بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا، مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْه، لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢، وهو أحد المشايخ التسعة الذين يَروِي عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
[تنبيه]: كون عبد الوهّاب هذا هو الثقفيّ هو الذي صرّح به الحافظ المزيّ في "تحفة الأشراف" (١١/ ٧٢٥)، وأخرج الحديث أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٣٥) رقم (٤٠٦) من طريق آخر، فصرّح بأنه عبد الوهّاب بن عطاء، ودونك نصّه:
"حدّثنا الصغانيّ، وأبو أميّة، قالا: ثنا عبد الوهّاب بن عطاء، قال: حدّثنا داود، عن الشعبيّ … " إلخ.
فلا يستبعد أن يكون هو المراد في سند المصنّف هنا؛ لأنهما يرويان عن داود بن أبي هند، لكن مما يؤيّد كونه هنا عبد الوهّاب الثقفيّ أنه لَمْ يذكر في "التهذيبين" (١) محمد بن المثنّى فيمن روى عن ابن عطاء، بل عن الثقفيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 2697
و"داود" هو ابن أبي هند تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (هَذَا الْإِسْنَادِ) يعني الإسناد الذي قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الضمير لعبد الوهّاب.
وقوله: (لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ) أي لأن هذه الآية فيها بيان المعاتبة له، ومع ذلك لَمْ يكتمها، بل بلّغها للأمة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية ابن عُليّة الماضية، أخرجها الإمام النسائيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٦/ ٤٣٢)، فقال:
(١١٤٠٨) أنا محمد بن المثنى، قال: حدثني عبد الوهاب، نا داود، عن عامر، عن مسروق، أن عائشة قالت: ثم يا أبا عائشة، ثلاثٌ من قال بواحدة منهنّ، فقد أعظم على الله الفِرْية، قال: وكنت متكئًا، فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني، ولا تُعْجِليني، أرأيت قول الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]؟ قالت: إنما هو جبريل ﵇ رآه مرةً على خَلْقه، وصورته التي خُلِق عليها، ورآه مرةً أخرى حين هَبَطَ من السماء إلى الأرض سادًّا عِظَم خَلْقه ما بين السماء والأرض، قالت: أنا أول من سأل نبي الله ﷺ عن هذه الآية، فقال: "هو جبريل"، ومن زعم أنه يَعْلَم ما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]، ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا، مما أنزل الله عليه، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]، قالت: لو كان محمدٌ ﷺ كاتِمًا شيئًا مما أُنزل عليه، لَكَتَم هذه الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. انتهى.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث زيادةً على المسائل السابقة:
(المسألة الأولى): في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 2698
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾:
قال الإمام ابن كثير ﵀: يقول تعالى مخبرًا عن نبيه ﷺ أنه قال لمولاه زيد بن حارثة ﵁، وهو الذي أنعم الله عليه: أي بالإسلام، ومتابعة الرسول ﷺ ، وأنعمت عليه: أي بالعتق من الرقّ وكان سيدًا، كبير الشأن، جليل القدر، حبيبًا إلى النبيّ ﷺ ، يقال له: الْحِبّ، ويقال لابنه أسامة: الْحِبّ ابن الْحِبّ.
قالت عائشة ﵄: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلَّا أَمَّره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد، عن سعيد بن محمد الوراق، ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله الْبَهِيّ، عنها (١).
وقال البزاز في "مسنده" بسند صحيح، عن عُمَر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: حدثني أسامة بن زيد ﵁ قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس، وعليّ بن أبي طالب ﵄ فقالا: يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله ﷺ ، قال: فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقلت: علي والعباس يستأذنان، فقال ﷺ : "أتدري ما حاجتهما؟ " قلت: لا يا رسول الله، قال ﷺ : "لكني أدري"، قال: فأذن لهما، قالا: يا رسول الله جئناك لتخبرنا: أيُّ أهلك أحبُّ إليك؟ قال ﷺ : "أحب أهلي إليّ فاطمة بنت محمد"، قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة، قال ﷺ : "فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه".
وكان رسول الله ﷺ قد زوّجه بابنة عمته، زينب بنت جحش الأسدية ﵄، وأمها أمية بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهمًا، وحمارًا، وملحفةً، ودِرعًا، وخمسين مدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر، قاله مقاتل بن حيان، فمكثت عنده قريبًا من سنة، أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ يقول له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
стр. 2699
وذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير ها هنا آثارًا عن بعض السلف، أحببنا أن نضرب عنها صَفْحًا؛ لعدم صحتها، فلا نوردها (١). انتهى المقصود من كلام ابن كثير ﵀.
(﴿وَإِذْ﴾) ظرف متعلّق بـ "اذكُر" مقدَّرًا (﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾) بالإسلام (﴿وَأَنعَمْتَ عَلَيْهِ﴾) بالإعتاق، وهو زيد بن حارثة، كان من سبي الجاهليّة، اشتراه رسول الله ﷺ قبل البعثة، وأعتقه، وتبنّاه (﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾) في أمر طلاقها (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾) هو ما أعلمه الله تعالى به من أن زيدًا سيُطلّقها، ويَنكحها النبيّ ﷺ ، فعاتبه الله تعالى، قال: لَمْ قُلتَ: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنَّها ستكون من أزواجك؟ وهذا القول هو المنصور المعوّل عليه عند الجمهور (﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾) أي أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه (﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾) في كلّ شيء.
وقال في "الفتح": قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة، أخرج البخاريّ في "التوحيد" من صحيحه" عن أنس ﵁ قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبيّ ﷺ يقول: "اتَّقِ اللهَ، وأمسك عليك زوجك"، قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتِمًا شيئًا لكتم هذه الآية، قال: وكانت تفتخر على أزواج النبيّ ﷺ … الحديث، وأخرجه أحمد بلفظ: "أتى رسولَ الله زيدُ بن حارثة، فجاءه زيد يشكوها إليه، فقال له: أمسك عليك زوجك، واتق الله"، فنزلت إلى قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قال: يعني زينب بنت جحش، وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة، من طريق السُّدّيّ، فساقها سياقًا واضحًا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أُميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه،
стр. 2700
فكَرِهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ ، فزوّجها إياه، ثم أعلم الله نبيّه ﷺ بعدُ أنَّها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يَتَّقِيَ الله، وكان يَخْشَى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وقد كان قد تبنى زيدًا.
وعند ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن زيد، عن عليّ بن الحسين بن عليّ، قال: أعلم الله نبيّه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه، قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه.
قال الحافظ: وقد أطنب الترمذيّ الحكيم في تحسين هذه الرواية، وقال: إنها من جواهر العلم المكنون، وكأنه لَمْ يقف على تفسير السديّ الذي أوردته، وهو أوضح سياقًا وأصح إسنادًا إليه؛ لضعف عليّ بن زيد بن جُدْعان.
ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إن زينب اشتدّ عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: والنبيّ ﷺ يُحِبُّ أن يُطَلِّقها، وَيخشَى قالة الناس. ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبريّ، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد.
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبيّ ﷺ هو إخبار الله إياه أنَّها ستصير زوجته، والذي كان يَحْمِله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه، من أحكام التبني، بأمر لا أَبْلَغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يُدْعَى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية والله أعلم.
وقال ابن العربيّ: إنما قال ﷺ لزيد: أمسك عليك زوجك اختبارًا لما عنده من الرغبة فيها، أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النَّفْرَة التي نشأت من تعاظمها عليه، وبَذَاءة لسانها، أَذِنَ له في طلاقها، وليس في
стр. 2701
مخالفة مُتَعلَّق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به، والله أعلم.
وروى أحمد، ومسلم، والنسائيّ، من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: لَمّا انقضت عدة زينب، قال رسول الله ﷺ لزيد: "اذكرها عليّ"، قال: فانطلقتُ، فقلت: يا زينب أبشري، أرسل رسول الله ﷺ يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا، حتى أُؤَامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذن.
وهذا أيضًا من أبلغ ما وقع في ذلك، وهو أن يكون الذي كان زَوْجُها هو الخاطبَ؛ لئلا يَظُنَّ أحدٌ أن ذلك وقع قهرًا بغير رضاه.
وفيه أيضًا اختبار ما كان عنده منها، هل بقي منه شيء أم لا؟.
