← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وهب بن بقية، ثنا خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال الله برحمته: انظُرُوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار، قال: فأُخرجوا قد عادوا حُمَمًا، فيُلْقَون في نهر يسمى نهر الحياة، فيَنْبُتُون كما تنبت الْغُثَاءة في جانب السيل، ألم تَرَوا أنها تأتي صفراء ملتويةً؟ ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٦] (١٨٥) - (وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ (١)، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ، أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَة، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّة، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّة، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّة، تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: كَاَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) المذكور قبل باب. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٣ - (أَبُو مَسْلَمَةَ) هو: سعيد بن يزيد بن مَسْلَمة الأَزْديّ، ويقال: الطّاحِيّ، أبو مَسلمة البصريّ القصير، ثقة [٤]. رَوَى عن أنس، وأبي نَضْرَة، وعكرمة، وأبي قِلابة، ومُطَرِّف، ويزيد ابني عبد الله بن الشِّخِّير، والحسن البصريّ، وغيرهم.

стр. 2872

ورَوَى عنه شعبة، وإبراهيم بن طَهْمان، وحماد بن زيد، وعباد بن الْعَوّام، وخالد بن عبد الله، وبِشْر بن المفضل، وابن علية، ويزيد بن زُريع، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، ووثقه ابن سعد، والعجليّ، وأبو بكر البزار، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) هو: الْمُنْذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْديّ الْعَوَقِيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) الْخُدريّ ﵁ المذكور قبله، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٥ - (ومنها): أن الصحابيّ ﵁ من المكثرين السبعة، كما أسلفته قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخُدْريّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ) ووقع في النسخة التي شرح عليها النوويّ بلفظ: "أهل النار … إلخ" بدون "أما"، فقال النوويّ ﵀: هكذا وقع في معظم النسخ: "أهلُ النار"، وفي بعضها: "أما أهلُ النار" بزيادة "أما"، وهذا أوضح، والأول صحيح، وتكون الفاء في "فإنهم" زائدةً، وهو جائزٌ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "أما" على النسخة التي فيها "أما أهل

стр. 2873

النار"، فهي حرف شرط وتوكيد، وليست هنا للتفصيل، وإن كان غالب أحوالها أن تأتي له لكنها ليست له، كما بيّنه ابن هشام في "مغنيه" (١)، وجوابها قوله: "فإنهم لا يموتون … إلخ"، وقوله: (الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا) صفة لـ "أهل النار" (فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا) أي حتى يستريحوا من ألم العذاب (وَلَا يَحْيَوْنَ) بفتح أوله، مضارع حَيِي، من باب تَعِبَ: أي ولا يحيون حياةً ينتفعون بها، ويجدون فيها لذّة المعيشة، بل يكونون دائمًا متقلّبين في عذاب أليم. وقال النوويّ ﵀: الظاهر من معنى الحديث - والله أعلم - أن الكفار الذين هم أهل النار، والمستحقون للخلود، لا يموتون فيها، ولا يَحْيَون حياةً ينتفعون بها، ويستريحون معها، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى: ١٣]، وهذا جارٍ على مذهب أهل الحقّ أن نعيم أهل الجنة دائم، وأن عذاب أهل الخلود في النار دائمٌ. انتهى (٢). (وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ) أي بسبب ارتكابهم الذنوب الموجبة لدخول النار (أَوْ) للشكّ من الرا وي (قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً) أي أماتهم الله، فالفاعل ضمير يعود على الله؛ لعلمه، وإن لم يُذكر، وفي بعض النسخ: "فأماتتهم"، فالضمير للنار. وقال النوويّ ﵀: وأما قوله ﷺ : "ولكن ناس أصابتهم النار … إلخ": معناه: أن المذنبين من المؤمنين يُميتهم الله تعالى إماتةً بعد أن يُعَذّبوا المدة التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية، يَذْهَب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يُميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدّة التي قدَّرها الله تعالى، ثم يَخرُجون من النار موتى، قد صاروا فَحْمًا، فَيُحْمَلون ضَبَائر كما تُحْمَل الأمتعة، ويُلْقَون على أنهار الجنة، فيُصَبّ عليهم ماءُ الحياة، فيَحْيَون، ويَنبُتون نَبَاتَ الْحِبّة في حَمِيل السيل، في سرعة نباتها وضعفها، فتَخْرُج لضعفها صَفْراء مُلْتَوِيةً، ثم تشتدّ قوتهم بعد ذلك،

стр. 2874

ويصيرون إلى منازلهم، وتَكْمُلُ أحوالهم، فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث ومعناه. وحَكَى القاضي عياض ﵀ فيه وجهين: أحدهما أنها إماتة حقيقيةٌ، والثاني: ليس بموت حقيقيّ، ولكن يَغِيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال: ويجوز أن تكون آلامهم أخَفّ، فهذا كلام القاضي، والمختار ما قدمناه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو كلام منقّح مفيد، والله تعالى أعلم. (حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا) بفتح الفاء، وسكون الحاء المهملة، وقد تفْتَحُ، أفاده الفيّوميّ ﵀، وقال المجد ﵀: "الْفَحَمُ: محرّكة، وبالفتح، وكأمير: الْجَمْرُ الطافئ، والْفَحْمَةُ: واحدته. انتهى (٢). (أُذِنَ) بالبناء للمفعول، أي أَذِنَ الله تعالى للملائكة، والأنبياء، والصالحين (بِالشَّفَاعَةِ) وفي نسخة: "في الشفاعة" (فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في الروايات، والأصول: "ضَبَائر ضبائر" مكررٌ مرتين، وهو منصوب على الحال، وهو بفتح الضاد المعجمة، وهو جمع ضَبَارة، بفتح الضاد، وكسرها، لغتان، حكاهما القاضي عياض، وصاحب "المطالع"، وغيرهما، أشهرهما الكسر، ولم يذكر الهرويّ وغيره إلا الكسر، ويقال فيها أيضًا: إِضْبَارة، بكسر الهمزة، قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تَفْرِقَة، ورُوِي: "ضِبَارَاتٍ ضَبَارَاتٍ". انتهى (٣). وقال ابن الأثير ﵀: "الضّبَائرُ: الجماعاتُ في تفرقة، واحدتها ضِبَارةٌ، مثلُ عِمَارة وعَمَائِر، وكلُّ مُجتمع: ضِبَارةٌ، وفي رواية أخرى: "فيُخرجون ضِبَارات ضِبَاراتٍ" وهو جمع صِحّة للضّبَارة، والأول: جمع تكسير". انتهى (٤). (فَبُثُّوا) بضمّ الباء الموحدة، بعدها ثاء مثلثة: أي فُرِّقُوا (عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّة، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّة، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ) أي صُبّوا على هؤلاء الضبائر (فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ) بنصب "نَبَاتَ" على المفعوليّة المطلقة، و"الْحِبّة" بالكسر بُزور الصحراء (تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ") أي محموله من الْغُثاء وغيره، وقد تقدّم البحث في الْحِبّة، والحميل مستوفًى في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁،

стр. 2875

فراجعه تستفد. (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) لم أر من سمّاه (كَاَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ) أي: حيث علم كيفيّة نبات الحِبّة في جانب السيل؛ لأنه لا يصف هذا الوصف الدقيق إلا من عاش في البادية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٨/ ٤٦٦ و ٤٦٧] (١٨٥)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣٠٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٥ و ١١ و ٢٠ و ٢٥ و ٧٨ - ٧٩ و ٩٠)، و (الدارميّ) في "السنن" (٢/ ٣٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٤)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٧٤ و ٢٧٩ و ٢٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٥٦ و ٤٥٧ و ٤٥٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٦٣ و ٤٦٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٢٠ و ٨٢١ و ٨٢٣ و ٨٢٤ و ٨٢٥ و ٨٢٦ و ٨٢٧ و ٨٢٨ و ٨٢٩ و ٨٣٣ و ٨٣٤ و ٨٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه إثبات الشفاعة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في المسألة الرابعة من الحديث الماضي. ٢ - (ومنها): بيّن أن أصحاب النار الذين حكم الله تعالى بكونهم مخلّدين فيها، من الكفّار، وغيرهم، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون حياة تسرّهم، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]. ٣ - (ومنها): أن العُصاة من أهل الإيمان الذي أُدخلوا النار، فإن الله تعالى يرحمهم بأن يميتهم، فيصيروا حُمَمًا حتى لا يحسّوا بألمها، وشدّة عذابها.

