حافظٌ له تصانيف، أثبت الناس في قتادة، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالبصريين، كالإسنادين السابقين، وأن شيخيه من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن حديث سعيد بن أبي عروبة مماثل لحديث أبي عوانة.
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل "قال" ضمير سعيد.
وقوله: (ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ) أي آتي ربّي المرة الرابعة.
وقوله: (أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ) "أو" للشكّ من الراوي، هل قال: "آتي"، أو "أعود".
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية أبي عوانة، أخرجها الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٦/ ٣٠٩):
(٣١٦٧٧) حدثنا محمد بن بشر، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، ويُلْهَمون ذلك، فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر، وخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وعلّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربنا، يُرِحْنا من مكاننا هذا، قال: لست هناكم، ويشكو إليهم، أو يذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه، ولكن ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول أُرسل إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا موسى عبدًا كلمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم قتل النفس بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لست لذلكم، ولست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني" - قال الحسن -:
стр. 2977
قال: "فأنطلق، فأمشي بين سِمَاطَين (١) من المؤمنين" - انقطع قول الحسن - "فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، فيقال: أو يقول: ارفع رأسك، قل تسمع، وسل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميدًا يُعَلِّمنيه، فأشفع، فيَحُدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه ثانية، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقول مثل قوله الأول، قل تُسمَع، وسل تُعطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميدًا يُعَلّمنيه، فأشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه ثالثة، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، فيقال: سل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده تحميدًا، يُعلّمنيه، فأشفع، فيحدُّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه في الرابعة، فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَجْمَعُ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ" بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ: "فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوق ربما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
стр. 2978
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) أي بمثل حديث أبي عوانة، وسعيد بن أبي عروبة.
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٥٣)، فقال:
(٤٤٤) حدثنا الصَّغَانيّ، قال: ثنا رَوح بن عُبادة (ح)، وحدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قالا: ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن نبي الله ﷺ قال: "يُجْمَع المؤمنون يوم القيامة، فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لستُ هناك، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحًا، أول الرسل بعثه الله، فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناكم، ويَذكُر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطايا أصابها، ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة، وكَلَّمه تكليمًا، فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيَدَعني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال لي: ارفع محمدُ، قل تسمع، وسل تُعْطَ، واشفع تُشَفَّع، فأحمد ربي بتحميد، يُعَلِّمنيه، ثم أشفع، فيَحُدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي، وقعت له ساجدًا له، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال لي: ارفع محمدُ، قل تُسمَع، وسل تُعطا (١)، واشفع تُشَفَّع، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله أن يَدَعَني، ثم يقال: ارفع محمدُ، قل تُسمَع، وسل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع، فأحمد
стр. 2979
ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَهِشَامٌ، صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ قتَادَةَ، حَدَّثنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً" - زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ - قَالَ يَزِيدُ: فَلَقِيتُ شُعْبَةَ، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيث، فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بهِ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَدِيث، إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ ذُرَةً، قَالَ يَزِيدُ: صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التميميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٦٠/ ٣٣٦.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٢٣.
٣ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) (١) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
стр. 2980
والباقون تقدّموا في السند السابق.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنّف فيه إسنادان، أحدهما عن محمد بن منهال، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، والثاني عن أبي غسّان الْمِسْمَعيّ، عن معاذ بن هشام الدستوائيّ، عن أبيه، فيجمتع كلّ من سعيد، وهشام على قتادة، عن أنس ﵁، وفائدة التحويل هو الاختصار؛ لأنه لو ساق الإسنادين بتمامهما لطال عليه.
٣ - (ومنها): أن قتادة صرّح في الإسناد الثاني بالتحديث عن قتادة، فزالت تهمة التدليس، فإنه مشهور بالتدليس، فلو اقتصر على الإسناد الأول المعنعن لربّما أُسيء الظنّ فيه، فأزال بذكر الإسناد الثاني ذلك الاتّهام.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، كالأسانيد الأربعة الماضية.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "صاحبُ الدّستوائيّ". قال النوويّ ﵀: هو بفتح الدال، وإسكان السين المهملتين (١)، وبعدهما مثناة من فوقُ مفتوحة، وبعد الألف ياء من غير نون، هكذا ضبطناه، وهذا هو المشهور في كتب الحديث، قال صاحب "المطالع": ومنهم من يزيد فيه نونًا بين الألف والياء (٢)، وهو منسوب إلى دَسْتَوَاء وهي كُورة من كُور الأَهْواز، كان يبيع الثياب التي تُجْلَب منها، فَنُسِب إليها، فيقال: هشام الدَّسْتَوائي، وهشامٌ صاحبُ الدستوائيّ، أي صاحب الثوب الدّسْتوائيّ، وقد ذكره مسلم في أول كتاب الصلاة بعبارة أُخرى، أوهمت لَبْسًا، فقال في "باب صفة الأذان": حدثني أبو غَسّان، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا معاذ بن هشام، صاحبِ الدستوائيّ، فتوهّم صاحب "المطالع" أن قوله: "صاحب الدستوائيّ" مرفوعٌ، وأنه صفة لمعاذ، فقال: يقال: صاحب الدستوائيّ، وإنما هو ابنه،
стр. 2981
وهذا الذي قاله صاحب "المطالع" ليس بشيء، وإنما "صاحبِ" هنا مجرورٌ صفةٌ لهشام، كما جاء مُصَرَّحًا به في هذا الموضع الذي نحن الآن. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن فيه "سعيد بن أبي عروبة"، هكذا يُرْوَى في كتب الحديث وغيرها "عروبة" بدون "أل"، وأنكر ذلك ابن قتيبة، فقال في كتابه "أدب الكتاب": الصواب "ابن أبي العروبة" بالألف واللام، واسم أبي عروبة مِهْران. انتهى. وسعيد هذا ممن اختلط في آخر عمره، وأن المختَلِط لا يُحْتَجّ بما رواه في حال الاختلاط، أو شككنا هل رواه في الاختلاط أم في الصحة؟ لكن الذي عليه المحقّقون أن ما كان في "الصحيحين" عن المختلطين فمحمول على أنه عُرِف أنه رواه قبل الاختلاط، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد (١).
٧ - (ومنها): أن فيه قوله: "وهو ابن هشام"، وقد تقدم في مواضع كثيرة بيان فائدته، وذلك أن المصنّف ﵀ لم يذكر له شيخه قوله: "ابن هشام"، بل قال: "حدّثنا معاذ" فقط، فأراد أن يبيّنه لمن يروي له، ولم يَسْتَجِز أن يقول: "معاذ بن هشام" وإن كان صحيحًا؛ لكونه لم يسمعه من شيخه، فقال: "وهو ابن هشام"، فصلًا بين ما رواه عن شيخه، وبين ما زاده للبيان، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في ألفيّة الحديث، حيث قال:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بِـ"أَنَّ" أَوْ بِـ"هُوْ" … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَه
أَجِزْهُ فَي الْبَاقَي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
وهذا وأشباهه مما كَرّرتُ ذكره - كما قال النوويّ ﵀ أَقصِد به المبالغة في الإيضاح، والتسهيل، فإنه إذا طال العهد به قد يُنْسَى، وقد يَقِف على هذا الموضع مَن لا خِبْرَة له بالموضع المتقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 2982
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنه قال: (حَدَّثَنَا: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ) بفتح الياء من الخروج، مبنيًّا للفاعل، فـ"مَن قال" فاعله، أو بضمها، من الإخراج، مبنيًّا للمفعول، فـ"مَنْ قال" نائب فاعله، وإنما طوى ذكر الفاعل؛ لشهرته؛ لأنه من المعلوم أن أحدًا لا يُخرجه من النار إلا الله تعالى (مِنَ النَّارِ مَنْ) موصولة، صلتها قوله: (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فيه دليلٌ على اشتراط النطق بالتوحيد، أو المراد بالقول هنا القول النفسيّ، فالمعنى: من أقرّ بالتوحيد، وصَدَّق، فالإقرار لا بدّ منه، فلهذا أعاده في كلّ مرّة، والتفاوت يحصل في التصديق.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن النطق للقادر عليه شرط، وإنما يُعذر من لا يقدر، إما للعجز، أو لضيق الوقت، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
[فإن قيل]: فكيف لم يذكر الرسالة؟.
