← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطَبَان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (١) (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣. (مُجَاهِدُ) بن جَبْر، أبو الحجَّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٣] (ت ١٠١) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: حديث مجاهد هذا وقع عند البخاريّ عنه عن ابن عمر بدل ابن عبّاس، ونصّه: (٣٤٣٨) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ : "رأيت عيسى، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ، عَرِيض الصدر، وأما موسى فآدم، جسيمٌ، سَبِطٌ، كأنه من رجال الزط". انتهى. فتكلّم الحفّاظ فيه، وقالوا: إنه غلطٌ، والصواب: "عن ابن عبّاس ﵄". قال في "الفتح": قوله: "عن ابن عمر" كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاريّ، وقد تعقبه أبو ذرّ في روايته، فقال: كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفِرَبريّ: "مجاهد، عن ابن عمر"، قال: ولا أدري أهكذا حدّث به البخاريّ، أو غَلِط فيه الفربريّ؟ لأني رأيته في جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن كثير، وقال فيه: "ابن عباس"، قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارميّ، عن محمد بن كثير، قال: وتابعه نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبرانيّ، عن أحمد بن مسلم الخزاعيّ، عن محمد بن كثير، وقال: رواه البخاريّ، عن محمد بن كثير،

стр. 2592

فقال: مجاهد، عن ابن عمر، ثم ساقه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، فقال: ابن عباس. انتهى. وأخرجه ابن منده في "كتاب الإيمان" من طريق محمد بن أيوب بن الضُّرَيس، وموسى بن سعيد الدندانيّ، كلاهما عن محمد بن كثير، فقال فيه: "ابن عباس"، ثم قال: قال البخاريّ عن محمد بن كثير، عن "ابن عمر"، والصواب عن "ابن عباس". وقال أبو مسعود في "الأطراف": إنما رواه الناس عن محمد بن كثير، فقال: "مجاهد، عن ابن عباس" ووقع في البخاريّ في سائر النسخ: "مجاهد، عن ابن عمر"، وهو غلطٌ، قال: وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة، وإسحاق بن منصور، والنضر بن شُميل، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، عن إسرائيل، فقالوا: "ابن عباس"، قال: وكذلك رواه ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس. انتهى. ورواية ابن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم ﵇، ولكن لا ذكر لعيسى ﵇ فيها، وأخرجها مسلم، عن شيخ البخاريّ فيها، وليس فيها لعيسى ذكرٌ، إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى، حسبُ. وقال محمد بن إسماعيل التيميّ: ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاريّ، فإن الإسماعيليّ أخرجه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد، وقال فيه: "عن ابن عباس"، ولم يُنَبِّه على أن البخاريّ قال فيه: "عن ابن عمر"، فلو كان وقع له كذلك لنَبّه عليه كعادته. والذي يُرَجِّح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار ابن عمر على من قال: إن عيسى أحمر، وحَلِفِهِ على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه: "فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ"، فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد، عن ابن عباس، لا عن ابن عمر. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوب بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في الأصول، وهو صحيح، قوله: "فقال: إنه مكتوب"؛ أي: قال قائل من

стр. 2593

الحاضرين، ووقع في "الجمع بين الصحيحين" لعبد الحق في هذا الحديث، من رواية مسلم: "فذكروا الدجال، فقالوا: إنه مكتوب بين عينيه"، هكذا رواه: "فقالوا"، وفي رواية الحميديّ عن "الصحيحين": "وذكروا الدجال بين عينيه كافر"، فحذف لفظة "قال"، و"قالوا"، وهذا كله يصحح ما تقدم. انتهى. وقوله: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ) وفي نسخة: "قال ذلك"، يعني: لم أسمع النبيّ ﷺ تكلم بقوله: "إنه مكتوب بين عينيه كافر"، وهذا لا ينافي أن غيره سمعه يقول ذلك، فسيأتي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك ﵃ أنهم سمعوه من النبي ﷺ يقول: "إنه مكتوب بين عينيه كافر"، وقد ساق المصنف ﵀ أحاديثهم في "كتاب الفتن، وأشراط الساعة". وقوله: (فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ) يريد النبيّ ﷺ بذلك نفسه، فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم ﵇. وقوله: (إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي) هكذا هو في الأصول كلها "إذا" بالألف بعد الذال، وهو صحيح، وقد حكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه أنكر إثبات الألف، وغَلَّط راويه، وغَلَّطه القاضي، وقال: هذا جهل من هذا القائل، وتَعَسُّف، وجَسَارةٌ على التوهم لغير ضرورة، وعدمُ فهم بمعاني الكلام؛ إذ لا فرق بين "إذا" و"إذ" هنا؛ لأنه وَصَفَ حاله حين انحداره فيما مضى. [تنبيه]: لم يُصَرّح أحدٌ ممن رَوَى هذا الحديث عن ابن عون بذكر النبيّ ﷺ ، قاله الإسماعيليّ، ولا شك أنه مراد؛ لأن ذلك لا يقوله ابن عباس مِن قِبَل نفسه، ولا عن غير النبيّ ﷺ ، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٠] (١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا

стр. 2594

مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِر، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عُرِضَ عَليَّ الْأنبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْب مِنَ الرِّجَال، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، فَإِذَا أقرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ (١)، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: "دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثّقَفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمى الفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ حجةٌ [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٦) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى أسانيده، كما مرّ غير مرّة، وله فيه شيخان فرّق بينهما.

стр. 2595

٢ - (ومنها): أنه إنما فرّق بين شيخيه، ولم يقرُن بينهما؛ للاختلاف بينهما في شيئين: (الأول): أن قتيبة قال: "حدّثنا"؛ إشارة إلى أنه إنما أخذه سماعًا من لفظ شيخه، ومحمد بن رُمح قال: "أخبرنا"؛ إشارةً إلى أنه إنما سمعه من شيخه بقراءة غيره عليه. (الثاني): أن قتيبة قال: "ليثٌ" بدون "أل"، وقال ابن رُمح: "الليث" بـ "أل"، وكلاهما جائز؛ لأن "أل" هنا للمح الأصل، يجوز ذكرها وحذفها، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْضُ الأعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كَالفَضْلِ وَالحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه محمد، فقد تفرّد به هو وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أن هذه الرواية مما يؤمن فيه تدليس أبي الزبير؛ لأنها من رواية الليث عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر ﵁، فقد قال سعيد بن أبي مريم: حدّثنا الليث، قال: جئتُ أبا الزبير، فدَفَع لي كتابين، فسألته: أسمعت هذا كلّه عن جابر؟ قال: لا، فيه ما سمعت، وفيه ما لم أسمع، قلت: فأَعْلم لي على ما سمعتَ منه، فاعلم لي على هذا الذي عندي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذا الذي ذكره الليث مع قاعدة رواية شعبة عن شيوخه المدلّسين، كأبي إسحاق السبيعيّ، وقتادة، والأعمش، وكذلك رواية يحيى القطّان عن شيوخه المدلّسين، فقلت: شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ المُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ المُعْتَمَدْ وَهَكَذَا القَطَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ … دَلَّسَ مَا لَيْسَ سَمَاعًا يُؤْتَمَنْ كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ … رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ تَخْشَ يَا فَطِنْ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَلْتَعْلَمَا

стр. 2596

هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ المَنَالْ … يَصبُو لَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الرِّجَالْ ٥ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عُرِضَ) بالبناء للمفعول، أي: أُريتُ، يقال: عَرَضَ عليه الشيءَ، من باب ضرب: إذا أراه إيّاه (١). (عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ) الظاهر أن هذا العرض ليلة الإسراء، ويحتمل أن يكون في غيرها، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا) هي الفجائيّة (مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ) بفتح الضاد المعجمة، وإسكان الراء، قال القاضي عياض ﵀: هو الرجل بين الرجلين في كثرة اللحم وقِلّته، وقال القرطبيّ ﵀: الضرب من الرجال الذي له جسم بين جسمين، ليس بالضخم، ولا بالضَّئيل، قال طرفة [من الطويل]: أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ … خُشَاشٌ (٢) كَرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ وسيأتي في الرواية التالية بلفظ: "مُضْطَربٌ" وهو الطويل غير الشديد، وهو ضدّ جَعْدِ اللحم، مُكْتَنزه، وقال عياضٌ ﵀: لكن يَحْتَمِلُ أن الرواية الأولى أصحّ، يعني رواية "ضَرْبٌ"؛ لقوله في الرواية الأخرى: "حَسِبته قال: مضطرب"، فقد ضَعُفت هذه الرواية للشك، ومخالفة الأخرى التي لا شكّ فيها، وفي الرواية الأخرى: "جَسِيمٌ سَبِطٌ"، وهذا يَرْجِع إلى الطويل، ولا يُتَأَوَّلُ جسيم بمعنى سَمِين؛ لأنه ضِدُّ "ضَرْب"، وهذا إنما جاء في صفة الدجال. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٣).

