف، وهو وَهَمٌ، والصواب الحجَّاج الأسود، كما وقع التصريح به في رواية البيهقيّ، وصححه البيهقيّ. وأخرجه أيضًا من طريق الحسن بن قتيبة، عن المستلم، وكذلك أخرجه البزّار وابن عديّ، والحسن بن قتيبة ضعيف. وأخرجه البيهقيّ أيضًا من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أحد فقهاء الكوفة، عن ثابت بلفظ آخر، قال: "إن الأنبياء لا يُترَكون في

стр. 2586

قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلّون بين يدي الله، حتى يُنفَخ في الصور"، ومحمد سيئ الحفظ. وذكر الغزاليّ، ثم الرافعيّ حديثًا مرفوعًا: "أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث، ولا أصلي له"، إلا إن أُخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيد؛ لأن رواية ابن أبي ليلى قابلة للتأويل. قال البيهقيّ: إن صَحّ فالمراد أنهم لا يُترَكون يصلّون إلا هذا المقدار (١)، ثم يكونون مصلين بين يدي الله، قال البيهقيّ: وشاهد الحديث الأول ما ثبت في "صحيح مسلم" من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، رفعه: "مررت بموسى ليلةَ أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن أنس. [فإن قيل]: هذا خاصّ بموسى ﵇. [قلنا]: قد وجدنا له شاهدًا من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم أيضًا، من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "لقد رأيتني في الحِجْر، وقريش تسألني عن مسراي … " الحديث، وفيه: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضَرْبٌ جَعْدٌ، كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يصلي، أقرب الناس به شَبَهًا عروة بن مسعود الثقفيّ، وإذا إبراهيم؛ قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم … ". قال البيهقيّ: وفي حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁ أنه لقيهم ببيت المقدس، فحضرت الصلاة، فأَمَّهم نبيّنا ﷺ ، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، وفي حديث أبي ذرّ، ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء، أنه لقيهم بالسماوات، وطرق ذلك صحيحة، فيحمل على أنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، ثم عُرِج به هو، ومن ذَكَر من الأنبياء إلى السماوات، فلقيهم النبيّ ﷺ ، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، فحضرت الصلاة فأمَّهم نبينا ﷺ ، قال:

стр. 2587

وصلاتهم في أوقات مختلفة، وفي أماكن مختلفة لا يردّه العقل، وقد ثبت به النقل، فَدَلَّ ذلك على حياتهم. قال الحافظ ﵀ بعد نقله عن البيهقيّ ﵀ ما تقدّم: وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل، فإنه يُقَوِّيه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن، والأنبياء أفضل من الشهداء. قال: ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود، من حديث أبي هريرة رفعه، وقال فيه: "وصَلُّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"، وسنده صحيح، وأخرجه أبو الشيخ في "كتاب الثواب" بسند جيد، بلفظ: "مَن صَلَّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليّ نائيًا بُلِّغْتُهُ"، وعند أبي داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة وغيره، عن أوس بن أوس، رفعه، في فضل يوم الجمعة: "فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ"، قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعْرَضُ صلاتنا عليك وقد أَرَمْتَ؟، قال: "إن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذكر أن أرجح الأجوبة هو القول بأن الحديث على ظاهر ما دلّ عليه من أن الأنبياء يصلّون ويَحجّون، فما صحّ لدينا من الأدلّة بأنهم يفعلون كذا حملناه على ظاهره، دون أي توقّف، والله تعالى قادر على كلّ شيء، وهم أهل لإكرامهم بما ذُكر، فتأمل بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: ومما يُسْتَشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود بسنده عن أبي هريرة ﵁، رفعه: "ما من أحد يُسَلِّم عليّ إلا رَدّ الله عليّ روحي، حتى أرد ﵇"، ورواته ثقات. ووجه الإشكال فيه أن ظاهره أن عَوْد الروح إلى الجسد يَقتضي انفصالها عنه، وهو الموت. وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة:

