← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

زَائِدَةُ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو بن شَبيب الأزديّ الْمَعْنيُّ - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر النون - أبو عمرو البغداديّ، ويُعرَف بابن الْكِرْمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن زائدة بن قُدامة، والمسعوديّ، وجرير بن حازم، وزهير بن معاوية، وأبي إسحاق الْفَزَاريّ، وإسرائيل، وفضيل بن مرزوق، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ورَوَى هو والباقون له بواسطة عبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وأحمد بن أبي رجاء الْهَرَويّ، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وعمرو الناقد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وغيرهم. قال حنبل، عن أحمد: صدوق ثقةٌ، وقال مهنأ بن يحيى: سألت أبا عبد الله، عن خَلَف بن تميم، قلت له: كان مثل معاوية بن عَمْرو؟ قال: لا، فإنه أتقن في الحديث منه، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان شجاعًا، وكان يقال له: ابن الْكِرْمانيّ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، في جمادى الأولى، وقيل: سنة أربع عشرة، وفيها أَرّخّه ابن سعد في "الصغير"، وقال في "الطبقات الكبرى": رَوَى عن زائدة مصنفاته، وعن أبي إسحاق الفزاري كتاب السير، ونزل بغداد، وتُوُفي بها سنة خمس عشرة، أو أربع عشرة، وقال أبو غالب، علي بن أحمد بن النضر: مات جدي معاوية بن عمرو سنة أربع عشرة ومائتين، وكان مولده سنة ثماني وعشرين ومائة، وكان أسنّ من وكيع بسنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا (٢٠٦)، وحديث (٣١٦): "اغتَسَلَ من الجنابة … "، و (٣٦٠): "إن شئتَ

стр. 3082

فتوضّأ … "، و (٩٢٠): "إن الروح إذا قُبض تبعه البصر … "، و (٢٥٤٩): "أحيٌّ والداك؟ قال: نعم … ". ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ) هو: أبو الزناد القرشيّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٥ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. وقوله: (نحو هذا) أي نحو حديث ابن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. [تنبيه]: رواية الأعرج هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية ابن المسيِّب، وأبي سلمة، أخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٩٠)، فقال: (٢٧٤) حدثنا محمد بن حيويه بن موسى، قال: أنبا أبو اليمان، قال: أنبا شعيب، قال: حدثني أبو الزناد (ح)، وحدثنا محمد بن كثير، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كَرِيمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن ذكوان (ح) وحدثنا طاهر بن خالد بن نِزار، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير، يا عمة النبي ﷺ ، يا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، اشتَرِيَا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٢] (٢٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثنا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِق، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَا:

стр. 3083

لَمَّا نَزَلَت" (١) ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا، ثُمَّ نَادَى: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ، إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ يَا صَبَاحَاهْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د، س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) هو: عبد الرَّحمن بن مِلّ بن عمرو النَّهْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرمٌ، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وهو ابن (١٣٠) أو أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٥ - (قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ) - بضمّ الميم، وتخفيف المعجمة - بن عبد الله بن شَدّاد بن معاوية بن أبي رَبِيعة بن نَهِيك بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليّ البصريّ، وَفَدَ على النبيّ ﷺ ، ورَوَى عنه، ورَوَى عنه ابنه قَطَن، وكِنَانة بن نُعَيم، وهلال بن عامر البصريّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو قِلابة الْجَرْميّ، وكنيته أبو بِشْر فيما ذكر ابن عبد البرّ، وقال البخاريّ: له صحبةٌ، ويقال له: الْعِجْليّ، وقال ابن أبي حاتم: بصريّ من قيس عَيْلان، له صحبة، وقال ابن حبّان: له صحبةٌ، سكن البصرة، وقال خليفة في "الطبقات": كانت له دار بالبصرة، وقال ابن الكلبيّ: كان قَطَنُ بن قَبِيصة شَرِيفًا، وقد وَليَ سِجِسْتان (٢). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا

стр. 3084

الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٠٧)، وحديث (١٠٤٤): "إن المسألة لا تحلّ إلَّا لأحد ثلاثة … ". ٦ - (زُهَيْرُ بْنُ عَمْرٍو) الهلاليّ، رَوَى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث فقط، ورَوَى عنه أبو عثمان النَّهْديّ، مقرونًا بقبيصة بن المخارق، قال الأزديّ: تفرَّد عنه أبو عثمان، وقال العسكريّ: نزل البصرة، له بها دارٌ، وقال البغويّ: لا أعلم له إلَّا حديث الإنذار، ونقل ابن السكن عن البخاريّ أنه لَمْ يُصَحِّح صحبته؛ لأنه لَمْ يذكر السماع. انتهى. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرَم، عن صحابيين. ٤ - (ومنها): أن صحابيَّيْه من المقلّين في الرواية، فأما زهير، فليس له إلَّا هذا الحديث فقط عند المصنّف، والنسائيّ في "الكبرى" (١)، وأما قَبِيصة، فله نحو خمسة أحاديث فقط، وليس له في البخاريّ وابن ماجة شيء (٢)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِق، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄ أنهما (قَالَا: لَمَّا نَزَلَت" (٣) ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ)، قال النوويّ ﵀: معناه: قالا؛ لأن المراد أن قبيصة وزهيرًا قالا، ولكن لما كانا متفقين، وهما كالرجل الواحد أفرد فعلهما، ولو حَذَفَ لفظة "قال" كان الكلام واضحًا منتظمًا، ولكن

стр. 3085

لما حَصَلَ في الكلام بعض الطول حَسُنَ إعادة "قال"؛ للتأكيد، ومثله في القرآن العزيز: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد: ﴿أَنَّكُمْ﴾، وله نظائر كثيرة في القرآن العزيز والحديث، وقد تَقَدَّم بيانه في مواضع من هذا الكتاب. انتهى كلامه ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (انْطَلَقَ) أي ذهب (نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ) "الرَّضْمَةُ" بفتح الراء، وإسكان الضاد المعجمة، وبفتحها، لغتان، حكاهما صاحب "المطالع" وغيره، واقتصر صاحب "العين"، والجوهريّ، والْهَرَويّ، وغيرهم على الإسكان، وابنُ فارس، وبعضُهم على الفتح، قالوا: "الرَّضْمَة": واحدة الرَّضْم، والرِّضَام، وهي: صخورٌ عِظامٌ، بعضها فوق بعض، وقيل: هي دون الْهِضَاب، وقال صاحب "العين": الرَّضْمَةُ: حِجارة مجتمعةٌ، ليست بثابتة في الأرض، كأنها منثورة. انتهى (١). وقال المازريّ: الرَّضْمةُ: هي صُخُور بعضها على بعض، يقال: بَنَى داره يَرْضِمُ فيه الحجارةَ رَضْمًا، ومنه الحديث: "وكان البناءُ الأول من الكعبة رَضْمًا" (٢). انتهى (٣). (فَعَلَا أَعْلَاهَا) أي صَعِدَ ﷺ أعلى تلك الرضمة (حَجَرًا) منصوب على التمييز المحوّل من الفاعل، كما قال في "الخلاصة": وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِـ "أَفْعَلَا" … مُفَضِّلًا كَـ "أَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلَا" وَيحْتَمل أن يكون "حجرًا" مفعولًا به لـ "علا"، و"أعلاها" حال منه، وأصله صفة، فلما قُدّم أُعرب حالًا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّمت تُعرَب حالًا، والوجه الأول أولى، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ نَادَى: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ" هذا هو المسمَّى عند النحاة بالندبة، وهو