стр. 2876

٤ - (ومنها): أن فيه الرّدّ على الخوارج، والمعتزلة الذين يحكمون بخلود أهل الكبائر في النار، وأنهم لا يَخرُجون منها أبدًا، وهو مذهب باطلٌ بنصوص الكتاب والأحاديث الصحيحة. ٥ - (ومنها): أن الله تعالى يأذن للملائكة، والأنبياء، والمؤمنين أن يشفعوا في أهل التوحيد، فيُخرجوهم من النار. ٦ - (ومنها): أن أهل الجنّة يؤمرون بإفاضة الماء على هؤلاء الذين صاروا حُمَمًا على أبواب الجنّة، حتى يَحْيَوْا حياةً جديدة؛ ليعيشوا معهم في أطيب عيش، وأهنئه، نعيم بلا نكد، وملك إلى الأبد، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: "فِي حَمِيلِ السَّيْلِ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى المعروف بالزَّمِن المذكور قبل بابين. ٢ - (وَابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد المعروف ببندار المذكور قبل بابين أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر المذكور قبل بابين أيضًا. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور المذكور قبل بابين أيضًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ) فيه بيان سماع أبي مسلمة من أبي نضرة، بخلاف السند الماضي، فإنه كان بالعنعنة. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني رواية شعبة موافقة لرواية بشر بن المفضل، إلا أنه خالفه في اختصار الحديث، حيث لم يذكر قوله: "فقال رجال … إلخ".

стр. 2877

[تنبيه]: رواية شعبة هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية بشر بن المفضّل، أخرجها الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٥٢)، فقال: (٤٦٣) حدثني أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي مَسْلَمة، قال: سمعت أبا نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن أهل النار الذين هم أهل النار، لا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكنها تُصِيب قومًا بذنوبهم، أو خطاياهم، حتى إذا صاروا فَحْمًا، أُذِن في الشفاعة، فيَخرُجون ضَبَائر، فيُلْقَون على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أهريقوا عليهم من الماء، فَيَنْبُتون كما تَنْبت الْحِبّة في حميل السيل"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٩) - (بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٨] (١٨٦) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، كِلَاهُمَا (١) عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ،

стр. 2878

فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِن لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي؟، أَوْ أَتَضْحَكُ بِي؟، وَأَنْتَ الْمَلِكُ"، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه المذكور قبل بابين. ٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، قاضي الريّ، المذكور قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"ج ١ ص ٢٩٦. ٥ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة ثبتٌ، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٦ - (عَبِيدة) - بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - بن عَمْرو، ويقال: ابن قيس بن عمرو السَّلْمانيّ - بسكون اللام، ويقال: بفتحها - المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، تابعيّ كبير، مخضرم، ثقة ثبت [٢]. رَوَى عن علي، وابن مسعود، وابن الزبير، ورَوَى عنه عبد الله بن سَلِمة المرادي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن سيرين، وأبو حسان الأعرج، وأبو الْبَخْتريّ الطائي، وعامر الشعبي، وغيرهم.

стр. 2879

قال الشعبي: كان شُرَيح أعلمهم بالقضاء، وكان عَبِيدة يوازيه، وقال أشعث عن محمد بن سيرين: أدركت الكوفة، وبها أربعة ممن يُعَدّ في الفقه، فمن بدأ بالحارث ثَنّى بعبيدة، أو العكس، ثم علقمة الثالث، وشُريح الرابع، ثم يقول: وإن أربعة أحسنهم شُريح لَخِيَار، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة جاهلي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يره، وكان من أصحاب علي وعبد الله، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه، وقال ابن نُمير: كان شُريح إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عَبِيدة، ويُروَى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشدّ توقيًا منه، وكلُّ شيء روي عن إبراهيم عن عَبِيدة سوى رأيه، فإنه عن عبد الله إلا حديثًا واحدًا. وقال محمد بن سعد: قال محمد بن عمر: هاجر عَبِيدة زَمَنَ عمر ﵁. وقال ابن معين: كان عيسى بن يونس يقول: السَّلَمَاني مفتوحة. وعَدَّه علي بن المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود ﵁. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: علقمة أحبُّ إليك أو عَبِيدة؟ فلم يُخَيِّر، قال عثمان: هما ثقتان. وقال علي بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس: أصحُّ الأسانيد محمد بن سيرين، عن عَبِيدة عن علي. وقال العجلي: كلُّ شيءٍ رَوَى محمدٌ (١) عن عَبِيدة، سوى رأيه فهو عن عليّ، وكلُّ شيء رَوَى عن إبراهيم، فذكر مثل ما تقدم. قال ابن نُمير وغيرُ واحد: مات سنة اثنتين وسبعين، وقال قعنب: مات سنة (٧٢) أو (٧٣). وقال الترمذي: سنة (٧٣)، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سنة (٧٤)، وكذا أرّخه ابن حبان في "الثقات"، وصححه، وقد قال البخاري في "تاريخه": حدثنا ابن بشار، ثنا ابن مهدي، ثنا شعبة، عن أبي حَصين قال: أوصى عَبيدة أن يصلي عليه الأسود، خَشِي أن يصلي عليه المختار، فبادر فصلى عليه، وهذا إسناد صحيح، رواه ابن سعد أيضًا عن أبي داود، عن شعبة، ومقتضاه أن عَبِيدة مات قبل سنة تسعين بمدة؛ لأن المختار قُتِل سنة (٦٧) بلا خلاف.

стр. 2880

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه إسحاق، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: إبراهيم، عن عَبِيدة. ٥ - (ومنها): أن عَبِيدة هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد ما روى له المصنّف فيه. [تنبيه]: جملة من يُسمّى بعَبِيدة بفتح، فكسر في الكتب الستة تسعة (١)، منهم في "الصحيحين" ثلاثة: ١ - (الأول): هذا المترجم هنا عند الجماعة. ٢ - (والثاني): عَبِيدة بن حُميد الكوفيّ المعروف بالحذّاء، صدوقٌ نحويّ، ربّما أخطأ، من الطبقة الثامنة، مات سنة تسعين، وقد جاوز الثمانين. ٣ - (والثالث): عَبِيدة بن سفيان الحضرميّ المدنيّ، ثقة من الثالثة، عند المصنّف، والأربعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) قال القاري: الظاهر أنهما متلازمان، فالجمع بينهما للتوضيح، ولا يبعُد أن يكون احترازًا مما عسى

стр. 2881

أن يتوهّم من حبس أحد في الموقف من أهل الجنّة حينئذ، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال القاضي عياض ﵀: جاء نحو هذا في آخرِ مَن يَجُوزُ على الصراط، قال: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان، وإما نوعان، أو جنسان، وعَبَّر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك، ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصراط، فيتحد المعنى، إما في شخص واحد، أو أكثر، ويقوّي الاحتمال الثاني ما سيأتي في الحديث الثالث من رواية أنس عن ابن مسعود ﵄، ولفظه: آخِرُ مَن يدخل الجنة رجلٌ، فهو يمشي مرّةً، وَيكْبُو مرّةً، وتَسْفَعه النار مرّةً، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نَجّاني منكِ. وعند الحاكم من طريق مسروق، عن ابن مسعود، ما يقتضي الجمع، قاله في "الفتح" (٢). (رَجُلٌ) تقدّم الخلاف في اسم هذا الرجل في شرح الحديث الطويل الماضي، (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا) - بفتح المهملة، وسكون الموحّدة - منصوب على الحال، أو مفعول مطلق لفعل مقدّر، أي يحُبو حَبْوًا، مِن حَبَا الصبيّ، مِن باب "قال": إذا دَرَج على بطنه، قاله الفيّوميّ (٣). وقال ابن الأثير ﵀: "الْحَبْوُ": أن يمشي على يديه وركبتيه، أو اسْته، وحَبَا البعير: إذا بَرَك، ثم زَحَفَ من الإعياء، وحبا الصبيّ: إذا زَحَفَ على اسْتِهِ. انتهى (٤). وقال المجد ﵀: حَبَا الرجلُ: إذا مشى على يديه، وبطنه، وحبا الصبيّ: إذا مشى على اسْتِه، وأشرف بصدره. انتهى (٥). ووقع في رواية الأعمش، عن إبراهيم، التالية بلفظ "زَحْفًا"، وهما متقاربا المعنى، قال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: الْحَبْوُ: الْمَشيُ على اليدين والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما قالوا: على يديه