стр. 2588

[أحدها]: أن المراد بقوله: "رَدّ الله عليّ روحي" أن ردّ روحه كانت سابقةً عقب دفنه، لا أنها تعاد، ثم تُنْزَع، ثم تعاد. [الثاني]: سَلّمنا، لكن ليس هو نزع موت، بل لا مشقة فيه. [الثالث]: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك. [الرابع]: المراد بالروح النطق، فتَجَوَّز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه. [الخامس]: أنه يَستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سُلِّم عليه، رَجَعَ إليه فهمه؛ ليجيب مَن سَلَّم عليه. وقد استُشْكِل ذلك من جهة أخرى، وهو أنه يَستلزم استغراق الزمن كله في ذلك؛ لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يُحصَى كثرةً. وأجيب بأن أمور الآخرة لا تُدْرَك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، والله تعالى أعلم، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة عندي وأرجحها هو الخامس، وما عداه فلا يخفى ضعفه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَق، فَقَالَ: "كَأَنِّي أنظُرُ إِلَى مُوسَى ﷺ ، فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ، وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ (٣) فِي أُذُنَيْه، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَة، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ "، قَالُوا: هَرْشَى، أَوْ لِفْتٌ،

стр. 2589

فَقَالَ (١): "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ، عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ، خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي، مُلَبِّيًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا، وكذا الباقون، و"داود": هو ابن أبي هند المذكور في السند الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ) يعني: أن أبا العالية ذكر مما ذكر له ابن عبّاس ﵄ من وصف لون موسى ﵇، ووصف شعره، لكن داود بن أبي هند نسي ذلك، وقد حفظه غيره، فقد سبق في رواية قتادة، عن أبي العالية: "رجلٌ آدم، طُوالٌ جعد، كأنه من رجال شنوءة"، ونحوه من رواية مجاهد، عن ابن عبّاس ﵄ في الحديث التالي. وقوله: (وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) وفي نسخة: "إصبعه في أذنه" بالإفراد، و"الإصبع" فيها عشر لغات: كسر الهمزة، وفتحها، وضمها، مع فتح الباء، وكسرها، وضمها، والعاشرة أُصبُوع، على مثال عُصْفُور. وفي هذا دليل على استحباب وضع الإصبع في الأذن عند رفع الصوت بالأذان ونحوه، مما يستحب له رفع الصوت. قال النوويّ ﵀: وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا وغيرهم: إن شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما حقّقت ذلك في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوْ لِفْتٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناها "لِفْتٌ" بكسر اللام، وإسكان الفاء، وبعدها تاء مثناة من فوق، وذكر القاضي، وصاحب "المطالع" فيها ثلاثة أوجه: [أحدها]: ما ذكرته.

стр. 2590

[والثاني]: فتح اللام، مع إسكان الفاء. [والثالث]: فتح اللام والفاء جميعًا. انتهى (١). وعبارة عياض ﵀: قوله: ثنيّة هرشى، أو لفت" هَرْشَى بفتح الهاء، وسكون الراء: جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة، قريبٌ من الجُحْفة، و"لفت": موضع بين مكة والمدينة، قاله الكنديّ، سمعنا هذا الحرف من القاضي الشهيد بفتح اللام والفاء، ومن الشيخ أبي بحر هنا بفتح اللام فقط، وسكون الفاء، ومن الحافظ أبي الحسين بكسر اللام، وسكون الفاء، وأنشدنا بعضهم في ذلك [من الطويل]: مَرَرْنَا بِلَفْتٍ وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا … قَلَائِدُ دُرِّ حُلَّ عَنْهَا نِظَامُهَا وروينا هذا البيت في كتاب مشاهد ابن هشام عن أشياخنا التميميّ، والأسديّ، وابن سراج: وَلفْتًا سَدَدْنَاهُ وَفَجَّ صَلَاحِ كذا سمعناه بالكسر، وكذا كان في المشاهد عند أبي بحر، وكذا قيّدناه عنه. انتهى كلام عياض ﵀ (٢). وقوله: (خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ، خُلْبَةٌ) رُوي بتنوين "ليفٍ"، ورُوي بإضافته إلى "خُلْبة"، فمن نَوّن جعل "خلبة" بدلًا، أو عطف بيان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٩] ( … ) - (حَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: "أمّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْه، إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي").

