← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

[والثالث]: "استيفاء" بإثبات المثنّاة من تحتُ، وبالفاء بدل الضاد. [والرابع]: "استقصاء" بمثناة من فوقُ، ثم قاف، ثم صاد مهملة. فالأول موجود في كثير من الأصول ببلادنا، والثاني: هو الموجود في أكثرها، وهو الموجود في "الجمع بين الصحيحين" للحميديّ، والثالث: في بعضها، وهو الموجود في "الجمع بين الصحيحين" لعبد الحقّ الحافظ، والرابع: في بعضها، ولم يذكر القاضي عياض غيره، وادَّعَى اتفاق النُّسَخِ عليه، وادَّعَى أنه تصحيف، وَوَهَمٌ، وفيه تغيير، وأن صوابه ما وقع في كتاب البخاري من رواية ابن بُكير: "بأشدّ مناشدَةً في استقصاء الحقّ - يعني: في الدنيا - من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم"، وبه يتم الكلام، ويتوجه، هذا آخر كلام القاضي ﵀. قال النوويّ: وليس الأمر على ما قاله، بل جميع الروايات التي ذَكَرناها صحيحة، لكل منها مَعنًى حَسَنٌ، وقد جاء في رواية يحيى بن بكير، عن الليث: "فما أنتم بأشدّ مناشدة في الحقّ، قد تبيّن لكم من المؤمنين يومئذ للجبّار تعالى وتقدس، إذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم"، وهذه الرواية التي ذكرها الليث، توضح المعنى، فمعنى الرواية الأولى والثانية: إنكم إذا عَرَضَ لكم في الدنيا أمرٌ مُهِمٌّ، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه، وناشدتموه في استيضائه، وبالغتم فيها، لا تكون مناشدة أحدكم مناشدةً بأشدّ من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم، وأما الرواية الثالثة والرابعة: فمعناهما أيضًا: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقّه، أو استقصائه، وتحصيله من خَصمه والْمُعْتَدِي عليه بأشدّ من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو توجيهٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (يَقُولُونَ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأن سائلًا قال: فماذا يقولون في هذه المناشدة؛ فأجاب بأنهم يقولون (رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ) ولفظ البخاريّ: "إخواننا الذين كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا" (فَيُقَالُ لَهُمْ) لفظ البخاريّ: "فيقول الله تعالى: اذهبوا … "

стр. 2837

(أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ) أي بالصفة الآتية (فَتُحَرَّمُ) بالبناء للمفعول، أي تُمنَع (صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ) أي بأن تأكلها، أو تسوّدها (فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْه، وَإِلَى رُكبَتَيْه، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ) أي بإخراجه (فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ) أي مقداره (مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْر، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا) قال القاضي عياض ﵀: قيل: معنى الخير هنا اليقين، قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان؛ لأن الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزؤ لشيء زائد عليه، من عمل صالح، أو ذِكْرٍ خَفِيٍّ، أو عمل من أعمال القلب، من شفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونيّة صادقة، ويدل عليه قوله في الرواية الأُخرى في الكتاب: "يَخْرُج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ كذا"، ومثله الرواية الأخرى: "يقول الله تعالى: شَفَعَت الملائكة، وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيَقْبض قبضة من النار، فيُخْرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط"، وفي الحديث الآخر: "لأخْرِجنّ من قال: لا إله إلا الله"، قال القاضي ﵀: فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يُؤذَن في الشفاعة فيهم، وإنما دَلَّت الآثار على أنه أُذِن من عنده شيء زائد على مجرد الإيمان، وجُعِل للشافعين من الملائكة والنبيين - صلوات الله وسلامه عليهم - دليلًا عليه، وتفرّد الله بعلم ما تُكِنّه القلوب، والرحمة من ليس عنده إلا مجرد الإيمان، وضَرَبَ بمثقال الذرة المثل لأقل الخير، فإنها أقل المقادير، قال القاضي: وقوله تعالى: من كان في قلبه ذَرّةٌ، وكذا، دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حَضَر له القلب، وصحبته نية، وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو مذهب أهل السنة، هذا آخر كلام القاضي ﵀ (١).

стр. 2838

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل النوويّ كلام عياض، ولم يتعقّبه في قوله: "لأن الإيمان هو التصديق، لا يتجزّأ … إلخ"، وهذا جار على اعتبار أن الأعمال من ثمرات الإيمان، ومكمّلاته، كما هو واضحّ من هذا الكلام، والحقّ أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص، فالعمل داخلٌ في مسمّى الإيمان، وجزء منه، وقد سبق في أوائل هذا الشرح في مباحث الإيمان أن الحقّ كون العمل داخلًا في مسمّى الإيمان لغة، كما حقّقه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، بل هو على ظاهره، فالإيمان درجات من حيث الاعتقادُ، ومن حيث العملُ، قابل للتجزئة، فليس يقين الأنبياء كيقين سائر الناس، ولا يقين الصحابة كيقين من بعدهم، ولا يقين أبي بكر كيقين بقية الصحابة ﵃، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا) هكذا هو "خيرًا" بإسكان الياء: أي صاحب خير. (وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) ﵁ (يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيث، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] أي لأن الآية لا يشكّ فيها المؤمن، وهي نصّ على أن من عنده شيء قليل من الحسنات، فإن الله لا يُضيعها، بل يثيبه عليها. (فَيَقُولُ اللهُ : شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ) قال النوويّ ﵀: بفتح الفاء، وإنما ذكرته وإن كان ظاهرًا؛ لأني رأيت مُنْ يُصَحِّفه، ولا خلاف فيه، يقال: شَفَعَ يَشْفَع شفاعة، فهو شافع، وشفيع، والْمُشَفِّع بكسر الفاء الذي يَقْبَل الشفاعة، والْمُشَفَّع بفتحها الذي تُقْبَل شفاعته. انتهى. (وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ) أي ممن يرحم (إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي الذي وسِعَت رحمته كلَّ شيءٍ، والذي رحمة كلّ أحد في جنب رحمته كلا شيء (فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ) معناه: يجمع جماعة (فَيُخْرِجُ) الله تعالى (مِنْهَا) أي من النار (قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ) أي ليس له خير زائد على مجرّد الإيمان (قَدْ عَادُوا) أي صاروا، والجملة صفة بعد صفة لـ "قوم"، أو حال

стр. 2839

منه (حُمَمًا) قال النوويّ ﵀: معنى "عادوا": صاروا، وليس بلازم في "عاد" أن يصير إلى حالة كان عليها قبل ذلك، بل معناه صار. و"الْحُمَمُ" بضم الحاء، وفتح الميم الأولى المخففة، وهو الْفَحْم، الواحدة حُمَمَة. (فَيُلْقِيهِمْ) أي يطرحهم الله تعالى (فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ) أي أوائلها (يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ) قال النوويّ ﵀: أما "النهر" ففيه لغتان معروفتان: فتح الهاء وإسكانها، والفتح أجود، وبه جاء القرآن العزيز، و"الأفواه" فجمع فُوَّهَة، بضم الفاء، وتشديد الواو المفتوحة، وهو جَمْغ سُمِعَ من العرب على غير قياس، وأَفْوَاهُ الأَزِقَّة والأنهار: أوائلها، قال صاحب "المطالع": كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها. انتهى (١). وقال القاري ﵀: ويُمكن أن يكون الأفواه كناية عن أبواب الجنّة، وهو الملائم لدخولهم إياها على أحسن الهيئة. انتهى (٢). (فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ) ببناء الفعلين للفاعل، و"الْحِبّة" بكسر الحاء المهملة: اسم جامع لبذور الصحراء مما ليس بقوت (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: ما يحمله السيل من غُثاء وطين، ونحو ذلك، وشبّههم بها؛ لسرعة نباتها، وحسنها، وطراوتها (أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَر، أَوْ إِلَى الشَّجَر، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ) بتصغيرهما، وفي نسخة بتكبيرهما (وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ) مكبّرًا، وفي نسخة: "أُبَيِّض" بتشديد الياء المكسورة مصغّرًا، وقال النوويّ ﵀: "يكون" في الموضعين الأولين تامّة، ليس لها خبر، معناها ما يقع، و"أُصيفر"، و"اخيضر" مرفوعان، وأما قوله: "يكون أبيض" فـ "يكون" فيه ناقصة، و"أبيض" منصوب على أنه خبرها. انتهى. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ؟) أي حيث عرفت كيف تنبت الحبّة، ودقّقت في وصف ذلك (قَالَ) ﷺ (فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ) قال النوويّ ﵀: "اللؤلؤ": معروف، وفيه أربع قراءات في السبع: بهمزتين في