[أجيب]: بأن المراد هو المجموع - أي لا إله إلا الله، محمد رسول الله - وذلك لأن الجزء الأول صار عَلَمًا على المجموع، كما تقول: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، والمراد السورة كلّها، والله تعالى أعلم (١).
(وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ) فيه إطلاق الخير على الإيمان، والخير في الأصل: ما يَتقرّب به العبد إلى الله تعالى، وأعلى ذلك الإيمان، كما بيّنه النبيّ ﷺ فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ سُئل: أيُّ العمل أفضلُ؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: "ثم ماذا؟ قال: "حجٌّ مبرور" (مَا يَزِنُ) أي يَعْدِل (شَعِيرَةً) بفتح أوله، وكسر ثانيه، (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً) بضم الموحّدة، وتشديد الراء المفتوحة: وهي القَمْحَة، ومقتضى هذا أن وزن البرّة دون وزن الشعيرة؛ لأنه قدّم الشعيرة، وأتبعه بالبرّة، ثمّ بالذّرة، وذلك نظرًا للجرم؛ لأنها أكبر جرمًا منها، قاله
стр. 2983
العينيّ (١)، وقال الحافظ: هو كذلك في بعض البلاد (٢). (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةَ") - بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء - قيل: هي أَقل الأشياء الموزونة، وقيل: هي الْهَبَاء الذي يَظهَر في شُعاع الشمس، مثل رؤوس الإِبَر، وقيل: هي النملة الصغيرة، ويُروَى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إذا وَضَعتَ كَفّك في التراب، ثم نفضتها، فالساقط هو الذَّرّ، ويقال: إن أربع ذَرّات وَزْنُ خَرْدَلَة، وللبخاريّ في أواخر "كتاب التوحيد" من طريق حُميد عن أنس ﵁، مرفوعًا: "أُدخل الجنة مَن كان في قلبه خَرْدلة، ثم مَن كان في قلبه أدنى شيء"، وهذا معنى الذَّرّة، قاله في "الفتح" (٣).
وقال النوويّ ﵀: المراد بالذَّرَّة واحدة الذَّرّ، وهو الحيوان المعروف الصغير من النمل، وهي بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء. انتهى (٤).
(- زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ) أي شيخه الأول محمد بن منهال (فِي رِوَايَتِهِ - قَالَ: يَزِيدُ) أي ابن زريع (فَلَقِيتُ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ (شُعْبَةَ) بن الحجّاج الإمام المشهور (فحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ) أي بما حدّثه به سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة (فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) وقوله: (بِالْحَدِيثِ) توكيد للضمير المجرور في قوله: "حدّثنا به" (إِلَّا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ) أي بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء (ذُرَةً) أي بضم الذال المعجمة، وتخفيف الراء المفتوحة، قال الفيّوميّ ﵀: "الذُّرَة" حبّ معروفٌ، ولامها محذوفةٌ، والأصل ذُرَوٌ، أو ذُرَيٌ، فحُذفت اللام، وعُوِّضَ عنها الهاء. انتهى (٥). (قَالَ يَزِيدُ) بن زُريع (صَحَّفَ فِيهَا) قال الفيّوميّ ﵀: التصحيف: تغيير اللفظ حتى يتغيّر المعنى المرادُ من الموضع، وأصله الخطأُ، يقال: صَحَّفَه، فتصحّف: أي غيَّره، فتغيَّر حتى الْتَبَس. انتهى (٦)، وقوله: (أَبُو بِسْطَامَ) مرفوع على الفاعليّة، وهو كنية شعبة، أي غيّر في ضبط هذه اللفظة، وكأن
стр. 2984
الحامل له على ذلك كونها من الحبوب، فناسبت الشعيرةَ والْبُرَّةَ (١).
قال النوويّ ﵀: اتفقوا على أن هذا تصحيف من شعبة ﵀ (٢).
[تنبيه]: زاد البخاريّ بعد هذا ما نصُّهُ: (٤٤) قال أبو عبد الله: قال أبان: حدّثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبيّ ﷺ "من إيمان"، مكان "من خير". انتهى.
قال في "الفتح": قوله: قال أبان هو ابن يزيد العطار، وهذا التعليق وصله الحاكم في "كتاب الأربعين" له من طريق أبي سَلَمَة، قال: حدثنا أبان بن يزيد، فذكر الحديث، وفائدة إيراد البخاريّ له من جهتين:
[إحداهما]: تصريح قتادة فيه بالتحديث، عن أنس.
[ثانيتهما]: تعبيره في المتن بقوله: "من إيمان" بدل قوله: "من خير"، فبيّن أن المراد بالخير هنا الإيمان.
[فإن قيل]: على الأُولى لِمَ لَمْ يَكتف بطريق أبان السالمة من التدليس، ويسوقها موصولةً؟.
[فالجواب]: أنّ أبان، وإن كان مقبولًا، لكن هشام أتقن منه، وأضبط، فَجَمَعَ البخاريّ بين المصلحتين، والله تعالى وليّ التوفيق (٣). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٨٥]، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٤٥)، وفي "التوحيد" (٧٤٥٠ و ٧٥١٦)، و (الترمذيّ) في "صفة جهنم" (٢٥٩٣)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١١٣ و ١٧٣ و ٢٧٦)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١١٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٨١)، والله تعالى أعلم.
стр. 2985
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك أنه ﷺ جعل في هذا الحديث لبعض الناس ما يزن شعيرة، وهكذا، فدلّ على أنه يزيد وينقص، وقد احتجّ به الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فأورده تحت ترجمة "بابُ زيادة الإيمان ونُقصانه"، وهذا هو المذهب الحقّ الذي عليه جمهور السلف، فإنهم يقولون: الإيمان قول وعملٌ واعتقاد، قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد وينقُص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في بابه، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
٢ - (ومنها): بيان أن صاحب الكبيرة من الموحّدين لا يكفّر بها، ولا يُخلَّد في النار.
٣ - (ومنها): بيان دخول بعض العصاة من الموحّدين النار.
٤ - (ومنها): أنه لا يكفي في قبول الإيمان مجرّد معرفة القلب، دون النطق بالشهادتين، ولا النطق بهما، مع عدم الاعتقاد، فلا بدّ منهما جميعًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْه، وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِت، فَدَخَلْنَا عَلَيْه، وَأَجْلَسَ ثَابتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِه، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَة، يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة، مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِنَّهُ خَلِيلُ الله، فَيَأْتُونَ
الْحَدِيثَ، فَقَالَ: هِيَه، قُلْنَا: مَا زَادَنَا، قَالَ: قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا، مَا أَدْرِي، أَنَسِيَ الشَّيْخُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ، فَتَتَّكِلُوا؟ قُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا، فَضَحِكَ، وَقَالَ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٧]، مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا، إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ، "ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَة، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِد، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ (١)، أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي، وَكِبْرِيَائِي، وَعَظَمَتِي، وَجِبْرِيَائِي، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله". قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَن، أَنَّهُ حَدَّثنَا بِه، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أُرَاهُ قَالَ: قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمِئِذٍ جَمِيعٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) هو: سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: قوله: "أبو الربيع العتكيّ"، هو بفتح العين والتاء، وهو أبو الربيع الزهرانيّ الذي يُكَرّره مسلم في مواضع كثيرة، واسمه سليمان بن داود، قال القاضي عياض ﵀: نَسَبهُ مسلم مَرّةً زَهْرانيًّا، ومَرّةً عَتَكيًّا، ومَرّةً جَمَع له النسبين، ولا يجتمعان بوجه، وكلاهما يرجع إلى الأزد، إلا أن يكون للجمع سببٌ، من جِوَارٍ أو حِلْف، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ) - بفتحتين - البصريّ، ثقة [٤].