стр. 2597

وتعقّبه النوويّ ﵀، فقال: وهذا الذي قاله من تضعيف رواية "مُضْطَرب"، وأنها مخالفة لرواية "ضَرْب"، لا يُوَافَقُ عليه، فإنه لا مخالفة بينهما، فقد قال أهل اللغة: "الضرْبُ": هو الرجل الخفيف اللحم، كذا قاله ابن السِّكِّيت في "الإصلاح"، وصا حب "المجمل"، والزبيديّ، والجوهريّ، وآخرون لا يحصون. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تعّقب حسنٌ، والله تعالى أعلم. (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) تقدّم الكلام على هذه الجملة، وأن المراد تشبيهه بهذه القبيلة في الطول؛ لأنها معروفة به (وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، فَإِذَا) للمفاجأة أيضًا (أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا) أي: مماثلًا، وانتصابه على الحال، قال المجد ﵀: "الشِّبْهُ" بالكسر، والتحريك، وكأمير: المِثْلُ، جمعه أشباهٌ، وشابهه، وأشبهه: ماثله. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: "الشَّبَهُ" بفتحتين، والشَّبِيه مثلُ كريم، والشِّبْه بالكسر، مثلُ حِمْلٍ: المشابه، وشبَهتُ الشيءَ بالشيء: أقمته مُقامه لصفة جامعة بينهما، وتكون تلك الصفة ذاتيّةً ومعنويّةً، فالذاتيّة كهذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد، والمعنويّة نحو: زيدٌ كالأسد أو كالحمار، أي: في شدّته وبلادته، وزيد كعمرو، أي: في قوّته، وكَرَمه وشبَهِه، وقد يكون مجازًا، نحو: الغائب كالمعدوم. انتهى (٢). (عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) بن مُعَتِّب - بالمهملة، والمثناة المشددة - بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفيّ، وهو عَمُّ والد المغيرة بن شعبة، وأمه سُبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، أخت آمنة، كان أحد الأكابر من قومه، وقيل: إنه المراد بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]، قال ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب، وقتادة، والسُّدّيّ: المراد بالقريتين: مكة والمدينة (٣)، وثبت ذكر عروة بن

стр. 2598

مسعود في الحديث الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، وهو مُسْتَوْفًى في "صحيح البخاريّ". وترجمه ابنُ عبد البر بأنه شَهِدَ الحديبية، وهو كذلك، لكن في العرف إذا أُطلق على الصحابي أنه شَهِد غزوة كذا يَتَبادر أن المراد أنه شَهِدها مسلمًا، فلا يقال: شَهِد معاوية بدرًا؛ لأنه لو أُطلق ذلك ظَنّ مَن لا خِبْرة له؛ لكونه عَرَف أنه صحابيّ أنه شَهِدها مع المسلمين، وذكر موسى بن عُتبة (١)، عن ابن شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، وكذلك ذكره ابن إسحاق يزيد بعضهم على بعض: أن أبا بكر لَمّا صَدَر من الحجّ سنة تسع، قَدِمَ عروة بن مسعود الثقفيّ على النبيّ ﷺ ، وفي رواية ابن إسحاق أنه اتّبَع أثر النبيّ ﷺ لَمّا انصرف من الطائف، فأسلم واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأَذِن له، فدعاهم إلى الإسلام، ونَصَحَ لهم، فعصوه، وأسمعوه من الأذى، فلما كان من السَحَر قام على غُرْفة له، فَأَذَّن، فرماه رجل من ثقيف بسهم، فقتله، فلما بَلَغَ ذلك النبيّ ﷺ ، قال: "مَثَلُ عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله، فقتلوه" (٢). واختُلِف في اسم قاتله، فقيل: أوس بن عوف، وقيل: وهب بن جابر، وقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فِيّ إلا ما في الشهداء الذين قُتِلوا مع النبيّ ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم (٣).

стр. 2599

(وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ) لأنه ﷺ أشبه الناس بإبراهيم ﵇ (وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ) بفتح الدال وكسرها لغتان مشهورتان (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ) يعني: شيخه الثاني في هذا السند (دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ) يعني: أنه نسبه إلى أبيه، وأما قتيبة، فلم ينسُبه إليه، بل قال: "دحية" فقط. وهو دَحْيَةُ بن خَلِيفة بن فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج - بفتح المعجمة، وسكون الزاي، ثم جيم - ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر ابن عوف الكلبيّ ﵁. صحابيّ مشهورٌ أولُ مشاهده الخندق، وقيل: أُحُدٌ، ولم يشهد بدرًا، وكان يُضْرَب به المثل في حسن الصورة، وكان جبرائيل ﵇ ينزل على صورته، جاء ذلك من حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة ﵂، ورَوَى النسائيّ بإسناد صحيح، عن يحيى بن معمر، عن ابن عمر ﵄: "كان جبرائيل يأتي النبيّ ﷺ في صورة دحية الكلبيّ"، ورَوَى الطبراني من حديث عُفير بن مَعْدان، عن قتادة، عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبيّ" (١)، وكان دحية رجلًا جميلًا. وروى العجليّ في "تاريخه" عن عَوَانة بن الحَكَم، قال: أجمل الناس مَن كان جبرائيل ينزل على صورته. قال ابن قتيبة في "غريب الحديث": فأما حديث ابن عباس: كان دحية إذا قَدِم المدينة لم تَبْقَ مُعْصِرٌ (٢) إلا خرجت، تنظر إليه، فالمعنى بالمُعْصِر: العاتق. وقال ابن البَرْقيّ: له حديثان عن النبيّ ﷺ ، وقال الحافظ ﵀: يَجتمع لنا عنه نحو الستة. وهو رسول النبيّ ﷺ إلى قيصر، فلقيه بِحِمْصَ أول سنة سبع، أو آخر سنة ستّ.

стр. 2600

ومن المنكر ما أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" عن ابن عباس: أن دحية أسلم في خلافة أبي بكر ﵁، وقد ردَّه ابن عساكر بأن في إسناده الحسين بن عيسى الحنفيّ، وهو أخو سُلَيم القارئ، وهو صاحب مناكير. وقد رَوَى الترمذيّ من حديث المغيرة ﵁: أنّ في حية أهدى إلى النبيّ ﵇ خفين، فلبسهما، وعند أبي داود من طريق خالد بن يزيد بن معاوية، عن دحية، قال: أُهدي إلى النبيّ ﷺ قُبَاطيّ (١)، فأعطاني منها قِبطية. ورَوَى أحمد من طريق الشعبيّ، عن دحية قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارًا على فرس، فينتج لك بغلًا فتركبها؟ قال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" (٢). وقال ابن سعد: أخبرنا وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: بَعَثَ رسول الله ﷺ دِحيةَ سَرِيَّةً وحده"، وقد شَهِد دحية اليرموك، وكان على كُرْدُوس، وقد نَزَل دمشق، وسكن المِزَّة، وعاش إلى خلافة معاوية ﵄ (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٣٠] (١٦٧)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٤٩)، وفي "الشمائل" (١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٨ و ٣٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٣٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٢٩).

стр. 2601

وأما فوائده، فقد تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣١] (١٦٨) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﵇: "حِينَ أُسْرِيَ بِي، لَقِيتُ مُوسَى ﵇، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ -: مُضْطَرِبٌ، رَجِلُ الرَّأْس، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ - يَعْنِي: حَمَّامًا - قَالَ: وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِه، قَالَ: فَأُتِيتُ بإِنَاءَيْنِ: فِي أَحَدِهِمَا لَبَن وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أيَّهُمَا شِئْتَ. فَاَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت هـ ٢٤) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ المذكور قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ المذكور قبل باب. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ المذكور قبل باب أيضًا. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب الإمام المشهور المذكور قبل باب أيضًا. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبث فقية، إمام [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ المشهور ﵁، مات سنة (٥٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.

стр. 2602

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، كما سبق. ٣ - (ومنها): أن قوله: "وتقاربا في اللفظ" فيه إشارة إلى أنه إذا وقع اختلاف بين المشايخ في الألفاظ مع اتّحاد المعنى لا يضرّ عدم بيان الاختلاف بالتفصيل، بل تكفي الإشارة الإجماليّة، وإن كان الأولى الإفصاح، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال: وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ أشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِلَافَهُ فَلَمْ يُلَمْ أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَحَدَ المَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ قَالَ أَوْ قَالَا فَذَاكَ أَحْسَنُ ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ عن سعيد. ٥ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سلَيْمَانُ خَارِجَهْ والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حِينَ أُسْرِيَ بِي) "حين" منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "لَقِيتُ"، و"أُسْرِي بي" بالبناء للمفعول، يقال: سَرَيتُ الليل، وسَرَيتُ به سَرْيًا، والاسم السِّرَايةُ: إذا قطعته بالسير، وأسريت بالألف لغة حجازيّة، ويُستعملان متعدّيين بالباء إلى مفعول، فيقال: سَرَيتُ بِزَيد وأسريتُ به (١).

