وأثبتها هذا الإمام لغةً، فلا التفات إلى إنكار عليّ بن حمزة، وتبعه مغلطاي، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ) وفي رواية البخاريّ: "فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله"، قال في "الفتح": قد استُشكِل كون وجهه إلى جهة النار، والحال أنه ممن يَمُرّ على الصراط طالبًا إلى الجنة، فوجهه إلى الجنة، لكن وقع في حديث أبي أمامة: "أنه يَتَقَّلب على الصراط ظهرًا لبطن"، فكأنه في تلك الحالة انتهى إلى آخره، فصادف أن وجهه كان مِن قِبَل النار، ولم يَقْدِر على صرفه عنها باختياره، فسأل ربه في ذلك. انتهى.
(ثُمَّ يَقُولُ اللهُ ﵎: هَلْ عَسَيْتَ) بفتح السيِن المهملة، وكسرها، والفتح أولى، قرأ نافع قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الآية [محمد: ٢٢] بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَالْفَتْحَ وَالْكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ … نَحْوِ "عَسَيتُ" وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ
قال ابن السّكّيت: ولا يُنطق في "عسيت" بمستقبل. انتهى (١).
(إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ) أي صرفتُ وجهك عن النار، وقوله: (أَنْ تَسْأَل غَيْرَهُ؟) خبر "عسى"، والمعنى: هل يُتَوَقَّع منك سؤال ذلك، وهو استفهام تقرير؛ لأن ذلك عادة بني آدم، والترجي راجع إلى المخاطب، لا إلى الرب، وهو من باب إرخاء الْعِنَان إلى الْخَصْم؛ ليبعثه ذلك على التفكر في أمره، والإنصاف من نفسه، قاله في "الفتح" (٢).
(فَيَقُولُ: لَا أَسْألُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ) جمع ميثاق، بمعنى العهود، فهو تأكيد لما قبله (مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: "فيُصْرَف وجهُهُ عن النار" بضم أوله، على البناء للمجهول، ووقع في رواية أنس، عن ابن مسعود الآتي عند المصنّف، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد، والبزار نحوه أنه: "فتُرفع له شجرة، فيقول: رب أدنني من هذه الشجرة، فَلأَستَظِلَّ بظلها، وأشربَ من مائها، فيقول الله: لعلي
стр. 2802
إن أعطيتك تسألني غيرها؟ فيقول: لا يا ربّ، ويعاهده أن لا يسأل غيرها، وربه يَعْذِره؛ لأنه يَرَى ما لا صبر له عليه"، وفيه: أنه "يدنو منها، وأنه تُرفع له شجرة أخرى أحسن من الأولى عند باب الجنة، ويقول في الثالثة: ائذن لي في دخول الجنة"، وكذا وقع في حديث أنس عند البخاريّ في "التوحيد" من طريق حميد عنه رفعه: "آخرُ من يَخرُج من النار تُرفع له شجرة"، ونحوه للمصنّف من طريق النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، بلفظ: "إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنة، ومُثِّلت له شجرة".
ويُجْمَع بأنه سقط من حديث أبي هريرة ﵁ هنا ذكر الشجرات، كما سقط من حديث ابن مسعود ما ثَبَت هنا من طلب القرب من باب الجنة، قاله في "الفتح" (١).
(فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّة، وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْني) وفي لفظ البخاريّ: قَرِّبني (إِلَى بَابِ الْجَنَّة، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ) وفي لفظ للبخاريّ: "فيقول: أليس قد زعمتَ" (لَا تَسْألني غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ ويلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) تكرير لدعائه، أي رلت قدّمني إلى بابها، (ويدْعُو اللهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَل غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ ومَوَاثِيقَ) قال ابن أبي جمرة ﵀: إنما بادر للحلف من غير استخلاف؛ لما وقع له من قُوّة الفرح بقضاء حاجته، فوَطَّن نفسه على أن لا يطلب مزيدًا، وأَكَّدَه بالحلف. انتهى.
(فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّة، فَإذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّة، انْفَهَقَتْ) بفتح الفاء والهاء والقاف، ومعناه: انفتحت، واتّسعت، والمتفيهق: المتوسّع في كلامه، والمتكلّف فيه (٢). (لَهُ الْجَنّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ) - بالخاء المعجمة، والياء المثنّاة تحتُ - هذا هو الصحيح المعروف في الروايات والأصول، وحَكَى القاضي عياض ﵀ أن بعض الرواة في مسلم رواه:
стр. 2803
"الْحَبْر" - بفتح الحاء المهملة، وإسكان الباء الموحدة (١) - ومعناه: السرور، وإفراط التنعّم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٥] أي يُنعّمون، ويُسرّون، قال صاحب "المطالع" كلاهما صحيح، قال: والثاني أظهر، ورواه البخاريّ: "الْحَبْرَة والسرور"، والْحَبْرة: الْمَسَرَّة. انتهى (٢).
(فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ) وفي رواية البخاريّ: "فإذا رأى ما فيها سَكَتَ"، وفي رواية له: "فإذا بلغ بابَها، ورَأَى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة"، والمراد: أنه يَرَى ما فيها من خارجها، إما لأن جِدارها شَفّاف، فَيُرَى باطنها من ظاهرها، كما جاء في وصف الْغُرَف، وإما أن المراد بالرؤية العلم الذي يَحصُل له من سُطُوع رائحتها الطيبة، وأنوارها المضيئة، كما كان يحصل له أَذَى لَفْحِ النار، وهو خارجها، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ إذ قوله: "ورَأَى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة" ظاهر في كونه رأى وشاهد ما في داخلها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَل غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ) وفي رواية للبخاريّ: "ويحك" (يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا كُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) وكذا وقع عند البخاريّ في "كتاب الصلاة" بلفظ: "لا أكون أشقى خلقك"، وللقابسيّ: "لأكونَنّ"، قال ابن التين: المعنى: لئن أبقيتني على هذه الحالة، ولم تدخلني الجنة لأكوننّ، والألف في الرواية الأولى زائدة، وقال الكرمانيّ: معناه: لا أكون كافرًا.
قال الحافظ: هذا أقرب مما قال ابن التين، ولو استَحْضَر رواية: "لا تجعلني أشقى خلقك" ما احتاج إلى التكلف الذي أبداه، فإن قوله: "لا أكون"
стр. 2804
لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الطلب، يدل عليه قوله: "لا تجعلني".
ووجه كونه أشقى أن الذي يُشاهد ما يُشاهده، ولا يَصِل إليه يصير أشدّ حسرةً ممن لا يشاهد، ولفظ البخاريّ هنا: "يا رب لا تجعلني أشقى خلقك"، والمراد بالخلق هنا مَن دَخَلَ الجنة، فهو لفظ عامّ أُريد به خاص، ومراده أنه يصير إذا استمرّ خارجًا عن الجنة أشقاهم، وكونه أشقاهم ظاهر، لو استمر خارج الجنة، وهم من داخلها.
قال الطيبيّ ﵀: معناه: يا رب قد أعطيتُ العهد والميثاق، ولكن تفكرتُ في كرمك ورحمتك، فسألت. انتهى (١).
(فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ) قال النوويّ: قال العلماء: ضَحِك الله تعالى منه هو رضاه بفعل عبده، ومحبته إياه، وإظهار نعمته عليه، وإيجابها عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مراد النوويّ بقوله: العلماء علماء الأشاعرة المتأخّرون، لا علماء السلف، كما يعترف به هو في مواضع كثيرة من شرحه بأن هذا مذهب الخلف، وأما مذهب السلف فبعيد عن التأويل، فظهر بهذا أن تأويله هذا، وقد سبقه المازريّ والقاضي عياض، والقرطبيّ غير صحيح، والحقّ الذي عليه السلف أن صفة الضحك ثابتة لله تعالى حقيقةً على ما يليق بجلاله وعظمته، بلا تكييف، ولا تشبيه مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقين، وقد نقل نحو هذا البيهقيّ عن متقدّمي الأشاعرة أيضًا (٢).
وقال الإمام ابن خزيمة ﵀: "ذِكرُ إثبات ضحك ربنا بلا صفة تصف ضحكه جلّ ثناؤه، ولا يُشبّه ضحكه بضحك المخلوقين، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبيّ ﷺ ، ونسكت عن صفة ضحكه جلّ وعلا؛ إذ الله استأثر بصفة ضحكه، لم يُطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال به النبيّ ﷺ ، مصدّقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يُبيَّن لنا مما استأثر الله تعالى بعلمه. انتهى كلامه ﵀ (٣)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، فتمسّك به تكن من المفلحين، والله تعالى أعلم.
стр. 2805
(فَإذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا، قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ) الهاء للسكت جيء بها للوقف؛ لكون الفعل معتلّ الآخر، كما قال في "الخلاصة":
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كـ"أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كـ"ع" أَوْ … كـ"يَع" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا
(فَيَسْأَلُ رَبَّهُ، ويتَمنَّى، حَتَّىَ إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِن كَذَا وَكَذَا) أي يقول له: تَمَنَّ من الشيء الفلانيّ، ومن الشيء الآخر، يُسَمِّي له أجناس ما يَتَمَنَّى، وهذا من عظيم رحمته ، وفي حديث أبي سعيد ﵁: "ويُلَقِّنه الله ما لا علم له به" (حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأمَانِيُّ) وفي رواية أبي سعيد ﵁ عند أحمد: "فيسأل، ويتمنى مقدار ثلاثة أيام، من أيام الدنيا"، (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ) مبتدأ وخبره: أي ذلك الذي تمنّيته، كائن لك، وقوله: (وَمِثْلُهُ مَعَهُ") جملة في محلّ نصب على الحال.
(قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) وقائل "قال عطاء" هو ابن شهاب الزهريّ (وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) مبتدأ خبره قوله: (مَعَ أَبِي هُرَيرَةَ) أي جالس معه، والجملة في محلّ نصب مقول "قال عطاء" (لَا يرُدُّ عَلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ: "لا يُغيّر عليه شيئًا"، وهو بمعناه (مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا) يعني أن أبا سعيد الخدريّ لا يردّ على أبي هريرة ﵄ شيئًا مما حدّث به؛ لكونه حقًّا موافقًا لما سمعه من النبيّ ﷺ (حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) ردًّا على أبي هريرة حيث خالف ما سمعه من النبيّ ﷺ ، وإن كان أبو هريرة أيضًا سمع ذلك (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ، يَا أبا هُرَيْرَةَ) الجملة مقول "قال أبو سعيد" (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إلَّا قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) الأقرب في وجه الجمع بينهما أن يقال: إن النبيّ ﷺ أَعلمه الله أوّلًا بما في حديث أبي هريرة ﵁، ثم تَكَرَّم الله تعالى، فزاد ما في رواية أبي سعيد ﵁، فأخبر به النبيّ ﷺ ، ولم يسمعه أبو هريرة ﵁.
ووقع في حديث أنس عن ابن مسعود ﵁: "يُرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها"، ووقع في حديث حُذيفة عن أبي بكر: "انظر إلى مُلك أعظم
стр. 2806
مَلِك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله، فيقول: أتسخر بي، وأنت الملك؟ ".
ووقع عند أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد جميعًا في هذا الحديث: فقال أبو سعيد: ومثله معه، فقال أبو هريرة: وعشرة أمثاله، فقال أحدهما لصاحبه: حَدِّث بما سمعتَ، وأُحدّث بما سمعتُ، وهذا مقلوب، فإن الذي في "الصحيح" هو المعتمد.
وقد وقع عند البزار من الوجه الذي أخرجه منه أحمد على وفق ما في "الصحيح"، نعم وقع في حديث أبي سعيد الطويل عند البخاريّ في "التوحيد" من طريق أخرى عنه، بعد ذكر مَن يخرج من عُصاة الموحدين، فقال في آخره: "فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه"، فهذا موافق لحديث أبي هريرة في الاقتصار على المثل.
قال الحافظ: ويمكن أن يُجْمَع أن يكون عشرة الأمثال، إنما سمعه أبو سعيد في حقّ آخر أهل الجنة دخولًا، والمذكور هنا في حقّ جميع مَن يَخْرُج بالقبضة، وجمع عياض بين حديثي أبي سعيد وأبي هريرة باحتمال أن يكون أبو هريرة سَمِعَ أولًا قوله: "ومثله معه"، فحدّث به، ثم حدَّث النبيّ ﷺ بالزيادة، فسمعه أبو سعيد، وعلى هذا فيقال: سمعه أبو سعيد وأبو هريرة معًا، أوّلًا، ثم سمع أبو سعيد الزيادة بعدُ.
قال الجامع عفا الله عنه: الجمع الذي ذكره عياضٌ ﵀ هو الأقرب عندي، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم.
ثم ظاهر قوله: "لك ذلك وعشرة أمثاله" أن العشرة زائدة على الأصل، ووقع في رواية أنس عن ابن مسعود: "لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا"، وحُمِل على أنه تمنى أن يكون له مثل الدنيا، فيطابق حديث أبي سعيد، ووقع في رواية عن ابن مسعود: "لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها"، والله أعلم.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هو موصول بالسند المذكور، وليس معلّقًا (وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةِ)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2807
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٧/ ٤٥٨ و ٤٥٩ و ٤٦٠] (١٨٢)، و"الزهد والرقاق" (٢٩٦٨)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٥٧٣)، و"التوحيد" (٧٤٣٧)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠٨٥٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣٨٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦ و ٢٩٣ - ٢٩٤ و ٥٣٣ - ٥٣٤)، و (عبد الله بن أحمد) في "السنّة" (٢٤١ و ٢٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤١٩، ٤٢٠، ٤٢١ و ٤٢٢ و ٤٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٥٥ و ٤٥٦ و ٤٥٧)، و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (٤٥٥ و ٤٧٦)، و (الآجرّيّ) في "التصديق" (٢٨)، و (اللالكائيّ) في "شرح أصول الاعتقاد" (٨١٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٠٥ و ٨٠٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٤٦)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٤٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معرفة طريق الرؤية.
٢ - (ومنها): ما قال النووي ﵀: مذهب أهل السنة: أن رؤية المؤمنين ربهم ممكنة، ونفتها المبتدعة من المعتزلة، والخوارج، وهو جهلٌ منهم، فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وسلف الأمة على إثباتها في الآخرة للمؤمنين، وأجاب الأئمة عن اعتراضات المبتدعة بأجوبة مشهورة، ولا يشترط في الرؤية تقابل الأشعة، ولا مقابلة المرئيّ، وإن جَرَت العادة بذلك فيما بين المخلوقين. انتهى (١).
قال الطيبيّ ﵀: وقول من أثبت الرؤية، وَوَكَل علم حقيقتها إلى الله فهو الحقّ، وكذا قول من فسّر الإتيان بالتجلي هو الحق؛ لأن ذلك قد تقدمه قوله: "هل تضارّون في رؤية الشمس والقمر؟ " وزيد في تقرير ذلك وتأكيده، وكلّ ذلك يدفع المجاز عنه، والله أعلم. انتهى.
стр. 2808
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الطيبيّ ﵀ من عدم المجاز هنا هو الحقّ، لكن تفسيره الإتيان بالتجلّي، غير صحيح، بل الصواب أن الإتيان والمجيء من الصفات الفعليّة لله على الحقيقة على وجه يليق بجلاله، كما هو مذهب السلف، وقد أسلفت تحقيقه قريبًا، فلا تكن من الغافلين.
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: وقد تأوّلت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤية الله تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورةً، وهذا خطا لفظًا ومعنًى.
أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى: العلم تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي هنا تعدّت إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصحّ أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيتُ بمعنى: عرفتُ، لكن بمعنى: علمت، أو أبصرت، واستعملت "علمت" بمعنى: عرفت، لا "رأيت" بمعنى: عرفت.
وأما المعنى: فمن وجهين:
[أحدهما]: أنه ﷺ شَبَّهَ رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصحّ إلا بالمعاينة.
[وثانيهما]: أن الكفّار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خصوصيّة المؤمنين بالكرامة، وبلذّة النظر، وذلك التأويل منهم تحريفٌ، حَمَلهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
٤ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: في الابتداء بذكر القمر قبل الشمس متابعة للخليل ﵇ فكما أُمر ﷺ باتباعه في الملة اتبعه في الدليل، فاستَدَلّ به الخليل؛ على إئبات الوحدانية، واستدَلّ به الحبيب ﷺ على إثبات الرؤية، فاستدَلّ كلّ منهما بمقتضى حاله؛ لأن الخلة تصح بمجرد الوجود، والمحبة لا تقع غالبًا إلا بالرؤية.
٥ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: إنه يستفاد منه أنه ﷺ كان عارفًا بجميع أمور الدنيا بتعليم الله تعالى له، وإن لم يباشِرْ ذلك.
стр. 2809
٦ - (ومنها): ما قاله الكلاباذيّ ﵀: إن إمساك الرجل أوّلًا عن السؤال حياءٌ من ربه ، والله يُحِبّ أن يسأل؛ لأنه يحبّ عبده المؤمن، فيباسطه بقوله أوّلًا: "لعلك إن أُعطيت هذا تسأل غيره؟ "، وهذه حالة المقَصِّر، فكيف حال المطيع، وليس نقضُ هذا العبد عهدَهُ، وتركُه ما أقسم عليه جهلًا منه، ولا قِلَّة مبالاة، بل علمًا منه بأن نقض هذا العهد أولى من الوفاء به؛ لأن سؤاله ربه أولى من ترك السؤال مراعاةً للقسم، وقد قال ﷺ : "مَن حَلَفَ على يمين، فرأى خيرًا منها، فليُكَفِّر عن يمينه، وليأت الذي هو خيرٌ"، فعَمَلُ هذا العبد على وفق هذا الخبر، والتكفيرُ قد ارتفع عنه في الآخرة.
٧ - (ومنها): بيان جواز مخاطبة الشخص بما لا تُدْرَك حقيقته، وجواز التعبير عن ذلك بما يفهمه، حيث إنه ﷺ أخبرهم برؤية ربهم، ثم ضرب لهم مثلًا بما يعرفون من رؤية الشمس والقمر.
٨ - (ومنها): بيان أن الأمور التي في الآخرة، لا تُشَبَّه بما في الدنيا إلا في الأسماء والأصل، مع المبالغة في تفاوت الصفة.
٩ - (ومنها): جواز الاستدلال على العلم الضروريّ بالنظريّ.
١٠ - (ومنها): أن الكلام إذا كان محتملًا لأمرين يأتي المتكلم بشيء يتخصص به مراده عند السامع.
١١ - (ومنها): أن التكليف لا ينقطع إلا بالاستقرار في الجنة أو النار، وأن امتثال الأمر في الموقف يقع بالاضطرار.
١٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ الإيمان؛ لأنه لَمّا تلبس به المنافق ظاهرًا بقيت عليه حرمته إلى أن وقع التمييز بإطفاء النور، وغير ذلك.
١٣ - (ومنها): بيان أن الصراط مع دِقّته وحِدّته يَسَعُ جميع المخلوقين منذ آدم؛ إلى قيام الساعة.
١٤ - (ومنها): فيه أن النار مع عِظَمِها وشِدّتها لا تتجاوز الحد الذي أُمِرت بإحراقه، والآدميّ مع حَقَارة جِرْمه يُقْدِم على المخالفة، ففيه معنى شديد من التوبيخ، وهو كقوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ففيه إشارةٌ إلى توبيخ الطُّغَاة والْعُصَاة.
стр. 2810
١٥ - (ومنها): بيان فضل الدعاء، وقوَّة الرجاء في إجابة الدعوة، ولو لم يكن الداعي أهلًا لذلك في ظاهر الحكم، لكن فضل الكريم واسع.
١٦ - (ومنها): أن في قوله في المرّة الثانية: "ما أغدرك! " إشارة إلى أن الشخص لا يوصف بالفعل الذميم، إلا بعد أن يتكرر ذلك منه.
١٧ - (ومنها): أن فيه إطلاقَ اليوم على جزء منه؛ لأن يوم القيامة في الأصل يوم واحد، وقد أطلق اسم اليوم على كثير من أجزائه.
١٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ سؤال الشفاعة، حيث إنه ثبت في بعض رواياته سؤال أهل الموقف من الأنبياء أن يشفعوا لهم، خلافًا لمن منع محتجًّا بأنها لا تكون إلا لمذنب، قال القاضي عياض ﵀: وفات هذا القائل أنها قد تقع في دخول الجنة بغير حساب، وغير ذلك، مع أن كل عاقل معترف بالتقصير، فيحتاج إلى طلب العفو عن تقصيره، وكذا كلُّ عامل يخشى أن لا يُقْبَل عمله، فيحتاج إلى الشفاعة في قبوله، قال: ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة ولا بالرحمة، وهو خلاف ما دَرَجَ عليه السلف في أدعيتهم.
١٩ - (ومنها): ما قيل: إن فيه جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأن المنافقين يؤمرون بالسجود، وقد مُنِعُوا منه، كذا قيل، قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لأن الأمر حينئذ للتعجيز والتبكيت.
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة التكليف بما لا يُطاق كثر فيها النزاع، وقد ذكرت تفاصيله، وبيان الراجح منه بدليله في كتابي "التحفة المرضيّة"، وشرحها "المنحة الرضيّة"، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٢٠ - (ومنها): واستَدَلّ به بعض السالمية ونحوهم على أن المنافقين، وبعض أهل الكتاب يرون الله تعالى مع المؤمنين، وهو غلط؛ لأن في سياق حديث أبي سعيد ﵁: أن المؤمنين يرونه بعد رفع رؤوسهم من السجود، وحينئذ يقولون: أنت ربنا، ولا يقع ذلك للمنافقين، ومن ذُكِر معهم، وأما الرؤية التي اشتَرَكَ فيها الجميع قبلُ، فقد تقدم أنه صورة الملك وغيره.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم تفنيد القول: بأن الصورة صورة الملك، فتنبّه.
стр. 2811
قال الحافظ ﵀: ولا مدخل أيضًا لبعض أهل الكتاب في ذلك؛ لأن في بقية الحديث أنهم يَخرُجون من المؤمنين ومن معهم، ممن يظهر الإيمان، ويقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ وأنهم يتساقطون في النار، وكلُّ ذلك قبل الأمر بالسجود. انتهى.
٢١ - (ومنها): بيان أن جماعةً من مذنبي هذه الأمة يُعَذّبون بالنار، ثم يُخْرَجون بالشفاعة والرحمة، خلافًا لمن نَفَى ذلك عن هذه الأمة، وتأوّل ما ورد بضروب مُتَكَلَّفة، والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك.
٢٢ - (ومنها): أن تعذيب الموحدين بخلاف تعذيب الكفار؛ لاختلاف مراتبهم، مِن أخذ النار بعضهم إلى ساقه.
٢٣ - (ومنها): بيان أن النار لا تأكل أثر السجود، وأنهم يموتون كما ثبت في حديث أبي سعيد ﵁، فيكون عذابهم إحراقهم، وحبسهم عن دخول الجنة سريعًا كالمسجونين، بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلًا؛ ليذوقوا العذاب، ولا يَحْيَوْن حياةً يستريحون بها، على أن بعض أهل العلم أَوّل ما وقع في حديث أبي سعيد من قوله: "يموتون فيها إماتةً" بأنه ليس المراد أن يحصل لهم الموت حقيقةً، وإنما هو كناية عن غيبة إحساسهم، وذلك للرفق بهم، أو كَنَى عن النوم بالموت، وقد سَمَّى الله النوم وفاةً، ووقع في حديث أبي هريرة ﵁: أنهم إذا دخلوا النار ماتوا، فإذا أراد الله إخراجهم، أَمَسَّهُم أَلَمَ العذاب تلك الساعة.
٢٤ - (ومنها): بيان ما طُبعَ عليه الآدميّ من قوّة الطَّمَع، وجَوْدة الحيلة في تحصيل المطلوب، فطَلَبَ أَوّلًا أن يُبْعَد من النار؛ ليحصل له نسبة لطيفة بأهل الجنة، ثم طَلَب الدنوّ منهم، وقد وقع في بعض طرقه طلب الدنوّ من شجرة بعد شجرة إلى أن طَلَب الدخول.
٢٥ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن صفات الآدميّ التي شُرِّف بها على الحيوان تعود له كلُّها بعد بعثته، كالفكر، والعقل، وغيرهما. انتهى مُلَخَّصًا من كلام أبي محمد بن أبي جمرة ﵀، نقله الحافظ ﵀ في "الفتح" مع زيادات في غضون كلامه، ونقله بتصرّف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2812
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٥٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْدِيّ الحافظ، صاحب "السنن"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنة (م دت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الْحَكَم بن نافع الْبَهْرَانيّ الحمصيّ مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٣ - (شُعَيْبٌ) بن أبي حَمْزة، واسمه دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت بعد ٩٠) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) فاعل "ساق" ضمير شعيب، يعني أن شعيب بن أبي حمزة روى هذا الحديث متابعًا لإبراهيم بن سعد عن الزهريّ بمثل معنى ما رواه.
[تنبيه]: رواية شعيب هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية إبراهيم بن سعد، ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٦٥٧٤) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني سعيد وعطاء بن يزيد، أن أبا هريرة أخبرهما، عن النبيّ ﷺ (ح) وحدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي هريرة، قال: قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال:
стр. 2813
"هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ "، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يَجْمَع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويُضْرَب جِسْرُ جهنم"، قال رسول الله ﷺ : "فأكون أوّلَ مَن يُجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، وبه كلاليب مثل شَوْك السَّعْدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يَعْلَم قدر عظمها إلا الله، فتَخْطِف الناسَ بأعمالهم، منهم الموبَقُ بعمله، ومنهم الْمُخَرْدَل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخْرِج من النار من أراد أن يُخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يُخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحَرَّم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم، قد امْتَحَشوا، فَيُصَبُّ عليهم ماءٌ، يقال له: ماءُ الحياة، فينبتون نباتَ الْحِبَّة في حَمِيل السيل، ويبقى رجل منهم مُقْبِلٌ بوجهه على النار، فيقول: يا رب قد قَشَبَني ريحها، وأحرقني ذَكَاؤها، فاصوف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيَصْرِف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قَرِّبني إلى باب الجنة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك! فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غيره، فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيُقَرِّبه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها، سَكَتَ ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب أدخلني الجنة، ثم يقول: أوَ ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يَضْحَك، فإذا ضَحِكَ منه، أَذِنَ له بالدخول فيها، فإذا دَخَل
стр. 2814
فيها، قيل له: تَمَنَّ من كذا، فيتمنى، ثم يقال له: تَمَنَ من كذا، فيتمنى حتى تنقطع به الأمانيّ، فيقول له: هذا لك، ومثله معه"، قال أبو هريرة: "وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا"، قال عطاء: وأبو سعيد الخدريّ جالس مع أبي هريرة، لا يُغَيِّر عليه شيئًا من حديثه، حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا لك، وعشرة أمثاله"، قال أبو هريرة: حفظت: "مثله معه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٦٠] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّة، أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، وَيَتَمَنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عتبة، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الأصحّ (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
стр. 2815
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبو هريرة ﵁ يمنيّ دَوْسِيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "هذا ما حدّثنا أبو هريرة … إلخ"، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في "المقدّمة"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ) بفتح الهاء، وتشديد الميم (بْنِ مُنبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى الحديث الآتي، فـ "هذا" مبتدأ خبره قوله: (مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ) أي همّام (أَحَادِيثَ) هي الأحاديث المشهورة بـ "صحيفة همّام بن منبّه"، وهي (١٣٨) حديثًا، بسند واحد: عبد الرزّاق، عن معمر، عن همّام بن منبّه، عن أبي هريرة ﵁، وقد أخرج الشيخان منها أحاديث كثيرة بالاشتراك والانفراد، وهذا الحديث هو (٥٥) منها.
