← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وتمام شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٥] (١٧١) - (حَدَّثَنى (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثنا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي (٣) أَطُوفُ بالْكَعْبَة، فَإِذَا رَجُل آدَمُ، سَبِطُ الشَّعْر، بَيْنَ رَجُلَيْن، يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ (٤)، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْس، أَعْوَرُ الْعَيْن، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ، أقرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ"). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث وقع في معظم النسخ بعد الحديث التالي، والصواب أن محلّه هنا، كما لا يخفى على من نظر فيه، وهو الذي وقع في شرح الأبيّ والسنوسيّ، فتنبّه. رجال هذا الإسناد: ستة، تقدّموا في الباب الماضي، وسالم وأبوه ذُكرا في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً) بضمّ الطاء، وفتحها، أي: يقطُرُ وَيَسيل (٥)، وقال المجد ﵀: نَطَفَ الماء، كنَصَرَ، وضَرَب: نَطْفًا، وتَنْطَافًا بفتحهما، ونِطَافَانًا، ونِطَافَةً بالكسر: سال. انتهى (٦).

стр. 2627

وقوله: (أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً) "أو" فيه للشكّ من الراوي، و"يُهَرَاق" بضمّ الياء، وفتح الهاء؛ أي: ينصبّ (١). وقال المجد ﵀: هَرَاقَ الماءَ يُهَرِيقه بفتح الهاء، هِرَاقَةً بالكسر، وأَهْرَقَهُ يُهْرِيقهُ إِهْرَاقًا، وأَهْرَاقَهُ يُهْرِيقه إهْرِيَاقًا، فهو مَهَرِيق، وذاكَ مُهَرَاقٌ، ومُهْرَاقٌ: صَبَّهُ، وأصله: أراقه يُرِيقه إِراقَةً، وأصل أراقَ: أَرْيَقَ، وأصلُ: يُرِيقُ يُرْيِقُ، وأصلُ يُرْيِقُ: يُؤَريقُ، وقالوا: أُهَرِيقُهُ، ولم يقولوا: أُأَرِيقه؛ لاستثقال الهمزتين، وزِنَةُ يُهَرِيقُ بفتح الهاء يُهَفْعِلُ، ومُهَرَاقٌ بالتحريك مُهَفْعَل، وأما يُهْرِيق ومُهْرَاقٌ بتسكين هائهما، فلا يُمكن أن يُنطق بهما؛ لأن الهاء والفاء جميعًا ساكنان. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: راقَ الماءُ والدمُ وغيره ريقًا، من باب باع: انْصَبَّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعلُ مُريقٌ، والمفعولُ مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصلُ هَرْيَقَهُ وِزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفتَح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفْتَح الدال من يُدَحْرِجه، وتُفتَح من الفاعل والمفعول أيضًا فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصلُ: هَرْيِقْ وِزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ ساكنُ الهاءِ تشبيهًا له بأَسْطَاعَ يُسْطِيعُ، كأنّ الهمزة زِيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يَصِير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا، و"دَعَا بِذَنُوب فأُهْرِقَ" ساكنُ الهاء، وفي "التهذيب": من قال: أَهْرَقْتُ فهو خطأ في القياس، ومنهم من يَجْعَل الهاء كأنها أصلٌ، ويقول: هرقته هَرْقًا، من باب نَفَعَ، وفي الحديث: "إن امرأة كانت لهَرَاق الدماءَ"، بالبناء للمفعول، و"الدماءَ" نُصِبَ على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصلُ تُهْرَاقُ دماؤُها، لكن جُعِلت الألف واللام بدلًا عن الإضافة،

стр. 2628

كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [الآية [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نِكَاحِها. انتهى (١). وقوله: (ثم ذهبتُ ألْتَفِتُ) وفي بعض النسخ: "التَفَتُّ" بصيغة الماضي. وقوله: (جَسِيم) أي: سمين عظيم الجسم، وأما ما جاء في وصف موسى ﵇ بأنه جسيم سبط، فإنه يرجع إلى الطول، كما قال الشاعر [من الطويل]: وَجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ البَنَانِ كَأَنَّمَا … عِمَامَتُهُ بَيْنَ الرِّجَالِ لِوَاءُ (٢) ولا يُفسّر هذا بسمين؛ لأنه يخالف وصفه في الحديث الآخر بأنه ضَرْب من الرجال. وتمام شرح الحديث والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل ثلاثة أحاديث، فراجعها تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٦] (١٧٠) - (حَدَّثَنَا (٣) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبيِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا كَذَّبَتْني قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الْحِجْر، فَجَلَا اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِس، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِه، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فأما قُتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، والزهريّ، فتقدّموا في الباب الماضي، وأما عُقَيل بن خالد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وجابر بن عبد الله ﵄، فتقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم.

стр. 2629

شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄، وفي رواية البخاريّ: "سمعت جابر بن عبد الله"، فقال في "الفتح": كذا في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، وخالفه عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، فقال: عن أبي هريرة، أخرجه مسلم - يعني: الرواية التالية - وهو محمول على أن لأبي سلمة فيه شيخين؛ لأن في رواية عبد الله بن الفضل زيادةً ليست في رواية الزهريّ. انتهى (١). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ) وفي نسخة، وهي رواية للبخاريّ: "لَمّا كذّبني قريش"، وكلاهما جائز؛ فالتأنيث باعتبار "قريش" اسم قبيلة، والتذكير باعتباره اسم حيّ. و"قُرَيشٌ": هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قُريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السُّهيليّ وغيره، والثاني هو الأصح، والأول قول الجمهور، وإلى هذا أشار الحافظ أبو الفضل العراقيّ ﵀ في ألفيّة السيرة حيث قال: أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جِمَاعُهَا وَالأَكْثَرُون النَّضْرُ قال الفيّوميّ ﵀: وأصل القَرْش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريش، وقيل: قريشٌ دابّة تسكُن البحر، وبه سُمّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ … ـرَ بِهَا سُمّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا ويُنسَبُ إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشِيٌّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُرَيْشِيٌ. انتهى (٢). وقال المجد ﵀: سُمّوا قُريشًا؛ لتجمّعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرّشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرّش، أو لأنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ؛ أي: شديدٌ،

стр. 2630

أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القُرشيّ، أو لأنهم كانوا يُفتّشون الحَاجَ (١) فيسدّون خلّتها، أو سُمّيت بمصغر القِرْش، وهي دابّة بحريّة، تخافها دوابّ البحر كلّها، أو سُمّيت بقُريش بن مخلد بن غالب بن فِهْر، وكان صاحب عِيرهم، فكانوا يقولون: قَدِمت عِير قُريش، وخرجت عِيرُ قريش، والنسبة إليها قُرَشيّ، وقُرَيشيّ انتهى (٢). وقوله: "لَمّا كذّبتني قريش … إلخ" قد وقع بيان ذلك في طرق أخرى، فرَوَى البيهقيّ في "لدلائل" من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، قال: "افْتَتَنَ ناس كثير - يعني: عقب الإسراء - فجاء ناس إلى أبي بكر، فذكروا له، فقال: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتُصَدِّقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة، ثم رَجَع إلى مكة؟ قال: نعم إني أُصدِّقه بأبعد من ذلك، أُصَدِّقه بخبر السماء، قال: فسُمِّي بذلك "الصدِّيقَ"، قال: سمعت جابرًا يقول … "، فذكر الحديث. وفي حديث ابن عباس ﵄ عند أحمد والبزَّار، بإسناد حسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمّا كان ليلة أُسري بي، وأصبحتُ بمكة، مَرّ بي عدوُّ الله أبو جهل، فقال: هل كان من شيء؟ قال رسول الله ﷺ : إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فإن دعوتُ قومك أتُحَدِّثهم بذلك؟ قال: نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤيّ، قال: فانفَضّت إليه المجالس، حتى جاؤوا إليهما، فقال: حَدِّث قومك بما حدثتني، فحدَّثهم، قال: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ … " الحديث. وأخرجه النسائيّ من طريق زُرَارة بن أوفى، عن ابن عبّاس ﵄ مُطَوَّلًا، ولفظه: "لَمّا كان ليلة أُسري بي، ثم أصبحتُ بمكة قطعت بأمري، وعَرَفت أن الناس مُكَذِّبِيَّ، فقعدت معتزلًا حزينًا، فمرّ بي عدوّ الله أبو جهل، فجاء حتى جَلَس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم، قال: ما هو؟