стр. 2603

وفي نسخة: "حين أسري به". (لَقِيتُ مُوسَى ﵇ بكسر القاف، يقال: لَقِيته أَلقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيهُ، ومنه لِقَاءُ البيت وهو استقباله (١). (فَنَعَتَهُ) من باب نَفَعَ (النَّبِيُّ ﷺ ) أي: وصف موسى ﵇ (فَإِذَا) هي الفجائيّة (رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ -:) القائل: "حسبته" هو عبد الرزاق (مُضْطَرِبٌ) المضطرب: الشديد، وقيل: الخفيف اللحم، وفي رواية للبخاريّ من طريق هشام بن يوسف عن معمر بلفظ: "ضَرْبٌ"، وليس فيه قوله: "حسبته قال"، و"الضَّرْبُ" - بفتح الضاد المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، - فُسِّر بالنحيف، ولا منافاة بينهما. وقال ابن التين ﵀: هذا الوصف مغاير لقوله بعد هذا: "إنه جسيم" - يعني: في الرواية التي أوردها البخاريّ بعد هذه - وقال: والذي وقع نعته بأنه جسيم إنما هو الدجال، وقال القاضي عياض رَرَحِمَهُ اللهُ: رواية من قال: "ضَرْب" أصح من رواية من قال: "مُضْطَرِبٌ"؛ لما فيها من الشك، قال: وقد وقع في الرواية الأخرى: "جَسِيم"، وهو ضِدّ الضرب، إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول. وقال التيميّ ﵀: لعل بعض لفظ هذا الحديث دخل في بعض؛ لأن الجسيم إنما ورد في صفة الدجال، لا في صفة موسى. انتهى. وأُجيب بأنه لا مانع أن يكون مع كونه خفيف اللحم جسيمًا بالنسبة لطوله، فلو كان غير طويل لاجتمع لحمه، وكان جسيمًا (٢). قال الحافظ ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال ما نصّه: والذي يتعين المصير إليه ما جَوَّزه عياض أن المراد بالجسيم في صفة موسى ﵇ الزيادة في الطول، ويؤيده قوله في الرواية التي بعد هذه - أي عند البخاريّ - (٣): "كأنه من رجال الزُّطّ"، وهم طُوَالٌ غير غِلاظ.

стр. 2604

ووقع في حديث الإسراء: "رأيت موسى جَعْدًا طُوَالًا"، واستنكره الداوديّ، فقال: لا أراه محفوظًا؛ لأن الطويل لا يوصف بالجَعْد. وتُعُقِّبَ بأنهما لا يتنافيان، وقال النوويّ: الجُعودة في صفة موسى ﵇ جعودة الجسم، وهو اكتنازه، واجتماعه، لا جعودة الشعر؛ لأنه جاء أنه كان رَجِلَ الشَّعَر. انتهى. (رَجِلُ الرَّأسِ) بفتح الراء، وكسر الجيم، وتسكن تخفيفًا: يقال: رَجِلَ الشعرُ رَجَلًا، من باب تَعِبَ، فهو رَجِلٌ بالكسر، وتُسكَّن تخفيفًا؛ أي: ليس شديد الجُعُودة، ولا شديد السُّبُوطة، بل بينهما، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١). وقال المجد ﵀: وشَعَرٌ رَجْلٌ، وكَجَبَلٍ وكَتِفٍ (٢): بَينَ السُّبُوطة والجُعُودة، وقد رَجِلَ، كَفَرِحَ. انتهى. (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) أي: في الطول، وهو اسم قبيلة، وقد تقدّم ضبطه وسبب تسميته في الحديث الماضي، فراجعه. (قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى) ﵇ (فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا رَبْعَةٌ) - بفتح الراء، وسكون الموحدة، ويجوز فتحها - وهو المربوع، والمراد أنه ليس بطويل جدًّا، ولا بقصير جدًّا، بل هو وَسَطٌ. (أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ) وفي نسخة: "كأنه خرج" (مِنْ دِيمَاسٍ) - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانية، وآخره سين مهملة - و"الدِّيمَاس" في اللغة: السَّرَبُ (٣)، ويُطْلَق أيضًا على الكِنّ، والحَمَّام من جملة الكِنّ، والمراد من ذلك وصفه بصفاء اللون، ونَضَارة الجسم، وكثرة ماء الوجه، حتى كأنه كان في

стр. 2605

موضع كِنٍّ، فخَرَج منه وهو عَرْقان، وفي رواية ابن عمر ﵄ بعد هذا: "يقطر رأسه ماءً"، وفي لفظ: "ينطُفُ رأسه ماءً"، وهو محتملٍ لأن يراد الحقيقة، وأنه عَرِقَ حتى قَطَر الماءُ من رأسه، ويحتمل أن يكون كناية عن مزيد نَضَارة وجهه، ويؤيده أن في رواية عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة ﵁، عند أحمد، وأبي داود: "يقطر رأسه ماءً، وإن لم يُصِبْهُ بَلَلٌ"، قاله في "الفتح" (١). وقال النوويّ ﵀: وأما "الدِّيماس": - فبكسر الدال، وإسكان الياء، والسينُ في آخره مهملة - وفسره الراوي بالحَمّام، والمعروف عند أهل اللغة أن الديماس هو السَّرَبُ، وهو أيضًا الكِنّ. قال الهرويّ في هذا الحديث: قال بعضهم: الديماس هنا هو الكِنّ، أي: كأنه مُخَدَّرٌ، لم يَرَ شمسًا، قال: وقال بعضهم: المراد به السَّرَب، ومنه دَمَسْتُهُ: إذا دفنته. وقال الجوهريّ في "صحاحه": في هذا الحديث قوله: "خَرَجَ من دِيماس"، يعني: في نَضَارته، وكثرة ماء وجهه، كأنه خَرَج من كِنٍّ؛ لأنه قال في وصفه: "كأن رأسه يقطر ماءً". وذَكَر صاحب "المطالع" الأقوال الثلاثة فيه، فقال: "الدِّيماس" قيل: هو السَّرَبُ، وقيل: الحَمَّام، هذا ما يتعلق بالديماس. وأما "الحَمَّام": فمعروف، وهو مُذَكَّر باتفاق أهل اللغة، وقد نَقَل الأزهريّ في "تهذيب اللغة" تذكيره عن العرب، والله تعالى أعلم. وأما وصف عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - في هذه الرواية، وهي رواية أبي هريرة ﵁ بأنه أحمر، ووصفه في رواية ابن عمر ﵄ بعدها بأنه آدَمُ، والآدم الأسمر، وقد رَوَى البخاريّ عن ابن عمر ﵄ أنه أنكر رواية أحمر، وحَلَفَ أن النبيّ ﷺ لم يقله - يعني: وأنه اشتبه على الراوي - فيجوز أن يُتَأَوَّلَ الأحمر على الآدم، ولا يكون المراد حقيقة الأُدْمَةِ والحمرة، بل ما قاربها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار النوويّ ﵀ بإنكار ابن عمر ﵄

стр. 2606

الأحمر إلى ما أخرجه البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، وسيأتي ذكره قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (يَعْنِي حَمَّامًا) قال في "الفتح": هو تفسير عبد الرزاق، ولم يقع ذلك في رواية هشام بن يوسف. انتهى (١). (قَالَ) ﷺ (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، وَأنا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِه، قَالَ) ﷺ (فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: "أن رسول الله ﷺ أُتي ليلة أُسري به بإيلياء بقدحين … " (فِي أَحَدِهِمَا لَبَن، وَفي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ؟ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ) وفي نسخة: "قال" (هُدِيتَ الْفِطْرَةَ) ببناء الفعل للمفعول، و"الفطرة" مفعول ثان؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، وباللام و"إلى"، يقال: هداه الله الطريقَ، وللطريق، وإلى الطريق، أفاده المجد (٢)؛ أي: أرشدك الله تعالى إلى الإسلام، ودلّك عليه (أَوْ) للشك من الراوي، أي: أو قال: (أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ) تقدّم الخلاف في معناها، وأن الأرجح هو الإسلام، والاستقامة على الدين الحقّ (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أداة تنبيه واستفتاح، كـ "ألا" (إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لأنها في محل الاستئناف والابتداء، قال في "الخلاصة": فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) بفتح الغين المعجمة وفتح الواو، يقال: غَوَى غَيًّا، من باب ضرب: انهمك في الجهل، وهو خلاف الرُّشْد، والاسم الغَوَايَةُ بالفتح (٣). وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب المذكورة: "ثم أخذ اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غَوَت أمتك". قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: يحتمل أن يكون ﷺ من الخمر؛ لأنه تفرّس أنها ستحرُمُ؛ لأنها كانت حينئذ مباحة، ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الإباحة في أن أحدهما سيحرُم، والآخر تستمرّ إباحته.