стр. 3086

نوع من النداء يزيد عليه بكون المنادى فيه متفجِّعًا عليه، كـ "وا زيداه"، أو متوجَّعًا منه، كـ "وا ظهراه"، وتلحق آخره ألف الندبة، ويجوز إلحاق هاء السكت، للوقف، قال في "الخلاصة": وَوَاقِفًا زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ … وَإِنْ تَشَأْ فَالْمَدُّ وَالْهَا لَا تَزِدْ (إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ) بفتح الياء، وإسكان الراء، وبعدها باء موحدة، ثم همزة، على وزن "يَقْرَأُ" ومعناه: يحفظهم، ويَتَطَلَّع لهم، ويقال لفاعل ذلك: رَبِيئَة، وهو العين، والطَّلِيعة الذي يَنظُر للقوم؛ لئلا يَدْهَمهم العدوّ، ولا يكون في الغالب إلَّا على جبلٍ، أو شَرَفٍ، أو شيءٍ مرتفعٍ؛ لينظر إلى أبْعَدَ، قاله النوويّ ﵀. انتهى. وقال المازريّ ﵀: "الرَّبِيئة": الطَّلِيعةُ والعينُ، وأنشد أبو عمرو: فَأَرْسَلْنَا أَبَا عَمْرٍ رَبِيئًا وقال القاضي عياض ﵀: هكذا الرواية الصحيحة، كما ضبطه، وفَسَّره المازريّ، وكذا كان عند شيخنا الْخُشَنيّ، وكان عند الْعُذريّ وغيره من الرواة: "يَرْتَأُ"، ولا وجه له هنا. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). وقال في "القاموس": رَبَأَهم، ولهم، كمَنَعَ: صار ربيئةً لهم، أي طَلِيعةً، وعلا، وارتفع، ورَفَعَ، وأصلح، وأذهب، وجَمَعَ من كلّ طعام، وتثاقل في مِشْيته، وأشرف، كارْتبَأَ. انتهى (٢). (فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ) أي أن يسبق الأعداء ذلك الرجل (فَجَعَلَ) أي أخذ، وشرع (يَهْتِفُ) - بفتح الياء، وكسر التاء - ومعناه: يَصِيح، وَيصْرُخ، وقوله: (يَا صَبَاحَاهْ")، مقول لقول مقدَّر منصوب على الحال، أي حال كونه قائلًا: يا صباحاه، كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، فيقولونها؛ ليجتمعوا، ويتأهّبوا له (٣). وهي مضافة إلى ياء المتكلّم، فأصلها: يا صباحي، فقلبت الياء ألفًا في النداء، أو حُذفت من أجل ألف الندبة، والهاء للسكت، كما تقدّم في "يا عبد منافاه".

стр. 3087

وقال ابن الأثير ﵀: هذه كلمةٌ يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة؛ لأنهم أكثرَ ما يُغيرون عند الصباح، ويُسمُّون يوم الغارةِ يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه يقول: قد غَشِيَنا العدوّ، وقيل: إن المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال، فإذا عاد النهار عاودوه، فكأنه يريد بقوله: يا صباحاه: قد جاء وقت الصباح، فتأهّبوا للقتال. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث قَبِيصة بن الْمُخارق، وزُهير بن عمرو ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٥/ ٥١٢ و ٥١٣] (٢٠٧)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٩٧٩ و ٩٨١ و ٩٨٢)، و"التفسير" (١١٣٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٦٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٦٥ و ٢٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٣] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، حَدَّثَنَا (٢) أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في السند السابق، وأبو المعتمر هو سليمان بن طَرْخان.

стр. 3088

وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن رواية المعتمر عن أبيه، نحو رواية يزيد بن زُريع، عنه. [تنبيه]: رواية المعتمر هذه التي أحالها المصنّف على رواية يزيد بن زُريع، أخرجها أبو نُعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٢٧٧)، فقال: (٥٠٨) وحدثنا أبو محمد بن حبان، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا المعتمر بن سليمان، ثنا أبي، ثنا أبو عثمان النَّهْديّ، عن زُهير بن عمرو، وقَبِيصة بن الْمُخَارق، قال: لَمّا نَزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] انطَلَق نبي الله ﷺ إلى رَضْمَةٍ من جَبَل على أعلاها حجر، فجَعَل ينادي: "يا بني عبد مناف، إنما أنا نذيرٌ، إنما مَثَلِي ومَثَلُكم، كرَجُل رأى العدوّ، فذَهَب يَرْبَأُ (١) على أهله، فَخَشِي أن يُسْبَقَ، فجَعَل ينادي، أو يَهْتِف: يا صباحاه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٤] (٢٥٨) - (وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: "يَا صَبَاحَاهْ"، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ: "يَا بَني فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ"، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَل، كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبِ وَقَدْ تَبَّ﴾، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ).

стр. 3089

رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ الْمُراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمي، ثقةٌ عابدٌ، لا يُدلّسُ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ ٣١، (ت ٩٥) ولم يكمل الخمسين من عمره (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر ﵄ (ت ٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنّ رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كلًّا منهما من الطبقة الخامسة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، وكان يلقّب بالحبر، والبحر؛ لسعة علمه، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة ﵃، مات سنة (٦٨)، والله تعالى أعلم.

стр. 3090

شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وَرَهْطَكَ) قال المجد ﵀: "الرَّهْطُ" بفتح، فسكون، ويُحرَّك: قوم الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة، أو سبعة، إلى العشرة، أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه: أَرْهُطٌ، وأَراهطُ، وأَرْهاط، وأَراهيط. انتهى (١). (مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) - بفتح اللام - قال النوويّ ﵀: ظاهر هذه العبارة أن قوله: "ورهطك منهم المخلَصين" كان قرآنًا أُنزل، ثم نُسِخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري. انتهى (٢). وتعقّب في "الفتح" قول النوويّ: إنها لَمْ تقع عند البخاريّ، بأنها وقعت عنده في "تفسير سورة ﴿تَبَّتْ﴾، فتنبّه. وقال القرطبيّ ﵀: لعل هذه الزيادة كانت قرآنًا، فنُسخت تلاوتها، ثم استشكل بأن المراد إنذار الكفّار، والمخلَص صفة المؤمن، والجواب: أنه لا يمتنع عطف الخاصّ على العامّ، فقوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ﴾ عامّ فيمن آمن منهم، ومن لَمْ يؤمن، ثم عَطَف عليه الرهط المخلصين؛ تنويهًا بهم، وتأكيدا (٣). قال الجامح عفا الله عنه: الذي يظهر لي أنه ليس المراد بكونهم المخلَصين الإخلاص الإيمانيّ، وإنما هو إخلاص الودُّ والعطف والقرابة، فإن من كان أقرب إلى الشخص نسبًا يكون أخلص في موالاته، ومناصرته ومحبّته، وهو أيضًا يخلص لهم الودّ والمحبّة، فتأمل، والله تعالى أعلم. (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي من بيته (حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا) بكسر العين، أي رَقِي على الجبل المعروف (فَهَتَفَ: "يَا صَبَاحَاهْ") تقدّم الكلام على هذه الجملة قريبًا (فَقَالُوا) أي بعض قريشٍ لبعضهم (مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا) أي البعض الآخرون (مُحَمَّد) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال، أي هو محمد ﷺ (فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ) ﷺ " ("يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ) تقدّم في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا بني كعب بن لُؤيّ، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني

стр. 3091

مرّة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار"، (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ"، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ) ﷺ ("أَرَأَيْتُمْ) معناه: أخبروني، قال الطيبيّ ﵀: الضمير المتّصل المرفوع من الخطاب العامّ، والضمير الثاني لا محلّ له، فهو كالبيان للأول؛ لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع في المخاطبين، فيستوي فيه التأنيث والتذكير، والإفراد والجمع، فإذا أريد بيانه بإحدى هذه الأنواع بُيّن به، فأَتَى في الحديث بعلامة الجمع بيانًا للمراد. انتهى (١). (لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ) أراد بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن الأمر الغائب، ووقع في حديث عليّ ﵁: "ما أعلم شابًّا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة" (٢)، (أَنَّ خَيْلًا): أي أصحاب خيل، أُطلق عليهم اسم الخيل؛ لملازمتهم لها (تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ) - بفتح السين - وهو أسفله، وقيل: عَرْضه، والمشار إليه جبل أبي قُبيس حيث كان واقفًا على طرفه (كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ ") - بتشديد الدال والياء - أصله: مصدِّقين لي، فحُذفت النون واللام؟ للإضافة، ثم أُدغمت الياء في الياء، هذا في حالة النصب، كما هنا؛ لأنه خبر لـ "كان"، وكذا في حالة الجرّ، وأما في حالة الرفع، فأصله: مصدّقون لي، فلما حُذفت النون، واللام، اجتَمَعَت الواو والياء، وسَبَقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت في ياء المتكلِّم، ثم كُسرت القاف؛ لمناسبة الياء، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْكَسْرِ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ "رَامٍ وَقَذَا" أَوْ يَكُ كَـ "ابْنَيْنِ" وَ"زَيْدِينَ" فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ (قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا) قال المجد ﵀: جَرّبه تَجْربةً: اخْتَبَره، ورجلٌ مُجَرَّبٌ، كمُعَظَّم: بُلِي ما كان عنده، ومُجَرِّب: عَرَفَ الأمور. انتهى (٣).