(مِنْهَا) أي من تلك الأحاديث، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) إذ هو مبتدأ محكيّ لقصد لفظه ("إِنَّ أَدْنَى) اسم "إنّ" (مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ) أي منزلته، فالمراد بالمقعد المنزلة، وقوله: (مِنَ الْجَنَّةِ) أي في الجنّة، فـ "من" بمعنى "في" متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه كائنًا في الجنة، وقوله: (أَنْ يَقُولَ لَهُ) في تأويل المصدر خبر "إنّ".
والمعنى - كما قال الطيبيّ ﵀ (١) -: إن أدنى منزلة أحدكم في الجنّة أن ينال أمانيّه كلّها، بحيث لا تبقى له أُمنيّةٌ، ونحوه قول الشاعر [من البسيط]:
لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئًا أُؤَمِّلُهُ … تَرَكْتَنِي أَصْحَبُ الدُّنيَا بِلَا أَمَلِ
стр. 2816
أي قول الله تعالى في حقّه (تَمَنَّ) حُذف مفعوله؛ ليفيد التعميم، أي كلّ ما تشتهيه (فَيَتَمَنَّى) أي ما يحضره (وَيَتَمَنَّى) أي ما يُذكّره ربّه - عزَّوجل -، فقد سبق في حديث أبي هريرة الماضي قوله: "حتى إن الله ليذكّره من كذا وكذا" (فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟) أي انتهت أمانيّك (فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ") قد سبق أن أبا سعيد الخدريّ ﵁ قد حفظ زيادة على أبي هريرة ﵁: "ذلك له، وعشرة أمثاله"، وهي زيادة مقبولة.
وسيأتي أيضًا حديث أبي سعيد الخدريّ ﵀ قريبًا بلفظ: "إن أدنى أهل الجنة منزلةً رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة … " الحديث، وزاد فيه: "ويُذَكِّره الله: سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرة أمثاله"، قال: "ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه، من الحور العين، فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، قال: فيقول: ما أُعطي أحدٌ مثل ما أعطيت".
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند حسن (١٠٥١١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة إن له لسبعَ درجات، وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلاثَمائة خادم، ويُغْدَى عليه، ويراح كلَّ يوم ثلاثمائة صَحْفة، ولا أعلمه إلا قال: من ذهب، في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذّ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا رب لو أَذِنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم، لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة، سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهنّ ليأخذ مقعدها قدرَ ميل من الأرض".
وفيه شهر بن حَوْشَب، وهو حسن الحديث.
وسيأتي للمصنّف ﵀ قريبًا (١) حديثُ المغيرة بن شعبة ﵀ وفيه بيان أدنى أهل الجنّة منزلةً، وأعلاهم، ولفظه: قال: سأل موسى ربّه: ما أدنى أهل الجنة منزلةً؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب كيف، وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا
стр. 2817
أَخَذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولَذّت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلةً؟ قال: أولئك الذين أردتُّ غَرَسْتُ كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تَرَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌ، ولم يَخْطُر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٧/ ٤٦٠]، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٥)، (وأبو عوانة) في "مسنده" (٤٣٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٥٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٦١] (١٨٣) - (وَحَدَّثَني سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَني حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "نَعَمْ، قَالَ (١): هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ الشَّمْس بِالظَّهِيرَةِ صحْوًا، لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟، وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا، لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ (٢) "،
بِالْبَادِيَةِ؟، قَالَ: فَيَخْرُجُونَ (١) كَاللُّؤْلُؤ، فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ (٢)، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّة، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أفضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سَهْل، أبو محمد الْهَرَويّ، ثم الْحَدَثَانيّ، ويقال: الأنباريّ صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قُدماء [١٠]، (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
[تنبيه]: تقديم المصنّف ﵀ روايته عن سُويد بن سعيد هذه على روايته عن عيسى بن حماد، مع أن سويدًا متكلّم فيه يردّ قول من يزعم أن مسلمًا يقدّم دائمًا الأحاديث التي ليس في أسانيدها طعن، فإن عيسى بن حماد الذي روى عنه المصنّف بعد هذا متابعةً أوثق منه، مجمع على توثيقه، وروايته أخرجها البخاريّ في "الصحيح"، عن يحيى بن بكير، عن الليث، وهذا يقع كثيرًا من المصنّف ﵀، والظاهر أنه يقدّم ما يراه أنسب، إما في سياق المتن، أو غير ذلك، ولا يلتزم الترتيب في الأسانيد، وسأنبّه على مثل هذا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨].
رَوَى عن زيد بن أسلم، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن أبي سَلِمَة التِّنّيسيُّ، وابن وهب، والهيثم بن خارجة،
стр. 2821
وآدم بن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وغيرهم، ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه.
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ليس به بأس، قلت: إنهم يقولون: عَرَضَ على زيد بن أسلم، فقال: ثقة. وقال ابن معين: ثقة إنما يُطعَن عليه أنه عرض. وقال أيضًا: قد رَوَى الثوري عن أبي عمر الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة. وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال في موضع آخر: يُكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. وقال الآجري عن أبي داود: يُضَعّف في السماع. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الساجيّ: في حديثه ضعْفٌ. وقال الأزديّ: رَوَى عن العلاء مناكير، يتكلمون فيه، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: لا يُلتَفت إلى قول الأزديّ.
قال أحمد، وابن يونس، وغيرهما: توفي سنة (١٨١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
[تنبيه]: اختُلف في نسبة حفص بن ميسرة هذا: هل هو إلى صنعاء الشام، أم إلى صنعاء اليمن؟ فقال الأكثرون: إنه من صنعاء الشام، وممن قال بهذا: أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ، والفلاس، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم، وقال أبو حاتم: إنه من صنعاء اليمن، وعليه يدلّ صنيع ابن أبي داود، قال أبو القاسم: وهو أشبه (١). والله تعالى أعلم.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقة فقيه، يُرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ الصحابيّ ابن
стр. 2822
الصحابيّ ﵄ مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو وابن ماجه، وحفص، فما أخرج له الترمذيّ، وأخرج له أبو داود في "المراسيل".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحدَثَانيّ، وحفص، فعسقلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد، عن عطاء.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵁، روى (١١٧) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ (أَن نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُول اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ) أي ترونه (قَالَ) ﷺ موضّحًا لهم كيف يرونه (هَلْ تُضَارُّونَ) تقدّم أنه بتشديد الراء مفاعلة من الضرّ، أو بتخفيفها، من الضير، وهو بمعناه (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ) أي وقت انتصاف النهار، قال الفيّوميّ ﵀: "الظهيرة": الهاجرة، وذلك حين تزول الشمس. انتهى (١). (صَحْوًا) أي حين لا سحاب، قال المجد: "الصحو": ذهاب الغيم والسُّكْر. انتهى (٢)، وقال الفيّوميّ: أصحت السماء بالألف، فهي مصحية: انكشف غيمها، وأنكر الكسائيّ استعمال اسم الفاعل من الرباعيّ، فقال: لا يقال: أصحت، فهي مصحيةٌ، وإنما يقال: أصحت، فهي صَحْوٌ، وأصحى اليومُ، فهو مصح، وأصحينا: صِرْنا في صَحْوٍ، قال السجستانيّ: والعامّة تظنّ أن الصَّحْو لا يكون إلا ذهاب الغيم، وليس كذلك،
стр. 2823
وإنما الصحو تفرّق الغيم مع ذهاب البرد. انتهى (١)، فقوله: (لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟) تأكيد للصحو (وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا، لَيْسَ فِيهَا) أي في السماء بقرينة المقام، وإن لم يَجر لها ذكرٌ، قاله في "المرقاة"، وفي نسخة: "ليس فيه" بضمير المذكّر، وهو واضح، أي في القمر (سَحَابٌ؟ "، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "مَا) نافية (تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَة، إِلَّا كلمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ أَحَدِهِمَا) معناه: لا تُضَارُّون أصلًا كما لا تضارون في رؤيتهما أصلًا (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: كان الظاهر أن يقال: لا تضارّون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أُخرج مخرج قوله (٣) [من الطويل]:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
أي لا تشكّون إلا كما تشكّون في رؤية القمرين، وليس في رؤيتهما شكّ، ولا تشكّون فيه البتّة. انتهى (٤).