стр. 2591

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطَبَان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (١) (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣. (مُجَاهِدُ) بن جَبْر، أبو الحجَّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٣] (ت ١٠١) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: حديث مجاهد هذا وقع عند البخاريّ عنه عن ابن عمر بدل ابن عبّاس، ونصّه: (٣٤٣٨) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ : "رأيت عيسى، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ، عَرِيض الصدر، وأما موسى فآدم، جسيمٌ، سَبِطٌ، كأنه من رجال الزط". انتهى. فتكلّم الحفّاظ فيه، وقالوا: إنه غلطٌ، والصواب: "عن ابن عبّاس ﵄". قال في "الفتح": قوله: "عن ابن عمر" كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاريّ، وقد تعقبه أبو ذرّ في روايته، فقال: كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفِرَبريّ: "مجاهد، عن ابن عمر"، قال: ولا أدري أهكذا حدّث به البخاريّ، أو غَلِط فيه الفربريّ؟ لأني رأيته في جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن كثير، وقال فيه: "ابن عباس"، قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارميّ، عن محمد بن كثير، قال: وتابعه نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبرانيّ، عن أحمد بن مسلم الخزاعيّ، عن محمد بن كثير، وقال: رواه البخاريّ، عن محمد بن كثير،

стр. 2592

فقال: مجاهد، عن ابن عمر، ثم ساقه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، فقال: ابن عباس. انتهى. وأخرجه ابن منده في "كتاب الإيمان" من طريق محمد بن أيوب بن الضُّرَيس، وموسى بن سعيد الدندانيّ، كلاهما عن محمد بن كثير، فقال فيه: "ابن عباس"، ثم قال: قال البخاريّ عن محمد بن كثير، عن "ابن عمر"، والصواب عن "ابن عباس". وقال أبو مسعود في "الأطراف": إنما رواه الناس عن محمد بن كثير، فقال: "مجاهد، عن ابن عباس" ووقع في البخاريّ في سائر النسخ: "مجاهد، عن ابن عمر"، وهو غلطٌ، قال: وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة، وإسحاق بن منصور، والنضر بن شُميل، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، عن إسرائيل، فقالوا: "ابن عباس"، قال: وكذلك رواه ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس. انتهى. ورواية ابن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم ﵇، ولكن لا ذكر لعيسى ﵇ فيها، وأخرجها مسلم، عن شيخ البخاريّ فيها، وليس فيها لعيسى ذكرٌ، إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى، حسبُ. وقال محمد بن إسماعيل التيميّ: ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاريّ، فإن الإسماعيليّ أخرجه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد، وقال فيه: "عن ابن عباس"، ولم يُنَبِّه على أن البخاريّ قال فيه: "عن ابن عمر"، فلو كان وقع له كذلك لنَبّه عليه كعادته. والذي يُرَجِّح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار ابن عمر على من قال: إن عيسى أحمر، وحَلِفِهِ على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه: "فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ"، فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد، عن ابن عباس، لا عن ابن عمر. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوب بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في الأصول، وهو صحيح، قوله: "فقال: إنه مكتوب"؛ أي: قال قائل من