стр. 3092

وقال الطيبيّ ﵀: ضَمَّن "جَرَّب" معنى الإلقاء، فعدّاه بـ "على"، أي: ما ألقينا عليك قولًا، مجرِّبين لك، هل تكذب، أم لا؟ فما سمِعنا منك إلَّا صدقًا. انتهى. (قَالَ) ﷺ (فَإِنِّي نَذِيرٌ) فعيلٌ بمعنى فاعل: أي منذر، قال الفيّوميّ ﵀: أنذرتُ الرجلَ كذا إنذارًا: أبلغته، يتعدّى إلى مفعولين، وأكثر ما يُستعمَلُ في التخويف، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]: أي خَوِّفهم عذابه، والفاعل مُنذِرٌ، ونذيرٌ، والجمع نُذُر بضمّتين، وأنذرته بكذا، فَنَذِرَ به، مثلُ أعلمته به، فعَلِم وزنًا ومعنًى، فالصلة فارقة بين الفعلين. انتهى (١). وقال المجد ﵀: ونَذِرَ بالشيء، كفَرِح: عَلِمه، فَحَذِره، وأنذره بالأمر إنذارًا ونَذْرًا، ويُضمّ، وبضمّتين، ونَذِيرًا: أعلمه، وحَذَّره، وخَوَّفه في إبلاغه، والاسم النُّذْرَى بالضمّ، والنُّذُرُ بضمّتين، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ [القمر: ١٦] أي إنذاري، والنذير: الإنذارُ، كالنِّذَارة بالكسر. انتهى (٢). (لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ") "بين" ظرفٌ لقوله: "نذير"، وهو بمعنى: قُدّام؛ لأن كلَّ من يكون قُدَّام أحد يكون بين الجهتين السابقتين ليمينه وشماله، وفيه تمثيل، مثّل إنذاره القوم بعذاب الله تعالى النازل على القوم بنذير قوم يتقدّم جيش العدوّ، فيُنذرهم، قاله الطيبيّ ﵀ (٣). وفي رواية لأحمد: "أنا النذير، والساعة الْمَوْعِدُ"، وعند الطبريّ من مرسل قسامة بن زُهير قال: بلغني أنه ﷺ وضع أصابعه في أذنه، ورفع صوته، وقال: "يا صباحاه"، ووصله مرّة أخرى عن قسامة، عن أبي موسى الأشعريّ، وأخرجه الترمذيّ موصولًا أيضًا، قاله في "الفتح" (٤). [تنبيه]: قال الطيبيّ ﵀: أسلوب هذا الحديث يُسمَّى في علم البديع بـ "المذهب الكلاميّ"؛ لأنه ﷺ استنطقهم أَوّلًا بما أقرّوا به أنه صادِق، فلمّا اعترفوا، ألزمهم بقوله: "فإني نذير لكم … إلخ"، أي إذا عرفتم بصدقي،

стр. 3093

فاتّبعوا لما أقول لكم. انتهى (١). (قَالَ) الراوي، وهو ابن عبّاس ﵄ ناقلًا عمن روى له هذه القصّة؛ لأنه لَمْ يحضرها، كما أسلفناه، فهو من مرسل الصحابيّ (فَقَالَ أَبُو لَهَب) فيه لغتان، قُرِئ بهما: فتح الهاء، وإسكانها، واسمه عبد الْعُزَّى (تَبًّا لَكَ) أي خُسرانًا وهلاكًا، ونصبه بعامل مضمر، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "تبًّا لك سائر اليوم"، أي جميع الأيام (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، كـ "إلا" (جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ) أي أبو لهب من مجلس رسول الله ﷺ كراهية له (فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ) فيها لغتان: الهمز، وتركه، حكاهما ابن قتيبة، والمشهور بغير همز، كسُور البلد؛ لارتفاعها، ومَن هَمَزَه قال: هي قطعة من القرآن، كسؤر الطعام والشراب، وهي البقية منه. وقوله: (﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾) بدل من "هذه السورة" محكيّ؛ لقصد لفظه، قال المجد: "تَبَّت يداه": ضلَّتا، وخسرتا، وقال السمين الحلبيّ: وأُسند الفعل إلى اليدين مجازًا؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بهما، وإن كان المراد جملة المدعوّ عليه، وقوله: ﴿تَبَّتْ﴾ دعاء، و ﴿تبّ] إخبار: أي قد وقع ما دُعي به عليه، كقول الشاعر [من الطويل]: جَزَانِي جَزَاهُ اللهُ شَرَّ جَزَائِهِ جَزَاءَ … الْكِلَابِ الْعَاوِياتِ وَقَدْ فَعَلْ ويؤيّده قراءة عبد الله ﵁: "وقد تَبّ"، والظاهر أن كليهما دعاء، ويكون في هذا شَبَهٌ من مجيء العامّ بعد الخاصّ؛ لأن اليدين بعضٌ، وإن كان حقيقة اليدين غير مراد، وإنما عَبّر باليدين؛ لأن الأعمال غالبًا تُزاول بهما. انتهى (٢). وقال الفرّاء: الأول دعاء بهلاك جملته، على أن اليدين إما كناية عن الذات، والنفس؛ لما بينهما من اللزوم في الجملة، أو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء، وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، والثاني إخبار بالحصول: أي وكان ذلك، وحصل. انتهى. وقوله: (﴿وَقَدْ تَبَّ﴾) أي وقد هلك، وخَسِرَ أبو لهب (كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ)

стр. 3094

قال النوويّ ﵀: معناه أن الأعمش زاد لفظة: "قد" بخلاف القراءة المشهورة، وفي رواية البخاريّ: "هكذا قرأها الأعمش يومئذ"، قال في "الفتح": وليست هذه القراءة فيما نَقَل الفرّاء عن الأعمش، فالذي يظهر أنه قرأها حاكيًا، لا قارئا، ويؤيِّده قوله في هذا السياق: "يومئذ"، فإنه يُشعر بأنه كان لا يستمرّ على قراءتها كذلك، والمحفوظ أنَّها قراءة ابن مسعود ﵁ وحده. انتهى (١). وقوله: (إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) يعني أنه أتمّ القراءة إلى آخر السورة، كما يقرؤها الناس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٥/ ٥١٤ و ٥١٥] (٢٠٨)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٩٤)، و"الأنبياء" (٣٥٢٥)، و"التفسير" (٤٧٧٠ و ٤٨٠١ و ٤٩٧١ و ٤٩٧٢ و ٤٩٧٣)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٨١ و ٣٠٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٦٢ و ٢٦٣ و ٢٦٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٥٥٠)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٩/ ١٢٠ - ١٢١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩٤٩ و ٩٥٠ و ٩٥١)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٤٢)، وفي "تفسيره" (٣/ ٤٠٠ - ٤٠١). وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في مسائل حديث أبي هريرة ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا

стр. 3095

أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا، فَقَالَ: "يَا صَبَاحَاهْ"، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أسَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ) يعني أن أبا معاوية روى هذا الحديث عن الأعمش بنحو ما رواه أبو أسامة عنه. [تنبيه]: رواية أبي معاوية هذه التي أحالها المصنّف على رواية أبي أسامة، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٤٩٧٢) حدثنا محمد بن سلام، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ خرج إلى البطحاء، فَصَعِد إلى الجبل، فنادى: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقال: "أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مُصَبِّحكم، أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبًّا لك، فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها .. انتهى. وأخرجها أيضًا الحافظ ابن منده ﵀ في "الإيمان" (١) (٢/ ٨٨٤)، فقال: (٩٥١) وأخبرنا محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية (٢) ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صَعِد رسول الله ﷺ على الصفا، فنادى: "يا

стр. 3096

صباحاه"، فاجتمعت قريش إليه، فقالوا: ما لك؟ فقال: "لو أني أخبرتكم أن العدو مُصبِّحكم أو مُمَسِّيكم، أكنتم تصدقوني؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم من عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًّا لك الهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. وإلى آخر السورة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩٦) - (بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ، فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦] (٢٠٩) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبِ بِشَيْءٍ؟ فَإنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ (١)، وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: "نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عَطَاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّمِيُّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.

стр. 3097

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب، واسم أبي الشوارب محمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسد بن أبي العِيص بن أمية القرشيّ الأُمويّ، أبو عبد الله الأُبُلّيّ البصريّ، صدوقٌ من كبار [١٠]. رَوَى عن كَثِير بن سُليم المدائني، وعبد العزيز بن المختار، وأبي عوانة، ويزيد بن زُريع، وبشر بن المفضل، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبي عاصم العبادانيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وروى النسائي عن زكريا السِّجزيّ عنه، وأبو إسماعيل الترمذيّ، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. قال أبو علي بن خاقان، عن أحمد: ما بلغني عنه إلَّا خير، وقال صالح بن محمد الأسدي: شيخٌ جليلٌ، صدوق، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال النسائي في "مشيخته": ثقة، وقال مَسلمَة: بصري ثقة، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: شيخ صدوق، لا بأس به. وقال ابن قانع: مات بالبصرة لعشر بَقِين من جُمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيها أرّخه البغوي، وذكره أبو علي الجيّاني في شيوخ أبي داود، ولم يذكره غيره، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط (١). ٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) الفَرَسيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي أيَضًا. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، لَقَبهَ بَبَّه، وأمه هند بنت أبي سفيان، وُلِد على عهد النبيّ ﷺ ، فَحَنَّكه النبيّ ﷺ ، ولأبيه وجدّه صحبة، وتَحَوَّل إلى البصرة، واصطلَحَ عليه أهل البصرة، حين مات يزيد بن معاوية، مُجمعٌ على توثيقه [٢]. رَوَى عن النبيِّ ﷺ مرسلًا، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، وعن أبيه، وعَمّ

стр. 3098

جدّه العباس بن عبد المطلب، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وابن مسعود، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وابن عباس، وغيرهم. ورَوَى عنه أبناؤه: عُبيد الله، وإسحاق، وعبد الله، وعبد الملك بن عمير، وأبو إسحاق السَّبيعيّ، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وأبو التَّيّاح الضُّبَعيّ، ومولاه يزيد بن أَبي زياد، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: ثقةٌ، ولم يَسْمَع من ابن مسعود، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: الزهري سمع من عبد الله بن الحارث؟ قال: لا، سَمِعَ من بَنِيه، وحَكَى ابن سعد في "الطبقات" أنه لَمّا وُلد أتت أمه هند إلى أختها أم حبيبة، فدَخَل عليها رسول الله ﷺ ، فقال: من هذا يا أم حبيبة؟ قالت: هذا ابنُ عَمِّك، وابن أختي، فَتَفَل في فيه، ودعا له، قال: وكان بَبَّه على مكة زمن عثمان، قال محمد بن عمر: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": أجمعوا على أنه ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثقةٌ ظاهر الصلاح، وله رِضًى في العامّة، وقال ابن حبان: هو من فقهاء أهل المدينة. قال ابن حبان في "الثقات": تُوُفّي سنة (٧٩) قتلته السَّمُوم، ودُفِنَ بالأبواء، وقال ابن سعد: تُوُفّي بعُمان سنة أربع وثمانين، عند انقضاء فتنة ابن الأشعث، وكان خرج إليها هاربًا من الحجاج. قال الحافظ ﵀: والثاني هو المعتمد، والذي مات بالسَّمُوم هو ولده عبد الله بن عبد الله بن الحارث. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٧ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم، عمّ المصطفى ﷺ ، مات سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم.

стр. 3099

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الملك بن عُمير، عن عبد الله بن الحارث. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه، من مشاهير الصحابة ﵃، عمّ النبيّ ﷺ ، وأبو الخلفاء العبّاسيين، ذو مناقب جمّة ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟) وفي رواية البخاريّ: "ما أغنيتَ عن عمّك؟ ". [تَنبيه]: اسم أبي طالب عند الجميع عبد مناف، وشَذّ مَن قال: عمران، بل هو قول باطل، نقله ابن تيمية ﵀ في "كتاب الردّ على الرافضيّ": أن بعض الروافض زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣] هم آل أبي طالب، وأن اسم أبي طالب عمران، واشتهر بكنيته، وكان شقيق عبد الله، والد رسول الله ﷺ ، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته إليه، فكفله إلى أن كَبِر، واستمَرّ على نصره بعد أن بُعِث إلى أن مات أبو طالب، وكان موته بعد خروجهم من الشعب، وذلك في آخر السنة العاشرة من المبحث، وكان يَذُبّ عن النبيّ ﷺ ، ويرُدّ عنه كلَّ مَن يؤذيه، وهو مقيم مع ذلك على دين قومه، وفي حديث ابن مسعود ﵁: "وأما رسول الله ﷺ ، فمنعه الله بعمه"، وأخباره في حياطته، والذبّ عنه معروفة مشهورة، ومما اشتهر من شعره في ذلك قوله [من الكامل]: وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ … حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا وقوله [من الطويل]: كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نَبْزِي مُحَمَّدًا … وَلَمَّا نُقَاتِلْ حَوْلَهُ وَنُنَاضِلُ وحديث عباس ﵁ في هذا الباب يشهد لذلك، قاله في "الفتح" (١).

стр. 3100

(فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ) بفتح أوله، وضم الحاء المهملة، من الحياطة، وهي المراعاة، وفيه تلميح إلى ما ذكره ابن إسحاق، قال: ثم إن خديجة، وأبا طالب هلكا في عام واحد، قبل الهجرة بثلاث سنين، وكانت خديجة له وزيرةَ صِدْقٍ على الإسلام، يَسْكُن إليها، وكان أبو طالب له عَضُدًا وناصرًا على قومه، فلما هَلَك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لَمْ تَطْمَع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سَفِيهٌ من سُفَهاء قريش، فَنَثَرَ على رأسه ترابًا، فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه، قال: فدخل رسول الله ﷺ بيته يقول: "ما نالتني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب". (وَيَغْضَبُ لَكَ) يشير به إلى ما كان يَرُدّ به عنه من قول وفعل، فقد قام في نصرته، وذبّ عنه مَن عاداه، ومدحه عِدّة مدائح، منها قوله - لَمّا استَسْقَى أهل مكة، فسقوا -[من الطويل]: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ ومنها قوله من قصيدة [من الطويل]: وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ قال ابن عيينة، عن علي بن زيد: ما سمعت أحسن من هذا البيت. وقوله [من الكامل]: وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ … وَلَقَدْ صَدَقْتَ فَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا (١) (قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ) أي نفعته (هُوَ) أي أبو طالب (فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ) - بضادين معجمتين، مفتوحتين، وحاءين مهملتين - هو في الأصل: ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، ثم استُعير هنا للنار، ويُطلق أيضًا على مَا قَرُب من الماء، وهو ضِدّ الْغَمْرة. والمعنى: أنه خُفِّف عنه العذاب، وقد ذكر في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي: "فيُجْعَل في ضحضاح من نار، يَبْلُغ كعبيه، يَغْلِي منه دماغه"، ويأتي في حديث ابن عباس ﵄ الآتي: "إن أهون أهل النار عذابًا أبو

стр. 3101

طالب، وهو منتعلٌ بنعلين يَغْلِي منهما دماغه"، وللبزار من حديث جابر ﵁: قيل للنبيّ ﷺ : "هل نفعت أبا طالب؟ قال: أخرجته من النار إلى ضحضاح منها". (وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ") قال أهل اللغة: في "الدرك" لغتان فصيحتان، مشهورتان: فتحُ الراء، وإسكانها، وقُرِئ بهما في القراءات السبع، قال الفَرّاء: هما لغتان، جَمْعُهُما أَدْراك، وقال الزجاج: اللغتان جميعًا حكاهما أهل اللغة، إلَّا أن الاختيار فتح الراء؛ لأنه أكثر في الاستعمال، وقال أبو حاتم اللغويّ: جمع الدَّرَك بالفتح أَدْراك، كجَمَل وأَجْمَال، وجمع الدَّرْك بالإسكان أَدْرُك، كفَلْس وأَفْلُس. قال جميع أهل اللغة، والمعاني، والغريب، وجماهير المفسرين: الدَّرْكُ الأسفل: قَعْرُ جهنم، وأقصى أسفلها، قالوا: ولجهنم أَدْراكٌ، فكل طبقة من أطباقها تُسَمَّى دَرَكًا، ذكره النوويّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ ﵀: الدّرك في مراتب التسفّل والنزول، كالدّرَج في مراتب العلوّ والاتفاع، وُيراد به آخر طَبَق في أسفل النار، وهو أشدّ أطباق جهنّم عذابًا، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]، وكان أبو طالب يستحقّ ذلك؛ إذ كان قد عَلِمَ صدقَ النبيّ ﷺ في جميع حالاته، ولم يَخْفَ عليه شيء من أموره، من مولده إلى حين اكتهاله، ولذلك كان يقول لعليّ ابنه: اتّبعه، فإنه لا يُرشدك إلَّا إلى خير، أو حقّ، أو كما قيل عنه. انتهى (٢). [تنبيه]: في سؤال العباس ﵁ عن حال أبي طالب المذكور في هذا الحديث ما يَدُلّ على ضعف ما أخرجه ابن إسحاق، من حديث ابن عباس رفي بسند فيه مَن لَمْ يُسَمَّ: أن أبا طالب لَمّا تقارب منه الموت، بعد أن عَرَض عليه النبيّ ﷺ أن يقول: "لا إله إلَّا الله"، فأبي، قال: فنظر العباس إليه، وهو يُحَرِّك شفتيه، فأصغى إليه، فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي

стр. 3102

أمرته أن يقولها. وهذا الحديث لو كان طريقه صحيحًا لعارضه هذا الحديث الذي هو أصح منه، فضلًا عن أنه لا يصح. ورَوَى أبو داود، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن الجارود، من حديث عليّ ﵁ قال: لَمّا مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضالّ قد مات، قال: "اذهب، فَوَارِهِ"، قلت: إنه مات مشركًا، فقال: "اذهب، فواره … "الحديث. وقد جمع بعض الروافض جزءًا أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء، وسيأتي الردّ عليه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث العبّاس بن عبد المطّلب ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٦/ ٥١٦ و ٥١٧ و ٥١٨] (٢٠٩)، و (البخاري) في "المناقب" (٣٨٨٣ و ٣٨٨٥)، و"الأدب" (٦٢٠٨)، و"صفة الجنّة والنار" (٦٥٧٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٠٦ و ٢٠٧ و ٢١٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده، (٢٧٨ و ٢٧٩ و ٢٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٠ و ٥١١ و ٥١٢)، واللُّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما اختصّ الله تعالى به نبيّه ﷺ من رفعة قدره، وجاهه عنده، حيث قبل شفاعته ﷺ في عمّه أبي طالب، فخفّف عنه، فجُعِل في ضحضاخ من نار. ٢ - (ومنها): بيان أن عذاب الكفار متفاوت. ٣ - (ومنها): بيان أن النفع الذي حصل لأبي طالب من خصائصه، ببركة النبيّ ﷺ . ٤ - (ومنها): بيان أنه لا تنفع محبّة النبيّ ﷺ "المحبّة الطبيعيّة، وإنما تنفع

стр. 3103

المحبّة الدينيّة الإيمانيّة التي تتمثّل في اتّباع سنّته، والاقتداء به عقيدة، وسلوكًا. فمن هنا يتبيّن ضلال من يدّعي محبّته ﷺ ، ويرى ذلك في صنع المولد له، وجمع الناس على ذلك، وقراءة القصائد في مدحه ﷺ ، في أكثر هذا المصنّف ﵀ من الناس، وربّما لا يصلي بعضهم الصلوات الخمس، ولا يقيم شعائر الإسلام أصلًا، أو يقيم بعضها، ويهجُر بعضها، ويزعم أن ذلك يُنجيه، ويكفيه لذنوبه شفاعة النبيّ ﷺ والذي صنع من أجله المولد، في أشدّ غربة الإسلام، فيا لله للإسلام الجريح المظلوم من أهله، والمنبوذ المطروح في زوايا إهماله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله المستعان على ما تصفون. ٥ - (ومنها): بيان أن القرابة المجرّدة لا تنفع، وإن كانت قريبة، وإنما ينفع القرب الدينيّ، وإن كانت الأنساب غريبة، فقد ذلّ أبو لهب وذووه مع القرابة، وعزّ سلمان وأضرابه ﵃ مع الغرابة، ولقد أجاد القائل [من الطويل]: لَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارسٍ … وَقَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد اتّضح بما ذُكر في هذا الباب من الأحاديث الصحاح أن أبا طالب مات على الكفر، وأنه لَمْ ينتفع بمحبّته ﷺ ؛ لأنَّها لَمْ تكن دينيّة، ومع هذا كلّه فقد حاول بعض الروافض في ادّعاء النجاة له، فزعموا أنه مات مسلمًا، وتمسّكوا بما نُسِب إليه من قوله [من الكامل]: وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ … وَلقَدْ صَدَقْتَ فَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا وَلقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا قال الحافظ ﵀: ولقد وقفت على تصنيف لبعض الشيعة أثبت فيه إسلام أبي طالب، منها ما أخرجه من طريق يونس بن بكرٍ، عن محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن سعيد بن عباس، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: لَمّا أَتَى رسول الله ﷺ أبا طالب في مرضه، قال له: "يا عَمّ، قل: لا إله إلَّا الله، كلمةً أستحلّ بها لك الشفاعة يوم القيامة"، قال: يا ابن أخي، والله لولا أن تكون سُبَّةً عليّ، وعلى أهلي من أني قلتها جَزَعًا عند الموت، لقلتها، لا أقولها، إلَّا لأَسُرَّك بها، فلما ثَقُل أبو طالب، رُؤي يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس، فسمع قوله، فرفع رأسه عنه، فقال: قد قال، والله الكلمة التي سأله عنها.

стр. 3104

ومن طريق إسحاق بن عيسى الهاشميّ، عن أبيه، سمعت المهاجر مولى بني نُفَيل يقول: سمعت أبا رافع يقول: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي محمد بن عبد الله يقول: إن ربه بعثه بصِلَة الأرحام، وأن يُعْبَد الله وحده، لا يعبد معه غيره، ومحمد الصدوق الأمين. ومن طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن أبي عامر الْهَوْزنيّ: أن رسول الله ﷺ خَرَج معارضًا جنازة أبي طالب، وهو يقول: "وصلتك رحمٌ". ومن طريق عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن عليّ، أنه لما أسلم، قال له أبو طالب: الزم ابن عمك. ومن طريق أبي عبيدة، معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، عن أبيه، عن عمران بن حصين، أن أبا طالب، قال لجعفر بن أبي طالب لَمّا أسلم: قبِّل جناح ابن عمك، فصلى جعفر مع النبيّ ﷺ . ومن طريق محمد بن زكريا الغلابي، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الْهُذليّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة، وهو شيخٌ قد عَمِيَ، فقال رسول الله ﷺ : "ألا تركت الشيخ حتى آتيه؟ " قال: أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحقّ، لأنا كنت أشدّ فرحًا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، التمس بذلك قرة عينك. قال الحافظ ﵀: وأسانيد هذه الأحاديث واهية، وليس المراد بقوله في الحديث الأخير إثبات إسلام أبي طالب، فقد أخرج عُمَر بن شَبّة في "كتاب مكة"، وأبو يعلى، وأبو بشر سمويه في "فوائده" كلهم من طريق محمد بن سلمة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس في قصة إسلام أبي قحافة، قال: فلما مَدَّ يده يبايعه، بَكَى أبو بكر، فقال النبيّ ﷺ : "ما يُبكيك؟ " قال: لأن تكون يَدُ عمك مكان يده، ويُسلِم، ويُقِرّ الله عينك أحب إليّ من أين يكون. وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من هذا الوجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وعلى تقدير ثوبتها، فقد عارضها ما هو أصح منها. أما الأول: ففي "الصحيحين" من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيب،

стр. 3105

عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبيّ ﷺ ، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "يا عم قل: لا إله إلَّا الله كلمةً أُحاجّ لك بها الله"، فقال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا به، حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبيُّ ﷺ : "لأستغفرنّ لك، ما لَمْ أُنْهَ عنك"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. فهذا الصحيح يردّ الرواية التي ذكرها ابن إسحاق؛ إذ لو كان قال كلمة التوحيد، ما نَهَى اللهُ تعالى نبيه ﷺ عن الاستغفار له، وهذا الجواب أولى من قول من أجاب: بأن العباس ما أَدَّى هذه الشهادة، وهو مسلم، وإنما ذكرها قبل أن يسلم، فلا يُعتدّ بها، وقد أجاب الرافضي المذكور عن قوله: "هو على ملة عبد المطلب" بأن عبد المطلب مات على الإسلام، واستدَل بأثر مقطوع، عن جعفر الصادق، وسنذكره بعدُ، ولا حجة فيه؛ لانقطاعه، وضعف رجاله. وأما الثاني: وفيه شهادة أبي طالب بتصديق النبيّ ﷺ ، فالجواب عنه، وعما وَرَدَ من شعر أبي طالب في ذلك، أنه نظير ما حَكَى الله تعالى عن كفار قريش: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٤]، فكان كفرهم عنادًا، ومنشؤه من الأَنَفَة والكبر، وإلى ذلك أشار أبو طالب بقوله: لولا أن تُعَيِّرني قريش. وأما الثالث: وهو أثر الْهَوْزنيّ، فهو مرسلٌ، ومع ذلك فليس في قوله: "وصلتك رحم" ما يدُلّ على إسلامه، بل فيه ما يدلّ على عدمه، وهو معارضته لجنازته، ولو كان أسلم لمشى معه، وصلى عليه. وقد ورد ما هو أصحّ منه، وهو ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، من طريق ناجية بن كعب، عن عليّ ﵁ قال: لما مات أبو طالب، أتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: إن عمك الضالّ قد مات، فقال لي: "اذهب، فواره، ولا تُحْدِثْ شيئًا حتى تأتيني"، ففعلت: ثم جئت، فدعا لي بدعوات. وقد أخرجه الرافضي المذكور من وجه آخر، عن ناجية بن كعب، عن عليّ بدون قوله: "الضالّ".

стр. 3106

وأما الرابع، والخامس، وهو أمر أبي طالب ولديه باتباعه، فتركُهُ ذلك، هو من جملة العناد، وهو أيضًا من حسن نصرته له، وذَبِّه عنه، ومعاداته قومه بسببه. وأما قول أبي بكر فمراده: لأنا كنت أشدّ فرحًا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، أي لو أسلم، ويبَيِّن ذلك ما أخرجه أبو قُرّة، موسى بن طارق، عن موسى بن عُبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة، يقوده يوم فتح مكة، فقال رسول الله ﷺ : "ألا تركت الشيخ حتى نأتيه؟ " قال أبو بكر: أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحقّ لأنا كنت أشدّ فرحًا بإسلام أبي طالب، لو كان أسلم مني بأبي. وذكر ابن إسحاق أن عُمَر لما عارض العباس في أبي سفيان لَمّا أقبل به ليلة الفتح، فقال له العباس: لو كان من بني عديّ ما أحببت أن يُقْتَل، فقال عمر: أنا بإسلامك إذ أسلمت أفرح مني بإسلام الخطاب، يعني: لو كان أسلم. ثم ذَكَر الرافضيّ من طريق راشد الْحِمّاني، قال: سئل أبو عبد الله، يعني جعفر بن محمد الصادق: مَنْ أهلُ الجَنَّة؟، فقال: الأنبياء في الجَنَّة، والصالحون في الجَنَّة، والأسباط في الجَنَّة، وأجلُّ العالمين مجدًا محمد ﷺ يقدُم آدم، فمن بعده من آبائه، وهذه الأصناف يحدثون به، ويحشر عبد المطلب به نور الأنبياء، وجمال الملوك، ويحشر أبو طالب في زمرته، فإذا ساروا بحضرة الحساب، وتبوأ أهل الجَنَّة منازلهم، ودُحر أهل النار ارتفع شهاب عظيم، لا يَشُكّ من رآه أنه غيم من النار، فيحضر كلّ من عرف ربه من جميع الملل، ولم يعرف نبيه، ومن حُشِر أمة وحده، والشيخ الفاني، والطفل، فيقال لهم: إن الجبار ﵎ يأمركم أن تدخلوا هذه النار، فكل من اقتحمها خَلَص إلى أعلى الجَنَّة، ومن كعَّ عنها غشيته. أخرجه عن أبي بشر، أحمد بن إبراهيم بن يعلى بن أسد، عن أبي صالح الحمادي، عن أبيه، عن جده، سمعت راشد الحماني، فذكره. وهذه سلسلة شيعية غُلاة في رفضهم، والحديث الأخير وَرَد من عدة طُرُق في حق الشيخ الهَرِم، ومن مات في الفترة، ومن وُلد أكمه، أعمى أصم، ومن

стр. 3107

وُلد مجنونًا، أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ، ونحو ذلك، وأن كلًّا منهم يُدلي بحجة، ويقول: لو عقلت، أو ذكرت لآمنت، فتُرفَع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها، فمن دَخَلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن امتنع أُدخلها كرهًا، هذا معنى ما ورد من ذلك. وما ورد في الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، أنه قال للنبيّ ﷺ : ما أغنيت عن عمك أبي طالب؟ فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ فقال: "هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل"، فهذا شأن من مات على الكفر، فلو كان مات على التوحيد لنجا من النار أصلًا، والأحاديث الصحيحة، والأخبار المتكاثرة طافحة بذلك. وقد فَخَر المنصور على محمد بن عبد الله بن الحسن، لَمّا خَرَج بالمدينة، وكاتبه المكاتبات المشهورة، ومنها في كتاب المنصور: وقد بُعِثَ النبيّ ﷺ ، وله أربعة أعمام، فآمن به اثنان، أحدهما أبي، وكفر به اثنان، أحدهما أبوك. ومن شعر عبد الله بن المعتز، يخاطب الفاطميين [من المتقارب]: وَأَنْتُمْ بَنُو بِنْتِهِ دُونَنَا … وَنَحْنُ بَنُو عَمِّهِ الْمُسْلِمِ وأخرج الرافضي أيضًا في تصنيفه قصة وفاة أبي طالب، من طريق علي بن محمد بن متيم، سمعت أبي يقول: سمعت جدي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: تَبعَ أبو طالب عبد المطلب في كلّ أحواله، حتى خرج من الدنيا، وهو على ملته، وأوصاني أن أدفنه في قبره، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فقال: "اذهب فواره"، وأتيته لَمّا أُنزل به، فغسلته، وكفنته، وحملته إلى الحجون، فنَبَشت عن قبر عبد المطلب، فوجدته متوجهًا إلى القبلة، فدفنته معه، قال متيم: ما عَبَدَ عليّ، ولا أحد من آبائه إلَّا الله إلى أن ماتوا. أخرجه عن أبي بشر المتقدم ذكره، عن أبي بردة السلميّ، عن الحسن بن ما شاء الله، عن أبيه، عن علي بن محمد بن متيم، وهذه سلسلة شيعية، من الغُلاة في الرفض، فلا يُفْرَح به، وقد عارضه ما هو أصح منه مما تقدم، فهو المعتمد. ثم استدل الرافضيّ بقول الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] قال: وقد

стр. 3108

عَزَّره أبو طالب بما اشتَهَر، وعُلِم، ونابذ قريشًا، وعاداهم بسببه، مما لا يدفعه أحد من نقلة الأخبار، فيكون من المفلحين. انتهى. وهذا مبلغهم من العلم، وإنا نُسَلِّم أنه نصره، وبالغ في ذلك، لكنه لَمْ يتبع النور الذي أنزل معه، وهو الكتاب العزيز الداعي إلى التوحيد، ولا يحصل الفلاح إلَّا بحصول ما رُتِّب عليه كلها. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وتحرير أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِث، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ، يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَنْصُرُك، فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّار، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ، صنّف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (يَحُوطُكَ) أي يحفظك. وقوله: (وَيَنْصُرُكَ) أي يعينك، والنُّصرة: العَوْنُ، تقول العرب: أرضٌ منصورةٌ: أي مُعانة بإتيان المطر، ونزوله عليها (٢).

стр. 3109

وقوله: (فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ) بفتح الغين المعجمة، والميم: جمع غَمْرة بإسكان الميم، وهي المعظَم من الشيء، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ: هي ما يُغطي الإنسان، وَيغْمُرُه، مأخوذ من الماء الْغَمْر، وهو الكثير، وقد وقع في بعض النسخ: "غبرات"، وهو تصحيفٌ، ولا معنى للغبرات هنا. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي (٣) عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَال: حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِث، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الإمام الحجة الفقيه المشهور، رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: لَمْ يسق المصنّف ﵀ رواية القطّان هذه، بل أخرج سندها فقط، وقد ساقها الحافظ ابن منده ﵀ في "كتاب الإيمان" (٢/ ٨٨٧)، فقال: (٩٥٨) أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني، ثنا يحيى بن

стр. 3110

محمد بن يحيى أبو زكرياء النيسابوري (ع) وأخبرنا علي بن محمد بن نصر، ثنا معاذ بن المثنى، قالا: ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا سفيان بن سعيد الثوريّ، ثنا عبد الملك بن عمير، ثنا عبد الله بن الحارث، ثنا العباس بن عبد المطلب، قال: قلت للنبيّ ﷺ : ما أغنيت عن عمك، فقد كان يَحُوطك، وينصرك؟ قال: "هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [ … ] ( … ) - (ع) (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم تقدّموا قريبًا، وسفيان هو الثوريّ المذكور قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد سفيان قبله، وهو عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الله بن الحارث، عن العبّاس بن عبد المطّلب. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن حديث سفيان المذكور بهذا الإسناد نحوُ حديث أبي عوانة الذي تقدّم في أول الباب. [تنبيه]: رواية سفيان من طريق وكيع هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية أبي عوانة، أخرجها الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٧٩)، فقال: (٥١٢) حدثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، نا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان (ع)، وحدثنا أبو محمد بن حيان، نا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عليّ، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس، أنه قال للنبيّ ﷺ : عمك أبو طالب، كان يَحُوطك، ويمنعك، ويفعل بك؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "إنه لفي ضحضاح من النار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل"، قال: لفظ وكيع. انتهى. [تنبيه آخر]: إنما فرّق المصنّف ﵀ بالتحويل بين روايتي سفيان

стр. 3111

الثوريّ، اللتين أوردهما من رواية كلّ من يحيى القطّان، ووكيع عنه؛ للاختلاف بينهما في حيغ الأداء، وذلك أن في رواية القطّان وقع التصريح بالتحديث والإخبار فوقه في جميع السند، بخلاف رواية وكيع، فإنها بالعنعنة فوقه، وهذا من دقائق علم الإسناد، ومن دقّة صنيع المصنّف ﵀ التي امتاز بها على كثير من أئمة الحديث، حتى فضّلوه على البخاريّ في هذا، كما سبق البحث فيه مستوفًى في شرح المقدّمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٩] (٢١٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ الْهَاد، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: "لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتي بَوْمَ الْقِيَامَة، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبَيْه، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (لَيْث) بن سعد بن عبد الرَّحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة الفقيه المثبت [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّاب) الأنصاريّ النّجّاريّ مولاهم المدنيّ، ويقال: إنه أخو مسلم بن خَبّاب، وليس بصحيح، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، وعنه القاسم بن محمد، وهو من أقرانه، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وابن إسحاق، وبكير بن عبد الله بن الأشجّ، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال الْجُوزَجانيّ: سألتهم عنه، فلم أرهم يتفقون على حَدِّه، ومعرفته، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن

стр. 3112

عديّ: حَدَّث عنه أئمة الناس، وهو صدوقٌ، لا بأس به، وقال البخاريّ: روى عنه إسحاق بن يسار، وسمع منه محمد بن إسحاق، في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢١٠)، وحديث (٥٦٦): "مرّ على زَرّاعة بَصَلٍ هو وأصحابه … "، و (٧٩٦): "تلك الملائكة كانت تستمع لك … ". ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) هو: سعد بن مالك بن سِنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥)، وقيل: سنة (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، والليث، فمصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ ﵄، من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّاب) الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، وكان من ثقات المدنيين، ولم يرو إلَّا عن أً بي سعيد الخدريّ ﵁، وروى عنه جماعة من أقرانه، ومن بعده، كما أسلفته آنفًا (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سِنَان ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ) ببناء الفعل للمفعول، أي ذَكَر بعض الناس، قال في "الفتح": يؤخذ مما سبقَ أن الذاكر هو العباس بن عبد المطّلب ﵁؛ لأنه الذي سأل عن ذلك. انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ ("لَعَلَّهُ

стр. 3113

تنفَعُهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال القرطبيّ ﵀: هذا الْمُرْتَجَى في هذا الحديث قد تَحَقّق وقوعه؛ إذ قال النبيّ ﷺ : "وجدته في غمرات، فأخرجته إلى ضحضاح"، فكأنه لَمّا ترجّى ذلك أُعطيه، وحُقق له، فأَخْبَرَ به، وهل هذه الشفاعة لبيان قول محقَّق، أو لسان حال؟ اختُلف فيه، فإن تنزّلنا على أنه حقيقة، وأنه ﷺ شَفَعَ لأبي طالب بالدعاء، والرغبة حتى شُفِّع عارضه قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وما في معناه. [والجواب]: من أوجه، أقربها أن الشفاعة المنفيّة إنما هي شفاعة خاصّة، وهي التي تُخلِّص من العذاب، وغاية ما ذُكر من المعارضة إنما هي بين خصوص وعموم، ولا تعارُض بينهما؛ إذ البناء والجمع ممكنٌ. وإن تنزّلنا على أنه لسان حال، فيكون معناه: أن أبا طالب لَمّا بالغ في إكرام النبيِّ ﷺ ، والذبّ عنه، خُفّف عنه بسبب ذلك ما كان يستحقّه بسبب كفره، مع ما حصل عنده من معرفته صدقَ النبيّ ﷺ ، كما قدّمناه، ولَمّا كان ذلك بسبب وجود النبيّ ﷺ ، وببركة الحنوّ عليه نسبه النبيّ ﷺ إلى نفسه، ولا يُستبعد إطلاق الشفاعة على مثل هذا المعنى، فقد سَلَك الشعراء هذا المعنى، فقال بعضهم [من البسيط]: فِي وَجْهِهِ شَافِعٌ يَمْحُو إِسَاءَتَهُ … إِلَى الْقُلُوبِ وَجِيهٌ حَيْثُمَا شَفَعَا وقد يورَدُ أيضًا على هذا المعنى، فيقال: هذا إثبات نفع الكافر في الآخرة بما عَمِله في الدنيا، وقد نفاه النبيّ ﷺ بقوله في قصّة ابن جُدْعان الآتي: "لا ينفعه" (١)، وبقوله الآتي أيضًا: "وأما الكافر فيُعطَى بحسنات ما عَمِلَ في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لَمْ تكن له حسنةٌ يُجزى بها" (٢). [والجواب]: من وجهين: [أحدهما]: ما تقدّم في بناء العامّ على الخاصّ. [والثاني]: أن المخفَّف عنه لَمّا لَمْ يجد أثرًا لِمَا خُفِّف عنه، فكأنه لَمْ ينتفع بذلك، إلا ترى أنه يعتقد أنه ليس في النار أشدّ عذابًا منه، مع أن عذابه

стр. 3114

جمرة من جهنّم في أَخْمَصه؟ وسببه أن القليل من عذاب جهنّم - أعاذنا الله منه - لا تطيقه الجبال، وخصوصًا عذاب الكافر، وإنما تظهر فائدة التخفيف لغير المعذَّب، وأما المعذَّبُ فمشتغلٌ بما حَلَّ به؛ إذ لا يُخلَّي، وبغيره يتسلَّي، فيصدُقُ عليه أنه لَمْ ينتفع، ولم يحصل له نفعٌ البتّة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": قوله: "لعله تنفعه شفاعتي" ظَهَر من حديث العباس وقوع هذا الترجي، واستُشكل قوله ﷺ : "تنفعه شفاعتي" بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]. وأجيب: بأنه خُصّ، ولذلك عَدُّوه في خصائص النبيِّ ﷺ ، وقيل: معنى المنفعة في الآية يخالف معنى المنفعة في الحديث، والمراد بها في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث المنفعة بالتخفيف، وبهذا الجواب جزم القرطبيّ. وقال البيهقيّ في "البعث": صحَّت الرواية في شأن أبي طالب، فلا معنى للإنكار من حيث صحة الرواية، ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنما امتَنَعَت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يَشْفَع فيهم أحدٌ، وهو عامّ في حق كلّ كافر، فيجوز أن يُخَصّ منه من ئبت الخبر بتخصيصه، قال: وحمله بعض أهل النظر على أن جزاء الكافر من العذاب يقع على كفره، وعلى معاصيه، فيجوز أن الله يَضَع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيه؛ تطييبًا لقلب الشافع، لا ثوابًا للكافر؛ لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباءً. وأخرج مسلم عن أنس ﵁: "وأما الكافر فيُعطَى حسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لَمْ تكن له حسنة". وقال القرطبيّ في "المفهم": اختُلِف في هذه الشفاعة، هل هي بلسان قوليّ، أو بلسان حاليّ؟ والأول يُشكل بالآية، وجوابه جواز التخصيص، والثاني يكون معناه: أن أبا طالب لَمّا بالغ في إكرام النبيّ ﷺ ، والذبّ عنه جُوزي على ذلك بالتخفيف، فأُطلق على ذلك شفاعة؛ لكونها بسببه، قال:

стр. 3115

ويجاب عنه أيضًا: أن المخفف عنه لَمّا لَمْ يجد أثر التخفف، فكأنه لَمْ ينتفع بذلك، ويؤيد ذلك ما تقدم أنه يعتقد أن ليس في النار أشدّ عذابًا منه، وذلك أن القليل من عذاب جهنم، لا تطيقه الجبال، فالمعذَّب لاشتغاله بما هو فيه يَصْدُق عليه أنه لَمْ يحصل له انتفاع بالتخفيف. وقد يساعده ما عند البخاريّ من حديث أم حبيبة ﵂ في قصة بنت أم سلمة: "أرضعتني وإياه ثويبة"، قال عروة: "إن أبا لهب رؤي في المنام، فقال: لَمْ ألق بعدكم غير أني سُقيت في هذه بعتاقتي ثويبة". وجوّز القرطبيّ في "التذكرة" أن الكافر إذا عُرِض على الميزان، ورَجَحَت كفة سيئاته بالكفر، اضمَحَلَّت حسناته، فدخل النار، لكنهم يتفاوتون في ذلك، فمن كانت له منهم حسنات، مِن عِتْقٍ، ومواساة مسلم، ليس كمن ليس له شيء من ذلك، فيَحْتَمِل أن يُجازَى بتخفيف العذاب عنه بمقدار ما عَمِل؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧]. قال الحافظ ﵀: لكن هذا البحث النظريّ معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ الآية [فاطر: ٣٦]، وحديث أنس الذي تقدّمت الإشارة إليه. وأما ما أخرجه ابن مردويه، والبيهقيّ من حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: "ما أحسن مُحْسن من مسلم، ولا كافر، إلَّا أثابه الله!، قلنا: يا رسول الله، ما إثابة الكافر؟ قال: "المال والولد والصحة، وأشباه ذلك"، قلنا: وما إثابته في الآخرة؟ قال: "عذابًا دون العذاب"، ثم قرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. [فالجواب] عنه: أن سنده ضعيف، وعلى تقدير ثبوته، فيَحْتَمِل أن يكون التخفيف فيما يتعلق بعذاب معاصيه، بخلاف عذاب الكفر. انتهى (١). (فَيُجْعَلُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير عمه أبي طالب (فِي ضَحْضَاحٍ) تقدّم ضبطه ومعناه قريبًا (مِنْ نَارٍ) بيان لـ "ضحضاح" (يَبْلُغُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى "ضحضاح" (كعْبَيْهِ) تثنية كعب، قال

стр. 3116

الفيّوميّ ﵀: الْكَعْبُ من الإنسان اختَلَف فيه أئمة اللغة، فقال أبو عمر بن العلاء، والأصمعيّ، وجماعة: هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى الساق والقدم، فيكون لكلّ قدم كعبان، عن يمينها ويسرتها، وقد صَرَّح بهذا الأزهريّ وغيره، وقال ابن الأعرابيّ، وجماعة: الكعبُ: هو الْمَفْصِل بين الساق والقدم، والجمع كُعُوبٌ، وأَكْعُبٌ، وكِعَابٌ، قال الأزهريّ: الكعبان الناتئان في منتهى الساق مع القدم، عن يمنة القدم ويسرتها، وذهبت الشيعة إلى أن الكعب في ظهر القدم، وأنكره أئمة اللغة، كالأصمعيّ وغيره. انتهى (١). قال السُّهَيليّ ﵀: الحكمة فيه أن أبا طالب كان تابعًا لرسول الله ﷺ بجملته، إلَّا أنه استَمَرّ ثابتَ القدم على دين قومه، فسُلِّط العذاب على قدميه خاصّة؛ لتثبيته إياهما على دين قومه، قال في "الفتح": كذا قال، ولا يخلو عن نظر. انتهى (٢). (يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ") ووقع في رواية: "يغلي منه أُمّ دماغه"، قال الداوديّ: المراد: أمُّ رأسه، وأطلق على الرأس الدماغ، من تسمية الشيء بما يقاربه ويجاوره، ووقع في رواية ابن إسحاق: "يغلي منه دماغه، حتى يسيل على قدمه". [تكملة]: من عجائب الاتفاق أن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبيّ ﷺ أربعة، لَمْ يسلم منهم اثنان، وأسلم اثنان، وكان اسم مَن لَمْ يسلم ينافي أسامي المسلمين، وهما أبو طالب، واسمه عبد مناف، وأبو لهب، واسمه عبد الْعُزَّي، بخلاف من أسلم، وهما حمزة، والعباس ﵄، ذكره في "الفتح" (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 3117

أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٦/ ٥١٩] (٢١٠)، و (البخاريّ) في "المناقب" (٣٨٨٥)، و"الرقاق" (٦٥٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٨ و ٥٠ و ٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨١ و ٢٨٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٥١٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٩٧) - (بَابُ بَيَانِ أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٠] (٢١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) التميميّ، أبو المنذر الخُرَاسانيّ، سكن الشام، ثم الحجاز، ثقةٌ، إلَّا في رواية أهل الشام عنه، فضعيفٌ [٧] (ت ١٦٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧١. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تَقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٤ - (النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الزُّرَقيّ الأنصاريّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م ت س ق) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٤. والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وكذا شرح الحديث. وقوله: (إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) سيأتي التصريح في حديث ابن عبّاس ﵄ الآتي بعد هذا أنه أبو طالب.

стр. 3118

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٧/ ٥٢٠] (٢١١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٣/ ١٥٧ و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨٣) و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢١] (٢١٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ﵀، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْن، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرَّحمن بن ملّ بن عمرو، تقدّم قبل باب. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر، تقدّم قبل باب، وكذا شرح الحديث. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٧/ ٥٢١] (٢١٢)، و (ابن أبي

стр. 3119

شيبة) في "مصنّفه" (١٣/ ١٥٧ - ١٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨٤ و ٢٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥١٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩٦٢)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٥٨١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٢] (٢١٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ، وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُل، تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَان، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨١. ٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) السبيعيّ، عمرو بن عبد الله الكوفيّ، ثقة مكثرٌ عابدٌ، اختلط بآخره، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٦ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سَعْد بن ثَعلبة بن جُلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجيّ، أبو عبد الله المدنيّ، له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رَوَاحة. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن خاله عبد الله بن رواحة، وعمر، وعائشة ﵃.

стр. 3120

ورَوَى عنه ابنه محمد، ومولاه حبيب بن سالم، والشعبيّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، وأبو قلابة الجرمي، وأبو سلام الأسود، وسالم بن أبي الجعد، وحميد بن عبد الرَّحمن بن عوف، وخيثمة بن عبد الرَّحمن، وسماك بن حرب، والْعَيْزار بن جُرَيث، والمفضل بن المهلب بن أبي صُفرة، وأزهر بن عبد الله الحرازيّ، وآخرون. قال الواقدي: وُلد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود وُلد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ ، هذا قول الأكثر: إنه وُلد هو وابنُ الزبير عام اثنتين من الهجرة، وقيل غير ذلك. ورُوي نحوُه عن جابر أنه قال: أنا أسنّ منه بنحو من عشرين سنة، وما وُلد قبل بدر إلَّا بثلاثة أشهر أو أربعة. وقال يحيى بن معين: ليس يروي عن النبي ﷺ حديثًا يقول فيه: "سمعت" إلَّا في حديث الشعبي: "إلا وإنّ في الجسد مضغةً … "، والباقي من حديثه إنما هو عن النبي ﷺ ليس فيه "سمعت". وقال أيضًا: أهل المدينة يقولون: لَمْ يسمع من النبي ﷺ ، وأهل العراق يصححون سماعه منه. وقال أبو نعيم: كان أميرًا على الكوفة في عهد معاوية. وقال أبو حاتم: كان أميرًا على الكوفة تسعة أشهر. وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز: كان قاضي دمشق بعد فَضَالة بن عُبيد. وقال سماك بن حرب: استعمله معاوية على الكوفة، وكان من أخطب من سمعت. وقال الهيثم بن عديّ: عَزَله معاوية عن الكوفة، ثم ولاه حمص. وقال ابن سعد: أُخبرت عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن سعيد، عن عبد الملك بن عمير قال: أتى بَشِير بن سعد بالنعمان إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله ادع له، فقال: "أما ترضى أن يبلغ ما بلغت، ثم يأتي الشام فيقتله منافق من أهل الشام؟ ". وقال أبو مسهر: كان النعمان بن بشير عاملًا على حمص، فبايع لابن الزبير - يعني بعد موت يزيد بن معاوية - فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا، فاتبعه خالد بن خَلِيّ الكلاعي فقتله. وقال خليفة بن خياط: وفي أول سنة خمس وستين خرج النعمان من حمص، فاتبعه خالد بن خَلِيّ الكلاعي فقتله. وقال المفضل الغلابي وغيره: قُتل سنة ست وستين. أخرج له الجماعة، وروى (١٢٤) حديثًا، اتفق الشيخان على خمسة،
следующие страницы →