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) "كان"، هنا تامّة بمعنى جاء ووقع، و"يومُ" مرفوع على الفاعليّة، ويحتمل أن تكون ناقصةً، و"يوم" منصوب على أنه خبرها، واسمها محذوف، أي إذا كان الزمن يومَ القيامة (أَذَنَ مُؤَذِّنٌ) أي نادى منادٍ (لِيَتَّبعْ) بفتح حرف المضارعة، وتشديد التاء، وكسر الموحّدة، مضارع اتّبع، من باب الافتعال، ويحتمل أن يكون بسكون التاء، وفتح الموحّدة مضارع تَبعَ ثلاثيًّا (كلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ، مِنَ الْأَصْنَامِ) بفتح الهمزة جمع صَنَم بفتحتين: هو الوثَنَ المتّخذ من الحجارة، أو الخشب، ويقال: الصنم: المتّخذ من الجواهر المعدنيّة التي تذوب، والوَثَن: هو المتّخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن فارس: الصنم: ما يُتّخذ من خشب أو نُحاس، أو فضّة، والجمع أصنام (٥). (وَالْأنصَابِ) بفتح الهمزة أيضًا: جمع
стр. 2824
نُصُب بضمّتين: حجرٌ نُصِبَ، وعُبد من دون الله، وقيل: النُّصبُ جمع واحدها نِصَابٌ، قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها، فإن الأصنام مصوَّرةٌ منقوشةٌ، والأنصاب بخلافها (١). (إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ) أي يقعون فيها (حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ) بفتح أوله وثالثه، وسكون الموحّدة: مضارع بَقِيَ (إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ) بفتح الموحّدة، وتشديد الراء، يقال: بَرّ الرجل يَبَرّ بِرًّا، وزانُ عَلِمَ يَعْلَمُ علْمًا، فهو بَرّ بالفتح، وبارّ: أي صادق، أو تقيّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول: أبرار، وجمع الثاني: بَرَرَةُ، مثلُ كافر وكفرة (٢). (وَفَاجِرٍ) أي فاسق، وهو خلاف البرّ (وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ) - بضم الغين المعجمة، وفتح الباء الموحدة المشددة -: جمع غابر، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
ومعناه: بقاياهم (فَيُدْعَى الْيَهُودُ) بالبناء للمفعول، وقدم اليهود بسبب تقدم ملتهم على ملة النصارى (فَيُقَالُ لَهُمْ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسمية قائل ذلك لهم، والظاهر أنه الملك الموكل بذلك (مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟) "ما" استفهاميّة، أي: أيّ شيء كنتم تعبدون في الدنيا؟ (قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ) قال في "الفتح": هذا فيه إشكال؛ لأن المتصف بذلك بعض اليهود، وأكثرهم ينكرون ذلك، ويمكن أن يجاب بأن خصوص هذا الخطاب لمن كان مُتَّصِفًا بذلك، ومَن عداهم يكون جوابهم ذِكْرُ مَن كفروا به، كما وقع في النصارى، فإن منهم من أجاب بالمسيح ابن الله مع أن فيهم من كان بزعمه يعبد الله وحده، وهم الاتحادية الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم (فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ) قال الكرمانيّ ﵀: التصديق والتكذيب لا يرجعان إلى الحكم الذي أشار إليه، فإذا قيل: جاء زيد بن عمرو بكذا، فمن كَذَّبه أنكر مجيئه بذلك الشيء، لا أنه ابن عمرو، وهنا لم ينكر عليهم أنهم عَبَدُوا، وإنما أنكر عليهم أن المسيح ابن الله.
قال: والجواب عن هذا أن فيه نفي اللازم، وهو كونه ابن الله؛ ليلزم نفي الملزوم وهو عبادة ابن الله.
стр. 2825
قال: ويجوز أن يكون الأول بحسب الظاهر، وتحصل قرينة بحسب المقام، تقتضي الرجوع إليهما جميعًا، أو إلى المشار إليه فقط.
وقال ابن بطال ﵀: في هذا الحديث: أن المنافقين يتأخرون مع المؤمنين، رجاءَ أن ينفعهم ذلك، بناء على ما كانوا يظهرونه في الدنيا، فظنوا أن ذلك يستمرّ لهم، فميّز الله تعالى المؤمنين بالغرّة والتحجيل؛ إذ لا غُرّة للمنافق، ولا تحجيل.
قال الحافظ ﵀: قد ثبت أن الغرّة والتحجيل خاصّ بالأمة المحمدية، فالتحقيق أنهم في هذا المقام يتميزون بعدم السجود، وبإطفاء نورهم بعد أن حَصَلَ لهم، وَيحْتَمِل أن يحصل لهم الغرة والتحجيل، ثم يسلبان عند إطفاء النور.
وقال القرطبيّ ﵀: ظَنّ المنافقون أن تستُّرهم بالمؤمنين ينفعهم في الآخرة، كما كان ينفعهم في الدنيا؛ جهلًا منهم.
وَيَحْتَمِل أن يكونوا حُشِروا معهم؛ لما كانوا يُظهِرونه من الإسلام، فاستمرّ ذلك حتى ميّزهم الله تعالى منهم.
قال: ويَحْتَمِل أنهم لَمّا سَمِعوا: "لِتَتَّبعْ كلُّ أمة مَن كانت تعبد"، والمنافق لم يكن يعبد شيئًا بَقِي حائرًا حتى مُيِّز. انتهى (١).
قال الحافظ ﵀: هذا ضعيفٌ؛ لأنه يقتضي تخصيص ذلك بمنافق كان لا يعبد شيئًا، وأكثر المنافقين كانوا يعبدون غير الله من وثن وغيره. انتهى (٢).
(مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ) هو معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
(فَمَاذَا تَبْغُونَ؟) أي أيّ شيء تطلبون؟ (قَالُوا: عَطِشْنَا) بكسر الطاء، من باب تَعِبَ (يَا رَبَّنا فَاسْقِنَا) يحتمل أن تكون الهمزة للوصل، مِن سقى ثلاثيًّا، من قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويحتمل أن تكون للقطع مِن أسقى رباعيًّا، من قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ الآية [الجن: ١٦].
стр. 2826
(فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، ألا) هي هنا أداة تحضيض، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: ١٣]، والتحضيض: هو طلب الشيء بحثّ وإزعاج، وأما الْعَرض، فهو طلبه بلين ورفق (١). (تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ) بالبناء للمفعول (إِلَى النَّار، كَأنَّهَا سَرَابٌ) - بفتح السين المهملة، وتخفيف الراء -: قال المجد: هو ما تراه نصف النهار، كأنه ماء. انتهى (٢).
وقال النوويّ: "السَّرَابُ": هو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر، والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد، لامعًا مثل الماء، يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فالكفار يأتون جهنم - أعاذنا الله الكريم، وسائر المسلمين منها، ومن كل مكروه - وهم عِطاشٌ، فيحسبونها ماءً، فيتساقطون فيها. انتهى (٣).
وقال ابن منظور: السّرَابُ: الآلُ، وقيل: السرَابُ: الذي يكون نصف النهار لاطئًا بالأرض، لاصقًا بها، كأنه ماءٌ جارٍ، والآلُ: الذي يكون بالضحى، يَرفع الشُّخُوصَ، وَيزهاها كالملا بين السماء والأرض، وقال ابن السّكّيت: السرابُ: الذي يجري على وجه الأرض كأنه الماء، وهو يكون نصف النهار، وقال الأصمعيّ: الآل والسراب واحدٌ، وخالفه غيره، فقال: الآل من الضحى إلى زوال الشمس، والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر، واحتجّوا بأن الآل يرفَعُ كلَّ شيء حتى يصير آلًا: أي شَخْصًا، وأن السراب يَخفِض كلّ شيء حتى يصير لازقًا بالأرض، لا شخص له، وقال يونس: تقول العرب: الآل من غُدْوة إلى ارتفاع الضحى الأعلى، ثم هو سرابٌ سائرَ اليوم، وقال أبو الهيثم: سُمّي السراب سَرَابًا؛ لأنه يَسْرِبُ سُرُوبًا: أي يجري جَرْيًا. انتهى (٤).
(يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا) بكسر الطاء، يقال: حَطِمَ الشيءُ حَطَمًا، من باب
стр. 2827
تَعِبَ، فهو حَطِمٌ: إذا تكَسّر، ويتعدّى بالحركة، فيقال: حَطَمته حَطْمًا، من باب ضَرَبَ، فانحطم، وحطّمته بالتشديد مبالغةٌ، قاله الفيّوميّ (١).
وقال النوويّ ﵀: "الْحَطْمُ": الكسر، والإهلاك، و"الْحُطَمة": اسم من أسماء النار؛ لكونها تَحْطِم ما يُلْقَى فيها (٢).
(فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّار، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ الله، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، ألا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، كَأنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّار، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أتاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُور مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا) قال النوويّ: معنى "رأوه فيها": عَلِمُوها له، وهي صفته المعلومة للمؤمنين، وهي أنه لا يُشبهُهُ شيء، وقد تقدم الإتيان والصورة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن النوويّ تبعًا للقاضي عياض، وغيره ممن يؤوّلون صفة الإتيان والصورة، وقدّمنا أن هذا مذهب غير صحيح، وأن الحقّ ثبوتهما له كما أثبتها هذا الحديث الصحيح، على ما يليق بجلاله ، ولا يلزم من ذلك تشبيه، كما زعمت المعطّلة، والمؤوّلة، فنثبتهما ونعتقد أنهما ثابتان له على ما يليق به إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) قال النوويّ ﵀: معنى قولهم هذا: التضرّع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدّة عنهم، وأنهم لَزِمُوا طاعته ، وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته سبحانه، من قراباتهم وغيرهم، ممن كانوا يَحتاجون في معايشهم، ومصالح دنياهم إلى معاشرتهم؛ للارتفاق بهم، وهذا كما جَرَى للصحابة المهاجرين وغيرهم، ومن
стр. 2828
أشبههم من المؤمنين في جميع الأزمان، فإنهم يُقاطعون مَن حادّ الله تعالى ورسوله ﷺ مع حاجتهم في معايشهم إلى الارتفاق بهم، والاعتضاد بمخالطتهم، فآثروا رِضَى الله تعالى على ذلك، وهذا معنًى ظاهرٌ في هذا الحديث، لا شكّ في حسنه، وقد أنكر القاضي عياض ﵀ هذا الكلام الواقع في "صحيح مسلم"، وادَّعَى أنه مُغَيَّرٌ، وليس كما قال، بل الصواب ما ذكرناه.
انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ) هكذا هو في الأصول: "ليكاد أن ينقلب" بإثبات "أن"، وإثباتُها مع "كاد" لغة قليلة، كما أن حذفها مع "عسى" لغة قليلة بالعكس، كما قال في "الخلاصة":
وَكَوْنُهُ (١) بِدُونِ "أَنْ" بَعَدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ" الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
وقوله: "ينقلب" - بياء مثناة من تحتُ، ثم نون، ثم قاف، ثم لام، ثم باء موحدة - ومعناه - والله أعلم - ينقلب عن الصواب، ويرجع عنه للامتحان الشديد الذي جرى، قاله النوويّ (٢).
(فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ، فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) قال النوويّ: ضُبط "يكشف" بفتح الياء، وضمّها، وهما صحيحان.
وقال في "الفتح": هذا يحتمل أن الله عَرّفهم على ألسنة الرسل من الملائكة، أو الأنبياء أن الله جَعَل لهم علامة تجليه الساق، وذلك أنه يمتحنهم بإرسال مَن يقول لهم: أنا ربكم، والى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وهي وإن ورد أنها في عذاب القبر، فلا يبعد أن تتناول يوم الموقف أيضًا.
قال: وأما الساق: فجاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عن شِدّة من الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق: إذا اشتدّت، ومنه:
قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الأَعْنَاقْ … وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقْ
стр. 2829
وجاء عن أبي موسى الأشعريّ في تفسيرها: "عن نور عظيم"، قال ابن فُورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف، وقال المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة، ولغيرهم نقمةٌ، وقال الخطابيّ: تَهِيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس: إن الله يكشف عن قُدرته التي تَظهر بها الشدة، وأسند البيهقيّ الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كلُّ منهما حسن، وزاد: "إذا خَفِي عليكم شيء من القرآن فأتبعوه من الشعر"، وذكر الرجز المشار إليه، وأنشد الخطابيّ في إطلاق الساق على الأمر الشديد:
فِي سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا
وأسند البيهقيّ من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة، قال الخطابيّ: وقد يُطلَق ويراد النفس. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة الساق قد اختلف فيها السلف هل هي من الصفات أم لا؟، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ إجماع السلف على عدم تأويل آيات الصفات وأحاديثها، وأنه طالع أكثر من مائة تفسير نُقِلت عن الصحابة، فلم يجد في شيء منها أن أحدًا تأوّل نصوص الصفات، ثم قال: وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، فرُوي عن ابن عبّاس وطائفة: أن المراد به الشدّة، أن الله يكشف عن الشدّة في الآخرة، وعن أبي سعيد، وطائفة أنهم عدّوها من الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في "الصحيحين" - يعني هذا الحديث - قال: ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدلّ على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يُضفها إلى الله، ولم يقل: عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كون الآية من الصفات هو الظاهر، ولذلك أورد الحديث الإمام البخاريّ في "التفسير" عند قوله: "باب يوم يُكْشَف عن ساق" مستدلًّا على أن ما دلّت عليه الآية هو الذي دلّ عليه الحديث، وإذا قلنا: إن
стр. 2830
الساق من الصفات، فهو كاليد، والأصابع، والوجه، والقدم، وغير ذلك مما أثبته النصّ الصحيح لله على ما يليق بجلاله، بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) أي مختارًا من جهة نفسه، مخلصًا لله تعالى، لا لجهة اتّقاء الخلق، وتعلّق الرجاء بهم (إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُود، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً) أي احترازًا من السيف، أو خوفًا من لوم الناس وعتابهم له (وَرِياءً) أي مراءاةً للناس، ومسامعة لهم (إِلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً) بفتح الطاء والباء، قال الهرويّ وغيره: الطَّبَقُ: فَقَارُ الظهر، أي صار فَقَارةً واحدةً كالصفحة، فلا يقدر على السجود (كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ) أي سقط (عَلَى قَفَاهُ) قال النوويّ ﵀: هذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده، وقد استدل بعض العلماء بهذا مع قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] على جواز تكليف ما لا يطاق، وهذا استدلال باطل، فإن الآخرة ليست دار تكليف بالسجود، وإنما المراد امتحانهم.
وقال ابن بطال: تَمَسّك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة، واحتجوا أيضًا بقصة أبي لهب، وأن الله كلفه الإيمان به مع إعلامه بأنه يموت على الكفر، ويَصْلَى نارًا ذات لهب، قال: ومنع الفقهاء من ذلك، وتمسّكوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأجابوا عن السجود بأنهم يُدْعَون إليه تبكيتًا؛ إذ أدخلوا أنفسهم في المؤمنين الساجدين في الدنيا، فدُعُوا مع المؤمنين إلى السجود، فتعذر عليهم، فأظهر الله بذلك نفاقهم، وأخزاهم، قال: ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، بل إظهار خزيهم، ومثله: "كُلِّفَ أن يَعْقِد شعيرة"، فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة. انتهى.
قال الحافظ: ولم يُجِب عن قصة أبي لهب، وقد ادَّعَى بعضهم أن مسألة تكليف ما لا يطاق لم تقع إلا بالإيمان فقط، وهي مسألة طويلة الذيل، ليس هذا موضع ذكرها. انتهى (١).
стр. 2831
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أني استوفيت البحث المتعلّق بتكليف ما لا يُطاق في نظمي "التحفة المرضيّة" وشرحها، فارجع إليهما تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: (اعلم): أن هذا الحديث قد يُتَوَهَّم منه أن المنافقين يرون الله تعالى مع المؤمنين، وقد ذهب إلى ذلك طائفة، حكاه ابن فُورك؛ لقوله ﷺ : "وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تعالى … "، قال النوويّ: وهذا الذي قالوه باطل، بل لا يراه المنافقون بإجماع من يُعْتَدّ به من علماء المسلمين، وليس في هذا الحديث تصريح برؤيتهم الله تعالى، وإنما فيه أن الجمع الذي فيه المؤمنون والمنافقون يرون الصورة، ثم بعد ذلك يرون الله تعالى، وهذا لا يقتضي أن يراه جميعهم، وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على أن المنافق لا يراه ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
[تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ: "ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعةً، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا"، فذكر العلامة جمال الدين بن هشام في "المغني" أنه وقع في البخاري في هذا الموضع "كَيْ" مجرَّدةً، وليس بعدها لفظ "يسجد"، فقال بعد أن حَكَى عن الكوفيين أنّ "كي" ناصبة دائمًا، قال: ويرُدُّه قولهم: "كيمه" كما يقولون: "لِمَهْ"، وأجابوا: بأن التقدير "كي تفعل ماذا؟ "، ويلزمهم كثرة الحذف، وإخراج "ما" الاستفهامية عن الصدر، وحذف ألفها في غير الجرّ، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النصب، وكل ذلك لم يَثْبُت. نعم، وقع في "صحيح البخاري" في تفسير ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢]: "فيذهب كيما، فيعود ظهره طبقًا واحدًا"، أي كيما يسجد، وهو غريب جدًّا، لا يحتمل القياس عليه. انتهى كلامه.
قال الحافظ بعد نقل كلام ابن هشام هذا ما نصّه: وكأنه وقعت له نسخة، سَقَطت منها هذه اللفظة، لكنها ثابتة في جميع النسخ التي وَقَفتُ عليها، حتى إن ابن بطال ذكرها بلفظ "كي يسجدَ" بحذف "ما"، وكلام ابن هشام يوهم أن البخاريّ أورده في "التفسير"، وليس كذلك، بل ذكرها في
стр. 2832
"التوحيد" فقط. انتهى كلام الحافظ (١).
(ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) قال النوويّ: هكذا ضبطناه "صورته" بالهاء في آخرها، ووقع في أكثر الأصول، أو كثير منها في "صورة" بغير هاء، وكذا هو في "الجمع بين الصحيحين" للحميديّ، والأول أظهر، وهو الموجود في "الجمع بين الصحيحين" للحافظ عبد الحقّ، ومعناه: وقد أزال المانع لهم من رؤيته، وتجلى لهم. انتهى (٢).
(فَقَالَ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أنتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ) أي يُجعَلُ ويُمَدّ (الْجِسْرُ) بفتح الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان، وهو الصراط (عَلَى جَهَنَّمَ) أي على متنها وظهرها (وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ) بكسر الحاء، وقيل: بضمّها، ومعناها: أنها تَقَعُ، ويؤذن فيها (ويَقُولُونَ) أي الرسل؛ لأنه لا يتكلّم في ذلك الوقت غيرهم، كما سبق قوله ﷺ : "ولا يتكلّم يومئذ إلا الرسل" (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) أي سلّمنا، وسلّم أممنا من ضرر الصراط، وتكراره مرتين المراد به الكثرة، أو باعتبار كلّ واحد من أهل الشفاعة، أو للإلحاح في الدعاء كما هو من آدابه (٣). (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ) بفتح الدال، وسكون الحاء المهملة، وتنوينه، هو من دَحَضَ بمعنى: زَلّ، ومنه: دَحَضَت الشمس: أي مالت، وحُجَّة داحضةٌ: أي لا ثَبَات لها، ووقع في "صحيح البخاريّ" في رواية أبي ذر عن الكشميهنيّ: "الدَّحْضُ: الزَّلَقُ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ لِيَزلِقُوا، ﴿زَلَقًا﴾: لا يثبت فيه قدم". انتهى.