وفيه استحباب فعل المرأة الاستخارة، ودعائها عند الْخِطبة قبل الإجابة، وأن من وَكَل أمره إلى الله يسر الله له ما هو الأحظ له، والأنفع دنيا وأخرى. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال القرطبيّ ﵀: ورُوي عن علي بن الحسين: أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدًا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكَّى زيد للنبيّ ﷺ خُلُق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله ﷺ على جهة الأدب، والوصية: اتق الله في قولك، وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها، ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يُرِد أن يأمره بالطلاق لِمَا عَلِم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قولٌ من الناس في أن يتزوج زينبَ بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من أن خشي الناسَ في شيء قد أباحه الله له، بأن قال: أمسك مع علمه بأنه يطلق، وأعلمه أن الله أحقّ بالخشية، أي في كلّ حال.
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين، كالزهريّ، والقاضي بكر بن العلاء القشيريّ، والقاضي أبي بكر بن العربيّ،
стр. 2702
وغيرهم، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نَهَى عن تزويج نساء الأبناء، وتَزَوَّج بزوجة ابنه، فأما ما رُوي: أن النبي ﷺ هَوِيَ زينب امرأة زيد، وربما أَطْلق بعض الْمُجّان لفظ عَشِقَ، فهذا إنما يَصْدُر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مُسْتَخِفّ بحرمته، قال الترمذيّ الحكيم في "نوادر الأصول"، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعليُّ بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرًا من الجواهر، ودرًّا من الدرر، أنه إنما عَتَب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؟.
وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبي ﷺ خطيئة، ألا ترى أنه لَمْ يؤمر بالتوبة، ولا بالاستغفار منه؟ وقد يكون الشيء ليس بخطيئة، إلَّا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يَفْتَتِن الناس. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: المنعَم عليه في هذه الآية، هو زيد بن حارثة ﵁ كما بيّناه، ورُوي أن عمه لقيه يومًا، وكان قد ورد مكة في شُغل له، فقال: ما اسمك يا غلام؟ قال: زيد، قال: ابن مَن؟ قال: ابن حارثة، قال: ابن من؟ قال: ابن شَرَاحيل، قال: في اسم أمك؟ قال: سعدي، وكنت في أخوالي طيّ، فضمه إلى صدره، وأرسل إلى أخيه وقومه، فحَضَروا، وأرادوا منه أن يقيم معهم، فقالوا: لمن أنت؟ قال: لمحمد بن عبد الله، فأتوه، وقالوا: هذا ابننا، فَرُدّه علينا، فقال: أَعْرِضُ عليه، فإن اختاركم فخذوا بيده، فبَعَث إلى زيد، وقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمي، فقال له النبيّ ﷺ : فأيَّ صاحب كنت لك؟ فبكي، وقال: لِمَ سألتني عن ذلك؟ قال: أخيّرك، فإن أحببت أن تَلْحق بهم فالحقْ، وإن أردت أن تقيم، فأنا مَن قد عرفت، فقال: ما أختار عليك أحدًا، فجذبه عمه، وقال: يا زيد اخترت العبودية على أبيك وعمك؟ فقال: إي والله،
стр. 2703
العبودية عند محمد أحبّ إليّ من أكون عندكم، فقال رسول الله ﷺ : (اشهَدُوا أني وارث وموروث"، فلم يزل يقال: زيد بن محمد، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ونزل ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قال الإمام أبو القاسم، عبد الرَّحمن السهيليّ ﵀: كان يقال: زيد بن محمد حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، فقال: أنا زيد بن حارثة، وحُرِّم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد، فلما نَزَعَ عنه هذا الشرف، وهذا الفخر، وعَلِمَ الله وحشته من ذلك، شَرَّفه بخِصِّيصة لَمْ يكن يَخُصَّ بها أحدًا من أصحاب النبيّ ﷺ ، وهي أنه سماه في القرآن، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، يعني من زينب، ومَن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم، حتى صار اسمه قرآنًا يُتْلَى في المحاريب، نَوَّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعِوَضٌ من الفخر بأبوة محمد ﷺ له، ألا ترى إلى قول أُبَيّ بن كعب ﵁ حين قال له النبيّ ﷺ : "إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] "، قال: وسمّاني؟ قال: "نعم"، فبكى، متّفق عليه، وكان بكاؤه من الفرح، حين أُخبر أن الله تعالى ذكره؟، فكيف بمن صار اسمه قرآنًا يُتلى مُخَلَّدًا لا يَبِيد، يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجَنَّة كذلك أبدًا، لا يزال على السنة المؤمنين، كما لَمْ يزل مذكورًا على الخصوص عند رب العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باقٍ، لا يبيد؟، فاسم زيد هذا في المصحف المكرمة المرفوعة المطهرة، تذكرهُ في التلاوة السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين، إلَّا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة؛ تعويضًا من الله تعالى له مما نَزَع عنه.
وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي بالإيمان، فدَلّ على أنه من أهل الجَنَّة، عَلِمَ ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2704
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٤٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله، لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي لِمَا قُلْتَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله الهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفي المذكور قبل باب أيضًا.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد (١) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ) أي تعجّبًا من قوله هذا، واستنكارًا لجهله مثل هذا.
وقوله: (لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي) أي قام من الفَزَع لِمَا حَصَل عندها من هيبة الله، واعتقدته من تنزيهه، واستحالة وقوع ذلك، قال النضر بن شُميل: الْقَفّ - بفتح القاف، وتشديد الفاء - كالْقُشَعْريرة، وأصله التقبّض والاجتماع؛ لأن الجلد ينقبض عند الفزع، فيقوم الشعر لذلك، قاله في "الفتح" (٢).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الضمير لإسماعيل، أي ساق إسماعيل بن أبي خالد متن الحديث مع بيان القصّة التي جرت بين عائشة ﵄ ومسروق ﵀.
стр. 2705
وقوله: (وَحَدِيثُ دَاوُدَ أتمُّ) يعني أن حديث داود بن أبي هند أتمّ سيَاقًا.
وقوله: (وَأَطْوَلُ) عطف تفسير لـ"أتمّ".
[تنبيه]: رواية إسماعيل التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية داود بن أبي هند، ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٤٨٥٥) حدثنا يحيي، حدثنا وكيعٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال: قلت لعائشة ﵄: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قَفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدَّثكهن فقد كَذَب؟: من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه، فقد كذَبَ، ثم قرأت: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ومن حدّثك أنه يعلم ما في غد، فقد كَذَب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ومن حدَّثك أنه كَتَمَ، فقد كذَبَ، ثم قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، ولكنه رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين. انتهى.
وقوله: "يا أمتاه" أصله يا أمّ، والهاء للسكت، فأضيف إليها ألف الاستغاثة، فأبدلت تاء، وزيدت هاء السكت بعد الألف، ووقع في كلام الخطابيّ: إذا نادوا قالوا: يا أمه عند السكت، وعند الوصل: يا أمتاه بالمثنّاة، فإذا فتحوا للندبة قالوا: يا أمتاه، والهاء للسكت، وتعقّبه الكرمانيّ بأن قول مسروق: يا أمتاه ليس للندبة؛ إذ ليس هو تفجّعًا عليها، قال الحافظ: وهو كما قال. انتهى.
وقولها: "أين أنت من ثلاث": أي كيف يغيب فهمك عن هذه الثلاث، وكان ينبغي لك أن تكون مستحضرها، ومعتقدًا كَذِب من يَدَّعِي وقوعها؟.
وقولها: "ولكن رأى جبريل في صورته مرتين"، وفي رواية الكشميهنيّ: "ولكنه"، وهذا جواب عن أصل السؤال الذي سأل عنه مسروق، كما تقدم بيانه، وهو قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2706
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٤٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ ﷺ ، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَال، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون بن فيروز، وقال بَحْشَل: اسم أبي زائدة هُبَيرة الْهَمْدانيّ الْوَادعيّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعامر الشعبيّ، وفِرَاس، وسماك بن حَرْب، وسعد بن إبراهيم، وخالد بن سلمة، ومُصْعَب بن شيبة، وعبد الملك بن عُمَير، وغيرهم.
ورَوى عنه ابنه يحيي، والثوريّ، وشعبة، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، والقطان، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال القطان: ليس به بأس، وليس عندي مثل إسماعيل بن أبي خالد، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: إذا اختلف زكريا وإسرائيل، فإن زكريا أحبّ إليّ في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما، وحديثهم عن أبي إسحاق لَيِّن، سمعا منه بآخره، وقال عبد الله، عن أبيه: ثقةٌ حلو الحديث، ما أقربه من إسماعيل بن خالد، وقال عباس، عن ابن معين: صالح، وقال عثمان، عنه: زكريا أحبّ إليّ في كلّ شيء، وابن أبي ليلى ضعيف، وقال العجليّ: كان ثقةً، إلَّا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره، ويقال: إن شَريكًا أقدم سماعًا منه، وقال أبو زرعة: صُويلح، يُدَلِّس كثيرًا عن الشعبيُّ، وقال أبو حاتم: لَيِّن
стр. 2707
الحديث، كان يُدَلِّس، وإسرائيل أحبّ إليّ منه، ويقال: إن المسائل التي كان يرويها عن الشعبيّ لَمْ يسمعها منه، إنما أخذها عن أبي حَرِيز، وقال الآجريّ، عن أبي داود: زكريا أرفع منه، يعني من أجلح مائة درجة، قال أبو داود: وزكريا ثقة، إلَّا أنه يُدَلِّس، قال يحيى بن زكريا: لو شئت سَمَّيت لك مَن بين أبي وبين الشعبيّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو بكر الْبَرْديجيّ: ليس به بأس، وقال يعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثيرَ الحديث، وقال ابن قانع: كان قاضيًا في الكوفة.
قال ابن نمير: مات سنة (١٤٧)، وقال أبو نعيم: مات سنة (١٤٨)، وقال محمد بن سعد، وعمرو بن عليّ: سنة (١٤٩). وقال ابن حبان في "الثقات": اسم أبي زائدة: فيروز، وقيل: خالد، مات سنة (١٤٨) أو (١٤٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٣ - (ابْنُ أَشْوَعَ) - بفتح الهمزة، وإسكان الشين المعجمة، وفتح الواو، وبالعين المهملة - هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، قاضيها، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٦].
رَوَى عن شُريح بن النعمان الصائديّ، وشُريح بن هانئ، وحسن بن ربيعة، والشعبيّ، وأبي بُرْدة بن أبي موسى، ويزيد بن سَلَمة الْجُعْفيّ، ولم يدركه، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوريّ، وابنه سفيان بن سعيد، وخالد الحذّاء، وزكرياء بن أبي زائدة، وليث بن أبي سُليم، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، وعِدّةٌ، وحَدّث عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وعبد الملك بن عُمير، وهما أكبر منه.
قال ابن معين: مشهورٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال البخاري في "التاريخ الأوسط": رأيت إسحاق بن راهويه يَحتجّ بحديثه، وقال الحاكم: هو شيخ من ثقات الكوفيين، يُجْمَع حديثه، وقال الْجُوزَجانيّ: غالٍ زائغٌ، يعني: في التشيع.
قال ابن سعد: تُوُفّي في ولاية خالد بن عبد الله، وأَرَّخه ابنُ قانع سنة (١٢٠).
стр. 2708
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٧)، وحديث (١٦٨٠): "القاتل والمقتول في النار … "، و (٥٩٣): "إن الله كَرِه لكم ثلاثًا: قيل، وقال … ".
والباقون تقدّموا قبله، و"عامرٌ" هو الشعبيّ.
وقَوْله: (﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾) أي ثم دنا جبريل؛ من رسول الله ﷺ ، فتدلَّى: أي زاد في القرب، التدلّي هو النزول بقرب الشيء، فالترتيب على هذا طبيعيّ، وقيل: التدلّي هو الامتداد إلى جهة السفل، والكلام على التقديم والتأخير، قال النوويّ: قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: معنى التدلّي: الامتداد إلى جهة السفل، هكذا هو الأصل، ثم استُعْمِل في القرب من العلوّ، هذا قول الفرّاء، وقال صاحب "النظم": هذا على التقديم والتأخير؛ لأن المعنى: "ثم تَدَلَّى، فدنا"، لأن التدلي سبب الدنوّ، قال ابن الأعرابيّ: تَدَلَّى: إذا قَرُب بعد علوّ، قال الكلبيّ: المعنى دنا جبريل من محمد ﷺ ، فقرُب منه، وقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأُفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى النبيّ ﷺ .
وقوله: (﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾) "القاب": ما بين القَبْضَة، والسِّيَة، ولكل قَوْس قابان، والقاب في اللغة أيضًا: القدر، وهذا هو المراد بالآية عند جميع المفسرين، والمراد القوس التي يُرْمَى عنها، وهي القوس العرببة، وخُصّت بالذكر على عادتهم.
وذهب جماعة إلى أن المراد بالقوس الذراع، هذا قول عبد الله بن مسعود، وشقيق بن سَلَمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق السبيعي، وعلى هذا معنى القوس ما يُقاس به الشيء، أي يُذْرَع، قالت عائشة ﵂، وابن عباس، والحسن، وقتادة، وغيرهم: هذه المسافة كانت بين جبريل والنبيّ ﷺ .
وقول الله تعالى: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ معناه: أو أقرب، قال مقاتل: بل أقرب، وقال الزجاج: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم، ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تُقَدِّرون أنتم، والله تعالى عالم بحقائق الأشياء من غير شَكّ،
стр. 2709
ولكنه خاطبنا على ما جَرَت به عادتنا، ومعنى الآية: أن جبريل ﵇ مع عِظَم خلقه، وكثرة أجزائه، دنا من النبيّ ﷺ هذا الدُّنُوّ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وقد تقدّم البحث بأوسع من هذا، فارجع إليه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾) المراد من العبد محمد ﷺ ، وقيل: جبريل، وفي تقدير المعنى أَراء للمفسّرين، أشهرها وأكثرها: فأوحى جبريل؛ إلى عبد الله محمد ﷺ ، وإن لَمْ يجر له ذكرٌ؛ لأنه لا يلتبس، كقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ [فاطر: ٤٥]. ﴿مَا أَوْحَى﴾ أي ما أوحى الله تعالى إليه، وأبهمه؛ تفخيمًا لشأن الموحى به.
وقيل: المعنى: فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى، وقيل: فأوحى الله إلى عبده جبريل؛ ما أوحى، فبلّغ جبريل محمدً ﷺ ما أوحى إليه، وكلّ هذه الأقوال صالحة على أن الذي دنا فتدلّى جبريل ﵇، أما على قول من يرى أنه رب العزّة، فلا يناسبه إلَّا القول الثاني، ولكن سبق أن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن النبيّ ﷺ فسّر الآية لعائشة بأن المراد بها أنه رأى جبريل ﵇، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فماذا بعد تفسير النبيّ ﷺ ؟، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (فِي صُورَةِ الرِّجَالِ) تقدّم منهم دِحية بن خليفة الكلبيّ.
وقوله: (فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ) "الأُفُق" بضمّتين: الناحية من الأرض، ومن السماء، والجمع آفاق، والنسبة إليه أُفُقيّ، ردًّا إلى الواحد، وربّما قيل: أَفَقيّ بفتحتين؛ تخفيفًا على غير قياس، حكاهما ابن السّكّيت، وغيره (٢)، وقد تقدَّم تمام شرح الحديث، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 2710
(٨٤) (بَابُ قَوْلِهِ ﷺ : "نُورٌ أَنَّى أَرَاه؟ "، وفي رواية: "رَأَيْتُ نُورًا")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٠] (١٧٨) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّسْتَريّ - بضمّ المثنّاة، وسكون المهملة، وفتح المثنّاة، ثم راء - نزيل البصرة، أبو سعيد التميميّ مولاهم، ثقةٌ، من كبار [٧].
رَوَى عن الحسن، وابن سيرين، وابن أبي مُليكة، وعطاء، وقتادة، وأبي الزبير، وإبراهيم بن العلاء الْغَنَويّ، وعبد الله بن يسار المكيّ، وقيس بن سعد، وليث بن أبي سُليم، وأيوب، وعمرو بن دينار.
