الصراط، ومرور الناس عليه؛ لكونه كلامًا طويلًا، لكنّه يحفظ بعض ما تضمّنه، كما أشار إليه بقوله: (قَالَ) يزيد (غَيْرَ أَنَّهُ) أي جابرًا ﵁ (قَدْ زَعَمَ) أي قال؛ لأن زعم، وإن كان الغالب فيها أن تستعمل للباطل، لكنها قد تُستعمل للحقّ، كما سبق بيان ذلك مستوفًى غير مرّة. (أَنَّ) بالفتح؛ لسدّها مسدّ المصدر، حيث وقعت مفعولًا لـ"زعم"، كما قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
(قَوْمًا يَخْرُجُونَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الخروج ثلاثيًّا (مِنَ النَّار، بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا) أي بعد دخولهم في النار (قَالَ: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ) هذه العناية من المصنّف، أو من شيخه؛ لأن أبا نعيم أخرجه في "مستخرجه"، من طريق عليّ بن عبد العزيز، وسهل بن بحر، كليهما عن الفضل بن دُكين، فلم يذكراها، ولفظه: "قال: فيخرجون … إلخ"، فلم يذكراها (كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ) قال النوويّ ﵀: هو بالسينين المهملتين: الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، وهو جَمْعُ سِمْسِم، وهو هذا السِّمْسِم المعروف الذي يُسْتَخْرَج منه الشَّيْرَج، قال الإمام أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزريّ المعروف بابن الأثير ﵀: معناه - والله أعلم - أن السماسم جمع سِمْسِم، وعِيدانه تراها إذا قُلِعَت، وتُرِكت في الشمس؛ لِيُؤخَذ حَبُّها دِقَاقًا سُودًا، كأنها مُحْترِقةٌ، فشُبِّه بها هؤلاء، قال: وطالما طَلَبت هذه اللفظة، وسألت عنها، فلم أجد فيها شافيًا، قال: وما أشبه أن تكون اللفظة مُحَرَّفةً، وربما كانت عِيدان السّاسَمُ، وهو خَشَبٌ أسود، كالأبنوس، هذا كلام أبي السعادات.
و"السّاسَمُ" الذي ذكره هو بحذف الميم، وفتح السين الثانية، كذا قاله الجوهريّ وغيره.
وأما القاضي عياض: فقال: لا يُعْرَف معنى السَّمَاسم هنا، قال: ولعله صوابه عِيدان السّاسَم، وهو أشبه، وهو عُود أسود، وقيل: هو الأبنوس.
وأما صاحب "المطالع"، فقال: قال بعضهم: السماسم: كلُّ نبت ضعيف، كالسمسم، والْكُزْبُرة (١).
стр. 2942
وقال آخرون: لعله السّأَسِم مهموز، وهو الأبنوس، شَبَّهَهم به في سَوَاده، فهذا مختصر ما قالوه فيه، والمختار أنه السِّمْسِم كما قدمناه على ما بيّنه أبو السعادات، والله أعلم.
(واعلم): أنه وقع في كثير من الأصول والكتب: "كأنها عِيدان السماسم"، بألف بعد الهاء، والصحيح الموجود في معظم الأصول والكتب: "كأنهم" بميم بعد الهاء، وللأول أيضًا وَجْهٌ، وهو أن يكون الضمير في "كأنها" عائدًا على الصُّوَر، أي كأن صورهم عِيدان السماسم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": المراد بعيدان السماسم: ما يَنْبُت فيه السمسم، فإنه إذا جُمِع، ورُمِيت العيدان تصير سُودًا دِقَاقًا، وزعم بعضهم أن اللفظة مُحَرَّفة، وأن الصواب السَّاسَمُ بميم واحدة، وهو خشب أسود، والثابت في جميع طُرُق الحديث بإثبات الميمين، وتوجيهه واضح. انتهى (٢).
(قَالَ) جابر ﵁ (فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا) بفتح الهاء، وسكونها، قال الفيّوميّ ﵀: "النّهْرُ": الماء الجاري المتّسِعُ، والجمع: نُهُرٌ بضمّتين، وأَنْهُرٌ، و"النَّهَرُ" بفتحتين لغةٌ، والجمع: أنهار، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى (٣). (مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّة، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ) أي في ذلك النهر (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ) بالفتح: جمع قِرْطَاس بكسر القاف، وضمها، لغتان، وهو الصحيفة التي يُكْتَب فيها، شَبَّهَهُم بالقراطيس؛ لشدّة بياضهم بعد اغتسالهم، وزوال ما كان عليهم، والله تعالى أعلم (٤).
(فَرَجَعْنَا، قُلْنَا) وفي نسخة: "وقلنا" (ويحَكُمْ) قال ابن الأثير ﵀: هي كلمة ترحّم، وتوجّع، تقال لمن وقع في هَلَكَة لا يستحقّها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: ويحَ زيدٍ، وويْحًا له، ووْيحٌ له. انتهى (٥).
стр. 2943
وقال الجوهريّ ﵀: "ويحٌ" كلمةُ رحمة، و"ويلٌ" كلمة عذاب، وقيل: هما بمعنى واحد، وهما مرفوعتان بالابتداء، يقال: ويحٌ لزيد، وويلٌ له، ولك أن تقول: ويْحًا لزيد، وويلًا له، فتنصبهما بإضمار فعل، وكأنك قلت: ألزمه الله ويحًا، وويلًا، ولك أن تقول: ويحك، وويح زيد، وويلك، وويل زيد بالإضافة، فتنصبهما أيضًا بإضمار فعل. انتهى (١).
(أَتُرَوْنَ) بالبناء للفاعل، بمعنى تعلمون، ويحتمل أن يكون بمعنى أتظنّون، وعلى هذا فيكون الفعل أن يكون مبنيًّا للمفعول، ومعناه معلوم، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، ومعناه أيضًا أتَظُنّون (الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) المراد بالشيخ جابر بن عبد الله ﵄، وهو استفهام إنكار وجَحْد: أي لا يُظَنُّ به الكذب بلا شك (فَرَجَعْنَا، فَلَا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ) قال النوويّ ﵀: معناه: رَجَعْنا من حجّنا، ولم نتَعَرَّض لرأي الخوارج، بل كَفَفْنا عنه، وتُبْنا منه، إلا رجلًا منّا، فإنه لم يوافقنا في الانكفاف عنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن يكون معنى رجعنا: أي مما اعتقدناه من رأي الخوارج، وعزمنا عليه من دعوة الناس إليه، والحثّ عليه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) هو من كلام حجّاج بن الشاعر شيخ المصنّف، والمراد بأبي نُعيم هو: الفضل بن دُكين - بضم الدال المهملة - المذكور في أول الإسناد، وهو شيخ شيخه، وهذا الذي فَعَلَه أدبٌ معروف، من آداب الرُّواة، وهو أنه ينبغي للراوي إذا رَوَى بالمعنى أن يقول عقب روايته: "أو كما قال"؛ احتياطًا، وخوفًا من تغيير وقع فيه، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَقُلْ أَخِيرًا "أَوْ كَمَا قَالَ" وَمَا أَشْبَههُ … كَالشَّكِّ فِيمَا أَبْهَمَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2944
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٨٠] (١٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن طائفة من عصاة المؤمنين يدخلون النار.
٢ - (ومنها): إثبات عدم خلود أصحاب الكبائر في النار، بل يخرُجون منها.
٣ - (ومنها): إثبات الشفاعة لأصحاب الكبائر، وقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وأبو داود، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب (١).
٤ - (ومنها): أن فيه الردَّ على ثلاث طوائف من المبتدعة، فهو ردّ على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وأن من دخلها لا يخرُج منها، على خلاف بينهما في حكمه، وهو أن الخوارج يقولون: بأنه كافر، والمعتزلة يقولون: بأنه في منزلة بين المنزلتين، ولكن النتيجة واحدة، وهي التخليد في النار، وهذا اعتقاد باطلٌ مصادم للنصوص وإجماع أهل السنة والجماعة.
وهو أيضًا ردٌّ على المرجئة الذين يقولون: إن الموحّد لا يدخل النار، وإنه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا أيضًا ضلال مبين.
والحقّ الذي دلّت عليه آيات الكتاب، والسنن الصحيحة، وهو الذي عليه أهل السنّة والجماعة وسطٌ بين الإفراط والتفريط، فمرتكب الكبيرة مؤمن
стр. 2945
بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو تحت مشيئة الله ، إن شاء عفا عنه، وغفر له، وأدخله الجنّة ابتداءً، وإن شاء أدخله النار، ثم أخرجه منها، إما بعفوه، وإما بشفاعة الشافعين، ولا يُخلَّد أحد من أهل التوحيد في النار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨١] (١٩٢) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، وَثَابِتٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى الله، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبّ، إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا، فَلَا تُعِدْني فِيهَا، فَيُنْجِيهِ اللهُ مِنْهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ) هو: هُدْبة - بضم الهاء، وسكون الدال - ابن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] (ت ٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.
[تنبيه]: اختُلف في "هدّاب، وهُدبة" أيهما الاسم، وأيهما اللقب، فقيل: هدّاب لقبٌ، واسمه هُدْبة، وقيل: هدّاب اسمه، وهُدبة لقبه، وذكره المصنّف ﵀ في (٣٤) موضعًا من هذا الكتاب، وذكره في كلّها بـ"هدّاب"، والظاهر أنه يرى أنه اسمه، وخالفه البخاريّ، فذكره في (١٨) موضعًا من "صحيحه" فلم يذكره إلا بـ"هدبة"، والظاهر أنه يرى أنه الاسم، والله تعالى أعلم.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو عِمْرَانَ) هو: عبد الملك بن حبيب الْجَوْنيّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٨) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥.