стр. 2607

ويحتمل أن يكون نَفَرَ منها؛ لكونه لم يَعْتَدْ شربها، فوافق بطبعه ما سيقع من تحريمها بعدُ؛ حفظًا من الله تعالى له ورِعايةً، واختار اللبن؛ لكونه مألوفًا له، سهلًا طيّبًا طاهرًا، سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك. وفي الحديث مشروعيّة الحمد عند حصول ما يُحمَد، ودفع ما يُحذر، فقد قال جبريل ﵇ لما هدى الله تعالى حبيبه ﷺ إلى الفطرة: "الحمد لله الذي هداك للفطرة". وقوله: "غَوَت أمتك" يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفال، أو تقدّم عنده علم بترتّب كلٍّ من الأمرين، وهو أظهر، أفاده في "الفتح" (١). وقد سبق البحث في هذا كله مستوفًى في شرح حديث الإسراء، فارجع إليه تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٠/ ٤٣١] (١٦٨)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٩٤ و ٣٤٣٧)، و"التفسير" (٤٧٠٩ و ٥٥٧٦)، و"الأشربة" (٥٦٠٣)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٣٠)، و (النسائيّ) في "الأشربة" (٨/ ٣١٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٥/ ٣٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٢)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٥/ ١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٢٨)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٨٧). وأما فوائد الحديث، فقد سبق غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 2608

(٨١) - (بَاب فِي ذِكْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٢] (١٦٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَرَانِي لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَة، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أنتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَال، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْن، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْن، يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَسَألتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا (١) بِرَجُلٍ، جَعْدٍ، قَطَطٍ، أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأنهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ، إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، إمام دار الهجرة، ثقةٌ ثبت حجة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٍ) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغِر في أحد، وأجيز في الخندق، مات (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.

стр. 2609

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد وهو (١٧) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قرأت على مالك … إلخ" فيه هذه الصيغة التزمها يحيى بن يحيى في روايته عن مالك، وذلك لأن مالكًا ﵀ يرى القراءة مثل السماع، وينكر على من ينكر ذلك، فقد أخرج الحاكم في "علوم الحديث" من طريق مطرّف، قال: صحبت مالكًا سبع عشرة سنة، فما رأيته قرأ "الموطّأ" على أحد، بل يقرأون عليه، قال: وسمعته يأبى أشدّ الإباء على من يقول: لا يجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث، ويُجزيك في القرآن، والقرآن أعظم؟ (١). ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقًا على ما نقل عن الإمام البخاريّ ﵀. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها للأخذ عن مالك. ٦ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَرَانِي) بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي، وذكره بلفظ المضارع مبالغةً في استحضار صورة الحال (٢). (لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ) البيتُ الحرام زاده الله تعالى تشريفًا، سُمِّي كعبةً لارتفاعه وتَرَبّعه،

стр. 2610

وكلُّ بيت مُرَبَّع عند العرب فهو كعبة، وقيل: سُمِّي كعبة لاستدارته وعُلُوّه، ومنه كُعْبُ الرجل، ومنه كَعَبَ ثَدْيُ المرأة من باب نَصَرَ (١): إذا علا واستدار (٢). وفي الرواية التالية: "أراني الليلة في المنام عند الكعبة"، فصرّح بأنه كان منامًا. (فَرَأيتُ رَجُلًا آدَمَ) أي: أسمر (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بضمّ الهمزة وسكون الدال، جمع آدم، كما قال في "الخلاصة": فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا … وَفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى والإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أي: الرجالِ الأُدْمِ. (لَهُ لِمَّةٌ) بكسر اللام، وتشديد الميم، وجمعها لِمَمٌ كقِرْبَةٍ وقِرَبٍ، قال الجوهريّ: ويُجمع على لِمَام، يعني: بكسر اللام، وهو الشَّعْرُ المُتَدَلِّي الذي جاوز شَحْمَةَ الأذنين، فإذا بَلَغ المنكبين فهو جُمَّةٌ، أي: بضم الجيم، وتشديد الميم، ذكره النوويّ (٣). وفي الرواية التالية: "تضرب لمّته بين منكبيه"، وقال في "الفتح": قوله: "لِمّته" بكسر اللام؛ أي: شعر رأسه، ويقال له: إذا جاوز شحمة الأذنين وألمّ بالمنكبين: لِمّة، وإذا جاوزت المنكبين فهي: جُمّة، وإذا قصرت عنهما فهي: وَفْرَة. انتهى (٤). (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، ومعنى "رَجَّلها" بتشديد الجيم: سَرّحها بِمُشْط مع ماء أو غيره. (فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً) قال القاضي عياض ﵀: يحتمل أن يكون على ظاهره، أي: يقطر بالماء الذي رَجّلها به لقرب ترجيله، والى هذا نحا القاضي الباجيّ، قال القاضي عياض: ومعناه عندي أن يكون ذلك عبارةً عن نَضَارته وحسنه، واستعارةً لجماله (٥).

стр. 2611

(مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمهما (١). (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ) جمع عاتقٍ، قال أهل اللغة: هو ما بين المنكب والعُنُق، وفيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أفصح وأشهر، قال صاحب "المحكم": ويُجْمَع العاتق على عواتق كما ذكرنا، وعلى عُتُقٍ وعُتْقٍ بضمّ التاء وسكونها. (يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) قال القاضي عياض ﵀: إن كانت هذه رؤيا عين، فعيسى ﵇ حَيٌّ لم يمت، يعني: فلا امتناع في طوافه حقيقةً، وإن كان منامًا كما نَبَّهَ عليه ابنُ عمر ﵄ في روايته، فهو مُحْتَمِلٌ لِمَا تقدم ولتأويل الرؤيا، قال القاضي: وعلى هذا يُحْمَل ما ذُكِر من طواف الدجال بالبيت، وأن ذلك رؤيا؛ إذ قد ورد في "الصحيح" أنه لا يَدْخُل مكة ولا المدينة، مع أنه لم يُذْكَر في رواية مالك طواف الدجال، وقد يقال: إن تحريم دخول المدينة عليه إنما هو في زمن فتنته (٢). وقال في "الفتح": وغَلِط من استدلّ بهذا الحديث على أن الدجّال يدخل مكة أو المدينة؛ إذ لا يلزم من كون النبيّ ﷺ رآه في المنام بمكة أنه دخلها حقيقةً، ولو سُلّم أنه رآه في زمانه ﷺ بمكة، فلا يلزم أن يدخلها بعد ذلك إذا خرج في آخر الزمان. قال: وقد استُدِلّ على أن ابن صيّاد ليس هو الدجّال بكونه سكن المدينة، ومع ذلك، فكان عمر وجابر ﵄ يحلفان على أنه الدجّال، كما سيأتي. انتهى (٣). (فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ﵇، واختَلَف العلماءُ في سبب تسمية عيسى ﵇ مَسِيحًا، قال الواحديّ: ذهب أبو عبيد والليث إلى أن أصله بالعبرانية مَشِيحا، فعربته العرب وغَيَّرت لفظه، كما قالوا: موسى، وأصله موشى أو ميشا بالعبرانية، فلما عَرّبوه غَيّروه، فعلى هذا لا اشتقاق له، قال: وذهب أكثر العلماء إلى أنه مشتقّ، وكذا قال غيره: إنه مشتقّ على قول