رَوَى عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، وأنس بن مالك، والحسن البصريّ، ونُفَيع أبي داود الأعمى، وعن رجل من أهل الشام.
ورَوَى عنه قتادة، وهو من أقرانه، وسليمان التَّيْمِيّ، وسعيد بن
стр. 2988
عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسعيد بن إياس الْجُرَيريّ، وأبو جَنَدل، لَبِيد بن حَيّان النُّميريّ، والحمادان، ومعتمر بن سليمان.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: مشهور، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (١٩٣)، وحديث (٢٩٥١): "بُعثتُ أنا والساعة كهاتين … "، و (٢٩٥٣): "إِنْ عُمِّر هذا لم يدركه الهرَم حتى تقوم الساعة … "، وله في البخاريّ حديث الباب فقط.
[تنبيه]: قوله: "الْعَنَزيّ" - بفتح العين المهملة، والنون، بعدها زاي -: نسبة إلى عَنَزَة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان، قاله في "اللبّ" (١).
٤ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، مصنِّفٌ، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به، [١٠] (ت ٢٢٧) وقيل بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير ﵁، تقدم في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد، أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٢) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما سبق غير مرّة، وفيه قوله: "واللفظ له"، يعني أن متن هذا الحديث الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه سعيد بن منصور، وأما شيخه أبو الربيع، فرواه بمعناه، وقد تقدّم تمام البحث في هذا غير مرّة، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وهو خامس الأسانيد المتتالية المسلسلة كلها بالبصريين، قال النوويّ ﵀: هذه الأسانيد رجالها كلهم بصريون، وهذا الاتّفاق في غاية من الْحُسْن، ونهاية من النُّدُور، أعني اتّفاق خمسة أسانيد، في "صحيح مسلم" متواليةً، جميعهم بصريّون، والحمد لله على ما هدانا له. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وأما شرح الحديث، ومسائله، فقد تقدّمت مستوفاةً في حديث أنس
стр. 2989
الطويل المتقدّم، فلا حاجة إلى التطويل بإعادتها، بل أذكر هنا إيضاح بعض ما فيه غرابة فقط، فأقول:
قوله: (وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ) أي أخذنا ثابتًا الْبُنَانيّ شفيعًا يشفع لنا عند أنس ﵁؛ لكونه مقرّبًا إليه، وكثير الملازمة له، فقد تقدّم أنه لازمه أربعين سنة، قال ابن التين ﵀: فيه تقديم الرجل الذي هو من خاصّة العالم؛ ليسأله. انتهى (١).
وفي رواية البخاريّ: "فذهبنا معنا بثابت البنانيّ إليه، يسأله لنا عن حديث الشفاعة"، وفيه: "فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أوّلَ من حديث الشفاعة".
وقوله: (فَانْتَهَيْنَا) أي وصلنا (إِلَيْهِ) أي إلى أنس ﵁.
وقوله: (وَأَجْلَسَ ثَابِتًا) بالبناء للفاعل، أي أمر أنس ثابتًا أن يجلس (مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ) وفيه أنه ينبغي للعالم، وكبير المجلس أن يُكرم فضلاء الداخلين عليه، ويُميِّزهم بمزيد إكرام في المجلس وغيره (٢).
(فَقَالَ لَهُ) أي قال ثابتٌ لأنس ﵁ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس ﵁ كنّاه بها رسول الله ﷺ ببَقْلة كان يَجتنيها (٣)، قال الأزهريّ: البقلة التي جناها أنس ﵁ كان في طعمها لَذْعٌ، فسُمّيت حَمْزَة بفعلها، يقال: رمّانة حامزة، أي فيها حُمُوضةٌ (٤).
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) قد تقدّم أن في "البصرة" ثلاث لغات: فتح الباء، وضمها، وكسرها، والفتح هو المشهور.
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) "كان" هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، وهو "يومُ"، كما قال في "الخلاصة":
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
(مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) يقال: ماج البحر: إذا اضطربت أمواجه: أي اختلطوا، واضطربوا متحيّرين، مقبلين، ومدبرين، فيما بينهم.
стр. 2990
وقوله: (لَسْتُ لَهَا) أي لست أهلًا للشفاعة، قال الطيبيّ ﵀: اللام فيه مثلها في قوله تعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية [الحجرات: ٣]، قال في "الكشّاف": اللام متعلّقة بمحذوف، وهي في قولك: أنت لهذا الأمر: أي كائنٌ له، ومختصّ به، وعلى هذا قوله: "أنا لها"، وقوله: "ليس ذلك لك" (١).
وقوله: (وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ أي الزموه، فالباء زائدة، أو المعنى: تشفّعوا، وتوسّلوا به (٢).
وقوله: (فَأُوتَى) بالبناء للمفعول، أي يأتيني الناس.
وقوله: (بمَحَامِدَ) جمع حمد، على غير قياس، كمحاسن، جمع حُسْن، أو جمع محمدة (٣).
وقوله: (لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "لا أقدر عليه"، وهو صحيح، ويعود الضمير في "عليه" إلى "الحمد". انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ ﵀ أن الظاهر أن يقول: "عليها" ليعود الضمير على المحامد، ولكن صحّت الرواية بالتذكير، فيؤوّل بأنه يعود على الحمد المفهوم من "أحمده"، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ أَخِرُّ) - بكسر الخاء المعجمة، وضمّها، وتشديد الراء، من بابي ضرب، ونصر - ومصدره الْخَرّ بالفتح، والْخُرُور بالضمّ: وهو السقوط، أو من عُلْو إلى سُفْل (٥).
وقوله: (أُمَّتِي أُمَّتِي) أي ارحمهم، واغفر لهم، وكرّره للتأكيد.
وقوله: (فَأَخْرِجْهُ) ثلاث مرّات، قال النوويّ ﵀: أما الثاني، والثالث، فاتَّفَقت الأصول على أنه: "فأخرجه" بضميره ﷺ وحده، وأما الأول: ففي بعض الأصول: "فأخرجوه"، كما ذكرنا على لفظ الجمع، وفي بعضها: "فأخرجه"، وفي أكثرها: "فأخرجوا"، بغير هاء، وكله صحيح، فمن رواه: "فأخرجوه" يكون خطابًا للنبيّ ﷺ ، ومن معه من الملائكة، ومن حَذَفَ الهاء،
стр. 2991
فلأنها ضمير المفعول، وهو فضلةٌ، يكثر حذفه (١)، كما قال في "الخلاصة":
........................ … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ"مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
وقوله: (أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول مكَرَّرٌ ثلاث مرات. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قال الكرمانيّ: قوله: "أدنى أدنى" التكرير للتأكيد، ويحتمل أن يراد التوزيع على الحبّة والخردل، أي أقلّ حبّة من أقلّ خردلة، من الإيمان، ويُستفاد منه صحة القول بتجزّؤ الإيمان، وزيادته ونقصانه. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهب السلف، وأهل السنة، ومن وافقهم من المتكلمين، في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق هذه القاعدة، وتحرير القول فيها، مستوفًى في أول "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ) هذا من قول معبد بن هلال العنزيّ ﵀، يعني أن هذا الذي تقدّم بطوله ما حدّثنا به أنس بن مالك ﵁.
وقوله: (بِظَهْرِ الْجَبَّانِ) أي بظاهرها، وأعلاها المرتفعِ منها، قال أهل اللغة: "الْجَبّان"، و"الْجَبّانة" - بفتح الجيم، وتشديد الباء -: هما الصحراء، ويُسَمّى بهما المقابر؛ لأنها تكون في الصحراء، وهو من تسمية الشيء باسم موضعه (٥).
وقوله: (لَوْ مِلْنَا) أي عَدَلنا (إِلَى الْحَسَنِ) هو الحسن بن أبي الحسن البصري الإمام المشهور.