стр. 2882

ومَقْعَدته، وأما الزَّحْف: فقال ابن دُرَيد وغيره: هو المشيُ على الاسْتِ مع إفراشه بصدره، فحصل من هذا أن الحبو والزحف متماثلان، أو متقاربان، ولو ثبت اختلافهما حُمِلَ على أنه في حالٍ يَزْحَفُ وفي حالٍ يَحْبُو. انتهى (١). (فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا) وفي نسخة: "قال: فيأتيها" بزيادة "قال"، يعني أنه يجيء قريبًا منها، أو فيدخلها (فَيُخَيَّلُ) بالبناء للمفعول: أي يُصوَّر (إِلَيْهِ أَنَّهَا) أي الجنّة (مَلْأَى) فَعْلَى تأنيث ملآن: أي ممتلئة بالسكّان (فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى) أي فليس لي مكان فيها (فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُل الْجَنَّةَ) قال القاريّ ﵀: المراد بها جنس الجنّة، أو جنّة بخصوصها. انتهى (٢). (فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا) قال القاري ﵀: أي في سعتها، وقيمتها. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وقيمتها" فيه نظر لا يخفى؛ إذ جميع ما في الدنيا لا يساوي قيمةَ أقلّ قليل في الجنّة، كما قال ﷺ : "موضع سوط في الجنّة خير من الدنيا وما فيها"، رواه البخاريّ، والله تعالى أعلم. (وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا) أي زيادة عليها في الكميّة والكيفيّة، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فالمؤمن لَمّا ترك الدنيا، وهي كانت كالحبس في حقّه، جوزي بمثلها عَدلًا، وعشرة أضعافها فضلًا (٤)، والله تعالى أعلم. (أَوْ) للشكّ من الراوي (إِن لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا) وفي رواية الأعمش الآتية: فيقال له: "أتذكُر الزمان الدي كنت فيه؟ - أي الدنيا - فيقول: نعم، فيقال له: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى، فيقال له: لك الذي تمنّيتَ، وعشرة أضعاف الدنيا". وقال النوويّ ﵀: قوله: "فيقول الله تعالى له: اذهب فادخل الجنة، فان لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها"، وفي الرواية الأخرى: "لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا"، هاتان الروايتان بمعنى واحد، وإحداهما تفسير للأخرى،

стр. 2883

فالمراد بالأضعاف الأمثال، فإن المختار عند أهل اللغة أن الضعف المثل، وأما قوله ﷺ في الرواية الأخرى في الكتاب: "فيقول الله تعالى: أيُرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ "، وفي الرواية الأخرى: "أترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟، فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك، وعشرة أمثاله"، فهاتان الروايتان لا تُخالفان الأُوليين، فإن المراد بالأولى من هاتين أن يقال له أوّلًا: لك الدنيا ومثلها، ثم يزاد إلى تمام عشرة أمثالها، كما بيّنه في الرواية الأخيرة، وأما الأخيرة فالمراد بها أن أحد ملوك الدنيا، لا ينتهي ملكه إلى جميع الأرض، بل يَمْلِك بعضًا منها، ثم منهم من يَكْثُر البعض الذي يملكه، ومنهم من يَقِلّ بعضه، فيُعْطَى هذا الرجل مثل أحد ملوك الدنيا خمس مرات، وذلك كله قدر الدنيا، ثم يقال له: لك عشرة أمثال هذا، فيعود معنى هذه الرواية إلى موافقة الروايات الأخرى المتقدّمة، ولله الحمد، وهو أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (قالَ) ﷺ وفي بعض النسخ بحذف "قال" (فَيَقُولُ) الرجل (أَتَسْخَرُ) بفتح الخاء المعجمة: أي أتستهزئ (بِي؟) قال النوويّ ﵀: وقع في الروايات "أتسخر بي"، وهو صحيح، يقال: سَخِرتُ منه، وسَخِرت به، والأول هو الأفصح الأشهر، وبه جاء القرآن، والثاني: فصيح أيضًا، وقد قال بعض العلماء: إنه إنما جاء بالباء لإرادة معناه، كأنه قال: أتهزأ بي. انتهى (١). (أَوْ أَتَضْحَكُ بِي؟، وَأَنْتَ الْمَلِكُ") جملة حالية من فاعل "تضحك"، و"أو" للشكّ، وفي رواية الأعمش: "أتسخر بي؟ "، ولم يشكّ، وفي رواية أنس، عن ابن مسعود: "أتستهزئ بي، وأنت ربّ العالمين؟ ". وقال النوويّ ﵀: قوله: "أو أتضحك … إلخ"، هذا شكّ من الراوي، هل قال: "أتسخر بي؟، أو قال: أتضحك بي؟ "، فإن كان الواقع في نفس الأمر أتضحك بي؟، فمعناه: أتسخر بي؟؛ لأن الساخر في العادة يضحك ممن يَسْخَر به، فوُضع الضحك موضع السخرية مجازًا.

стр. 2884

قال: وأما معنى "أتسخر بي؟ " هنا ففيه أقوال: [أحدها]: قاله المازريّ: إنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى الحديث، دون لفظه؛ لأنه عاهد الله مرارًا أن لا يسأله غير ما سأل، ثم غَدَرَ، فَحَلّ غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدّر الرجل أن قول الله تعالى له: "ادخل الجنة"، وتردده إليها، وتخييل كونها مملوءة ضرب من الإطماع له، والسخرية به؛ جزاءً لِمَا تقدم من غدره، وعقوبةً له، فسَمَّى الجزاءَ على السخرية سخرية، فقال: أتسخر بي؟ أي: تعاقبني بالإطماع؟. [والقول الثاني]: قاله أبو بكر الصوفي: إن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على الله تعالى، كأنه قال: أَعْلَم أنك لا تهزأ بي؛ لأنك رب العالمين، وما أعطيتني من جزيل العطاء، وأضعاف مثل الدنيا حقّ، ولكن العجب أنك أعطيتني هذا، وأنا غير أهل له، قال: والهمزة في "أتسخر بي" همزة نفي، كما في قوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] على أحد الأقوال، قال: وهو كلامُ مُتَدَلِّلٍ عَلِمَ مكانه من ربه، وبَسْطَهُ له بالإعطاء. [والقول الثالث]: قاله القاضي عياض: أن يكون هذا الكلام صَدَرَ من هذا الرجل، وهو غير ضابط لما قاله؛ لِمَا ناله من السرور ببلوغ ما لم يَخْطُر بباله، فلم يضبط لسانه دَهَشًا وفَرَحًا، فقال، وهو لا يعتقد حقيقةَ معناه، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، وهذا كما قال النبيّ ﷺ في الرجل الآخر: إنه لم يَضبِط نفسه من الفرح، فقال: "أنت عبدي، وأنا ربك" (١). وقال القرطبيّ في "المفهم": أكثروا في تأويله، وأشبه ما قيل فيه: إنه استَخَفَّه الفرَح، وأدهشه، فقال ذلك، وقيل: قال ذلك؛ لكونه خاف أن يُجَازَى على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات، وارتكاب المعاصي، كفعل الساخرين، فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟، فهو كقوله : ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]: أي يُنْزل بهم جزاء سخريتهم واستهزائهم. انتهى (٢).

стр. 2885

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استهزاء الله تعالى بالمنافقين ونحوهم (١)، وسُخريّته بهم من صفات الله تعالى التي يقابل بها من يستحقّها، وهي على الحقيقة اللائقة به ، ولا تؤوّل، بل يجب الإيمان بها كما وردت، من غير تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، كسائر صفات الله من الضحك، والفرح، والرضا، والغضب، ونحوها، ولكنها تأتي في المقابلة، كالمكر والخديعة، وأما تفسيرها بإنزال الجزاء بالمستحقّين له، فليس معنى لها، وإنما هو من لوازمها المترتّبة عليها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ) عبد الله بن مسعود ﵁ (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ) بفتح الضاد، وكسر الحاء المهملة، قال المجد ﵀: ضَحِكَ كَعَلِمَ، وناسٌ يقولون: ضِحِكْتُ بكسر الضاد، ضَحْكًا بالفتح والكسر، وبكسرتين، وكَكَتِفٍ، وتضحّك، وتضاحك، فهو ضاحكٌ، وضَحّاكٌ، وضَحُوكٌ، ومِضْحاكٌ، وضُحَكَةٌ، كهُمَزَة، وكحُزُقّةٍ: كثير الضحك. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: ضَحِكَ من زيد، وضَحِكَ به ضَحِكًا، وضَحْكًا، مثلُ كَلِيم، وكَلْمٍ: إذا سَخِرَ منه، أو عَجِبَ، فهو ضاحك، وضحّاكٌ مبالغة. انتهى (٣). (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، قال أبو العباس ثعلب، وجماهير العلماء، من أهل اللغة، وغريب الحديث، وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا الأنياب، وقيل: المراد هنا الضواحك، وقيل: المراد بها الأضراس، وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة، ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه (٤). وزاد في رواية ابن مسعود: "فضَحِكَ ابن مسعود، فقالوا: مِمّ تضحك؟ فقال: هكذا فَعَلَ رسول الله ﷺ مِن ضَحِك رب العالمين، حين قال الرجل:

стр. 2886

أتستهزئ مني؟ قال: لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر". قال البيضاويّ: نسبة الضحك إلى الله تعالى مجازٌ، بمعنى الرضا، وضحك النبيّ ﷺ على حقيقته، وضحك ابن مسعود على سبيل التأسي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: نسبة الضحك مجاز غير صحيح، بل الحقّ أن نسبة الضحك إلى الله تعالى حقيقةٌ، وليس بمجاز، فقد ثبتت هذه الصفة له في الأحاديث الصحاح، وحقّقها النبيّ ﷺ بالفعل تأسّيًا بربّه ، فله ضحك يليق بجلاله، لا يشبه ضحك المخلوقين. والحاصل أن الضحك صفة فعليّة ثابتة لله متعلّقة بمشيئته، كالرضا، والمحبّة، والغضب، ونحوها، فلا تؤوّل بالرضا، بل يجب الإيمان بها على حقيقتها اللائقة به ، من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل ذوي الانحراف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) قال الكرمانيّ ﵀: ليس هذا من تَتِمّة كلام رسول الله ﷺ ، بل هو من كلام الراوي نقلًا عن الصحابة، أو عن غيرهم، من أهل العلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قائل: "فكان يقال … إلخ"، هو إبراهيم النخعيّ، كما بيّنه ابن حبّان ﵀ في "صحيحه"، حيث قال بعد سوق الحديث ما نصُّهُ: قال إبراهيم: وكان يقال: إن ذلك الرجل أدنى أهل الجنة منزلةً. انتهى. وأما قائل المقالة المذكورة: فهو النبيّ ﷺ ، ثَبَتَ ذلك في أول حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي للمصنّف بعد حديثين، ولفظه: "إن أدنى أهل الجنة منزلةً رجلٌ صرف الله وجهه عن النار … "، وساق القصة، وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ الآتي بعد حديث أبي سعيد ضي الله عنه - رفعه: "قال: سأل

стр. 2887

موسى ربه: ما أدنى أهل الجنّة منزلة … " الحديث، وقد تقدّم للمصنّف أيضًا (١) من طريق همّام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : "إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة، أن يقال له: تَمَنّ، فيتمنى، ويتمنى، فيقول: هل تمنّيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت، ومثله معه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٩/ ٤٦٨ و ٤٦٩] (١٨٦)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٥٧١)، و"التوحيد" (٧٥١١)، و (الترمذيّ) في "صفة جهنّم" (٢٥٩٥)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣٣٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه " (١٣/ ١١٩ - ١٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩ و ٤٦٠)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ١٥٩ و ٣١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٢٧ و ٧٤٣١ و ٧٤٧٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٤٢ و ٨٤٣ و ٨٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٢٦ و ٤٢٧ و ٤٢٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٦٥ و ٤٦٦ و ٤٦٧)، وفي "صفة الجنّة" (٤٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٣٣٩ و ١٠٣٤٠)، و (البيهقيّ) في "البعث" (٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيان آخر أهل النار خروجًا منها. ٢ - (ومنها): بيان سعة فضل الله ، وإكرامه لعبده المؤمن، وإن سبقت له سوابق المخالفات والعصيان، إلا أنه يتفضّل عليه بالتجاوز عنها، ويُعطيه ما لم يخطُر بباله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 2888

٣ - (ومنها): بيان إثبات صفة الضحك لله ، فقد ثبتت في هذا الحديث الصحيح، وفي أحاديث أخرى صحيحة، فهي ثابتة له على ما يليق بجلاله، كما سبق تحقيقه آنفًا. ٤ - (ومنها): بيان جواز الضّحِك، وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن، ولا بمسقط للمروءة، إذا لم يجاوز به الحدّ المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَعْرِفُ اَخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّار، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ (٢)، قَالَ: فَيَذْهَبُ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ، وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ "، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْب) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطًة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

стр. 2889

٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. ٤ - (الْأَعْمَشُ) هو سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، وشرح الحديث يُعلم مما قبله، فلا حاجة إلى إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧٠] (١٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَثنَا ثَابِت، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا، الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْك، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأوَّلينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَة، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ : يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِل بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلمْ تُعَاهِدْنِي، أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلُهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ

стр. 2890

تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَاب الْجَنَّة، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْن، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبّ، هَذِه، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّة، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؛ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ " فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنَي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم) الصفّار البصريّ الحافظ المذكور قبل بابين. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَة) أبو سلمة البصريّ المذكور قبل بابين أيضًا. ٣ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ البصريّ المذكور قبل بابين أيضًا. ٤ - (أَتس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير مات ﵁ سنة (٣٢) أو (٣٩) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن مسعود، فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس ﵁، لزمه أربعين سنة.

стр. 2891

٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ﵄، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ" ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً) قال الطيبيّ ﵀: الفاء يجوز أن تكون تفصيليّةَّ، أَبْهَمَ أَوّلًا دَخوله الجنّة، ثم فصّل كيفيّة دخوله فيها ثانيًا، وأن تكون لتعقيب الإخبار، وإن تَقَدَّمَ ما بعدها على ما قبلها في الوجود، فوقعت موقع "ثُمّ" في هذا المعنى، كأنه قيل: أُخبركم عقب هذا القول حاله، فهو يمشي قبل دخوله في الجنّة مرّةً. انتهى (١). (وَيَكبُو) أي يسقط على وجهه، يقال: كَبَا يَكْبُو كَبْوًا بفتح، فسكون، وكُبُوًّا بضمّتين، وتشديد الواو: انكبّ على وجهه، قاله المجد (٢). ووقع عند أبي عوانة بلفظ: "فينكبّ" (مَرَّةً) أخرى (وَتَسْفَعُهُ النَّارُ) بفتح التاء، وسكون السين المهملة، وفتح الفاء: أي تضرب وجهه، وتُسَوّده، وتؤثّر فيه أَثَرًا، وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "تسفعه النار": أي تُعلم في وجهه علامةَّ، يقال: سفعتُ الشيءَ: إذا جعلت عليه علامةً، يريد: أثرًا من النار. انتهى. وقال ابن الملك: "تسفعه": أي تلفحه لفحًا يسيرًا، فيتغيّر لون بشرته، وقيل: أي: تُعلّمه علامة، أي: أثَرَّا مَنها، وفي "القاموس": "سَفَعَ الشيءَ" كمنعه: أعلمه، ووَسمَهُ، وسَفَعَ السَّمُومُ وجهَهُ: لَفَحَهُ لَفْحًا يسيرًا، قال: ولفحت النار بحرّها: أحرقت. انتهى (٣). (مَرَّةً) أخرى (فَإِذَا مَا) زائدة (جَاوَزَهَما) أي تَعَدّى النار التي آذته بحرّها وسمومها (الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تبَارَكَ) أي تقدّس، وتنزّه، وهي صفة خاصّة بالله تعالى، قاله المجد (٤). وقال القاري: "تبارك": تعظّم، وتعالى، أو تكاثر خيره. انتهى (٥). (الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ) هذا فَرَحٌ بما أُعطيه من النجاة من سَفْعِ

стр. 2892

النار (لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ) جواب قسم محذوف: أي والله لقد أعطاني الله (شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) أَقْسَم بالله تعالى من شدّة الفرح أنّ نجاته نعمة ما ظفر بها أحد من العالمين: أي ممن كان على مثل حاله الذين خلّفهم وراءه؛ إذ لم ير أهل الجنّة حتى يعرف أنهم أعطوا أفضل مما أُعطيه بكثير، وقال القاري: ولعلّ وجهه أنه ما رأى أحدًا مشاركًا له في خروجه من النار، ولم يدر أن الأبرار في دار القرار. (فَتُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (لَهُ شَجَرَةٌ) أي عندها عين ماء كما يأتي في قوله: "وأشرب من مائها" (فَيَقُولُ: أَيْ) حرف نداء (رَبِّ) تقدّم أن فيه في حالة النداء ستّ لغات (أَدْنِنِي) بقطع الهمزة، أمرٌ من الإدناء رباعيًّا: أي قرّبني (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة، فَلِأَسْتَظِلَّ) بكسر اللام الأولى، ونصب الفعل كذا في "المرقاة"، وتعقّبه بعض المحقّقين، فقال: ولا يخفى ما فيه، والصواب أن تُسَكّن اللام؛ لكونها للأمر مقرونةً بالفاء، ويُجزَم بها الفعل، وما عُطِف عليه، فإن أمر المتكلّم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، ورد في الكتاب العزيز، والحديث الشريف، قال تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقال ﷺ : "قوموا فلأصلِّ لكم"، متّفقٌ عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب غير صحيح؛ إذ الظاهر أن الرواية بنصب الفعل، وتوجيهه ما ذكره الطيبيّ ﵀، قال: الفاء فيه سببتة، واللام مزيدة للتأكيد، أو عكسه. انتهى (١). وحاصل ما أشار إليه أن الفعل منصوب بـ "أن" مضمرةً بعد الفاء السببيّة الواقعة بعد الطلب، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضيْنِ "أَنْ" وَسَتْر حَتْمٌ نَصَبْ وعلى هذا فاللام زائدة للتأكيد، أو الفعل منصوب بـ "أن" مضمرةً أيضًا بعد "لام كي"، وعلى هذا فالفاء زائدة للتأكيد، والله تعالى أعلم. (بِظِلِّهَا) أي ظلّ تلك الشجرة (وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ : يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا) أي مسألتك، أو أُمنيّتك، وقوله: (سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟)