стр. 2612

الجمهور، ثم اختَلَفَ هؤلاء، فحُكِي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لأنه لم يَمْسَحْ ذا عَاهَةٍ إلا بَرِئَ، وقال إبراهيم وابن الأعرابيّ: المسيح الصّدّيق، وقيل: لكونه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له، وقيل: لمسح زكريا إياه، وقيل: لمسحه الأرض، أي: قطعها، وقيل: لأنه خَرَج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأنه مُسِح بالبركة حين وُلد، وقيل: لأن الله تعالى مَسَحَهُ، أي: خلقه خَلْقًا حَسَنًا، وقيل غير ذلك والله أعلم. (ثُمَّ إِذَا أَنَا (١) بِرَجُلٍ، جَعْدٍ) بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، قال الهروي: "الجَعْدُ" في صفات الرجال يكون مدحًا ويكون ذَمًّا، فإذا كان ذمًّا، فله معنيان: أحدهما: القصير المترَدِّد، والآخر: البخيل، يقال: رجل جَعْدُ اليدين، وجَعْدُ الأصابع، أي: بَخِيل، وإذا كان مدحًا، فله أيضًا معنيان: أحدهما أن يكون معناه شديد الخلق، والآخر يكون شَعْرُه جَعْدًا غير سَبِطٍ، فيكون مدحًا؛ لأن السُّبُوطة أكثرها في شعور العجم، قال القاضي: وقال غير الهَرَويّ: الجعد في صفة الدجال ذَمٌّ، وفي صفة عيسى ﵇ مَدْحٌ. انتهى. (قَطَطٍ) بفتح القاف والطاء، هذا هو المشهور، قال القاضي عياض ﵀: رويناه بفتح الطاء الأولى وبكسرها، قال: وهو شديد الجُعُودة. (أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) رُوي بالهمز، وبغير الهمز، فمن همز معناه: ذَهَبَ ضوؤها، ومن لم يهمز معناه: ناتئة بارزة، ثم إنه جاء هنا "أعور العين اليمنى"، وجاء في رواية أخرى "أعور العين اليسرى"، وقد ذكرهما جميعًا مسلم في آخر الكتاب، وكلاهما صحيح. قال القاضي عياض ﵀: رويناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صححه الجمهور، وجزم به الأخفش، ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العِنَب من بين أخواتها، قال: وضبطه بعض الشيوخ بالهمز، وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره، فقد جاء في آخر أنه ممسوح العين مطموسة، وليست جَحْراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهو يصحح رواية الهمز. قال الحافظ: والحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديثُ عبادة بن

стр. 2613

الصامت، ولفظه: "رجلٌ قصيرٌ أفحج" بفاء ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ثم جيم من الفَحَج (١)، وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين، وقيل: تداني صدور القدمين، مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجله اعوجاج، وفي الحديث المذكور: "جَعْدٌ أعور مطموس العين، ليست بناتئة" - بنون ومثناة -، ولا جَحْراء - بفتح الجيم، وسكون المهملة، ممدودًا - أي: عميقة، وبتقديم الحاء، أي: ليست مُتَصَلِّبةً. وفي حديث عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ "ممسوح العين"، وفي حديث سمرة ﵁ مثله، وكلاهما عند الطبرانيّ، ولكن في حديثهما: "أعور العين اليسرى"، ومثله لمسلم من حديث حُذيفة، وهذا بخلاف قوله في حديث الباب: "أعور العين اليمنى"، وقد اتّفقا عليه من حديث ابن عمر ﵄، فيكون أرجح، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، لكن جمع بينهما القاضي عياض، فقال: تُصَحَّح الروايتان معًا، بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز، أي: التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى، كما في حديث ابن عمر، وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب، وكأنها نُخَاعة هي الطافية بلا همز، وهي العين اليسرى، كما جاء في الرواية الأخرى، وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء، أي: معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، وكلا عيني الدجال معيبة، فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها، حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها. انتهى. قال النوويّ: هو في نهاية الحسن. وقال القرطبيّ (٢) في "المفهم": حاصل كلام القاضي أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء، إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بأصل خلقها معيبة، لكن يُبْعِد هذا التأويلَ أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وُصِفَت به الأخرى من العور، فتأمّله. وأجاب صاحبه القرطبيّ (٣) في "التذكرة" بأن الذي تأوله القاضي صحيح،

стр. 2614

فإن المطموسة، وهي التي ليست ناتئة ولا جحراء، هي التي فَقَدت الإدراك، والأخرى وُصِفت بأن عليها ظُفْرة (١) غليظة، وهي جِلْدة تُغَشِّي العينَ، وإذا لم تُقْطَع عَمِيت العين، وعلى هذا فالعور فيهما؛ لأن الظُّفْرة مع غلظها تمنع الإدراك أيضًا، فيكون الدجال أعمى أو قريبًا منه، إلا أنه جاء ذكر الظُفْرة في العين اليمنى في حديث سفينة، وجاء في العين الشمال في حديث سمرة، فالله أعلم. قال الحافظ: وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بقوله: إن كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وُصِفت الأخرى، ثم قال في "التذكرة": يَحْتَمِل أن تكون كل واحدة منهما عليها ظُفْرة، فإن في حديث حُذيفة أنه ممسوح العين، عليها ظُفْرة غليظة، قال: وإذا كانت الممسوحة عليها ظُفْرة، فالتي ليست كذلك أولى، قال: وقد فُسِّرت الظفرة بأنها لَحْمَة كالعَلَقة. ووقع في حديث أبي سعيد عند أحمد: "وعينه اليمنى عوراء جاحظةٌ، لا تخفى كأنها نُخاعة في حائط مُجَصَّص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دُرّيّ"، فوَصَف عيثيه معًا، ووقع عند أبي يعلى من هذا الوجه: "أعور ذو حَدَقة جاحظة لا تخفى، كأنها كوكب دُرّيّ"، ولعلها أبين؛ لأن المراد بوصفها بالكوكب شدّة اتّقادها، وهذا بخلاف وصفها بالطمس، ووقع في حديث أُبَيّ بن كعب عند أحمد والطبرانيّ: "إحدى عينيه كأنها زُجاجة خضراء"، وهو يوافق وصفها بالكوكب، ووقع في حديث سفينة عند أحمد والطبرانيّ: "أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظُفْرة غليظة". قال الحافظ ﵀: والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في "طافية" أنه بغير همز، فإنها قُيِّدت في رواية الباب بأنها اليمنى، وصَرَّح في حديث عبد الله بن مُغَفَّل وسَمُرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة الممسوحة، والعجب ممن يُجَوِّز رواية الهمز في "طافية" وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد، فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر. وأما "الظُّفْرة"، فجائز أن تكون في كلا عينيه؛ لأنه لا يُضَادّ الطمس ولا

стр. 2615

النتوء، وتكون التي ذهب ضوؤها هي المطموسة، والمعيبةُ مع بقاء ضوئها هي البارزة، وتشبيهها بالنُّخَاعة في الحائط المجصص في غاية البلاغة، وأما تشبيهها بالزجاجة الخضراء، وبالكوكب الدريّ فلا ينافي ذلك، فإن كثيرًا ممن يَحْدُث له في عينه النتوء يبقى معه الإدراك، فيكون الدجال من هذا القبيل، والله تعالى أعلم. وقال البيضاوي ﵀: الظُّفْرة لَحْمة تَنْبُت عند المَاق، وقيل: جِلْدة تخرج في العين، من الجانب الذي يلي الأنف، ولا يُمنع أن تكون في العين السالمة، بحيث لا تواري الحدَقَة بأسرها، بل تكون على حدتها. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ) قال الحافظ: ولم أقف على اسم القائل معيّنًا (هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ") قيل: سُمّي بذلك؛ لأنه ممسوح العين، وقيل: لأنه أعور، والأعور يُسَمَّى مَسِيحًا، وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه، وقيل غير ذلك. قال القاضي ﵀: ولا خلاف عند أحد من الرواة في اسم عيسى ﵇ أنه بفتح الميم، وكسر السين، مخففةً، واختُلِف في الدجال، فأكثرهم يقوله مثله، ولا فرق بينهما في اللفظ، ولكن عيسى ﵇ مَسِيحُ هُدًى، والدجال مَسِيحُ ضلالة، ورواه بعض الرواة مِسِّيح، بكسر الميم والسين المشدَّدة، وقاله غير واحد كذلك إلا أنه بالخاء المعجمة، وقاله بعضهم بكسر الميم، وتخفيف السين، والله أعلم. وأما تسميته بالدجَّال، فقال القاضي: قال ثعلب: لضربه في الأرض، وقطعه أكثر نواحيها، يقال منه: دَجَلَ، وهذا مثل أحد التأويلات في تسميته مَسِيحًا، وقيل: بل لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دجل: إذا مَوّه، وقيل: كلُّ كذّاب دجَّال، وهو من هذا المعنى أو قريب منه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.

стр. 2616

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨١/ ٤٣٢ و ٤٣٣ و ٤٣٤] (١٦٩)، و (البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٤٤٠ و ٣٤٤١)، "اللباس" (٥٩٠٢)، و"التعبير" (٦٩٩٩ و ٧٠٢٦ و ٧١٢٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٣ - ١٢٢ - ١٢٦ - ١٤٤ - ١٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٥ و ٣٨٦ و ٣٨٧ و ٣٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٢٨ و ٤٢٩ و ٤٣٠ و ٤٣١)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٦٢٣١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٣٠ و ٧٣٣ و ٧٣٤ و ٧٣٥ و ٧٣٦ و ٧٣٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما منّ الله تعالى على النبيّ ﷺ ، حيث أراه ما كان غيبًا، من صفات كلّ من عيسى ﷺ والدجال اللعين. ٢ - (ومنها): أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، فهو كاليقظة، ولذلك أقدم إبراهيم ﵇ على ذبح ولده به، كما قال : ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الاهتمام بتعليم أمته ما ينفعها أو يضرّها، حتى تأخذ بأسباب كلّ منهما، وتستعدّ له قبل وقوعه. ٤ - (ومنها): تسمية كلّ من عيسى ﵇ والدجال بالمسيح، إلا أنه عيسى مسيح البركة، والدجال مسيح اللعنة. ٥ - (ومنها): ما قال ابن العربي ﵀: في اختلاف صفات الدجال بما ذُكِر من النقص بيان أنه لا يَدْفَع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه. ٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض ﵀: قد يحتجّ بهذا الحديث من يُجيز الطواف على الدابّة، وللمحمول بغير عذر؛ لما ذُكر من طواف موسى ﵇ على مناكب رجلين، ومالك لا يُجيزه إلا لعذر، وجوابه عن طواف النبيّ ﷺ -

стр. 2617

على الراحلة أن ذلك كان لعذر، ففي كتاب أبي داود أنه ﷺ ورد مكة وهو يشتكي … وساق الحديث، وقد يقال: لأنه كان يُعلّم الناس أمور حجّهم، فركب ليظهر لجميعهم، ولا يخفى عمله عليهم، كما أراهم صلاته على المنبر؛ لئلا يخفى على جميعهم، وقوله ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم"، أخرجه مسلم، وقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، أخرجه البخاريّ. قال: ويُجاب عنه في قصّة عيسى ﵇ بأنها منام، كما روي، أو محتملة للمنام، أو أنه ليس في الواجب، أو لعلّه لعذر، أو لأن شرع من قبلنا غير لازم لنا. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بصحّة الطواف راكبًا لعذر أو لغيره هو الحقّ؛ لفعل النبيّ ﷺ ذلك، مع قوله: "لتأخذوا عني مناسككم"، وهو مذهب الشافعيّ والمشهور من مذهب أحمد، وأما حديث أبي داود عن ابن عباس ﵄: "قَدِم رسول الله ﷺ مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته … "، فضعيف؛ لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه من"كتاب الحجّ" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا، بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَة، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى (٢) مِنْ أُدْمِ الرِّجَال، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْه، رَجِلُ الشَّعْر، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْن، وَهُوَ

стр. 2618

بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْن، يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) (١) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المُسَيَّب بن أبي السائب بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزوميّ المُسَيَّبيّ، أبو عبد الله المدنيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وابن عيينة، وأبي ضَمْرة أنس بن عياض، وعبد الله بن نافع الصائغ، ويزيد بن هارون، ومحمد بن فُليح بن سليمان، ومَعْن بن عيسى، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعثمان بن خُرَّزاد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. قال صالح بن محمد: سمعت مُصْعَبًا الزبيريّ يقول: لا أعلم في قريش أفضل من المسيبيّ، قال صالح: وهو ثقةٌ، وقال ابن قانع وإبراهيم بن إسحاق الصَّوّاف: ثقةٌ، وقال عبد الله بن الصَّقْر السُّكَّريّ: ثنا محمد بن إسحاق المسيبيّ الشيخ الصالح. قال البخاريّ وغيره: مات سنة ست وثلاثين ومائتين، زاد البغويّ: في ربيع الأول. تفرّد به المصنف وأبو داود، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث (٢) فقط، هذا (١٦٩)، و (٥٥٩): "إذا وُضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة … "، و (٧٨٩): "إنما مَثَل صاحب القرآن كمثل الإبل … "، و (١٢٥٩): "ينزل بذي

стр. 2619

طوى … "، و (١٢٦٠): "استقبل فُرضتي الجبل … "، و (١٢٥٧): "أناخ بالبطحاء … "، و (٢٠٩١): "إني كنت ألبس هذا الخاتم … "، و (٢٧٤٣): "بينما ثلاثة نفر يتمشون … "، و (٢٨٦٢): "يوم يقوم الناس لرب العالمين … ". ٢ - (أنسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمْرَة، وقيل: جُعْدُبة، وقيل: عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضَمْرة المدنيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن شريك بن أبي نَمِر، وأبي حازم، وربيعة، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح، وصالح بن كيسان، وصفوان بن سليم، وابن جريج، والأوزاعيّ، وجماعة. ورَوَى عنه ابن وهب، وبَقِيَّة بن الوليد، وماتا قبله، والشافعيّ، والقعنبيّ، ودُحَيم، وعلي ابن المديني، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وقتيبة، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن المنذر، والحميديّ، وابن نُمير، ومحمد بن إسحاق المُسيَّبيّ، وبونس بن عبد الأعلى، والزبير بن بَكّار، وخلقٌ، وآخرهم محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. قال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عنه: صُويلحٌ، وقال أبو زرعة والنسائيّ: لا بأس به، وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأينا أسمح بعلمه منه، وَحَكَى ابن شاهين في "الثقات" من طريق يوسف بن عديّ، ثنا إسماعيل بن رُشيد قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أبو ضَمْرة، فأقبل مالك يُثني عليه، ويقول: فيه الخيرُ، وإنه وإنه، وقد سَمِع وكَتَب، وقال الآجريّ، عن أبي داود، عن أحمد بن صالح قال: ذُكِر أبو ضمرة عند مالك، فقال: لم أرَ عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق، يدفع كُتُبه إلى هؤلاء العراقيين، قال أبو داود: وحدثنا محمود، ثنا مروان، وذَكَر أبا ضمرة، فقال: كانت فيه غفلة الشاميين، ووَثَّقه، ولكنه كان يَعْرِض كُتبه على الناس، قال أبو داود: وسمعت الأشجّ يقول: سألت أبا ضمرة عن شيء، فقال: كلُّ شيء في هذا البيت عَرْض، يعني: أحاديثه، وقال ابن حبان في الثقات: مَن زَعَم أنه أخو يزيد بن عياض بن جُعْدبة، فقد وَهِمَ، نَعَم هما جميعًا من بني ليث من أهل المدينة.

стр. 2620

قال دُحَيم: سمعته يقول: وُلِدتُ سنة (١٠٤)، وقال البخاريّ، عن عبد الرحمن بن شيبة: مات سنة مائتين، وقال ابن منجويه: سنة (١٨٠)، وكذا قال ابن حبان في الثقات، وهو وَهَمٌ، والصحيح سنة مائتين؛ لأن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ممن سمع منه، ومولده بعد سنة ثمانين ومائة (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيّاش - بتحتانيّة، ومعجمة - الأسديّ، مولى آل الزبير، ويقال: مولى أم خالد بنت سعيد بن العاص، زوج الزبير، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في المغازي [٥]. أدرك ابن عمر وغيره، ورَوَى عن أم خالد، ولها صحبة، وجدّه لأمه أبي حَبِيبة مولى الزبير، وحمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، وسالم أبي الغيث، والأعرج، ونافع بن جبير بن مُطعم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وكريب، وعكرمة، وغيرهم. ورَوى عنه ابن أخيه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وبكير بن الأشجّ وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر، ووهيب بن خالد، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وابن جريج، والدَّراورديّ، وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقةٌ ثبتًا كثير الحديث. وقال في موضع آخر: كان ثقة قليل الحديث. وقال إبراهيم بن المنذر عن مَعْن بن عيسى: كان مالك يقول: عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه ثقة. وفي رواية أخرى عنه: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي. وفي رواية: فإنه رجل ثقةٌ، طلبها على كِبَر السن، ولم يُكَثِّر كما كَثَّر غيره. وفي رواية: من كان في كتاب موسى قد شَهِد بدرًا فقد شهدها، ومن لم يكن فيه فلم يشهدها. وقال إبراهيم بن المنذر أيضًا عن محمد بن طلحة بن الطويل قال: ولم يكن بالمدينة أعلم بالمغازي منه، قال: كان شُرَحبيل أبو سَعْد عالمًا بالمغازي، فاتهموه أنه يُدخِل فيهم من لم يَشهَد بدرًا، وفيمن قُتلْ يوم أحد من لم يكن منهم، وكان قد

стр. 2621

احتاج فسقط عند الناس، فسَمِع بذلك موسى بن عقبة، فقال: وإن الناس قد اجترأوا على هذا، فَدَبّ على كِبَر السنّ، وقَيَّد من شهد بدرًا وأُحُدًا، ومن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وكَتَب ذلك. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان ابن معين يقول: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال الدُّوري وغير واحد عن ابن معين، وكذا قال العجلي والنسائي، وقال المفضل الغَلّابي عن ابن معين: ثقة، كانوا يقولون: في روايته عن نافع شيء. قال: وسمعت ابن معين يضعفه بعض شيء. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس موسى بن عقبة في نافع مثل مالك وعبيد الله بن عمر. وقال الواقدي: كان لإبراهيم، وموسى، ومحمد، بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله ﷺ وكانوا كلهم فقهاء ومحدثين، وكان موسى يُفتي. وقال مصعب الزبيري: كان لهم هيئة وعلم. وقال الدوري عن ابن معين: أقدمهم محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، وكان موسى أكثرهم حديثًا. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وروى ابن أبي خيثمة عن موسى أنه قال: لم أُدرك أحدًا يقول: قال النبي ﷺ إلا أم خالد. قال: وقال مَخْلَد بن الحسين: سمعت موسى بن عقبة، وقيل له: رأيت أحدًا من الصحابة؟ قال: حججت وابنَ عمر بمكة، عام حج نَجْدَة الحَرُوريّ، ورأيت سهل بن سعد متخطيًا عليّ، فتوكأ على المنبر فسارّ الإمامَ بشيء. وقال إبراهيم بن طهمان: ثنا موسى بن عقبة، وكان من الثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة إحدى، وقيل: سنة خمس. وقال عمرو بن عليّ عن يحيى القطان: مات قبل أن نَدْخُل المدينة بسنة، سنةَ إحدى وأربعين ومائة، وفيها أرّخه جماعة. وقال نوح بن حبيب: مات سنة اثنتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ) بفتح الظاء المعجمة، وسكون الهاء، وفتح النون، بلفظ التثنية؛ أي: جالسًا في وسط الناس، والمراد أنه جلس بينهم مستظهِرًا لا مستخفيًا، وزيدت فيه الألف والنون تأكيدًا، أو معناه أن ظهرًا منهم

стр. 2622

قدّامه وظهرًا خلفه، وأنهم أحفّوا به من جانبيه، فهذا أصله، ثم كثُر، حتى استُعمل في الإقامة بين قوم مطلقًا، ولهذا زعم بعضهم أن لفظة "ظهراني" في هذا الموضع زائدة (١). وقوله: (إِنَّ اللهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ … إلخ) معناه: أن الله تعالى مُنَزَّه عن سِمَات الحَدَث، وعن جميع النقائص، وأن الدجّال مخلوق من خلق الله تعالى، ناقص الصورة، فينبغي لكم أن تعلموا هذا، وتُعَلِّموه الناس؛ لئلا يَغْتَرَّ بالدجال مَن يَرَى تخييلاته وما معه من الفتنة (٢). وقوله: (أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى) قال النوويّ ﵀: هو عند النحويين من الكوفيين على ظاهره، من الإضافة، وعند البصريين يُقَدَّر فيه محذوف كما يُقَدَّر في نظائره، فالتقدير: أعور عين صفحة وجهه اليمنى. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما منع البصريّون من هذه الإضافة؛ لأنه يلزم فيها إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن "اليُمنى" صفة لـ "عين"، والصفة والموصوف كشيء واحد، وفائدة الإضافة تعريف المضاف بالمضاف إليه أو تخصيصه، ولا يتعرّف الشيء ولا يتخصّص بنفسه، وأما ما ظاهره إضافة الموصوف إلى صفته، كـ "حِبّة الحَمقاء"، و"صلاة الأولى"، وكهذا المثال، فيؤول على حذف مضاف إليه موصوف بتلك الصفة، فيقال: حِبة البَقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، وكذا عين الجهة اليمنى، كما مرّ آنفًا، وأجازه الكوفيون دون تقدير، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ وقوله: (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبَةٌ طَافِيَةٌ) قال القرطبيّ ﵀: بغير همز، وعليه أكثر الروايات، وهكذا قال الأخفش، ومعناه: أنها ممتلئة، قد طَفَت وبَرَزَت، وقد رُوي بالهمز؛ أي: قد ذهب ضوؤها، وتقبّضت، ويؤيّد هذه الرواية قوله في أخرى: إنه ممسوح العين، وإنها ليست جحْراء ولا ناتئة، وإنها مطموسة،

стр. 2623

وهذه صفة حبة العِنَب إذا طفت وزال ماؤها، وبهذا فسّره عيسى بن دينار. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). وقوله: (رَجِلُ الشَّعْرِ) بفتح الراء وكسر الجيم؛ أي: قد سَرّح شعره ودهنه. وقوله: (يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) قال القرطبيّ: يعني أنه قريب عهد بغسل، وكأنه اغتسل للطواف (٢). وقال في "الفتح": يحتمل أن يريد أنه يقطر من الماء الذي سرح به شعره، أو أن المراد الاستنارة، وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة (٣). وقوله: (جَعْدًا) بفح الجيم، وسكون العين المهملة: ضدّ السّبِط، يقال: جَعِد الشعرُ - بضمّ العين وكسرها - جُعُودةً: إذا كان فيه التواءٌ وتقبُّضٌ، فهو جَعْدٌ، وذلك خلاف المسترسِل، قاله الفيّوميّ (٤). وقوله: (قَطَطًا) بفتح القاف، والطاء المهملة، بعدها مثلها، هذا هو المشهور، وقد تكسر الطاء الأولى، والمراد به شدّة جعودة الشعر، ويُطلق في وصف الرجل، ويُراد به الذمّ، يقال: جَعْدُ اليدين، وجعد الأصابع؛ أي: بخيل، ويُطلق على القصير أيضًا، وتقدّم تمام البحث فيه. وقوله: (كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ) قال النوويّ ﵀: ضبطنا "رأيتَ" بضمّ التاء وفتحها، وهما ظاهران، وفي الرواية الآتية: "أقرب الناس به شبَهًا ابن قطن"، وفي رواية البخاريّ: "وأقرب الناس به شبَهًا ابن قطن"، قال الزهريّ: رجل من خزاعة، هلك في الجاهليّة. انتهى. و"ابن قَطَن" بفتح القاف، والطاء المهملة، قال في "الفتح": اسمه: عبد العزّى بن قَطَن بن عمرو بن جُندب بن سعيد بن عائد بن مالك بن المصطَلِق، وأمه هالة بنت خُويلد، أفاده الدمياطيّ، قال: وقال ذلك أيضًا عن أكثم بن أبي الجون، وأنه قال: يا رسول الله، هل يضرّني شبهه؟ قال: "لا، أنت مسلم وهو كافر"، حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبّه به ﷺ

стр. 2624

أكثم هو عمرو بن لُحيّ جدّ خُزاعة لا الدجّال، كذلك أخرجه أحمد وغيره (١). وقوله: (يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) فيه دلالة على أن قوله ﷺ : "إن الدجّال لا يدخل المدينة ولا مكّة" أي: في زمن خروجه، ولم يُرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي. انتهى (٢). وتمام شرح المسائل المتعلّقة به قد سبقت في الذي قبله، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ رَجُلًا آدَمَ، سَبِطَ الرَّأْس، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْن، يَسْكُبُ رَأْسُهُ، أَوْ يَقْطُرُ رَأسُهُ فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَوِ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، لَا نَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ، وَرَأَيْتُ (٣) وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْمَرَ، جَعْدَ الرَّأْس، أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان، اسم أبيه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أميّة الجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٣.

стр. 2625

٤ - (سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القُرشيّ العَدويّ، أبو عمر، أو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّصْت، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢. وقوله: (سَبِطَ الرَّأْسِ) بفتح الباء، وكسرها، ويجوز إسكانها مع كسر السين وفتحها تخفيفًا: وهو الشعر المسترسل، ليس فيه تكسّر، وتقدّم الكلام فيه مستوفًى. وقوله: (يَسْكُبُ رَأْسُهُ) بضم الكاف، يقال: سَكَبَ الماءُ سَكْبًا، وسُكُوبًا: انصبّ، وسكبه غيرُه، يتعدّى ولا يتعدّى، قاله الفيّوميّ (١). وقوله: (أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ) "أو" فيه للشكّ من الراوي، و"يقطر" من باب نصر، بمعنى يسكب. وقوله: (وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا) استُشْكِل كونُ الدجال يطوف بالبيت، وكونه يتلو عيسى ابن مريم ﵇، وقد ثبت أنه إذا رآه يَذُوب. وأُجيب عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحيًا لكن فيها ما يقبل التعبير. وقال عياض: لا إشكال في طواف عيسى بالبيت، وأما الدجال فلم يَقَع في رواية مالك أنه طاف، وهي أثبت ممن روى طوافه. وتُعُقِّب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود؛ لأن سكوت مالك عن نافع، عن ذكر الطواف لا يَرُدّ رواية الزهريّ عن سالم، وسواء ثبت أنه طاف أم لم يطف، فرؤيته إياه بمكة مشكلة، مع ثبوت أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وقد انفصل عنه القاضي عياض بأن منعه من دخولها إنما هو عند خروجه في آخر الزمان. قال الحافظ ﵀: ويؤيّده ما دار بين أبي سعيد، وبين ابن صيّاد فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صيّاد قال له: ألم يقل النبيّ ﷺ : "إنه لا يدخل مكة ولا المدينة"؟ وقد خرجت من المدينة أريد مكة، فتأوّله من جزم بأن ابن صيّاد هو الدجّال على أن المنع إنما هو حيث يخرج، وكذا الجواب عن مشيه وراء عيسى ﵇. انتهى (٢).

стр. 2626

وتمام شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٥] (١٧١) - (حَدَّثَنى (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثنا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي (٣) أَطُوفُ بالْكَعْبَة، فَإِذَا رَجُل آدَمُ، سَبِطُ الشَّعْر، بَيْنَ رَجُلَيْن، يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ (٤)، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْس، أَعْوَرُ الْعَيْن، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ، أقرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ"). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث وقع في معظم النسخ بعد الحديث التالي، والصواب أن محلّه هنا، كما لا يخفى على من نظر فيه، وهو الذي وقع في شرح الأبيّ والسنوسيّ، فتنبّه. رجال هذا الإسناد: ستة، تقدّموا في الباب الماضي، وسالم وأبوه ذُكرا في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً) بضمّ الطاء، وفتحها، أي: يقطُرُ وَيَسيل (٥)، وقال المجد ﵀: نَطَفَ الماء، كنَصَرَ، وضَرَب: نَطْفًا، وتَنْطَافًا بفتحهما، ونِطَافَانًا، ونِطَافَةً بالكسر: سال. انتهى (٦).

стр. 2627

وقوله: (أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً) "أو" فيه للشكّ من الراوي، و"يُهَرَاق" بضمّ الياء، وفتح الهاء؛ أي: ينصبّ (١). وقال المجد ﵀: هَرَاقَ الماءَ يُهَرِيقه بفتح الهاء، هِرَاقَةً بالكسر، وأَهْرَقَهُ يُهْرِيقهُ إِهْرَاقًا، وأَهْرَاقَهُ يُهْرِيقه إهْرِيَاقًا، فهو مَهَرِيق، وذاكَ مُهَرَاقٌ، ومُهْرَاقٌ: صَبَّهُ، وأصله: أراقه يُرِيقه إِراقَةً، وأصل أراقَ: أَرْيَقَ، وأصلُ: يُرِيقُ يُرْيِقُ، وأصلُ يُرْيِقُ: يُؤَريقُ، وقالوا: أُهَرِيقُهُ، ولم يقولوا: أُأَرِيقه؛ لاستثقال الهمزتين، وزِنَةُ يُهَرِيقُ بفتح الهاء يُهَفْعِلُ، ومُهَرَاقٌ بالتحريك مُهَفْعَل، وأما يُهْرِيق ومُهْرَاقٌ بتسكين هائهما، فلا يُمكن أن يُنطق بهما؛ لأن الهاء والفاء جميعًا ساكنان. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: راقَ الماءُ والدمُ وغيره ريقًا، من باب باع: انْصَبَّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعلُ مُريقٌ، والمفعولُ مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصلُ هَرْيَقَهُ وِزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفتَح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفْتَح الدال من يُدَحْرِجه، وتُفتَح من الفاعل والمفعول أيضًا فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصلُ: هَرْيِقْ وِزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ ساكنُ الهاءِ تشبيهًا له بأَسْطَاعَ يُسْطِيعُ، كأنّ الهمزة زِيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يَصِير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا، و"دَعَا بِذَنُوب فأُهْرِقَ" ساكنُ الهاء، وفي "التهذيب": من قال: أَهْرَقْتُ فهو خطأ في القياس، ومنهم من يَجْعَل الهاء كأنها أصلٌ، ويقول: هرقته هَرْقًا، من باب نَفَعَ، وفي الحديث: "إن امرأة كانت لهَرَاق الدماءَ"، بالبناء للمفعول، و"الدماءَ" نُصِبَ على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصلُ تُهْرَاقُ دماؤُها، لكن جُعِلت الألف واللام بدلًا عن الإضافة،

стр. 2628

كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [الآية [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نِكَاحِها. انتهى (١). وقوله: (ثم ذهبتُ ألْتَفِتُ) وفي بعض النسخ: "التَفَتُّ" بصيغة الماضي. وقوله: (جَسِيم) أي: سمين عظيم الجسم، وأما ما جاء في وصف موسى ﵇ بأنه جسيم سبط، فإنه يرجع إلى الطول، كما قال الشاعر [من الطويل]: وَجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ البَنَانِ كَأَنَّمَا … عِمَامَتُهُ بَيْنَ الرِّجَالِ لِوَاءُ (٢) ولا يُفسّر هذا بسمين؛ لأنه يخالف وصفه في الحديث الآخر بأنه ضَرْب من الرجال. وتمام شرح الحديث والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل ثلاثة أحاديث، فراجعها تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٦] (١٧٠) - (حَدَّثَنَا (٣) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبيِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا كَذَّبَتْني قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الْحِجْر، فَجَلَا اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِس، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِه، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فأما قُتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، والزهريّ، فتقدّموا في الباب الماضي، وأما عُقَيل بن خالد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وجابر بن عبد الله ﵄، فتقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم.

стр. 2629

شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄، وفي رواية البخاريّ: "سمعت جابر بن عبد الله"، فقال في "الفتح": كذا في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، وخالفه عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، فقال: عن أبي هريرة، أخرجه مسلم - يعني: الرواية التالية - وهو محمول على أن لأبي سلمة فيه شيخين؛ لأن في رواية عبد الله بن الفضل زيادةً ليست في رواية الزهريّ. انتهى (١). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ) وفي نسخة، وهي رواية للبخاريّ: "لَمّا كذّبني قريش"، وكلاهما جائز؛ فالتأنيث باعتبار "قريش" اسم قبيلة، والتذكير باعتباره اسم حيّ. و"قُرَيشٌ": هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قُريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السُّهيليّ وغيره، والثاني هو الأصح، والأول قول الجمهور، وإلى هذا أشار الحافظ أبو الفضل العراقيّ ﵀ في ألفيّة السيرة حيث قال: أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جِمَاعُهَا وَالأَكْثَرُون النَّضْرُ قال الفيّوميّ ﵀: وأصل القَرْش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريش، وقيل: قريشٌ دابّة تسكُن البحر، وبه سُمّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ … ـرَ بِهَا سُمّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا ويُنسَبُ إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشِيٌّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُرَيْشِيٌ. انتهى (٢). وقال المجد ﵀: سُمّوا قُريشًا؛ لتجمّعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرّشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرّش، أو لأنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ؛ أي: شديدٌ،

стр. 2630

أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القُرشيّ، أو لأنهم كانوا يُفتّشون الحَاجَ (١) فيسدّون خلّتها، أو سُمّيت بمصغر القِرْش، وهي دابّة بحريّة، تخافها دوابّ البحر كلّها، أو سُمّيت بقُريش بن مخلد بن غالب بن فِهْر، وكان صاحب عِيرهم، فكانوا يقولون: قَدِمت عِير قُريش، وخرجت عِيرُ قريش، والنسبة إليها قُرَشيّ، وقُرَيشيّ انتهى (٢). وقوله: "لَمّا كذّبتني قريش … إلخ" قد وقع بيان ذلك في طرق أخرى، فرَوَى البيهقيّ في "لدلائل" من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، قال: "افْتَتَنَ ناس كثير - يعني: عقب الإسراء - فجاء ناس إلى أبي بكر، فذكروا له، فقال: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتُصَدِّقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة، ثم رَجَع إلى مكة؟ قال: نعم إني أُصدِّقه بأبعد من ذلك، أُصَدِّقه بخبر السماء، قال: فسُمِّي بذلك "الصدِّيقَ"، قال: سمعت جابرًا يقول … "، فذكر الحديث. وفي حديث ابن عباس ﵄ عند أحمد والبزَّار، بإسناد حسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمّا كان ليلة أُسري بي، وأصبحتُ بمكة، مَرّ بي عدوُّ الله أبو جهل، فقال: هل كان من شيء؟ قال رسول الله ﷺ : إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فإن دعوتُ قومك أتُحَدِّثهم بذلك؟ قال: نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤيّ، قال: فانفَضّت إليه المجالس، حتى جاؤوا إليهما، فقال: حَدِّث قومك بما حدثتني، فحدَّثهم، قال: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ … " الحديث. وأخرجه النسائيّ من طريق زُرَارة بن أوفى، عن ابن عبّاس ﵄ مُطَوَّلًا، ولفظه: "لَمّا كان ليلة أُسري بي، ثم أصبحتُ بمكة قطعت بأمري، وعَرَفت أن الناس مُكَذِّبِيَّ، فقعدت معتزلًا حزينًا، فمرّ بي عدوّ الله أبو جهل، فجاء حتى جَلَس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم، قال: ما هو؟
следующие страницы →