стр. 2631

قال: إني أُسري بي الليلةَ، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فلم يرَ أن يُكَذِّبه مخافة أن يَجْحَد ما قال إن دعا قومه، قال: إن دعوتُ قومك لك تحدثهم؟ قال: نعم، قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤيّ هَلُمّ، قال: فانفضت إليه المجالس، فجاؤوا حتى جَلَسُوا إليهما، قال: حَدِّثْ قومك بما حدثتني، فحدثهم، قال: فمِن مُصَفِّق ومن واضع يده على رأسه متعجبًا، وفي القوم مَن سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، قال: فهل تستطيع أن تَنْعَت لنا المسجد؟ قال النبيّ ﷺ : فذهبت أَنْعَت لهم، قال: فما زِلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، فجيء بالمسجد حتى وُضع فنعتّه، وأنا أنظر إليه، قال: فقال القوم: أما النعت فقد أصاب". وأخرج قاسم بن ثابت في "الدلائل"، فقال: "جاء ناس من قريش إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أَتى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟ قال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لقد صدق" (١). [تنبيه]: وقع في غير هذه الرواية بيان ما رآه النبيّ ﷺ ليلة الإسراء، فمن ذلك ما وقع عند النسائيّ، من رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أُتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل … " الحديث، وفيه: "فرَكِبتُ ومعي جبريل، فَسِرتُ، فقال: انزل فصَلّ، ففعلتُ، فقال: أتدري أين صليت؟ صليتَ بطيبة وإليها المُهاجَرُ"، يعني بفتح الجيم. ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزَّار، والطبرانيّ أنه "أول ما أُسري به مَرَّ بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزِل فصَلّ، فنزل فصلى، فقال: صليت بيثرب"، ثم قال في روايته: "ثم قال: انزل، فصلِّ مثل الأول، قال: صليتَ بطور سيناء حيث كَلَّم الله موسى، ثم قال: انزل، فذكر مثله، قال: صليتَ ببيت لَحْم، حيث وُلد عيسى". وقال في رواية شداد بعد قوله: "يَثْرِب": "ثم مَرَّ بأرض بيضاء، فقال:

стр. 2632

انزل فصلّ، فقال: صليتَ بمدين"، وفيه أنه دخل المدينة من بابها اليماني، فصلى في المسجد، وفيه أنه مَرَّ في رجوعه بعِير لقريش، فسلَّم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد، وفيه: أنه أعلمهم بذلك، وأن عِيرهم تَقْدَم في يوم كذا، فَقَدِمَت الظهرَ، يَقْدُمُهم الجمل الذي وَصَفه. وزاد في رواية يزيد بن أبي مالك: "ثم دخلت بيت المقدس، فجُمِع لي الأنبياء، فقَدَّمني جبريل حتى أممتهم". وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس ﵁ عند البيهقيّ في "الدلائل": أنه مَرَّ بشيء يدعوه، متنحيًا عن الطريق، فقال له جبريل: سِرْ، وأنه مَرّ على عجوز، فقال: ما هذه؟ فقال: لا، سِرْ، وأنه مَرّ بجماعة، فسلموا، فقال له جبريل: اردُد عليهم، وفي آخره: فقال له: الذي دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، والذين سلّموا إبراهيم وموسى وعيسى. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبرانيّ والبزَّار: أنه "مَرّ بقوم يزرعون ويحصدون، كلما حصدوا عاد كما كان، قال جبريل: هؤلاء المجاهدون، ومرّ بقوم تُرْضَخ رؤوسهم بالصخر، كلما رُضِخت عادت، قال: هؤلاء الذين تثاقل رؤوسهم عن الصلاة، ومَرّ بقوم على عوراتهم رِقَاع يَسرَحون كالأنعام، قال: هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة، ومرّ بقوم يأكلون لحمًا نيئًا خبيثًا ويدعون لحمًا نضيجًا طيبًا، قال: هؤلاء الزُّناة، ومرّ برجل جَمَع حُزْمة حطب لا يستطيع حملها، ثم هو يضمّ إليها غيرها، قال: هذا الذي عنده الأمانة لا يؤديها، وهو يطلب أخرى، ومرّ بقوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم، كلما قُرِضت عادت، قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ومرّ بثور عظيم، يَخرُج من ثُقْب صغير، يريد أن يرجع فلا يستطيع، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة، فيندم فيريد أن يردها فلا يستطيع". وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البزار والحاكم: أنه "صلى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أُتي هناك بأرواح الأنبياء، فأَثنوا على الله، وفيه قول إبراهيم: لقد فَضَلكم محمد". وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم، عن أنس ﵁: "ثم بُعث له آدم فمن دونه، فأمَّهم تلك الليلة"، أخرجه الطبرانيّ.

стр. 2633

وعند مسلم من رواية عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "ثم حانت الصلاة فأممتهم". وفي حديث أبي أمامة ﵁ عند الطبراني في "الأوسط": "ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا حتى قدَّموا محمدًا"، وفيه: "ثم مرَّ بقوم بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خَرَّ، وإن جبريل قال له: هم آكلو الربا، وأنه مر بقوم مَشافرهم كالابل، يلتقمون حجرًا، فيخرج من أسافلهم، وإن جبريل قال له: هؤلاء أكلة أموال اليتامى" (١). (قُمْتُ فِي الْحِجْرِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم: قال الأزهريّ: هو حَطِيم مكة، كأنه حُجْرة مما يَلي المَثْعَب من البيت، وقال الجوهريّ: الحِجْرُ حِجْر الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المُدَار بالبيت جانب الشمال (٢). (فَجَلَا اللهُ لِي) وفي نسخة: "فَجَلَّى الله"، قال النوويّ ﵀: رُوي بتشديد اللام، وتخفيفها، وهما ظاهران، ومعناه: كَشَف وأظهر. انتهى (٣). وقيل: معناه: كَشَفَ الحجب بيني وبينه حتى رأيته، والأصحّ أنه رُفع البيت حتى نظر إليه ونعته لهم، كما دلّت عليه رواية عبد الله بن الفضل، عن أم سلمة التالية: قال: "فسألوني عن أشياء لم أُثبتها، فكُرِبتُ كَرْبًا لم أُكْرَب مثله قط، فرَفَع الله لي بيت المقدس أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم به"، وفي حديث ابن عباس: "فجيء بالمسجد، وأنا أنظر إليه حتى وُضِع عند دار عَقِيل، فَنَعَتُّهُ وأنا أنظر إليه". وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أُحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان ﵇، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه حتى أُحضر إليه، وما ذلك على الله بعزيز. ووقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد: "فَخُيِّل لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته"، قال الحافظ ﵀: فإن لم يكن مُغَيَّرًا من قوله: "فجلى"، وكان ثابتًا احتَمَلَ أن يكون المراد أنه مُثِّل قريبًا منه كما تقدم نظيره

стр. 2634

في حديث: "أُريت الجنة والنار"، وتأوّل قوله: "جيء بالمسجد"؛ أي: جيء بمثاله. والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب ما دلّ عليه ظاهر ما في الصحيح من أنه رُفع له بيت المقدس، فرآه عَلَنًا، ووصفه لهم مشاهدًا له، والله تعالى أعلم. قال: ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزَّار والطبرانيّ ما يؤيد الاحتمال الأوّل، ففيه: "ثم مررت بعير لقريش … " فذكر القصة: "ثم أَتيت أصحابي بمكة قبل الصبح، فأتاني أبو بكر، فقال: أين كنت الليلة؟ فقال: إني أَتيت بيت المقدس، فقال: إنه مسيرة شهر، فصِفْه لي، قال: ففُتِح لي شراكٌ، كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شيء إلا أنبأته عنه". وفي حديث أم هانئ أيضًا: "أنهم قالوا له: كم للمسجد بابًا؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إليه، وأعدّها بابًا بابًا"، وفيه عند أبي يعلى: إن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عَدِيّ والد جُبير بن مطعم، وفيه من الزيادة: فقال رجل من القوم: "هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم والله قد وجدتهم قد أضلّوا بعيرًا لهم، فهم في طلبه، ومررت بابل بني فلان انكسرت لهم ناقة حمراء، قالوا: فأخبرنا عن عِدّتها وما فيها من الرُّعاة، قال: كنت عن عدتها مشغولًا، فقام، فأتى الإبل فعَدَّها وعَلِم ما فيها من الرِّعاء، ثم أتى قريشًا، فقال: هي كذا وكذا، وفيها من الرِّعاء فلان وفلان، فكان كما قال". (بَيْتَ الْمَقْدِسِ) تقدّم بيان لغاته، واشتقاقه قريبًا (فَطَفِقْتُ) بكسر الفاء، وفتحها، يقال: طَفَقَ يفعل كذا، كفرِحَ، وضَرَبَ طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفَق، وطَفِقَ بمراده: ظَفِرَ، قاله المجد (١)، وهي من أفعال الشروع التي تنسخ المبتدأ والخبر، وخبرها يكون فعلًا مضارعًا، ولا يُقرن بـ "أن"، كما قال في "الخلاصة": ..................... … وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخْذْتُ وَعَلِقْ