стр. 2893

جواب الشرط، وهو دالّ على خبر "لعلّ" (١)، وفي بعض النسخ: "إن أعطيتكها أن تسألني غيرها" (فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ) أي يجعله معذورًا، أي غير ملوم، وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من العَذْر ثلاثيًّا، أو بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإعذار رباعيًّا، قال الفيّوميّ ﵀: "عَذَرْتُهُ فِيما صَنَعَ عَذْرًا، من باب ضَرَبَ: رَفَعتُ عنه اللَّوْمَ، فهو معذورٌ: أي غير ملوم، والاسم الْعُذْرُ، وتُضَمّ الذال للاتباع، وتُسَكَّن، والجمع أعذار، قال: وأعذرته بالألف لغة، واعتذر: أي طَلَب قبول معذرته، واعتذر عن فعله: أظهر عُذْره. انتهى (٢). (لِأَنَّهُ) أي العبد (يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) قال النوويّ ﵀ ﵀: كذا هو في الأصول في المرتين الأُوليين، وأما الثالثة فوقع في أكثر الأصول: "ما لا صبر له عليها"، وفي بعضها: "عليه"، وكلاهما صحيحٌ، ومعنى "عليها" أي نعمةً لا صبر له عليها: أي عنها. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: معنى كلام النوويّ ﵀ أن "ما" عبارة عن نعمة، و"على" بمعنى "عن"، والله تعالى أعلم. (فَيُدْنِيهِ) أي يقرّبه (مِنْهَا) أي من تلك الشجرة (فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، ويَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي أخرى (هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى) لأن ربّه أراد له الترقّي من الأدنى إلى الأعلى (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) وفي نسخة: "يا ربّ" (أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا) قال القاري ﵀: الواو لمطلق الجمع؛ لأن الظاهر أن الاستراحة بظلِّها قبل الشرب من مائها. انتهى (٤). (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) قال الطيبيّ ﵀: هو حالٌ تنازع فيه "أستظلّ"، و"أشرب" (فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْألَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ) أي الربّ الَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي) بالرفع: أي تطلب منّي (غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ

стр. 2894

بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي ثالثة (عِنْدَ بَابِ الْجَنَّة، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْن، فَيَقُولُ: أَيْ رَب أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ) قال الطيبيّ ﵀: منصوب المحلّ بفعل يفسّره ما بعده: أي أسألك هذه، وقوله: (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، أو مستأنفة (وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ) ولفظ أبي عوانة: "والربّ يعلم أنه سيسأله غيرها" (لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا) وفي بعض النسخ: "عليه"، وقد سبق توجيه الوجهين قريبًا (فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ) وفي نسخة: "فسَمِعَ" (أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي في مؤانستهم مع أزواجهم، أو في محاورتهم مع أصحابهم، فأراد الاستئناس بهم، أو في غنائهم، فأراد التقرّب ليلتذّ بأنغامهم (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ) قال النوويّ ﵀: هو بفتح الياء، وإسكان الصاد المهملة، ومعناه: يَقْطَع مسألتك مني، قال أهل اللغة: "الصَّرْيُ" بفتح الصاد، وإسكان الراء: هو القطع، ورُوي في غير "صحيح مسلم": "ما يَصْرِيك مني؟ "، قال إبراهيم الحربيّ: هو الصواب، وأنكر الرواية التي في "صحيح مسلم" وغيره: "ما يَصْرِيني منك"، قال النوويّ: وليس هو كما قال، بل كلاهما صحيح، فإن السائل متى انقَطَع من المسؤول انقَطَع المسؤول منه، والمعنى: أَيُّ شيء يُرْضِيك، وَيقْطَع السؤال بيني وبينك؟. انتهى كلام النوويّ ﵀. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "ما يصريني منك؟ ": أي ما يقطع مسألتك، ويمنعك من سؤالي؟ يقال: صَرَيتُ الشيءَ: إذا قَطعته، وصَرَيتُ الماء، وصَرّيته: إذا جمعته، وحَبَسته، وقال التوربشتيّ ﵀: صَرَى الله عنه شَرّه: إذا رَفَعَه، وصَرَيته: منعته، وصَرَيتُ ما بينهم صَرْيًا: أي فَصَلتُ، يقال: اختصمنا إلى الحاكم، فصَرَى ما بيننا: أي قَطَعَ ما بيننا وفَصَلَ، وحسن أن يقال: ما يفصل بيني وبينك؟. والمعنى هنا: ما الذي يُرضيك حتى تترك مناشدتك؟ فقد أجبتك إلى ما سألت كرّةً بعد كرّة، وأخذتُ ميثاقك أن لا تعود، ولا تسأل غيره، وأنت لا

стр. 2895

تفي بذلك، فما الذي يَفصِل بيني وبينك في هذه القضيّة؟ ففيه بيان فضل الله العظيم على عباده، وسعة رحمته وكرمه وبرّه ولطفه بهم، حيث يُخاطبهم مخاطبة المستعطف الباعث سائله على الاستزادة، فما أكرم جوده الجسيم، وما أعظم برّه العميم!. (أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ") ولفظ أبي عوانة: "وأنت ربّ العزّة"، إنما قال هذا لغلبة الفرح والسرور عليه، قال القاضي عياض ﵀: هذا الكلام صادرٌ عنه، وهو غير ضابط لما قال من شدّة السرور ببلوغ ما لم يَخطُر بباله، فلم يضبط لسانه دهشةً وفَرَحًا، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، ونحوُهُ ما جاء في حديث التوبة من قول الرجل لَمّا وجد راحلته، وما حملته: "اللهم أنت عبدي، وأنا ربّك"، متّفقٌ عليه. (فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ (فَقَالَ: أَلَا) بالتخفيف: أداة تحضيض (تَسْأَلُونِّي) قال القاري ﵀: بتشديد النون، وتخفف. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاري من الضبط بالوجهين يعتمد على صحة الرواية بهما، فإن صحّت بأحدهما فهو المعتمد، ولم أجد من حقّق الرواية، غير أن النُّسخ مضبوطة بالقلم بالتشديد، والله تعالى أعلم. (مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: "مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). قال التوربشتيّ: الضحك من الله تعالى، ومن رسوله ﷺ ، وإن كانا متّفقين في اللفظ، فإنهما متباينان في المعنى، وذلك أن الضحك من الله يُحمل على كمال الرضا عن العبد، هارادة الخير ممن يشاء أن يرحمه من عباده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله التوربشتيّ من معنى ضحك الله تفسير باللازم، يريد بذلك أن الضحك مجاز، وليس حقيقةً، وهذا غير صحيح،

стр. 2896

فالحقّ، والصواب أن الضحك ثابت لله حقيقةً على ما يليق بجلاله، وقد تقدّم البحث مستوفًى، فلا تك من الغافلين، والله تعالى أعلم. وقال البيضاويّ: إنما ضحك رسول الله ﷺ استعجابًا، وسرورًا بما رأى من كمال رحمة الله تعالى، ولطفه على عبده المذنب، وكمال الرضا عنه، وأما ضَحِك ابن مسعود ﵁ فكان اقتداءً بسنّة رسول الله ﷺ ؛ لقوله: "هكذا ضحك رسول الله ﷺ ". انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الصواب في بيان سبب ضحك النبيّ ﷺ هو الذي ثبت عنه، لا ما قاله البيضاويّ، فقد صحّ عنه ﷺ بيان سببه هنا لَمّا قالوا له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضَحِك رب العالمين"، فهل بعد بيانه ﷺ بيان؟، هيهات هيهات، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والله تعالى أعلم. (حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ") ولفظ أبي عوانة: "ولكني على ما أشاء قدير". قال الطيبيّ ﵀: فإن قلت: لم استدركه؟، قلت: عن مقدّر، فإنه تعالى لَمّا قال له: "أيرضيك أن أُعطيك الدنيا، ومثلها معها؟ "، فاستبعده العبد؛ لِمَا رأى أنه ليس أهلًا لذلك، وقال: "أتستهزئ بي؟ " قال له: نعم كنتَ لست أهلًا له، لكني أجعلك أهلًا له، وأُعطيك ما استبعدته؛ لأني على ما أشاء قادر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٨٩/ ٤٧٠] (١٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٩١ - ٣٩٢ و ٤١٠ - ٤١١)، (وأبو يعلى) في "مسنده" (٤٩٨٠