стр. 2992
وقوله: (وَهُوَ مُسْتَخْفٍ) يعني أنه كان مُتَغَيِّبًا؛ خوفًا من الحجاج بن يوسف الجائر الظالم.
وقوله: (فِي دَارِ أَبِي خَلِيفَةَ) وفي رواية البخاريّ: "وهو متَوَارٍ في منزل أبي خَلِيفة"، واسم أبي خليفة: حجّاج بن عتّاب العبديّ البصريّ، والد عمر بن أبي خليفة، سماه البخاريّ في "تاريخه"، وتبعه الحاكم أبو أحمد في "الكنى"، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (يَا أَبَا سَعِيدٍ) كنية الحسن البصريّ ﵀.
وقوله: (هِيَهِ) بكسر الهاء، وإسكان الياء، وكسر الهاء الثانية، قال أهل اللغة: يقال في استزادة الحديث: إِيه، ويقال: هِيهِ بالهاء بدل الهمزة، قال الجوهريّ: إِيهِ اسمٌ سُمِّي به الفعل؛ لأن معناه: الأمر، تقول للرجل إذا استزدته من حديث، أو عَمَلٍ: إِيهِ بكسر الهاء، قال ابن السِّكِّيت: فإن وصلتَ نَوَّنتَ، فقلتَ: إِيهٍ حدّثْنا، قال: وقول ذي الرُّمّة [من الطويل]:
وَقَفْنَا فَقُلْنَا إِيهِ عَنْ أُمِّ سَالِمٍ … وَمَا بَالُ تَكْلِيمِ الدِّيَارِ الْبَلَاقِعِ
فلم يُنوِّن، وقد وصل؛ لأنه قد نوى الوقف.
قال ابن السّرِيّ: إذا قلت: إيهِ يا رجلُ، فإنما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود بينكما، كأنك قلت: هات الحديث، وإن قلت: إِيهٍ بالتنوين، كأنك قلت: هات حديثًا ما؛ لأن التنوين تنكيرٌ، وذو الرُّمّة أراد التنوين، فتركه للضرورة، فإذا أسكَتَّه، وكففته، فإنك تقول: إيهًا عنّا. انتهى (٢).
وقوله: (وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ) - بفتح الجيم، وكسر الميم - ومعناه: مُجْتَمِع القوّة والحفظ، قاله النوويّ، وقال في "الفتح": مجتمع العقل، وهو إشارة إلى أنه كان حينئذ لم يدخل في الكبر الذي هو مظِنّة تفرّق الذهن، وحدوث اختلاط الحفظ. انتهى (٣).
وقوله: (أَنَسِيَ الشَّيْخُ) أراد بالشيخ أنسًا ﵁.
стр. 2993
وقوله: (فَتَتَّكِلُوا) أي تعتمدوا على هذا الحديث، فتتركوا الاجتهاد في العمل.
وقوله: (فَضَحِكَ) فيه أنه لا بأس بضحك العالم بحضرة أصحابه، إذا كان بينه وبينهم أُنْسٌ، ولم يَخْرُج بضحكه إلى حدٍّ يُعَدّ تركًا للمروءة.
وقوله: (وَقَالَ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]) فيه جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الموطن، وقد ثبت في "الصحيح" مثله من فعل رسول الله ﷺ لَمّا طَرَقَ فاطمة وعليًّا ﵄ ثم انصرَفَ، وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، ونظائر هذا كثيرة، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقوله: ("ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ") قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الروايات، وهو الظاهر، وتَمّ الكلام على قوله: "أحدثكموه"، ثم ابتداء تمام الحديث، فقال: "ثم أَرْجِعُ"، ومعناه: قال رسول الله ﷺ : "ثم أرجع إلى ربي … إلخ".
وقوله : (وَجِبْرِيَائِي) - بكسر الجيم -: أي عظمتي، وسلطاني، أو قهري.
وقوله: (لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) معناه: لأتفضلنّ عليهم بإخراجهم من غير شفاعة، كما تقدم في الحديث السابق: "شَفَعَت الملائكةُ، وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين".
وقوله: (فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَن، أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِه، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ … إلخ) إنما ذكره تأكيدًا، ومبالغةً في تحقيقه وتقريره في نفس المخاطب، وإلا فقد سبق هذا في أول الكلام، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": قال ابن التين: قال هنا: "لستُ لها"، وفي غيره: "لست هناكم"، قال: وأسقط هنا ذكر نوح، وزاد: "فأقول: أنا لها"، وزاد: "فيقول: أمتي أمتي"، قال الداوديّ: لا أراه محفوظًا؛ لأن الخلائق اجتمعوا، واستشفعوا، ولو كان المراد هذه الأمة خاصّةً، لم تذهب إلى غير نبيها، فدَلَّ على أن المراد الجميع، وإذا كانت الشفاعة لهم في فصل القضاء،
стр. 2994
فكيف يَخُصّها بقوله: "أمتي أمتي"، ثم قال: وأوّلُ هذا الحديث ليس متصلًا بآخره، بل بقي بين طلبهم الشفاعة، وبين قوله: "فأشفع" أمور كثيرة من أمور القيامة.
وقد أجاب القاضي عياض عن هذا الاستشكال بأن معنى الكلام: فيؤذن له في الشفاعة الموعود بها في فصل القضاء، وقوله: "ويلهمني" ابتداءُ كلام آخر، وبيانٌ للشفاعة الأخرى الخاصة بأمته، وفي السياق اختصار، وقد تقدّم الجواب بأتمّ من هذا في شرح الحديث الطويل، فراجعه تستفد (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٧] (١٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيث، إِلَّا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْف، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، فَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضِ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ (٢) إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَر، خَلَقَكَ اللهُ بيَدِه، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِه، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ (٣) فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ
تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْش، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِه، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْه، شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ (١)، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَن، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّة، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَاب، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْن، مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّة، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٤ - (أَبُو حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة - هو: يحيى بن سعيد بن حَيّان التيميّ، أبو حيّان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابي الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
стр. 2997
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بمن اشتَهَر بالكنى، أبو حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁.
٥ - (ومنها): أن قوله: "واتّفقا في سياق الحديث" فيه إشارة إلى مسألة اصطلاحيّة، قد تقدّم بيانها غير مرّة، وذكرها السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَلَوْ رَوَى مَتْنًا عَنَ اشْيَاخٍ (١) وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ "قَالَ" أَوْ "قَالَا" فَذَاكَ أَحْسَنُ
٦ - (ومنها): أن المراد بالحرف في قوله: "إلا ما يزيد أحدهما من الحرف بعد الحرف" ما يشمل الكلمة، والجملة؛ إذ يُطلق الحرف على ذلك كلّه، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) قال الفيّوميّ ﵀: الذراع: اليد من كلّ حَيَوَان، لكنها من الإنسان من الْمِرْفَق إلى أطراف الأصابع، وذراع القياس أنثى في الأكثر، ولفظ ابن السّكّيت: والذراع أُنثى، وبعض العرب يُذكر، قال ابن الأنباريّ: وأنشدنا أبو العبّاس، عن سَلَمَة، عن الفرّاء شاهدًا على التأنيث قول الشاعر:
стр. 2998
أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ … وَهْيَ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ وَإِصْبَعُ
وعن الفرّاء أيضًا: الذراع أُنثى، وبعض عُكْلٍ يُذَكِّر، فيقول: خمسة أذرُع، قال ابن الأنباريّ: ولم يَعْرِف الأصمعيّ التذكير، وقال الزجّاج: التذكير شاذّ غير مختار، وجمعها أَذْرُع، وذُرْعَان، حكاه في "الْعُبَابِ"، وقال سيبويه: لا جمع لها غير أَذْرُع. انتهى (١).
(وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) قال القاضي عياض ﵀: محبته ﷺ للذراع، وإعجابه بها؛ لِنُضْج لحمها، وسُرْعة استمرائه له، مع زيادة لَذَّته، وحلاوة مَذَاقه على سائر لحم الشاة، وبُعْده عن مواضع الأذى الذي كان يتّقيه ﷺ . انتهى (٢).