٤ - (ثَابت) بن أسلم البنانيّ المذكور قبل باب.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ المشهور ﵁ تقدّم قبل باب.
стр. 2946
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٠) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى أسانيده، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وحماد بن سلمة أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا في "الرقاق".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وهو من المعمّرين، ونال البركة العظمى بخدمة النبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ) بالبناء للفاعل، و"أربعة" فاعله، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و"أربعة" نائب فاعله (مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ) وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : "يَخرج رجلان من النار، فيُعرَضان على الله، ثم يؤمر بهما إلى النار، فيلتفت أحدهما، فيقول: يا ربّ ما كان هذا رجائي، قال: وما رجاؤك؟ قال: كان رجائي إذ أخرجتني منها أن لا تُعيدني، فيرحمه الله، فيُدخله الجنّة".
وأخرجه البغويّ في "شرح السنّة"، من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وأبي عمران الْجَونيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "يُخرَج قوم من النار - قال أبو عمران: أربعةٌ، وقال ثابت: رجلان - فيُعرَضون على ربّهم … " الحديث، فتبيّن بهذه الرواية أن الذي وقع عند المصنّف هنا بلفظ أربعة، هو رواية أبي عمران.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يُذكَر في هذا الحديث مآل غير هذا الرجل الواحد الذي أدخله الله الجنّة، هل دخلوا الجنة، أم لا؟.
وقد أخرج الترمذيّ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن رجلين ممن دخل النار اشتدّ صياحهما، فقال الرب : أخرجوهما، فلما
стр. 2947
أُخرجا قال لهما: لأي شيء اشتدّ صياحكما؟ قالا: فَعَلْنا ذلك لترحمنا، قال: إن رحمتي لكما أن تنطلقا، فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار، فينطلقان، فيُلْقِي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه بردًا وسلامًا، ويقوم الآخر، فلا يُلقي نفسه، فيقول له الرب : ما منعك أن تُلقي نفسك، كما ألقى صاحبك؟ فيقول: يا رب إني لأرجو أن لا تعيدني فيها بعدما أخرجتني، فيقول له الرب: لك رجاؤك، فيدخلان جميعًا الجنة برحمة الله"، قال أبو عيسى: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأنه عن رشدين بن سعد، ورشدين بن سعد هو ضعيف عند أهل الحديث، عن ابن أنعم، وهو الإفريقيّ، والأفريقيّ ضعيف عند أهل الحديث. انتهى (١).
فلو صحّ هذا الحديث لتبيّن أن الرجل الآخر أيضًا دخل الجنّة، إلا أنه ضعيف، كما قال الترمذيّ، فالله تعالى أعلم بأحوال عباده.
(فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: عَرَضتُ الشيء على فلان: إذا أريته إيّاه (٢). (فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ) أي بعد أن يؤمر به إلى النار امتحانًا، كما بيّنته رواية ابن حبّان المذكورة (فَيَقُولُ: أَيْ) حرف نداء (رَبّ، إِذْ) تعليليّةً، فهو تعليل مقدّم على المعلَّل، وهو قوله: "فلا تُعدني"، أي لأنك (أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا، فَلَا تُعِدْنِي فِيهَا) بضم التاء، من الإعادة (فَيُنْجِيهِ) من الإنجاء، أو من التنجية (اللهُ مِنْهَا) أي بعد إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٨١] (١٩٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٧٦٠)، و (أبو عوانة) في
تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيه، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّار، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ"، قَالَ: فَلَا أَدْرِي، فِي الثَّالِثَة، أَوْ فِي الرَّابِعَة، قَالَ: "فَأَقُولُ: يَا رَبّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ"، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) (١) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) (٢) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله الْيَشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبثٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ المذكور في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢١) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، كالسند الماضي، والله تعالى أعلم.
стр. 2950
شرح الحديث:
(عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁.
[تنبيه]: حديث أنس ﵁ هذا أورده المصنّف ﵀ هنا مطوّلًا من طريق أبي عوانة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، ثلاثتهم عن قتادة عنه، ومن طريق معبد بن هلال، عن أنس، وفيه زيادة للحسن، عن أنس، وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ من رواية أبي زرعة، عنه، ومن رواية أبي حازم، عنه، ومن رواية ربعيّ بن حِرَاش، عن حُذيفة ﵁.
وأخرجه البخاريّ في "الرقاق" من طريق أبي عوانة، وفي "التفسير" من رواية هشام الدستوائيّ، ومن رواية سعيد بن أبي عروبة، وفي "التوحيد" من طريق هَمّام أربعتهم عن قتادة، وأخرجه أيضًا أحمد من رواية شَيْبان، عن قتادة، وفي "التوحيد" من طريق معبد بن هلال، عن أنس، وفيه زيادة للحسن عن أنس، ومن طريق حُمَيد، عن أنس باختصار.
وأخرجه أحمد من طريق النضر بن أنس، عن أنس، وأخرجه أيضًا من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن خزيمة، من طريق معتمر، عن حميد، عن أنس، وعند الحاكم من حديث ابن مسعود، والطبرانيّ من حديث عبادة بن الصامت، ولابن أبي شيبة من حديث سلمان الفارسيّ.
ورواه البخاريّ أيضًا في "التفسير" من حديث أبي هريرة ﵁، من رواية أبي زرعة عنه، وأخرجه الترمذيّ من رواية العلاء بن يعقوب عنه.
وأخرجه أيضًا في "التوحيد" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، وله طُرُق، عن أبي سعيد مختصرة.
وأخرجه أبو عوانة من رواية حذيفة، عن أبي بكر الصديق ﵁، وأخرجه البخاريّ في "الزكاة" من حديث ابن عمر ﵄ باختصار، وعند كلّ منهم ما ليس عند الآخر، وسأنبّه تبعًا للحافظ ﵀ (١) ما عند كل منهم من فائدة، مستوعبًا - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وفي
стр. 2951
رواية معبد بن هلال الآتية: "إذا كان يومُ القيامة ماجَ الناسُ بعضهم في بعض".
وأول حديث أبي هريرة ﵁: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمِعهم الداعي، ويَنْفُذهم البصر، وتَدْنُو الشمس، فيبلُغُ الناسَ من الغمّ والكرب ما لا يُطيقون، ولا يَحْتَملون"، وزاد في رواية إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة فيه: "وتدنو الشمس من رؤوسهم، فيَشْتَدُّ عليهم حرُّها، وَيشُقّ عليهم دُنُوّها، فينطلقون من الضَّجَر والْجَزَع مما هم فيه"، وهذه الطريق ستأتي للمصنّف ﵀ عن زُهير بن حرب، عن جرير بن عبد الحميد، لكن لم يَسُق لفظها.
وأول حديث أبي بكر ﵁: "عُرِضَ عليّ ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة، يَجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فَيُفْظَعُ الناسُ (١) لذلك، والعَرَق كاد يُلجمهم"، وفي رواية معتمر: "يَلْبَثون ما شاء الله من الحبس"، وعند المصنّف من حديث المقداد ﵁: "أن الشمس تدنو حتى تصير من الناس قدرَ مِيل".
وفي حديث سلمان ﵁: "تُعْطَى الشمس يوم القيامة حَرّ عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الناس، فَيَعْرَقُون، حتى يَرْشَح العرق في الأرض قامةً، ثم يرتفع الرجل حتى يقول: عق عق"، وفي رواية النضر بن أنس: "لِغَمّ ما هم فيه، والخلق مُلْجَمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزُّكْمَة، وأما الكافر فيغشاه الموت" (٢)، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ رفعه: "إني لسيد الناس
стр. 2952
يوم القيامة، بغير فخر، وما من الناس إلا مَن هو تحت لوائي، ينتظر الفَرَج، وإن معي لواءَ الحمد"، ووقع في رواية هشام، وسعيد، وهمام: "يجتمع المؤمنون، فيقولون"، وتبيّن من رواية النضر بن أنس أن التعبير بالناس أرجح، لكن الذي يَطْلُب الشفاعة هم المؤمنون، قاله في "الفتح" (١).
(فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ - وقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: - فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ) قال النوويّ ﵀: معنى اللفظتين متقاربان، فمعنى الأولى: أنهم يَعْتَنُون بسؤال الشفاعة، وزوال الْكَرْب الذي هم فيه، ومعنى الثانية: أن الله تعالى يُلْهِمهم سؤال ذلك، والإلهام أن يُلْقِي الله تعالى في النفس أمرًا يَحْمِل على فعل الشيء، أو تركه، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
(فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا) أي طلبنا الشفاعة، قال الطيبيّ ﵀: "لو" هي المتضمّنة للتمنّي والطلب، قال في "أساس البلاغة": شَفَعْتُ له إلى فلان، وأنا شافعه، وشَفِيعه، واستشفعني إليه، فَشَفْعتُ له، واستشفع بي، قال الأعشى [من الطويل]:
مَضَى زَمَنٌ وَالنَّاسُ يَسْتَشْفِعُونَ بِي … فَهَلْ لِي إِلَى لَيْلَى الْغَدَاةَ شَفِيعُ (٣)
(عَلَى رَبِّنَا) وفي رواية هشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة بلفظ: "إلى ربنا"، وتُوَجَّه بأنه ضُمِّن معنى استشفعنا: سَعَينا؛ لأن الاستشفاع طلب الشفاعة، وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى؛ ليستعين به على ما يَرُومه، وفي
стр. 2953
حديث حذيفة وأبي هريرة ﵃ معًا الآتي: "يَجْمَع الله الناس يوم القيامة، فيقوم المؤمنون حتى تَنْزَلِف لهم الجنة، فيأتون آدم … "، و"حتى" غاية لقيامهم المذكور، ويؤخذ منه أن طلبهم الشفاعة يَقَع حين تَنزَلِف لهم الجنة، ووقع في أول حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، رفعه: "أنا أول من تنشق عنه الأرض … " الحديث، وفيه: "فيفزع الناس ثلاث فَزَعَات، فيأتون آدم … " الحديث.
