شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁ أنه (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي قام ﷺ خطيبًا في الصحابة ﷺ ، حال كونه مذكّرًا لهم بخمس كلمات.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "قام فينا … إلخ" فيه ثلاثة أوجه من الإعراب:
[أحدها]: أن يكون "فينا" و"بخمس" حالين مترادفين، أو متداخلين، وذلك أن يكون الثاني حالا من الضمير المستتر في الحال الأولى، أي قام خطيبًا فينا، مذكّرًا بخمس كلمات.
[وثانيها]: أن يكون "فينا" متعلّقًا بـ "قام" بأن يُضَمَّنَ معنى "خَطَب"، و"بخمس" حالًا، أي خطب قائمًا مذكّرًا بخمس كلمات، و"قام" في الوجهين بمعنى القيام على ما ورد في حديث أوس بن حُذيفة الثقفيّ ﵁: "كان النبيّ ﷺ ينصرف إلينا بعد العشاء، فيُحدّثنا قائمًا على رجليه، حتى يُراوح بين قدميه من طول القيام".
[وثالثها]: أن يعلّق "بخمس" بـ "قام"، ويكون "فينا" بيانًا، كأنه لَمّا قيل: "قام بخمس"، فقيل: في حقّ من؟، أجيب: في حقّنا، وجهتنا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ذكر في "الكشّاف" في قوله تعالى:
стр. 2732
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، قيل: مع من؟ قيل: معه، وكذلك قدّر في قوله : ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فعلى هذا "قام" بمعنى قام بالأمر: أي تشَمَّرَ، وتجلَّد له، فالمعنى: أنه قام بحفظ تلك الكلمات فينا؛ لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال الله : ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).
وقال السنديّ ﵀: وفي الوجه الثالث لو جُعل "فينا" متعلّقًا بـ "قام" من غير اعتبار، أي قام بخمس كلمات في حقّنا، ولأجل انتفاعنا كان صحيحًا، والأقرب أن المعنى: قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي بسببه، فالجارّان متعلّقان بالقيام، وهو على ظاهره، وذلك أن يُجعل القيام مِن قام بالأمر، ويُجعل "فينا" بيانًا متعلّقًا به أيضًا. انتهى (٢).
(بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ) أي بخمس جُمَل، فالمراد بالكلمة هنا الجملة المركبة المفيدة، وهو إطلاق لغويّ، كما يسمّون القصيدة كلمةً، وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة":
وَكِلْمَةٌ بهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَم
ومنه قوله ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]، إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ] [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: لا إله إلَّا الله كلمة الإخلاص، ومنه ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبِيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ"
[تنبيه]: المراد بالكلمات هنا: الْجُمَل المترابطة في المعنى:
[فالكلمة الأولى]: قوله: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام".
[الثانية]: قوله: "يَخفِض القسط، ويرفعه".
[الثالثة]: قوله: "يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل".
стр. 2733
[الرابعة]: قوله: "حجابه النور - أو - النار".
[والخامسة]: قوله: "لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
ويحتمل أن تكون الكلمة الأولى هي قوله: "إن الله لا ينام"، والثانية قوله: "ولا ينبغي له أن ينام"، والثالثة قوله: "يخفض القسط ويرفعه"، والرابعة قوله: "يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار … إلخ"، والخامسة قوله: "حجابه النور … إلخ"، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ) أي بالفعل؛ لأن النوم من النقائص؛ إذ هو انغمار، وغلبةٌ على العقل، يَسقُط به الإحساس، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهو مستحيل عليه، وهذا كقوله : ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾ والآية [البقرة: ٢٥٥]، (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) أي بالاحتمال، فإن النوم مستحيلٌ عليه ، وكلمة "لا ينبغي" تستعمل في المستحيلات والممنوعات، مثل هذا، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشعراء: ٢١١]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الآية [يس: ٦٩].
وقال القاري ﵀: (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) نفيٌ للجواز تأكيدًا لنفي الوقوع على سبيل التتميم، أي لا يكون، ولا يصحّ، ولا يستقيم، ولا يمكن له النوم؛ لأنه أخو الموت (١). وقال السنديّ ﵀: الكلمة الأولى دالّةٌ على عدم صدور النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك ذُكرت الكلمة الثانية بعد الأولى. انتهى (٢).
(يَخْفِضُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ) قال القاضي عياض: قال الهرويّ: قال ابن قتيبة: "القِسْط": الميزان، وسُمِّي قِسْطًا؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل، قال: والمراد أن الله تعالى يَخفِض الميزان، ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزّان يده، ويَخفضها عند الوزن، وهذا
стр. 2734
تمثيل لما يُقَدِّر تَنْزِيله، فشبّه بوزن الميزان، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]: أي أنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزّان الذي يزن، فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف يجوز عليه النوم، وهو الذي يتصرّف أبدًا في ملكه بميزان العدل؟.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا تمثيل … إلخ"، غير صحيح؛ لأنه يدلّ على أن الميزان هنا ليس حقيقةً، بل هو مجاز، وهو معنى باطل، مناف لما ثبت في النصوص الصحيحة من إثبات الميزان، والوزن به حقيقةً لا مجازًا، وكذا قوله: "فأمره كأمر الوزان" فيه نظر لا يخفى، فتنبّه لهذه الدقائق، فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقيل: المراد بالقسط الرزق الذي هو قِسط كل مخلوق، أي نصيبه، يخفضه فيُقَتِّره، ويرفعه فيوسعه (١).
وقال الطيبيّ: المعنى الأول للقسط هو الأولى؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁: "يرفع الميزان ويخفضه". انتهى (٢).
وقال القرطبيّ: قال ابن قتيبة: القِسْط: الميزان، وسُمّي بذلك؛ لأن القسط هو العدل، وذلك إنما يحصل، ويُعرف بالميزان في حقوقنا، وأراد به ها هنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم الواصلة إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، و"القُسطاس" بضم القاف، وكسرها: هو أَقْوَمُ الموازين، وقيل: أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كلّ مخلوق، يَخفضه، فيُقتِّره، ويرفعه، فيوسّعه، وقيل: إن القسط هو العدل نفسه، ويُراد به الشرائع والأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [الحديد: ٢٥]، أي النَّصَفَة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، فتارة يرفعه بمعنى: يُعليه، ويُظهره بوجود
стр. 2735
الأنبياء، وأصحابهم، وأتباعهم العاملين به، وتارة يَخفضه بمعنى يُذهبه، ويُخفيه بدروس الشرائع، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها، ويَحْتَمِلُ أن يكون رَفْعُها قبضها، كما قال ﷺ في الأمانة: إنها تُرفع من القلوب (١)، وكما قال: "أول ما تَفقِدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة" (٢)، بل كما قال: "عليكم بالعلم قبل أن يُرفع" (٣)، وخفضها: إيجادها في الأرض، ووضعها. انتهى كلام القرطبيّ (٤).
(يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ) أي للعرض عليه ، فالرفع على ظاهره، وقيل: معنى الرفع إليه: الرفع إلى خزائنه، كما يقال: حُمل المال إلى الملك، فيُضبط إلى يوم الجزاء، ويُعرَض عليه، وإن كان هو أعلم به؛ ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاءً له على فعله، والمعنى الأولى أولى، والله تعالى أعلم.
(عَمَلُ اللَّيْلِ) أي المعمول فيه (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أي قبل أن يُؤتَى بعمل النهار، وهو بيان لمسارعة الكرام الكتبة إلى رفع الأعمال، وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات، وعرضهم على الله تعالى، فإن الفاصل بين الليل والنهار آنٌ لا يجزي، وهو آخر الليل، وأول النهار.
وقيل: قبل أن يُرفع إليه عمل النهار، والأول أبلغ، قاله التوربشتيّ.