стр. 2840

أوله وآخره، وبحذفهما، وبإثبات الهمزة في أوله دون آخره، وعكسه. انتهى. (فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ) - بفتح التاء وكسرها - ويقال أيضًا: خَيْتَام وخاتام، قال صاحب "التحرير": المراد بالخواتم هنا أشياء من ذهب، أو غير ذلك، تُعَلَّق في أعناقهم؛ علامة يُعْرَفون بها، قال: معناه: تشبيه صفائهم وتلألئهم باللؤلؤ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: "الخاتم" فيه عشر لغات، نظمها الحافظ العراقيّ ﵀، فقال [من البسيط]: خُذْ عَدَّ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ … ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا … مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتَمٌ وَخَيْتَامُ وَهَمْزُ مَفْتُوحٍ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا … سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَاتَامُ (١) (يَعْرِفُهُمْ أَهْل الْجَنَّة، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ) أي يقولون: هؤلاء عتقاء الله (الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أفضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا"). [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: قرأت في "تنقيح الزركشيّ": وقع هنا في حديث أبي سعيد ﵁ بعد شفاعة الأنبياء: "فيقول الله: بقيت شفاعتي، فيُخْرِج من النار مَن لم يعمل خيرًا"، وتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار، ورُدَّ بوجهين: [أحدهما]: أن هذه الزيادة ضعيفةٌ؛ لأنها غير متّصلة، كما قال عبد الحق في "الجمع". [والثاني]: أن المراد بالخير المنفيّ ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث، هكذا قال، والوجه الأول غلط منه، فإن الرواية متصلةٌ هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحقّ فغلطٌ على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في

стр. 2841

طريق أخرى، وقع فيها: "أَخْرِجُوا من كان في قلبه مثقال حبة خَرْدل من خير"، قال: هذه الرواية غير مُتَّصِلة، ولما ساق حديث أبي سعيد الذي في هذا الباب ساقه بلفظ البخاريّ، ولم يتعقبه بأنه غير مُتَّصِل، ولو قال ذلك لتعقبناه عليه، فإنه لا انقطاع في السند أصلًا، ثم إن لفظ حديث أبي سعيد هنا، ليس كما ساقه الزركشيّ، وإنما فيه: "فيقول الجبّار بقيت شفاعتي، فيخرج أقوامًا، قَدِ امْتَحَشُوا"، ثم قال في آخره: "فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتَقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قَذَموه"، فيجوز أن يكون الزركشيّ ذكره بالمعنى. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الْخُدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٧/ ٤٦١ و ٤٦٢ و ٤٦٣] (١٨٣)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٥٨١ و ٤٩١٩)، و" التوحيد" (٧٤٣٩)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٥٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١٠٧٤٣ و ١٠٨١٦ و ١١٤٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٣٠ و ٤٣١ و ٤٣٢ و ٤٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٥٨ و ٤٥٩ و ٤٦٠ و ٤٦١ و ٤٦٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨١٦ و ٨١٧ و ٨١٨ و ٨١٩). وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب: [٤٦٢] ( … ) - (قَالَ مسْلِم) ﵀ (قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَة، وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ، أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ: أَخْبَرَكُمُ

стр. 2842

اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ الشَّمْس، إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟ " قُلْنَا: لَا، وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ، وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ، فَئقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَة، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْف، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَمَا بَعْدَهُ، فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ الْمِصْرِيُّ) هو: عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التُّجِيبيّ، أبو موسى، لقبه زُغْبَة - بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، بعدها موحّدة - وهو لقب له، ولأبيه أيضًا، ثقة [١٠]. رَوَى عن الليث بن سعد، وهو آخر من حَدّث عنه من الثقات، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورِشْدين بن سعد، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو زرعة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة رَضِيّ، وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: جاوز في سنه التسعين، تُوفي في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال ابن حبان: مات سنة (٩). وقال أبو عَمْرو الْكِنْديّ في "الموالي": زُغْبَة لقب أبيه حماد، وزعم الشيرازي أنه لقب عيسى، والصواب الأول، ويؤيده أن الطبراني لَمّا رَوَى عن أخيه أحمد، قال: ثنا أحمد بن حماد زُغْبة، وقال ابن قانع: عيسى زُغبة.

стр. 2843

وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط (١)، هذا الحديث (١٨٣)، و (٤٨٠): "نهاني حبّي أن أقرأ راكعًا … "، و (٥١٧): "يصلي في ثوب واحد ملتحفًا … "، و (٧٠٠): "يوتر على راحلته"، و (١٤٩٧): "اللهم بَيّن، فوضعت شبيهًا بالرجل … "، و (١٧٠٣): "إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها … "، و (٢٧٠٩): "لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله … ". ٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسَكِيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، مولى ابن الصَّبِيغ، ثقةٌ فقيهٌ [٦]. رَوَى عن سعيد بن أبي هلال، وعطاء بن أبي رباح، والزهريّ، وأبي الزبير، والْمُثَنَّى بن الصبّاح، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، والليث، وحَيْوَة بن شُرَيح، وبكر بن مُضَر، وابن لَهِيعة، والمفضل بن فَضَالة، وهو آخر مَن حَدَّث عنه بمصر، وجماعة. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مُفتيًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: مصريّ ثقةٌ، وقال البخاريّ: قال زيد بن الْحُبَاب: هو السَّكْسَكيّ. قال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣٩) فيما ذكر حرملة. وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٨٣)، وحديث (١٤٠٩): "لا ينكح المحرم … "، و (١٥٩٩): "إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن … "، و (١٩٤٦): "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي … "، و (١٩٧٧): "ومن كان له ذبح، فليذبحه … "، و (٢٤٩٠): "اهجوا قريشًا، فإنه … "، و (٢٧٩٢): "تكون الأرض يوم القيامة خبزة … ".

стр. 2844

٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: هو مدنيّ الأصل، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن جابر، وأنس مرسلًا، وزيد بن أسلم، وأبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن، وربيعة، وأبي الزناد، وأبي حازم بن دينار، وعُمارة بن غَزِيَّة، وعمرو بن مسلم، وعون بن عبد الله، وقتادة، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد المقبريّ، وهو أكبر منه، وخالد بن يزيد المصريّ، وعمرو بن الحارث، وهشام بن سعد، والليث، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به، وحديثه عن جابر أورده البخاريّ مُعَلَّقًا متابعةً، ووصله الترمذيّ، وقال: هذا مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يُدرك جابرًا، وقال خَلَفٌ في "الأطراف": لم يسمع من جابر، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله -، وقال الساجيّ: صدوقٌ، كان أحمد يقول: ما أدري أيّ شيء يَخْلِط في الأحاديث، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، ووثقه ابن خزيمة، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، والخطيب، وابن عبد البرّ، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع سعيد من أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقال ابن حزم: ليس بالقويّ، ولعله اعتمد على قول الإمام أحمد فيه، قال الحافظ: وقرأت بخط السبكيّ الكبير: أفادنا مسعود الحارثيّ أنّ اسم أبي هلال والد سعيد هذا مرزوق، وكان مسعود يقول: هو من خَبَايا الزَّوَايَا. وقال ابن يونس: وُلد بمصر سنة (١٧)، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، قال: ويقال: تُوُفّي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقال غيره: مات سنة (١٣٣)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٤٩). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ مسْلِم) هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب. وقوله: (وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ") فاعل "زاد" ضمير اللّيث بن سعد: أي زاد الليث على رواية حفص قوله: "فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ

стр. 2845

مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَة، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ". وقال النوويّ في "شرحه": قوله: "وزاد بعد قوله: بغير عمل عملوه، ولا قَدَم قَدَّموه" هذا مما قد يُسْأَل عنه، فيقال: لم يتقدم في الرواية الأولى ذكره القَدَمَ، وإنما تقدّم "ولا خير قدّموه"، وإذا كان كذلك، لم يكن لمسلم أن يقول: زاد بعد قوله: "ولا قَدَم"؛ إذ لم يَجْر للقَدَم ذكر. وجوابه أنّ هذه الرواية التي فيها الزيادة وقع فيها: "ولا قَدَمٍ" بدل قوله في الأولى: "خير"، ووقع فيها الزيادة، فأراد مسلم ﵀ بيان الزيادة، ولم يمكنه أن يقول: زاد بعد قوله: "ولا خير قدّموه "؛ إذ لم يَجْر له ذِكْرٌ في هذه الرواية، فقال: زاد بعد قوله: "ولا قَدَم قذَموه": أي زاد بعد قوله في روايته: "ولا قَدَمٍ قَدَّموه"، واعلم أيها المخاطب أن هذا لفظه في روايته، وأن زيادته بعد هذا، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ. و"الْقَدَم" هنا بفتح القاف والدال، ومعناه: الخير، كما في الرواية الأخرى، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقوله: (قال أبو سعيد: بلغني … إلخ)، هكذا في رواية المصنّف، وليست هذه الزيادة في رواية البخاريّ الآتية، وهي عند ابن منده في "كتاب الإيمان" أخرجه من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ، ولكن قال: "قال سعيد بن أبي هلال (٢): بلغني أن الجسر … إلخ"، فجعل الكلام لسعيد بن أبي هلال، لا لأبي سعيد الخدريّ ﵁، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: "بلغني … إلخ " يحتمل أن يكون مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ ، لكن لم يذكر الواسطة إليه، ويحتمل أن يكون مما نُقل من أخبار أهل الكتاب، والله تعالى أعلم.

стр. 2846

(وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَيَقُولُونَ … إلغ) يعني أن قوله: "ربنا أعطيتنا … إلخ " في رواية حفص، وليس في رواية الليث. قال النوويّ ﵀: قوله: "وما بعده" مطوف على: "فيقولون: ربنا"، أي ليس فيه: "فيقولون: ربنا، ولا ما بعده". انتهى. وقوله: (فأقر به عيسى) معناه: أقرَّ بقوله له أَوَّلًا: أخبركم الليث بن سعد إلى آخره. [تنبيه]: رواية الليث التي أحالها المصنّف هنا على رواية حفص بن ميسرة أخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: (٧٤٣٩) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر، إذا كانت صحوًا؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما" - ثم قال -: "ينادي منادٍ ليذهب كلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بَرّ أو فاجر، وغُبَّراتٍ من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تُعْرَض كأنها سرابٌ، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولدٌ، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ أو فاجر، فيقال لهم: ما يَحْبِسُكم، وقد ذهب النّاس؟ فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منّا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: لِيَلْحَقْ كلُّ قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أوّلَ مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء،

стр. 2847

فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كلُّ مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا، ثم يُؤتى بالجسر، فيُجْعَل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطيف، وكَلاليب، وحَسَكَةٌ، مُفَلْطَحَةٌ، لها شوكة عُقَيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السَّعْدان، المؤمنُ عليها كالطَّرْف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فنَاجٍ مُسَلَّمٌ، ونَاج مَخْدُوشٌ، ومَكْدُوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يُسْحَبُ سَحْبًا، فما أنتم بأشدّ لي مناشدةً في الحقّ قد تبيّن لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويُحَرّم الله صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون مَن عَرَفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عَرَفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون مَن عَرَفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا قد امْتَحَشُوا، فيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة، فَيَنْبُتون في حافتيه، كما تنبت الْحِبَّة في حَمِيل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيُجعَل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2848

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٣] ( … ) - وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِإِسْنَادِهِمَا نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِه، وَقَدْ زَادَ، وَنَقَصَ شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥. ٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) المدنيّ، أبو عبّاد، ويقال: أبو سَعْد القرشيّ مولاهم، صدوقٌ، له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧]. رَوَى عن زيد بن أسلم، ونافع مولى ابن عمر، وعمرو بن شعيب، وأبي الزبير، وسعيد المقبريّ، وأبي حازم بن دينار، ونعيم المجمر، وغيرهم. ورَوَى عنه الليث، والثوريّ، ووكيع، وابن أبي فُديك، وابن وهب، وابن مهديّ، وأبو عامر العَقَديّ، ومعاوية بن هشام، وجعفر بن عون، وأبو نعيم، والقعنبيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم، عن أحمد: لم يكن هشام بالحافظ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هشام بن سعد كذا وكذا، كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وقال أبو طالب، عن أحمد: ليس هو مُحْكَم الحديث، وقال حرب: لم يَرْضَه أحمد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ضعيف، وداود بن قيس أحبّ إليّ منه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وليس بمتروك الحديث، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس بشيء، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال العجليّ: جائز الحديث، حسن الحديث، وقال أبو زرعة: محله الصدق، وهو أحب إليّ من ابن إسحاق، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يحتجّ به، هو ومحمد بن

стр. 2849

إسحاق عندي واحد، وقال الآجريّ، عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال مرّة: ليس بالقويّ، ورَوَى ابن عديّ أحاديث، منها حديثه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، وقد أفطر في رمضان، فقال له: "أعتق رقبة … " الحديث، وقال مرة: عن الزهري، عن أنس، قال: والروايتان جميعًا خطأ، وإنما رواه الثقات عن الزهريّ، عن حميد، عن أبي هريرة، وهشام خالف فيه الناس، وله غير ما ذكرتُ، ومع ضعفه يُكْتَب حديثه، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يُسْتضعَف، وكان مُتَشَيِّعًا، وقال ابن أبي شيبة، عن عليّ بن المدينيّ: صالح، وليس بالقويّ، وقال الساجيّ: صدوق، وذكره ابن الْبَرْقِيّ في "باب من نُسِبَ إلى الضعف، ممن يُكْتَب حديثه"، قال: وقال لي ابن معين: ضعيف، حديثه مختلطٌ، وقال الخليليّ: أنكر الحفاظ حديثه في الْمُوَاقِع في رمضان، من حديث الزهريّ، عن أبي سلمة، قالوا: وإنما رواه الزهريّ عن حميد، قال: ورواه وكيع عن هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي هريرة منقطعًا، قال أبو زرعة الرازيّ: أراد وكيع الستر على هشام بإسقاط أبي سلمة، وذكره يعقوب بن سفيان في "الضعفاء"، وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد. انتهى. قيل: مات في أول خلافة المهديّ، وقيل: مات سنة ستين ومائة (١). أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٤ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ المذكور في السند الماضي. وقوله: (بِإِسْنَادِهِمَا) يعني بإسناد حفص بن ميسرة، وإسناد سعيد بن أبي هلال الراويين في الطريقين المتقدمين عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، ومراد المصنّف ﵀ بهذا أن زيد بن أسلم رواه عن عطاء، عن أبي سعيد الخدريّ، ورواه عن زيد بهذا الإسناد ثلاثة من

стр. 2850

أصحابه: حفص بن ميسرة، وسعيد بن أبي هلال، وهشام بن سعد، فأما روايتا حفص وسعيد فتقدمتا مبيّنتين في الكتاب، وأما رواية هشام فهي من حيث الإسناد بإسنادهما، ومن حيث المتن نحو حديث حفص، والله أعلم، قاله النوويّ ﵀ (١). [تنبيه]: رواية هشام بن سعد التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها أبو نعيم في "المستخرج" (١/ ٢٤٨)، فقال: (٤٥٨) حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جعفر بن عون، ثنا هشام بن سعد، ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نَرَى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا، ليس فيها سحاب؟ "، قال: قلنا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا، ليس فيها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "ما تضارون في رؤيته يوم القيامة، إلا كما لا تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يومُ القيامة نادى مناد: ألا يَلْحَقُ كلُّ أمة بما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد صنمًا، ولا وثنًا، ولا صورةً إلا ذهبوا، حتى يتساقطوا في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده، من بَرّ وفاجر، وغُبَّرات أهل الكتاب، ثم تُعْرَض جهنم، كأنها سراب يَحْطِم بعضُها بعضًا، ثم يُدْعَى اليهود، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: عزيرًا ابن الله، فيقول: كذبتم، ما اتخذ الله صاحبةً ولا ولدًا، فماذا تريدون؟ قال: فيقولون: أي ربنا ظَمِئنا، فيقول: ألا تَرِدون؟ فيذهبون حتى يتساقطوا في النار، قال: ثم يُدْعَى النصارى، فيقول: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح ابن الله، فيقول: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: ربنا ظَمِئنا، فاسْقنا، فيقول: أفلا تَرِدون؟ فيذهبون حتى يتساقطوا في النار، فيبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ وفاجر، ثم يَتَبَدَّى الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول: يا أيها الناس، لَحِقَت كلُّ أمة بما كانت تعبد، وبقيتم، فلا يُكَلِّمه يومئذ

стр. 2851

إلا الأنبياء، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا، وكنا إلى صحبتهم أحوج، لَحِقَت كلُّ أمة بما كانت تعبد، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نَعْبُد، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيَكْشِف عن ساق، فنخرّ سُجَّدًا أجمعون، ولا يبقى أحدٌ كان يسجد في الدنيا سمعةً ولا رياءً، ولا نفاقًا إلا على (١) ظهره طبقًا واحدًا، كلما أراد أن يسجد خَرّ على قفاه، ثم يَرْفَعُ بَرَّنَا ومُسِيئنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم، أنت ربنا، ثلاث مرات، ثم يُضْرَب الجسر على جهنم، قال: قلنا: وما الجسر؟ يا رسول الله، بأَبِينا أنت وأُمِّنا، قال: دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، له كَلاليب وخَطاطيف، وحَسَد، يكون بنجد عُقَيفَاء (٢)، يقال له: السَّعْدان، فيَمُرُّ المؤمنون كلمح البرق، وكالطَّرْف، وكالريح، وكالطير، وكأجود الخيل والراكب، فناجٍ مرسل، ومخدوشٌ مرسلٌ، ومكدوس في نار جهنم، والذي نفسي بيده، ما أحدكم بأشدّ مناشدةً في الحق يراه مسألة المؤمنين (٣) في إخوانهم، إذا رأوا أن قد خَلَصوا من النار، يقولون: أي ربنا إخواننا إخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجّون معنا، ويُجاهدون معنا، قد أخذتهم النار، فيقول: اذهبوا، فمن عَرَفتم صورته، فأخرجوه، وتُحَرَّم صورهم على النار، فيجدون الرجلَ قد أخذته النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حِقْويه، فيُخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون، فيتكلمون، فيقول: اذهبوا فما وجدتم في قلبه مثقال قِيراط خير، فأخرجوه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون، يتكلمون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه نصف قيراط خير، فأخرجوه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون، فيتكلمون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال

стр. 2852

ذرة، فأخرجوه، قال: وكان أبو سعيد إذا حَدّث بهذا الحديث قال: إن لم تُصَدّقوني، فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، فيقولون: ربنا لم نَذَر فيها خيرًا، فيقول: هل بقي إلا أرحم الراحمين؟ فيقول: قد شفعت الملائكة، والأنبياء، وشفع المؤمنون، فهل بقي إلا أرحم الراحمين؟ قال: فيأخذ قبضة من النار، فيَخْرُجُ قومًا (١) قد عادوا حُمَمَةً، لم يعملوا خيرًا قط، فيُطرحون في نهر الجنة، يقال له: نهر الحياة، فينبتون فيه - والذي نفسي بيده - كما تنبت الحبة في حَمِيل السيل، ألم تروها وما يليها من الظل أُصَيفر، وما يليها من الشمس أُخيضر؟ قال: قلنا: يا رسول الله كأنك كنت في الماشية، قال: فينبتون كذلك، قال: فيخرجون أمثال اللؤلؤ، فيُجْعَل في رقابهم الخواتيمُ، ثم يرسلون في الجنة، فهؤلاء الجهنميون، هؤلاء الذين أخرجهم الله من النار بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقول الله : من وجدتم؟ (٢)، فيأخذون حتى ينتهون (٣)، ثم يقولون: لو يعطينا الله ما أخذنا، فيقول الله : فأنا أعطيكم أفضل ما أخذتموه، فيقولون: يا ربنا، وما أفضل ما أخذنا؟ فيقول: رضواني، فلا أسخط" (٤). وقوله: (وَقَدْ زَادَ، وَنَقَصَ شَيْئًا) يعني أن هشام بن سعد زاد في روايته على رواية حفص وسعيد بن أبي هلال بعض الزيادات، ونقص منها بعضًا. فمما زاده قوله: "ثم تُعرَض جهنم كأنها سَرابٌ يَحطِم بعضُها بعضًا" بعد قوله: "وغُبّرات أهل الكتاب". وقوله: "فنَخِرّ سُجّدًا أجمعون" بعد قوله: "فيكشف عن ساق".

стр. 2853

وقوله: "ثلاث مرات" بعد قوله: "فيقولون: نعم، أنت ربنا". وقوله: "بأبينا أنت وأمنا" بعد قوله: "وما الجسر يا رسول الله؟ ". وقوله: "ويُجاهدون معنا" بعد قوله: "ويحجون معنا". وقوله: "وإلى حِقْويه" بعد قوله: "وإلى ركبتيه". وقوله: "إذا حَدّث بهذا الحديث" بعد قوله: "وكان أبو سعيد". وقوله: "والذي نفسي بيده" بعد قوله: "فينبتون". وقوله: "فيأخذون حتى ينتهون" بعد قوله: "خذوا فلكم ما أخذتم" (١). ومما نقصه: قوله: "لا نشرك بالله شيئًا، مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب" بعد قوله: "نعوذ بالله منك". وقوله: "حتى إذا خلص المؤمنون من النار" بعد قوله: "ومكدوس في نار جهنم". ومما غيّره قوله: "مثقال قِيراط خير" بدل قوله: "مثقال دينار من خير"، هذا ملخّص التفاوت بين روايتي حفص بن ميسرة، وهشام بن سعد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٨) - (بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَة، وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٤] (١٨٤) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أخْبَرَنِي (٢) مَالِكُ بْنُ أَنَس، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِه، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ

стр. 2854

وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا، قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاة، أَوِ الْحَيَا، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْل، أَلمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ؟ صَفْرَاءَ مُلْتَوَيةً"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السَّعْديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقة فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، واسم أبي حسن: تميم بن عمرو، فيما قيل، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعبّاد بن تميم، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وعباس بن سهل بن سعد، ودينار القَرّاط، وأبي الحباب سعيد بن يسار، ويوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شَمّاس، وأبي زيد مولى بني ثعلبة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم. ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهما من أقرانه، وأيوب، ومالك، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وإبراهيم بن طَهْمان، ورَوْح بن القاسم، وزائدة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد العزيز الماجشون، والدراورديّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال العجليّ، وابن نمير: ثقةٌ، نقله ابن خَلْفُون. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة إلا أنه اختُلِف عنه في حديثين: "الأرض كلها مسجد"، و"كان يسلّم عن يمينه"، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين:

стр. 2855

صُويلح، وليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البرّ: مات سنة (١٤٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. [تنبيه]: ذكر الحافظ المزيّ ﵀ في "تهذيب الكمال": أن عمرو بن يحيى هذا ابنُ بنت عبد الله بن زيد، فتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: هذا وَهَمٌ تَبعَ فيه صاحب "الكمال"، وسببه ما في رواية مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه: "أن رجلًا سأل عبد الله بن زيد، وهو جدُّ عمرو بن يحيى"، فظَنُّوا أن الضمير يعود على عبد الله، وليس كذلك، بل إنما يعود على الرجل، وهو عمرو بن أبي حَسَن عَمُّ يحيى، وقيل له: جَدّ عمرو بن يحيى تَجَوُّزًا؛ لأن العم صِنْوُ الأب، وأما عمرو بن يحمى: فأمُّهُ فيما ذكر محمد بن سعد في "الطبقات" حُمَيدة بنت محمد بن إياس بن الْبُكَيْر، وقال غيره: أم النعمان بنت أبي حَيّة، فالله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). ٥ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدريّ. وروى عنه ابنه عمرو، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة، وعُمار بن غَزِيّة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، والزهريّ، وأبو طُوَالة. قال ابن إسحاق: كان ثقةً، وقال النسائيّ، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.

стр. 2856

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ) هكذا روى يحيى بن عُمارة حديث أبي سعيد ﵁ هذا بالاختصار، اختصره من الحديث الماضي، وهو من حديث مالك ﵀، وليس في "الموطّا"، قال الدارقطنيّ: هو غريمث صحيحٌ (١). (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ) فيه إشارة إلى أن دخول الجنّة برحمة الله ، لا بالعمل، وإن كان سببًا له، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يُدخل أحدًا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسَدِّدوا، وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يَستعتب". وأخرجا أيضًا عن عائشة ﵂ عن النبيّ ﷺ قال: "سَدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنه لا يُدْخِل أحدًاا لجنة عَمَلُهُ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة". (وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة: أي مقدار حبّة، و"المثقال: كالمقدار لفظًا ومعنى، مِفْعَال من الثقل، وفي "العباب": مثقال الشيء: ميزانه من مثله، فقوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]: أي وزن ذرّة، قال:

стр. 2857

وَكُلٌّ يُوَافِيهِ الْجَزَاءُ بِمِثْقَالِ أي بوزن (١). (مِنْ خَرْدَلٍ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء: نباتٌ معروفٌ يُشَبّه به الشيء القليل البليغ في القلّة، وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ) بيان لمثقال حبّة، وهو إشارة إلى ما لا أقلّ منه، قال الخطابيّ: هو مَثَلٌ ليكون عِيَارًا في المعرفة، لا في الوزن؛ لأن ما يُشكِل في المعقول يُرَدّ إلى المحسوس لِيُفهم، وقال إمام الحرمين: الوزن للصُّحُف المشتملة على الأعمال، ويَقَع وزنها على قدر أجور الأعمال، وقال غيره: يجوز أن تُجَسَّد الأعراض، فتوزن، وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع، لا دخل للعقل فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن الوزن ثبت للصحُف، وللأعمال نفسها، وللشخص نفسه، والذي يظهر أن في بعض الأحوال توزن الأعمال، كما هو صريح معظم النصوص، وفي بعضها توزن الصحائف، كما في حديث البطاقة، وفي بعضها يوزن الشخص نفسه، كما في حديث: "يجاء بالرجل العظيم، فلا يزن عند الله جناح بعوضة"، والله تعالى أعلم. والمراد بحبّة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد؛ لقوله في الرواية الأخرى: "أخرجوا من قال: لا إله إلا الله، وعَمِلَ من الخير ما يَزِنُ ذَرّة" (٢). (فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ) بالبناء للمفعول (مِنْهَا) أي من النار (حُمَمًا) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الميم المخفّفة، وهو الْفَحْم (قَدِ امْتَحَشُوا) بفتح التاء، مبنيًّا للفاعل، على المختار، وقيل: بضمّها، مبنيًّا للمفعول، ومعناه: احتَرَقُوا (فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاة، أَوِ الْحَيَا) بالشك، وقد تبيّن الشاكّ في رواية البخاريّ في "الإيمان" حيث قال: "شكّ مالك"، و"الحيا" مقصور، وهو المطر، سُمّي حيًّا؛ لأنه تحيا به الأرض، ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون، وتَحْدُث فيهم النضارة، كما يحدُث ذلك بالمطر في الأرض. ووقع في رواية غير كريمة في البخاريّ بلفظ "الحياء" بالمدّ، قال في "الفتح": كذا في هذه الرواية بالمدّ، ولكريمة وغيرها بالقصر، وبه جزم الخطابيّ، وعليه المعنى؛ لأن المراد: كلُّ ما تَحْصُل به الحياة، والحيا بالقصر

стр. 2858

هو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة، من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الْخَجَل. انتهى (١). (فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر أوله، قال أبو حنيفة الدِّينَوريّ: الْحِبّة جمع بُزُور النبات، واحدتها حَبّة بالفتح، وأما الْحَبّ: فهو الحنطة والشعير، واحدتها حَبّة بالفتح أيضًا، وإنما افترقا في الجمع، وقال أبو المعالي في "المنتهى": الْحِبَّة بالكسر: بُزُور الصحراء، مما ليس بقوت. انتهى. وقيل: اللام في "الْحِبّة" للعهد، ويراد به حِبّة الحمقاء، وهي الرِّجْلة بالكسر، سميت بالحمقاء؛ لأنها تنبت في جانب السيل، فيُتلفها، ثم تنبت، فيُتلفها، وهكذا (٢). (إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ) بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ ﵀: "السيل": معروف، وجمعه سُيُول، وهو مصدر في الأصل، مِن سال الماء يَسِيل سَيْلًا، من باب باع، وسَيَلانًا: إذا طغا، وجرى، ثم غَلَبَ السيل في الْمُجْتَمِعِ من المطر الجاري في الأودية. انتهى (٣). وفي رواية: "حميل السيل"، وهو فعيل بمعنى مفعول: أي محمول السيل، وهو ما جاء به من طين، أو غُثَاء، وفي رواية "حمأة السيل" وهو ما تغيّر لونه من الطين، وكلّه بمعنًى، فإذا اتّفق فيه حبّة على شطّ مجراه، فإنها تنبت سريعًا (٤). (أَلَمْ تَرَوْهَا) خطاب لكلّ من يتأتى منه الخطاب (كَيْفَ تَخْرُجُ؟ صَفْرَاءَ) تأنيث الأصفر، من الصفرة، وهو لون دون الحمرة، والأصفر أيضًا الأسود، فالذكر أصفر، والأنثى صفراء، قاله الفيّوميّ (٥). (مُلْتَوَيةً) أي منعطفة منثنيةً، وانتصاب "صفراء"، و"ملتوية" على الحال، وهما إما متداخلان، أو مترادفان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2859

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٨/ ٤٦٤ و ٤٦٥] (١٨٤)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٢٢)، و"التفسير" (٤٥٨١)، و"الرقاق" (٦٥٦٠)، و (الترمذيّ) في "صفة جهنم" (٢٥٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٥ و ١١ و ١٩ و ٢٠ و ٢٥ و ٤٨ و ٥٦ و ٧٨ و ٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٥٤ و ٤٥٥)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (٤٦١ و ٤٦٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٢ و ٢٢٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٢١ و ٨٢٢ و ٨٢٣ و ٨٣٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٥٧). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات الشفاعة، وهو مجمع عليه بين أهل السنّة والجماعة، وإنما أنكره المبتدعة، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): الرّدّ على المرجئة حيث دلّ على دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار؛ إذ مذهبهم أنه لا يضرّ مع الإيمان معصية، فلا يدخل العاصي النار، وهو مذهب باطل بدلائل الكتاب والسنّة، وإجماع أهل السنة. ٣ - (ومنها): الرّدّ على المعتزلة حيث دلّ على عدم تخليد أصحاب الكبائر في النار، خلافًا لهم، وهو مذهب باطلٌ أيضًا بدلائل الكتاب والسنّة، وإجماع أهل السنّة. ٤ - (ومنها): بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. ٥ - (ومنها): بيان أن الأعمال من الإيمان؛ لقوله: "حبة خردل من إيمان"؛ إذ المراد ما زاد على أصل التوحيد، كما سبق بيانه. ٦ - (ومنها): أنه استدلّ به الغزاليّ بقوله: "من كان في قلبه" على نجاة من أيقن بذلك، وحال بينه وبين النطق به الموت، وقال في حقّ من قدر على ذلك، فأخّر، فمات: يحتمل أن يكون امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن الصلاة، فيكون غير مخلّد في النار، ويحتمل غير ذلك، ورجّح غيره الثاني، فيحتاج إلى تأويل قوله: "في قلبه"، فيقدّر فيه محذوفٌ، تقديره منضمّ إلى

стр. 2860

النطق به مع القدرة عليه، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط النطق للقادر عليه مع الاعتقاد هو الحقّ؛ لظواهر النصوص الكثيرة، فلا يكفي مجرّد الاعتقاد، إلا لغير القادر، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في البحث عن الشفاعة: قال القاضي عياض ﵀: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلًا، ووجوبها سمعًا بصريح قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وأمثالهما، وبخبر الصادق ﷺ ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف، ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومَنَعَت الخوارج، وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وهذه الآيات في الكفار، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث في "صحيح مسلم" وغيره صريحة في بطلان مذهبهم، وأنها في المذنبين، وفي إخراج مَنِ استوجب النار، لكن الشفاعة بمجموعها على خمسة أقسام (٢): [أولها]: مختصة بنبينا ﷺ ، وهي الإراحة من هول الموقف، وتعجيل الحساب، كما سيأتي بيانها عند ذكرها في "صحيح مسلم". [الثانية]: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه وردت أيضًا لنبينا ﷺ ، وقد ذكرها مسلم ﵀، وسننبه عليها في موضعها. [الثالثة]: الشفاعة لقوم استوجبوا النار (٣)، فيَشْفَع فيهم النبيّ ﷺ ، ومن

стр. 2861

شاء الله تعالى، وسننبه على موضعها قريبًا - إن شاء الله تعالى -. [الرابعة]: فيمن دَخَل النار من المذنبين، فقد جاءت هذه الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبيّنا ﷺ ، والملائكة، وإخوانهم من المؤمنين، ثم يخرج الله تعالى كل من قال: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث، حتى لا يبقى فيها إلا الكافرون، ومن حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود، كما جاء في الحديث. [الخامسة]: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا ينكرها المعتزلة، ولا ينكرون أيضًا شفاعة الحشر الأَوّل. قال القاضي عياض ﵀: وقد عُرِف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح ﵃ شفاعة نبيّنا ﷺ ، ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يُلْتَفت إلى قول من قال: إنه يكره أن يسأل الإنسان الله تعالى أن يرزقه الله شفاعة محمد ﷺ ؛ لكونها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدّمنا لتخفيف الحساب، وزيادة الدرجات، ثم كل عاقل معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، غير مُعْتَدٍّ بعمله، مُشفق من أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائلَ أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عُرِف من دعاء السلف والخلف. هذا آخر كلام القاضي ﵀ (١)، وهو كلام نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال في "الفتح" ما حاصله: إن الخوارج الطائفة المشهورة المبتدعة كانوا ينكرون الشفاعة، وكان الصحابة ينكرون إنكارهم، ويحدّثون بما سمعوا من النبيّ ﷺ في ذلك، فأخرج البيهقيّ في "البعث" من طريق شَبِيب بن أبي فَضَالة: ذَكَروا عند عمران بن حصين ﵄ الشفاعة، فقال رجل: إنكم لتحدثوننا بأحاديث لا نجد لها في القرآن أصلًا، فغَضِب، وذكر له ما معناه: إن الحديث يُفَسّر القرآن. وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح، عن أنس ﵁ قال: "مَن كَذّب بالشفاعة، فلا نصيب له فيها".

стр. 2862

وأخرج البيهقيّ في "البعث" من طريق يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس ﵄: خَطَب عمر ﵁، فقال: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يُكَذّبون بالرجم، ويكذبون بالدّجّال ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار. ومن طريق أبي هلال، عن قتادة قال: قال أنس: يخرج قوم من النار، ولا نُكَذِّب بها كما يكذب بها أهل حَرُوراء - يعني الخوارج -. قال ابن بطال ﵀: أنكرت المعتزلة، والخوارج الشفاعة في إخراج مَن أُدخل النار من المذنبين، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وغير ذلك من الآيات، وأجاب أهل السنة: بأنها في الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترةً، ودَلّ عليها قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، والجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحديّ، فنقل فيه الإجماع، ولكنه أشار إلى ما جاء عن مجاهد، وزَيَّفَهُ، وقال الطبريّ: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبيّ ﷺ ليريحهم من كَرْب الموقف، ثم أَخرَج عِدّة أحاديث في بعضها التصريح بذلك، وفي بعضها مُطْلَقَ الشفاعة. [فمنها]: حديث سلمان ﵁ قال: "فيُشَفِّعه الله في أمته، فهو المقام المحمود"، ومن طريق رِشْدين بن كُرَيب، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: "المقام المحمود: الشفاعة"، ومن طريق داود بن يزيد الأوديّ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: سئل عنها النبيّ ﷺ ، فقال: هي الشفاعة، ومن حديث كعب بن مالك ﵁ رفعه: "أكون أنا وأمتي على تَلّ، فيكسوني ربي حُلّةً خضراء، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود"، ومن طريق يزيد بن زريع، عن قتادة: ذُكِر لنا أن نبي الله ﷺ أول شافع، وكان أهل العلم يقولون: إنه المقام المحمود، ومن حديث أبي مسعود ﵁ رفعه: "إني لأقوم يوم القيامة المقام المحمود، إذا جيء بكم حُفَاةً عُرَاةً، وفيه: ثم يكسوني ربي حُلّةً، فألبسها، فأقوم عن يمين العرش مقامًا لا يقومه أحدٌ، يغبطني به الأولون والآخرون"، ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: "المقام المحمود:

стр. 2863

الشفاعة"، ومن طريق الحسن البصري مثله، قال الطبريّ: وقال ليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: يُجلسه معه على عرشه، ثم أسنده، وقال: الأول أولى على أن الثاني ليس بمدفوع، لا من جهة النقل، ولا من جهة النظر. وقال ابن عطية: هو كذلك إذا حُمِلَ على ما يليق به، وبالغ الواحدي في رَدّ هذا القول، وأما النّقّاش فنقل عن أبي داود، صاحب "السنن" أنه قال: من أنكر هذا فهو مُتَّهَمٌ، وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ عند الثعلبيّ، وعن ابن عباس ﵄ عند أبي الشيخ، وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: "إن محمدًا يوم القيامة على كرسيّ الربّ بين يدي الربّ"، أخرجه الطبريّ. قال الحافظ ﵀: فيحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف، وعلى ذلك يُحْمَل ما جاء عن مجاهد وغيره. والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، لكن الشفاعة التي وَرَدت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان: [الأول]: العامّة في فصل القضاء. [والثاني]: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وحديث سلمان الذي ذكره الطبريّ أخرجه ابن أبي شيبة أيضًّا، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد والترمذيّ، وحديث كعب أخرجه ابن حبان، والحاكم، وأصله في مسلم، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، وجاء فيه أيضًا عن أنس، وعن ابن عمر، وعن جابر عند الحاكم من رواية الزهريّ، عن علي بن الحسين عنه، واختُلِف فيه على الزهريّ، فالمشهور عنه أنه من مرسل علي بن الحسين، كذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وقال إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عليّ، عن رجال من أهل العلم. أخرجه ابن أبي حاتم، وحديث جابر في ذلك عند مسلم من وجه آخر عنه، وفيه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عند ابن مردويه، وعنده أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص، ولفظه؛ سئل النبيّ ﷺ عن المقام المحمود، فقال: "هو الشفاعة"، وعن أبي سعيد عند الترمذيّ، وابن ماجه. وقال الماوردي في "تفسيره": اختُلِف في المقام المحمود على ثلاثة

стр. 2864

أقوال، فذكر القولين: الشفاعة والإجلاس، والثالث: إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة، قال القرطبيّ: هذا لا يغاير القول الأول، وأثبت غيره رابعًا، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، عن سعيد بن أبي هلال، أحدِ صغار التابعين أنه بلغه أن المقام المحمود أن رسول الله ﷺ يكون يوم القيامة بين الجبار وبين جبريل، فيغبطه بمقامه ذلك أهلُ الجمع، قال الحافظ: وخامسًا، هو ما اقتضاه حديث حُذيفة ﵁، وهو ثناؤه على ربه، ولكنه لا يغاير الأول أيضًا، وحَكَى القرطبيّ سادسًا، وهو ما اقتضاه حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، قال: "يشفع نبيكم رابعَ أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم، لا يشفع أحدٌ في أكثر مما يشفع فيه … " الحديث، وهذا الحديث لم يُصَرَّح برفعه، وقد ضعفه البخاريّ، وقال: المشهور قوله ﷺ : "أنا أول شافع". قال الحافظ: وعلى تقدير ثبوته، فليس في شيء من طرقه التصريح بأنه المقام المحمود، مع أنه لا يغاير حديث الشفاعة في المذنبين، وجَوّز المحب الطبري سابعًا، وهو ما اقتضاه حديث كعب بن مالك، فقال بعد أن أورده: هذا يشعر بأن المقام الشفاعة، ثم قال: ويجوز أن تكون الإشارة بقوله: "فأقول" إلى المراجعة في الشفاعة، قال الحافظ: وهذا هو الذي يتجه، ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة العامّة، فإن إعطاءه لواء الحمد، وثناءه على ربه، وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه، وقيامه أقرب من جبريل، كلُّ ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه؛ ليُقْضَى بين الخلق، وأما شفاعته في إخراج المذنبين من النار، فمن توابع ذلك. واختُلِف في فاعل الحمد من قوله: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فالأكثر على أن المراد به أهلُ الموقف، وقيل: النبيّ ﷺ ، أي أنه هو يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده في الليل، والأول أرجح؛ لما ثَبَت من حديث ابن عمر بلفظ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يحمده أهل الجمع كلهم، ويجوز أن يُحْمَل على أعمّ من ذلك: أي مقامًا يحمده القائم فيه، وكل مَن عرفه، وهو مطلق في كل ما يَجْلِب الحمد، من أنواع الكرامات، واستَحْسَن هذا أبو حيان، وأيّده بأنه نكرةٌ، فدَلّ على أنه ليس المراد مقامًا مخصوصًا.

стр. 2865

وقال ابن بطال ﵀: سَلَّم بعضُ المعتزلة وقوع الشفاعة، لكن خَصّها بصاحب الكبيرة الذي تاب منها، وبصاحب الصغيرة الذي مات مصرًّا عليها. وتُعُقِّب بأن من قاعدتهم أن التائب من الذنب لا يُعَذَّب، وأن اجتناب الكبائر يُكَفِّر الصغائر، فيلزم قائله أن يخالف أصله. وأُجيب بأنه لا مغايرة بين القولين؛ إذ لا مانع من أن حصول ذلك للفريقين إنما حصل بالشفاعة، لكن يحتاج مَن قَصرها على ذلك إلى دليل التخصيص، وقد ثبت قوله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، ولم يخص بذلك من تاب. وقال عياض ﵀: أثبتت المعتزلة الشفاعة العامة في الإراحة من كرب الموقف، وهي الخاصة بنبينا ﷺ ، والشفاعة في رفع الدرجات، وأنكرت ما عداهما. قال الحافظ: وفي تسليم المعتزلة الثانية نظرٌ، وقال النوويّ تبعًا لعياض: الشفاعة خمس: في الإراحة من هول الموقف، وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي إدخال قوم حوسبوا، فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي إخراج من أدخل النار من العصاة، وفي رفع الدرجات. ودليل الأولى سيأتي التنبيه عليه في شرح حديث أنس ﵁ الطويل في الشفاعة الآتي قريبًا. ودليل الثانية قوله تعالى في جواب قوله ﷺ : "أمتي، أمتي": "أَدْخِل الجنة من أمتك مَن لا حساب عليهم"، قال الحافظ: كذا قيل، ويظهر لي أن دليله سؤاله ﷺ الزيادة على السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فأجيب. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تنافي في الاستدلال بالحديثين، فتأمله، والله تعالى أعلم. ودليل الثالثة قوله في حديث حُذيفة ﵁ عند مسلم: "ونبيّكم على الصراط يقول: رب سلِّم"، وله شواهد سيأتي ذكرها في شرح حديث أنس ﵁ في الشفاعة. ودليل الرابعة سيأتي أيضًا في شرح حديث أنس ﵁ عنه مبسوطًا. ودليل الخامسة قوله في حديث أنس ﵁ عند مسلم: "أنا أول شفيع في

стр. 2866

الجنة"، قال الحافظ ﵀: كذا قاله بعض مَن لقيناه، وقال: وجه الدلالة منه أنه جَعَلَ الجنة ظرفًا لشفاعته، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأني سأبيّن أنها ظرف في شفاعته الأولى المختصة به، والذي يُطْلَب هنا أن يشفع من لم يبلغ عمله درجة عالية أن يبلغها بشفاعته. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس ﵁ الآتي بلفظ: "أنا أول الناس يشفع في الجنّة" ظاهر فيما قاله هذا البعض، وما تعقّبه به الحافظ، ففيه نظر لا يخفى، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وأشار النووي في "الروضة" إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه ﷺ ، مع أنه لم يذكر مستندها. وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في العذاب، كما سيأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله تعالى -. وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي الشفاعة لأهل المدينة؛ لحديث سعد ﵁ رفعه: "لا يَثْبُت على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا"، أخرجه مسلم، ولحديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع من مات بها"، أخرجه الترمذيّ. قال الحافظ ﵀: وهذه غير واردة؛ لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأُوَل، ولو عُدّ مثل ذلك لَعُدّ حديث عبد الملك بن عباد، سمعت النبيّ ﷺ يقول: "أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف" (١)، أخرجه البزار، والطبرانيّ. وأخرج الطبرانيّ، من حديث ابن عمر ﵄ رفعه: "أول من أشفع له أهل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم" (٢). وذكر القزويني في العروة الوثقى شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم، ولم يذكر مستندها، قال الحافظ: ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة.

стр. 2867

وزاد القرطبيّ أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وهذه أفردها النقاش بالذكر، وهي واردة، ودليلها يأتي في حديث الشفاعة الطويل الآتي - إن شاء الله تعالى -. وزاد النقاش أيضًا شفاعته في أهل الكبائر من أمته، وليست واردة؛ لأنها تدخل في الثالثة، أو الرابعة. قال الحافظ ﵀: وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبرانيّ، عن ابن عباس ﵄ قال: "السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبيّ ﷺ "، وأرجح الأقوال في أصحاب الأعراف: إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عبّاس ﵄ هذا موضوع؛ لأن في سنده موسى بن عبد الرحمن الصنعانيّ، وهو وضّاع (١)، كما قال الهيثميّ ﵀ في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٣٧٨، فلا يصلح لإثبات ما ادّعاه الحافظ من هذا القسم في الشفاعة، فتنبّه (٢)، والله تعالى أعلم. قال: وشفاعة أخرى، وهي شفاعته ﷺ فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرًا قطّ، ومستندها رواية الحسن، عن أنس ﵁ كما سيأتي بيانه، ولا يمنع مِن عَدّها قول الله تعالى له: "ليس ذلك إليك"؛ لأن النفي يتعلق بمباشرة الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صَدَرت، وقبولها قد وقع، وترتب عليها أثرها. قال الجامع عفا الله عنه: استدلال الحافظ ﵀ على هذا النوع من

стр. 2868

الشفاعة بحديث أنس ﵁ المذكور، غير ظاهر، كما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم. قال: فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يَرِدُ كما تَرِد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين، وغير ذلك؛ لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، مع ما أسلفته من التعقّب في بعضه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٥] ( … ) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ (ح)، وَحَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الاسْنَاد، وَقَالَا: "فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ، يُقَالَ لَهُ: الْحَيَاةُ"، وَلَمْ يَشُكَّا، وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: "كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ"، وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: "كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: ابن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٥ - (عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بن أوس بن الْجَعْد، أبو عثمان الواسطيّ البزار الحافظ، مولى أبي الْعَجْفاء السلميّ، سكن البصرة، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]. رَوَى عن الحمادين، وهُشيم، وشَرِيك، وأبي عوانة، وخالد بن عبد الله،

стр. 2869

وعبد السلام بن حرب، وأبي معاوية، وشعيب بن إسحاق، ووكيع، وابن أبي زائدة، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى البخاريّ أيضًا والباقون له بواسطة عبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وحجاج بن الشاعر، وعبد الله الدارميّ وأحمد بن سليمان الرُّهَاويّ، وعُثمان بن خُرَّزاذ، والعباس بن جعفر بن الزِّبْرِقان، وغيرهم. قال إبراهيم بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: حدثنا عمرو بن عون، وأطنب في الثناء عليه، وقال العجلئ: ثقة، كان رجلًا صالحًا، وقال الدُّوريّ: سمعت يزيد بن هارون يقول: عمرو بن عون ممن يزداد كل يوم خيرًا، وقال أبو زرعة: قَلّ من رأيت أثبت منه، وقال أبو حاتم: ثقةٌ حجةٌ، وكان يَحفظ حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس وعشرين ومائتين، كذا قال أبو حاتم بن الليث الجوهريّ، وكذا قاله البخاريّ، وأبو داود ظنًّا، وكذا جزم به ابن قانع نقلًا عن حفيده، وزاد: في شعبان، وقال مسلمة في "الصلة": ثقةٌ، وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاريّ أحد عشر حديثًا (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٤)، وحديث (١٦٠٥): "لا يحتكر إلا خاطئ". ٦ - (خَالِد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقة ثبت [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧. وعمرو بن يحيى المازنيّ تقدّم في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا) أي وُهيبٌ، وخالد الطحان. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد عمرو السابق، وهو: عن أبيه يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁. وقوله: (وَقَالَا: "فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ، يُقَالَ لَهُ: الْحَيَاةُ"، وَلَمْ يَشُكَّا) يعني أن وُهيبًا وخالدًا روياه بلفظ: "الحياة" ولم يشكّا كما شك مالك، فقال: "في نهر الحياة، أو الحيا".

стр. 2870

وقوله: (وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: "كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ في جَانِبِ السَّيْلِ") يعني أن خالدًا الطحان رواه بلفظ: "كما تنبت الغُثَاءة" بدل قول مالك: "كما تنبت الْحِبّة"، و"الْغُثَاءَةُ" بضم الغين المعجمة، وبالثاء المثلّثة المخفّفة، وبالمدّ، وآخره هاء: هو كلّ ما جاء به السيل، وقيل: المراد ما احتمله السيل من البذور، وجاء في غير "صحيح مسلم" بلفظ: "كما تنبت الْحِبّة في غُثاء السيل" بحذف الهاء من آخره، وهو ما احتمله السيل من الزبَد، والْعِيدَان، ونحوهما من الأقذاء، قاله النوويّ ﵀ (١). وقوله: (وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: "كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ") يعني أن وهيب بن خالد رواه بلفظ: "كما تنبت الحِبّة في حمئة السيل، أو حميلة السيل" بالشكّ. أما الأول: فهو "حَمِئَةٌ" بفتح الحاء، وكسر الميم، وبعدها همزة، وهي الطين الأسود الذي يكون في أطراف النهر. وأما الثاني: فهو "حَمِيلة"، وهي واحد الْحَمِيل المذكور في الروايات الأُخَر، بمعنى المحمول، وهو الغثاء الذي يَحتمله السيل، والله تعالى أعلم (٢). [تنبيه]: رواية وُهيب التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية مالك، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٦٥٦٠) حدثنا موسى، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، أن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يقول الله: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه، فيُخْرَجون قد امْتَحَشُوا، وعادوا حُمَمًا، فيُلْقَون في نهر الحياةُ، فينبتون كما تنبت الْحِبّة في حَمِيل السيل، أو قال: حَمِية السيل"، وقال النبيّ ﷺ : "ألم تَرَوْا أنها تَنْبُتُ صفراء مُلْتَوِيَةً؟ ". انتهى. وأما رواية خالد الطحّان التي أحالها هنا أيضًا، فقد أخرجها الحافظ ابن منده ﵀ في "الإيمان" (٢/ ٨٠٧)، فقال: (٨٢٣) وأنبأ محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء، ثنا موسى بن هارون، ثنا

стр. 2871

وهب بن بقية، ثنا خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال الله برحمته: انظُرُوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار، قال: فأُخرجوا قد عادوا حُمَمًا، فيُلْقَون في نهر يسمى نهر الحياة، فيَنْبُتُون كما تنبت الْغُثَاءة في جانب السيل، ألم تَرَوا أنها تأتي صفراء ملتويةً؟ ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٦] (١٨٥) - (وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ (١)، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ، أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَة، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّة، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّة، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّة، تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: كَاَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) المذكور قبل باب. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٣ - (أَبُو مَسْلَمَةَ) هو: سعيد بن يزيد بن مَسْلَمة الأَزْديّ، ويقال: الطّاحِيّ، أبو مَسلمة البصريّ القصير، ثقة [٤]. رَوَى عن أنس، وأبي نَضْرَة، وعكرمة، وأبي قِلابة، ومُطَرِّف، ويزيد ابني عبد الله بن الشِّخِّير، والحسن البصريّ، وغيرهم.

стр. 2872

ورَوَى عنه شعبة، وإبراهيم بن طَهْمان، وحماد بن زيد، وعباد بن الْعَوّام، وخالد بن عبد الله، وبِشْر بن المفضل، وابن علية، ويزيد بن زُريع، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، ووثقه ابن سعد، والعجليّ، وأبو بكر البزار، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) هو: الْمُنْذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْديّ الْعَوَقِيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) الْخُدريّ ﵁ المذكور قبله، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٥ - (ومنها): أن الصحابيّ ﵁ من المكثرين السبعة، كما أسلفته قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخُدْريّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ) ووقع في النسخة التي شرح عليها النوويّ بلفظ: "أهل النار … إلخ" بدون "أما"، فقال النوويّ ﵀: هكذا وقع في معظم النسخ: "أهلُ النار"، وفي بعضها: "أما أهلُ النار" بزيادة "أما"، وهذا أوضح، والأول صحيح، وتكون الفاء في "فإنهم" زائدةً، وهو جائزٌ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "أما" على النسخة التي فيها "أما أهل

стр. 2873

النار"، فهي حرف شرط وتوكيد، وليست هنا للتفصيل، وإن كان غالب أحوالها أن تأتي له لكنها ليست له، كما بيّنه ابن هشام في "مغنيه" (١)، وجوابها قوله: "فإنهم لا يموتون … إلخ"، وقوله: (الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا) صفة لـ "أهل النار" (فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا) أي حتى يستريحوا من ألم العذاب (وَلَا يَحْيَوْنَ) بفتح أوله، مضارع حَيِي، من باب تَعِبَ: أي ولا يحيون حياةً ينتفعون بها، ويجدون فيها لذّة المعيشة، بل يكونون دائمًا متقلّبين في عذاب أليم. وقال النوويّ ﵀: الظاهر من معنى الحديث - والله أعلم - أن الكفار الذين هم أهل النار، والمستحقون للخلود، لا يموتون فيها، ولا يَحْيَون حياةً ينتفعون بها، ويستريحون معها، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى: ١٣]، وهذا جارٍ على مذهب أهل الحقّ أن نعيم أهل الجنة دائم، وأن عذاب أهل الخلود في النار دائمٌ. انتهى (٢). (وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ) أي بسبب ارتكابهم الذنوب الموجبة لدخول النار (أَوْ) للشكّ من الرا وي (قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً) أي أماتهم الله، فالفاعل ضمير يعود على الله؛ لعلمه، وإن لم يُذكر، وفي بعض النسخ: "فأماتتهم"، فالضمير للنار. وقال النوويّ ﵀: وأما قوله ﷺ : "ولكن ناس أصابتهم النار … إلخ": معناه: أن المذنبين من المؤمنين يُميتهم الله تعالى إماتةً بعد أن يُعَذّبوا المدة التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية، يَذْهَب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يُميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدّة التي قدَّرها الله تعالى، ثم يَخرُجون من النار موتى، قد صاروا فَحْمًا، فَيُحْمَلون ضَبَائر كما تُحْمَل الأمتعة، ويُلْقَون على أنهار الجنة، فيُصَبّ عليهم ماءُ الحياة، فيَحْيَون، ويَنبُتون نَبَاتَ الْحِبّة في حَمِيل السيل، في سرعة نباتها وضعفها، فتَخْرُج لضعفها صَفْراء مُلْتَوِيةً، ثم تشتدّ قوتهم بعد ذلك،

стр. 2874

ويصيرون إلى منازلهم، وتَكْمُلُ أحوالهم، فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث ومعناه. وحَكَى القاضي عياض ﵀ فيه وجهين: أحدهما أنها إماتة حقيقيةٌ، والثاني: ليس بموت حقيقيّ، ولكن يَغِيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال: ويجوز أن تكون آلامهم أخَفّ، فهذا كلام القاضي، والمختار ما قدمناه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو كلام منقّح مفيد، والله تعالى أعلم. (حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا) بفتح الفاء، وسكون الحاء المهملة، وقد تفْتَحُ، أفاده الفيّوميّ ﵀، وقال المجد ﵀: "الْفَحَمُ: محرّكة، وبالفتح، وكأمير: الْجَمْرُ الطافئ، والْفَحْمَةُ: واحدته. انتهى (٢). (أُذِنَ) بالبناء للمفعول، أي أَذِنَ الله تعالى للملائكة، والأنبياء، والصالحين (بِالشَّفَاعَةِ) وفي نسخة: "في الشفاعة" (فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في الروايات، والأصول: "ضَبَائر ضبائر" مكررٌ مرتين، وهو منصوب على الحال، وهو بفتح الضاد المعجمة، وهو جمع ضَبَارة، بفتح الضاد، وكسرها، لغتان، حكاهما القاضي عياض، وصاحب "المطالع"، وغيرهما، أشهرهما الكسر، ولم يذكر الهرويّ وغيره إلا الكسر، ويقال فيها أيضًا: إِضْبَارة، بكسر الهمزة، قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تَفْرِقَة، ورُوِي: "ضِبَارَاتٍ ضَبَارَاتٍ". انتهى (٣). وقال ابن الأثير ﵀: "الضّبَائرُ: الجماعاتُ في تفرقة، واحدتها ضِبَارةٌ، مثلُ عِمَارة وعَمَائِر، وكلُّ مُجتمع: ضِبَارةٌ، وفي رواية أخرى: "فيُخرجون ضِبَارات ضِبَاراتٍ" وهو جمع صِحّة للضّبَارة، والأول: جمع تكسير". انتهى (٤). (فَبُثُّوا) بضمّ الباء الموحدة، بعدها ثاء مثلثة: أي فُرِّقُوا (عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّة، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّة، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ) أي صُبّوا على هؤلاء الضبائر (فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ) بنصب "نَبَاتَ" على المفعوليّة المطلقة، و"الْحِبّة" بالكسر بُزور الصحراء (تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ") أي محموله من الْغُثاء وغيره، وقد تقدّم البحث في الْحِبّة، والحميل مستوفًى في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁،

стр. 2875

فراجعه تستفد. (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) لم أر من سمّاه (كَاَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ) أي: حيث علم كيفيّة نبات الحِبّة في جانب السيل؛ لأنه لا يصف هذا الوصف الدقيق إلا من عاش في البادية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٨/ ٤٦٦ و ٤٦٧] (١٨٥)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣٠٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٥ و ١١ و ٢٠ و ٢٥ و ٧٨ - ٧٩ و ٩٠)، و (الدارميّ) في "السنن" (٢/ ٣٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٤)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٧٤ و ٢٧٩ و ٢٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٥٦ و ٤٥٧ و ٤٥٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٦٣ و ٤٦٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٢٠ و ٨٢١ و ٨٢٣ و ٨٢٤ و ٨٢٥ و ٨٢٦ و ٨٢٧ و ٨٢٨ و ٨٢٩ و ٨٣٣ و ٨٣٤ و ٨٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه إثبات الشفاعة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في المسألة الرابعة من الحديث الماضي. ٢ - (ومنها): بيّن أن أصحاب النار الذين حكم الله تعالى بكونهم مخلّدين فيها، من الكفّار، وغيرهم، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون حياة تسرّهم، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]. ٣ - (ومنها): أن العُصاة من أهل الإيمان الذي أُدخلوا النار، فإن الله تعالى يرحمهم بأن يميتهم، فيصيروا حُمَمًا حتى لا يحسّوا بألمها، وشدّة عذابها.
следующие страницы →