قال القرطبيّ ﵀: كأن ذلك يقع إذا جيء بجهنم، فإذا زَفَرَت فَزِع الناس حينئذ، وجَثَوا على ركبهم. انتهى.
(حَتَّى يُرِيحَنَا) بضمّ أوله، من الإراحة، يقال: أرحته: أي أسقطتُ عنه ما يجد من تَعَبه (١)، وقال الطيبيّ: ونصبه بـ"أن" المقدّرة بعد الفاء الواقعة جوابًا لـ"لو"، والمعنى: لو استشفعنا أحدًا إلى ربّنا، فيشفع لنا، فيُخلّصنا مما نحن فيه من الكرب والحبس. انتهى (٢).
(مِنْ مَكَانِنَا هَذَا) وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند ابن حبان: "إن الرجل لَيُلْجِمه العَرَق يوم القيامة، حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار"، وفي رواية ثابت، عن أنس ﵁: "يطول يومُ القيامة على الناس، فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر، فَلْيَشْفَع لنا إلى ربنا، فلْيَقْضِ بيننا"، وفي حديث سلمان ﵁: "فإذا رأوا ما هم فيه قال بعضهم لبعض: ائتوا أباكم آدم"، وفي رواية حذيفة، وأبي هريرة ﵄: "فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة".
(قَالَ: فَيَأْتُونَ آدَمَ ﷺ ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ) هو من باب قوله: "أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي"، وهو مبهمٌ، فيه معنى الكمال، لا يُعلَم ما يُراد منه، ففسّره بما بعده من قوله: "أبو الخلق، خَلَقك الله بيده … إلخ"، قاله الطيبيّ ﵀ (أَبُو الْخَلْقِ) المراد به البشر (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) فيه إثبات صفة اليد لله على ما يليق بجلاله، ولا تؤوّل بالقدرة (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) الإضافة فيه إضافة تشريف، كما بيت الله، وناقة الله، وزاد في رواية همام:
стр. 2954
"وأسكنك جنته، وعَلَّمك أسماء كل شيء"، أي أسماء المسمّيات (وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ، حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا) أي هذا المكان العظيم، والموقف الأليم (فَيَقُولُ) آدم ﵇: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) لفظة "هنا" موضوعة للمكان القريب المشار إليه، فإذا ألحقت بها كاف الخطاب تكون للبعيد، فالمعنى هنا: أنا بعيد من مقام الشفاعة، فلست أهلًا لها، قال البيضاويّ ﵀: أي يقول لهم آدم ﵇: لستُ في المكان والمنزل الذي تحسبونني، يريد به مقام الشفاعة. انتهى.
وقال القاضي عياض ﵀: هو كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة، قاله تواضعًا وإكبارًا لما يسألونه، قال: وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي، بل لغيري، وقد وقع في رواية معبد بن هلال: "فيقول: لست لها"، وفي رواية حذيفة: "لست بصاحب ذاك"، وهو يؤيد الإشارة المذكورة، قاله في "الفتح" (١). (فَيَذْكُرُ) آدم ﵇ اعتذارًا عن التقاعد عن الشفاعة، ومبيّنًا سببه (خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) فيه حذف العائد إلى الموصول، تقديره: "أصابها"، زاد همام في روايته: "أكلَهُ من الشجرة، وقد نُهِي عنها"، وهو بنصب "أكلَهُ" بدل من قوله: "خطيئته"، ويجوز أن يكون بيانًا للضمير المبهم المحذوف، نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ الآية [فصلت: ١٢].
وفي رواية هشام: "فيذكُر ذنبه، فيستحي"، وفي رواية ابن عباس: "إني قد أُخْرِجتُ بخطيئتي من الجنة"، وفي رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد: "وإني أذنبت ذنبًا، فأُهْبِطت به إلى الأرض"، وفي رواية حذيفة، وأبي هريرة معًا: "هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ "، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور: "إني أخطأت، وأنا في الفردوس، فإن يُغْفَرْ لي اليومَ حسبي"، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "إن ربي غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضبَ بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيتُ، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري" (فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا) أي تلك الخطيئة (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ) زاد في رواية: "إلى الأرض"، وفي رواية هشام: "فإنه أول
стр. 2955
رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"، وفي حديث أبي بكر ﵁: "انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح، ائتوا عبدًا شاكرًا"، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سَمّاك الله عبدًا شكورًا"، وفي حديث أبي بكر ﵁: "فينطلقون إلى نوح، فيقولون: يا نوح اشفَعْ لنا إلى ربك، فإن الله اصطفاك، واستجاب لك في دعائك، ولم يَدَعْ على الأرض من الكافرين دَيّارًا".
ويُجْمَع بينهما بأن آدم سبق إلى وصفه بأنه أول رسول، فخاطبه أهل الموقف بذلك.
[تنبيه]: قد استُشْكِلت هذه الأولية بأن آدم نبيٌّ مرسلٌ، وكذا شيثٌ، وإدريس، وهم قبل نوح عليهم الصلاة والسلام.
[وأجيب]: بأنّ الأولية مقيَّدة بقوله: "أهل الأرض"؛ لأن آدم، ومن ذكر معه ﵇، لم يُرْسلوا إلى أهل الأرض جميعًا.
واستُشْكِل أيضًا بحديث جابر ﵁ عند البخاريّ مرفوعًا: "أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحد … " الحديث، وفيه: "وكان النبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً، وبُعثتُ إلى الناس كافّةً … ".
أُجيب بأن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح ﵇، وإنما اتّفق باعتبار حصر الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما بعثة نبيّنا محمد ﷺ فهي في أصلها عامّة لقومه، ولغير قومه، أو الأولية مقيدة بكونه أُهلك قومه، أو إن الثلاثة كانوا أنبياء، ولم يكونوا رسلًا، والى هذا جنح ابن بطال في حقّ آدم، وتعقّبه عياض بما صححه ابن حبّان من حديث أبي ذرّ ﵁، فإنه كالصريح في أنه كان مرسلًا، وفيه التصريح بإنزال الصحف على شيث، وهو من علامات الإرسال، وأما إدريس، فذهبت طائفة إلى أنه كان في بني إسرائيل، وهو إلياس.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي ذر ﵁، وإن صححه ابن حبّان، إلا أنه ضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به، على أنه فلا يلزم من إنزال الصحف أن يكون المنزل عليه رسولًا؛ لاحتمال أن يكون ليعمل به في خاصّة نفسه، أو
стр. 2956
لا يكون فيه أمر ونهي، بل مواعظ ونصائح تختصّ به، فتنبّه (١).
ومن الأجوبة أيضًا أن رسالة آدم ﵇ كانت إلى بنيه، وهم مُوَحِّدون؛ ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار، يدعوهم إلى التوحيد، قاله في "الفتح" (٢).
(قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحًا ﷺ ، فَيَقُولُ) نوح ﵇ (لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ) نوح ﵇ (خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا) في رواية هشام: "ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم"، وفي رواية شيبان: "سؤال الله"، وفي رواية معبد بن هلال مثل جواب آدم، لكن قال: "وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي"، وفي حديث ابن عباس ﵄: "فيقول: ليس ذاكم عندي"، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "إني دعوت بدعوة أغرَقَتْ أهلَ الأرض".
ويُجْمَع بينه وبين الأول بأنه اعتذر بأمرين:
[أحدهما]: نَهْيُ الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم، فَخَشِي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك.
[ثانيهما]: أن له دعوةً واحدةً محققَةَ الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخَشِيَ أن يطلُبَ، فلا يجابَ.
وقال بعض الشراح: كان الله وَعَدَ نوحًا أن ينجيه وأهله، فلما غَرِقَ ابنه ذكر لربه ما وعده، فقيل له: المراد مِن أهلك مَن آمن، وعمل صالحًا، فخرج ابنك منهم، فلا تسأل ما ليس لك به علم.
стр. 2957
[تنبيهان]:
(الأول): سقط من حديث حذيفة المقرون بأبي هريرة ﵄ الآتي بعد ستة أحاديث ذكرُ نوح، فقال في قصة آدم: "اذهبوا إلى ابني إبراهيم"، وكذا سقط من حديث ابن عمر، والعمدة على مَن حَفِظَ.
(الثاني): ذكر أبو حامد الغزالي في "كشف علوم الآخرة": أن بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحًا ألف سنة، وكذا بين كل نبي ونبي إلى نبيّنا ﷺ ، قال الحافظ ﵀: ولم أقف لذلك على أصل، ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها، فلا يُغْتَرّ بشيء منها. انتهى، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ ﷺ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا) وفي رواية معبد بن هلال: "ولكن عليكم بإبراهيم، فهو خليل الله".
قال القاضي عياض ﵀: أصل الْخُلّة (١) الاختصاص، والاستصفاء، وقيل: أصلها الانقطاع إلى مَن خاللت، مأخوذ من الْخَلّة، وهي الحاجة، فسُمّي إبراهيم ﷺ بذلك؛ لأنه قَصَرَ حاجته على ربه حين أتاه الملك، وهو في الْمَنْجَنيق؛ ليُرمى به في النار، فقال: ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا (٢)، وقيل: الخلة صَفَاء المودّة التي توجب تَخَلُّل الأسرار، وقيل: معناها المحبة والإلطاف، قال الشاعر [من الخفيف]:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي … وَلذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلَا
انتهى كلام القاضي ﵀ (٣).
وقال ابن الأنباريّ: الخليل معناه: المحب الكامل المحبة، والمحبوب الْمُوفِّي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقص ولا خَلَلٌ، قال الواحديّ: هذا القول هو الاختيار؛ لأن الله خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله، ولا
стр. 2958
يجوز أن يقال: الله تعالى خليل إبراهيم من الْخَلّة التي هي الحاجة، والله تعالى أعلم (١).
(فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ ) زاد أبو هريرة ﵁ في حديثه: "فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبيّ الله، وخليله من أهل الأرض، قُمْ اشفع لنا إلى ربك"، وذكر مثل ما لآدم قولًا وجوابًا، إلا أنه قال: قد كنت كذبت ثلاث كذبات، وذكرهُنّ (فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا) وفي حديث أبي بكر ﵁: "ليس ذاكم عندي"، وفي رواية هَمّام: "إني كنت كذبت ثلاث كذبات"، زاد شيبان في روايته: "قوله: إني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: أخبريه أني أخوك"، وفي رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁: "فيقول: إني كَذَبْتُ ثلاث كذبات، قال رسول الله ﷺ : ما منها كذبة إلا مَاحَلَ بها عن دين الله"، و"مَاحَلَ" - بمهملة - بوزن جادَلَ، ومعناه.
ووقع في رواية حُذيفة ﵁ المقرونة: "لستُ بصاحب ذاك، إنما كنت خليلًا من وراء وراء"، وضُبِطَ بفتح الهمزة، وبضمها، واختَلَف الترجيحُ فيهما، قال النوويّ: أشهرهما الفتح بلا تنوين، ويجوز بناؤهما على الضم، وصوّبه أبو البقاء، والكنديّ، وصوّب ابن دِحْية الفتح، على أن الكلمة مركبة، مثل شَذَرَ مَذَرَ، وإن ورد منصوبًا منونًا جاز، ومعناه: لم أكن في التقريب والإدلال بمنزلة الحبيب، قال صاحب "التحرير": كلمة تقال على سبيل التواضع: أي لست في تلك الدرجة، قال: وقد وقع لي فيه معنى مَلِيحٌ، وهو أن الفضل الذي أُعطيته كان بسِفَارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلَّمه الله بلا واسطة، وكرر "وراء" إشارةً إلى نبيّنا ﷺ ؛ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى الذي هو من وراء محمد.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصحيح عدم ثبوت الرؤية للنبيّ ﷺ ببصره؛ لأنه صحّ عنه ذلك، فالقول به ضعيف، وما نُقل عن ابن عبّاس ﵄ وغيره يُحمل على أنه رآه بقلبه، لا ببصره، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال البيضاوي: الحقّ أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض
стр. 2959
الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها؛ استصغارًا لنفسه عن الشفاعة، مع وقوعها؛ لأن من كان أعرف بالله، وأقرب إليه منزلةً كان أعظم خوفًا. انتهى.
(وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ﷺ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ) قال النوويّ ﵀: هذا بإجماع أهل السنّة على ظاهره، وأن الله تعالى كلّم موسى حقيقةً كلامًا سمعه بغير واسطة، ولهذا أكّده بالمصدر، أي في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، فالكلام صفة ثابتةٌ لله تعالى لا يُشبه كلام غيره. انتهى (١). (وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ) وفي رواية معبد بن هلال: "ولكن عليكم بموسى، فهو كليم الله"، وفي رواية الإسماعيليّ: "عبدًا أعطاه الله التوراة، وكلَّمه تكليمًا"، زاد همام في روايته: "وقرَّبه نجيًّا"، وفي رواية حُذيفة المقرونة بأبي هريرة الآتية: "اعمِدُوا إلى موسى".
(قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ ) وفي حديث أبي هريرة ﵁: "فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فَضَّلَك الله برسالته وكلامه على الناس، اشفع لنا، فذكر مثل آدم قولًا وجوابًا، لكنه قال: إني قتلت نفسًا لم أُومَرْ بقتلها".
(فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا) وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور: "إني قتلت نفسًا بغير نفس، وإن يَغْفِر لي اليوم حسبي"، وفي حديث أبي هريرة: "إني قتلت نفسًا، لم أُومر بقتلها، وذكر مثل ما في آدم"، (وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى، رُوحَ الله، وَكلِمَتَهُ) وفي رواية هشام: "عبد الله، ورسوله، وكلمته، ورُوحه"، وفي حديث أبي بكر: "فإنه كان يُبْرِئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى" (فَيَأْتُونَ عِيسَى، رُوحَ الله، وَكَلِمَتَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ) وفي حديث أبي هريرة: "فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكَلَّمت الناس في المهد صبيًّا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه"، مثل آدم قولًا وجوابًا، لكن قال: ولم يذكر ذنبًا، لكن وقع في رواية الترمذيّ من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁: "إني عُبِدت من دون الله"، وفي رواية أحمد، والنسائيّ،
стр. 2960
من حديث ابن عباس: "إني اتُّخِذتُ إلهًا من دون الله"، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه، وزاد: "وإن يَغْفِر لي اليومَ حسبي" (١). (وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) وفي رواية معتمر عند ابن خزيمة: "انطلقوا إلى مَن جاء اليوم مغفورًا له، ليس عليه ذنبٌ"، وفي رواية ثابت أيضًا: "خاتم النبيين قد حَضَرَ اليوم، أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد خُتِم عليه، أكان يُقْدَر على ما في الوعاء حتى يُفَضّ الخاتم؟ "، وعند سعيد بن منصور من هذا الوجه: "فيرجعون إلى آدم، فيقول أرأيتم … إلخ"، وفي حديث أبي بكر: "ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم، فإنه أول مَن تَنْشَقّ عنه الأرض".
[تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀: اختلفوا في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، فقيل: المتقدم ما قبل النبوة، والمتأخر العصمة بعدها، وقيل: ما وقع عن سهو أو تأويل، وقيل: المتقدم ذنب آدم، والمتأخر ذنب أمته، وقيل: المعنى أنه مغفور له غير مؤاخذ لو وقع ذلك.
قال الحافظ: واللائق بهذا المقام القول الرابع، وأما الثالث فلا يتأتى هنا.
ويستفاد من قول عيسى ﵇ في حق نبيّنا ﷺ هذا، ومن قول موسى ﵇ فيما تقدم: "إني قتلت نفسًا بغير نفس، وإن يَغْفِر لي اليوم حسبي"، مع أن الله قد غَفَر له بنص القرآن التفرقة بين مَن وقع منه شيء، ومن لم يقع شيء أصلًا، فإن موسى ﵇ مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك، ورأى في نفسه تقصيرًا عن مقام الشفاعة، مع وجود ما صَدَر منه بخلاف نبيّنا ﷺ في ذلك كله، ومن ثَمَّ احتَجَّ عيسى بأنه صاحب الشفاعة؛ لأنه قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بمعنى أن الله أَخْبَر أنه لا يؤاخذه بذنب لو وقع منه، وهذا من النفائس التي فتح الله بها في "فتح الباري"، فله الحمد. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره الحافظ ﵀ من أن المراد أنه
стр. 2961
مغفور له، غير مؤاخذ أن لو وقع هو الذي لا يترجّح عندي غيره، وأما ما اختاره بعضهم من أن المراد ما وقع منه عن سهو وغَفْلة وتأويل، ففيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ لا فرق حينئذ بينه وبين موسى وغيره من الأنبياء ﵈؛ لأنهم ما يفعلون شيئًا يخالفون فيه مراد الله تعالى إلا عن سهو، أو تأويل، فلم يوجد الفرق بينه ﷺ وبينهم، حتى يوصف بأنه يحقّ له أن يشفع؛ لأنه غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر، كما وصفه عيسى ﵇ بذلك إلا بالمعنى الذي تقدّم، فتبّصر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) أنس ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَيَأْتُونِي) وفي رواية النضر بن أنس، عن أبيه: "حدثني نبي الله ﷺ قال: إني لقائم أنتظر أمتي تَعْبُر الصراط؛ إذ جاء عيسى، فقال: يا محمد هذه الأنبياء قد جاءتك، يسألون لتدعو الله أن يُفَرِّق جمع الأمم إلى حيث يشاء؛ لِغَمِّ ما هم فيه"، فأفادت هذه الرواية تَعْيِين موقف النبيّ ﷺ حينئذ، وأن هذا الذي وُصِفَ من كلام أهل الموقف كلّه يقع عند نصب الصراط بعد تساقط الكفار في النار، كما تقدّم بيانه قريبًا، وأن عيسى ﵇ هو الذي يخاطب النبيّ ﷺ ، وأن الأنبياء جميعًا يسألونه في ذلك.
وقد أخرج الترمذيّ وغيره من حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ في نزول القرآن على سبعة أحرف، وفيه: "وأَخَّرتُ الثالثةَ ليوم يَرْغَبُ إليّ فيه الخلق، حتى إبراهيم ﵇".
ووقع في رواية معبد بن هلال: "فيأتوني، فأقول: أنا لها، أنا لها"، زاد عقبة بن عامر ﵁ عند ابن المبارك في "الزهد": "فَيَأْذَن الله لي، فأقوم، فيثور من مجلسي أطيب ريحٍ شَمَّها أحدٌ"، وفي حديث سلمان ﵁ عند أبي بكر بن أبي شيبة: "يأتون محمدًا، فيقولون: يا نبي الله، أنت الذي فَتَحَ الله بك، وخَتَمَ، وغَفَرَ لك ما تقدم وما تأخر، وجئت في هذا اليوم آمنًا، وترى ما نحن فيه، فقُمْ فاشفع لنا إلى ربنا، فيقول: أنا صاحبكم، فيجوش الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة"، وفي رواية معتمر: "فيقول: أنا صاحبها" (١).
(فَأَسْتَأْذِنُ) وفي رواية هشام: "فأنطلق حتى أستأذن" (عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي)
стр. 2962
قال القاضي عياض ﵀: معناه - والله أعلم - فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها، والمقام المحمود الذي ادّخره الله تعالى له، وأعلمه أنه يبعثه فيه، قال: وجاء في حديث أنس، وحديث أبي هريرة ابتداء النبيّ ﷺ بعد سجوده وحمده، والإذن له في الشفاعة بقوله: "أمتي أمتي"، وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا في هذا الحديث نفسه: قال: فيأتون محمدًا ﷺ ، فيقوم، ويؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمرّ أولهم كالبرق، وساق الحديث، وبهذا يتصل الحديث؛ لأن هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها، وهي الإراحة من الموقف، والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حَلّت الشفاعة في أمته ﷺ وفي المذنبين، وحَلّت الشفاعة للأنبياء والملائكة، وغيرهم - صلوات الله وسلامه عليهم - كما جاء في الأحاديث الأُخَر، وجاء في الأحاديث المتقدّمة في الرؤية، وحشر الناس اتّباعُ كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة، ووضع الصراط، فيحتمل أن الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف، وهو أول المقام المحمود، وأن الشفاعة التي ذُكِر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط، وهو ظاهر الأحاديث، وأنها لنبينا محمد ﷺ ولغيره كما نُصّ عليه في الأحاديث، ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار، وبهذا تجتمع متون الحديث، وتترتب معانيها - إن شاء الله تعالى - هذا آخر كلام القاضي، والله تعالى أعلم (١).
وتعقّب في "الفتح" قول عياض: "فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها"، بأن ظاهر ما تقدم أن استئذانه الأول، والإذن له إنما هو في دخول الدار، وهي الجنة، وأضيفت إلى الله تعالى إضافة تشريف، ومنه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ الآية [يونس: ٢٥] على القول بأن المراد بالسلام هنا: الاسم العظيم، وهو من أسماء الله تعالى.
قيل: الحكمة في انتقال النبيّ ﷺ من مكانه إلى دار السلام أن أرض الموقف لَمّا كانت مقام عرض وحساب، كانت مكان مخافة وإشفاق، ومقام
стр. 2963
الشافع يناسب أن يكون في مكان إكرام، ومن ثَمَّ يُسْتَحَبّ أن يتحرى للدعاء المكان الشريف؛ لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة.
قال الحافظ ﵀: وتقدم في بعض طرقه أن من جملة سؤال أهل الموقف استفتاحَ باب الجنة، وقد ثبت في "صحيح مسلم" أنه أوّلُ من يستفتح باب الجنة، وفي رواية علي بن زيد، عن أنس ﵁ عند الترمذيّ: "فآخذ حلقة باب الجنة، فأُقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيفتحون لي، ويُرَحِّبون، فأَخِرُّ ساجدًا"، وفي رواية ثابت، عن أنس، عند مسلم: "فيقول الخازن: مَنْ؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك"، وله من رواية المختار بن فلفل، عن أنس، رفعه: "أنا أوّلُ من يَقْرَع باب الجنة"، وفي رواية قتادة، عن أنس: "آتي بابَ الجنة، فأستفتح، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيقال: مرحبًا بمحمد"، وفي حديث سلمان: "فيأخذ بحلقة الباب، وهي من ذهب، فيقرَعُ الباب، فيقال: مَن هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح له، حتى يقوم بين يدي الله، فيستأذن في السجود، فيؤذن له"، وفي حديث أبي بكر الصديق ﵁: "فيأتي جبريل ربه، فيقول: ائذن له" (١).
(فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ، وَقَعْتُ سَاجِدًا) وفي رواية أبي بكر ﵁: "فآتي تحت العرش، فأقعُ ساجدًا لربي"، وفي رواية لابن حبان، من طريق ثوبان، عن أنس: "فيتجلى له الربّ، ولا يتجلى لشيء قبله"، وفي حديث أُبَيّ بن كعب عند أبي يعلى، رفعه: "يُعَرِّفني الله نفسه، فأسجد له سجدةً يرضى بها عني، ثم أمتدحه بمدحةٍ يرضى بها عني" (فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ) زاد في رواية: "أن يَدَعَني"، وفي حديث عبادة بن الصامت: "فإذا رأيت ربي خررت له ساجدًا شاكرًا له"، وفي رواية معبد بن هلال: "فأقوم بين يديه، فَيُلْهِمني مَحَامِدَ لا أقدر عليها الآنَ، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخِرّ له ساجدًا"، وفي حديث أبي بكر الصديق: "فينطلق إليه جبريل، فيخرّ ساجدًا، قدر جمعة" (فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية النضر بن أنس: "فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمد، فقل له: ارفع رأسك"، فعلى هذا فالمعنى:
стр. 2964
يقول لي على لسان جبريل (قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ) بالبناء للمفعول، وبالهاء الساكنة، وهي هاء السكت تزاد للوقف، كما قال في "الخلاصة":
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ"أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
(اشْفَعْ تُشَفَّعْ) بالبناء للمفعول: أي تكون مقبول الشفاعة، وفي رواية: "وسَلْ تعطه، وقل تسمع، واشفع تشفع" بالواو، ووقع في حديث أبي بكر: "فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه خَرّ ساجدًا قدر جمعة"، وفي حديث سلمان: "فَيُنَادَى: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، وادع تُجَبْ" (فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ، يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي) وفي رواية ثابت: "بمحامد لم يَحْمَده بها أحدٌ قبلي، ولا يحمده بها أحدٌ بعدي"، وفي حديث سلمان: "فيفتح الله له من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتح لأحد من الخلائق"، وكأنه ﷺ يُلْهَم التحميد قبل سجوده، وبعده، وفيه، ويكونُ في كل مكان ما يليق به، وقد ورد ما لعله يُفَسِّر به بعض ذلك لا جميعه، ففي النسائيّ، ومُصَنَّف عبد الرزاق، ومُعْجَم الطبرانيّ من حديث حذيفة ﵁ رفعه: "قال: يجمع الناس في صعيد واحد، فيقال: يا محمد، فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والْمَهْدِيّ من هَدَيت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك، لا مَلْجَأ ولا منجا منك إلا إليك"، زاد عبد الرزاق: "سبحانك رب البيت"، فذلك قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال ابن منده في "كتاب الإيمان": هذا حديث مُجْمَع على صحة إسناده، وثقة رواته. انتهى.
(ثُمَّ أَشْفَعُ) وفي رواية معبد بن هلال: "فأقول: ربِّ أمتي أمتي أمتي"، وفي حديث أبي هريرة نحوه (فَيَحُدُّ لِي حَدًّا) أي يُبَيّن لي في كل طَوْر من أطوار الشفاعة حدًّا أَقِف عنده، فلا أتَعَدّاه، مثل أن يقول: شَفّعتُك فيمن أخلّ بالجماعة، ثم فيمن أخلّ بالصلاة، ثم فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنى، وعلى هذا الأسلوب، كذ حكاه الطيبيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الطيبيّ في بيان معنى قوله: "فيَحدّ لي حدًّا"، والأولى فيه - كما حقّقه الحافظ ﵀ ما دلّ عليه سياق الأخبار، أن المراد به تفضيل مراتب الْمُخْرَجين في الأعمال الصالحة، كما وقع عند أحمد، عن يحيى القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في آخر هذا الحديث
стр. 2965
بعينه قال: "فيُخْرِج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ شعيرةً، ثم يُخرِج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرّة، ثم يُخرِج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرّة".
وفي رواية ثابت عند أحمد أيضًا: "فأقول: أي رب أمتي أمتي، فيقول: أَخْرِج من كان في قلبه مثقال شعيرة" ثم ذكر نحو ما تقدم، وقال: "مثقال ذَرّة"، ثم قال: "مثقال حبة من خردل"، ولم يذكر بقية الحديث.
ووقع في طريق النضر بن أنس قال: "فَشُفِّعْتُ في أمتي أن أُخرج من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا، فما زِلْتُ أتردّد على ربي، لا أقوم منه مقامًا إلا شُفِّعْتُ".
وفي حديث سلمان ﵁: "فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حبة من حنطة، ثم شعيرة، ثم حبة من خردل، فذلك المقام المحمود".
(فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّار، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) قال في "الفتح": قال الداوديّ ﵀: كأن راوي هذا الحديث رَكَّب شيئًا على غير أصله، وذلك أن في أول الحديث ذكرَ الشفاعة في الإراحة من كَرْب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، يعني وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف، والمرور على الصراط، وسقوط مَن يسقط في تلك الحالة في النار، ثم يقع بعد ذلك الشفاعة في الإخراج، وهو إشكال قويّ.
وقد أجاب عنه النووي وغيره بأنه قد وقع في حديث حذيفة ﵁ المقرون بحديث أبي هريرة ﵁ بعد قوله: "فيأتون محمدًا، فيقوم، ويؤذن له، أي في الشفاعة، وتُرْسَل الأمانة والرحم، فيقومان جَنْبَي الصراط يمينًا وشمالًا، فَيَمُرّ أوّلكم كالبرق … " الحديث، قال القاضي عياض ﵀: فبهذا يَتَّصِل الكلام؛ لأن الشفاعة التي لَجَأَ الناس إليه فيها هي الإراحة من كَرْب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج.
وقد وقع في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدّم (١) بعد ذكر الجمع في
стр. 2966
الموقف الأمرُ باتّباع كلّ أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المنافقين من المؤمنين، ثم حُلُول الشفاعة بعد وضع الصراط، والمرور عليه، فكان الأمر باتباع كلِّ أمة ما كانت تعبد هو أولَ فصل القضاء، والإراحة من كرب الموقف، قال: وبهذا تجتمع متون الأحاديث، وتترتب معانيها.
وخلاصة القول: إنه يُحمل على أن بعض الرواة حَفِظَ ما لم يحفظه الآخر.
فظهر من هذا أنه ﷺ أوّل ما يَشفَع ليُقضى بين الخلق، وأن الشفاعة فيمن يخرج من النار، ممن سقط تقع بعد ذلك، وقد وقع ذلك صريحًا في حديث ابن عمر ﵄ اختَصَرَ في سياقه الحديث الذي ساقه أنس وأبو هريرة مُطَوَّلًا (١) من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه بلفظ: "إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأُذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد، فيَشْفَع لِيُقْضَى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيؤمئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم".
ووقع في حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ عند أبي يعلى: "ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تَمُرّ أمتي على الصراط، وهو منصوب بين ظهراني جهنم، فيمرُّون".
وفي حديث ابن عباس ﵄ من رواية عبد الله بن الحارث عنه، عند أحمد: فيقول : "يا محمد ما تريد أن أصنع في أمتك؟ فأقول: يا رب
стр. 2967
عَجِّلْ حسابهم"، وفي رواية عن ابن عباس عند أحمد، وأبي يعلى: "فأقول: أنا لها، حتى يَأْذَن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يفرغ من خلقه، نادى منادٍ أين محمد وأمته؟ … " الحديث.
وقد سبق بيان ما يقع في الموقف قبل نصب الصراط في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الطويل.
وتَعَرَّض الطيبي للجواب عن الإشكال بطريق آخر، فقال: يجوز أن يراد بالنار الحبس، والكرب، والشدّة التي كان أهل الموقف فيها، من دُنُوّ الشمس إلى رؤوسهم، وكربهم بِحَرِّها، وسَفْعِها، حتى أَلجمهم العرق، وأن يراد بالخروج منها خلاصهم من تلك الحالة التي كانوا فيها.
قال الحافظ: وهو احتمال بعيدٌ إلا أن يقال: إنه يقع إخراجان، وقع ذكر أحدهما في حديث الباب على اختلاف طرقه، والمراد به الخلاص من كرب الموقف، والثاني في حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، ويكون قوله فيه: فيقول: "مَن كان يعبد شيئًا فليتبعه" بعد تمام الخلاص من الموقف، ونصب الصراط، والإذن في المرور عليه، ويقع الإخراج الثاني لمن يسقط في النار حال المرور، فيتحدا.
وأجاب القرطبي ﵀ عن أصل الإشكال بأن في قوله آخرَ حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة، بعد قوله ﷺ : "فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: أَدْخِل من أمتك من الباب الأيمن من أبواب الجنة من لا حساب عليه ولا عذاب"، قال: في هذا ما يدلّ على أن النبيّ ﷺ يشفع فيما طُلِب من تعجيل الحساب، فإنه لَمّا أُذن له في إدخال من لاحساب عليه، دلّ على تأخير من عليه حساب ليحاسب.
ووقع في حديث الصور الطويل عند أبي يعلى: "فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فَشَفِّعني في أهل الجنة، يدخلون الجنة، فيقول الله: وقد شَفَّعتك فيهم، وأذنت لهم في دخول الجنة"، وفيه إشعار بأن العرض، والميزان، وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن، ثم يُنَادي المنادي: لِيَتَّبعْ كلُّ أمة من كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط، والمرور عليه، فَيُطفَأُ
стр. 2968
نور المنافقين، فيسقطون في النار أيضًا، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يَسْقُط، ويوقف بعضُ مَن نجا عند القنطرة للمقاصّة بينهم، ثم يدخلون الجنة.
قال الحافظ بعد ذكر ما سبق: ثم وقفت في تفسير يحيى بن سلام البصريّ، نزيل مصر، ثم إفريقية - وهو في طبقة يزيد بن هارون - وقد ضعفه الدارقطنيّ، وقال أبو حاتم الرازيّ: صدوق، وقال أبو زرعة: رُبّما وَهِمَ، وقال ابن عديّ: يُكتب حديثه مع ضعفه، فَنَقَل فيه عن الكلبيّ، قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بقيت زُمْرَةٌ من آخر زمر الجنة، إذا خرج المؤمنون من الصراط بأعمالهم، فيقول آخر زمرة من زمر النار لهم، وقد بَلَغَت النار منهم كُلَّ مبلغ: أما نحن فقد أخذنا بما في قلوبنا من الشكّ والتكذيب، فما نفعكم أنتم توحيدكم؟ قال: فيَصْرُخُون عند ذلك، يدعون ربهم، فيَسْمَعُهم أهل الجنة، فيأتون آدم … "، فذكر الحديث في إتيانهم الأنبياء المذكورين قبلُ واحدًا واحدًا إلى محمد ﷺ ، فينطلق، فيأتي رب العزة، فيسجد له، حتى يأمره أن يرفع رأسه، ثم يسأله: ما تريد؟ وهو أعلم به، فيقول: ربِّ أُناس من عبادك أصحاب ذنوب، لم يُشركوا بك، وأنت أعلم بهم، فَعَيَّرهم أهل الشرك بعبادتهم إياك، فيقول: وعزتي لأُخرجنَّهم، فيُخْرِجهم قد احتَرَقُوا، فينضح عليهم من الماء، حتى ينبتوا، ثم يدخلون الجنة، فيسمون الجهنميين، فيغبطه عند ذلك الأولون والآخرون، فذلك قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
قال: فهذا لو ثَبَتَ لرفع الإشكال، لكن الكلبيّ ضعيف، ومع ذلك لم يُسْنِده، ثم هو مخالف لصريح الأحاديث الصحيحة أن سؤال المؤمنين الأنبياء واحدًا بعد واحد إنما يقع في الموقف، قبل دخول المؤمنين الجنة، والله تعالى أعلم.
قال: وقد تمسّك بعض المبتدعة من المرجئة بالاحتمال المذكور في دعواه أن أحدًا من الموحدين لا يدخل النار أصلًا، وإنما المراد بما جاء من أن النار تَسْفَعُهم، أو تَلْفَحهم، وما جاء في الإخراج من النار جميعه محمول على ما يقع لهم من الكرب في الموقف، وهو تمسك باطلٌ، وأقوى ما يُرَدّ به
стр. 2969
عليه ما سيأتي للمصنّف في "كتاب الزكاة" من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة مانع الزكاة: "ما من صاحب إبل، لا يؤدّي حقّها منها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قَرْقَر أوفر ما كانت، تطؤه بأخفافها، وتَعَضّه بأفواهها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فَيَرَى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار … " الحديث بطوله، وفيه ذكر الذهب، والفضة، والبقر، والغنم، وهو دالٌّ على تعذيب من شاء الله من العصاة بالنار حقيقةً، زيادة على كرب الموقف.
وورد في سبب إخراج بقية الموحدين من النار ما تقدم أنّ الكفار يقولون لهم: ما أغنى عنكم قول: لا إله إلا الله، فَيَغْضَب الله لهم، فيخرجهم، وهو مما يُرَدُّ به على المبتدعة المذكورين. انتهى (١).
(ثُمَّ أَعُودُ، فَأَقعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي) أي يتركني ساجدًا، (مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيه، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّار، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ"، قَالَ: فَلَا أَدْرِي، فِي الثَّالِثَة، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ)، وفي رواية هشام: "فأَحُدّ لهم حدًّا، فأُدخلهم الجنة، ثم أرجع ثانيًا، فأستأذن" إلى أن قال: "ثم أحدّ لهم حدًّا ثالثًا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع"، هكذا في أكثر الروايات، ووقع عند أحمد، من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: "ثم أعود الرابعة، فأقول: يا ربّ ما بقي إلا من حبسه القرآن"، ولم يشكّ، بل جَزَم بأن هذا القول يقع في الرابعة، ووقع في رواية معبد بن هلال، عن أنس: أن الحسن حَدَّث معبدًا بعد ذلك بقوله: "فأقوم الرابعة"، وفيه قول الله له: "ليس ذلك لك، وأن الله يُخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط"، فعلى هذا فقوله: "حبسه القرآن" يتناول الكفار، وبعض العصاة، ممن وَرَد في القرآن في حقّه التخليد، ثم يُخرج العصاة في القبضة، ويبقى الكفار، ويكون المراد بالتخليد في حقّ العصاة المذكورين البقاء في النار بعد إخراج من تقدمهم.
стр. 2970
(قَالَ) ﷺ : ("فَأَقُولُ: يَا رَبّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ"، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ)، يعني محمد بن عُبيد شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ) يعني أنه صرّح بأن هذا التفسير لقتادة، لا لأنس ﵁، وأما شيخه أبو كامل، فلم يبيّن ذلك، بل قال: أي وجب عليه الخلود.
قال النوويّ ﵀: وهذا التفسير صحيحٌ، ومعناه: مَن أخبر القرآن أنه مُخَلَّد في النار، وهم الكفار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤]، وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحقّ، وما أجمع عليه السلف أنه لا يُخلَّد في النار أحدٌ مات على التوحيد، والله تعالى أعلم (١).
ووقع في رواية هشام، وسعيد عند البخاريّ: "فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود"، وسقط من رواية سعيد عند المصنّف: "ووجب عليه الخلود" وعنده من رواية هشام: "إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود"، فتعين أن قوله: "ووجب عليه الخلود" في رواية هشام عند البخاريّ مدرج في المرفوع؛ لما تبين من رواية أبي عوانة أنها من قول قتادة، فسَّر به قوله: "مَن حَبَسه القرآن"، أي: من أخبر القرآن بأنه يُخَلَّد في النار.
ووقع في رواية همام عند البخاريّ في "التوحيد" بعد قوله: "أي وجب عليه الخلود": "وهو المقام المحمود الذي وعده الله"، وفي رواية شيبان: "إلا من حبسه القرآن"، يقول: وَجَب عليه الخلود، وقال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، وفي رواية سعيد عند أحمد بعد قوله: "إلا من حبسه القرآن": قال: فحدَّثنا أنس بن مالك، أن النبيّ ﷺ قال: "فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ شعيرة … " الحديث، ووقع في رواية معبد بن هلال بعد روايته عن أنس، من روايته عن الحسن البصريّ، عن أنس، قال: "ثم أقوم الرابعة، فأقول: أي ربّ ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول لي: ليس ذلك لك"، فذكر بقية الحديث في إخراجهم (٢)، والله
стр. 2971
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٨٢ و ٤٨٣ و ٤٨٤ و ٤٨٥ و ٤٨٦] (١٩٣)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٤٧٦)، و"الرقاق" (٦٥٦٥)، و"التوحيد" (٧٤١٠ و ٧٥١٠ و ٧٥١٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٥٠ - ٤٥١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٦ و ٢٤٤)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٤٧ - ٢٤٨ و ٢٤٩ - ٢٥٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٦٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٦١ و ٨٦٢ و ٨٦٣ و ٨٦٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٤٤ و ٤٤٥ و ٤٤٦ و ٤٤٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٤٧٨ و ٤٧٩ و ٤٨١ و ٤٨٠ و ٤٨٢)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٨٠٤ و ٨٠٥ و ٨٠٦ و ٨٠٧ و ٨٠٨ و ٨٠٩ و ٨١٠)، و (اللالكائيّ) في "شرح أصول الاعتقاد" (٨٣٠)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ١٩١ و ٣١٥)، وفي "الاعتقاد" (٨٩ و ١٩٢ و ١٩٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات الشفاعة، والردّ على المبتدعة في إنكارهم ذلك.
٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: استَدَلَّ بهذا الحديث من جوّز الخطايا على الأنبياء ﵈، كقول: كلّ مَن ذُكِر فيه ما ذَكَرَ، وأجاب عن أصل المسألة بأنه لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوة، وكذا قبلها على الصحيح، وكذا القول في الكبيرة على التفصيل المذكور، ويَلتَحِق بها ما يُزْرِي بفاعله من الصغائر، وكذا القول في كل ما يَقْدَح في الإبلاغ، من جهة القول، واختَلَفُوا في الفعل، فمنعه بعضهم حتى في النسيان، وأجاز الجمهور السهو، لكن لا يَحْصُل التمادي، واختلفوا فيما عدا ذلك كله، من الصغائر، فذهب جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقًا، وأوّلوا الأحاديث، والآيات الواردة في ذلك بضروب من التأويل، ومن جملة ذلك أن الصادر عنهم إما أن
стр. 2972
يكون بتأويل من بعضهم، أو بسهو، أو بإذن، لكن خَشُوا أن لا يكون ذلك موافقًا لمقامهم، فأشفقوا من المؤاخذة، أو المعاتبة. قال: وهذا أرجح المقالات، وليس هو مذهب المعتزلة، وإن قالوا بعصمتهم مطلقًا؛ لأن مَنْزَعهم في ذلك التكفير بالذنوب مطلقًا، ولا يجوز على النبي الكفر، ومَنْزَعنا أن أمّة النبي مأمورة بالاقتداء به في أفعاله، فلو جاز منه وقوع المعصية للزم الأمر بالشيء الواحد، والنهي عنه في حالة واحدة، وهو باطل. ثم قال: ما ذُكر في حديث الباب لا يَخرُج عما قلناه؛ لأن أكل آدم من الشجرة، كان عن سهو، وطَلَب نوح نجاة ولده، كان عن تأويل، ومقالات إبراهيم كانت معاريض، وأراد بها الخير، وقتيل موسى كان كافرًا، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم البحث في هذا مستوفًى، وأن القول الراجح: إن الأنبياء معصومون فيما يُبلّغون عن الله تعالى مطلقًا، وعن الكبائر، والمداومة على الصغائر، وهذا هو الذي عليه المحقّقون؛ لموافقته لظواهر النصوص، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
٣ - (ومنها): أنه قد تمسك به بعض المبتدعة في دعواهم، أن مَن دخل النار، من العصاة، لا يَخرُج منها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وأجاب أهل السنة بأنها نزلت في الكفار، وعلى تسليم أنها في أعمّ من ذلك، فقد ثَبَتَ تخصيص الموحدين بالإخراج، ولعلّ التأييد في حقّ من يتأخر بعد شفاعة الشافعين، حتى يُخْرَجوا بقبضة أرحم الراحمين، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحاح، فيكون التأييد مؤقتًا.
٤ - (ومنها): أن فيه إطلاق صفة الغضب على الله تعالى على حقيقتها، ما يليق بجلاله ، من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، كبقيّة صفاته من السمع، والبصع، والقدرة، والرضا، والمحبّة، وغير ذلك، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وأما تأويله بما يظهر من انتقامه ممن عصاه، بإرادة إيصال السوء، ونحو ذلك مما ذكره الشرّاح كالنوويّ وغيره، فإنه تحريف، مخالف لظواهر
стр. 2973
النصوص، ومذهب السلف الصالح، فتنبّه لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام، زلّ به كثير ممن ينتسب إلى العلم من المتأخّرين.
٥ - (ومنها): أن فيه تفضيل نبيّنا محمد ﷺ على جميع الخلق؛ لأن الرسل والأنبياء والملائكة أفضل ممن سواهم، وقد ظَهَر فضله عليهم في هذا المقام العظيم، وهي الشفاعة العظمى، حيث إنهم اعتذروا عن القيام بما طُلب منهم، وأخبروا أنهم لا يقدرون عليه، وأن صاحبه الذي اختصّه الله هو محمد ﷺ ، والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ ﵀: ولو لم يكن في ذلك إلا الفرق بين من يقول: نفسي نفسي، وبين من يقول: أمتي أمتي، لكان كافيًا.
٦ - (ومنها): أن فيه تفضيلَ الأنبياء المذكوربن فيه على مَن لم يُذْكَر فيه؛ لتأهلهم لذلك المقام العظيم، دون من سواهم.
وقد قيل: إنما اختَصّ المذكورون بذلك؛ لمزايا أخرى، لا تتعلق بالتفضيل، فآدم؛ لكونه والد الجميع، ونوح؛ لكونه الأب الثاني، وإبراهيم؛ للأمر باتباع ملّته، وموسى؛ لأنه أكثر الأنبياء تبعًا، وعيسى؛ لأنه أولى الناس بنبيّنا محمد ﷺ ، كما ثبت في الحديث الصحيح.
ويحتمل أن يكونوا اختَصُّوا بذلك؛ لأنهم أصحاب شرائع، عَمِلَ بها مَن بين مَن ذُكِرَ أَوَّلًا ومَن بعده.
٧ - (ومنها): أن من طَلَب من كبير أمرًا مُهِمًّا أن يُقَدِّم بين يدي سؤاله وصف المسؤول بأحسن صفاته، وأشرف مزاياه؛ ليكون ذلك أدعى لإجابته لسؤاله.
٨ - (ومنها): أن المسؤول إذا لم يَقْدِر على تحصيل ما سُئل يَعتذر بما يُقبل منه، وَيدُلّ على مَن يَظُنّ أنه أهلٌ للقيام بذلك، فالدال على الخير كفاعله.
٩ - (ومنها): أنه ينبغي أن يُثْنِي على المدلول عليه بأوصافه المقتضية لأهليته، ويكون أدعى لقبول عذره في الامتناع.
١٠ - (ومنها): أن فيه استعمال ظرف المكان في الزمان؛ لقوله: "لست هناكم"؛ لأن "هنا" ظرف مكان، فاستُعملت في ظرف الزمان؛ لأن المعنى: لست في ذلك المقام، كذا قاله بعضهم.
стр. 2974
وفيه نظر؛ بل الصواب أنها على بابها من كونها ظرف مكان، لكنه معنويّ، لا حسّي، مع أنه يمكن حمله على الحسيّ؛ لما تقدم من أنه ﷺ يباشر السؤال بعد أن يستأذن في دخول الجنة، وعلى قول من يفسر المقام المحمود بالقعود على العرش، يتحقق ذلك أيضًا.
١١ - (ومنها): أن فيه العملَ بالعامّ قبل البحث عن المخَصِّص؛ أخذًا من قصة نوح ﵇ في طلبه نجاة ابنه، وقد يَتمسّك به مَن يرى بعكسه، ولكل وجهة، لكن الأول أظهر.
١٢ - (ومنها): أن الناس يوم القيامة يَستصحبون حالهم في الدنيا من التوسل إلى الله تعالى في حوائجهم بأنبيائهم، والباعث على ذلك الإلهام، كما تقدم في صدر الحديث.
١٣ - (ومنها): أن فيه أنهم يستشير بعضهم بعضًا، ويُجْمِعون على الشيء المطلوب، وأنهم يُغَطَّى عنهم بعضُ ما علموه في الدنيا؛ لأن في السائلين مَن سَمِع هذا الحديث، ومع ذلك فلا يستحضر أحدٌ منهم أن ذلك المقام يَختصّ به نبيّنا محمد ﷺ ؛ إذ لو استحضروا ذلك لسألوه من أول وَهْلَةٍ، ولَمَا احتاجوا إلى التردد من نبي إلى نبيّ، ولعل الله تعالى أنساهم ذلك للحكمة التي تترتب عليه، من إظهار فضل نبيّنا ﷺ ، كما تقدم تقريره. ذكر هذه الفوائد في "الفتح" (١).
١٤ - (ومنها): أنه إنما قال كلُّ واحد من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -: "لست هناكم، أو لست لها" تواضعًا وإكبارًا لما يُسألونه، وقد تكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة، وهذا المقام ليس له، بل لغيره، وكل واحد منهم يدلّ على الآخر، حتى انتهى الأمر إلى صاحبه، ويحتمل أنهم عَلِمُوا أن صاحبها محمد ﷺ معيّنًا، وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك، إلى نبيّنا محمد ﷺ ، قاله القاضي عياض ﵀ (٢).
стр. 2975
١٥ - (ومنها): أنه فيه تقديمَ ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال، وأما مبادرة النبيّ ﷺ لذلك، وإجابته لدعوتهم، فلتحققه ﷺ أن هذه الكرامة، والمقام له ﷺ خاصة، قاله القاضي ﵀ أيضًا (١).
١٦ - (ومنها): أن الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم، ومن بعده - صلوات الله وسلامه عليهم - في الابتداء، ولم يُلْهَموا سؤال محمد ﷺ هي - والله أعلم - إظهار فضيلة نبيّنا محمد ﷺ ، فإنهم لو سألوه ابتداءً، لكان يَحتمل أن غيره يَقدر على هذا، ويُحَصِّله، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى، وأصفيائه، فامتنعوا، ثم سألوه، فأجاب، وحَصَل غرضهم، فهو النهاية في ارتفاع المنزلة، وعظيم الإدلال والأُنس، قاله النوويّ ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَيَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ، أَوْ يُلْهَمُونَ ذَلِكَ"، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: "ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ، أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأُقولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار المذكور قبل باب.
٣ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٤ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان الْيَشْكُريّ، أبو النضر البصريّ، ثقة
стр. 2976
حافظٌ له تصانيف، أثبت الناس في قتادة، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالبصريين، كالإسنادين السابقين، وأن شيخيه من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن حديث سعيد بن أبي عروبة مماثل لحديث أبي عوانة.
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل "قال" ضمير سعيد.
وقوله: (ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ) أي آتي ربّي المرة الرابعة.
وقوله: (أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ) "أو" للشكّ من الراوي، هل قال: "آتي"، أو "أعود".
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية أبي عوانة، أخرجها الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٦/ ٣٠٩):
(٣١٦٧٧) حدثنا محمد بن بشر، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، ويُلْهَمون ذلك، فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر، وخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وعلّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربنا، يُرِحْنا من مكاننا هذا، قال: لست هناكم، ويشكو إليهم، أو يذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه، ولكن ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول أُرسل إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا موسى عبدًا كلمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم قتل النفس بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لست لذلكم، ولست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني" - قال الحسن -:
стр. 2977
قال: "فأنطلق، فأمشي بين سِمَاطَين (١) من المؤمنين" - انقطع قول الحسن - "فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، فيقال: أو يقول: ارفع رأسك، قل تسمع، وسل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميدًا يُعَلِّمنيه، فأشفع، فيَحُدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه ثانية، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقول مثل قوله الأول، قل تُسمَع، وسل تُعطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميدًا يُعَلّمنيه، فأشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه ثالثة، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، فيقال: سل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميدًا، يُعلّمنيه، فأشفع، فيحدُّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه في الرابعة، فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَجْمَعُ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ" بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ: "فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوق ربما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
стр. 2978
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) أي بمثل حديث أبي عوانة، وسعيد بن أبي عروبة.
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٥٣)، فقال:
(٤٤٤) حدثنا الصَّغَانيّ، قال: ثنا رَوح بن عُبادة (ح)، وحدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قالا: ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن نبي الله ﷺ قال: "يُجْمَع المؤمنون يوم القيامة، فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لستُ هناك، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحًا، أول الرسل بعثه الله، فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناكم، ويَذكُر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطايا أصابها، ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة، وكَلَّمه تكليمًا، فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيَدَعني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال لي: ارفع محمدُ، قل تسمع، وسل تُعْطَ، واشفع تُشَفَّع، فأحمد ربي بتحميد، يُعَلِّمنيه، ثم أشفع، فيَحُدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي، وقعت له ساجدًا له، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال لي: ارفع محمدُ، قل تُسمَع، وسل تُعطا (١)، واشفع تُشَفَّع، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال: ارفع محمدُ، قل تُسمَع، وسل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأحمد
стр. 2979
ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَهِشَامٌ، صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ قتَادَةَ، حَدَّثنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً" - زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ - قَالَ يَزِيدُ: فَلَقِيتُ شُعْبَةَ، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيث، فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بهِ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَدِيث، إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ ذُرَةً، قَالَ يَزِيدُ: صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التميميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٦٠/ ٣٣٦.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٢٣.
٣ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) (١) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
стр. 2980
والباقون تقدّموا في السند السابق.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنّف فيه إسنادان، أحدهما عن محمد بن منهال، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، والثاني عن أبي غسّان الْمِسْمَعيّ، عن معاذ بن هشام الدستوائيّ، عن أبيه، فيجمتع كلّ من سعيد، وهشام على قتادة، عن أنس ﵁، وفائدة التحويل هو الاختصار؛ لأنه لو ساق الإسنادين بتمامهما لطال عليه.
٣ - (ومنها): أن قتادة صرّح في الإسناد الثاني بالتحديث عن قتادة، فزالت تهمة التدليس، فإنه مشهور بالتدليس، فلو اقتصر على الإسناد الأول المعنعن لربّما أُسيء الظنّ فيه، فأزال بذكر الإسناد الثاني ذلك الاتّهام.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، كالأسانيد الأربعة الماضية.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "صاحبُ الدّستوائيّ". قال النوويّ ﵀: هو بفتح الدال، وإسكان السين المهملتين (١)، وبعدهما مثناة من فوقُ مفتوحة، وبعد الألف ياء من غير نون، هكذا ضبطناه، وهذا هو المشهور في كتب الحديث، قال صاحب "المطالع": ومنهم من يزيد فيه نونًا بين الألف والياء (٢)، وهو منسوب إلى دَسْتَوَاء وهي كُورة من كُور الأَهْواز، كان يبيع الثياب التي تُجْلَب منها، فَنُسِب إليها، فيقال: هشام الدَّسْتَوائي، وهشامٌ صاحبُ الدستوائيّ، أي صاحب الثوب الدّسْتوائيّ، وقد ذكره مسلم في أول كتاب الصلاة بعبارة أُخرى، أوهمت لَبْسًا، فقال في "باب صفة الأذان": حدثني أبو غَسّان، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا معاذ بن هشام، صاحبِ الدستوائيّ، فتوهّم صاحب "المطالع" أن قوله: "صاحب الدستوائيّ" مرفوعٌ، وأنه صفة لمعاذ، فقال: يقال: صاحب الدستوائيّ، وإنما هو ابنه،