وقيل: الثاني أبلغ؛ لأن فيه بيان عظيم شأن الله تعالى، وقوّة عباده المكرمين، وحسن قيامهم بما أُمروا، ولأن لفظ العمل مصدر، فكأنه قال: يُرفع إليه عمل الليل، أي المعمول في الليل قبل عمل النهار، فلا حاجة إلى
стр. 2736
تقدير لفظ الشروع، كاحتياجه إلى تقدير الرفع في المعنى الأول.
(وَعَمَلُ النَّهَارِ) بالرفع عطفًا على "عملُ الليل" (قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ) وفي الرواية الآتية: "وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْل، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ"، قال النوويّ: معنى الرواية الأولى - والله أعلم -: يُرفع إليه عملُ الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده، ومعنى الرواية الثانية: "يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، ويُرْفَع إليه عمل الليل في أول النهار الذي بعده، فإن الملائكة الحفَظَة يَصْعَدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويَصْعَدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أولى الليل"، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وذكر القاري ﵀ في "شرح المشكاة" ما معناه: وهو بيان لمسارعة الملائكة الموكّلين برفع أعمال النهار بعد العصر، والليل بعد الصبح، وأنهم يقطعون في هذا الزمن القليل تلك المسافة الطويلة التي تزيد على سبعة آلاف سنة على ما رُوي: أن مسيرة ما بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة، وما بين كلّ سماءين كذلك، وسَمْكُ كلّ سماء كذلك، وتقدير "رَفْع" في الأول، و"رَفْع" أو "فِعْل" في الثاني هو الذي دلّ عليه الحديث الآخر: إن أعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر، وأعمال الليل تُرفع بعد صلاة الصبح، فلا يقع رفع عمل الليل إلا بعد فعلٍ من عمل النهار، وأما رفع عمل النهار فيقع قبل فِعْلِ أو رَفعِ شيء من عمل الليل؛ لأن بين ابتداء رفعها وعمل الليل فاصلًا يسع ذلك بالنسبة إلى القدرة الباهرة. فالحاصل أن قوله: "قبل عمل النهار" يتعيّن فيه تقدير "رَفْع"، ولا يصحّ تقدير "فِعل" فيه، وقوله: "قبل عمل الليل" يصحّ فيه كلٌّ منهما، وتقدير الفعل أبلغ؛ لأن الزمن أقصر، فتأمل ذلك لتعلم فساد ما أطلقه بعض الشارحين. انتهى (٢).
(حِجَابُهُ النُّورُ) مبتدأ وخبره، يعني: أن حجاب الله الذي احتجب به من خلقه النور، قال النوويّ في "شرحه": أصل الحجاب في اللغة المنع والسَّتْرُ، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى مُنَزَّه عن
стр. 2737
الجسم والحد، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسُمِّي ذلك المانع نورًا أو نارًا؛ لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة؛ لشعاعهما. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ هذا فيه إيماء إلى أن الحجاب هنا مجاز، وليس حقيقةً، وسيأتي الردّ عليه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقال التوربشتيّ: أشار بذلك إلى أن حجابه خلاف الْحُجُب المعهودة، فهو مُحْتَجِبٌ عن الخلق بأنوار عزّه وجلاله، وأشعّة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تُدهَش دونه العقول، وتذهب الأبصار، وتتحيّر البصائر، ولو كُشف ذلك الحجاب، فتجلّى لما وراءه من حقائق الصفات، وعظمة الذات لم يَبقَ مخلوق إلا احترق، ولا مفطور إلا اضمحلّ، وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئيّ، وهو هنا راجع إلى منع الأبصار من الإصابة بالرؤية له بما ذكر، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل، فعبّر به عنه (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فقام ذلك المنع … إلخ"، هذا أيضًا من نوع ما سبق للنوويّ من دعوى المجاز، وسيأتي الرّدّ عليه.
والحاصل أن الصواب كون الحجاب حقيقة، لا مجاز فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ) يعني أن لفظ "النور" إنما وقع في رواية أبي كُريب، وأما شيخه أبو بَكر بن أبي شيبة، فرواه بلفظ: "النار"، ولا تنافي بين الروايتين، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ ما معناه: إن تردّد الراوي في لفظ "النور"، و"النار" لا اختلاف في المعنى؛ لأن هذه النار التي كلّم الله تعالى بها موسى؛ يقال لها: نار ونور، كما سمَّى الله تعالى نار المصباح نورًا، بخلاف النار المظلمة، كنار جهنّم، فتلك لا تُسمَّى نورًا، فالأقسام ثلاثة: إشراقٌ بلا إحراق، وهو النور المحض، كالقمر، وإحراق بلا إشراق، وهي النار المظلمة، وما هو نار ونور، كالشمس، ونارِ المصابيح التي في الدنيا توصف بالأمرين. انتهى (٣).
стр. 2738
(لَوْ كشَفَهُ) أي الحجاب (لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ) أي أنوار وجهه ، قال النوويّ في "شرحه": "السُّبُحات" بضم السين والباء، ورفع التاء في آخره، وهي جمع سُبْحَة، قال صاحب "العين"، والهرويّ، وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى "سُبُحاتُ وجهِهِ": نوره، وجلاله، وبهاؤه.
وذكر في "الكاشف" عن بعضهم في معنى "سبحات وجهه" أنها الأنوار التي إذا رآها الراؤون من الملائكة سبّحوا، وهلّلوا؛ لما يروعهم من جلال الله وعظمته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض يحتاج إلى نقل صحيح، والله تعالى أعلم.
(مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ") المراد جميعُ المخلوقات؛ لأن بصره محيط بجميع الكائنات، ولفظة "من" لبيان الجنس، لا للتبعيض، والتقدير: لو أزال المانع من رؤيته، وهو الحجاب المسمى نورًا أو نارًا، وتَجَلَّى لخلقه لأحرق جلال وجهه جميع مخلوقاته.
قال الطيبيّ ﵀: وذهب المظهر وغيره إلى أن الضمير في "بصره" إلى الخلق، و"ما" في "ما انتهى" بمعنى: "من" و"من خلقه" بيان له، والأول هو الوجه - يعني: أن رجوع ضمير "بصره" إلى الله تعالى هو المعنى الصحيح - بل فساد هذا المعنى لا خفاء فيه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "عَنِ الْأَعْمَشِ"، وَلَمْ يَقُلْ: "حَدَّثَنَا") يعني: أن شيخه أبا بكر قال في روايته: "عن الأعمش" بـ "عن"، ولم يذكر لفظ: "حدّثنا"، كما قاله شيخه الآخر، وهو أبو كُريب.
قال النوويّ ﵀: هذا من احتياط الإمام مسلم ﵀، وورعه، وإتقانه، وهو أنه رواه عن أبي كريب، وأبي بكر، فقال أبو كريب في روايته: "حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش"، وقال أبو بكر: "حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش"، فلما اختَلَفت عبارتهما في كيفية رواية شيخهما: أبي معاوية بَيَّنَها مسلم ﵀، فحصل فيه فائدتان:
[إحداهما]: أن "حدّثنا" للاتصال بإجماع العلماء، وفي "عن" خلاف كما قدمناه في الفصول وغيرها، والصحيح الذي عليه الجماهير، من طوائف
стр. 2739
العلماء، أنها أيضًا للاتِّصال إلا أن يكون قائلها مدلسًا، فَبَيَّن مسلم ذلك.
[والثانية]: أنه لو اقتَصرَ على إحدى العبارتين، كان فيه خَلَلٌ، فإنه إن اقتصر على "عن" كان مُفَوِّتًا لقوّة "حدّثنا"، وراويًا بالمعنى، وإن اقتصر على "حدَّثنا" كان زائدًا في رواية أحدهما راويًا بالمعنى، وكل هذا مما يُجْتَنَب. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٥/ ٤٥٢ و ٤٥٣ و ٤٥٤] (١٧٩)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٩٥ و ١٩٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥ و ٤٠١ و ٤٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٩ و ٣٨٠ و ٣٨١ و ٣٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٤٨ و ٤٤٩ و ٤٥٠ و ٤٥١)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ١٩ - ٢٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٧٥ و ٧٧٧ و ٧٧٨ و ٧٧٩)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ١٨٠ و ١٨١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩١)، و (الآجرّيّ) في "الشريعة" (ص ٣٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحالة النوم على الله كل ؛ لكونه من النقائص.
٢ - (ومنها): أن الله تعالى يُعزّ من يشاء ويهدي من يشاء من عباده، كما قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
٣ - (ومنها): أن الأعمال ترفع إليه كل يوم وكلّ ليلة، وهذا معنى قوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية [فاطر: ١٠].
стр. 2740
٤ - (ومنها): إثبات الحجاب له ، وهو النور الحائل بينه وبين خلقه، ولولاه لاحترقوا.
٥ - (ومنها): الردّ على الجهميّة فيما أنكرته من الصفات، وهو الوجه، والبصر، ورفع القسط، وخفضه، فكلها صفات ثابتة لله على ما يليق بجلاله.
٦ - (ومنها): ما قال الإمام عثمان بن سعيد الدارميّ ﵀ في كتاب الرّدّ على المريسيّ: إنما كانت تَحرق سُبُحات وجهه لو كشفها كلّ شيء في الدنيا؛ لأن الله تعالى كَتَب الفناء عليها، وركَّب ما ركّب من جوارح الخلق للفناء، فلا تحتمل نور البقاء، فتحترق به، أو تُدكّ، كما دُكّ الجبل، فإذا كان يوم القيامة رُكّبت الأبصار والجوارح للبقاء، فاحتملت النظر إلى وجهه الكريم، وإلى سُبُحاته، ونور وجهه من غير أن تحرق أحدًا، كما لو أن أجسَمَ رَجُلٍ وأَعْظَمه وأكمله لو أُلقي في الدنيا في تنّور مسجور لصار رمادًا في ساعة، فهو يتحرق في نار جهنم ألف عام وأكثر، ونارُها أشدّ حرًّا من نار الدنيا سبعين ضعفًا، لا يصير منها رمادًا، ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]؛ لأن أجسامهم، وأبصارهم، وأسماعهم تُركَّب يومئذ للبقاء، فاحْتَمَلت من عذاب جهنّم ما لم تكن تحتمل جزءًا من ألف جزء من عذاب الدنيا، وكذلك أولياء الله تعالى تحتمل أبصارهم النظر إلى وجه الله تعالى يوم القيامة، ولو قد أدركهم شيء من سُبُحات وجهه في الدنيا لاحترقوا، كما قال رسول الله ﷺ ، ولم تحتملها أبصارهم. انتهى كلام الدارميّ ﵀، (١) وهو تحقيق مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال النوويّ في "شرحه": وأما الحجاب: فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى مُنَزَّه عن الجسم، والحدّ، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسُمِّي ذلك
стр. 2741
المانع نورًا أو نارًا؛ لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة؛ لشعاعهما، والمراد بالوجه الذاتُ، والمراد بما انتهى إليه بصره من خلقه، جميعُ المخلوقات؛ لأن بصره مُحيط بجميع الكائنات، ولفظة "من" لبيان الجنس، لا للتبعيض، والتقدير: لو أزال المانع من رؤيته، وهو الحجاب المسمى نورًا أو نارًا، وتَجَلَّى لخلقه، لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النووي تبعًا للقاضي عياض، وغيره من الأشاعرة المؤوّلين مما لا يخفى ما فيه من الفساد:
(فمن ذلك): تأويل الحجاب ودعوى كونه مجازًا عن منع الرؤية، وهذا باطلٌ؛ لأن النصوص أثبتت لله الحجاب، فمذهب السلف أن الحجاب ثابت لله على حقيقته، كما أثبتته النصوص، فهو يحجب بصر خلقه عنه بنوره، فلا أحد يُدركه ، قال الإمام عثمان بن سعيد الدارميّ ﵀ في كتابه الردّ على بشر المريسيّ: إنما نقول: احتجب الله بهذه النار عن خلقه بقدرته وسلطانه، لو قُدّر كشفها لأحرق نور الربّ، وجلاؤه كلَّ ما أدركه بصره، وبصره مدرك كلّ شيء، غير أنه يُصيب به ما يشاء، ويَصرفه عما يشاء، كما أنه حين تجلّى لذلك الجبل خاصّةً من بين الجبال جعله دكًّا، ولو تجلّى لجميع جبال الأرض لصارت دكّاء كما صار جبل موسى، ولو تجلّى لموسى لجعله دكًّا، وإنما خرّ صعقًا؛ لما هاله من صوت الجبل. انتهى (٢).
(ومن ذلك): تفسيره الوجه بالذات، فإنه منه مصير إلى نفي صفة الوجه، وهو غير صحيح، بل الوجه صفة ثابتة لله تعالى، كما أثبتها لنفسه في كتابه، حيث قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، وحيث أثبته هذا الحديث الصحيح، وغيره من الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم من إثباتنا له تشبيهه بخلقه، فأيّ فرق بين إثباتنا له الذات، وبين إثباتنا له الوجه؟، فإن كان يلزم من الوجه التشبيه لزم من الذات أيضًا، لكن نقول: له ذات لا تشبه الذوات، ووجه لا يشبه الوجوه، وبصرٌ لا يُشبه الأبصار، ويدٌ لا تشبه الأيدي، وغير ذلك من
стр. 2742
صفات الكمال، وهذا هو مذهب السلف، وهو الصراط المستقيم، فعليك بلزومه إن أردت الهدى والعزّ المستديم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الخامسة): ذكر الطيبيّ ﵀ في "الكاشف" هنا وجوهًا متعلّقة بلطائف المعاني، والمحسّنات البديعيّة، أحببت إيرادها مع التعقيب على ما يحتاج إلى التعقيب عليه:
[أحدها]: أن قوله: "لا ينبغي له أن ينام" جملة معترضة، واردة على التتميم؛ صونًا للكلام عن المكروه، فإن قوله: "لا ينام" لا ينفي جواز النوم، كما قال الأشرف، فعقّب به لدفع ذلك التجويز، قال أبو الطيّب [من الطويل]:
وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ … تَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَاشَاكَ فَانِيَا
فإن "حاشاك" تتميم في غايةً الحسن، ومعنى "لا ينبغي" لا يصحّ، ولا يستقيم النوم؛ لأنه مناف لحال ربّ العالمين.
[وثانيها]: "يخفض، ويرفع، وعمل الليل، وعمل النهار" من باب التضادّ، والمطابقة، والخفض، والرفع في القرينتين مستعارتان للمعاني من الأعيان.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "مستعارتان … إلخ" غير صحيح؛ لأن الاستعارة من المجاز، فهو يريد أن لا يثبت صفة الخفض والرفع لله تعالى على ظاهرها، وقد سبق أن نبّهنا على مثل هذا، فالحقّ أنها ثابتة له، ولا حاجة إلى المجاز؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذّر الحقيقة، وهنا لم يتعذّر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[وثالثها]: "لو كشفه" من الشرط والجزاء، استئنافيّة، مبيّنة للكلام السابق، كأنه لما قيل: إن حجابه النور، وعُرِّف الخبر المفيد للتخصيص اتّجه للسائل أن يقول: لم خُصّ الحجاب بالنور؟ أجيب: بأنه لو كان من غيره لاحترق.
قال الجامع: هذه الفائدة غير واضحة، والله تعالى أعلم.
[ورابعها]: الجملة الفعليّة في النفي والإثبات كلها واردة على صيغة المضارع؛ لإرادة الاستمرار، فالمنفيّان فيها يدلان على الدوام من غير انقطاع،
стр. 2743
والأربع المثبتة على التجدد مع الاستمرار، وأما الجملة الاسميّة فدلالتها على سبيل الثبات والدوام في هذا العالم، والشرطيّة منبئة عن ذلك؛ لما دلّت على أنها مخالفة للنور المتعارف.
قال: وفيه دليل على أن نبينا ﷺ رأى ربّه تعالى لقوله في الدعاء: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا".
قال الجامع: مسألة رؤية النبيّ ﷺ ربه ليلة الإسراء ببصره قد حقّقنا القول فيها، وأن جمهور السلف على نفيها، للحديث الصحيح المتقدّم: "نور أنى أراه"، وغيره، ومن نُقل عنه إثباتها كابن عبّاس فإن الصحيح أنه أثبتها بالفؤاد، لا بالعين، فتنبّه.
وأما استدلال الطيبيّ عليها بالحديث المذكور، فمما لا يخفى بُعده على بصير، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: وأما المؤمنون إذا صَفَت بشريّتهم عن الكُدُورات في دار الثواب، فيُرزَقُون هذه المنحة السنيّة، والرتبة العليّة.
[وخامسها]: أن معنى الحديث بأسره مسبوك من معنى آية الكرسيّ، فإن قوله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إلى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] مشعر بصفة الإكرام، ومنه إلى الخاتمة مشير إلى صفة الجلال؛ لما فيه من المنع عن الشفاعة إلا بإذنه، ومن ذكر الكرسيّ الذي هو سرير الملك، وهو مناسب لحديث الحجاب، وكذلك الحديث إلى قوله: "حجابه النور" مُنْبِيءٌ عنٍ صفة الإكرام، ومنه إلى آخره عن صفة الجلال، فتكون صفة الجلال محتجبةً بصفة الإكرام، فلو كشف حجاب الإكرام لتلاشت الأشياء، وتفنى بتجلي صفات الجلال الكائنات، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
ومن أسمائه الحسنى، وصفاته العظمى النور، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
وبيانه أن قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ مقرّر للكلام السابق، قال في "الكشّاف": وهو تأكيد لـ ﴿الْقَيُّومُ﴾؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيّومًا، وهو مثل قوله: "لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام"، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كالتعليل لمعنى القيّوميّة، أي كيف ينام، وهو مالك ما
стр. 2744
في السماوات وما في الأرض، ومربيهم، ومدبّر أمور معاشهم ومعادهم؟ وإلى الأول الإشارة بقوله: "يخفض القسط ويرفعه"، وإلى الثاني بقوله: "يُرفَع إليه عمل الليل … إلخ".
[فإن قلت]: فأين معنى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية في الحديث؟.
[قلت]: تخصيص ذكر البصر الذي هو نوع من طريق العلم مُلَوّح إليه، فما أجمعه من كلمات! وما أفصحه من عبارات! ولعمر الله إن هذا الحديث سيّد الأحاديث، كما أن آية الكرسيّ سيدة الآيات. انتهى كلام الطيبيّ ﵀، وهو بحث جيّد مع ما سبق في بعضه من المناقشة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (١) جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ "مِنْ خَلْقِهِ"، وَقَالَ: "حِجَابُهُ النُّورُ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
والأعمش تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) لا تنافي بينه وبين الرواية السابقة "بخمس كلمات"؛ إذ يُحمل بضمّ الرابعة، والخامسة، أو الأولى والثانية في كلمة واحدة، والله تعالى أعلم.
стр. 2745
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ) ضمير "ذَكَرَ" لجرير.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ "مِنْ خَلْقِهِ") يعني أن جريرًا أسقط في روايته لفظ "من خلقه"، واقتصر على قوله: "ما انتهى إليه بصره".
وقوله: (وَقَالَ: "حِجَابُهُ النُّورُ) يعني أنه روى بلفظ "حجابه النور"، ولم يذكر "النار"، وقد سبق اختلاف شيخي المصنّف على أبي معاوية فيه كما نبّه عليه في كلامه السبق.
لكن الذي وقع عند ابن منده في الإيمان من رواية جرير بلفظ "النار"، فقد أخرجه من طرق عنه، كما سيأتي بعض الطرق في التنبيه التالي، ولعل المصنّف ﵀ وقع له بلفظ "النور"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية جرير هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على أبي معاوية، أخرجها الحافظ ابن منده ﵀ في "الإيمان" (٢/ ٧٧٠) فقال:
(٧٧٧) أنبأ محمد بن إبراهيم بن الفضل، ثنا أحمد بن سلمة (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، قالا: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير (ح)، وأنبأ عبد الرحمن بن يحيى، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، أنبأ عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفض القسط، ويرفعه، يُرْفَع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ (١)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي
стр. 2746
مُوسَى، قَالَ: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعٍ: إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ، وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْل، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ المذكور قبل باب.
٢ - (وَابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بُنْدار المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ "غُنْدر"، أبو عبد الله الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور المذكور قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨٦) - (بَابُ إِثْبَاتِ رُؤْيةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ فِي الآخِرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٥] (١٨٠) - (حَدَّثنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَد، وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَد، حَدَّثنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاء، عَلَى وَجْهِه، فِي جَنَّةِ عَدْنٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) (١) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ بن
стр. 2747
صُهْبان الأزديّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) (١) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٣ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المذكور قبل حديث.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَمّيّ، أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبي عمران الْجَوْنيّ، وداود بن أبي هند، ومنصور، وعلي بن زيد بن جُدْعان، ومطر الوراق، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو موسى، وبُنْدار، والحميدي، وأبو غسان المسمعي، والحسن بن عرفة، وغيرهم.
قال أحمد: كان ثقة. وقال ابن معين: لم يكن به بأس. وقال القواريري: كان حافظًا. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول يوم مات: ما مات لكم منذ ثلاثين سنة شبههُ، أو مثله، أو أوثق منه. وقال العجليّ: ثقة.
قال أبو داود: مات سنة (١٨٧)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٨٨)، وقال ابن قانع: مات سنة (١٨٩)، ويقال: سنة (١٩٠)، وحكى الْقَرّاب القولين في "تاريخه".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٨٠)، وحديث (٥٧٢): "إنه لو حَدَثَ في الصلاة شيء … "، و (٢١٠٩): "أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون"، و (٢٣٠٠): "لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء … "، و (٢٦٢٥): "إذا طبختَ مرقةً، فأكثر ماءها … "، و (٢٨٣٨): "في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوّفة … ".
стр. 2748
٥ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) هو: عبد الملك بن حبيب الأزديّ، ويقال: الكنديّ البصريّ، أحد العلماء، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤].
رَأَى عمران بن حصين، ورَوى عن جندب بن عبد الله البجلي، وأنس، وأبي فِرَاس، ربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبيد، وسليمان التيمي، وابن عون، وأبو عامر الخزاز، وشعبة، وأبان، وأبو قُدامة الحارث بن عبيد، وهمام بن يحيى، والحمادان، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عمرو بن علي: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، واسمه عبد الرحمن، كذا قال. وقال غيره: سنة تسع. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة ثلاث وعشرين، وقد قيل: سنة ثمانية. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من عائشة، وصح سماعه من أنس.
وفي الطبراني بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجونيّ، قال: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام، فاستفتيت جندبًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) الْأَشْعَرِيُّ الكوفيّ، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وابن عباس، والأسود بن هلال.
وروى عنه أبو جمرة الضُّبَعيّ، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وبدر بن عثمان، وعبد الله بن أبي السَّفَر، والأجلح بن عبد الله الْكِنديّ، وأبو إسحاق السبيعي، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أُراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهنيّ، قاتل عَمّار، فأجلسه إلى جانبه، وقال: مرحبًا بأخي. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، وقال: مات في ولاية خالد بن عبد الله. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: اسمه كنيته، مات في
стр. 2749
ولاية خالد، ومن زَعَم أن اسمه عامر فقد وَهِمَ، عامر اسم أبي بردة. وقال عبد الله بن أحمد في "العلل": قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث، يُستضعَف، ومات في ولاية خالد، وكان أكبر من أخيه أبي بردة. وقال خليفة: مات سنة ست ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث، هذا (١٨٠)، وحديث (٦١٤): "الوقت بين هذين"، و (٦٣٥): "من صلّى البردين دخل الجنّة"، و (١٩٠٢): "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف … "، و (٢٧١١): "اللهم باسمك أحيا … "، و (٢٨٣٨): "إن للمؤمن في الجنة لخيمة … "، وكرّره ثلاث مرّات.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁ المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير إسحاق، فمروزيّ، وأبي بكر فكوفيّ، وأما الصحابيّ فقد سكن البصرة والكوفة.
٣ - (ومنها): أنهم رجال الجماعة، غير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وأبي غسّان فتفرّد به المصنّف، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ لأبي غسّان، قال: حدّثنا أبو عبد الصمد" يعني أن سياق هذا المتن لشيخه أبي غسّان، وأما الآخران فروياه بالمعنى، ثم إن أبا غسّان ذكر شيخه بكنيته، فقال: "حدّثنا أبو عبد الصمد"، وأما الآخران فصرّحا باسمه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو عمران، عن أبي بكر.
٦ - (ومنها): أن أبا بكر اسمه كنيته على الأصحّ، كأخيه أبي بُردة، ويقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر.
стр. 2750
٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: أبو بكر، عن أبي موسى ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس ﵁ الْأَشْعَرِيّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَنَّتَانِ) خبر لمبتدأ محذوف، أي هما جنتان، ويجوز أن يكون مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة وقوعه موقع التفصيل، على حدّ قول الشاعر [من المتقارب]:
فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ … فَثَوْبٌ لَبسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ
والشاهد "فثوبٌ لبستُ"، وكذلك "وثوبٌ أجرّ" (١).
وفي رواية أبي عوانة في "مسنده:، وابن منده في "الإيمان"، من طريق أبي قُدامة الحارث بن عُبيد الإياديّ، عن أبي عمران الْجَوْنيّ: "جنّاتُ الْفِردوس أربع: ثنتان آنيتهما، وحليّهما، وما فيهما من ذهب، وثنتان من فضّة آنيتهما، وحليّهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن، وهذه الجنات تشخُب (٢) من جنات عدن، ثم تصدّع بعدُ أنهارًا". انتهى (٣).
وقوله: (مِنْ فِضَّةٍ) خبر لـ "جنّتان"، على الثاني، أي كائنتان من فضّة، وقوله: (آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا) بدل اشتمال من "جنّتان"، أو من ضمير "كائنتان"، أو "آنيتهما" فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على مسند إليه، أو "من فضّة" خبر مقدّم، و"آنيتهما" مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر "جنّتان"، وكذلك إعراب قوله: (وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت البنانيّ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه قال: "جنتان من ذهب للمقربين، ومن دونهما جنتان من ورِقٍ لأصحاب اليمين"، أخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم، ورجاله ثقات.
стр. 2751
قال الحافظ: وفيه رَدّ على ما حكيته عن الترمذي الحكيم أن المراد بقوله تعالى: "ومن دونهما جنتان" الدنوّ، لا أنهما دون الجنتين المذكورتين قبلهما، وصرح جماعة بأن الأوليين أفضل من الأخريين، وعكس بعض المفسرين، والحديث حجة للأولين.
قال الطبريّ: اختُلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] فقال بعضهم: معناه في الدرجة، وقال آخرون: معناه في الفضل.
وقوله: "جنتان" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾، وتفسير له.
[فإن قلت]: هذا يدلّ على أن الجنتين من ذهب لا فضّة فيهما، وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة ﵁ قلنا: يا رسول الله حَدِّثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة من ذهب، ولبنة من فضة … " الحديث، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبان، وله شاهد عن ابن عمر ﵄، أخرجه الطبرانيّ، وسنده حسن، وآخر عن أبي سعيد ﵁، أخرجه البزار، ولفظه: "خَلَقَ الله الجنة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة … " الحديث.
[وأجيب]: بأنه يُجمَع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، والثاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في "البعث" في حديث أبي سعيد ﵁: "إن الله أحاط حائط الجنة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَمَا) نافية (بَيْنَ الْقَوْمِ) أي أهل الجنّة (وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) زاد في رواية ابن ماجه: ﵎ (إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ) قال السنديّ ﵀: الظاهر أن المراد برداء الكبرياء نفس صفة الكبرياء على أن الإضافة بيانيّة، وهذا هو الموافق لحديث: "الكبرياء ردائي" (٢)، وحينئذ لا يخفى أن ظاهر هذا الحديث يفيد أنهم لا يرونه تعالى،
стр. 2752
فإنه إذا كان رداء الكبرياء مانعًا عن نظر أهل جنّة عدن، فكيف غيرهم؟، وصفة الكبرياء من لوازم ذاته تعالى، لا يمكن زوالها عنه، فيدوم المنع بدوامها، إلا أن يقال: هي مانعة عن دوام النظر، لا عن أصل النظر، على أن معنى قوله: "وبين أن ينظروا" أي: وبين أن يُديموا، فلولا هي لدام نظرهم، وذلك لأن المنع من مقتضيات المعاملة بهذه الصفة، وهي غير لازمة، وبهذا صارت صفة الكبرياء مانعةً عن دوام النظر، دون أصله، فليُتأمّل.
ويمكن أن يقال: المراد برداء الكبرياء هو المعاملة بمقتضاها، لا نفس صفة الكبرياء، كما هو مقتضى الإضافة؛ إذ الأصل التغاير، لا التباين، وهو المناسب بالتعبير بالرداء، بناءً على أن الرداء عادةً لا يلزم اللابس لزوم الإزار، وحينئذ، فرداء الكبرياء، وإن كان مانعًا من أصل النظر، لكنه غير لازم، فيمكن النظر، وعلى الوجهين فالحديث مسوقٌ لإفادة كمال قرب أهل جنّة عدن منه تعالى. انتهى (١).
وقال المازريّ: كان النبي ﷺ يخاطب العرب بما تَفْهَم، ويُخرِج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس؛ ليُقَرِّب تناولهم لها، فعبّر عن زوال الموانع ورفعه عن الأبصار بذلك.
وقال عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرًا، وهي أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، فمخاطبة النبي ﷺ لهم برداء الكبرياء على وجهه، ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره، أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له، وعَلِم أن الله مُنَزَّهٌ عن الذي يقتضيه ظاهرها، إما أن يُكَذِّب نقلَتها، وإما أن يؤوّلها، كأن يقول: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانعِ إدراكَ أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداءَ الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته، وموانع عظمته. انتهى ملخصًا.
стр. 2753
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى عياض هنا الاستعارة غير صحيحة، فالحقّ إثبات رداء الكبرياء على ما يليق بجلال الله كما أثبته هذا النصّ الصحيح المتّفق على صحّته، ولا يلزم منه التشبيه؛ لأنه إنما يلزم لو قلنا: رداء كرداء الخلق، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال الطيبي: قوله: "على وجهه" حال من "رداء الكبرياء".
وقال الكرماني: هذا الحديث من المتشابهات، فإما مُفَوَّضٌ، وإما مُتَأَوَّلٌ بأن المراد بالوجه الذات، والرداء صفة من صفات الذات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "متأول بأن المراد بالوجه الذات" هذا التأويل خطأ، والصواب إجراء النصّ على ظاهره على الوجه اللائق بالله ، فمن فعل ذلك فقد سلك جادّة أهل السنة والجماعة، ولا يستلزم ذلك النقص ولا التشبيه، وأيضًا فلو جاء التشبيه من إثبات الوجه، للزم في إثبات الذات التي أُوِّل إليها؛ إذ لا فرق بينهما، فالواجب إثبات الوجه على ما يليق بجلاله ، كثبوت الذات له من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، فهذا هو الباب المطّرد الواسع في باب الأسماء والصفات، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، ومستمسك العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السييل.
ثم استشكل الكرمانيّ ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة.
ثم أجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر؛ إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرؤية، فعَبَّر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد. انتهى.
وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية، فكأن في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله: "إلا رداء الكبرياء"، فإنه يَمُنّ عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأنّ المراد أن المؤمنين إذا تبوؤوا مقاعدهم من الجنة، لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال، لَمَا حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حَفّهم برأفته، وتفضّل عليهم بتقويتهم على النظر إليه .
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: ثم وجدت في حديث صهيب ﵁ -
стр. 2754
في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى ﵁ الحجاب المذكور في حديث صهيب ﵁ يعني: الحديث الآتي بعد هذا - وأنه يكشف لأهل الجنة إكرامًا لهم.
وقال القرطبي في "المفهم": الرداء استعارة كَنَى بها عن العظمة، كما في الحديث الآخر: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري"، وليس المراد الثياب المحسوسة، لكن المناسبة أن الرداء والإزار لمّا كانا متلازمين للمخاطب من العرب، عَبّر عن العظمة والكبرياء بهما. ومعنى حديث الباب: أن مُقْتَضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يُرِيهم وجهه كمالًا للنعمة، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابًا كان يمنعهم.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى القرطبيّ الاستعارة غير صحيحة، بل الحديث لا مجاز فيه، بل هو على حقيقته، على ما يليق بجلال الله ، وقد سبق تحقيق هذا غير مرّة، والله تعالى وليّ التوفيق.
ونقل الطبري عن علي ﵁ وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: هو النظر إلى وجه الله .
(فِي جَنَّةِ عَدْنٍ") راجع إلى القوم، قاله في "الفتح"، فهو متعلِّق بحال من ضمير "ينظرون"، قاله السنديّ، وقال عياض: معناه راجع إلى الناظرين، أي: وهم في جنة عدن، لا إلى الله، فإنه لا تحويه الأمكنة .
وقال القرطبي: يتعلق بمحذوف في موضع الحال من "القوم"، مثل: كائنين "في جنة عدن"، وقال الطيبي: قوله: "في جنة عدن" متعلّق بمعنى الاستقرار في الظرف، فيفيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة، وإليه أشار التوربشتي بقوله: يشير إلى أن المؤمن إذا تبوأ مقعده، والحجب مرتفعة، والموانع التي تحجب عن النظر إلى ربه مُضْمَحِلَّة إلا ما يصدّهم من الهيبة، كما قيل:
أَشْتَاقُهُ فَإِذَا بَدَا … أَطْرَقْتُ مِنْ إِجْلَالِهِ
стр. 2755
فإذا حَفّهم برأفته ورحمته، رفع ذلك عنهم تفضلًا منه عليهم (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٦/ ٤٥٥] (١٨٠)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٨٧٨ و ٤٨٨٠)، و"التوحيد" (٧٤٤٤)، و (الترمذيّ) في "صفة الجنّة" (٣٥٢٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤١٩)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٨٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٥٢٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٣/ ١٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤١١ و ٤١٦)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٥٤٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢٨٢)، و (ابن أبي عاصم) في "السنة" رقم (٦١٣)، و (الدولابيّ) في "الكنى" (٢/ ٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤١٢ و ٤١٣ و ٤١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٥٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٨٠ و ١٨١)، و (اللالكائي) في "شرح أصول الاعتقاد" (٨٣١)، و (البيهقيّ) في "الاعتقاد" (١٣٠)، وفي "الأسماء والصفات" (٣٠٢)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٤٣٧٩، ٤٣٨٠). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة.
٢ - (ومنها): إثبات الردّ على الجهميّة في إنكارهم صفات الله تعالى، من صفة رداء الكبرياء، وصفة الوجه على ما يليق بجلاله ، ورؤية المؤمنين في الآخرة.
٣ - (ومنها): إثبات وجود الجنة، وأنها مخلوقة الآن.
٤ - (ومنها): إثبات تفاوت الجنة فيما بين درجاتها؛ إذ بعضها من
стр. 2756
الذهب، وبعضها من الفضّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٦] (١٨١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبِيِّضْ وُجُوهَنَا؟، أَلمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الْقَوَاريريّ، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنة (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) - بضمّ الموحّدة، ونونين مخفّفين - هو: ثابت بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت بضع ١٢٠) وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (صُهَيْبٌ) بن سِنَان بن مالك، ويقال: خالد بن عبد عمرو بن عُقيل، ويقال: طُفيل بن عامر بن جَنْدَلة بن سعد بن خُزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النَّمِر بن قاسط، أبو يحيى، وقيل: أبو غَسّان
стр. 2757
النَّمَريُّ المعروف بالرُّوميّ، أصله من النَّمِر بن قاسط سَبَتْهُ الروم من نِينَوَى، وزعم عُمارة بن وَثِيمة أن اسمه عبد الملك، وقال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، فسَبَت الروم صُهيبًا، وهو غلام، فنشأ بينهم فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التيمي منهم، فأعتقه، ويقال: بل هَرَب صُهيب من الروم إلى مكة، فحالف عبد الله بن جُدعان، وأسلم قديمًا، وهاجر، فأدرك النبي ﷺ بقباء، وشَهِد بدرًا والمشاهد بعدها، وروى عن النبي ﷺ ، وعن عمر وعلي ﵃، وعنه بنوه: حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وابن عمر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأسلم مولى عمر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكعب الأحبار، وسعيد بن المسيب، وشعيب بن عمرو بن سليم، وابن ابنه زياد بن صيفي بن صهيب، وغيرهم.
قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، وقيل: بلغ (٧٣) سنة، وقال يعقوب بن سفيان: وهو ابن (٨٤) سنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص، وقال أبو زكريا الْمَوْصِليّ في "الطبقات": كان من المستضعفين بمكة، والمعذَّبين في الله، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وقال أنس: قال النبي ﷺ : "صهيب سبق الروم"، وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وإليه أوصى عمر أن يصلي بالنالس، حتى يجتمع أهل الشورى على رجل (١).
رَوَى له الجماعة، وله أحاديث، له عند البخاريّ حديث، وعند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٨١)، و (٢٩٩٩): "عَجَبًا لأمر المؤمن إن أمره كلّه خير … "، و (٣٠٠٥): "كان ملِكٌ فيمن كان قبلكم … "، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 2758
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وحماد بن سلمة أخرج له البخاريّ حديثًا وحدًا في "الرِّقاق".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرحمن، فمدنيّ، ثم كوفيّ، وصهيب ﵁ فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
٦ - (ومنها): أن صهيبًا هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت أن له فيه ثلاثة أحاديث فقط، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ صُهَيْبٍ) بن سِنَان الرُّوميّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةً) وفي رواية ابن ماجه: "إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ" (قَالَ) ﷺ (يَقُولُ الله ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟) وفي رواية ابن ماجه: "نَادَى مُنَادٍ، يَا أَهْلَ الْجَنَّة، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا، يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ" (فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ) من التبييض (وُجُوهَنَا؟) وفي رواية ابن ماجه: "فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّل اللهُ مَوَازِينَنَا؟ ".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ " هذا لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبّة والشوق، وإنما يَليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء، فلما حصل على الأمن من المخوف، والظفَر بالمرجوّ الذي كان تشوّق إليه قَنِعَ به، ولَهَا عن غيره، وأما من مات محبًّا لله، مشتاقًا لرؤيته، فلا يكون همّه إلا طلب النظر لوجهه الكريم لا غيرُ، ويدلّ على صحّة ما قلته أن المرْء يُحشر على ما يموت عليه، كما عُلم من الشريعة، بل أقول: إن من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا يُنبَّه بالسؤال، بل يُعطيه أمنيّته ذو الفضل والإفضال، ومذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب، وأجمع عليه سلف الأمة، ورواه بضعة
стр. 2759
عشر من الصحابة ﵃ عن النبيّ ﷺ ، ومنع ذلك فِرَقٌ من المبتدعة، منهم المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة؛ بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليّة، كاشتراط البنية المخصوصة والمقابلة، واتّصال الأشعّة، وزوال المانع من القرب المفرط، والْبُعد المفرط، والْحُجُب الحائلة، في خَبْط لهم وتحكّم، وأهلُ الحقّ لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا سوى وجود المرئيّ، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئيّ، لكن يقترن بالرؤية بحكم العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدّلها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لا يليق بمن مات … إلخ " فيه نظر لا يخفى؛ لأن نصّ الحديث مطلق، لم يفرّق بين طائفة، وطائفة، وأيضًا استدلاله على ذلك بأن من مات يُحشر … إلخ محلّ نظر أيضًا؛ لأن الكلام ليس في الحشر، وإنما هو بعد دخول الجنة، والاستقرار فيها، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(أَلَمْ تُدْخِلْنَا) بضمّ أوله، من الإدخال (الْجَنَّةَ؟، وَتُنَجِّنَا) بضمّ أوله، وتشديد الجيم، من التنجية، ويَحْتَمل أن يكون بتخفيف الجيم، من الإنجاء (مِنَ النَّارِ؟ قَالَ) ﷺ (فَيَكْشِفُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الكشف (الْحِجَابَ) أي يزيله، ويرفعه، والظاهر أنه رداء الكبرياء الذي تقدم في حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، وقال السنديّ: لا تعارض بين الأحاديث التي وردت في الرؤية مختلفةً في الكيفيّة؛ لكونها تكون مرارًا متعدّدةً. انتهى.
(فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا) وفي رواية ابن ماجه: "فَيَنْظُرُونَ إِلَيْه، فَوَاللهِ مَا أَعَطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا (أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ") زاد في رواية ابن ماجه: "وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ"، و"أَقَرّ" من قرّت عينه تَقِرّ - بفتح القاف، وكسرها، من بابي عَلِمَ، وتَعِبَ -.
قال في "القاموس": وقرّت عينه تَقِرُّ بالكسر والفتح قَرَّةً - بالفتح - وتُضمّ، وقُرُورًا: بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوّفةً إليه. انتهى (٢).
стр. 2760
وقال في "اللسان": واختلفوا في اشتقاق ذلك، فقال بعضهم: معناه بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دَمْعَةً باردةً، وللحزن دَمعةً حارّة، وقيل: من الْقَرَار، أي رأت ما كانت متشوّفةً إليه، فقرّت ونامت، وأقرّ الله عينه وبعينه، وقيل: أعطاه حتى تقرّ، فلا تطمح إلى من هو فوقه. وقيل: أَقرّ الله عينه مشتقّ من الْقَرُور، وهو الماء البارد، وقيل: أقرّ الله عينك، أي صادفت ما يُرضيك، فتقرّ عينك من النظر إلى غيره، وقيل: أقرّ الله عينه: أنام الله عينه، والمعنى: صادف سُرورًا، يُذهب سَهَره، فينام. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث صهيب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في الكلام على هذا الحديث: هذا الحديث هكذا رواه المصنّف، والترمذي في "جامعه"، وابن ماجه في "سننه"، وغيرهم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال أبو عيسى الترمذيّ، وأبو مسعود الدمشقيّ، وغيرهما: لم يروه هكذا مرفوعًا عن ثابت غير حماد بن سلمة، ورواه سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد، وحماد بن واقد، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى من قوله، ليس فيه ذكرُ النبيّ ﷺ ، ولا ذكرُ صهيب ﵁. قال النوويّ ﵀ في "شرح مسلم": وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بقادح في صحّة الحديث، فقد قدّمنا في الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحقّقون من المحدّثين، وصححه الخطيب البغداديّ أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متّصلًا، وبعضهم مرسلًا، أو بعضهم مرفوعًا، وبعضهم موقوفًا حُكم بالمتّصل وبالمرفوع؛ لأنهما زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير من كلّ الطوائف. انتهى (٢).
стр. 2761
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ من إطلاقه القول: بقبول زيادة الثقة مطلقًا، وكذا الحكم للموصول والمرفوع على الإطلاق، ليس هو المختارَ عند المحدّثين، بل المختار عندهم أن القبول يدور مع القرائن، فإن قامت قرينة لترجيح الوصل والرفع على ضدّهما حُكِم به، وإلا فلا، وكذا القول في زيادة الثقة، وقد استوفيت تحقيق هذا البحث في "شرح المقدمة"، فراجعه تستفد.
ثم إن ما قاله النووي من الترجيح هنا مقبول؛ لأن الذي وصله هو حماد بن سَلَمة، وهو مُقَدَّم في ثابت على غيره، فترجّح روايته.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذيّ" في ذكر طبقات أصحاب ثابت البنانيّ: الطبقة الأولى الثقات، كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حمادُ بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانئ: ما أحدٌ روى عن ثابت أثبتُ من حماد بن سلمة.
وقال ابن معين: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البنانيّ، وقال أيضًا: حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد.
وقال ابن المدينيّ: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم مِن بعده سليمان بن المغيرة، ثم من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح، يعني: أن أحاديث هؤلاء الثلاثة عن ثابت.
وقال أبو حاتم الرازيّ: حماد بن سلمة في ثابت وعليّ بن زيد أحبّ إليّ من همّام، وهو أحفظ الناس، وأعلم الناس بحديثهما، بَيّن خطأ الناس، يعني: أن من خالف حمادًا في حديث ثابت وعليّ بن زبد قُدِّم قول حماد عليه، وحُكم بالخطأ على مخالفه.
وحَكَى مسلم في "كتاب التمييز" إجماعَ أهل المعرفة على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وحَكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين، وأحمد، وغيرهم من أهل المعرفة.
وقال الدارقطنيّ: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت. انتهى ما ذكره
стр. 2762
ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
قلت: فتبيّن بهذا أن رواية حماد بن سلمة بالوصل والرفع هي الراجحة، ولذلك أودعها الإمام مسلم ﵀ في "صحيحه"، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٦/ ٤٥٦ و ٤٥٧] (١٨١)، و (الترمذيّ) في "صفة الجنّة" (٢٥٥٢)، و"التفسير" (٣١٠٥)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٨٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٣١٥)، و (أحمد) في "مسنده" ٤/ ٣٣٢ و ٦/ ١٥، و (هناد بن السريّ) في "الزهد" (١٧١)، و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٤٧٢)، و (عبد الله بن أحمد) في "السنّة" (٢٧١)، و (الطبريّ) في "التفسير" (١٧٦٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٥٣، ٤٥٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧٣١٤ و ٧٣١٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٤١)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ١٨٠ - ١٨١)، و (الآجريّ) في "التصديق بالنظر" (٣٤ و ٣٥ و ٣٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٨٢ و ٧٨٤ و ٧٨٦ و ٨٧٥)، و (اللالكائيّ) في "شرح أصول الاعتقاد" (٧٧٨ و ٨٣٣)، و (البيهقيّ) في "البعث والنشور" (٤٤٦)، و"الاعتقاد" (١٢٤)، وفي "الأسماء والصفات" (٣٠٧)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٤٣٩٣). والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وهي مجمع عليها عند أهل السنّة والجماعة، وإنما خالفت فيها الفرق الضالّة، كالجهميّة، والمعتزلة.
٢ - (ومنها): الردّ على الفرق الضالّة التي أنكرت الصفات، ورؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وخالفت نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة.
٣ - (ومنها): بيان المراد من ﴿الْحُسْنَى﴾ في قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وهو أولى التفاسير، وأصوبها للآية الكريمة؛ لأن أولى ما فُسّر به النصّ ما جاء في النصّ.
стр. 2763
٤ - (ومنها): إكرام الله عباده المؤمنين بندائهم لإنجاز موعده لهم.
٥ - (ومنها): أن النظر إلى وجهه الكريم أعظم ما يُعطاه العبد من نعيم الجنة، فكلّ نعيم الجنة دونه، اللهم اجعلنا ممن تُعطيه النظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥، وحمّاد ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (وَزَادَ) الضمير ليزيد بن هارون.
وقوله: (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) ظاهر هذه الرواية أنه قرأ الآية بعد ما تقدّم من الحديث، ويخالفه ما في "سنن ابن ماجه"، ولفظه: عن صُهيب، قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله مَوْعِدًا يريد أن يُنْجِزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يُثَقِّل الله موازيننا، ويُبَيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر، يعني: إليه، ولا أقرّ لأعينهم".
فظاهر هذا أنه بدأ بتلاوة الآية قبل الحديث.
стр. 2764
ويجاب: بأنه لا تعارض بينهما؛ لأن الواو في رواية ابن ماجه لا ترتّب، فتُحمل على رواية مسلم بـ "ثُمّ"، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية عبد الرحمن بن مهديّ أخرجها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٢٤٥)، فقال:
(٤٥٣) حدثنا أبو بكر، عبد الله بن يحيى الطَّلْحيّ، ثنا عبد الله بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، نودوا: يا أهل الجنة إنّ لكم عند الله مَوْعِدًا لم تروه، قالوا: ما هو؟ ألم يُبَيِّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويُدَحْرِجنا عن النار؟، قال: فيَكْشِف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم منه"، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
[تنبيه آخر]: (اعلم): أن تفسير هذه الآية الكريمة، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بهذا الحديث هو أصحّ ما جاء في تفسيرها، وقد فُسّرت بما هو أعمّ من ذلك.
قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره": يُخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادةً على ذلك أيضًا، ويَشْمَل ما يُعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قُرَّة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقُّونها بعملهم، بل بفضله ورحمته.
وقد رُوي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم
стр. 2765
من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، ثم أورد حديث صهيب ﵁ هذا من رواية الإمام أحمد، ثم قال: وهكذا رواه مسلم، وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا شَبِيب، عن أبان، عن أبي تَمِيمة الْهُجَيميّ: أنه سمع أبا موسى الأشعري ﵁ يُحَدِّث عن رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يَسمع أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن "، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهذَليّ، عن أبي تميمة الهجيمي به.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عُجرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "النظر إلى وجه الرحمن ".
وقال أيضًا: حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمر بن أبي سلمة، سمعت زُهيرًا، عمن سمع أبا العالية، حدثنا أُبي بن كعب أنه سأل رسول الله ﷺ ، عن قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله "، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث زهير به. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨٧) - (بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٨] (١٨٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت المشهور، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: غير ذلك، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٦.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ مات (٥٧ أو ٥٨ أو ٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبغداديين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، ورواية الابن عن أبيه: يعقوب، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) في التقييد بيوم القيامة إشارة إلى أن السؤال لم يقع عن الرؤية في الدنيا؛ لأنه لا يمكن، فقد أخرج المصنّف ﵀ من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "واعلموا أنكم لن تَرَوا ربكم حتى تموتوا"، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى قريبًا، فلا تكن من الغافلين.
وقد وقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن عند الترمذيّ أن هذا السؤال وقع على سبب، وذلك أنه ذَكَر الحشرَ، والقولَ: "لِتَتَّبعْ كلُّ أمة ما كانت تَعْبُد"، وقولَ المسلمين: "هذا مكانُنا حتى نَرَى ربنا"، قالوا: وهل نراه؟
стр. 2769
فذكره، وفي رواية جرير قال: "كنا عند رسول الله ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم ستُعْرَضون على ربكم، فترونه كما ترون هذا القمر … " الحديث مختصر، قال الحافظ ﵀: ويحتمل أن يكون الكلام وقع عند سؤالهم المذكور. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ ") بضم أوله، وبالضاد المعجمة، وتشديد الراء، بصيغة المفاعلة، من الضَّرَر، وأصله: تُضَارِرُون، بكسر الراء وبفتحها: أي لا تَضُرُّون أحدًا، ولا يَضُرُّكم بمنازعة، ولا مجادلة، ولا مضايقة.
وجاء "تُضَارُونَ" بتخفيف الراء، من الضَّيْر، وهو لغة في الضُّرّ: أي لا يخالف بعضٌ بعضًا، فيُكَذِّبه، وينازعه، فيضيره بذلك، يقال: ضاره يَضِيره.
وقيل: المعنى: لا تَضَايَقُون، أي لا تَزَاحمون، كما جاء في الرواية الأخرى: "لا تَضَامُّون" بتشديد الميم، مع فتح أوله.
وقيل: المعنى: لا يَحْجُب بعضكم بعضًا عن الرؤية، فيَضُرَّ به، وحَكَى الجوهريّ: ضَرَّنِي فلان: إذا دنا مني دنوًّا شديدًا، قال ابن الأثير: فالمراد المضارَّة بالازدحام.
وقال النوويّ: أوله مضموم مثقَّلًا ومخففًا، قال: ورُوِيَ "تَضَامُّون" بالتشديد مع فتح أوله، وهو بحذف إحدى التاءين، وهو من الضّمّ، وبالتخفيف مع ضم أوله من الضيم، والمراد: الْمَشَقَّة والتعَبُ، قال: وقال عياض: قال بعضهم في الذي بالراء، وبالميم بفتح أوله والتشديد، وأشار بذلك إلى أن الرواية بضم أوله مخففًا ومثقلًا، وكله صحيحٌ، ظاهر المعنى.
ووقع في رواية البخاريّ: "لا تضامون، أو تضاهون" بالشك، ومعنى الذي بالهاء: لا يَشْتَبِه عليكم، ولا تَرْتابون فيه، فيعارض بعضُكم بعضًا، ومعنى الضيم: الغلبة على الحقّ، والاستبداد به: أي لا يَظْلِم بعضُكم بعضًا، ووقع في رواية: "هل تُمَارون" بضم أوله، وتخفيف الراء: أي تجادلون في ذلك، أو يَدخُلكم فيه شكّ من الْمِرْية، وهو الشكّ، وجاء بفتح أوله، وفتح الراء، على
стр. 2770
حذف إحدى التاءين، وفي رواية للبيهقيّ: "تتمارون بإثباتهما" (١).
(قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ) أي لا نتضارّ في ذلك (قَالَ) ﷺ ("هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ ") جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونها غير محجوبة بسحاب (قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ الله، قَالَ) ﷺ ("فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) المراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح، وزوال الشك، ورفعِ المشقة والاختلاف.
وقال القرطبيّ ﵀: هذا تشبيه للرؤية، ولحالة الرائي، لا المرئيّ، ومعناه: أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارّة، ولا مزاحمة كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عيانًا (٢).
وقال البيهقيّ: سمعت الشيخ أبا الطيب الصُّعْلُوكيّ يقول: "تُضَامُّون" - بضم أوله، وتشديد الميم - يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جِهَة، ولا ينضم بعضكم إلى بعض، فإنه لا يُرَى في جهة، ومعناه بفتح أوله: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو بغير تشديد من الضيم، معناه: لا تُظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، فإنكم ترونه في جهاتكم كلِّها، وهو متعالٍ عن الجهة، قال: والتشبيه برؤية القمر لتعيين الرؤية دون تشبيه المرئي .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نفي الجهة في رؤية الله تعالى - كما قال بعض المحقّقين - هو قول الأشاعرة والماتريديّة، ونُفاة العلوّ عن الله تعالى، والحقّ أن الله يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون من فوقهم، وهو في علوّه الذي أثبته لنفسه، وأثبته له رسول الله ﷺ في نصوص كثيرة، والله تعالى أعلم.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: إنما خَصّ الشمس والقمر بالذكر، مع أن رؤية السماء بغير سحاب أكبر آية، وأعظم خَلْقًا من مجرد الشمس والقمر؛ لِمَا خُصَّا به من عظيم النور والضياء، بحيث صار التشبيه بهما فيمن يوصف بالجمال والكمال سائغًا شائعًا في الاستعمال.
وقال ابن الأثير: قد يَتَخَيَّل بعض الناس أن الكاف كاف التشبيه للمرئيّ،