فقوله: (مَزِلَّةٌ) تأكيد لـ"دَحْضٌ"، وهو بفتح الميم، وفتح الزاي، وكسرها، وتشديد اللام، لغتان مشهورتان: هو الموضع الذي تزلّ فيه الأقدام، ولا تستقرّ فيه، ويقال: بالكسر في المكان، وبالفتح في المقال (٤). (فِيهِ خَطَاطِيفُ) بالفتح: جمع خُطّاف، بضم الخاء في المفرد، وقوله: (وَكَلَالِيبُ) بالفتح أيضًا: جمع كَلّوب، وهو بمعنى: الخَطاطيف، وهي الحديدة المعوجّة، يُختطَف بها الشيءُ: أي يُستلَبُ، ويؤخذُ بسرعة (وَحَسَكٌ) - بفتح الحاء والسين المهملتين -:
стр. 2833
هو شَوْكٌ صَلْبٌ من حديد (١)، وقال صاحب "التهذيب" وغيره: "الْحَسَكُ": نبات له ثَمَرٌ خَشِنٌ، يتعلق بأصواف الغنم، ورُبّما اتُّخِذ مثله من حديد، وهو من آلات الحرب. انتهى (٢).
(تَكُونُ بِنَجْدٍ) أي توجد بالبلد المعروف بهذا الاسم، وهو بفتح النون، وسكون الجيم: هو في الأصل ما ارتفع من الأرض، والجمع نُجُود، مثلُ فَلْس وفُلُوس، والمراد هنا البلد المعروف، وهو من ديار العرب مما يلي العراق، وليس من الحجاز، وإن كان من جزيرة العرب، قال في "التهذيب": كلُّ ما وراء الْخَنْدق الذي خَنْدقه كسرى على سواد العراق، فهو نَجْدٌ إلى أن تميل إلى الحرّة، فإذا مِلْتَ إليها، فأنت في الحجاز، وقال الصغانيّ: كلُّ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. انتهى (٣).
(فِيهَا شُوَيْكَةٌ) تصغير شوكة (يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ) تقدّم ضبطها ومعناها في الحديث الماضي.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: "وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ، لها شوكةٌ عُقيفاء، تكون بنجد".
قال في "الفتح": قوله: "مُفَلْطَحَةٌ" بضم الميم، وفتح الفاء، وسكون اللام، بعدها طاء، ثم حاء مهملتان، كذا وقع عند الأكثر، وفي رواية الكشميهنيّ: "مُطَلْفَحَةٌ" بتقديم الطاء، وتأخير الفاء واللام قبلها، ولبعضهم كالأول، لكن بتقديم الحاء على الطاء، والأول هو المعروف في اللغة، وهو الذي فيه اتّساع، وهو عَرِيض، يقال: فَلْطَحَ الْقُرْصَ: بَسَطَهَ، وعَرَضَهُ.
وقوله: "شَوْكَةٌ عَقِيفَةٌ" بالقاف، ثم الفاء، بوزن عَظِيمة، ولبعضهم عُقَيْفَاء بصيغة التصغير ممدود. انتهى.
(فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ) أي على الصراط (كَطَرْفِ الْعَيْنِ) أي مثل إطباق جَفْن العين، قال في "اللسان": الطَّرْفُ: إطباقُ العين على الْجَفْن، طَرَفَ يَطْرِف طَرْفًا: لَحَظَ، قال: والطَّرْف: تحريك الْجُفُون في النظر. انتهى (٤). (وَكَالْبَرْقِ)
стр. 2834
بفتح، فسكون (وَكَالرِّيح، وَكَالطَّيْر، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ) من إضافة الصفة للموصوف، قال في "النهاية": "الأجاويد": جمع أجواد، وهو جمع جواد، وهو الفرس السابق الجيّد (١). (وَالرِّكَابِ) بالراء، وتخفيف الكاف: أي الإبل، واحدتها راحلة من غير لفظها، فهو عطفٌ على الخيل، والخيل جمع الفرس من غير لفظه.
والمعنى: أنهم في مرورهم على الصراط متفاوتون على حسب أعمالهم، فمن بلغ من العمل، والإخلاص الدرجة القصوى، كان مروره كطرف العين، والذي يليه كالبرق، وهكذا، والله تعالى أعلم.
(فَنَاجٍ) الفاء للتفريع، أو للتفصيل، وقد قسم المارّة على الصراط بطريق الإجمال على ثلاث فِرَق، بحسب مراتبهم في العقيدة والعمل والمعرفة، والمعنى: فمنهم ناجٍ (مُسَلَّمٌ) بفتح اللام المشدّدة: أي ينجو من العذاب، ولا يثاله مكروه من ذلك (وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ) أي ومنهم مجروح مخلَّص، يعني: أنه يُخدَش بالْكَلُّوب، ثم يُرسل: أي يُطلق من ذلك الكلّوب، ويتجاوزه، وقيل: معنى "مخدوش": أي الذي يُخدّش بالكلّوب، فيُرسل إلى النار من عصاة أهل الإيمان، و"مرسل": أي مطلق من القيد والْغُلّ بعد أن عُذّب مدّة. انتهى، والمعنى الأول أقرب وأوضح، والله تعالى أعلم.
(وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي: ومنهم مدفوع في نار جهنّم، قال في "النهاية": وتكدّس الإنسانُ: إذا دُفع من ورائه، فسَقَطَ، ويُروى بالشين المعجمة من الْكَدْش، وهو السوق الشديد، والْكَدْش: الطرد، والْجَرْح أيضًا. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: معناه: أنهم ثلاثة أقسام: قسمٌ يَسْلَم، فلا يناله شيء أصلًا، وقسم يُخْدَش، ثم يُرْسَل، فيَخْلُص، وقسمٌ يُكَرْدس، ويُلْقَى، فيسقط في جهنم.
وأما مَكْدُوسٌ: فهو بالسين المهملة، هكذا هو في الأصول، وكذا نقله القاضي عياض ﵀ عن أكثر الرواة، قال: ورواه الْعُذريّ بالشين المعجمة، ومعناه بالمعجمة: السَّوْق، وبالمهملة: كون الأشياء بعضها على بعض، ومنه:
стр. 2835
تَكَدَّست الدواب في سيرها: إذا رَكِبَ بعضُها بعضًا (١).
(حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ) بفتح الخاء المعجمة، واللام: أي نجوا، يقال: خَلَصَ الشيءُ من التَّلَفِ خُلُوصًا من باب قَعَدَ، وخَلاصًا، ومَخْلَصًا: سَلِمَ ونَجَا، وخَلَصَ الماءُ من الْكَدَر: صَفَا، وخَلّصته بالتثقيل: مَيّزته من غيره (٢).
قال القاريّ ﵀: "حتى" غاية لمرور البعض على الصراط، وسقوط البعض في النار، وقال الطيبيّ ﵀: "حتى" غاية قوله: "مكدوس في نار جهنّم"، أي: يبقى المكدوس في النار حتى يخلُص بعد العذاب بمقدار ذنبه، أو بشفاعة الرسول ﷺ ، أو بفضل الله تعالى، ووُضع "المؤمنون" في موضع الراجع إلى المكدوس؛ إشعارًا بالعليّة، وأن صفة الإيمان منافية للخلود في النار. انتهى (٣).
وقوله: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) جواب "إذا" (مَا مِنْكُمْ) خطاب للمؤمنين (مِنْ أَحَدٍ) "من" زائدة، "وأحد" اسم "ما" الحجازيّة، أو هو مبتدأ على أنها تميميّة (بِأَشَدَّ) خبر "ما" (مُنَاشَدَةً) منصوب على التمييز (للهِ) متعلّق بـ "مناشدة" (فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ) متعلّق بـ "مناشدةً" أيضًا، ومعنى الاستقصاء: المبالغة في المطالبة، قال المجد ﵀: واستقصى في المسألة، وتَقَصى: بلغ الغاية. انتهى (٤). (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) متعلّق بـ "أشدّ"، أي بأشدّ مناشدةً منكم، فوُضع المظهر موضع المضمر (للهِ) متعلّق بـ "مناشدة" (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ "أشدّ" (لإخْوَانِهِمِ) أي لأجل إخراج إخوانهم (الَّذِينَ فِي النَّارِ) قال النوويّ ﵀: اعلم: أن هذه اللفظة - يعني "استقصاء الحقّ" - ضُبِطَت على أوجه:
[أحدها]: "استيضاء" بتاء مثناة من فوقُ ثم ياء مثناة من تحتُ، ثم ضاد معجمة.
[والثاني]: "استضاء" بحذف المثنّاة من تحتُ.
стр. 2836
[والثالث]: "استيفاء" بإثبات المثنّاة من تحتُ، وبالفاء بدل الضاد.
[والرابع]: "استقصاء" بمثناة من فوقُ، ثم قاف، ثم صاد مهملة. فالأول موجود في كثير من الأصول ببلادنا، والثاني: هو الموجود في أكثرها، وهو الموجود في "الجمع بين الصحيحين" للحميديّ، والثالث: في بعضها، وهو الموجود في "الجمع بين الصحيحين" لعبد الحقّ الحافظ، والرابع: في بعضها، ولم يذكر القاضي عياض غيره، وادَّعَى اتفاق النُّسَخِ عليه، وادَّعَى أنه تصحيف، وَوَهَمٌ، وفيه تغيير، وأن صوابه ما وقع في كتاب البخاري من رواية ابن بُكير: "بأشدّ مناشدَةً في استقصاء الحقّ - يعني: في الدنيا - من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم"، وبه يتم الكلام، ويتوجه، هذا آخر كلام القاضي ﵀.