стр. 2593

الحاضرين، ووقع في "الجمع بين الصحيحين" لعبد الحق في هذا الحديث، من رواية مسلم: "فذكروا الدجال، فقالوا: إنه مكتوب بين عينيه"، هكذا رواه: "فقالوا"، وفي رواية الحميديّ عن "الصحيحين": "وذكروا الدجال بين عينيه كافر"، فحذف لفظة "قال"، و"قالوا"، وهذا كله يصحح ما تقدم. انتهى. وقوله: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ) وفي نسخة: "قال ذلك"، يعني: لم أسمع النبيّ ﷺ تكلم بقوله: "إنه مكتوب بين عينيه كافر"، وهذا لا ينافي أن غيره سمعه يقول ذلك، فسيأتي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك ﵃ أنهم سمعوه من النبي ﷺ يقول: "إنه مكتوب بين عينيه كافر"، وقد ساق المصنف ﵀ أحاديثهم في "كتاب الفتن، وأشراط الساعة". وقوله: (فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ) يريد النبيّ ﷺ بذلك نفسه، فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم ﵇. وقوله: (إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي) هكذا هو في الأصول كلها "إذا" بالألف بعد الذال، وهو صحيح، وقد حكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه أنكر إثبات الألف، وغَلَّط راويه، وغَلَّطه القاضي، وقال: هذا جهل من هذا القائل، وتَعَسُّف، وجَسَارةٌ على التوهم لغير ضرورة، وعدمُ فهم بمعاني الكلام؛ إذ لا فرق بين "إذا" و"إذ" هنا؛ لأنه وَصَفَ حاله حين انحداره فيما مضى. [تنبيه]: لم يُصَرّح أحدٌ ممن رَوَى هذا الحديث عن ابن عون بذكر النبيّ ﷺ ، قاله الإسماعيليّ، ولا شك أنه مراد؛ لأن ذلك لا يقوله ابن عباس مِن قِبَل نفسه، ولا عن غير النبيّ ﷺ ، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٠] (١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا

стр. 2594

مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِر، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عُرِضَ عَليَّ الْأنبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْب مِنَ الرِّجَال، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، فَإِذَا أقرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ (١)، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: "دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثّقَفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمى الفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ حجةٌ [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٦) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى أسانيده، كما مرّ غير مرّة، وله فيه شيخان فرّق بينهما.

стр. 2595

٢ - (ومنها): أنه إنما فرّق بين شيخيه، ولم يقرُن بينهما؛ للاختلاف بينهما في شيئين: (الأول): أن قتيبة قال: "حدّثنا"؛ إشارة إلى أنه إنما أخذه سماعًا من لفظ شيخه، ومحمد بن رُمح قال: "أخبرنا"؛ إشارةً إلى أنه إنما سمعه من شيخه بقراءة غيره عليه. (الثاني): أن قتيبة قال: "ليثٌ" بدون "أل"، وقال ابن رُمح: "الليث" بـ "أل"، وكلاهما جائز؛ لأن "أل" هنا للمح الأصل، يجوز ذكرها وحذفها، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْضُ الأعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كَالفَضْلِ وَالحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه محمد، فقد تفرّد به هو وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أن هذه الرواية مما يؤمن فيه تدليس أبي الزبير؛ لأنها من رواية الليث عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر ﵁، فقد قال سعيد بن أبي مريم: حدّثنا الليث، قال: جئتُ أبا الزبير، فدَفَع لي كتابين، فسألته: أسمعت هذا كلّه عن جابر؟ قال: لا، فيه ما سمعت، وفيه ما لم أسمع، قلت: فأَعْلم لي على ما سمعتَ منه، فاعلم لي على هذا الذي عندي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذا الذي ذكره الليث مع قاعدة رواية شعبة عن شيوخه المدلّسين، كأبي إسحاق السبيعيّ، وقتادة، والأعمش، وكذلك رواية يحيى القطّان عن شيوخه المدلّسين، فقلت: شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ المُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ المُعْتَمَدْ وَهَكَذَا القَطَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ … دَلَّسَ مَا لَيْسَ سَمَاعًا يُؤْتَمَنْ كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ … رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ تَخْشَ يَا فَطِنْ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَلْتَعْلَمَا
следующие страницы →