وقد رَوَى الترمذيّ بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غِبًّا، فكان يَعْجَل إليها؛ لأنها أعجلها نُضْجًا.
(فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) هو بالسين المهملة، قال القاضي عياض ﵀: أكثر الرواة رووه بالمهملة، ووقع لابن ماهان بالمعجمة، وكلاهما صحيح، بمعنى: أَخَذَ بأطراف أسنانه، قال الهرويّ: قال أبو العباس: النَّهْسُ بالسين المهملة بأطراف الأسنان، وبالشين المعجمة بالأضراس، قال القاضي: قال غيره: هو نَشْرُ اللحم، قال النضر: نُهِشَتْ عَضُداه: أي دُقّتا. انتهى (٣).
(فَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) قال القرطبيّ ﵀: أي المقدّم عليهم، والسيّد: هو الذي يسود قومه، أي يفوقهم بما جَمَعَ من الخصال الحميدة بحيث يَلجؤون إليه، ويُعوِّلون عليه في مهمّاتهم، قال الشاعر:
فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدتَنَا … وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ
وقد تحقّق كمال تلك المعاني كلّها لنبيّنا محمد ﷺ في ذلك المقام الذي يَحمَده، وَيغْبِطه فيه الأولون والآخرون، وَيشهَد له بذلك النبيّون والمرسلون، وهذه حكمة عَرْض الشفاعة على خيار الأنبياء ﵈، فكلُّهم تبرّأ منها، ودلّ على غيره إلى أن بلغت محلّها، واستقرّت في نصابها (٤).
стр. 2999
وقال القاضي عياض ﵀: قيل: السيد الذي يفوق قومه، والذي يُفْزَع إليه في الشدائد، والنبيّ ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم القيامة؛ لارتفاع السؤدد فيها، وتسليم جميعهم له ذلك، ولكون آدم ﵇، وأولاده تحت لوائه ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]: أي انقطعت دَعَاوَى الدُّعاة في الْمُلك في ذلك اليوم، وبقي الْمُلك الحقّ لله وحده الذي قَهَر جميع الجبابرة، والمدَّعين الملكَ، وأفناهم، ثم أعادهم، وحَشَرَهم عُرَاةً فُقَراء. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: إنما قال هذا ﷺ تَحَدُّثًا بنعمة الله تعالى، وقد أمره الله تعالى بهذا، ونصيحةً لنا بتعريفنا حقه ﷺ .
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ"سيّد"، قال في "الفتح": وخصّه بالذكر؛ لظهور ذلك له يومئذ، حيث تكون الأنبياء كلّهم تحت لوائه، ويبعثه الله تعالى المقام المحمود. انتهى (٢).
(وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟) أي هل تعلمون بأيّ شيء كنت سيّد الناس؟ وقوله: (يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) جملة استئنافيّة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: كيف ذاك؟ وقد جاء هذا السؤال مصرَّحًا به في رواية عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة الآتية: "فلما رأى أصحابه لا يسألونه، قال: أَلَا تقولون: كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول الله؟ قال: يقوم الناس لربّ العالمين … ". (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) المراد بـ"الصّعِيد": الأرض الواسعة المستوية (فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ) بفتح الياء، وبالذال المعجمة، وذكر الْهَرَويّ، وصاحب "المطالع"، وغيرهما أنه رُوي بضم الياء، وبفتحها، قال صاحب "المطالع": رواه الأكثرون بالفتح، وبعضهم بالضم، وقال الهرويّ: قال الكسائيّ: يقال: نَفَذَني بصرُهُ: إذا بلغني، وجاوزني، قال: ويقال: أنفذتُ القومَ: إذا خَرَقْتَهُم، ومشيتَ في وسطهم، فإن جُزْتهم حتى تُخَلِّفَهم، قلت: نَفَذتهم بغير ألف، وقيل: يقال فيها: بالألف.
стр. 3000
وقال الهرويّ: قال أبو عبيد: معناه: ينفذهم بصر الرحمن ﵎، حتى يأتي عليهم كلِّهم، وقال غير أبي عبيد: أراد: تَخْرِقُهم أبصار الناظرين؛ لاستواء الصعيد، والله تعالى قد أحاط بالناس أولًا وآخرًا. انتهى.
وقال صاحب "المطالع": معناه: أنه يُحيط بهم الناظر، لا يخفى عليه منهم شيءٌ؛ لاستواء الأرض، أي ليس فيها ما يَستتر به أحدٌ عن الناظرين، قال: وهذا أولى من قول أبي عبيد: يأتي عليهم بَصَرُ الرحمن ؛ لأن رؤية الله تعالى تُحيط بجميعهم في كل حال، في الصعيد المستوي وغيره. انتهى.
وقال ابن الأثير الجزريّ ﵀ بعد أن ذكر الخلاف في أن المراد بصر الرحمن ، أو بصر الناظر من الخلق: قال أبو حاتم السِّجستانيّ: أصحاب الحديث يَرْوُونه بالذال المعجمة، وإنما هو بالمهملة: أي يبلغ أوّلَهُم وآخرَهم حتى يراهم كلَّهم، ويستوعبهم، مِنْ نَفَدَ الشيء، وأنفدته، قال: وحمل الحديث على بَصَر الناظر أولى من حمله على بصر الرحمن. انتهى (١).
قال النوويّ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: فَحَصَلَ خلافٌ في فتح الياء وضمها، وفي الذال والدال، وفي الضمير في "ينفذهم"، والأصح فتح الياء، وبالذال المعجمة، وأنه بَصرُ المخلوق. انتهى كلامه (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: معناه أنهم مُجتمعون مهتمّون بما هم فيه، لا يخفى منهم أحدٌ، بحيث إن دعاهم داعٍ أسمعهم، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم، وَيحْتَمِلُ أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب، أو أمر آخر، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]. انتهى (٣).
(وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ) بالنصب مفعولًا مقدّمًا، وفاعله "ما لا يُطيقون"، ولو رفع "الناس" على الفاعليّة، و"ما لا يطيقون" مفعوله لكان له وجه، وقوله: (مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ) بيان لـ"ما" مقدّم عليها (مَا) موصولة (لَا
стр. 3001
يُطِيقُونَ) أي لا يستطيعون الصبر عليه (وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ) أي لا يقدرون تحمّله، ولو بكُلفة ومشقّة (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ) أي ألا تتأملون، وَتتفكّرون، أو ألا تُبصرون (مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟) وفي نسخة: "إلى من يشفع لكم إلى ربكم" بزيادة "إلى".
والشفاعة أصلها الضمّ والجمع، ومنه ناقةٌ شَفُوعٌ: إذا جَمَعت بين حَلْبتين في حلبة واحدة، وناقة شافع إذا اجتمع لها حملٌ وولدٌ يتبعها، والشفع ضمّ واحد إلى واحد، والشُّفعة ضمّ ملك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة إذن ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهارٌ لمنزلة الشفيع عند المشفَّع، وإيصال منفعة إلى المشفوع له، قاله القرطبيّ ﵀ (١).
(فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَر، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى حقيقة، على ما يليق بجلاله ، ولا نقول كما قال الشرّاح كالقرطبيّ: اللائق حملها هنا على القدرة؛ لأن هذا تأويل غير صحيح؛ لأن الله تعالى خلق آدم وغيره من المخلوقات بقدرته، فما وجه تخصيص آدم بها؟ وأيضًا فإن الذي أدّاهم إلى هذا التأويل هو ظنهم التشبيه، بالمخلوق، وهو موجود في القدرة المؤوّل بها، فإن القدرة يوصف بها المخلوق كما يوصف بها الله تعالى، فهم فرّوا من ورطة، فوقعوا في أخرى، والحقّ الذي عليه السلف إثبات ما أثبت الله تعالى من الصفات على الحقيقة، لا على المجاز، بلا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فتبصّر، ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال القرطبيّ: الروح هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، وشرّفه بالإضافة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]، وهو جبريل ﵇ على قول أكثر المفسّرين: أي كان كلّ واحد منهما من نفخة الملك، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته، ولا
стр. 3002
يُلتفت إلى ما يقال غير هذا. انتهى (١).
(وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ) أي بأن يسجدوا لك (فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) وفي نسخة: "ألا ترى ما قد بَلَغَنا" بحذف "إلى"، قال النوويّ ﵀: هو بفتح الغين، هذا هو الصحيح المعروف، وضَبَطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان، وهذا له وجه، ولكن المختار ما قدمناه، ويدلّ عليه قوله في هذا الحديث قبل هذا: "ألا تَرَوْن ما قد بَلَغَكم"، ولو كان بإسكان الغين لقال: بَلَغتُمْ. انتهى (٢).
(فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) فيه إثبات صفة الغضب لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأما قول الشرّاح كالنوويّ وغيره: إن المراد بغضب الله تعالى ما يَظْهَر من انتقامه، ممن عصاه، وما يرونه من أليم عذابه، وما يشاهده أهل المجمع من الأهوال التي لم تكن، ولا يكون مثلها، ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله، ولا يكون بعده مثله، فهذا معنى غضب الله تعالى، كما أن رضاه ظهور رحمته ولطفه، بمن أراد به الخير والكرامة؛ لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضاء. انتهى، فغير صحيح، فإن هذا تفسير باللازم، وليس معنى الغضب والرضا على الحقيقة، وقد تقدّم غير مرّة أن ما ثبت في الكتاب والسنّة الصحيحة مما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فمذهب السلف، وهو الحقّ أنه على ظاهره على الحقيقة، لا على المجاز، فالرضا والغضب، والرحمة والمحبّة، والكراهة، وغيرها ثابتة لله تعالى حقيقة لا مجاز فيه، على ما يليق بجلاله، بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، فتمسّك بهدي السلف، تنج من التلف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ) أي عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) أي خالفت نهيه، فأكلتها (نَفْسِي نَفْسِي) "نفسي" الأولى مبتدأ حُذف خبره، أي نفسي هي التي تستحقّ أن يُشْفَع لها، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي المستحقّ للشفاعة نفسي،
стр. 3003
و"نفسي" الثانية تأكيد عليهما، وأعربهما بعضهم بأنهما مبتدأ وخبر، من باب "شِعْري شِعْري"؛ للمبالغة، ويؤيّد الأولى تكرير "نفسي" في بعض الروايات ثلاث مرّات، والله تعالى أعلم.
(اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي) وفي بعض النسخ بإسقاط هذه الجملة (اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ) استُشكل هذاَ بأن آدم ﵇ كان نبيًّا، وبالضرورة يُعلم أنه كان على شريعة من العبادة، وأن أولاده أخذوا ذلك منه، فعلى هذا فهو رسول إليهم، فيكون هو أول رسول.
وأجيب بأنه يحتمل أن تكون الأوليّة في قولى أهل الموقف لنوح ﵇ مقيّدةً بقولهم: إلى أهل الأرض؛ لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهلٌ، أو لأن رسالة آدم ﵇ إلى بنيه كانت كالتربية للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أُرسل إلى بنيه وغيرهم من الأمم الذين أرسل إليهم مع تفرّقهم في عدّة بلاد، وآدم ﵇ إنما أُرسل إلى بنيه فقط، وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة.
واستشكله بعضهم بإدريس ﵇، وأجيب بأنه مختَلَفٌ في كونه قبل نوح، وقد تقدّم هذا البحث مستوفى في شرح حديث أنس ﵁، فراجعه. (وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣]، قال في "الفتح": وفي الحديث ردّ على من زعم أن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ لموسى ﵇، وقد صحح ابن حبان من حديث سلمان الفارسيّ ﵁: "كان نوح إذا طَعِمَ، أو لَبِسَ حَمِدَ الله، فسُمِّي عبدًا شكورًا"، وله شاهد عند ابن مردويه، من حديث معاذ بن أنس، وآخر من حديث أبي فاطمة (١).
وأخرج عبد الرزاق بسند مقطوع: "أن نوحًا كان إذا ذهب إلى الغائط قال: الحمد لله الذي رزقني لذّته، وأبقى فيّ قُوّته، وأذهب عنّي الأذى" (٢).
стр. 3004
وقال القرطبيّ ﵀: الشكور: الكثير الشكر، وهو من أبنية المبالغة، وأصل الشكر: الظهور، ومنه دابّة شَكورٌ: إذا كانت يظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكله من الْعَلَف، وأَشْكَرَ الضرعُ: إذا ظهر امتلاؤه باللبن، والسماء بالمطر، فكأن الشاكر يُظهر القيام بحقّ المنعِم، ولذلك قيل: الشكور هو الذي ظَهَر منه الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، وملازمة الحرمة. انتهى (١).
(اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ، دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي) قال القرطبيّ ﵀: يريد قوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] (٢). (نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﷺ ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ الله، وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ) قال القرطبيّ ﵀: إبراهيم بالسريانيّة: هو الأب الرحيم، حكاه المفسّرون، و"الخليل": الصَّدِيق المخلص، و"الْخُلّة" بضم الخاء: الصداقة والمودّة، ويقال فيها أيضًا: خُلالة بالضمّ والفتح، والكسر، و"الْخَلّةُ" بفتح الخاء: الفقر والحاجة، و"الْخِلّة" بكسرها: واحدة خِلَل السيوف، وهي بطائن أغشيتها، و"الْخَلَلُ " الفُرْجة بين الشيئين، والجمع الخلال.
واختُلف في الخليل اسم إبراهيم ﵇: من أيّ هذه المعاني، والألفاظ أُخذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من الْخُلّة بمعنى: الصداقة، وذلك أنه صَدَقَ في محبّة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبّته على كلّ محبوباته، فبذل ماله للضيفان، وولده للقُربان، وجسده للنيران، وقيل: من الْخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله تعالى في حوائجه، ولجأ إليه في فاقته حتى لم يلتفت إلى غيره، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل، وهو في الهواء حين رُمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا (٣)، وقيل: من الخلل بمعنى الْفُرْجة بين الشيئين، وذلك لِمَا تخلّل قلبه من معرفة الله تعالى، ومحبّته ومراقبته حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال [من الخفيف]:
стр. 3005
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي … وَلذَا سُمِّي الْخَلِيلُ خَلِيلَا
ولقد جمع إبراهيم ﵇ هذه المعاني كلّها، وأحسن من قال في الْخُلّة: إنها صَفَاءُ المودّة التي توجب الاختصاص بتخلّل الأسرار، والغنى عن الأغيار. انتهى (١).
(اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ) قال القرطبيّ ﵀: قد فسّرها في الرواية الأخرى بما ليس كذبًا على التحقيق، ونحن نذكرها، ونبيّنها - إن شاء الله تعالى - فمنها قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] ذكر المفسّرون أن ذلك كان في حال الطفوليّة في أول حال استدلاله، ثم إنه لَمّا تكامل نظره، وتمّ على السداد وضح له الحقّ، قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩].
قال القرطبيّ ﵀: وهذا لا يليق بالأنبياء ﵈؛ لأن الله تعالى خصّهم بكمال العقل، والمعرفة بالله ، وسلامة الفطرة، والحماية عن الجهل بالله تعالى، والكفر من أول نشأتهم، وإلى تناهي أمرهم؛ إذ لم يُسمَع عن أحد مثهم أنه اعتقد مع الله إلهًا آخر، ولا اعتقد مُحالًا على الله تعالى، ولا ارتكب شيئًا من قبائح أُممهم الذين أُرسلوا إليهم، لا قبل النبوّة، ولا بعدها، ولو كان شيء من ذلك لقَرَعهم بذلك أُممهم لَمّا دعوهم إلى التوحيد، ولاحتجّوا عليهم بذلك، ولم يُنقَل شيء من ذلك، وأما بعد إرسالهم فكلّ ذلك محالٌ عليهم عقلًا على ما نبيّنه.