ورَوَى عنه وكيع، وبهز بن أسد، وعبد الرَّحمن بن مهديّ، وعبد الملك بن إبراهيم الْجُدّيّ، وابن المبارك، وأبو أسامة، وعبد الصمد، ويزيد بن هارون، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وحجاج بن منهال، وأبو عُمَر الْحَوْضيّ، وسهل بن بَكّار، وسليمان بن حرب، وأبو سلمة، والقعنبيّ، وعليّ بن الجعد، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: يزيد بن إبراهيم أثبت من جرير بن حازم، وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين، عن يزيد بن إبراهيم، والسَّرِيّ بن يحيى أيهما أثبت؟ فقال: يزيد لا شك فيه، والسريّ ثقة، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: هشام بن حسان أحبّ إليك في ابن سيرين، أو يزيد بن إبراهيم؟ فقال: ثقتان، قلت: فيزيد، أو جعفر بن حيّان؟ قال: يزيد، قال عثمان: وسمعت أبا الوليد يقول: يزيد أثبت عندنا من هشام، وقال يزيد بن زريع: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحسن أثبت
стр. 2711
من يزيد بن إبراهيم، وقال عبد الرَّحمن بن الحكم: ليس في أصحاب الحسن أثبت منه، وقال محمود بن غيلان: ذُكر يزيد بن إبراهيم عند وكيع، فقال: ثقةٌ ثقة، وقال ابن المدينيّ: ثبت في الحسن وابن سيرين، وقال يحيى بن سعيد: يزيد بن إبراهيم عن قتادة ليس بذاك، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقة من أوسط أصحاب الحسن وابن سيرين، وقال زياد بن أيوب، عن سعيد بن عامر: ثنا يزيد بن إبراهيم الصدوق المسلم، وقال ابن سعد: كان ثقةً ثبتًا، وكان عفان يرفع أمره، وقال ابن عديّ: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كلِّ من يروي عنه، وإنما أُنكرت أحاديث رواها عن قتادة، عن أنس، وهو ممن يُكْتَب حديثه، ولا بأس به، وأرجو أن يكون صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه أيضًا أحمد بن صالح، وعمرو بن عليّ، وابن نمير، وقال علي بن أشكاب: ثنا أبو قَطَن، ثنا يزيد بن إبراهيم التُّسْتَريّ الذهب الْمُصَفَّى، وقال عثمان الدارميّ، عن أبي الوليد: ما رأيت أكيس منه، كان يُحدِّث عن الحسن، فيُغْرِب، ويحدثنا عن ابن سيرين، فيلحَنُ، يعني: أنه كان يحدِّث كما سمع.
قال الحافظ: وفرَّق أبو محمد بن حزم في "كتاب الحج" من "الْمُحَلَّى" بين يزيد بن إبراهيم التستريّ، وبين يزيد بن إبراهيم الراوي عن قتادة، فقال: إن التستري ثقة ثبت، والراوي عن قتادة ضعيفٌ، ولا أدري من هو سلفه في جعله اثنين؟. انتهى (١).
وقال أبو الوليد الطيالسيّ: مات سنة إحدى وستين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة اثنتين، وقال ابن ابنه محمد بن سعيد بن إبراهيم: مات سنة ثلاث وستين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٨)، وحديث (٢٢٢٢): "لا عدوي، ولا غُول، ولا صفر"، و (٢٦٦٥): "إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه … ".
٢ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس، رأس الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
стр. 2712
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) العُقيليّ - بالضمّ - أبو عبد الرَّحمن، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة، فيه نصْبٌ [٣].
رَوَى عن أبيه على خلاف فيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن أبي الْجَدْعاء، وعبد الله بن سُراقة، وأقرع مؤذن عمر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الكريم، ومحمد بن سيرين، وعاصم الأحول، وقتادة، وحميد الطويل، وأيوب السختياني، وبُدَيل بن مَيْسرة العقيليّ، والْجُريريّ، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة، وقال: روى عن عمر، قال: وقالوا: كان عبد الله بن شقيق عثمانيًا، وكان ثقة في الحديث، وروى أحاديث صالحة. وقال يحيى بن سعيد: كان سليمان - التيمي سيئ الرأي في عبد الله بن شقيق. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان يَحْمِل على عليّ. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وكان عثمانيًا، يُبغِض عليًّا. وقال ابن عدي: ما بأحاديثه بأس - إن شاء الله تعالى -، وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وكان يَحْمِل على عليّ، وقال الْجُرَيريّ: كان عبد الله بن شقيق مُجَاب الدعوة، كانت تمر به السحابة، فيقول: اللهم لا تَجُوز كذا وكذا حتى تُمْطِر، فلا تجوز ذلك الموضع حتى تُمْطر، حكاه ابن أبي خيثمة في "تاريخه".
قال الهيثم بن عديّ، ومحمد بن سعد: تُوُفي في ولاية الحجاج على العراق. وقال خليفة: مات بعد المائة. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٠٨).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٤ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ المشهور ﵁، تُوُفّي سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والباقيان تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم.
стр. 2713
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعبد الله بن شقيق، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن عبد الله بن شَقِيق، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الْغِفَاريّ ﵁، وفي الرواية التالية أنه قال: قلت لأبي ذرّ: لو رأيتُ رسول الله ﷺ لسألته، فقال: عن أيّ شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أساله: هل رأيتَ ربّك؟ … (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ) ﷺ ("نُورٌ) خبر لمحذوف، أي هو نورٌ، فيه وصف الله تعالى بأنه نورٌ، وهو صفة من صفاته تعالى ثابت له بهذا الحديث وغيره، كما ثبتت له الصفات الأخرى على ما يليق بجلاله وعظمته، دون تشبيه ولا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - (أَنَّى أَرَاهُ") أي كيف أراه؟، و"أَنَّى" - بفتح الهمزة، وتشديد النون، مقصورًا - قال الفيّوميّ: استفهام عن الجهة، تقول: أنّى يكون هذا؟ أي: من أي وجه وطريق؟. انتهى (١).
والاستفهام هنا إنكاريّ، بمعنى: النفي، ويحتمل أن يكون للتعجّب، والمعنى: حجابه النور، فكيف أراه؟ أي منعني النور من الرؤية.
وقال النوويّ ﵀: بتنوين "نُورٌ"، وبفتح الهمزة في "أَنَّى"، وتشديد النون وفتحها، و"أَرَاه" بفتح الهمزة، هكذا رواه جميعُ الرواة في جميع الأصول والروايات، ومعناه: حجابه نورٌ، قال المازريّ ﵀: الضمير عائد على الله ، ومعناه: أن النور مَنَعَني من الرؤية، كما جَرَت العادة بإغشاء الأنوار الأبصارَ، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه.
стр. 2714
وقوله ﷺ في الرواية التالية: "رأيت نورًا" معناه: رأيت النور، فحسبُ، ولم أر غيره. انتهى كلام النوويّ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "نورٌ أَنَّى أراه؟ " هكذا رويناه، وقيّدناه برفع "نورٌ" وتنوينه، وفتح "أَنَّى" التي بمعنى "كيف" الاستفهاميّة، ورواية من زَعَم أنه رواه: "نورانيّ" ليست بصحيحة النقل، ولا موافقة للعقل، ولعلها تصحيف، وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى حيث قال: "رأيت نورًا"، ورفع "نورٌ" على فعل مضمر تقديره: غلبني نور، أو حجبني نور، و"أنَّى أَرَاه" استفهام على جهة الاستبعاد لغلبة النور على بصره، كما هي عادة الأنوار الساطعة، كنور الشمس، فإنه يُغشي البصر، ويحيره إذا حدّق نحوه، ولا يعارض هذا "رأيتُ نورًا"، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه، ثم غلب عليه بعدُ، فضعُف عنه بصره، ولا يصحّ أن يُعتقد أن الله تعالى نورٌ، كما اعتقده هشام الجواليقيّ، وطائفة المجسّمة، ممن قال: هو نورٌ لا كالأنوار؛ لأن النور لون قائم بالهواء، وذلك على الله تعالى محال عقلًا ونقلًا. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولا يصحّ أن يُعتقد أن الله نور … إلخ" كلام باطلٌ، كيف لا يُعتقد، وقد صحّت النصوص بذلك؟ ومحاولته الردّ على من قال: نورٌ لا كالأنوار باطلٌ أيضًا، فكيف، وهو نفسه يُثبت لله تعالى ذاتًا، ويقول: لا كذوات المخلوقين، وصفات لا كصفات المخلوقين؟، فكذا قول من قال: إن الله تعالى نورٌ لا يشبه النور المخلوق، بل على ما يليق بجلاله.
والحاصل أن إثبات كون الله تعالى نورًا على الحقيقة دون تشبيه، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 2715
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٤/ ٤٥٠ و ٤٥١] (١٧٨)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٨٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٧٤)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٠٥ و ٢٠٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٧٠ و ٧٧١ و ٧٧٢ و ٧٧٣ و ٧٧٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٣ و ٣٨٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٤٦ و ٤٤٧).
(المسألة الثالثة): ذكر المازريّ ﵀ أنه رُوي: "نُورانيّ" - بفتح الراء، وكسر النون، وتشديد الياء - قال: ويَحْتَمِل أن يكون معناه راجعًا إلى ما قلناه: أي خالق النور المانع لي من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال، قال القاضي عياض ﵀: هذه الرواية لَمْ تقع إلينا، ولا رأيتها في شيء من الأصول إلَّا ما حكاه أبو عبد الله المازريّ، ومن المستحيل أن تكون ذات الله تعالى نورًا؛ إذ النور من جملة الأجسام والله يَجِلّ عن الاتّصاف بذلك، هذا مذهب جميع أئمة المسلمين، خلافًا لبعض المجسّمة، كهشام الْجَوَاليقيّ، ومن تبعه ممن قال: نورٌ لا كالأنوار، ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وما جاء في الأحاديث من تسميته بالنور: معناه: ذو نورهما، وخالقه، وقيل: هادي أهل السموات والأرض، وقيل: مُنَوِّر قلوب عباده المؤمنين، وقيل: معناه ذو البهجة والجمال، وهذا يرجع إلى المعنى الأول، أي مالكهما وربّهما، أو لنفي النقائص والْغِيَرِ والْحَوَادث. انتهى كلام القاضي (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر القاضي عياض تبعًا للمازريّ، ونقله النوويّ، وسكت عليه في شرح هذا الحديث على هذا الوجه، وفيه نظر من وجهين:
(أحدهما): أن رواية "نورانيّ" لَمْ تثبت أصلًا، كما يفيده كلام عياض، بل هي مصحّفة، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، فقد قال العلامة شمس الدين ابن القيّم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة يقول في قوله ﷺ : "نُورٌ
стр. 2716
أنّى أراه": معناه: كان ثَمَّ نورٌ، أو حال دون رؤيته النور، فأَنّى أراه، قال: ويدلّ عليه أن في بعض ألفاظ "الصحيح": "هل رأيت ربّك؟ " فقال: "رأيتُ نورًا".
قال: وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتّى صحّفه بعضهم، فقال: "نورانيّ أراه" على أنَّها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأٌ لفظًا ومعني، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لَمّا اعتقدوا أن رسول الله ﷺ رأى ربّه، وكان قوله: "أنَّى أراه" كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث، وردّه بعضهم باضطراب لفظه، وكلّ هذا عُدولٌ عن موجب الدليل.
وقد حَكَى عثمان الدارميّ في "كتاب الرّدّ" له إجماع الصحابة على أنه ﷺ لَمْ يَرَ ربّه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عبّاس ﵄ من ذلك، وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلافٍ في الحقيقة، فإن ابن عبّاس لَمْ يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين، حيث قال: إنه رآه، ولم يقُل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد كلفظ ابن عبّاس ﵄.
قال ابن القيّم: ويدلّ على صحّة ما قاله شيخنا في معنى حديث أبي ذرّ ﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر: "حجابه النور"، فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور في حديث أبي ذرّ ﵁: "رأيت نورًا". انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن لفظة "نورانيّ" غير ثابتة، فلا ينبغي التشاغل في توفيقها مع الروايتين الأخريين، والله تعالى أعلم.
(الثاني): أن الإشكال الذي ذكروه في أن وصف الله تعالى بأنه نور يلزمه التشبيه، إنما يرد على مذهب الأشاعرة المتكلّمين الذين يؤوّلون الصفات، ما عدا الصفات السبع المعروفة خشية التشبيه، ولا يَرِد على مذهب السلف القائلين بإثبات ما أثبته الله تعالى من ذلك في كتابه، أو أثبته رسوله ﷺ فيما صحّ عنه، وقد جزم ابن تيميّة ﵀ بأن الذي ثبت عن السلف هو القول:
стр. 2717
بأن الله تعالى نور على الحقيقة دون تشبيه، ولا تأويل، ولا تعطيل، قال: بل جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم، وهذا مذهب السلفيّة، وجمهور الصفاتيّة، من أهل الكلام والفقهاء والصوفيّة وغيرهم، وهو قول أبي سعيد بن كُلّاب، ذكره في الصفات، وردّ على الجهميّة تأويل اسم النور، وهو شيخ المتكلّمين الصفاتيّة من الأشعريّة الشيخ الأول، وحكاه عنه أبو بكر بن فورك في كتاب "مقالات ابن كلاب"، والأشعريّ، ولم يذكروا تأويله إلَّا عن الجهميّة المذمومين باتّفاق، وهو أيضًا قول أبي الحسن الأشعريّ، ذكره في "الموجز"، وقد أطنب شيخ الإسلام في تقرير هذه المعاني، والردّ على المخالف بما لا تراه عند غيره (١)، فتمسّك به، فإنه الكنز المكنون، زادني الله تعالى وإياك حرصًا على اتباع الحقّ.
وقال العلامة ابن القيّم ﵀: والله سَمَّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجَعَلَ دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
وقد فسّر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بكونه منوّر السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتُقّ له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسني، والنور يضاف إليه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله، فالأول كقوله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء، ومنه قول النبي ﷺ في الدعاء المشهور: "أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني، لا إله إلا أنت" (٢)، وفي الأثر الآخر:
стр. 2718
"أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" (١). فأخبر أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر تعالى أن الأرض تُشرق يوم القيامة بنوره، وفي "معجم الطبراني"، و"السنة" له، وكتاب عثمان الدارمي وغيرها عن ابن مسعود ﵁ قال: "ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه" (٢). وهذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ أقرب إلى تفسير الآية من قول مَن فَسّرها بأنه هادي أهل السموات والأرض، وأما من فسرها بأنه منوّر السموات والأرض، فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.
وقال ﵀ (٣) في نونيّته:
وَ"النُّورُ" مِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا وَمِن … أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي الْبُرْهَانِ
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَلَامًا قَدْ حَكَا … هُ الدَّارِمِي عَنْهُ بِلَا نُكْرَانِ
مَا عِنْدَهُ لَيْلٌ يَكُونُ وَلَا نَهَا … رٌ قُلْتُ تَحْتَ الْفُلْكِ يُوجَدُ ذَانِ
نُورُ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى مِنْ نُورِهِ … وَالأَرْضِ كَيْفَ النَّجْمُ وَالْقَمَرَانِ
مِنْ نُورِ وَجْهِ الرَّبِّ ﷻ … وَكَذَا حَكَاهُ الْحَافِظُ الطَّبَرَانِي
فِيهِ اسْتَنَارَ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ مَعْ … سَبْعِ الطِّبَاقِ وَسَائِرِ الأَكْوَانِ
وَكِتَابُهُ نُورٌ كَذَلِكَ شَرْعُهُ … نُورٌ كَذَا الْمَبْعُوثُ بِالْفُرْقَانِ
وكَذَلِكَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِ الْفَتَى … نُورٌ عَلَى نُورٍ مَعَ الْقُرْآنِ
وحِجَابُهُ نُورٌ فَلَوْ كَشَفَ الْحِجَا … بَ لأَحْرَقَ السُّبُحَاتُ لِلأَكْوَانِ
وَإِذَا أَتَى لِلْفَصْلِ يُشْرِقُ نُورُهُ … فِي الأَرْضِ يَوْمَ قِيَامَةِ الأَبْدَانِ
وَكَذَاكَ دَارُ الرَّبِّ جَنَّاتُ الْعُلَى … نُورٌ تَلألأَ لَيْسَ ذَا بُطْلَانِ
стр. 2719
وَالنُّورُ ذُو نَوْعَيْنِ مَخْلُوقٌ وَوَصْـ … فٌ مَا هُمَا وَاللهِ مُتَّحِدَانِ
وَكَذَلِكَ الْمَخْلُوقُ ذُو نَوْعَيْنِ مَحْـ … سُوسٌ وَمَعْقُولٌ هُمَا شَيْئَانِ
احْذَرْ تَزِلُّ فَتَحْتَ رِجْلِكَ هُوَّةٌ … كَمْ قَدْ هَوَى فِيهَا عَلَى الأَزْمَانِ
مِنْ عَابِدٍ بِالْجَهْلِ زَلَّتْ رِجْلُهُ … فَهْيَ إِلَى قَعْرِ الْحَضِيضِ الدَّانِي
لَاحَتْ لَهُ أَنْوَارُ آثَارِ الْعِبَا … دَةِ ظَنَّهَا الأَنْوَارَ لِلرَّحْمَن
فَأَتَى بِكُلّ مُصيبَةٍ وَبَلِيَّةٍ … مَا شِئْتَ مِنْ شَطَحٍ وَمِنْ هَذَيَانِ (١)
وَكَذَا الْحُلُولِيُّ هُوَ خَدْنُهُ … مِن هَاهُنَا حَقًّا هُمَا أَخَوَانِ
وَيُقَابِلُ الرَّجُلَيْنِ ذُو التَعْطِيلِ وَالْـ … حُجُبِ الْكَثِيفَةِ مَا هُمَا سِيَّانِ
ذَا فِي كَثَافَةِ طَبْعِهِ وَظَلَامِهِ … وَبِظُلمَةِ التَّعْطِيلِ هَذَا الثَّانِي
وَالنُّورُ مَحْجُوبٌ فَلَا هَذَا وَلَا … هَذَا لَهُ مِنْ ظُلْمَةٍ يَرَيانِ (٢)
[فائدة]: في تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية [النور: ٣٥].
قال العلامة ابن القيّم ﵀: هذا مثلٌ لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبَيّ بن كعب وغيره، وقد اختُلِف في مفسر الضمير في ﴿نُورِهِ﴾، فقيل: هو النبي ﷺ ، أي مثل نور محمد ﷺ ، وقيل: مفسره المؤمن، أي مثل نور المؤمن، والصحيح أنه يعود على الله ، والمعنى: مثلُ نور الله في قلب عبده، وأعظمُ عباده نصيبًا من هذا النور رسوله ﷺ ، فهذا مع ما تضمنه عود الضمير إلى المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظًا ومعنًى، وهذا النور يضاف إلى الله تعالى؛ إذ هو معطيه لعبده، وواهبه إياه،
стр. 2720
ويضاف إلى العبد؛ إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل، ومحلّ وحالٌ، ومادّة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.
فالفاعل هو الله تعالى، مُفيض الأنوار الهادي لنوره من يشاء، والقابل العبد المؤمن، والمحل قلبه، والحالُ همته وعزيمته وإرادته، والمادّة قوله وعمله، وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية، فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تَقَرُّ به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم.
وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:
[أحدهما]: طريقة التشبيه المركَّب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمّتها بنور المؤمن من غير تعرُّض لتفصيل كلّ جزء من أجزاء المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامّةُ أمثال القرآن، فتأمل صفة المشكاة، وهي كُوَّةٌ (١) تَنْفُذ لتكون أجمع للضوء، قد وُضع فيها المصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة، تشبه الكوكب الدُّرّيّ في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القَرَاح (٢)، لا شرقية ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القَرَاح مَحْمِيّة بأطرافه، تصيبها الشمس، أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها، يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب، هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصّه به.
[والطريقة الثانية]: طريقة التشبيه المفَصَّل: فقيل: المشكاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، شُبِّه قلبه بالزجاجة؛ لرقّتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن، فإنه قد جَمَع الأوصاف الثلاثة، فهو يَرْحَم، ويُحسِن، ويتحنَّن، ويُشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم
стр. 2721
على ما هي عليه، ويباعد الكَدَر والدَّرَن والوَسَخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى، ويتصلب في ذات الله تعالى، ويَغلُظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى.
وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقّها، وأصلبها وأصفاها، والمصباح هو نور الإيمان في قلبه، والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق، وهي مادّة المصباح التي يتقد منها، والنور على النور نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورًا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يَسْمَع ما فيه بالأثر، ثم يَبْلُغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه، ونَطَق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع، والفطرة والوحي، فَيُرِيه عقله وفطرته وذوقه أنّ الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان، ويتوافقان، فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشُّبَه الباطلة، والخيالات الفاسدة، من الظنون الجهليات التي يُسَمِّيها أهلها القواطع العقليات، فهي في حدره، كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠].
فانظر كيف انتظمت في هذه الآياتِ طوائف بني آدم أتم انتظام؟، واشتملت عليهم أكمل اشتمال؟.
فإن الناس قسمان:
[القسم الأول]: هم: أهل الهدى والبصائر الذين عَرَفوا أن الحق فيما جاء به الرسول ﷺ عن الله ، وأن كلّ ما عارضه فشبهات يشتبه على من قَلّ نصيبه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئًا له حاصل ينتفع به، وهي: ﴿ … كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩، ٤٠].
стр. 2722
وهؤلاء هم أهل الهدى، ودين الحقّ، أصحاب العلم النافع، والعمل الصالح الذين صدّقوا الرسول في أخباره، ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره، ولم يضيعوها بالشهوات، ولا هم في علمهم من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون، أضاء لهم نور الوحي المبين، فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوّكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، مُمْحِلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله ﷺ من الحكمة وفصل الخطاب، إِنْ عندهم إلَّا نُخَالة الأفكار، وزُبالة (١) الأذهان، التي قد رَضُوا بها، واطمأنوا إليها، وقدَّموها على السنة والقرآن، إن في حدورهم إلَّا كبر ما هم ببالغيه، أوجبه لهم اتباعُ الهوى ونخوة الشيطان، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان.
[القسم الثاني]: أهل الجهل والظلم الذين جَمَعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، وهؤلاء قسمان:
(أحدهما): الذين يحسبون أنهم على علم وهدي، وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء أهلُ الجهلِ المركب الذين يَجهلون الحقّ، ويعادونه، ويعادون أهله، وينصرون الباطل، ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء، إلا إنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه، بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لَمْ يجده شيئًا، وهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب، الذي يخون صاحبه أحوج ما هو إليه، ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان، كما هو حال من أَمَّ السراب، فلم يجده ماء، بل انضاف إلى ذلك أنه وَجَد عنده أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين ، فحسب له ما عنده من العلم والعمل، فوفاه إياه بمثاقيل الدرّ، وقَدِم إلى ما عَمِل من عمل يرجو نفعه، فجعله هباءً منثورًا؛ إذ لَمْ يكن
стр. 2723
خالصًا لوجهه، ولا على سنة رسول الله ﷺ ، وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه.
و"السَّرَاب": ما يُرَى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يَسْرُب (١) على وجه الأرض، كأنه ماء يجري، و"القيعة": القاع، وهو: المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه، ولا فيه وادٍ، فشُبِّه علوم من لَمْ يأخذ علومه وأعماله من الوحي بسراب، يراه المسافر في شدة الحرّ فيؤُمُّه فيخيب ظنه، ويجده نارًا تلظي، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حُشِر الناس، واشتد بهم العطش بَدَت لهم كالسراب، فيحسبونه ماءً، فإذا أتوه وجدوا الله عنده، فأخذتهم زبانية العذاب، فعَتَلُوهم إلى نار الجحيم، فسُقُوا ماءً حميمًا فقطّع أمعاءهم، وذلك الماء الذي سُقُوه هو تلك العلوم التي لا تنفع، والأعمال التي كانت لغير الله تعالى، صَيَّرها الله تعالى حميمًا سقاهم إياه، كما أن طعامهم من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو تلك المعلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا تُسمى ولا تُغني من جوع، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]، وهم الذين عُنُوا بقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وهم الذين عُنُوا بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧].
(والقسم الثاني) من هذا المصنّف: أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل، بحيث قد أحاط بهم من كلّ وجه، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضلّ سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء، من غير نور من الله تعالى، ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾ جمع ظلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوي، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحقّ الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله معهم؛ ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور،
стр. 2724
فإن المعرض عما بَعَث الله تعالى به محمدًا ﷺ من الهدى ودين الحق، يتقلب في خمس ظلمات: قوله ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمة، وقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم، وإذا قابلت بصيرته الْخُفّاشية ما بعث الله به محمدًا ﷺ من النور جَدَّ في الهرب منه، وكاد نوره يَخْطَف بصره، فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأولى، كما قيل [من الطويل]:
خَفَافِيشُ أَعْشَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِه … وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ
فإذا جاء إلى زُبالة الأفكار، ونُخالة الأذهان، جال ومال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع، فإذا طَلَع نور الوحي، وشمس الرسالة، انحجر في حُجْرة الحشرات. انتهى كلام الإمام ابن القيّم ﵀ (١)، وإنما نقلته بطوله؛ لفوائده الكثيرة، وعوائده الغزيرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥١] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ع) وَحَدَّثَنِي (٢) حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَسَألتُهُ، فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ، فَقَالَ: "رَأَيْتُ نُورًا").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف بـ "بندار"، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢، هو أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستّة دون واسطة، كما مرّ غير مرّة.
стр. 2725
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر، كجَعْفر، أبو بكر البصريّ الدّستوائيّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب، واسمه يوسف بن الحجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٥ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن عبد الله الباهليّ الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [١٠] (ت ٢٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٦ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠، والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (قَدْ سَأَلْتُ) هكذا الرواية بحذف المفعول: أي سألته.
وقوله: (رأيتُ نورًا) قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم: معناه: أنه لَمْ يَرَ ربّه، ولكن رأى نورًا عُلْويًّا من الأنوار المخلوقة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الرواية لا تخالف الرواية التي قبلها: "نورٌ أنّى أراه"، فإن مؤدّى العبارتين أنه ﷺ ير ربّه ببصره، وإنما رأى نورًا، وهو حجابه ، فالروايتان بمعنى واحد.
ثم إن هذا الذي دلّ عليه حديث أبي ذرّ ﵁: من أنه ﷺ لَمْ ير ربّه هو الحقّ الذي ينبغي التمسّك به؛ لأنه الذي دلّت عليه ظواهر الآياتِ والأحاديث، وهو المنقول عن معظم السلف، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه قال: إنه رآه ببصره، وإنما عن ابن عبّاس ﵄ وغيره أنه رآه بفؤاده.
قال شيخ الإسلام ﵀: وأما الرؤية فالذي ثبت في "الصحيح" عن ابن عبّاس ﵄ أنه قال: رأى محمد ﷺ ربّه بفؤاده مرّتين، وعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عبّاس أثبت رؤية الفؤاد.
стр. 2726
قال الجامع عفا الله عنه: هذا جمع وجيهٌ يَجمع الأقوال، فتمسّك به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: والألفاظ الثابتة عن ابن عباس ﵄ هي مطلقة، أو مقيّدة بالفؤاد، تارةً يقول: رأى محمد ربّه، وتارةً يقول: رآه محمد، ولم يثبت عن ابن عبّاس لفظ صريحٌ بأنه رآه بعينه، وكذلك الإمام أحمد تارةً يُطلق الرؤية، وتارةً يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد: إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عبّاس، ففهم منه رؤية العين، وليس في الأدلّة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولا في الكتاب والسنّة ما يدلّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ، كما في "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربّك؟ فقال: "نورٌ أَنَّى أراه؟ "، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]، ولو كان أراه نفسه بعينه، لكان ذكر ذلك أولي، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي "الصحيحين" عن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به، وهذه رؤيا الآياتِ؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدّقه قوم، وكذّبه قوم، ولم يُخبرهم بأنه رأى ربّه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك، لذكره، كما ذكر ما دونه.
وقد ثبت بالنصوص الصحيحة، واتفاق سلف الأمة أنه لا يرى الله أحد في الدنيا بعينه، إلَّا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبيّنا محمد ﷺ خاصّةً، واتّفقوا على أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة عِيانًا، كما يرون الشمس والقمر. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسُ،
стр. 2727
فتمسّك به، تسلك سبيل الهدى والرشاد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨٥) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ"، وَقَوْلِهِ: "حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَ … إلخ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٢] (١٧٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، حَدَّثنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كلِمَاتٍ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَار، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْل، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ - لَوْ كشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انتهى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "عَنِ الْأَعْمَشِ"، وَلَمْ يَقُلْ: "حَدَّثنَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في"الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو مُعَاوَيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الْجَمَليّ - بفتح الجيم والميم - المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمي، ثقة عابد، كان لا يُدلّس، ورُمي بالإرجاء [٥].
رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي وائل، ومرة الطيب، وسعيد بن
стр. 2728
المسيب، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن الحارث النَّجْراني، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، والأعمش، ومنصور، وزيد بن أبي أنيسة، ومسعر، والعلاء بن المسيب، وإدريس بن يزيد الأودي، والأوزاعي، والمسعودي، وحصين بن عبد الرَّحمن، وغيرهم.
قال البخاري عن علي: له نحو مائتي حديث. وقال سعيد الأُرَاطيّ (١): زَكّاه أحمد بن حنبل. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال حفص بن غياث: ما سمعت الأعمش يُثني على أحد إلَّا على عمرو بن مرّة، فإنه كان يقول: كان مأمونًا على ما عنده. وقال بقية عن شعبة: كان أكثرهم علمًا. وقال معاذ بن معاذ عن شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلَّا يدلس إلَّا ابن عون، وعمرو بن مرّة. وقال قُرَاد عن شعبة: ما رأيت عمرو بن مرّة في صلاة قط، إلَّا طننت أنه لا ينفتل حتى يستجاب له. وقال عبد الملك بن ميسرة في جنازته: إني لأحسبه خير أهل الأرض. وقال مسعر: لَمْ يكن بالكوفة أحب إلي، ولا أفضل منه. وقال ابن عيينة عن مسعر: كان عمرو من معادن الصدق. وقال عبد الرَّحمن بن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو يخطئ، منهم: عمرو بن مرّة. وقال جرير عن مغيرة: لَمْ يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُكنى أبا عبد الرَّحمن، وكان مرجئًا، ووثقه ابن نمير، ويعقوب بن سفيان.
وقال أبو نعيم، وأحمد بن حنبل: مات سنة (١١٦)، وقيل: مات سنة (١١٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثًا.
٤ - (أَبُو عُبَيْدَةَ) بن عبد الله بن مسعود الْهُذَليّ، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣].
стр. 2729
رَوَى عن أبيه، ولم يسمع منه، وعن أبي موسى الأشعري، وعمرو بن الحارث بن الْمُصْطَلِق، وكعب بن عُجْرة، وعائشة، وأم زينب الثقفية، والبراء بن عازب، ومسروق، وغيرهم.
ورَوى عنه إبراهيم النخعيّ، وأبو إسحاق السبيعي، وسعد بن إبراهيم، وعمرو بن مرّة، والمنهال بن عمرو، ونافع بن جبير بن مطعم، وغيرهم.
قال شعبة عن عمرو بن مرّة: سألت أبا عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا. وقال المفضل الغلابي عن أحمد: كانوا يُفَضِّلون أبا عبيدة على عبد الرَّحمن. وقال الترمذي: لا يُعرَف اسمه، ولم يسمع من أبيه شيئًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لَمْ يسمع من أبيه شيئًا. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قلت لأبي: هل سمع أبو عبيدة من أبيه؟ قال: يقال: إنه لم يسمع، قلت: فإن عبد الواحد بن زياد يَروي عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الله بن أبي هند، عن أبي عبيدة، قال: خرجت مع أبي لصلاة الصبح، فقال أبي: ما أدري ما هذا؟ وما أدري عبدُ الله بن أبي هند من هو؟. وقال الترمذي في "العلل الكبير": قلت لمحمد: أبو عبيدة ما اسمه؟ فلم يَعرِف اسمه، وقال: هو كثير الغلط. وقال الدارقطني: أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه من حُنَيف بن مالك ونظرائه. وقال صالح بن أحمد: ثنا ابن المديني، ثنا سَلْم بن قُتيبة، قال: قلت لشعبة: إن عثمان الْبُرّيّ حدثنا عن أبي إسحاق، أنه سمع أبا عبيدة، أنه سمع ابن مسعود، فقال: أَوّهْ، كان أبو عبيدة ابن سبع سنين، وجَعَل يضرب جبهته. انتهى.
قال الحافظ: هذا الاستدلال بكونه ابن سبع سنين على أنه لَمْ يسمع من أبيه، ليس بقائم، ولكن راوي الحديث عثمان ضعيف. انتهى، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم.
وقال شعبة عن عمرو بن مرّة: فُقِد عبدُ الرَّحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شدّاد، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ليلة دُجَيل، وكانت سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة (٨٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٩)، وأعاده بعده، وحديث (٨٦٤): "انظروا إلى هذا الخبيث
стр. 2730
يخطب قاعدًا … "، و (١٠٠٠): "تصدّقن يا معشر النساء … "، و (٢٣٥٥): "أنا محمد، وأحمد، والمقفّي … "، و (٢٧٥٩): "إن الله يبسط يده بالليل … " ..
٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١، والباقيان تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وفيه له شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمرو، عن أبي عبيدة.
٦ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش.
٧ - (ومنها): أن أبا عُبيدة مشهور بكنيته، والأصحّ أنه لا اسم له غيرها.
٨ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، أمّره عُمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان ﵃، وهو أحد الْحَكَمين بصفّين، وأثنى عليه النبيّ ﷺ في حسن قراءته، فقد أخرج عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال له: "يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" مطوَّلًا (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 2731
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁ أنه (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي قام ﷺ خطيبًا في الصحابة ﷺ ، حال كونه مذكّرًا لهم بخمس كلمات.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "قام فينا … إلخ" فيه ثلاثة أوجه من الإعراب:
[أحدها]: أن يكون "فينا" و"بخمس" حالين مترادفين، أو متداخلين، وذلك أن يكون الثاني حالا من الضمير المستتر في الحال الأولى، أي قام خطيبًا فينا، مذكّرًا بخمس كلمات.
[وثانيها]: أن يكون "فينا" متعلّقًا بـ "قام" بأن يُضَمَّنَ معنى "خَطَب"، و"بخمس" حالًا، أي خطب قائمًا مذكّرًا بخمس كلمات، و"قام" في الوجهين بمعنى القيام على ما ورد في حديث أوس بن حُذيفة الثقفيّ ﵁: "كان النبيّ ﷺ ينصرف إلينا بعد العشاء، فيُحدّثنا قائمًا على رجليه، حتى يُراوح بين قدميه من طول القيام".
[وثالثها]: أن يعلّق "بخمس" بـ "قام"، ويكون "فينا" بيانًا، كأنه لَمّا قيل: "قام بخمس"، فقيل: في حقّ من؟، أجيب: في حقّنا، وجهتنا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ذكر في "الكشّاف" في قوله تعالى:
стр. 2732
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، قيل: مع من؟ قيل: معه، وكذلك قدّر في قوله : ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فعلى هذا "قام" بمعنى قام بالأمر: أي تشَمَّرَ، وتجلَّد له، فالمعنى: أنه قام بحفظ تلك الكلمات فينا؛ لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال الله : ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).
وقال السنديّ ﵀: وفي الوجه الثالث لو جُعل "فينا" متعلّقًا بـ "قام" من غير اعتبار، أي قام بخمس كلمات في حقّنا، ولأجل انتفاعنا كان صحيحًا، والأقرب أن المعنى: قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي بسببه، فالجارّان متعلّقان بالقيام، وهو على ظاهره، وذلك أن يُجعل القيام مِن قام بالأمر، ويُجعل "فينا" بيانًا متعلّقًا به أيضًا. انتهى (٢).
(بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ) أي بخمس جُمَل، فالمراد بالكلمة هنا الجملة المركبة المفيدة، وهو إطلاق لغويّ، كما يسمّون القصيدة كلمةً، وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة":
وَكِلْمَةٌ بهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَم
ومنه قوله ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]، إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ] [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: لا إله إلَّا الله كلمة الإخلاص، ومنه ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبِيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ"
[تنبيه]: المراد بالكلمات هنا: الْجُمَل المترابطة في المعنى:
[فالكلمة الأولى]: قوله: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام".
[الثانية]: قوله: "يَخفِض القسط، ويرفعه".
[الثالثة]: قوله: "يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل".
стр. 2733
[الرابعة]: قوله: "حجابه النور - أو - النار".
[والخامسة]: قوله: "لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
ويحتمل أن تكون الكلمة الأولى هي قوله: "إن الله لا ينام"، والثانية قوله: "ولا ينبغي له أن ينام"، والثالثة قوله: "يخفض القسط ويرفعه"، والرابعة قوله: "يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار … إلخ"، والخامسة قوله: "حجابه النور … إلخ"، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ) أي بالفعل؛ لأن النوم من النقائص؛ إذ هو انغمار، وغلبةٌ على العقل، يَسقُط به الإحساس، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهو مستحيل عليه، وهذا كقوله : ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾ والآية [البقرة: ٢٥٥]، (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) أي بالاحتمال، فإن النوم مستحيلٌ عليه ، وكلمة "لا ينبغي" تستعمل في المستحيلات والممنوعات، مثل هذا، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشعراء: ٢١١]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الآية [يس: ٦٩].
وقال القاري ﵀: (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) نفيٌ للجواز تأكيدًا لنفي الوقوع على سبيل التتميم، أي لا يكون، ولا يصحّ، ولا يستقيم، ولا يمكن له النوم؛ لأنه أخو الموت (١). وقال السنديّ ﵀: الكلمة الأولى دالّةٌ على عدم صدور النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك ذُكرت الكلمة الثانية بعد الأولى. انتهى (٢).
(يَخْفِضُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ) قال القاضي عياض: قال الهرويّ: قال ابن قتيبة: "القِسْط": الميزان، وسُمِّي قِسْطًا؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل، قال: والمراد أن الله تعالى يَخفِض الميزان، ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزّان يده، ويَخفضها عند الوزن، وهذا
стр. 2734
تمثيل لما يُقَدِّر تَنْزِيله، فشبّه بوزن الميزان، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]: أي أنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزّان الذي يزن، فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف يجوز عليه النوم، وهو الذي يتصرّف أبدًا في ملكه بميزان العدل؟.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا تمثيل … إلخ"، غير صحيح؛ لأنه يدلّ على أن الميزان هنا ليس حقيقةً، بل هو مجاز، وهو معنى باطل، مناف لما ثبت في النصوص الصحيحة من إثبات الميزان، والوزن به حقيقةً لا مجازًا، وكذا قوله: "فأمره كأمر الوزان" فيه نظر لا يخفى، فتنبّه لهذه الدقائق، فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقيل: المراد بالقسط الرزق الذي هو قِسط كل مخلوق، أي نصيبه، يخفضه فيُقَتِّره، ويرفعه فيوسعه (١).
وقال الطيبيّ: المعنى الأول للقسط هو الأولى؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁: "يرفع الميزان ويخفضه". انتهى (٢).
وقال القرطبيّ: قال ابن قتيبة: القِسْط: الميزان، وسُمّي بذلك؛ لأن القسط هو العدل، وذلك إنما يحصل، ويُعرف بالميزان في حقوقنا، وأراد به ها هنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم الواصلة إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، و"القُسطاس" بضم القاف، وكسرها: هو أَقْوَمُ الموازين، وقيل: أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كلّ مخلوق، يَخفضه، فيُقتِّره، ويرفعه، فيوسّعه، وقيل: إن القسط هو العدل نفسه، ويُراد به الشرائع والأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [الحديد: ٢٥]، أي النَّصَفَة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، فتارة يرفعه بمعنى: يُعليه، ويُظهره بوجود
стр. 2735
الأنبياء، وأصحابهم، وأتباعهم العاملين به، وتارة يَخفضه بمعنى يُذهبه، ويُخفيه بدروس الشرائع، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها، ويَحْتَمِلُ أن يكون رَفْعُها قبضها، كما قال ﷺ في الأمانة: إنها تُرفع من القلوب (١)، وكما قال: "أول ما تَفقِدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة" (٢)، بل كما قال: "عليكم بالعلم قبل أن يُرفع" (٣)، وخفضها: إيجادها في الأرض، ووضعها. انتهى كلام القرطبيّ (٤).
(يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ) أي للعرض عليه ، فالرفع على ظاهره، وقيل: معنى الرفع إليه: الرفع إلى خزائنه، كما يقال: حُمل المال إلى الملك، فيُضبط إلى يوم الجزاء، ويُعرَض عليه، وإن كان هو أعلم به؛ ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاءً له على فعله، والمعنى الأولى أولى، والله تعالى أعلم.
(عَمَلُ اللَّيْلِ) أي المعمول فيه (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أي قبل أن يُؤتَى بعمل النهار، وهو بيان لمسارعة الكرام الكتبة إلى رفع الأعمال، وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات، وعرضهم على الله تعالى، فإن الفاصل بين الليل والنهار آنٌ لا يجزي، وهو آخر الليل، وأول النهار.
وقيل: قبل أن يُرفع إليه عمل النهار، والأول أبلغ، قاله التوربشتيّ.
وقيل: الثاني أبلغ؛ لأن فيه بيان عظيم شأن الله تعالى، وقوّة عباده المكرمين، وحسن قيامهم بما أُمروا، ولأن لفظ العمل مصدر، فكأنه قال: يُرفع إليه عمل الليل، أي المعمول في الليل قبل عمل النهار، فلا حاجة إلى