стр. 2897

و ٥٢٩٠)، و (الدارميّ) في "الردّ على المريسيّ" (ص ٥٣٢)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٣١ و ٣١٨ - ٣١٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٢٧ و ٧٤٣٠ و ٧٤٣١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٢ و ٣٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٦٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٩٧٧٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٤١)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٤٧٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٩٠) - (بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ أن يقدّم هذه الأحاديث الأربعة التي أوردها في بيان معرفة منزلة آخر أهل الجنة قبل حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال: يُدخل الله أهل الجنة الجنة … "؛ لتتّسق أحاديث الشفاعة، كما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧١] (١٨٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْرٍ (١)، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْن محَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، رَجُلٌ صَرَفَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ قِبَلَ الْجَنَّة، وَمَثَّلَ لَه شَجَرَةً ذَاتَ ظِلٍّ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ (٢)، قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَة، أَكُونُ فِي ظِلِّهَا (٣) "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٤)، وَلَمْ يَذْكرْ: "فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ "

стр. 2898

إِلَى آخِرِ الْحَدِيث، وَزَادَ فِيهِ: "وَيُذَكِّرُهُ اللهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: هُوَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِه، قَالَ: ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ (١) زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِين، فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَا لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: مَا أُعْطيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر - بفتح النون، وسكون المهملة - الأسدي القيسي، أبو زكريا الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩]. رَوَى عن حريز بن عثمان، وإبراهيم بن طهمان، وإبراهيم بن نافع المكي، وإسرائيل، وزائدة، وزهير بن محمد، وزهير بن معاوية، وشعبة وسفيان، وأبي جعفر الرازي، وغيرهم. وروى عنه حفيده عبد الله بن محمد بن يحيى، وعبد الله بن الحارث البغدادي، وأبو بكر بن أبي شيبة، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ، ومحمد بن أحمد بن أبي خَلَف، وأبو خيثمة، وأبو موسى، وأحمد بن سعيد الدارمي، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: كان كَيّسًا. وقال حرب بن إسماعيل: سمعت أحمد يُثْنِي عليه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: قال علي ابن المديني: ابن أبي بكير ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد المائتين. وقال أبو موسى: مات سنة ثمان. وقال ابن قانع: مات سنة تسع ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) التَّمِيميّ، أبو المنذر الْخُرَاسانيّ المروزيّ الخرقي من أهل قرية من قرى مَرْوَ، تُسَمَّى خرق، ويقال: إنه من أهل هَرَاة، ويقال:

стр. 2899

من أهل نيسابور، قَدِمَ الشام، وسَكَنَ الحجاز، ثقةٌ إلا في رواية أهل الشام عنه، فإنها ضعيفة (١) [٧]. رَوَى عن زيد بن أسلم، وشَريك بن أبي نَمِر، وعاصم الأحول، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، ومحمد بن المنكدر، وموسى بن عُقبة، وموسى بن وَرْدان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وسُهيل بن أبي صالح، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود الطيالسيّ، ورَوْح بن عُبادة، وأبو عامر الْعَقَديّ، وعبد الرحمن بن مَهْديّ، والوليد بن مسلم، ويحيى بن أبي بُكَير الكرمانيّ، وأبو عاصم، وأبو حذيفة، وغيرهم. قال حنبل عن أحمد: ثقةٌ، وقال أبو بكر المروزيّ عن أحمد: لا بأس به، وقال الْجُوزَجَانيّ عن أحمد: مستقيم الحديث، وقال الميمونيّ عن أحمد: مقارَبُ الحديث، وقال البخاريّ: قال أحمد: كأن زهيرًا الذي رَوَى عنه أهل الشام زهيرٌ آخر، قال البخاريّ: ما رَوَى عنه أهلُ الشام فإنه مناكير، وما رَوَى عنه أهل البصرة، فإنه صحيح، وقال الأثرم عن أحمد: في رواية الشاميين عن زهير يروون عنه مناكير، ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بنِ مهديّ، وأبي عامر، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التِّنِّيسيّ عنه، فتلك بواطيل موضوعة، أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالحٌ لا بأس به، وقال عثمان عن يحيى: ثقةٌ، وقال معاوية، عن يحيى: ضعيفٌ، وقال العجليّ: جائز الحديث، وذكره أبو زرعة في أسامي الضعفاء، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سُوءٌ، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق؛ لسوء حفظه، فما حدَّث به من حفظه ففيه أغاليط، وما حدَّث من كتبه فهو صالحٌ، وقال عثمان الدارميّ، وصالح بن محمد: ثقةٌ صدوقٌ، زاد عثمان: وله أغاليط كثيرة، وقال النسائيّ: ضعيفٌ،

стр. 2900

وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وعند عمرو بن أبي سلمة - يعني: التَّنِّيسيّ - عنه مناكير، وقال يعقوب بن شيبة: صدوقٌ صالحُ الحديث، وقال أبو عروبة الْحَرّانيّ: كأن أحاديثه فوائد، وقال ابن عديّ: ولعل أهل الشام أخطئوا عليه، فإنه إذا حدّث عنه أهل العراق، فروايتهم عنه شبه المستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به، وقال موسى بن هارون: أرجو أنه صدوقٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: في حديثه بعض المناكير، وفي "تاريخ نيسابور" بإسناد عن عيسى بن يونس، ثنا زُهير بن محمد، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، ويخالف، وقال الساجيّ: صدوق، منكر الحديث، وقال العجليّ: لا بأس به، وهذه الأحاديث التي يرويها أهل الشام عنه ليست تُعجبني. وذكره البخاري في فصل من مات من الخمسين ومائة إلى الستين، ذكر ابن قانع أنه مات سنة (١٦٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٨٨)، وحديث (٢١١): "إن أدنى أهل النار عذابًا … ". ٤ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السّمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقة [٦] مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٥ - (النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) (١) الزرقيّ الأنصاريّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م ت س ق) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٤، والصحابيّ تقدّم قريبًا، وكذا شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي، وإنما أشرح بعض ما يُشكلُ وما زاد عليه، فأقول: قوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لأبي سعيد الخدريّ ﵁. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ؟ "فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ … إلخ) يعني أن أبا سعيد ﵁

стр. 2901

لم يذكر قوله ﷺ : "فيقول: يا ابن آدم … " إِلَى آخِرِ الْحَدِيث، فقوله: "فيقول … إلخ " مفعول به لـ "يذكُر" محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (وَزَادَ فِيهِ: "وَيُذَكِّرُهُ اللهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا) يعني أن أبا سعيد ﵁ زاد على حديث ابن مسعود ﵁ قوله ﷺ : "ويذكّره الله … إلخ"، فقوله: "ويذكّره الله … إلخ " مفعول زاد، محكيّ، كسابقه، وهو بتشديد الكاف، من التذكير، بمعنى يُعلمه، وقوله: "سل كذا وكذا" مقول لقول مقدّر حال من فاعل "يذكّر": أي يذكّره قائلًا: سل … إلخ. وقوله: (الأَمَانِيُّ) بفتح الهمزة: جمع أمنيّة بضمها، وهي ما يتمنّاه الإنسان: أي يقصده. وقوله: (ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ) أي قصره الذي أُعدّ له في الجنّة. وقوله: (زوْجَتَاهُ) قال النوويّ ﵀: هكذا ثبت في الروايات والأصول "زوجتاه " بالتاء، تثنية زوجة بالهاء، وهي لغة صحيحة معروفة، وفيها أبيات كثيرة من شعر العرب، وذكرها ابن السّكّيت، وجماعات من أهل اللغة. انتهى (١). وقوله: (مِنَ الْحُورِ الْعِينِ) قال ابن الأثير ﵀: هنّ نساء أهل الجنّة، واحدتهنّ حَوْرَاء، وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها. انتهى (٢). وقوله: (فَتَقُولَانِ) قال النوويّ ﵀: هو بالتاء المثنّاة من فوقُ، وإنما ضَبَطتُ هذا، وإن كان ظاهرًا؛ لكونه مما يَغْلَط فيه بعضُ مَن لا يميز، فيقوله بالمثنّاة من تحتُ، وذلك لحن، لا شكّ فيه، قال الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ [الرحمن: ٥٠]. انتهى كلامه (٣). وقوله: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَا لَكَ) معناه: الذي خلقك

стр. 2902

لنا، وخلقنا لك، وجمع بيننا في هذه الدار الدائمة السرور، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا الذي أحاله المصنّف ﵀ على حديث ابن مسعود ﵁ ساقه الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ١٤٢)، فقال: (٤٢٤) حدثنا عباس الدُّوريّ، والصغانيّ، ومحمد بن إسماعيل الصائغ، بمكة، قالوا: ثنا يحيى بن أبي بُكير، قال: ثنا زُهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عَيّاش، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلةً، رجلٌ صَرَفَ اللهُ وجهه عن النار قِبَلَ الجنة، ومَثَّل له شجرةً، ذات ظلّ، فقال: أي رب قَدِّمني إلى هذه الشجرة، أكونُ في ظلها، وآكل من ثمرها، قال الله له: فهل عسيتَ إن أعطيتك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا، وعِزَّتك، فيُقَدِّمه الله إليها، فتُمَثَّلُ له شجرة أخرى، ذات ظلّ، وثمرة، وماء، فيقول: أي ربّ قَدِّمني إلى هذه الشجرة، أكونُ في ظلها، وآكل من ثمرها، وأشرب من مائها، فيقول له: هل عسيتَ إن فعلتُ أن تسألني غيره؟ فيقول: لا، وعزّتك، لا أسألك غيره، فَيَبْرُز له باب الجنة، فيقول: أي ربّ قَدِّمني إلى باب الجنة، فأكون تحت نِجَاف (١) الجنة، فأنظر إلى أهلها، فيُقَدِّمه الله إليها، فيرى أهل الجنة، وما فيها، فيقول: أي رب أدخلني الجنة، فيدخله الله الجنة، فإذا دخل الجنة، قال: هذا لي، فيقول الله له: تَمَنَّ فيتمنى، ويُذَكِّره الله: سَلْ من كذا، سَلْ من كذا، حتى إذا انقطعت به الأَمَانيّ، قال الله له: هو لك، وعشرة أمثاله، ثم يدخل الجنة تَبْدُر (٢) عليه زوجتاه من الحور العين، فتقولان له: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، فيقول: ما أعطي أحدٌ مثل ما أعطيتُ".

стр. 2903

قال الصائغ في حديثه: "الحمد لله الذي خَبَأَك لنا، وخَبَأَنا لك". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الْخُدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٧١] (١٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٦٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٤٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧٢] (١٨٩) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ أَبْجَرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، رِوَايَةً - إِنْ شَاءَ اللهُ - (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (٢)، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ، يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَر، يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ … قَالَ: (٣) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَم، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثنَا مُطَرِّفٌ، وَابْنُ أَبْجَرَ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَر، قَالَ سُفْيَانُ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - أُرَاهُ ابْنَ أَبْجَرَ - قَالَ: "سَألَ مُوسَى رَبَّهُ، مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ

стр. 2904

الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ، وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أترْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِه، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللهِ : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة: ١٧] "). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ) (١) الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" جـ ٤ ص ١٩. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٣ - (بِشْر بْنُ الْحَكَمِ) بن حَبيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٧. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكّيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة) " جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (مُطَرِّفُ) - بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة - (ابْنُ طَرِيفٍ) - بفتح أوله، وكسر ثانيه - الحارثيّ، ويقال: الخارفيّ، أبو بكر، يقال: أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦]. رَوَى عن الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وحبيب بن أبي ثابت، وسليمان بن الجهم، وسلمة بن كهيل، وعطية العوفي، وغيرهم.

стр. 2905

ورَوَى عنه أبو عوانة، وهشيم، وأبو جعفر الرازي، وعليّ بن مسهر، وغيرهم. قال أحمد وأبو حاتم: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: قلت لأحمد: أصحابُ الشعبي مَنْ أحبهم إليك؟ قال: ليس عندي فيهم مثل إسماعيل بن أبي خالد، قلت: ثُمّ مَنْ؟ قال: مطرف، وقال في موضع آخر: الشيبانيّ، ومطرف، وحصين، هؤلاء ثقات. وقال مرة عن أبي داود: بَيَانٌ فوق مُطَرّف، ومطرف ثقة، وابن أبي السَّفَر دونه، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الشافعي قال: ما كان ابن عيينة بأحد أشد إعجابًا منه بمطرف. وقال علي ابن المديني: حدثنا سفيان، حدثنا مُطَرِّف، وكان ثقة. وقال محمد بن عمرو الباهلي عن ابن عيينة: قال مطرف: ما يُسرني أني كذبت كذبةً، وأن لي الدنيا وما فيها. وقال داود بن عُلْبَة: ما أعرف عربيًّا ولا عجميًا أفضل من مُطَرِّف بن طَرِيف. وقال العجليّ: صالح الكتاب، ثقة ثبت في الحديث، ما يُذكر عنه إلا الخير في المذهب. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق، وليس بثبت. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت. قال ابن حبان: مات سنة ثلاث وثلاثين، وقد قيل: سنة اثنتين وأربعين. وقال البخاري: قال عبد الله بن الأسود، عن أبي عبد الله البَجَليّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. وقال عمرو بن علي: مات سنة ثلاث وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٥٤) و (١٨٩) (١١٦١) و (١٥٩٩) و (١٩٦١) و (٢٠٤٩) وأعاده بعده، و (٢٥٨٦) و (٢٦٨٥). ٦ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ) بن حيّان - بالتحتانيّة - ابن أبجر - بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، وفتح الجيم - الْهَمْدَانيّ، ويقال: الكنانيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (١). رَوَى عن أبي الطّفَيل، وعكرمة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن مُصَرِّف، وواصل الأحدب، والشعبيّ وأبي رَزِين لَقِيط، وغيرهم.

стр. 2906

ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، والثوريّ، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن إدريس، وعبيد الله الأشجعيّ، وابن عيينة، وأبو أسامة، وغيرهم. قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو أربعين حديثًا، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: عبد الملك بن أبجر ثقةٌ، وقال سفيان: حدثنا مَن لم تَرَ عيناك مثله ابنُ أبجر، وقال أيضًا: هو من الأبرار، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: هو أحبّ إلينا من إسرائيل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن إدريس: قال لي الأعمش: ألا تَعْجَبُ من عبد الملك بن أبجر، جاء رجل، فقال: إني لم أَمْرَض قطّ، وأنا أشتهي أن أَمْرَض، قال؛ كُلْ سَمَكًا مالِحًا، واشرب نَبِيذًا مَرِيسًا واقعُد في الشمس، واستمرض الله، قال: فجعل الأعمش يَضْحَك، ويقول: كأنما قال له: استَشْفِ الله، وقال العجليّ: كان ثقةً ثبتًا في الحديث، صاحب سنة، وكان من أطبّ الناس، فكان لا يأخذ عليه أجرًا، وَلَمّا حضرت الثوريّ الوفاة أوصى أن يُصَلّي عليه ابنُ أبجر، وكان الثوريّ يقول: بالكوفة خمسةٌ، يزدادون كل يوم خيرًا، فعَدّه فيهم، قال: وكانت به قُرْحةٌ لو كانت بالبعير لَمَا أطاقها، فكانوا إذا سألوه عنها، قال: ما أرضاني عن الله ، وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار الكوفيين، وثقاتهم. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٨٩) و (٨٦٩) و (٩٩٦) و (١٢٦٥). ٧ - (الشَّعْبِيِّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت بعد المائة) عن نحو (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٨ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم قبل الحديبية، ووليَ إفرة البصرة، ثم الكوفة، مات ﵁ سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه: ابن أبي عمر، فمكيّ، وبشر، فنيسابوريّ، كما تقدّم آنفًا.