وقيل: إنه ﵇ قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يُقصد به التوبيخ لهم، والإنكار عليهم، وحُذفت همزة الاستفهام؛ اتّساعًا كما قال الشاعر [من الطويل]:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ … بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
وقال آخر [الطويل]:
стр. 3006
رَفَوْنِي (١) وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ … فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أي: أهُم هم؟.
وقيل: إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه؛ تنبيهًا على أن ما يتغيّر لا يصلح للربوبيّة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الأرجح في تأويل الآية، قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره":
وقد اختَلَفَ المفسرون في هذا المقام: هل هو مقامُ نظر، أو مناظرة؟ فرَوَى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير، مُستدلًا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] الآية، ثم قال ابن كثير ﵀:
والحقّ أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مُبَيِّنًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل، والأصنام، فَبَيَّن في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هو عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته؛ ليشفعوا لهم عنده في الرَّزق والنصر وغير ذلك، مما يحتاجون إليه، وبَيَّن في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السّيّارة السبعة المتحيرة، وهي القمر، وعُطارد، والزُّهْرة، والشمس، والْمِرِّيخ، والمشتري، وزُحَل، وأشدهنّ إضاءةً وأشرفهنّ عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فَبَيَّن أولًا - صلوات الله وسلامه عليه - أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مُسَخَرة مُقَدَّرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تملك لنفسها تصرفًا، بل هي جِرْم من الأجرام، خلقها الله مُنِيرةً لما له في ذلك من الْحِكَم العظيمة، وهي تَطْلُع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر، فَبَيَّن فيه مثل ما بيّن في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما
стр. 3007
انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع على الأبصار، وتَحَقَّق ذلك بالدليل القاطع، قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨]: أي أنا بريء من عبادتهنّ وموالاتهنّ، فإن كانت آلِهة فكيدوني بها جميعًا، ثم لا تنظرون، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]: أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء، ومُختَرِعها، ومسخرها، ومقدرها، ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء، وربه، ومليكه، وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥١، ٥٢] الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]؟ وقد ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كلُّ مولود يولد على الفطرة … " الحديث، وفي "صحيح مسلم"، عن عياض بن حمار ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال: قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء … " الحديث، وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
قال: فإذا كان هذا في حقّ سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتًا لله حنيفًا، ولم يكن من المشركين ناظرًا في هذا المقام؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسّجِيّة المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب. انتهى المقصود من كلام ابن
стр. 3008
كثير ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
ومنها (٢): قوله لآلهتهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، إنما قاله ممهّدًا للاستدلال على أنها ليست آلهةً، وقطعًا لقومه في قولهم: إنها تضرّ وتنفع، وهذا الاستدلال، والذي قبله يتحرّر من الشرط المتّصل، ولذلك أردف على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وعند ذلك قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]، فحَقّت كلمته، وظهرت حجته.
ومنها: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وهذا تعريضٌ، وحقيقته أنه سيسقم، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير، ويَحْتَمِل أن يُريد به أنه سقيم الحجة على الخروج معكم؛ إذ كان لا يصحّ على جواز ذلك حجّة.
ومنها: ما جاء في حديث إبراهيم ﵇ أنه قال لزوجه سارة حين دخل أرض الجبّار، فسُئل عنها، فقال: إنها أختي، وصَدَقَ، فإنها أخته في الإسلام، وكذلك جاء عنه منصوصًا أنه قال: إنما أنتِ أختي في الإسلام.
وبالجملة فأوجه الأمور واضحة، وصِدْقها معلومٌ على الأوجه المذكورة، فليس في شيء منها ما يقتضي عِتابًا، ولا عقابًا، لكنّ هولَ المقام، وشدّة الأمر حَمَله على الخوف منها.
وأيضًا فلْنتبيَّن درجة من يقول: "نفسي نفسي" من درجة من يقول: "أمّتي أُمتي". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣).
(نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى) قيل: سُمّي بذلك؛ لأنه وُجد بين "مو"، وهو بالعبرانيّة الماء، و"شى"، وهو الشجر، فعُرّب، والله تعالى أعلم.
стр. 3009
(فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ ، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ) وفي نسخة: "برسالته" (وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ) هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، قال القرطبيّ: لا خلاف بين أهل السنّة في أن موسى ﵇ سمع كلام الله الذي لا يُشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لَمَا صحّت خُصُوصيّة الفضيلة لموسى بذلك؛ إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشرِكُ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ليس بصوت ولا حرف" غير صحيح؛ لأن مذهب أهل السنّة والجماعة من السلف الصالح أن الله تعالى يتكلّم بصوت وحرف متى شاء (٢)، وأما خصوصيّة موسى ﵇ فليست من هذا الوجه، بل من جهة أنه سمع كلامه بلا واسطة، وأما سائر الناس، فإنما سمعوه بواسطة جبريل ﵇، ثم بواسطة النبيّ ﷺ ، وهذا مما لا يخفى على من له أدنى فهم، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(اشْفَعْ لنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) وفي نسخة: "أَلَا ترى إلى ما نحن فيه، أَلَا ترى إلى ما بلغنا" بزيادة "إلى" في موضعين، وفي أخرى بزيادتها في الأول دون الثاني (فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى ﷺ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا، لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ﷺ ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ الله، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي صغيرًا في الحال التي يُمهد لك فيها موضعك؛ لتضطجع عليه؛ لصغرك (وَكَلِمَةٌ مِنْهُ) قال ابن عبّاس ﵄: سمّاه كلمة؛ لأنه بكلمة "كن" من غير أن يتقلّب في أطوار الخلق كما تقلّب غيره (٣)، (أَلْقَاهَا
стр. 3010
إِلَى مَرْيَمَ) أي أبلغها إليها (وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى ﷺ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا) يعني في هذه الرواية، وإلا فقد ورد في رواية الترمذيّ من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁: "إني عُبدت من دون الله"، وفي رواية أحمد، والنسائيّ من حديث ابن عبّاس ﵄: "إني اتُّخِذتُ إلهًا من دون الله"، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه، وزاد: "وإن يُغفَر لي اليومَ حسبي". (نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَأْتُوني، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ الله، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاء، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْش، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي) قال القرطبيّ ﵀: قد زاد عليه في حديث أنس ﵁: "فأنطلق، فأستأذن على ربّي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد، ثم أخرّ ساجدًا"، قال: وبمجموع الحديثين يكمل المعنى، ويُعلَم مراعاة النبيّ ﷺ لآداب الحضرة العليّة (١).
(ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِه، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْه، شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي) وفي رواية ثابت عن أنس: "فأحمد ربي بمحامد لم يحمده بها أحدٌ قبلي، ولا يحمده بها أحدٌ بعدي".
قال القرطبيّ ﵀: يدلّ حديث أبي هريرة ﵁ على أن المحامد كانت بعد السجود، وحديث أنسّ ﵁ يدلّ على أنها كانت قبل السجود في حالة القيام، وذلك يدلّ على أنه ﷺ أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كلّه في قيامه وسجوده إلى أن أُسعِف في طَلِبَته. انتهى (٢).
(ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ (٣)، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبّ، أَمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أنه ﷺ شُفِّع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل
стр. 3011
الموقف، فإنه لَمّا أُمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شَرَع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرواية الأخرى: "فيؤذن له، وتُرسَل الأمانة والرحِمُ، فيقومان جنبتي الصراط"، هذا المساق أحسن من مساق حديث معبد، عن أنس ﵁، فإنه ذكر فيه عقب استشفاعه لأهل الموقف أنه أُجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامّة التي طَلَب منه أهل الموقف، وكأنه هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة، فذكرت شفاعته لأمته؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طُلبت من أنس ﵁ أن يُحدّث بها في ذلك الوقت، وهي التي أنكرها أهل البدع، والله تعالى أعلم (١).
(مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ) يعني به - والله أعلم - السبعين الذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربهم يتوكّلون، قاله القرطبيّ (مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَن، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) هو الباب الذي يكون عن يمين القاصد إلى الجنّة بعد جواز الصراط، واختير؛ لكونه أفضل الأبواب، والله تعالى أعلم (وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ) قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يعود هذا الضمير إلى السبعين الذين لا حساب عليهم، وهو الظاهر، ويكون معناه: أنهم لا يُلْجأون إلى الدخول من الباب الأيمن، بل من أيّ باب شاؤوا دخلوا، كما جاء في حديث أبي بكر ﵁ حيث قال: "هل يُدْعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر" متّفقٌ عليه، وكما قال ﷺ فيمن أسبغ الوضوء، وهلّل بعده: "أدخله الله من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شاء"، رواه مسلم.
ويَحْتَمِلُ أن يعود على الأمة، وفيه بُعْدٌ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ) بكسر الميم: جانبا الباب (مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّة، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ) - بفتح الهاء والجيم -: مدينة عظيمة، هي قاعدة بلاد البحرين، قال الجوهريّ في "صحاحه": هَجَر اسم بلد مُذَكَّر مصروف، قال: والنسبة إليه هاجريّ، وقال أبو القاسم الزجاجيّ في "الْجُمَل": هَجَر يُذَكَّر ويؤنث.
стр. 3012
وقال النوويّ: هجر هذه غير هجر المذكورة في حديث: "إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر"، تلك قرية من قُرَى المدينة، كانت القلال تُصْنَع بها، معروفةٌ، وقد أوضحتها في أول "شرح المهذّب". انتهى.
(أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى) - بضم الباء - وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل، وهي مدينة حُوران، وبينها وبين مكة شهر، قاله النوويّ (١)، وهي غير البصرة المعروفة بالعراق، وقد تقدّم أنها مثلّثة الباء، والغرض من التمثيل بهذا المبالغة في سعة باب الجنّة، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون شكًّا من بعض الرواة، وَيحْتَمِلُ أن يكون تنويعًا، كأنه ﷺ قال: إذا رأى ما بينهما قدّره راءٍ بكذا، وقدّره آخر بكذا، ويصحّ أن يقال: سَلَكَ بها مسلك التخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب كونه للشكّ، ويردّ الاحتمال الثاني ما يأتي في رواية عُمارة بن القعقاع بلفظ: "لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟ "، فإنه صريحٌ في الشكّ، وقد وقع عند ابن منده بلفظ: "كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى، لا أدري أيهما قال؟ "، فدلّ على أن "أو" للشكّ من غير شكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٨٧ و ٤٨٨] (١٩٤)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٤٠ و ٣٣٦١)، و"التفسير" (٤٧١٢)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٢٤٣٤)، و"الأطعمة" (١٨٣٧)، و (النسائيّ) في "الوليمة" من "الكبرى" (٦٦٦٠)، و"التفسير" (١١٢٨٦)، و (ابن ماجه) في "الأطعمة" (٣٣٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣١ و ٤٣٥)، و (أبو عوانة) في
стр. 3013
"مسنده" (٤٣٧ و ٤٣٨ و ٤٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٨٣ و ٤٨٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٧٩ و ٨٨٠ و ٨٨١ و ٨٨٢)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أنس ﵁ الطويل، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ، فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْه، فَنَهَسَ نَهْسَةً (١)، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: أَلا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللْهِ؟ قَالَ: يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: فَقَالَ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقَوْله لِآلِهَتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقَوْله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ: إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَاب، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خَيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
стр. 3014
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (قَصْعَةٌ) - بفتح القاف، وسكون الصاد المهملة -: هي الصّحْفَة، وزنًا ومعنًى، جمعها قَصَعَات محرَّكةً وكَعِنَب، وجِبَال، قاله المجد ﵀ (١).
وقوله: (مِنْ ثَرِيدٍ) بالفتح، قال الفيَّوميّ ﵀: فَعِيلٌ بمعنى: مفعول، ويقال أيضًا: مَثْرُودٌ، يقال: ثَرَدتُ الْخُبزَ ثَرْدًا، من باب قتل، وهو أن تَفُتّه، ثم تبلّه بمرقٍ، والاسم الثُّرْدَةُ. انتهى (٢).
وقال المجد ﵀: ثَرَدَ الخبزَ: فَتَّهُ، كاثَّرَده، واتَّرَده بالثاء والتاء، على افتعله. انتهى (٣).
وقوله: (أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هكذا وقع في النسخ التي بين يديّ بلفظ "كيفه" في الموضعين، ووقع عند القاضي عياض في "شرحه" الأول بلفظ "كيف هو"، ونصّه: وقوله ﷺ لأصحابه حين لم يسألوه حين قال: "أنا سيّد ولد آدم: ألا تقولون: كيف هو؟ "، وعند العذريّ: "كيفه، قالوا: كيفه"، هذه الهاء هاء السكت عند أهل العربيّة الملْحَقة في الوقف، وهي تَلْحَقُ الأسماء والحروف، والأفعالَ؛ لثلاث عِلَل:
لصحّة الحركة التي قبلها آخر الكلمة، كقولهم: غُلاميه، وكتابيه، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] على قول بعضهم، وأينه، وكيفه.
أو لتمام الكلام المنقوص، كقوله: عمّه، ولمَه، وقِهْ.
أو للحاجة عند مدّ الصوت في النداء والنُّدْبة.
وفيه تنبيه العالم الطالب على موضع السؤال، وبسطه للسؤال إذا انقبض، وتعظيم القوم العالم أن يسألوه عن كلّ شيء، ولعلّ هذا كان بعد نهيهم عن السؤال إلا فيما أُذن لهم فيه. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٤).
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": هذه الهاء هي هاء السكت، تُلْحَق في الوقف، وأما قول الصحابة ﵃: كيفه يا رسول الله، فأثبتوا الهاء في حالة الدرج، ففيها وجهان، حكاهما صاحب "التحرير" وغيره:
стр. 3015
[أحدهما]: أن من العرب من يُجْري الدرج مُجْرَى الوقف.
[والثاني]: أن الصحابة ﵃ قَصُدوا اتّباع لفظ النبيّ ﷺ الذي حَثَّهم عليه، فلو قالوا: "كيف" لَمَا كانوا سائلين عن اللفظ الذي حَثَّهم عليه، والله تعالى أعلم، قاله النوويّ ﵀ (١).
وإلى هذه الهاء أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَوَصْلَ ذِي الْهَاءِ أَجِزْ فِي كُلِّ مَا … حُرِّكَ تَحْرِيكَ بِنَاءٍ لَزِمَا
وَوَصْلُهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكِ بِنَا … أُدِيمَ شَذَّ فِي الْمُدَامِ اسْتُحْسِنَا
وَرُبَّمَا أُعْطِيَ لَفْظُ الْوَصْلِ مَا … لِلْوَقْفِ نَثْرًا وَفَشَا مُنْتَظِمَا
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) الضمير لعمارة بن القعقاع.
وقوله: (وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ الضمير لعمارة أيضًا، وكذا (فَقَالَ) أي قال عمارة، وقوله: (وَذَكَرَ) قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ … إلخ، مقول القول، وهو محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) ضمير "قال" للنبيّ ﷺ .
وقوله: (إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ) هو بكسر العين، قال الجوهريّ: عِضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه. انتهى.
[تنبيه]: رواية عُمارة بن القعقاع التي أحالها المصنّف ﵀ هنا أخرجها الحافظ ابن منده ﵀ (٢) في "كتاب الإيمان" (٢/ ٨٥١)، فقال:
(٨٨٢) أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، وأحمد بن إسحاق بن أيوب، ومحمد بن يعقوب، قالوا: ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير بن عبد الحميد، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: وُضِعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد، فتناول الذراع، وكان أحب الشاة إلى رسول الله ﷺ ، فنَهَس نَهْسَةً، فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة،