← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

الفيّوميّ ﵀: الْكَعْبُ من الإنسان اختَلَف فيه أئمة اللغة، فقال أبو عمر بن العلاء، والأصمعيّ، وجماعة: هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى الساق والقدم، فيكون لكلّ قدم كعبان، عن يمينها ويسرتها، وقد صَرَّح بهذا الأزهريّ وغيره، وقال ابن الأعرابيّ، وجماعة: الكعبُ: هو الْمَفْصِل بين الساق والقدم، والجمع كُعُوبٌ، وأَكْعُبٌ، وكِعَابٌ، قال الأزهريّ: الكعبان الناتئان في منتهى الساق مع القدم، عن يمنة القدم ويسرتها، وذهبت الشيعة إلى أن الكعب في ظهر القدم، وأنكره أئمة اللغة، كالأصمعيّ وغيره. انتهى (١). قال السُّهَيليّ ﵀: الحكمة فيه أن أبا طالب كان تابعًا لرسول الله ﷺ بجملته، إلَّا أنه استَمَرّ ثابتَ القدم على دين قومه، فسُلِّط العذاب على قدميه خاصّة؛ لتثبيته إياهما على دين قومه، قال في "الفتح": كذا قال، ولا يخلو عن نظر. انتهى (٢). (يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ") ووقع في رواية: "يغلي منه أُمّ دماغه"، قال الداوديّ: المراد: أمُّ رأسه، وأطلق على الرأس الدماغ، من تسمية الشيء بما يقاربه ويجاوره، ووقع في رواية ابن إسحاق: "يغلي منه دماغه، حتى يسيل على قدمه". [تكملة]: من عجائب الاتفاق أن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبيّ ﷺ أربعة، لَمْ يسلم منهم اثنان، وأسلم اثنان، وكان اسم مَن لَمْ يسلم ينافي أسامي المسلمين، وهما أبو طالب، واسمه عبد مناف، وأبو لهب، واسمه عبد الْعُزَّي، بخلاف من أسلم، وهما حمزة، والعباس ﵄، ذكره في "الفتح" (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 3117

أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٦/ ٥١٩] (٢١٠)، و (البخاريّ) في "المناقب" (٣٨٨٥)، و"الرقاق" (٦٥٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٨ و ٥٠ و ٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨١ و ٢٨٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٥١٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٩٧) - (بَابُ بَيَانِ أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٠] (٢١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) التميميّ، أبو المنذر الخُرَاسانيّ، سكن الشام، ثم الحجاز، ثقةٌ، إلَّا في رواية أهل الشام عنه، فضعيفٌ [٧] (ت ١٦٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تَقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٤ - (النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الزُّرَقيّ الأنصاريّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م ت س ق) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٤. والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وكذا شرح الحديث. وقوله: (إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) سيأتي التصريح في حديث ابن عبّاس ﵄ الآتي بعد هذا أنه أبو طالب.

стр. 3118

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٧/ ٥٢٠] (٢١١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٣/ ١٥٧ و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨٣) و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢١] (٢١٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ﵀، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْن، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرَّحمن بن ملّ بن عمرو، تقدّم قبل باب. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر، تقدّم قبل باب، وكذا شرح الحديث. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٧/ ٥٢١] (٢١٢)، و (ابن أبي

стр. 3119

شيبة) في "مصنّفه" (١٣/ ١٥٧ - ١٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨٤ و ٢٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩٦٢)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٥٨١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٢] (٢١٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ، وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُل، تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَان، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨١. ٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) السبيعيّ، عمرو بن عبد الله الكوفيّ، ثقة مكثرٌ عابدٌ، اختلط بآخره، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٦ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سَعْد بن ثَعلبة بن جُلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجيّ، أبو عبد الله المدنيّ، له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رَوَاحة. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن خاله عبد الله بن رواحة، وعمر، وعائشة ﵃.

стр. 3120

ورَوَى عنه ابنه محمد، ومولاه حبيب بن سالم، والشعبيّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، وأبو قلابة الجرمي، وأبو سلام الأسود، وسالم بن أبي الجعد، وحميد بن عبد الرَّحمن بن عوف، وخيثمة بن عبد الرَّحمن، وسماك بن حرب، والْعَيْزار بن جُرَيث، والمفضل بن المهلب بن أبي صُفرة، وأزهر بن عبد الله الحرازيّ، وآخرون. قال الواقدي: وُلد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود وُلد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ ، هذا قول الأكثر: إنه وُلد هو وابنُ الزبير عام اثنتين من الهجرة، وقيل غير ذلك. ورُوي نحوُه عن جابر أنه قال: أنا أسنّ منه بنحو من عشرين سنة، وما وُلد قبل بدر إلَّا بثلاثة أشهر أو أربعة. وقال يحيى بن معين: ليس يروي عن النبي ﷺ حديثًا يقول فيه: "سمعت" إلَّا في حديث الشعبي: "إلا وإنّ في الجسد مضغةً … "، والباقي من حديثه إنما هو عن النبي ﷺ ليس فيه "سمعت". وقال أيضًا: أهل المدينة يقولون: لَمْ يسمع من النبي ﷺ ، وأهل العراق يصححون سماعه منه. وقال أبو نعيم: كان أميرًا على الكوفة في عهد معاوية. وقال أبو حاتم: كان أميرًا على الكوفة تسعة أشهر. وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز: كان قاضي دمشق بعد فَضَالة بن عُبيد. وقال سماك بن حرب: استعمله معاوية على الكوفة، وكان من أخطب من سمعت. وقال الهيثم بن عديّ: عَزَله معاوية عن الكوفة، ثم ولاه حمص. وقال ابن سعد: أُخبرت عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن سعيد، عن عبد الملك بن عمير قال: أتى بَشِير بن سعد بالنعمان إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله ادع له، فقال: "أما ترضى أن يبلغ ما بلغت، ثم يأتي الشام فيقتله منافق من أهل الشام؟ ". وقال أبو مسهر: كان النعمان بن بشير عاملًا على حمص، فبايع لابن الزبير - يعني بعد موت يزيد بن معاوية - فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا، فاتبعه خالد بن خَلِيّ الكلاعي فقتله. وقال خليفة بن خياط: وفي أول سنة خمس وستين خرج النعمان من حمص، فاتبعه خالد بن خَلِيّ الكلاعي فقتله. وقال المفضل الغلابي وغيره: قُتل سنة ست وستين. أخرج له الجماعة، وروى (١٢٤) حديثًا، اتفق الشيخان على خمسة،

стр. 3121

وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بأربعة أحاديث، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا (١). وقوله: (فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ) - بخاء معجمة، وصاد مهملة - وزن أحمر: ما لا يَصِلُ إلى الأرض من باطن القدم عند المشي، قاله في "الفتح". وقال الفيّوميّ ﵀: خَمِصَ القدمُ خَمَصًا، من باب تَعِبَ: ارتفعت عن الأرض، فلم تمسّها، فالرجل أخمصُ القدم، والمرأةُ خَمْصاء، والجمعُ خُمْصٌ، مثلُ أحمر، وحَمْراء، وحُمْر؛ لأنه صفة، فإن جمعت القدمَ نفسَهَا قُلتَ: الأَخَامص، مثلُ الأفضل والأفاضل؛ إجراءً له مُجرَى الأسماء، فإن لَمْ يكن بالقدم خَمَصٌ، فهي رَحَّاءُ - براء وحاء مشدّدة مهملتين، وبالمدّ. انتهى (٢). وقوله: (جَمْرَتَانِ) قال الفيّوميّ ﵀: جَمْرة النار: القِطعة الْمُلْتَهِبة، والجمعُ جَمْرٌ، مثلُ تمرة وتمر، وجمع الجمرة جَمَرَات، وجِمَار. انتهى (٣). وقوله: (يَغْلِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه: مضارع غَلا، يقال: غَلَتِ القِدرُ غَلْيًا، من باب ضرب، وغَلَيَانًا أيضًا، قال الفرّاء: إذا كان الفعل في معنى الذهاب والمجيء مضطربًا، فلا تهابنّ في مصدره الْفَعَلانَ، وفي لغة: تَغْلَى، من باب تَعِب، قال أبو الأسود الدُّؤليّ: وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ الْقَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ … وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ والأولى هي الفُصحى، وبها جاء الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)﴾ [الدخان: ٤٥]، ويتعدّى بالهمز، فيقال: أغليتُ الزيتَ ونحوه إغلاءً، فهو مُغْلًى، أفاده الفيّوميّ (٤). وقوله: (مِنْهُمَا دِمَاغُهُ) أي من الجمرتين، و"الدِّمَاغ" بالكسر، كالكتاب:

стр. 3122

مُخُّ الرأس، أو أُمُّ الْهَام، أو أُمُّ الرأس، أو أُمُّ الدِّمَاغ: جُلَيْدة رَقيقةٌ، كخريطة هو فيها، جمعه أَدْمِغَةٌ، قاله المجد ﵀ (١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٧/ ٥٢٢ و ٥٢٣] (٢١٣)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٥٦١ و ٦٥٦٢)، و (الترمذيّ) في "صفة جهنّم" (٢٦٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٥٢٩ و ١٧٩٢٣ و ١٧٩٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨٦ و ٢٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٧)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٥٨٠ - ٥٨١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، مَنْ لَهُ نَعْلَان، وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَى أَن أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّم الثلاثة الأولون قبل باب، والباقيان في السند الماضي. وقوله: (نَعْلَانِ) تثنية نَعْل: وهي الْحِذَاء، وهي مؤنّثةٌ، والجمع أَنْعُل، ونِعَال، مثلُ سَهْم، وأَسْهُم، وسِهَام (٢). وقوله: (وَشِرَاكَانِ) تثنية شِراك، بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء، قال الفيّوميّ: شِرَاكُ النعل: سَيْرُها الذي على ظهر القدم. انتهى (٣).

стр. 3123

وقوله: (كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ) وفي رواية البخاريّ: "كما يَغْلِي الْمِرْجَل بالقُمْقُم". و"الْمِرْجَل" - بكسر الميم، وبسكون الراء، وفتح الجيم، بعدها لام -: قِدْرٌ من نُحَاس، ويقال أيضًا لكل إناء يُغْلَى فيه الماءُ من أَيّ صِنْفٍ كان. و"الْقُمْقُم" - بضم القافين، وسكون الميم الأولى -: معروف من آنية العَطّار، ويقال: هو إناءٌ ضَيّق الرأس، يُسَخَّنُ فيه الماء، يكون من نُحَاس وغيره، فارسيٌّ، ويقال: رُوميّ، وهو مُعَرَّب، وقد يؤنث، فيقال: قُمْقُمَةٌ. قال ابن التين ﵀: في هذا التركيب نظرٌ، وقال عياض ﵀: الصواب: كما يغلي الْمِرْجل، والقمقم، بواو العطف، لا بالباء، وجَوَّز غيره أن تكون الباء بمعنى "مع"، وقيل: "القُمْقُم": هو الْبُسْرُ، كانوا يُغْلُونه على النار؛ استعجالًا لنُضْجه، فإن ثبت هذا زال الإشكال. ووقع في رواية الإسماعيليّ: "كما يَغْلِي الْمِرْجَل، أو القمقم" بالشك. وقال ابن الأثير ﵀: كذا وقع: "كما يَغْلِي المرجل بالقمقم"، وفيه نظرٌ، ووقع في نسخة: "كما يَغْلِي المرجل والقمقم"، وهذا أوضِح إن ساعدته الرواية. انتهى. ذكره في "الفتح" (١)، وقوله: (وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا)، جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "يَرَى"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩٨) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَنْفَعُهُ عَمَلٌ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٤] (٢١٤) - (حَدَّثَنِي (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ

стр. 3124

غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ (١) نَافِعُهُ؟ قَالَ: "لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الحافظ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عُمَر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيه، تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (ت بعد ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥. ٥ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧. ٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق، أم المؤمنين ﵄ (ت ٥٧) (ع) تقدّمت في شرح "المقدّمة" ج ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وداود علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير عائشة ﵄، فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: داود، عن الشعبيّ، عن مسروق.

стр. 3125

٥ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ جُدْعَانَ) هو: عبد الله بن جُدْعان - بضم الجيم، وإسكان الدال المهملة، وبالعين المهملة - كان كثيرَ الإطعام، وكان اتّخَذ للضِّيفان جَفْنةً، يُرْقَى إليها بِسُلَّم، وكان من بني تيم بن مُرّة أقرباء عائشة ﵂، وكان من رؤساء قريش (١)، (كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في الأيّام التي قبل بعثة النبيّ ﷺ ، سُمُّوا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم (يَصِلُ الرَّحِمَ) معنى صِلَة الرحم هو الإحسان إلى الأقارب، وقد تقدّم بيانها، وقوله: (وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" من طريق عُبيد بن عُمير، عن عائشة ﵂: "قالت: قلت للنبيّ ﷺ : إن عبد الله بن جُدعان كا في الجاهليّة يَقري الضيف، وَيَصِل الرحم، وَيفُكّ العاني، ويحسن الجِوَار، فأثنيتُ عليه، هل نفعه ذلك؟ ". (فَهَلْ ذَاكَ) وفي نسخة: "فهل ذلك" (نَافِعُهُ؟) أي فهل ينتفع بثواب هذا العمل؛ لأنه من أعمال الخيرات التي وعد الله تعالى عباده أن يُثيبهم عليها (قَالَ) ﷺ ("لَا يَنْفَعُهُ) أي لا يثاب على هذا العمل، ثم ذكر علّة عدم انتفاعه به، فقال: (إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في الابتداء، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدَّر، والتقدير هنا: لِمَ لا ينفعه؟، فأجاب بقوله: "إنه لَمْ يقل … إلخ". (يَوْمًا) أي وقتًا من أوقات عمره، والمراد هنا آخر لحظة من حياته، ثم مات عليه؛ لأن ما حصل قبل ذلك لا ينفع أيضًا إذا لَمْ يستمرّ عليه حتى الموت (رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ") أي لَمْ يكن مُصَدِّقًا بالبعث، ومَن لَمْ يُصَدِّق به كافرٌ، والكافر لا ينفعه أيُّ عمل من أعمال البرّ؛ لإحباطه بكفره، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].

стр. 3126

وقال القرطبيّ ﵀: معنى قولها: "هل ذلك نافعه؟ " أي: هل ذلك مُخلِّصه من عذاب الله الْمُسْتَحَقِّ بالكفر؟، فأجابها بنفي ذلك، وعلّله بأنه لَمْ يؤمن، وعَبّر عن الإيمان ببعض ما يدُلّ عليه، وهو قوله: "لَمْ يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: معنى هذا الحديث أن ما كان يفعله من الصِّلة، والإطعام، ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة؛ لكونه كافرًا، وهو معنى قوله ﷺ : "لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". وقال القاضي عياض ﵀: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشدُّ عذابًا مَن بعض، بحسب جرائمهم. انتهى. وذكر الإمام الفقيه الحافظ أبو بكر البيهقيّ ﵀ في كتابه "البعث والنشور" نحو هذا عن بعض أهل العلم والنظر، قال البيهقيّ: وقد يجوز أن يكون حديث ابن جُدْعان، وما ورد من الآياتِ والأخبار في بطلان خيرات الكافر، إذا مات على الكفر، وَرَدَ في أنه لا يكون لها مَوْقِعُ التخلص من النار، وإدخال الجَنَّة، ولكن يُخَفَّف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر، بما فعل من الخيرات. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٨/ ٥٢٤] (٢١٤)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٢١)، و (ابن ماجة) في "الزهد" (٤٢٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٩٣ و ١٣٤ و ١٠١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٠ و ٣٣١)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٢/ ٣٥٢ و ٤٠٥)، و (أبو

стр. 3127

عوانة) في "مسنده" (٢٩٠ و ٢٩١ و ٢٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من مات على الكفر، لا ينفعه ما عمله من وجوه الخير. ٢ - (ومنها): بيان فضل الإيمان، وأنه هو الركن الأساسيّ لقبول أعمال العباد. ٣ - (ومنها): بيان شؤم الكفر، وأنه من مُحبطات الأعمال الصالحات. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: يُقتبس من قوله ﷺ : "لم يقل: رب اغفر لي … إلخ"، أن كلَّ لفظ يدلّ على الدخول في الإسلام اكتُفي به، ولا يلزم من أراد الدخول في الإسلام صيغة مخصوصة، مثلُ كلمتي الشهادة، بل أيّ شيء دلّ على صحّة إيمانه، ومجانبة ما كان عليه، اكتُفي به في الدخول في الإسلام، ولا بدّ له مع ذلك من النطق بكلمتي الشهادة، فإن النطق بهما واجب مرّةً في العمر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال، ولكن فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه إن أراد لمن لَمْ يتمكّن من النطق بالشهادتين في الحال، فمسلّم، وإلا فلا بدّ من النطق؛ لقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله … " الحديث، وكذا قوله: مرّة في العمر، غير صحيح، بل كلام باطلٌ، كيف يُتصوّر أن يكون المسلم لا يتلفّظ في عمره إلَّا مرّة واحدة؟ إلا يُصلي الصلوات الخمس، وفيها الشهادتان، وغيرهما من أذكار التوحيد، ألا يؤذّن لها؟ إن هذا لشيء عجيب!!!. ٥ - (ومنها): أن مسألة عدم انتفاع الكافر بعمله في الآخرة، وعدم قبولهما منهم، متّفقٌ عليها، فقد دلّ الكتاب والسنّة، والإجماع على ذلك، قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وأخرج المصنّف عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً، يُعْطَى بها في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطْعَم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى

стр. 3128

الآخرة لَمْ تكن له حسنة يُجزَى بها" (١). وأما مسألة تخفيف العذاب عنهم، فقد نفاه بعض أهل العلم، كالقاضي عياض، كما يظهر من كلامه في "الإكمال"، فقال ما ملخّصه: إن القول: بأنه تخفيف إنما هو بالنسبة لمن هو أشدّ منه عذابًا، لا تخفيف عن"الكافر مما يستحقّه على الكفر، لكن لَمْ يوافقه عليه غيره. قال البيهقيّ ﵀: ما ورد من الآياتِ والأخبار في بطلان خيرات من مات على الكفر إنما ورد في أنَّها لا تنفعهم في النجاة من النار، ولا في دخول الجنّة، ويجوز أن يُخفّف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات. وذكر الحافظ أن كلام القاضي لا يردّ كلام البيهقيّ، ثم قال: فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلّق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر في المانع من تخفيفه؟. وقال القرطبيّ ﵀: هذا خاصّ بمن ورد فيه النصّ. وقال ابن المنيّر ﵀: هنا قضيّتان: [إحداهما]: محال، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر. [الثانية]: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضّلًا من الله تعالى، وهذا لا يُحيله العقل، والمتّبع في ذلك التوقيف نفيًا وإثباتًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنيّر ﵀ حسن جدًّا، وهو معنى ما قاله القرطبيّ ﵀. وحاصله: أن تخفيف العذاب الوارد في هذه النصوص مقصور على من ورد فيهم، ولا يُتجاوز إلى غيرهم، وأن المراد به تخفيف عذاب غير الكفر، وهو ما قاله البيهقيّ، وحَمَلَ عليه الحافظ قول القاضي عياض، وبهذا تتّفق الأقوال، ويرتفع الخلاف - بحمد الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 3129

(٩٩) - (بَابُ مُوَالاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُقَاطَعَةِ غَيْرِهِمْ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٥] (٢١٥) - (حَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جِهَارًا، غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ. "أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعْنِي فُلَانًا - لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ (١)، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيبانيّ المروزيّ، أبو عبد الله نزيل بغداد الإمام المجتهد الحافظ الورع، رأس الطبقة [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو المعروف بغندر، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٩. ٥ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت بعد ٩٠) أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٥. ٦ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل السَّهْميّ الصحابيّ المشهور، أسلم عام الْحُديبية، ووليَ إمرة مصر مرّتين، وهو الذي افتتحها، مات بمصر سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨، والله تعالى أعلم.

стр. 3130

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم. ٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ ﵀ في "الفتح": لَمْ أَرَ هذا الحديث عند أحد من أصحاب شعبة إلَّا عند محمد جعفر غندر، إلَّا ما أخرجه الإسماعيليّ من رواية وهب بن حفص، عن عبد الملك بن إبراهيم الْجُدّيّ، عن شعبة، ووهبُ بن حفص كَذَّبُوهُ. انتهى (١). ٥ - (ومنها): أن قيس بن أبي حازم هذا هو الذي اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين بالجنّة، ولا يُشاركه في ذلك أحدٌ من التابعين، وأخطأ أبو عبد الله الحاكم في عدّه معه سعيد بن المسيّب، وغيره، كما أشار إلى ذنك السيوطي ﵀ في "ألفيّة الحديث" عند ذكره طبقات التابعين، بقوله: وَالتَّابِعُونَ طَبَقَات عَشَرَهْ … مَعْ خَمْسَةٍ أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ ٦ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": ليس لقيس بن أبي حازم في "الصحيحين" عن عمرو بن العاص ﵁ غير هذا الحديث، ولعمرو في "الصحيحين" حديثان آخران: حديث: "أَيُّ الرجال أحب إليك؟ … "، وحديث: "إذا اجتهد الحاكم … "، وله حديث آخر مُعَلَّق عند البخاريّ في "المبحث النبويّ"، وآخر في "كتاب التيمّم"، وعند مسلم حديث آخر في السحور، وهذا جميع ما له عندهما من الأحايث المرفوعة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) وفي رواية البخاريّ: "أن عمرو بن العاص قال"

стр. 3131

ووقع في رواية بيان بن بِشْرٍ، عن قيس: "سمعتُ عمرو بن العاص" (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جِهَارًا) يَحْتَمِل أن يَتَعَلَّق بالمفعول، أي كان المسموع في حالة الجهر، ويَحْتَمِل أن يتعلق بالفاعل، أي أقول ذلك جهارًا، وقوله: (غَيْرَ سِرٍّ) تأكيد لذلك؛ لدفع توَهُّم أنه جَهَرَ به مرّةً، وأخفاه أخرى، والمراد أنه لَمْ يقل ذلك خُفْيَةً، بل جَهَر به، وأشاعه (يَقُولُ: "أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعْنِي فُلَانًا) قال النوويّ ﵀: هذه الكناية بقوله: "يعني فلانًا" هي من بعض الرواة، خَشِيَ أن يُسَمِّيه، فيترتب عليه مفسدة وفتنة، إما في حقّ نفسه، وإما في حقّه، وحقّ غيره، فكَنَى عنه، والغرض إنما هو قوله ﷺ : "إنما وليّي الله، وصالح المؤمنين"، قال القاضي عياض ﵀: قيل: إن الْمَكْنِيَّ عنه ها هنا هو الحكم بن أبي العاص، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال ابن التين ﵀: حُذفت التسمية؛ لئلا يتأذى بذلك المسلمون من أبنائهم (١). ووقع عند البخاريّ بلفظ: "إنّ آل أبي" دون ذكر ما يُضاف إليه أصلًا، قال في "الفتح": كذا للأكثر بحذف ما يضاف إلى أداة الكنية، وأثبته المستملي في روايته، لكن كَنَى عنه، فقال: "آل أبي فلان"، وكذا هو في روايتي مسلم، والإسماعيليّ. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إلا إن آل أبي فلان"، كذا وقع للسمرقنديّ، ولغيره: "إلا إن آل أبي - يعني: فلانًا"، وفي رواية "فُلانٍ" على الحكاية، وهذا كناية عن قوم معيّنين، كَرِهَ الراوي تسميتهم؛ لما يخاف مما يقع في نفوس ذراريّهم، وقيل: إن المكنيّ عنه هو الحكم بن أبي العاصي. انتهى. وقال أيضًا: وقد وقع في أصل كتاب مسلم موضعَ "فلان" أبيض، لَمْ يُكتب عليه شيءٌ، بياضٌ، ثم كَتَبَ بعضُ الناس فيه "فلان" على سبيل الإصلاح، و"فلان" كناية عن اسمٍ عَلَمٍ، ولهذا وقع لبعض رواته: "إن آل أبي - يعني فلان -"، ولبعضهم: "إن آل أبي فلان" بالجزم. انتهى (٢).

стр. 3132

[تنبيه]: قال الإمام البخاريّ ﵀ عند قوله: "إن آل أبي" ما نصّه: "قال عمرو: في كتاب محمد بن جعفر بياض". انتهى. قال في "الفتح": قوله: "قال عمرو" هو ابن عباس، شيخ البخاريّ فيه، قوله: "في كتاب محمد بن جعفر" أي غندر، شيخ عمرو فيه، قوله: "بياض"، قال عبد الحق في كتاب"الجمع بين الصحيحين": إن الصواب في ضبط هذه الكلمة بالرفع، أي وقع في كتاب محمد بن جعفر موضع أبيض، يعني: بغير كتابة، وفَهِمَ منه بعضهم، أنه الاسم المكنيّ عنه في الرواية، فقرأه بالجرّ، على أنه في كتاب محمد بن جعفر: "إن آل أبي بياض"، وهو فَهْمٌ سَيِّيءٌ ممن فَهِمه؛ لأنه لا يُعْرَف في العرب قبيلة، يقال لها: آل أبي بياض، فضلًا عن قريش، وسياق الحديث مُشْعِرٌ بأنهم من قبيلة النبيّ ﷺ ، وهي قريشٌ، بل فيه إشعار بأنهم أخصّ من ذلك؛ لقوله: "إن لهم رَحِمًا"، وأبعد مَن حَمَله علي بني بياضة، وهم بطن من الأنصار؛ لما فيه من التغيير، أو الترخيم على رأي، ولا يناسب السياقَ أيضًا. وقال عياض: إن المكنيّ عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص. وقال ابن دقيق العيد: كذا وقع مبهمًا في السياق، وحمله بعضهم على بني أمية، ولا يستقيم مع قوله: "آل أبي"، فلو كان آل بني لأمكن، ولا يصحّ تقدير آل أبي العاص؛ لأنهم أخصّ من بني أمية، والعامّ لا يُفَسَّر بالخاص. قال الحافظ: لعل مراد القائل أنه أطلق العام، وأراد الخاص، وقد وقع في رواية وهب بن حفص التي أشرت إليها أن آل بني، لكن وهبٌ لا يعتمد عليه (١). وجزم الدمياطيّ في "حواشيه" بأنه آل أبي العاص بن أمية، ثم قال ابن دقيق العيد: إنه رأى في كلام ابن العربيّ في هذا شيئًا يُراجَعُ منه. قال الحافظ: قال أبو بكر بن العربيّ في "سراج المريدين": كان في أصل حديث عمرو بن العاص: "إن آل أبي طالب"، فغُيِّر "آل أبي فلان"، كذا جَزَم به، وتعقّبه بعض الناس، وبالغ في التشنيع عليه، ونسبه إلى التحامل على

стр. 3133

آل أبي طالب، ولم يُصِبْ هذا المنكِر، فإن هذه الرواية التي أشار إليها ابن العربيّ موجودة في "مستخرج أبي نعيم"، من طريق الفضل بن الموفَّق، عن عنبسة بن عبد الواحد، بسند البخاريّ عن بيان بن بِشْر، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص، رفعه: "إن لبني أبي طالب رَحِمًا أَبُلُّها ببلالها"، وقد أخرجه الإسماعيليّ من هذا الوجه أيضًا، لكن أبهم لفظ "طالب"، وكأن الحامل لمن أبهم هذا الموضع ظَنُّهم أن ذلك يقتضي نقصًا في آل أبي طالب، وليس كما توهموه، كما سأوضحه إن شاء الله تعالى. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمْلُه على آل أبي طالب، كما يراه الحافظ عندي محلّ نظر؛ إذ الدليل الذي استدلّ به عليه ليس واضحًا في هذا، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (لَيْسُوا لِي بِأَوْليَاءَ) كذا معظم النسخ، وفي بعض النسخ: "ليسوا بأوليائي" بحذف لفظة "لي"، وإضافة "أولياء" لياء المتكلّم، وكذا وقع عند البخاريّ، قال في "الفتح": قوله: "ليسوا بأوليائي" كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذرّ "بأولياءَ"، فنقل ابن التين، عن الداوديّ: أن المراد بهذا النفي مَن لَمْ يُسْلِم منهم، أي فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، والمنفي على هَذا المجموع، لا الجميع، وقال الخطابيّ: الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص، لا ولاية الدين، ورجّح ابن التين الأول، وهو الراجح، فإن مِن جملة آل أبي طالب عليًّا، وجعفرًا، وهما من أخصّ الناس بالنبيّ ﷺ لما لهما من السابقة، والقَدَم في الإسلام، ونصر الدين. [تنبيه]: قد استَشْكَل بعضُ الناس صحة هذا الحديث؛ لما نُسِبَ إلى بعض رواته من النصب، وهو الانحراف عن عليّ، وآل بيته. قال الحافظ ﵀: أما قيس بن أبي حازم، فقال يعقوب بن شيبة: تكلَّم أصحابنا في قيس، فمنهم من رَفَع قدره، وعَظَّمه، وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد، حتى قال ابن معين: هو أوثق من الزهريّ، ومنهم مَن حَمَلَ عليه،

стр. 3134

وقال: له أحاديث مناكير، وأجاب من أطراه بأنها غرائب، وإفراده (١) لا يقدح فيه. ومنهم: مَن حَمَل عليه في مذهبه، وقال: كان يَحْمِل على عليّ، ولذلك تَجَنَّب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين، وأجاب مَن أطراه بأنه كان يُقَدِّم عثمان على عليّ فقط. والمعتمد عليه أنه ثقةٌ ثبتٌ، مقبول الرواية، وهو من كبار التابعين، سَمِعَ من أبي بكر الصديق، فمن دونه، وقد رَوَى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بِشْر، وهما كوفيان، ولم يُنْسَبا إلى النَّصْب، لكن الراوي عن بيان، وهو عنبسة بن عبد الواحد أُمويّ، قد نُسِب إلى شيء من النَّصْب. وأما عمرو بن العاص ﵁، وإن كان بينه وبين عليّ ما كان، فحاشاه أن يُتَّهَمَ. وللحديث مَحْمِلٌ صحيحٌ، لا يستلزم نقصًا في مؤمني آل أبي طالب، وهو أن المراد بالنفي المجموع، كما تقدم. وَيَحْتَمِل أن يكون المراد بآل أبي طالب، أبو طالب نفسه، وهو إطلاق سائغ، كقوله في أبي موسى ﵁: "إنه أُوتي مِزمارًا من مزامير آل داود ﵇"، وقوله ﷺ : "آل أبي أوفى"، وخَصَّه بالذكر مبالغةً في الانتفاء، ممن لَمْ يُسْلِم؛ لكونه عمَّه وشقيقَ أبيه، وكان الْقَيِّم بأمره ونصره وحمايته، ومع ذلك فلما لَمْ يتابعه على دينه، انتفى من موالاته. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أسلفت آنفًا أن حمله على آل أبي طالب ليس عليه دليلٌ واضح، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (إِنَّمَا) وفي نسخة: "وإنما" بالواو (وَلِيِّيَ اللهُ، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ") هكذا وقع بإفراد "صالح"، هنا، وعند البخاريّ، والمراد به معنى الجمع؛ لأنه مفرد مضافٌ، فيعُمّ، وقال في "الفتح": كذا للأكثر بالإفراد، وإرادة الجماعة، وهو اسم جنس، ووقع في رواية الْبَرْقانيّ: "وصالحو المؤمنين" بصيغة الجمع، وقد

стр. 3135

أجاز بعض المفسرين أن الآية التي في التحريم كانت في الأصل: "فإن الله هو مولاه، وجبريل وصالحو المؤمنين" لكن حُذِفت الواو من الخطّ على وفق النطق، وهو مثل قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٨]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]. وقال النوويّ ﵀: معناه: إنما وَليّي مَن كان صالحًا، وإن بَعُدَ نسبه مني، وليس وَلِيِّي مَن كان غير صالح، وإن كان نسبه قريبًا منّي. انتهى (١). وقد وقع في شرح "المشكاة": المعنى: أني لا أُوالي أحدًا بالقرابة، وإنما أحبّ الله تعالى لما له من الحقّ الواجب على العباد، وأحبُّ صالح المؤمنين؛ لوجه الله تعالى، وأُوالي مَن أوالي بالإيمان والصلاح، سواء كان مِن ذوي رَحِم أو لا، ولكن أَرْعَى لذوي الرحم حقَّهم صلة الرحم. انتهى، قال الحافظ ﵀: وهو كلام مُنَقَّح. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن العاص ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٩/ ٥٢٥] (٢١٥)، و (البخاريّ) في "الأدب" (٥٩٩٠)، وزاد البخاريّ تعليقًا: "ولكن لهم رَحِمٌ، أَبُلّها ببَلالها"، ووصله أبو عوانة، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٧٦ و ٢٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب موالاة المؤمنين، ومقاطعة غيرهم، والبراءة منهم. ٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: دلّ الحديث على أن الولاية في الإسلام إنما هي بالموافقة فيه بخصال الديانة، وزمام الشريعة، لا بامتشاج

стр. 3136

النسب، وشُجْنة الرحم. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: فائدة الحديث انقطاعُ الولاية في الدين بين المسلم والكافر، ولو كان قريبًا حميمًا. وهذا الذي قالاه أصل عظيم من أصول الدين، وهو من لوازم كلمة التوحيد، وهو المعبَّر عنه بالولاء والبراء، أو الموالاة والمعاداة في الله ، وأصل الموالاة المحبّة والقرب، وأصل المعاداة البغض والبعد، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح أمورٌ كثيرة من صميم هذا الدين، كالنصرة، والأنس، والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، والإكرام، والاحترام، والكُرْه، والعداوة، فيجب على المؤمن محبّة الله، ورُسُله، وأتباعهم، وبغض أعداء الله، وأعداء الرسل، وأتباعهم، وقد تجتمع في المؤمن أسباب المحبّة والبغض بقدر ما فيه من خصال الخير والشرّ. ومُسمّى الموالاة لأعداء الله تعالى يقع على شُعب كثيرة متفاوتة الأحكام، فمنها ما يوجب الرّدّةَ، وذهاب الإسلام بالكلّيّة، ومنها ما دون ذلك، من الكبائر والمحرّمات، وكذا معاداة المؤمنين المستقيمين على دين الله تعالى. وقد دلّ على هذا الأصل العظيم الكتاب، والسنّة، والإجماع، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ الآية [المجادلة: ٢٠ - ٢٢]، وقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ الآية [آل عمران: ٢٨]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي

стр. 3137

وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. فليبادر من ابتُلي بمخالفة هذه النصوص، بأن والى أعداء الله، أو عادى أولياء الله بالتوبة النصوح؛ إذ هي تَجُبّ ما قبلها، وقد قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال النبيّ ﷺ : "التائب من الذَّنْب كمن لا ذنب له"، حديث حسنٌ (١). ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: أوجب في هذا الحديث الولايةَ بالدين، ونفاها عن أهل رَحِمِه إن لَمْ يكونوا من أهل دينه، فَدَلّ ذلك على أن النسب يحتاج إلى الولاية التي يقع بها الموارثة بين المتناسبين، وأن الأقارب إذا لَمْ يكونوا على دين واحد لَمْ يكن بينهم توارث، ولا ولاية. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ﵀ أيضًا: أنه يستفاد منه أن الرحم المأمور بصلتها، والمتوعَّدَ على قطعها هي التي شُرع لها ذلك، فأما مَن أُمِر بقطعه من أجل الدين، فَيُسْتَثنَى من ذلك، ولا يُلْحَق بالوعيد مَن قطعه؛ لأنه قَطَع من أمر الله بقطعه، لكن لو وُصِلوا بما يُباح من أمر الدنيا لكان فضلًا، كما دعا ﷺ لقريش بعد أن كانوا كَذَّبوه، فدعا عليهم بالقحط، ثم استَشْفَعُوا به، فَرَقَّ لهم لَمّا سألوه بِرَحِمهم، فَرَحِمَهم، ودعا لهم. انتهى. قال الحافظ: ويُتعَقَّب كلامه في موضعين: [أحدهما]: يشاركه فيه كلام غيره، وهو قصره النفي على مَن ليس على الدين، وظاهر الحديث أن مَن كان غير صالح في أعمال الدين، دخل في النفي أيضًا؛ لتقييده الولاية بقوله: "وصالحُ المؤمنين".

стр. 3138

[والثاني]: أن صلة الرحم الكافر ينبغي تقييدها بما إذا أَيِسَ منه رجوعًا عن الكفر، أو رَجَا أن يَخرُج من صلبه مسلمٌ، كما في الصورة التي استَدَلّ بها، وهي دعاء النبيّ ﷺ لقريش بالْخِصْب، وعَلَّل بنحو ذلك، فيَحتاج مَن يترخص في حلة رحمه الكافر، أن يَقْصِد إلى شيء من ذلك، وأما من كان على الدين، ولكنه مُقَصِّرٌ في الأعمال مثلًا، فلا يشارك الكافر في ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تعقّبٌ جيِّد، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن في قوله: "جِهَارًا": أي علانيةً، لَمْ يُخفِه، بل باح به، وأظهره، وأشاعه، مشروعيّةَ الإعلان بالتبرُّؤِ من المخالفين، وبموالاة الصالحين، لكن إن لَمْ يَخَف ترتُّبَ فتنة عليه. ٦ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة، ورواة الحديحث من الستر على المجروح، والتكنية عنه؛ دفعًا للمفاسد المترتّبة على التصريح به، إما منه، أو من أحد أقاربه، وهذا كلّه إذا لَمْ يترتّب مفسدة في عدم ذكره، وإلا فالواجب إظهاره، والتصريح به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤]: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: [أحدها]: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم، عن قتادة، وأخرجه الطبريّ، وذكره ابن أبي حاتم عن سفيان الثوريّ، وأخرجه النقاش عن العلاء بن زياد. [الثاني]: الصحابة ﵃، أخرجه ابن أبي حاتم عن السديّ، ونحوه في "تفسير الكلبيّ"، قال: هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وأشباههم، ممن ليس بمنافق. [الثالث]: خيار المؤمنين، أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك. [الرابع]: أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن البصريّ.

стр. 3139

[الخامس]: أبو بكر، وعمر ﵄، أخرجه الطبريّ، وابن مردويه عن ابن مسعود، مرفوعًا، وسنده ضعيف، وأخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم عن الضحاك أيضًا، وكذا هو في تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفيّ، أحدِ الضعفاء بسنده، عن ابن عباس، موقوفًا، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر ضعيفٍ عنه كذلك، قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن بُريدة، ومقاتل بن حيان كذلك. [السادس]: أبو بكر ﵁ خاصةً، ذكره القرطبيّ عن المسيب بن شريك. [السابع]: عمر ﵁ خاصةً، أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبريّ بسند ضعيف، عن مجاهد، وأخرجه ابن مردويه بسند وَاهٍ جدًّا عن ابن عباس. [الثامن]: عليٌّ ﵁، أخرجه ابن أبي حاتم، بسند منقطع، عن عليّ نفسه مرفوعًا، وأخرجه الطبريّ بسند ضعيف عن مجاهد، قال: هو عليّ، وأخرجه ابن مردويه بسندين ضعيفين، من حديث أسماء بنت عُمي مس مرفوعًا، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صالح المؤمنين عليّ بن أبي طالب"، ومن طريق أبي مالك، عن ابن عباس مثله موقوفًا، وفي سنده رَاوٍ ضعيف، وذكره النقاش عن ابن عباس، ومحمد بن عليّ الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق. قال الحافظ: فإن ثبت هذا، ففيه دفع تَوَهُّم مَن تَوَهَّم أن في الحديث المرفوع نقصًا من قدر عليّ ﵁، ويكون المنفيّ أبا طالب، ومن مات من آله كافرًا، والْمُثْبَتُ مَن كان منهم مؤمنًا، وخُصَّ عليّ بالذكر؛ لكونه رأسهم، وأشير بلفظ الحديث إلى لفظ الآية المذكورة، ونَصّ فيها على عليّ تنويهًا بقدره، ودفعًا لظن مَن يَتَوَهَّم عليه في الحديث المذكور غَضَاضةً، ولو تفطّن مَن كَنَى عن أبي طالب لذلك لاستغنى عما صَنَعَ. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 3140

(١٠٠) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ زُمْرَةٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أَولَ الكتاب قال: [٥٢٦] (٢١٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٌ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ"، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْجُمَحِيُّ) هو: عبد الرَّحمن بن سلام - بتشديد اللام - بن عبيد الله بن سالم، ويقال: ابن سلّام الْجُمَحيّ، أبو حرب البصريّ، مولى قُدَامة بن مظعون، وهو أخو محمد بن سلّام الْجُمَحيّ، صاحب الأَخبار، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن إبراهيم بن طَهْمان، والربيع بن مسلم، وحماد بن سلمة، وفضيل بن عياض، ومُبارَك بن فَضَالة، والدّراورديّ، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وإبراهيم بن هاشم البغويّ، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن غالب تَمْتام، والحسن بن أحمد بن حبيب الْكِرمانيّ، وأبو خَليفة، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وحَكَى الحاكم في "تاريخه"، قال: سئل صالح بن محمد - يعني جَزَرَة - عن عبد الرَّحمن، ومحمد ابني سلّام الْجُمَحيَّين، فقال: صدوقان، ورأيت يحيى بن معين يختلف إليهما، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين تقريبًا، وقال موسى بن هارون: مات سنة (٣١).

стр. 3141

تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا (١). [تنبيه]: قوله: "الْجُمَحيّ" - بضم الجيم، وفتح الميم، بعدها حاء مهملة -: نسبة إلى بني جُمَح بطنٌ من قريش، قاله في "اللبّ" (٢). ٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن محمد بن زياد القرشيّ، والحسن البصريّ، والْخَصِيب بن جَحْدر، وغيرهم. ورَوى عنه ابن مهديّ، والقطان، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسيّ، وخالد بن الحارث، وابن ابنه عبد الرَّحمن بن بكر بن الربيع، وعبد الرَّحمن بن سلّام الْجُمَحيّ، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، وعِدّة. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: هو أروى الناس عن محمد بن زياد، ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة (١٦٧). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زَيادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما سبق بيانه غير مرّة.

стр. 3142

٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه من أفراده، لَمْ يرو عنه غيره من أصحاب الكتب الستّة. ٤ - (ومنها): أن شيخه، والربيع بن مسلم هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد عرفت أن لهما فيه (١٢) وكلّها أخرجها المصنّف عن عبد الرَّحمن بن سلّام، عن الربيع، إلَّا حديثًا واحدًا، فرواه عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون، عن الربيع. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وشرح الحديث يأتي بعد حديث، وإنما أخّرته إلى هناك؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قريبًا، فمحمد بن بشّار المعروف ببندار تقدّم قبل بابين، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر، وشعبة تقدّما في الباب الماضي، والباقيان في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ) يعني أن حديث شعبة مثل حديث الربيع بن مسلم الماضي. [تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها هنا أخرجها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٨٢)، فقال: (٥٢٠) حدثناه أبو محمد بن حيان، ثنا أبو يعلى، نا عبد الرَّحمن بن سلام (ع)، وحدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن، نا عبد الله بن

стр. 3143

أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا غندر، محمد بن جعفر، ثنا شعبة (ح)، وحدثنا أبو عمرو، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا بندار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، سمعت محمد بن زياد يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجَنَّة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب"، قال: فقال عكاشة: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "اللهم اجعله منهم"، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "سبقك بها عكاشة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٨] ( … ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ مِنْ أمَّتِي زُمْرَة، هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْه، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ"، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنصَار، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظ عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبت، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب

стр. 3144

الزهريّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ الإمام الحجة الفقيه المثبت، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ مات سنة (٧ أو ٨ أو ٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيِّب. ٥ - (ومنها): أن ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير مرّة. ٦ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁: ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، عنه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن كسر يائه أولى من فتحها (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (حَدَّثَهُ، قَالَ) هذا بيان لقوله: "حدّثه" (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي) وفي الرواية التالية: "يدخل الجنّة من أمتي" (زُمْرَةٌ) - بضمّ الزاي، وسكون الميم -: أي جماعة، وفي الرواية التالية: "زُمرة واحدة"، وفي حديث سهل بن سعد ﵁ الآتي: "متماسكون آخذٌ بعضهم بعضًا، لا يدخل أوّلهم حتى يدخل آخرهم"، ثم بيّن عدد هؤلاء الزمرة بقوله: (هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ) أي تُشرِق (وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ

стр. 3145

الْقَمَرِ) أي مثل إشراقه، وفي الرواية التالية: "على سورة القمر"، قال القرطبيّ: المراد بالصورة الصفة، يعني أنهم في إشراق وجوهم على صفة القمر الَيْلَةَ الْبَدْرِ") أي في ليلة تمام نوره، وهي ليلة اليوم الرابع عشر. وسيأتي وصفهم بأنهم: "الذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكّلون". (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَقَامَ عُكَّاشَةُ) - بضم العين، وتشديد الكاف، وتخفيفها - لغتان مشهورتان، ذكرهما جماعات، منهم ثعلبٌ، والجوهريّ، وآخرون، قال الجوهريّ: قال ثعلبٌ: هو مُشَدَّدٌ، وقد يُخَفَّف، وقال صاحب "المطالع": التشديد أكثر، ولم يذكر القاضي عياض التشديد، ذكره النوويّ. وقال في "الفتح": قوله: "عكاشة" - بضم المهملة، وتشديد الكاف، ويجوز تخفيفها - يقال: عَكِشَ الشعرُ يَعْكَش، من باب فَرِحَ: إذا الْتَوَي، وتلبّدَ، حكاه القرطبيّ، وحَكَى السهيليّ أنه مِن عَكَش على القوم، من باب ضَرَبَ: إذا حَمَلَ عليهم، وقيل: العُكَاشة بالتخفيف: العنكبوت، ويقال أيضًا لبيت النمل (١). (ابْنُ مِحْصَنٍ) - بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الصاد المهملتين، ثم نون آخره -. هو: عُكّاشة بن مِحْصَن بن حُرْثَان - بضمّ المهملة، وسكون الراء، بعدها مُثلّثةٌ - بن قيس بن مُرَارة بن بُكَير - بضمّ الموحدة - بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة الأسديّ، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان من أجمل الرجال، وكنيته أبو مِحْصن، وهاجر، وشهد بدرًا، وقاتل فيها، قال ابن إسحاق: بلغني أن النبيّ ﷺ قال: "خير فارس في العرب عُكَاشة"، وقال أيضًا: قاتل يوم بدر قتالًا شديدًا حتى انقطَعَ سيفه في يده، فأعطاه رسول الله ﷺ جزلًا من حَطَب، فقال: "قَاتِلْ بهذا"، فقاتل به، فصار في يده سيفًا طويلًا شديدَ المتن، أبيض، فقاتل به، حتى فتح الله، فكان ذلك السيف عنده حتى استُشْهِد في قتال الرِّدّة مع خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة،

стр. 3146

قَتله طُلَيحة بن خُويلد الذي تنبّأ (١). وقد ضُرِب به المثل، يقال للسابق في الأمر: سبقك بها عكاشة (٢)، والله تعالى أعلم. (الْأَسَدِيُّ) - بفتحتين -: نسبة إلى بني أسد بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس. [تنبيه]: قال ابن الأثير في "اللباب": "الأَسَديّ" بفتح الهمزة، والسين المهملة، بعدها الدال، هذه النسبة إلى أَسَد، وهو اسمُ عِدّة من القبائل، منهم أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ من قُريش، وإلى أسد بن خزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر نزار، وإلى أسد بن ربيعة بن نِزار، وفي الأَزْد بطنٌ يقال لهم: بنو أسَد محرَّك السين، وهو أَسَد بن شُرَيك - بضم الشين المعجمة - بن مالك بن عمرو بن مالك بن فَهْم، لهم خُطّةٌ بالبصرة، يقال لها: خُطّة بني أسد، وليست بالبصرة خُطّة لبني أسد بن خُزيمة. فمن أسد قريش: الزبيرُ بن العوّام بن خُويلد بن أسد، وحكيم بن حِزَام بن خُويلد، وخَدِيجة بنت خُويلد، وغيرهم، ومن أسد بن خزيمة: جابر بن قبيصة الأسديّ تابعيّ مشهور، وعكاشة بن مِحصن الأسديّ الصحابيّ ﵁. انتهى (٣). وقوله: (يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "عكاشة"، و"النَّمِرَة" - بفتح النون، وكسر الميم، بعدها راء -: كِسَاء من صوف، كالشملة، فيه خُطوط بِيضٌ وسُودٌ وحُمْرٌ، كأنها أُخِذت من جلد النَّمِر؛ لاشتراكهما في التلَوّن، وهي من مآزر الأعراب (٤). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ادْع اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ) أي من هؤلاء الذين وصفهم بأنهم يدخلون الجنّة على هذه الصفة الجليلة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ") وعند البيهقيّ من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة،

стр. 3147

قال: "فدعا"، ووقع في رواية حُصَين بن نُمَير، ومحمد بن فُضيل قال: "أَمِنْهُم أنا يا رسول الله؟ قال له: نعم"، ويُجمَع بأنه سأل الدعاء أَوّلًا، فدعا له، ثم لَمّا استفهم، قال له: أُجِبت. (ثُمَّ قَامَ رَجُل مِنَ الْأَنصَارِ) قال في "الفتح": وقع فيه من الاختلاف: هل قال: ادْعُ لي، أو قال: أمنهم أنا؟ كما وقع في الذي قبله، وجاء من طريق واهية، أنه سعد بن عُبادة، أخرجه الخطيب في "المبهمات" من طريق أبي حُذيفة إسحاق بن بشر البخاريّ، أحدِ الضعفاء من طريقين له عن مجاهد، أن رسول الله ﷺ لَمّا انصرف من غَزَاة بني الْمُصْطَلِق، فساق قصّة طويلة، وفيها أن النبيّ ﷺ قال: "أهل الجَنَّة عشرون ومائة صفّ، ثمانون صفًّا منها أمتي، وأربعون صفًّا سائر الأمم، ولي مع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجَنَّة بغير حساب، قيل: من هم؟ … " فذكر الحديث، وفيه فقال: "اللهم اجعل عكاشة منهم"، قال: فاستُشْهِد بعد ذلك، ثم قام سعد بن عبادة الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم … الحديث، وهذا مع ضعفه وإرساله يُسْتَبعَد من جهة جلالة سعد بن عبادة، فإن كان محفوظًا، فلعله آخر باسم سيد الخزرج، واسمِ أبيه ونسبته، فإن في الصحابة كذلك آخر له في "مسند بَقِيّ بن مَخْلَد" حديث، وفي الصحابة سعد بن عُمَارة الأنصاريّ، فلعل اسم أبيه تَحَرَّف. انتهى (١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ") قال في "الفتح": اتّفَقَ جمهور الرواة على هذا، إلَّا ما وقع عند ابن أبي شيبة، والبزّار، وأبي يعلى، من حديث أبي سعيد، فزاد: "فقام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم"، وقال في آخره: "سبقك بها عكاشة وصاحبه، أما لو قلتم لقلت، ولو قلت لوجبت"، وفي سنده عطية، وهو ضعيف. [تنبيه]: قد اختَلَفَت أجوبة العلماء في الحكمة في قوله ﷺ : "سبقك بها عكاشة"، فقال القاضي عياض ﵀: قيل: إن الرجل الثاني لَمْ يكن ممن

стр. 3148

يَستحقّ تلك المنزلة، ولا كان بصفة أهلها، بخلاف عكاشة، وقيل: بل كان منافقًا، فأجابه النبيّ ﷺ بكلام مُحْتَمِلٍ، ولم يَرَ ﷺ "التصريح له بأنك لست منهم؛ لما كان ﷺ من حسن العشرة، وقيل: قد يكون سبق عكاشة بوحي أنه يجاب فيه، ولم يَحصُل ذلك للآخر. قال النوويّ: وقد ذكر الخطيب البغداديّ في كتابه في الأسماء المبهمة، أنه يقال: إن هذا الرجل هو سعد بن عبادة ﵁، فإن صحّ هذا بَطَل قول من زعم أنه منافق، والأظهر المختار هو القول الأخير. انتهى (١). وقال في "الفتح": أخرج ابن الجوزيّ في "كشف المشكل" من طريق أبي عُمَر الزاهد أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب عن ذلك، فقال: كان منافقًا، وكذا نقله الدارقطنيّ عن القاضي أبي العباس الْبِرْتيّ - بكسر الموحدة، وسكون الراء، بعدها مثناة - فقال: كان الثاني منافقًا، وكان ﷺ لا يُسأل في شيء إلَّا أعطاه، فأجابه بذلك، ونَقَل ابن عبد البرّ عن بعض أهل العلم نحوَ قول ثعلب، وقال ابن ناصر: قول ثعلب أولى من رواية مجاهد؛ لأن سندها وَاهٍ، واستَبْعَد السهيلي قولَ ثعلب بما وقع في "مسند البزار" من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، فقام رجل من خيار المهاجرين، وسنده ضعيف جدًّا، مع كونه مخالفًا لرواية الصحيح أنه من الأنصار. وقال ابن بطال: معنى قوله: "سبقك": أي إلى إحراز هذه الصفات، وهي التوكل، وعدم التطير، وما ذُكر معه، عَدَلَ عن قوله: لستَ منهم، أو لست على أخلاقهم تَلَطُّفًا بأصحابه ﷺ ، وحسن أدبه معهم. وقال ابن الجوزيّ: يظهر لي أن الأول سأل عن صدقِ قلبٍ، فأُجيب، وأما الثاني فيَحْتَمِل أن يكون أريد به حسم المادّة، فلو قال للثاني: نعم، لأوشك أن يقوم ثالث، ورابع، إلى ما لا نهاية له، وليس كلُّ الناس يصلح لذلك. وقال القرطبيّْ لَمْ يكن عند الثاني من تلك الأحوال ما كان عند

стр. 3149

عكاشة، فلذلك لَمْ يُجَبْ؛ إذ لو أجابه، لجاز أن يطلب ذلك كلُّ من كان حاضرًا، فَيَتَسَلْسَل، فَسَدَّ البابَ بقوله ذلك. وهذا أولى مِن قول مَن قال: كان منافقًا لوجهين: [أحدهما]: أن الأصل في الصحابة ﵃ عدم النفاق، فلا يَثبُت ما يُخالف ذلك إلَّا بنقل صحيح. [والثاني]: أنه قَل أن يصدُر مثل هذا السؤال إلَّا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول ﷺ ، وكيف يصدُر ذلك من منافق، وإلى هذا جنح ابن تيمية. وصَحَّحَ النوويُّ أن النبيّ ﷺ عَلِمَ بالوحي أنه يُجاب في عكاشة، ولم يقع ذلك في حق الآخر. وقال السهيليّ: الذي عندي في هذا أنَّها كانت ساعة إجابة، عَلِمَها ﷺ ، واتَّفَقَ أن الرجل قال بعدما انقَضَت، ويُبَيِّنه ما وقع في حديث أبي سعيد ﵁: "ثم جَلَسوا ساعةً يَتَحَدَّثون"، وفي رواية ابن إسحاق بعد قوله: "سبقك بها عكاشة": "وبَرَدَت الدعوة": أي انقضى وقتها. قال الحافظ بعد نقل هذا الأقوال: فتحصل لنا من كلام هؤلاء الأئمة على خمسة أجوبة، والعلم عند الله تعالى، ثم وجدت لقول ثعلب ومن وافقه مُسْتَنَدًا، وهو ما أخرجه الطبرانيّ، ومحمد بن سنجر، في "مسنده"، وعُمَر بن شَبَّة في "أخبار المدينة" من طريق نافع، مولى حَمْنة، عن أم قيس بنت مِحْصَن، وهي أخت عكاشة، أنَّها خرجت مع النبيّ ﷺ إلى البقيع، فقال: "يُحشَر من هذه المقبرة سبعون ألفًا، يدخلون الجَنَّة بغير حساب، كأنّ وجوههم القمر ليلة البدر"، فقام رجل فقال: يا رسول الله، وأنا؟ قال: "وأنت" (١)، فقام آخر: فقال: أنا؟ قال: "سبقك بها عكاشة"، قال: قلتُ لها: لِمَ لَمْ يقل للآخر؟ فقالت: أراه كان منافقًا. فإن كان هذا أصل ما جزم به مَن قال كان منافقًا فلا يدفع تأويل غيره؛ إذ ليس فيه إلَّا الظنّ. انتهى كلام الحافظ ﵀.

стр. 3150

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله السهيليّ، وهو أيضًا موافقٌ لما قاله النوويّ هو أحسن الأجوبة. وحاصله أن ذلك الوقت الذي سأل فيه عكاشة كان وقت إجابة، وعلمه النبيّ ﷺ بالوحي، ثم انقضى ذلك الوقت، فسأل الثاني، فأجابه بما أجابه به. ونظير ذلك ما وقع لأبي هريرة ﵁، وصاحبيه، فقد أخرج النسائيّ في "كتاب العلم" من "سننه الكبرى" بسند جيّد - كما قال الحافظ - أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت ﵁، فسأله، فقال له زيد: عليك أبا هريرةَ، فإني بينما أنا، وأبو هريرة، وفلان في المسجد ندعو الله، ونذكر ربّنا، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: "عودوا للذي كنتم فيه"، فقال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، فجعل رسول الله ﷺ يُؤَمّن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي هذان، وأسالك علمًا لا يُنسَي، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسي، فقال: "سبقكم بها الغلام الدَّوسيّ" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٠٠/ ٥٢٦ و ٥٢٧ و ٥٢٨،] (٢١٦) و [١٠٠/ ٥٢٩] (٢١٧)، و (البخاريّ) في "اللباس" (٥٨١١)، و"الرقاق" (٦٥٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٢ و ٣٥١ و ٤٠٠ و ٤٠١ و ٤٥٦ و ٥٠٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٢٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩٧٠ و ٩٧١ و ٩٧٢ و ٩٧٣ و ٩٧٤ و ٩٧٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٩ و ٥٢٠ و ٥٢١ و ٥٢٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٥/ ١٣٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٢٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 3151

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن زُمرةً من هذه الأمة يدخلون الجنّة بغير حساب. ٢ - (ومنها): بيان كرامة النبيّ ﷺ على ربِّه حيث تفضّل الله تعالى على هذه الزمرة من أمته، فأدخلها الجنّة بغير حساب، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ٣ - (ومنها): بيان فضل هذه الأمة ببركة نبيّها ﷺ حيث يدخل عدد كثير منهم الجَنَّة من غير أن يحاسبوا، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]. ٤ - (ومنها): أن فيه إثباتَ الحساب في الآخرة على الأعمال. ٥ - (ومنها): أن جلّ الأمة يحاسبون على أعمالهم، وهذا الحساب ينقسم إلى قسمين: حساب عَرْضٍ، وحساب مناقشة، كما أخبر الله تعالى بذلك، حيث قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢]. وأخرج الشيخان عن عائشة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلَّا هَلَك"، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨]؟، فقال رسول الله ﷺ : "إنما ذلكِ العرضُ، وليس أحد يُناقَش الحسابَ يوم القيامة إلَّا عُذِّب". ٦ - (ومنها): حسن تلطّف النبيّ ﷺ ، وكريم أخلاقه، حيث لَمْ يقل للرجل الآخر: إنك لست منهم، بل أجمل الجواب، فقال: "سبق بها عكاشة"؛ لئلا ينكسر قلبه، فهذا مصداق قوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ٧ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من حبّهم المنافسة في الخير، وحرصهم على الوصول إليه، فقد قال عكاشة ﵃ للنبيِّ ﷺ لَمّا سمع هذا الخبر العظيم: "ادع الله أن يجعلني منهم". ٨ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "تضيء وجوههم … إلخ"، أن أنوار أهل الجَنَّة تتفاوت بحسب درجاتهم، وكذا صفاتهم في الجمال ونحوه، والله

стр. 3152

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٩] (٢١٧) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، زُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صَفْوان التُّجيبيُّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨. ٢ - (أَبُو يُونُسَ) هو: سُليم بن جُبير الدّوسيّ، مولى أبي هريرة، المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠. وقوله: (زُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ) رُوي "زمرةٌ واحدةٌ" بالنصب، والرفع، والزمرة: الجماعة في تفرقةٍ، بعضُها في إثر بعض، قاله النوويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه النصب على الحاليّة، ووجه الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هم زُمرةٌ واحدة، ثم إن تفسيره الزمرة بما ذُكر بحسب أصل اللغة، وإلا فالمراد هنا بلا تفرّق؛ لما سيأتي في حديث عمران بن حُصين ﵄: "متماسكون، آخذ بعضهم بعضًا، لا يدخل أوّلهم حتى يدخل آخرهم". وقوله: (عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ) المراد بالصورة: الصفة، يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٣٠] (٢١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ

стр. 3153

هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - (١) قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ"، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبَّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"، فَقَامَ عُكَاشَةُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ (٢) أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْتَ مِنْهُمْ"، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِيُّ) أَبُو سَلَمَةَ البصري، المعروف بالْجُوبَاريّ (٣) - بضم الجيم، وسكون الواو، ثم موحّدة - ثقةٌ (٤) [١٠]. رَوَى عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثَّقَفيّ، ومعتمر بن سليمان، ومحمد بن أبي عديّ، وعبد الله بن مسلم، وعمر بن عليّ الْمُقَدّمي، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر البزار، وأبو بكر بن أبي الدنيا، والمعمري، والحسن بن عُلَيل، وبكر بن محمد البزار، وجعفر بن أحمد بن فارس، وأبو خليفة، وآخرون. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال موسى بن هارون: بلغنا موته بالبصرة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢١٨)، وحديث (١٦٥٦): "اذهب، فاعتكف يومًا … "، و (٢٢٠٣): "ذاك شيطان، يقال له: خنزب … ".

стр. 3154

٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عَمْرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، عابدٌ، كبير الْقَدْر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٨. ٥ - (عِمْرَانُ) بن حُصَين بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابيّ، وأبوه أيضًا صحابيّ على الصحيح، مات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵁، قضى بالكوفة، وبالبصرة، وكانت تسلّم عليه الملائكة ﵁، وأما شرح الحديث، فسيأتي بعد حديثين. وقوله: (لَا يَكْتَوُونَ) أي لا يستعملون الكَيّ في أبدانهم، وهو إحراق الجلد بحديدة مُحماة، وهو علاج معروف عندهم، وسيأتي تمام الكلام فيه قريبًا. وقوله: (وَلَا يَسْتَرْقُونَ) أي لا يطلبون الرقية من أحد، وهي مداواة المريض بالنفث بنحو قراءة، وتمام شرح الحديث سيأتي بعد حديثين - إن شاء الله تعالى -. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حصين ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 3155

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٠٠/ ٥٣٥ و ٥٣١] (٢١٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٦ و ٢٤٧ و ٢٤٨ و ٢٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٢٣ و ٥٢٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٤٢٤ و ٤٢٥ و ٤٢٦ و ٤٢٧)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩٧٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٣١] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِث، حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ، أَبُو خُشَينَةَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْأَعْرَج، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ"، قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) الْعَنْبريّ مولاهم، التّنّوريّ، أبو سَهْل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٣ - (حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ، أَبُو خُشَيْنَةَ - بمعجمتين، ونون، مصغَّرًا - الثَّقَفِيُّ) أخو عيسى بن عُمَر النحويّ البصريّ، ثقةٌ رُمي برأي الخوارج [٦]. رَوَى عن عمه الحكم بن الأعرج، وابن سيرين، والحسن البصريّ. ورَوَى عنه ابن عون، وهو أكبر منه، وشعبة، وهو من أقرانه، وحماد بن زيد، وابن عُلَيّة، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ووكيع، والقطان، وأبو نعيم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: رجلٌ صالحٌ، وحَكَى الساجيّ عن ابن عيينة أنه كان إباضيًّا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
следующие страницы →