стр. 2907

٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن أبجر، عن الشعبيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "يرفعه الى رسول الله ﷺ " وفي رواية: "رفعه" قد تقدّم أن هذا، وكذا قولهم: "روايةً"، أو "يَنْمِيه"، أو "يَبْلُغ به" كلها ألفاظ موضوعة عند أهل الحديث لإضافة الحديث إلى رسول الله ﷺ ، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، فكلّها مرفوعة حكمًا، بمعنى: "قال رسول الله ﷺ "، أو نحو ذلك. وقد أشار إلى ذلك السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال: وَهَكَذَا "يَرْفَعُهُ" "يَنْمِيهِ" … "رِوَايَةً" "يَبْلُغْ بِهِ" "يَرْوِيهِ" والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُطَرِّفٍ) بن طَرِيف (وَابْنِ أَبْجَرَ) هو: عبد الملك بن سعيد الآتي بعدُ (عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، رِوَايَةً) أي حال كونه ينقله نقلًا عن رسول الله ﷺ ، وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ) هذا الشكّ والاستثناء في هذا الطريق لا يضرّ في صحّة الحديث؛ لأنه جزم به في الروايات الباقية (١). وقوله: (عَنِ الْمُغِيرَةِ) تقدّم أنه يقال: بضم الميم، وكسرها، لغتان، والضم أشهر (٢) (بْنِ شُعْبَةَ) ﵁ (قَالَ) أي الشعبيّ (سَمِعْتُهُ) أي المغيرة ﵁ (عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بحال محذوف، أي حال كونه قائمًا، وقوله: (يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، إما مترادفان، أو متداخلان. وقوله: (قَالَ) الفاعل ضمير المصنّف ﵀، وفي نسخة مكتوب بدل "قال" علامة التحويل (ح)، وقوله: (وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ) في محلّ نصب مقول "قال"، وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ) أي لفظ متن الحديث المسوق هنا لشيخه بشر بن الحكم، وأما سعيد، وابن أبي عمر، فروياه بالمعنى، وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا) أي رفع الحديث، ونسبه إلى النبيّ ﷺ

стр. 2908

أحد شيخيه: مطرِّف، أو ابن أبجر، وهو عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر، وقوله: (أُرَاهُ ابْنَ أَبْجَرَ) أي أظنّ الذي رفعه هو ابن أبجر. قال النوويّ ﵀: معناه: أن أحدهما رفعه، وأضافه إلى رسول الله ﷺ ، والآخر وقفه على المغيرة، فقال: "عن المغيرة قال: سأل موسى ﵇"، والضمير في "أحدهما" يعود على مُطَرِّف، وابن أبجر، شيخي سفيان، فقال أحدهما: "عن الشعبيّ، عن المغيرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: سأل موسى ﵇"، وقال الآخر: "عن الشعبيّ، عن المغيرة قال: سأل موسى ﵇"، قال: ثم إنه يحصل من هذا أن الحديث رُوِيَ مرفوعًا وموقوفًا، وقد قدمنا في الفصول المتقدّمة في أول الكتاب أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحققون من المحدثين، أن الحديث إذا رُوي متصلًا، ورُوي مُرسلًا، ورُوي مرفوعًا، ورُوي موقوفًا، فالحكم للموصول والمرفوع؛ لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير، من أصحاب فنون العلوم، فلا يقدح اختلافهم ههنا في رفع الحديث ووقفه، لا سيما وقد رواه الأكثرون مرفوعًا. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ من تقديم المرفوع والموصول دائمًا، ونسبه إلى الجماهير، وإلى المحقّقين، قد تقدّم الردّ عليه، وأن مذهب المحقّقين، والحفّاظ المتقنين، كشعبة، والقطان، وابن مهديّ، وابن حنبل، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن خزيمة، والدارقطنيّ، وغيرهم من نَقَدَة الأخبار، والجهابذة الأحبار أنهم لا يُطلقون القول في ذلك، بل يسلكون مسلك التدقيق، والبحث عن القرائن المحتفّة بالحديث، فإذا ترجّح لديهم أحد الأمرين قدّموه، سواء كان الرفع، والوصل، أو الوقف، والإرسال. والحاصل أن لهم دراسة خاصّة في كلّ حديث يحكمون بما يترجّح لديهم، وأما القول: بالإطلاق الذي قاله النوويّ، فإنه ليس مذهب المحقّقين، وإنما سلكه بعض أهل العلم، وهو الذي يسلكه دائمًا ابن حبّان، وابن حزم،

стр. 2909

والنوويّ، ونحوهم، فتبصّر، ولا تسلك مسلك التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ) ﷺ (سأَلَ مُوسَى) النبيّ؛ (رَبَّهُ) (مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟) كذا هو في الأصول "ما أدنى"، وكان الظاهر أن يقال: "من أدنى"؛ لأنه سؤال عن الشخص، لكن هذا أيضًا صحيح؛ لأنه يُحمل على أن السؤال عن الصفة، فعبّر بـ "ما"، فيكون معناه: ما صفة، أو ما علامة أدنى أهل الجنة؟ (١) (قَالَ) الله (هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ) بالبناء للمفعول (أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ) أي يتفضّل الله عليه، فيأمره أن يدخل الجنّة (فَيَقُولُ) الرجل (أَيْ رَبِّ) أي يا ربّ (كَيْفَ) أي كيف أدخل الجنة، ولا مكان فيها؟ (وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟) قال ابن الأثير: بفتح الهمزة، والخاء: أي نزلوا منازلهم. انتهى (٢). وقال القاضي عياض ﵀: بفتح الهمزة والخاء: جمع أَخْذَة، وهو ما أخذوه من كرامة مولاهم، وحَصّلوه، أو يكون معناه قَصَدُوا مقاصدهم، وساروا سُبُلهم إلى منازلهم، قال: وذكره ثعلب بكسر الهمزة، يقال: ما أخَذَ إِخْذه: أي ما قصد قصده، وإِخْذُ القوم: طريقهم، وسبيلهم. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن عطف جملة "وأخذوا" على ما قبلها للتأكيد، والله تعالى أعلم. (فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ) بحذف حرف النداء، أي يا ربّ (فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِه، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ) يقال: لَذّ الشيءُ يَلَذُّ، من باب تَعِبَ لَذَاذًا، ولَذَاذَةً بالفتح: صار شَهيًّا، فهو لَذّ، ولَذِيذٌ، ولَذِذْتُهُ أَلَذّهُ: وجدته كذلك، يتعدّى، ولا يتعدّى (٤)، وما هنا من المتعدّي، وحُذف مفعوله؛ لكونه فضلة: أي لذّته عينك (فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبّ، قَالَ) موسى ﵇ (رَبِّ) أي يا ربّ

стр. 2910

(فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟) أي فما أعلى أهل الجنّة منزلة؟، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "أي ربّ، فأيّ أهل الجنّة أرفع منزلةً؟ " (قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ) بضم التاء للمتكلّم، ومعناه: اخترتُ واصطفيتُ، قاله النوويّ، وفي رواية أبي عوانة: "قال: إياها أردتُ، وسأحدّثك عنهم" (غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا) قال النوويّ ﵀: معناه اصطفيتهم، وتوليتهم، فلا يتطَرَّق إلى كرامتهم تغيير. انتهى. (فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) حُذِف مفعول هذه الأفعال اختصارًا؛ للعلم به، تقديره: "ما أكرمتهم به، وأعددته لهم". (قَالَ) الضمير للشعبيّ ﵀، كما بيّنته رواية ابن منده، ولفظه: "قال الشعبيّ"، فبيانها في كتاب الله القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ﴾ الآية (١)، وستأتي الرواية في التنبيه الآتي (وَمِصْدَاقُهُ) بكسر الميم: أي دليله، وما يُصَدّقه (فِي كِتَابِ اللهِ ) قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ الآية [السجدة: ١٧]) أي فلا يعلم أحدٌ عظمة ما أخفى الله تعالى لهم في الجنّات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطّلع على مثلها أحدٌ، لَمَّا أَخْفَوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب جزاءً وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن ﵀: أخفى قوم عملهم، فأخفى الله تعالى لهم ما لم تَرَ عينٌ، ولم يخطر على قلب بشر (٢). ومعنى "أُخِفي": خُبِئ، وسُتِر، و"القرّة": بمعنى: اسم الفاعل: أي ما يَحصُلُ به القَرِير: أي الفَرَح والسرور، أي فلا يلتفتون إلى غيره. فقوله: ﴿أُخْفِيَ﴾ فيه قراءتان سبعيّتان: قرأ حمزة ﴿أُخْفِيَ﴾ فعلًا مضارعًا مسندًا لضمير المتكلّم، فلذلك سُكّنت ياؤه؛ لأنه مرفوع، وقرأ الباقون (أخفيَ) فعلًا ماضيًا مبنيًّا للمفعول، فمن ثَمّ فُتِحت ياؤه. و"ما" يَحْتَمِل أن تكون موصولةً: أي لا تَعلَم الذي أخفاه الله تعالى. ويَحْتَمِلُ أن تكون استفهاميّةً معلِّقَةً لـ ﴿تَعْلَمُ﴾، فإن كانت متعدّية لاثنين سدّت مسدّهما، أو لواحد سدّت مسدّه، وإذا كانت استفهاميّة فعلى قراءة من
следующие страницы →