стр. 2635

(أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) أي: علاماته، وقوله: (وَأنا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) جملة اسميّة كبرى في ضمنها صغرى في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨١/ ٤٣٦] (١٧٠)، و (البخاريّ) في "المناقب" (٣٨٨٦)، و"التفسير" (٤٧١٠)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٣٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٥/ ٣٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٣٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٠) و (٣٥٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٣٢)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أكرم الله تعالى نبيّه ﷺ بالإسراء. ٢ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ ﷺ حيث أخبر قريشًا بما سألته من نعت بيت المقدس، وما وقع له في الطريق من رؤيته للعير، وما وقع فيها. ٣ - (ومنها): بيان فضل الله ﷺ على حبيبه ﵇ حيث يسارع إلى إزالة ما يقع له من الكروب، فإن قريشًا لما سألته عن وصف بيت المقدس لم يكن له علم تفصيل لذلك حيث كان ليلًا، وفي سُويعة قليلة، فجلّى الله تعالى له ذلك البيت، حتى شاهده، وأخبرهم بأوصافه المفضلة، فضلًا من الله ونعمة، كما قال : ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ٤ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إرادة إظهار الحقّ لمعاندة مَن يريد إخماده؛ لأنه لو عُرِج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح، فلما ذَكَر أنه أُسري به إلى بيت المقدس، سألوه

стр. 2636

عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس، كانوا رأوها، وعَلِموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صحّ خبره في ذلك، لَزِم تصديقه في بقية ما ذَكَره، فكان ذلك زيادة في إيمان المؤمن، وزيادة في شَقَاء الجاحد والمعاند. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٧] (١٧٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيز، وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْل، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْر، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُني عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْني عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أَثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْه، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِه، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاء، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُل ضَرْبٌ، جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَكْتُ مِنَ الصَّلَاة، قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِك صَاحِبُ النَّار، فَسَلِّمْ عَلَيْه، فَالْتَفَتُّ إِلَيْه، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (حُجَيْنُ (٢) بْنُ الْمُثَنَّى) اليَماميّ، أبو عُمير، نزيل بغداد، خُرَاسانيّ الأصل، ثقةٌ [٩].

стр. 2637

رَوَى عن الليث، ومالك، وعبد العزيز الماجشون، ويعقوب القُمّيّ، ويحيى بن سابق، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن رافع، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، والدّوريّ، وغيرهم. قال محمد بن رافع، وصالح بن محمد: ثقةٌ، وقال البخاريّ: كان قاضيًا على خُرَاسان، وقال أبو بكر الجارُوديّ: ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً مات ببغداد، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الكلاباذيّ: مات سنة (٢٠٥) أو بعدها (١). أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة، واسم أبي سلمة: ميمون، ويقال: دينار المَاجِشُون - بكسر الجيم، بعدها شين معجمة مضمومة - أبو عبد الله، ويقال: أبو الأصبغ المدنيّ الفقيه، أحد الأعلام، مولى آل الهُدَير التيميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيه، مصنّف [٧]. رَوَى عن أبيه، وعمه يعقوب، ومحمد بن المنكدر، والزهريّ، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، وحميد الطويل، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وعمرو بن يحيى المازنيّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعبد الله بن الفضل الهاشمي وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وزُهير بن معاوية، وإبراهيم بن طَهمان، والليث بن سعد، وهم من أقرانه، وابن وهب، وابن مهديّ، ووكيع، وأبو عامر العَقَديّ، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو النضر، وحُجَين بن المثنى، وأحمد بن خالد الوَهْبيّ، وعبد الله بن صالح العجليّ، وعبد الله بن صالح المصريّ، وغيرهم.

стр. 2638

قال إبراهيم الحربيّ: الماجشون فارسيّ، وإنما سُمِّي الماجشون؛ لأن وَجْنَتَيه كانتا حَمْرَواين، فسُمّي بالفارسية المايكون، فشُبِّه وجنتاه بالقمر، فعَرّبه أهل المدينة، فقالوا: الماجشون، وقال ابن أبي خيثمة: قال أحمد: تَعَلَّق من الفارسية بكلمة، وكان إذا لَقِيَ الرجلَ يقول: شوني، فلُقِّب الماجشون، وقال الحسين بن حِبّان: قيل لأبي زكريا: الماجشون هو مثل ليث وإبراهيم بن سعد؟ فقال: لا هو دونهما، إنما كان رجلًا يقول بالقدر والكلام، ثم تركه وأقبل إلى السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قَدِمَ بغداد كتبوا عنه، فكان بعد يقول: جعلني أهلُ بغداد مُحَدِّثًا، وكان صدوقًا، وقال أبو داود، عن أبي الوليد: كان يَصلَح للوزارة، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن مهدي، عن بِشْر بن السَّرِيّ: لم يسمع من الزهريّ، قال أحمد بن سنان: معناه أنه عَرَضَ. وقال ابن السَّرْح، عن ابن وهب: حَجَجْتُ سنة (١٤٨) وصائحٌ يَصِيح: لا يُفتي الناس إلا مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وأهل العراق أَرْوَى عنه من أهل المدينة، وتُوُفّي ببغداد سنة (١٦٤)، وكان فقيهًا وَرِعًا متابعًا لمذهب أهل الحرمين، مُفَرِّعًا على أصولهم، ذابًّا عنه، وكذا قال البخاريّ، وقال أحمد بن صالح: كان نَزِهًا، صاحب سنة، وثقةً، وقال أبو بكر البزّار: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم: سمعت أشهب يقول: هو أعلم من مالك، وقال أحمد بن كامل: لعبد العزيز كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ في الأحكام، يروي عنه ذلك ابنُ وهب، وعبد الله بن صالح، وغيرهم، وقال موسى بن هارون الحمّال: كان ثَبْتًا مُتْقِنًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ) بن العبّاس بن رَبِيعة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أنس بن مالك، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، والأعرج، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم. ورَوَى عنه مالك، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وزياد بن سعد، وأبو

стр. 2639

أويس، وغيرهم، وحَدَّث عنه صالح بن كيسان والزهريّ، وهما من أقرانه. قال حرب، عن أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: عبد الله بن الفضل ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن ابن عمر، وأنس، إن كان سَمِعَ منهما، كذا قال، وقد صَرَّح بالسماع من أنس عند البخاريّ في "سورة المنافقين"، وقال العجليّ: ثقةٌ، وكذا قال ابن البَرْقِيّ، وقال ابن عبد البر: لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١) ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٢) و (١٤٢١): "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها … "، وأعاده بعده، و (٢٣٧٣): "لا تفضّلوا بين أنبياء الله … ". ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وحُجين بن المثنّى، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبغداديين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وقد تقدّم ذكرهم قريبًا. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره،

стр. 2640

ورأس المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هكذا رواية عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقد تقدّم من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁، وسبق أن الحديث صحيح بالطريقين، على أن لأبي سلمة فيه شيخان: جابرُ وأبو هريرة ﵄، كما حقّقه الحافظ في "الفتح"، فما كتبه بعض من علّق على "صحيح مسلم " هنا من أن هذا الحديث خطأ، والصواب حديث جابر ﵁، فلا أدري من أين أخذه، فتنته، ولا تغترّ بكلّ من جرّ قلمه، فإن ذلك مَخْزَاةٌ ومَنْدَمَة (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيت نفسي، وقد تقدّم البحث في أن من خواصّ أفعال القلوب أنها تختصّ بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ"ظننتني قائمًا"، وكقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلْحِقت بها في ذلك "رأى" الحُلميّة، كقوله ﷺ هنا: "لقد رأيتني"، وكقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ٣٦]، و"رأى" البصريّة، كقوله [من الوافر]: وَلَقَدْ أَرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي وكذا أُلحْقِ بها "عَدِمَ"، و"وَجَد"، و"فَقَد" (فِي الْحِجْرِ) بكسر، فسكون: أي: حِجر الكعبة (وَقُرَيْشٌ تَسْأَلني) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (عَنْ مَسْرَايَ) بفتح الميم، وسكون السين المهملة، مقصورًا مصدرٌ ميميّ لـ"سَرَى"، قال المجد ﵀: السّرَى كالهُدى: سير عامّة الليل، ويُذَكَّرُ، سَرَى، يَسْرِي سُرًى، ومَسْرىً، وسَرْيَةً، ويُضَمّ، وسِرَايَةً، وأسرى، واسترى، وسَرَى به، وأسراه، وبه، و ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية [الإسراء: ١] تأكيدٌ، أو معناه: سَيَّرَه. انتهى (١). (فَسَأَلتْني عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي: من أوصاف بيت المقدس (لَمْ

стр. 2641

أثبِتْهَا) أي: لم أحفظها، ولم أَضْبِطها لاشتغالي بأهمّ منها (فَكُرِبْتُ) بالبناء للمفعول (كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ) قال النوويّ ﵀: هو بضم الكافين، والضمير في "مثله " يعود على معنى الكُربة، وهو الكَرْبُ، أو الغَمّ، أو الهَمّ، أو الشيء، قال الجوهريّ: الكُربة بالضم: الغَمّ الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكَرْب، وكَرَبه الغمّ: إذا اشتدّ عليه. انتهى. ولفظ أبي عوانة وأبي نعيم: "فُكُربتُ كَرْبًا". (قَطُّ) بضمّ الطاء المهملة المشدَّدة، يقال: ما ذلك قَطُّ؛ أي: في الزمان الماضي (١). (قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْه، مَا يَسْألونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا أَنْبَأتهُمْ بِه، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأنْبِيَاء، فَإِذَا) وفي نسخة: "وإذا" (مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي (قال الأبّيّ ﵀: الأظهر أنها رؤية عين، وأنها الصلاة المعهودة، ويأتي في آخر الكتاب: "مررت على موسى، وهو قائم يُصلّي في قبره". انتهى (٢). قال القاضي عياض ﵀: قوله: "فإذا بموسى قائم يصلّي"، وذكر مثله في عيسى ﵇، وفي آخر كتاب مسلم بعد هذا: "مررت على موسى، وهو قائم في قبره يصلّي". فالجواب عن صلاتهم قد تقدّم في ذكر حجِّ موسى وعيسى ﵇. قال: وقد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء، وهي من أعمال الآخرة، ويؤكّد أحدَ التأويلات فيه، وأنه الصلاة المعهودة ما ذكر من أنه ﷺ أمّ الأنبياء ﵈. وقد قال بعضهم: يَحْتَمل أن موسى ﵇ لم يمت، وأنه حيّ، فتكون صلاته حقيقة، كصلاة عيسى ﵇ بدليل قوله ﷺ "فأكون أنا أول من تنشقّ عنه الأرض، فإذا موسى آخذ بساق العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ "، متّفق عليه. لكن يَرُدّ هذا التأويل قوله ﷺ : "يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر"، والقبر لا يكون إلا للميت، والحديث الوارد في قصّة وفاته، وخبره مع ملك الموت، وسيأتي آخر الكتاب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال هذا البعض بحديث الصعقة من

стр. 2642

أضعف الاستدلال، وأبعدها عن الصواب؛ لأنه لا دلالة له أصلًا على الموت المعهود؛ لأن تلك الصعقة في القيامة، فتأمله بإنصاف يظهر لك جليّ الأمر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [فإن قيل]: كيف رأى موسى ﵇ يصلي في قبره، وصلى النبيّ ﷺ بالأنبياء ببيت المقدس، ووَجَدَهم على مراتبهم في السموات، وسَلّموا عليه ورَحَّبُوا به؟. [فالجواب]: أنه يَحتمل أن تكون رؤيته موسى ﵇ في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعود النبيّ ﷺ إلى السماء، وفي طريقه إلى بيت المقدس، ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء. ويحتمل أنه ﷺ رأى الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم، ثم سألوه ورَحَّبُوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى، فلا تتناقض الأحاديث، وتستمرّ على الصواب، قاله عياض ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: كذا أجاب القاضي ﵀، وعندي أن الذي يظهر من مجموع الروايات التي سبق بيانها أن إمامة النبيّ ﷺ لهم كان قبل الصعود، والله تعالى أعلم. والحاصل أن قصّة إسراء النبيّ ﷺ في بعض الليل إلى بيت المقدس، ثم عُرُوجه إلى السماوات العلى، ومروره على الأنبياء هناك، واستقبالهم له بالترحيب، وتردّده بين ربّه وبين موسى، ورؤيته تلك العجائب الغرائب في سويعة من الزمن خارجٌ عن تصوّرنا، ولكنه فعل الواحد القهّار، لا يُعجزه شيء، بل هو قادر على أكثر من ذلك، فنؤمن بأنه ﷺ رأى موسى ﵇ في قبره يصلّي، ثم صلى به وبالأنبياء الآخرين ببيت المقدس، ثم استقبلوه بالترحيب في عروجه سماءً سماءً، كلّ ذلك على ظاهره من غير تأويل، والله على كلّ شيء قدير. (فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇

стр. 2643

قَائِمٌ يُصَلِّي، أقرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِي، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ) وفي نسخة زيادة " ﷺ " (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) الظاهر أن المعنى دخل وقتها بدليل قوله: (فَأَمَمْتُهُمْ) أي: صِرْتُ لهم إمامًا (فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاة، قَالَ قَائِل) الظاهر أنه جبريل ﵇ (يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّار، فَسَلِّمْ عَلَيْه، فَالْتَفَتُّ إِلَيْه، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ") أي: سلَّم عليّ قبل أن أُسلّم عليه تبجيلًا وتكريمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨١/ ٤٣٧] (١٧٢)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١١٢٨٤ و ١١٤٨٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٤٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٣٣). وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٢) - (بَابٌ في ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٨] (١٧٣) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، (ح) وحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَألْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَة، إِلَيْهَا

стр. 2644

يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْض، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦]، قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاَتِيمَ سُورةِ الْبَقَرَة، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (١) العَبْسيّ، الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الواو - أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦. ٤ - (الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ) الهَمْدانيّ الياميّ - بالتحتانيّة - أبو عديّ الكوفيّ، قاضي الريّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وأبي وائل، ومصعب بن سعد، وكُلْثوم بن المصْطَلِق، وإبراهيم النخعيّ، وطلحة بن مُصَرّف، وغيرهم. ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وهو أكبر منه، ومالك بن مغول، والثوريّ، ومِسْعَر، وعمرو بن أبي قيس، وعثمان بن زائدة، وبشر بن الحسين أحد الضعفاء، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أحمد: صالح الحديث، مقارب الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ، من أصحاب إبراهيم، وكان الزبير صاحب سنة، وقال أبو داود الطيالسيّ: لا نَعْرِف للزبير بن عديّ عن أنس إلا حديثًا واحدًا، وقال اليخاريّ: ثنا أحمد بن سليمان، ثنا بشر بن

стр. 2645

الحسين، وفيه نظر، أن الزبير بن عديّ مات بالريّ سنة (١٣١)، وكذا أَرَّخه ابن حبّان، قال: وصلَّى عليه نُبَاتة بن حنظلة، وكان من العبّاد، وكذا قال ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وبشرٌ متروك، رَوَى عن الزبير بواطيل، وقال الفَسَويّ: تابعيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (١٧٣) وحديث (٥٣٥): "كنّا نفعل هذا، ثم أمرنا بالركب"، وأعاده بعده، و (٢٣٤٨): "قُبِض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين … ". ٥ - (طَلْحَةُ) بن مصرّف بن عَمرو بن كَعْب الياميّ الكوفيّ القارئ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] (ت ١١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦. ٦ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الهَمْدانيّ - بسكون الميم - أبو إسماعيل الكوفيّ، الملقّب بمرّة الطيب، ثقةٌ عابدٌ [٢] (ت ٧٦) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والباقون تقدّموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين الأخيرين. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه زُهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الزبير، عن طلحة، عن مرّة، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة. ٥ - (ومنها): أن الزبير بن عديّ هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت عدد ما له من الأحاديث فيه.

стр. 2646

٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "وألفاظهم متقاربة"، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا. ٧ - (ومنها): أن فيه قوله: "عن عبد الله " مهملًا، وهو ابن مسعود ﵁؛ لأن القاعدة أنه إذا أُطلق عبد الله في سند الكوفيين فهو المراد، وقد تقدّم ضابط هذه المسألة غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُول اللهِ ﷺ - ببناء الفعل للمفعول، يقال: سريت الليلَ، وسريتُ به: إذا قطعته بالسير، وأسريت بالألف لغةٌ حجازيّة، وتقدّم تمام البحث فيه (انْتُهِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، والضمير للنبيّ ﷺ ، يقال: انْتَهَى الأمرُ: إذا بلغ النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يَبْلُغه (١). والجارّ والمجرور نائب عن الفاعل، وَيحتمل - لو صحّت الرواية به - أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الإسراء المفهوم من "أُسْرِيَ"، أي انتهى الإسراء به ﷺ ، حتى وصل (إِلَى سِدْرر الْمُنْتهَى) من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، ويَحتمل أن يكون من إضافة الأعمّ إلى الأخصّ، كشجر الأراك، وعلى الأول لا بدّ من تأويله؛ لئلا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وهو غير جائز، كما قال في "الخلاصة": وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ والتقدير: سدرة الشجر المنتهى، وفيه الحذف والإيصال، والأصل: المنتهَى إليها، وسيأتي سبب تسميتها بذلك. (وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هكذا في حديث ابن مسعود ﵁ أنها في السماء السادسة، وقد تقدّم في حديث أنسّ ﵁ ما يدلّ على أنها في السابعة، ورجّح الأكثرون هذا، لأن رواته أكثر، وجمع المحقّقون بأن معظمها في السابعة، وقد أظلت الجنة، وبعضها في السادسة؛ لأنها في نهاية العِظَم، كما

стр. 2647

صحّت بذلك الأحاديث، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، والله تعالى أعلم. ثم ذكر وجه تسميتها بسدرة المنتهَى، فقال: (إِلَيْهَا يَنْتَهِي) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (مَا يُعْرَجُ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، والنائب عن الفاعل هو الجارّ والمجرور، وقوله: (مِنَ الْأَرْضِ) متعلّق بـ "يُعرج"، يعني: أنه يقف عندها كل ما يُصعد به من الأرض، من أعمال العباد والأرواح، ولا يَتَجاوزها (فَيُقْبَضُ مِنْهَا) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: تقبضه الملائكة، فتوصله إلى ما أُمرت به (وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا) ببناء الفعل للمفعول (فَيُقْبَضُ مِنْهَا) يعني: أن ما أنزل من فوق السدرة من الوحي، وغيره يقف عندها حتى تأخذه الملائكة منها، وتَنْزِل به إلى الأرض. وحاصل المعنى: أن سدرة المنتهى غاية لوصول ما ينزل من فوقها حتى يُقبض منها، وغاية لصعود ما يُصعَد به من تحتها. فقد تبيّن من هذا سبب تسميتها بهذا الاسم، وقيل: سُمّيت بذلك لانتهاء علم الخلق إليها، وقيل: لانتهاء أرواح الشهداء إليها، والأصحّ ما في هذا الحديث. ثم إن ما ذُكر من وصف سدرة المنتهى بهذا الوصف، الظاهر أنه مرفوع إلى النبيّ ﷺ ، ومال القرطبي إلى أنه موقوف على ابن مسعود ﵁، ولا يخفى بُعْده، ولو سُلّم فالوقف في مثل هذا له حكم الرفع، كما هو معلوم في محلّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ابن مسعود ﵁ كما صرّح به في رواية الترمذيّ - موضّحًا معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦] الظرف متعلّق بقوله: ﴿رَآهُ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، وقوله: (قَالَ) تأكيد للأول. (فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ) أي: يغشاها فَرَاشٌ من ذهب، و"الفَرَاشُ" بفتح الفاء: الطير الذي يُلقي نفسه في ضوء السراج، واحدتها فَرَاشة. كذا فسّر المبهم في قوله تعالى: ﴿مَا يَغْشَى﴾ وبالفراش، ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند النسائيّ: أنه "جَرَادٌ من ذهب"، قال

стр. 2648

البيضاويّ: وذكر الفَراش وقع على سبيل التمثيل؛ لأن شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب؛ لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها. انتهى. وقال الحافظ: ويجوز أن يكون من الذهب حقيقةً، ويَخلُق الله فيه الطيَرَان، والقدرة صالحة لذلك. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو المتعيّن، وأما ما قاله البيضاويّ فغير صحيح؛ لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على ظاهره لا يُعدَل عنه إلى غيره إلا بدليل صارف عن ظاهره، فدعوى المجاز هنا غير صحيحة، والله تعالى أعلم. وتقدّم في رواية ثابت، عن أنس ﵁: "فلمّا غشيها من أمر الله تغيّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها"، وفي رواية حُميد، عن أنس عند أحمد نحوه، لكن قال: "تحوّلت ياقوتًا" (٢)، وفي حديث أبي سعيد وابن عبّاس ﵃: "يغشاها الملائكة"، وفي حديث أبي سعيد، عن البيهقيّ: "على كلّ ورقة منها ملك". (قَالَ) أي: ابن مسعود ﵁ (فَأُعْطيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية الترمذيّ: "فأعطاه الله عندها"، أي: عند سدرة المنتهى (ثَلَاثًا) أي: ثلاث خصال، وزاد الترمذيّ: "لم يُعْطِهنّ نبيًّا كان قبله" (أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) قد تقدّم البحث المتعلّق بهذا مستوفًى (وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) قيل: معناه: أُعطي إجابة دعواتها. قال الجامع عفا الله عنه: الأَوْلى تفسيره بأن المعنى أنه أُعطي هذه الخواتيم من ذلك المحلّ الأعلى، يدلّ على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد ﵀

стр. 2649

في "مسنده" بسند صحيح، عن أبي ذرّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيتُ خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعطَهنّ نبيّ قبلي"، وأخرج أحمد أيضًا بسند حسن - كما قال الحافظ ابن كثير - عن عُقبة بن عامر الجُهَنيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أُعطيتهما من كنز تحت العرش"، إلى غير ذلك من الأحاديث (١). قال بعض المحقّقين: كأن المراد أنه قَرَّر له إعطاءه إياها، وأنها ستنزل عليه، وإلا فالآيتان مدنيّتان، والله تعالى أعلم. (وَغُفِرَ) بصيغة الماضي مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: "المُقْحِماتُ"، وعبّر بالماضي؛ إشارة إلى تحقّق وقوعه، وعند النسائيّ: "ويغفر" بصيغة المضارع، ثم إن الجملة بتقدير حرف مصدريّ نائب فاعل لـ "أُعطي" مقدّرًا بدليل ما قبله، أي: وأعطي أن غُفِر، أي: غفران المقحمات، وحذف الحرف المصدريّ مع رفع الفعل جائز، وواقع في القرآن الكريم، كقوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، ومنه قولهم: "تَسْمَع بالمعَيديّ خير من أن تراه"، برفع "تسمعُ"، وأما نصبه فشاذّ كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة": وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى (لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أمّتِهِ) ﷺ (شَيْئًا) نكّره إشارة إلى أن الشرك لا يُغفر، قليله ككثيره (الْمُقْحِمَاتُ) بصيغة اسم الفاعل بمعنى الذنوب العظام التي تُقْحِم أصحابها، أي: تدخلهم النار. قال النوويّ ﵀: "الْمُقْحِمَاتُ": - بضم الميم، وإسكان القاف، وكسر الحاء - ومعناه: الذنوب العظام الكبائر التي تُهْلِك أصحابها، وتوردهم النار، وتُقْحِمهم إيّاها، والتَّقَحُّمُ: الوقوع في المهالك، ومعنى الكلام: من مات من هذه الأمّة، غير مُشرِك بالله، غُفِر له المقحمات، والمراد - والله أعلم - بغفرانها أنه لا يُخَلَّد في النار، بخلاف المشركين، وليس المراد أنه لا يُعَذَّب أصلًا،

стр. 2650

فقد تقرَّرت نصوص الشرع، وإجماع أهل السنة على إثبات عذاب بعض العُصَاة من الموحدين. وَيَحْتَمِل أن يكون المراد بهذا خُصُوصًا من الأمة، أي: يُغْفَر لبعض الأمة المُقْحِماتُ، وهذا يَظْهَر على مذهب مَن يقول: إنّ لفظة "مَنْ" لا تقتضي العموم مطلقًا، وعلى مذهب من يقول: لا تقتضيه في الإخبار، وإن اقتضته في الأمر والنهي. ويُمْكِن تصحيحه على المذهب المختار، وهو كونها للعموم مطلقًا؛ لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص، وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال السنديّ ﵀: ولعل المراد أن الله تعالى لا يؤاخذهم بكلّها، بل لا بدّ أن يَغفر لهم بعضها، وإن شاء غفر لهم كلّها، وقيل: المراد بالغفران أن لا يُخلَّد صاحبها في النار، أو المراد: الغفران لبعض الأمة، ولعله إن كان هناك تأويلٌ فما ذَكَرتُ أقربُ، وإلا فتفويض هذا الأمر إلى علمه تعالى أولى. انتهى كلام السنديّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى هو الذي تقدّم في كلام النوويّ رحمه اللهمن حمل "مَنْ" على الخصوص؛ للأدلّة المقتضية لذلك، ففيه الجمع بين النصوص دون تعارض. والحاصل أن المراد بالأمّة بعضهم، فيغفر الله تعالى لبعض الأمة جميع ذنوبهم، صغائرها وكبائرها الموبقات ما عدا الشرك؛ لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، فبعض الأمة هم الذين شاء الله تعالى أن يَغفر لهم جميع ذنوبهم، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج هذا الحديث أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٣٩) من طُرُق، فوقع عنده بلفظ: "وغُفر لمن مات لا يُشرك به من أمته إلا المقحمات"، بزيادة "إلا" الاستثنائيّة، ونبّه عليه هو، والظاهر أن زيادة "إلا" غلطٌ؛ لأن رواية

стр. 2651

الأكثرين خالية منها، فليُتنبَّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٢/ ٤٣٨] (١٧٣)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٧٦)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٥١)، وفي "الكبرى" (٣١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣٦٥٦ و ٤٠٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٤٥ و ٣٤٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان محلّ سدرة المنتهى، وهو أنها في السماء السادسة، وتقدّم أن أكثر الروايات أنها في السابعة، وقدّمنا أنه يُجمع بينهما بأن أصلها في السادسة. ٢ - (ومنها): بيان وصف سدرة المنتهى. ٣ - (ومنها): بيان معنى قوله : ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦]. ٤ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به حبيبه ﷺ ، حيث أعطاه هذه الخصال الثلاث، وفضّله بها، ولم يُعطِها لأحد من الأنبياء غيره. ٥ - (ومنها): بيان فضل الصلوات الخمس، حيث فُرضت في المحلّ الأعلى، خلاف سائر الفرائض. ٦ - (ومنها): بيان فضل خواتيم سورة البقرة، وقد وردت أحاديث صحاح في فضلها: [فمنها]: ما أخرجه الشيخان عن أبي مسعود البدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه". [ومنها]: ما أخرجه مسلم، والنسائيّ عن ابن عباس ﵄ قال: "بينما

стр. 2652

جبريل قاعد عند النبيّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا من فوقه، فرَفَع رأسه، فقال: هذا بابٌ من السماء فُتِح اليوم، لم يُفْتَح قطُّ إلا اليوم، فنَزَل منه ملك، فقال: هذا ملك نَزَل إلى الأرض، لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسَلَّم وقال: أَبْشِر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته". [ومنها]: ما أخرجه الترمذيّ بإسناد حسن عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله كَتَب كتابًا قبل أن يَخلُق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين خَتَم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال، فيَقْرَبَها شيطان". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وصحّحه الحاكم على شرط مسلم. ٧ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به هذه الأمّة، حيث إنه يَغفر لها المقحِمات غير الشرك، وهذا فضل من الله تعالى عظيم من ربّ كريم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يغفر لهم المقحِمات، ويعفو عنهم السيّئات، ويكرمهم بدخول الجنّات؛ إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الرابع من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه الله تعالى ليلة الأحد المبارك ١٥/ ٦/ ١٤٢٥ هـ الموافق ١/ أغسطس / ٢٠٠٤ م. أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠، ١٨١].

стр. 2653

"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الخامس مفتتحًا بـ (٨٣) - (بَابُ قَوْلِهِ : ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، وهل رأى النبيّ ﷺ رَبّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ؟) رقم الحديث [٤٣٩] (١٧٤). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك". * * *

стр. 2654

(٨٣) - (بَابُ قَوْلِهِ : ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، وهل رأى النبيّ ﷺ رَبّهُ لَيْلَةَ الإسْرَاءِ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٩] (١٧٤) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ (١) الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنا عَبَّاد، وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّام، حَدَّثنا (٢) الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَألتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللهِ : ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]، (ت ٢٣٤)، (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن مُصْعَب بن جَنْدَل الْكِلابيّ مولاهم، أبو سَهْل الواسطيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن حميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وسعيد الْجُرَيريّ، وأبي مسلمة، سعيد بن يزيد، وابن عَون، وعوف الأعرابيّ، وحُصين بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة، وأبي مالك الأشجعيّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وغيرهم. ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وسعيد بن سليمان الواسطيّ، وأبو الربيع الزَّهْرانيّ، وعليّ بن مسلم، وعمران بن ميسرة، ومحمد بن عيسى بن الطّبّاع، ومحمود بن خِدَاش، ومحمد بن الصبّاح الدُّولابيّ، وحَدَّث عنه

стр. 2655

إسماعيل ابن عُلَيَّة، وهو من أقرانه، وأحمد بن مَنِيع، وعَبّاد بن يعقوب، وغيرهم. قال الحسن بن عَرَفة: سألني وكيع عنه أتُحَدِّث عنه؟ فقلت: نعم، قال: ليس عندكم أحد يُشبهه، وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: كان يُشْبه أصحاب الحديث، وقال الأثرم، عن أحمد: مُضْطَرب الحديث، عن سعيد بن أبي عروبة، وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن سعد: كان يَتَشيَّع، فأخذه هارون، فحَبَسه، ثم خَلَّى عنه، فأقام ببغداد، ومات سنة خمس وثمانين ومائة، وكذا أَرَّخَه غير واحد، وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثلاث، وقال حاتم بن الليث، عن سعيد بن سليمان: حدّثنا عبّاد بن العوّام، وكان من نُبَلاء الرجال في كل أمره، ومات سنة سِتّ، وكذا أَرَّخه أبو موسى الْعَنَزيّ، وأبو أمية، وقال أسلم الواسطيّ: مات سنة (٨٧). وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وَوَثَّقَه البزار، وقال الْقَرَّابُ: وُلد سنة (١١٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٧٤) و (٥١٣): "يصلي، وأنا حذاءه … "، وأعاده، و (٥٥٥): "يصلي في النعلين؟ قال: نعم"، و (١٠٠٥): "كلُّ معروف صدقة"، و (١١٠١): "إذا رأيتم الليل قد أقبل … "، و (١٥٩٠): "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الفضّة بالفضّة … "، و (١٦٢٣): "أفعَلْتَ هذا بولدك كلّهم … ؛ ". ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان فَيْرُوز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت في حدود ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩. ٤ - (زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ) بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرم [٢] (ت ١ أو ٢ أَو ٨٣) وهو (١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٧. والصحابيّ تقدّم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 2656

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبصريّ، ثم بغداديّ، وعبّاد، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن عبّاد بن العوّام هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد مرّ آنفًا عدد ما له فيه من الأحاديث. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخَضْرَم، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي إسحاق الشَّيْبَانِيِّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ) بكسر الزاي، وتشديد الراء (بْنَ حُبَيْشٍ) بضمّ الحاء المهملة، آخره شين معجمة، مصغّرًا (عَنْ قَوْلِ اللهِ أي عن المعنى المراد به (﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾)، قال الحافظ ابن كثير ﵀: أي فاقترب جبريل إلى محمد ﷺ لَمّا هَبَط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قابُ قوسين، أي بقدرهما إذا مُدّا، قاله مجاهد، وقتادة، وقد قيل: إن المراد بذلك بُعْدُ ما بين وتد القوس إلى كَبِدِها، وقوله: (﴿أَوْ أَدْنَى﴾)، هذه الصيغة تُستعمل في اللغة لإثبات المخبَر عنه، ونفي ما زاد عليه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآية [البقرة: ٧٤]: أي ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها، أو تزيد عليها في الشدّة والقَسْوة، وكذا قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ الآية [النساء: ٧٧]، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]: أي ليسوا بأقلّ منها، بل هم مائة ألف حقيقةً، أو يزيدون عليها، فهذا تحقيقٌ للمُخْبَر به، لا شكّ ولا تردّد، فإن هذا ممتنع ها هنا، وهكذا هو في الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١). وقال في "الفتح": "القاب": ما بين القبضة والسِّيَة من القوس، قال

стр. 2657

الواحديّ: هذا قول جمهور المفسرين إن المراد: القوس التي يُرْمَى بها، قال: وقيل: المراد بها الذراع؛ لأنه يقاس بها الشيء. قال الحافظ: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: "القاب": القَدْرُ، والقوسين: الذراعان، ويؤيده أنه لو كان المراد به القوس التي يُرْمَى بها لم يُمَثّل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلًا: قابَ رُمْح، أو نحو ذلك، وقد قيل: إنه على القلب، والمراد: قابَ قَوْسٍ؛ لأن القاب ما بين الْمَقْبِض إلى السِّيَة، فلكل قوس قابان بالنسبة إلى خالفته. وقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ أي أقرب، قال الزجاج: خاطب الله العرب بما أَلِفُوا، والمعنى: فيما تقدرون أنتم عليه، والله تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه، لا تَرَدُّد عنده، وقيل: "أَوْ" بمعنى "بَلْ " والتقدير: بل هو أقرب من القدر المذكور. وقال الألوسيّ ﵀: ﴿فَكَانَ﴾ أي جبريل؛ من النبيّ ﷺ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أي قَوْسَي العرب؛ لأن الإطلاق ينصرف إلى متعارفهم، و"القاب"، وكذا "القِيب"، و"القَاد"، و"القِيد"، و"القِيس": المقدار، وقرأ زيد بن عليّ: "قاد"، وقُرئ: "قِيد"، و"قدر"، وقد جاء التقدير بالقوس، كالرمح، والذراع، وغيرهما، ويقال على ما بين مَقبِض القوس وسيتها، وهي ما عُطف من طرفيها، فلكلّ قوس قابان، وفُسّر به هنا، قيل: وفي الكلام عليه قلبٌ، أي فكان قابي قوس. وفي "الكشف": لك أن تقول: قابا قوس، وقاب قوسين واحد دون قلب، وعن مجاهد، والحسن: أن قاب القوس ما بين وترها ومقبضها، ولا حاجة إلى القلب عليه أيضًا، فإن هذا على ما قال الخفاجيّ إشارة إلى ما كانت العرب في الجاهليّة تفعله إذا تحالفوا، فإنهم كانوا يُخرجون قوسين، ويُلصقون إحداهما بالأخرى، فيكون القاب ملاصقًا للآخر حتى كأنهما ذا قاب واحد، ثم يَنزعهما معًا، ويرمون بهما سهمًا واحدًا، فيكون ذلك إشارة إلى أن رضا أحدهم رضا الآخر، وسخطه سخطه، لا يُمكن خلافه. وعن ابن عبّاس: القوس هنا ذراع يقاس به الأطوال، وإليه ذهب أبو

стр. 2658

رزين، وذكر الثعلبيّ أنه من لغة الحجاز، وأيًّا ما كان فالمعنى على حذف مضاف: أي فكان ذا قاب قوسين، فكأنه قيل: فكان قريبًا منه. وقوله: ﴿فَأَوْحَى﴾ أي جبريل؛ ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ أي عبد الله، وهو النبيّ ﷺ ، وإنما أتى بالضمير، وإن لم يَجْرِ له تعالى ذكر؛ لكونه في غاية الظهور، ومثله كثير في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الآية [فاطر: ٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] ﴿مَا أَوْحَى﴾ أي الذي أوحاه، والضمير المستتر لجبريل؛ أيضًا، وإبهام الموحَى به؛ للتفخيم، فهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ الآية [طه: ٧٨]، وقال أبو زيد: الضمير المستتر لله ، أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحاه الله إلى جبريل، والأول مرويّ عن الحسن، وهو الأحسن، وقيل: ضمير ﴿أَوْحَى﴾ هو الأول والثاني لله تعالى، والمراد بالعبد جبريل ﵇. انتهى كلام الآلوسيّ ﵀ (١). (قَالَ) زِرّ (أَخْبَرَنِي) عبد الله (بْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ) ﵇، وهذا ظاهره أنه موقوف على ابن مسعود ﵁، لكن مثل هذا لا يُقال بالرأي، فله حكم الرفع، على أنه جاء التصريح برفعه فيما أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم ﵀ في "مستخرجيهما"، ولفظ أبي عوانة من طريق النُّفيليّ، عن زهير، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، قال: أتيت زِرّ بن حبيش، وعليّ درّتان، فسألته عن ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، فقال: حدّثنا عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ "أنه رأى جبريل، له ستمائة جناح" (٢). ولفظ أبي نعيم من طريق سليمان بن داود الهاشميّ، عن عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، قال: سألت زِرّ بن حُبَيش عن قول الله : ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾، فقال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جبريل، له ستمائة جناح" (٣).

стр. 2659

وقوله: (لهُ سِتُّمِائةِ جَنَاحٍ) جملة في محل نصب علي الحال من جبريل ﵇. و"الْجَناح - بفتح الجيم، وتخفيف النون، آخره حاء مهملة -: يُطلق على معان، قال الفيّوميّ ﵀: جَناح الطائر: بمنزلة اليد من الإنسان، والجمع: أَجْنحة. انتهى (١). وقال المجد ﵀: "الْجَناح": اليد، جمعه: أجنحة، وأَجْنُحٌ، والْعَضُدُ، والإِبْطُ، والجانبُ، ونفسُ الشيء، ومن الدّرّ: نظمٌ يُعَرَّضُ، أو كلُّ ما جعلته في نظام، والْكَنَفُ، والناحيةُ، والطائفةُ من الشيء، ويُضمّ، والرَّوْشَنُ، والْمَنْظَرُ، وفَرَسٌ للْحَوْفَزَانِ بن شَرِيك، وآخر لبني سُليم، وآخر لمحمد بن مَسْلَمَةَ الأنصاريّ، وآخرُ لعُقبة بن أبي مُعيط، واسمٌ. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب من هذه المعاني لما هنا: الكَنَفُ، والله تعالى أعلم. وهذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ في حمله الآية على أن المراد أنه ﷺ رأى جبريل ﵇، وأنه هو الداني المقترب من محمد ﷺ هو الذي ذهب إليه الكثيرون، منهم: أم المؤمنين عائشة، وأبو ذرّ، وأبو هريرة ﵁، وهو المذهب الراجح؛ لثبوت التصريح به عن النبيّ ﷺ ، فلا كلام مع ما ثبتٌ عنه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٨٣/ ٤٣٩ و ٤٤٠ و ٤٤١] (١٧٤)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٣٢)، و"التفسير" (٤٨٥٦ و ٤٨٥٧)، و (الترمذي) في "التفسير" (٣٢٧٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٣٥٨)،

стр. 2660

و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٢٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٩٠٥٥)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٠٣)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ٣٧١)، و (البغويّ) في "تفسيره" (٤/ ٢٤٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥٣٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٠٢ و ٤٠٣ و ٤٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٣٥ و ٤٣٦ و ٤٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في رؤية النبي ﷺ ربّه ليلة الإسراء: قال العلامة ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد": اختلف الصحابة هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصحّ عنه أنه قال: رآه بفؤاده، وصحّ عن عائشة، وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٣، ١٤] إنما هو جبريل، وصحّ عن أبي ذرّ أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال ﷺ : "نور أنّى أراه؟ "، أي حال بيني وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: "رأيت نورًا"، وقد حَكَى عثمان بن سعيد الدارميّ اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وليس قول ابن عباس: إنه رآه مناقضًا لهذا، ولا قوله: رآه بفؤاده، وقد صحَّ عنه أنه ﷺ قال: "رأيت ربي ﵎"، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لَمَّا احتَبَسَ عنهم في صلاة المحمبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه ﵎ تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بَنَى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال: نعم، رآه حقًّا، فإن رؤيا الأنبياء حقّ، ولا بدّ، ولكن لم يقل أحمد رحمه الله تعالى: إنه رآه بعيني رأسه يقظةً، ومَن حَكَى عنه ذلك فقد وَهِمَ عليه، ولكن قال مرةً: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحُكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة مِن تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك. وأما قول ابن عباس: إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً

стр. 2661

أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، والظاهر أنه مُستنَدُهُ، فقد صَحَّ عنه أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خُلِق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مُستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١). وقال القاضي عياض ﵀: رؤية الله جائزة عقلًا، وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا، فقال مالك: إنما لم يُرَ في الدنيا؛ لأنه باق، والباقي لا يُرَى بالفاني، فماذا كان في الآخرة، ورُزِقوا أبصارا باقيةً، رأوا الباقي بالباقي، قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية، إلا من حيث القدرة، فإذا أقْدَر الله مَن شاء من عباده عليها لم يمتنع. وقال الحافظ: وقع في "صحيح مسلم" ما يؤيد هذه التفرقة، في حديث مرفوع فيه: "واعلموا أنكم لن تَرَوا ربكم حتى تموتوا"، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من حديث أبي أُمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت ﵄، فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلا، فقد امتنعت سَمْعًا، لكن من أثبتها للنبي ﷺ له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الحافظ، كيف يحتجّ بقول مُختلَف فيه بين الأصوليين، ويترك النصوص التي جاءت بنفي رؤيته ﷺ ربّه، كقول عائشة ﵂: "أنا أوّل من سأل رسول الله ﷺ عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربّك؟ فقال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا"، وكحديث أبي ذرّ ﵁: هل رأيت ربّك؟ قال: "لا، نورٌ أنّى أراه؟ "، فهل بعد هذا النصّ يمكن الاستدلال بما قاله بعض الأصوليين؟؛ إن هذا لشيء عُجَاب. قال: وقد اختَلَفَ السلف في رؤية النبيّ ﷺ ربه، فذهبت عائشة، وابن مسعود إلى إنكارها، واختُلِف عن أبي ذرّ، وذهب جماعة إلى إثباتها، وحَكَى عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، أنه حَلَفَ أن محمدًا ﷺ رأى

стр. 2662

ربه، وأخرج ابن خزيمة، عن عروة بن الزبير إثباتها، وكان يشتد عليه إذا ذُكِر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجَزَم به كعب الأحبار، والزهريّ، وصا حبه معمر، وآخرون، وهو قول الأشعريّ، وغالب أتباعه. ثم اختلفوا هل رآه بعينه، أو بقلبه؟ وعن أحمد كالقولين. قال الحافظ ﵀: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقةٌ، وأخرى مقيدةٌ، فيجب حمل مطلقها على مقيدها. (فمن ذلك): ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وصححه الحاكم أيضًا، من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: "أتعجبون أن تكون الْخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ "، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: "إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة … " الحديث، وأخرج ابن إسحاق، من طريق عبد الله بن أبي سلمة، أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس، هل رأى محمد ربه؟ فأرسل إليه: أن نعم. (ومنها): ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رأى ربه بفؤاده مرتين. وله من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله ﷺ بعينه، إنما رآه بقلبه. وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس، ونفي عائشة بأن يُحْمَل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ ﵀ في هذا الكلام في أمرين: (الأول): أنه حقّق أن الذي ثبتٌ عن ابن عبّاس ﵄ في إثباته الرؤية إنما هو رؤية القلب، لا رؤية البصر، فإنه لم يثبت عنه ذلك. (الثاني): أنه يُجمع بين إثباته، وبين نفي عائشة ﵃ بأنه أثبت الرؤية

стр. 2663

القلبيّة، وهي نفت الرؤية البصريّة، فلا تعارض بين مذهبيهما، ويؤيّد هذا ظاهر استدلالها في نفيها الرؤية بآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الآية؛ لأنها ظاهرة في نفي إدراك البصر، ولا ينفي ذلك رؤية القلب، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالِمًا بالله تعالى على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما تُخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يُشترط لها شيء مخصوص عقلًا، ولو جرت العادة بخلقها في العين. وروى ابن خزيمة بإسناد قويّ عن أنس ﵁ قال: رأى محمد ربه. وعند مسلم من حديث أبي ذرّ أنه سأل النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال: "نور أنَّى أراه؟ "، وفي رواية قال: "رأيت نورًا"، ولابن خزيمة عنه قال: "رآه بقلبه، ولم يره بعينه". وبهذا يتبين مراد أبي ذرّ بذكره النورَ، أي: النورُ حال بين رؤيته له ببصره. وقد رجح القرطبي في "المفهم" قول الوقف في هذه المسألة، وعزاه لجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس في الباب دليلٌ قاطعٌ، وغاية ما استُدِلّ به للطائفتين ظواهر متعارضة، قابلة للتأويل، قال: وليست المسألة من العمليات، فيُكْتَفَى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات، فلا يكتَفَى فيها إلا بالدليل القطعيّ (١). وجَنَحَ ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له بما يطول ذكره، وحَمَلَ ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا

стр. 2664

وقعت مرتين: مرة بعينه، ومرة بقلبه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يثبُت عن ابن عبّاس ﵁ أنه قال: إنه ﷺ رأى ربّه بعينه، إنما ورد ذلك من تفسير بعض الرواة عنه لكلامه، والذي ثبتٌ عنه ﵁ في هذا أحاديث جزم فيها بمطلق الرؤية، وأخرى قيّد فيها الرؤية بأنها بالفؤاد، وقد سبق أن المطلق يُحمل على المقيّد" للأدلّة الأخرى. والحاصل أن رؤية النبيّ ﷺ لربه بعينه في الدنيا ليس مما يمتنع عقلًا؛ إذ لو كان ممتنعًا لَمَا سألها موسى ﵇، لكن لم يَرِد نصّ صريح بأنه رآه بعين رأسه، بل وردت نصوص دالّة على نفيها، كحديث أبي ذرّ ﵁: "نورٌ أنّى أراه؟ "، وحديث بعض أصحاب النبيّ ﷺ أنه النبي ﷺ قال: "تَعَلَّمُوا (٢) أنه لن يَرَى أحد ربّه حتى يموت" رواه مسلم، وحديث عائشة ﵄: هل رأيت ربّك؟ قال: "لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا"، رواه ابن مردويه، وأصله في مسلم. وخلاصة المسألة أنه قد تبيّن من مجموع ما سبق من الأدلة أن المذهب الصحيح عدم ثبوت رؤية النبيّ ﷺ ربّه بعينه ليلة الإسراء، وأن ما نُقل عن بعض السلف في ذلك محمول على الرؤية القلبيّة، كما صرّح به ابن عبّاس ﵄، وغيره، أنه قال: رآه بفؤاده، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيّ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١]، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ ﵇، لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاث) - بكسر الغين المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - ابن

стр. 2665

طَلْق بن معاوية النَّخَعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦. والباقون تقدّموا قبله، و"الشيبانيّ": هو سليمان بن فَيْروز. وقوله: (﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾)، قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: أي لم يَكْذب قلب محمد ﷺ ليلة المعراج، وذلك أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى، وجعل الله تلك رؤيةً، وقيل: كانت رؤية حقيقة بالصبر، والأول: مرويّ عن ابن عبّاس ﵄، وفي "صحيح مسلم" أنه رآه بقلبه، وهو قول أبي ذرّ، وجماعة من الصحاب ﵃، والثانى: قول أنس، وجماعة. انتهى (١). و"ما" في قوله: ﴿مَا كَذَبَ﴾ نافية، وفي قوله: ﴿مَا رَأَى﴾ هو موصولة بمعنى "الذي" مفعول به لـ ﴿كَذَبَ﴾؛ على قراءة التشديد لأنه يتعدّى بنفسه، والعائد محذوف، أي الذي رآه، ويجوز أن تكون "ما" مصدريّة، أي رؤيته. وأما على قراءة التخفيف، فـ ﴿مَا﴾ فهو على تقدير "في" الجارّة؛ لأنه يتعدّى بها، أي فيما رآه. وقال الأَلُوسِيُّ ﵀: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ أي ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، أي ما قال فؤاده ﷺ لَمّا رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبًا؛ لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، فهو من قولهم: كَذَب: إذا قال كَذِبًا، فما كذب بمعنى: ما قال الكذب. وقيل: أي ما كَذَب الفؤاد البصر فيما حكاه له من صورة جبريل ﵇، وما في عالم الملكوت تُدرك أوّلًا بالقلب، ثم تنتقل منه إلى البصر. قرأ أبو رجاء، وأبو جعفر، وقتادة، والْجَحْدريّ، وخالد بن إلياس، وهشام عن ابن عامر ﴿مَا كَذَبَ﴾ مشدّدًا، أي صدّقه، ولم يشكّ أنه جبريل ﵇ بصورته، وفي الآيات من تحقيق أمر الوحي ما فيها. وقال في "الكشف": إنه لَمّا قال : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ أي من عند الله تعالى ﴿يُوحَى﴾ ذكر جلّ وعلا ما يُصوّر هذا المعنى، ويُفصّله ليتأكّد أنه وحي،
следующие страницы →