قال النوويّ: وليس الأمر على ما قاله، بل جميع الروايات التي ذَكَرناها صحيحة، لكل منها مَعنًى حَسَنٌ، وقد جاء في رواية يحيى بن بكير، عن الليث: "فما أنتم بأشدّ مناشدة في الحقّ، قد تبيّن لكم من المؤمنين يومئذ للجبّار تعالى وتقدس، إذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم"، وهذه الرواية التي ذكرها الليث، توضح المعنى، فمعنى الرواية الأولى والثانية: إنكم إذا عَرَضَ لكم في الدنيا أمرٌ مُهِمٌّ، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه، وناشدتموه في استيضائه، وبالغتم فيها، لا تكون مناشدة أحدكم مناشدةً بأشدّ من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم، وأما الرواية الثالثة والرابعة: فمعناهما أيضًا: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقّه، أو استقصائه، وتحصيله من خَصمه والْمُعْتَدِي عليه بأشدّ من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو توجيهٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(يَقُولُونَ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأن سائلًا قال: فماذا يقولون في هذه المناشدة؛ فأجاب بأنهم يقولون (رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ) ولفظ البخاريّ: "إخواننا الذين كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا" (فَيُقَالُ لَهُمْ) لفظ البخاريّ: "فيقول الله تعالى: اذهبوا … "
стр. 2837
(أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ) أي بالصفة الآتية (فَتُحَرَّمُ) بالبناء للمفعول، أي تُمنَع (صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ) أي بأن تأكلها، أو تسوّدها (فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْه، وَإِلَى رُكبَتَيْه، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ) أي بإخراجه (فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ) أي مقداره (مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْر، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا) قال القاضي عياض ﵀: قيل: معنى الخير هنا اليقين، قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان؛ لأن الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزؤ لشيء زائد عليه، من عمل صالح، أو ذِكْرٍ خَفِيٍّ، أو عمل من أعمال القلب، من شفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونيّة صادقة، ويدل عليه قوله في الرواية الأُخرى في الكتاب: "يَخْرُج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ كذا"، ومثله الرواية الأخرى: "يقول الله تعالى: شَفَعَت الملائكة، وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيَقْبض قبضة من النار، فيُخْرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط"، وفي الحديث الآخر: "لأخْرِجنّ من قال: لا إله إلا الله"، قال القاضي ﵀: فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يُؤذَن في الشفاعة فيهم، وإنما دَلَّت الآثار على أنه أُذِن من عنده شيء زائد على مجرد الإيمان، وجُعِل للشافعين من الملائكة والنبيين - صلوات الله وسلامه عليهم - دليلًا عليه، وتفرّد الله بعلم ما تُكِنّه القلوب، والرحمة من ليس عنده إلا مجرد الإيمان، وضَرَبَ بمثقال الذرة المثل لأقل الخير، فإنها أقل المقادير، قال القاضي: وقوله تعالى: من كان في قلبه ذَرّةٌ، وكذا، دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حَضَر له القلب، وصحبته نية، وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو مذهب أهل السنة، هذا آخر كلام القاضي ﵀ (١).
стр. 2838
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل النوويّ كلام عياض، ولم يتعقّبه في قوله: "لأن الإيمان هو التصديق، لا يتجزّأ … إلخ"، وهذا جار على اعتبار أن الأعمال من ثمرات الإيمان، ومكمّلاته، كما هو واضحّ من هذا الكلام، والحقّ أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص، فالعمل داخلٌ في مسمّى الإيمان، وجزء منه، وقد سبق في أوائل هذا الشرح في مباحث الإيمان أن الحقّ كون العمل داخلًا في مسمّى الإيمان لغة، كما حقّقه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، بل هو على ظاهره، فالإيمان درجات من حيث الاعتقادُ، ومن حيث العملُ، قابل للتجزئة، فليس يقين الأنبياء كيقين سائر الناس، ولا يقين الصحابة كيقين من بعدهم، ولا يقين أبي بكر كيقين بقية الصحابة ﵃، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا) هكذا هو "خيرًا" بإسكان الياء: أي صاحب خير.
(وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) ﵁ (يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيث، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] أي لأن الآية لا يشكّ فيها المؤمن، وهي نصّ على أن من عنده شيء قليل من الحسنات، فإن الله لا يُضيعها، بل يثيبه عليها.
(فَيَقُولُ اللهُ : شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ) قال النوويّ ﵀: بفتح الفاء، وإنما ذكرته وإن كان ظاهرًا؛ لأني رأيت مُنْ يُصَحِّفه، ولا خلاف فيه، يقال: شَفَعَ يَشْفَع شفاعة، فهو شافع، وشفيع، والْمُشَفِّع بكسر الفاء الذي يَقْبَل الشفاعة، والْمُشَفَّع بفتحها الذي تُقْبَل شفاعته. انتهى.
(وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ) أي ممن يرحم (إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي الذي وسِعَت رحمته كلَّ شيءٍ، والذي رحمة كلّ أحد في جنب رحمته كلا شيء (فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ) معناه: يجمع جماعة (فَيُخْرِجُ) الله تعالى (مِنْهَا) أي من النار (قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ) أي ليس له خير زائد على مجرّد الإيمان (قَدْ عَادُوا) أي صاروا، والجملة صفة بعد صفة لـ "قوم"، أو حال
стр. 2839
منه (حُمَمًا) قال النوويّ ﵀: معنى "عادوا": صاروا، وليس بلازم في "عاد" أن يصير إلى حالة كان عليها قبل ذلك، بل معناه صار.
و"الْحُمَمُ" بضم الحاء، وفتح الميم الأولى المخففة، وهو الْفَحْم، الواحدة حُمَمَة.
(فَيُلْقِيهِمْ) أي يطرحهم الله تعالى (فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ) أي أوائلها (يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ) قال النوويّ ﵀: أما "النهر" ففيه لغتان معروفتان: فتح الهاء وإسكانها، والفتح أجود، وبه جاء القرآن العزيز، و"الأفواه" فجمع فُوَّهَة، بضم الفاء، وتشديد الواو المفتوحة، وهو جَمْغ سُمِعَ من العرب على غير قياس، وأَفْوَاهُ الأَزِقَّة والأنهار: أوائلها، قال صاحب "المطالع": كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها. انتهى (١).
وقال القاري ﵀: ويُمكن أن يكون الأفواه كناية عن أبواب الجنّة، وهو الملائم لدخولهم إياها على أحسن الهيئة. انتهى (٢).
(فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ) ببناء الفعلين للفاعل، و"الْحِبّة" بكسر الحاء المهملة: اسم جامع لبذور الصحراء مما ليس بقوت (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: ما يحمله السيل من غُثاء وطين، ونحو ذلك، وشبّههم بها؛ لسرعة نباتها، وحسنها، وطراوتها (أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَر، أَوْ إِلَى الشَّجَر، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ) بتصغيرهما، وفي نسخة بتكبيرهما (وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ) مكبّرًا، وفي نسخة: "أُبَيِّض" بتشديد الياء المكسورة مصغّرًا، وقال النوويّ ﵀: "يكون" في الموضعين الأولين تامّة، ليس لها خبر، معناها ما يقع، و"أُصيفر"، و"اخيضر" مرفوعان، وأما قوله: "يكون أبيض" فـ "يكون" فيه ناقصة، و"أبيض" منصوب على أنه خبرها. انتهى.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ؟) أي حيث عرفت كيف تنبت الحبّة، ودقّقت في وصف ذلك (قَالَ) ﷺ (فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ) قال النوويّ ﵀: "اللؤلؤ": معروف، وفيه أربع قراءات في السبع: بهمزتين في
стр. 2840
أوله وآخره، وبحذفهما، وبإثبات الهمزة في أوله دون آخره، وعكسه. انتهى.
(فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ) - بفتح التاء وكسرها - ويقال أيضًا: خَيْتَام وخاتام، قال صاحب "التحرير": المراد بالخواتم هنا أشياء من ذهب، أو غير ذلك، تُعَلَّق في أعناقهم؛ علامة يُعْرَفون بها، قال: معناه: تشبيه صفائهم وتلألئهم باللؤلؤ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: "الخاتم" فيه عشر لغات، نظمها الحافظ العراقيّ ﵀، فقال [من البسيط]:
خُذْ عَدَّ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ … ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ
خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا … مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتَمٌ وَخَيْتَامُ
وَهَمْزُ مَفْتُوحٍ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا … سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَاتَامُ (١)
(يَعْرِفُهُمْ أَهْل الْجَنَّة، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ) أي يقولون: هؤلاء عتقاء الله (الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أفضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا").
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: قرأت في "تنقيح الزركشيّ": وقع هنا في حديث أبي سعيد ﵁ بعد شفاعة الأنبياء: "فيقول الله: بقيت شفاعتي، فيُخْرِج من النار مَن لم يعمل خيرًا"، وتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار، ورُدَّ بوجهين:
[أحدهما]: أن هذه الزيادة ضعيفةٌ؛ لأنها غير متّصلة، كما قال عبد الحق في "الجمع".
[والثاني]: أن المراد بالخير المنفيّ ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث، هكذا قال، والوجه الأول غلط منه، فإن الرواية متصلةٌ هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحقّ فغلطٌ على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في