أبي زائدة. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقالى عثمان الدارمي: قلت لابن معين: إسماعيل بن زكريا أحب إليك، أو يحيى بن أبي زائدة؟ قال: يحيى أحب إلي، قلت: هما أخوان عندك؟ قال: لا. وقال ابن المدينيّ: هو من الثقات، وقال أيضًا: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه، وقال أيضًا: انتهى العلم إليه في زمانه. وقال ابن نمير: كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، ثقةٌ، صدوقٌ. وقال النسائيّ: ثقة ثبت. وقال العجليّ: ثقةٌ، وهو ممن جُمِع له الفقه والحديث، وكان على قضاء المدائن، ويُعَدُّ من حفاظ الكوفيين للحديث، متقنًا ثبتًا، صاحب سنة، ووكيع إنما صَنَّف كتبه على كتب يحيى بن أبي زائدة. وذكر ابن أبي حاتم: أنه أول من صَنَّف الكتب بالكوفة. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: يحيى بن أبي زائدة في الحديث مثل العروس الْمُعَطَّرة. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان يحيى بن زكريا كَيِّسًا، ولا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن قبيصة بن بُرمَة، قال: قال عبد الله: "ما أُحبّ أن يكون عبيدكم مؤدبيكم"، وإنما هو عن واصل، عن قبيصة. وقال الغلابيّ عن ابن معين نحو ذلك. وقال حنبل عن محمد بن داود: سمعت عيسى بن يونس، وسئل عن يحيى بن أبي زائدة، فقال: ثقة، قال: ورأيت زكريا بن أبي زائدة يجيء به إلى مُجَالد. وقال زياد بن أيوب: كان يحدث حفظًا. وقال ابن أبي حاتم في "العلل": سألت أبي وأبا زرعة عن حديث، رواه ابنُ أبي زائدة، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن يسار، عن ابن عُمير في الَعَبَث بالحصى، فقالا: وَهِمَ ابنُ أبي زائدة، وإنما هومسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن، عن ابن عُمير، قال أبو زرعة: يحيى قَلَّمَا يُخطئ، فإذا أخطأ أتى بالعظائم. انتهى. وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله تعالى -. وقال ابن شاهين في "الثقات": قيل ليحيى بن معين: إن زكريا بن عدي لم يُحَدِّث عنه، قال: هو خير من زكريا بن عديّ، ومن أهل قريته.
وقال علي بن المدينّي: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال ابن سعد وغيره: مات بالمدائن، وهو قاضٍ بها سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد يعقوب بن شيبة: وبلغ من السن يوم مات ثلاثًا وستين سنة، وقال:
стр. 317
ثقةٌ، حسن الحديث، ويقولون: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة، وكان يُعَدّ في فقهاء محدثي أهل الكوفة، وكانت وفاته في جمادى الأولى، وقال خليفة، وابن حبان: مات سنة ثلاث، أو أربع، وقال ابن قانع: مات سنة أربع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وسعد بن طارق، هو أبو مالك الأشجعيّ الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢١] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) ٣/ ٦.
٢ - (أَبُوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) ٣/ ٦.
٣ - (عَاصِمٌ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن أبيه، وإخوته: واقد، وزيد، وعمر، وابن عم أبيه: القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب الْقُرَظِيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو إسحاق الفزاري، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وبِشْر بن المفضل، وعمر بن يونس اليمامي، ومعاذ بن معاذ العنبريّ، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو نعيم، وأحمد بن يونس، وعلي بن الْجَعْد، وغيرهم.
стр. 318
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: صدوقٌ في الحديث. وقال البزار: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٦) و (١٤٦) و (١٥٠٩) و (١٨٢٠) و (١٨٥١).
٤ - (أَبُوهُ) مُحَمَّدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن العبادلة الأربعة: جدِّهِ عبد الله، وابن عمرو، وابن عباس، وابن الزبير، وسعيد بن زيد بن عمرو.
وروى عنه بنوه الخمسة: عاصم، وواقد، وعُمَر، وأبو بكر، وزيد، والأعمش، وبشار بن كِدَام، وعَبْدَة بن أبي لُبَابة، وأبو قُطْبة سُويَد بن نَجِيح.
قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، قلت: يُحتَجّ بحديثه؟ قال: نعم، وكان البخاري جَعَلَ محمد بن زيد الذي رَوَى عن ابن عباس، وعنه الأعمش، غير ابن عمر هذا، فغَيَّرَهُ أبي، وقال: هما واحدٌ: وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
وقوله: "قال عبد الله"، يعني ابن عمر بن الخطاب ﵁ المذكور في السند الماضي.
وقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وما بعده مخفوضٌ على البدليّة من "خمسٍ"، ويجوز رفعها على حذف الخبر، أي منها شهادة إلخ، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: "أحدها شهادة إلخ، ويجوز النصب بتقدير "أعني شهادة الخ".
[تنبيه]: قال في "الفتح": اشترط الباقلّانيّ في صحّة الإسلام تقدّم الإقرار بالتوحيد على الرسالة، ولم يُتابَع، مع أنه إذا دقّق فيه بان وجهه، ويزداد اتّجاهًا إذا فرّقهما، فليُتأمّل. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 319
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٢] ( … ) - (وحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالدٍ، يُحَدِّثُ طَاوُسًا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا تَغْزُو، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيَتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجة [٦].
رَوَى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن مِينَاء، وطاووس، وعكرمة بن خالد، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رَبَاح، ومجاهد، وأخويه: عبد الرحمن وعمر، وجماعة.
ورَوَى عنه الثوريّ، وحماد بن عيسى الْجُهَنيّ، وابن المبارك، وابن نمير، وابن وهب، ووكيع، والقطان، والوليد بن مسلم، وعبيد الله بن موسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم، وجماعة.
قال أحمد: كان وكيع إذا أَتَى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، وكان ثقة ثقة، وكذا قال الْجُوزَجانيّ عن أحمد: إنه ثقة ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: حنظلة وأخوه ثقتان. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو داود، وعثمان بن الأسود يُقَدَّم عليه. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه؟ فقال: كان عنده كتابٌ، ولم يكن عندي مثل سيف. وقال ابن عديّ: وعامة ما رَوَى حنظلة مستقيم، وإذا حَدَّث عنه ثقة فهو مستقيم. وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة، وهو دون المتثبتين، وقال أيضًا: قيل لعلي بن المدينيّ: كيف رواية حنظلة عن سالم؟ فقال: روايته عن سالم وادٍ، وروايةُ موسى بن عقبة عن سالم واد آخر، ورواية الزهريّ عن سالم كأنها أحاديث نافع، فقيل لعلي: هذا يدل على أن سالمًا كثير الحديث؟ قال: أجل. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله
стр. 320
أحاديث. وقال ابن المدينيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال اسم أبي سفيان الأسود، وهو الذي يَرْوِي عنه محمد بن فضيل، ويقول: حدثنا حنظلة بن الأسود، وذكره ابن عدي في "الكامل"، وأورد له حديثًا استنكره، لَعَلَّ العلة فيه من غيره.
قال أحمد عن يحيى بن سعيد: كان حَيًّا سنة (١٥١)، وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات فيها.
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وأبي داود، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٢ - (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطُّفيل، ومالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسعيد بن جبير، وجماعة.
وَرَوَى عنه أيوب، وابن جريج، وعبد الله بن طاوس، وعبد الله بن عطاء المكيّ، وحنظلة بن أبي سفيان، وعباد بن منصور، وقتادة، وابن إسحاق، وعطاء بن عجلان، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. ووَثَّقَه البخاريّ فيما ذكر أبو الحسن بن القطان. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: لم يسمع من ابن عباس. وقال أبو زرعة: عكرمة بن خالد عن عثمان مرسلٌ .. وقال ابن أبي حاتم: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من عمر، وسمع من ابنه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد عطاء بن أبي رباح.
أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا (١٦) وحديث (٢٦٤٥): "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة … " الحديث، والباقون تقدّموا قبل حديثين.
وقوله: "أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر إلخ"، تقدّم أن اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السكسكيّ، كما ذكر الخطيب في "مبهماته".
وقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، اقتصاره في هذه الرواية على إحدى
стр. 321
الشهادتين، فهو إما تقصير من الراوي في حذف الشهادة الأخرى التي أثبتها غيره من الحفاظ، وإما أن يكون وقعت الرواية من أصلها هكذا، ويكون من الحذف للاكتفاء بأحد القرينتين، ودلالته على الآخر المحذوف. قاله النوويّ (١).
وقوله: "ألا تغزو": فهو بالتاء المثناة من فوقُ للخطاب، ويجوز أن يُكتَبَ "تغزوا"، بالألف وبحذفها، فالأول قول الْكُتَّاب المتقدمين، والثاني قول بعض المتأخرين، وهو الأصح، حكاهما ابن. قتيبة في "أدب الكاتب".
وأما جواب ابن عمر ﵁ له بحديثِ "بُنِي الإسلام على خمس"، فالظاهر أن معناه ليس الغزو بلازم على الأعيان، فإن الإسلام بُنِي على خمس، ليس الغزو منها، قاله النوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
(٦) - (بَابُ الأَمْرِ بِالإِيمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ ﷺ ، وَشَرَائِعِ الدِّين، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ)
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٢٣] (١٧) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.
(ح) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا هَذَا الْحَيَّ، مِنْ رَبِيْعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا في شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِه، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: الْإِيمَانِ باللهِ"، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ، فَقَالَ: "شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ
стр. 322
الزَّكَاة، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالنَّقِير، وَالْمُقَيَّرِ - زَادَ خَلَفٌ فِي رِوَايَتِهِ - شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"، وَعَقَدَ وَاحِدَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) بن ثَعْلب - بالمثلّثة، والمهملة - ويقال: طالب بن غُرَاب الْبَزّار - بالراء آخرَهُ - المقرئ البغداديّ، ثقة [١٠].
روى عن مالك، وحماد بن زيد، وهشيم، وأبي الأحوص، وأبي شهاب، وأبي عوانة، والدّرَاوَرْديّ، وجماعة.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن أبي خيثمة، وإبراهيم الحربيّ، وعباس الدُّوريّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال اللالكائيّ: سئل عباس الدُّوريّ عن حكاية عن أحمد بن حنبل في خَلَف بن هشام، فقال: لم أسمعها، ولكن حدّثني أصحابنا أنهم ذكروه عند أحمد، فقيل: إنه يشرب، فقال: قد انتهى إلينا علم هذا، ولكنه والله عندنا الثقة الأمين، وقال عباس: ووَجَّهني خلف إلى يحيى، فقال: كانت عندي كتب حماد بن زيد، فحدثت بها، وبَقِيَ عندي رِقَاع بعضها دارس، فاجتمعت عليه أنا وأصحابنا، فاستخرجناها، فهل ترى أن أحدث بها؟ قال لي: قل له حدث بها يا أبا محمد، فإنك الصدوق الثقة، وقال النسائيّ: بغدادي ثقة، وقال الدارقطنيّ: كان عابدًا فاضلًا، قال: أعدت صلاة أربعين سنةً، كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين، وحكى الخطيب في "تاريخه" عن محمد بن حاتم الكنديّ، قال: سألت يحيى بن معين عن خَلَف البزار؟ فقال: لم يكن يَدْرِي أَيْشٍ الحديثُ؟ قال الخطيب: أحسبه سأله عن حفاظ الحديث وثقاته، فأجابه بهذا، والمحفوظ عن يحيى توثيق خلف، وقال أبو عمرو الدانيّ: قرأ القرآن عن سُلَيم، وأَخَذَ حرف نافع عن إسحاق المسيَّبِيّ، وحرف عاصم عن يحيى بن آدم، وهو إمام في القراءات، وله اختيار حُمِلَ عنه، مُتَقَدِّم في رواية الحديث، صاحب سنة، ثقة مأمون.
قال موسى بن هارون، وغير واحد: مات في سنة (٢٢٩) في جمادى
стр. 323
الآخرة، وكذا قال ابن حبان، وزاد: وكان خيرًا فاضلًا عالِمًا بالقراءات، كتب عنه أحمد بن حنبل.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٠) حديثًا.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثَبْتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) ٣/ ٢٦.
٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) ٢/ ٩.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ الْعَتَكيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٧].
روى عن عاصم الأحول، وأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ، وهشام بن عروة، وعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن حفص، وعوف الأعرابيّ، ومجالد، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ويونس بن خباب، وواصل مولى أبي عُيينة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، وإبراهيم بن زياد سَبَلان، ومسدد، ومحمد بن عيسى بن الطَّبّاع النيسابوري، وموسى بن إسماعيل، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: ليس به بأسٌ، وكان رجلًا عاقلًا أديبًا، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: عباد بن عباد، وعباد بن العوّام جميعًا ثقة، وعباد بن عباد أوثقهما، وأكثرهما حديثًا، وقال يعقوب بن شيبة، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوقٌ، لا بأس به، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: لا، وقال الترمذيّ، عن قتيبة: ما رأيت مثل هؤلاء الفقهاء الأشراف: مالكًا، والليث، وعبد الوهاب الثقفيّ، وعباد بن عباد، كنا نرضى أن نرجع من عند عباد كل يوم بحديثين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقة العجليّ، والعقيليّ، وأبو أحمد المروزيّ، وابن قتيبة.
قال الحافظ: وأورد ابن الجوزي في "الموضوعات" حديث أنس: "إذا بلغ العبد أربعين سنة … " من طريق عباد هذا، فنسبه إلى الوضع، وأفحش
стр. 324
القول فيه، فَوَهِمَ وَهَمًا شنيعًا، فإنه التبس عليه بِرَاو آخر، وقد تعقبتُ كلامه في "الخصال المكفرة" انتهى (١).
وقال ابن سعد: كان ثقةً، وربما غَلِطَ، وقال في موضع آخر: كان معروفًا بالطلب، حسن الهيئة، ولم يكن بالقويّ في الحديث، وتُوُفّي سنة إحدى وثمانين ومائة، وزاد أبو جعفر بن جرير الطبريّ: في رجب، قال: وكان ثقةً، غير أنه كان يَغْلَط أحيانًا، وقال البخاريّ: قال سليمان بن حرب: مات قبل حماد بن زيد بستة أشهر، وقال إبراهيم بن زياد سَبَلان: مات سنة (١٨٠)، قال البخاريّ: وهذا أشبه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٧) و (٦٦٣) و (١٢١١) و (١٢٣١) و (١٤٧٦) و (٢١٣٢) و (٢١٩٢) و (٢٦٧٣).
٥ - (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - هو: نصر بن عمران بن عِصَام، وقيل: ابن عاصم بن واسع، الضُّبَعيُّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها مهملة - البصريُّ، نزيل خُرَاسان، مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣].
روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وجُويرية بن قُدامة، وأنس بن مالك، وزَهْدَم الجرمي، وأبي بكر بن أبي موسى الأشعريّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه علقمة، وأبو التَّيّاح، والمثنى بن سعيد الْقَسّام، ومُرّة بن خالد، وشعبة، وإبراهيم بن طَهْمان، والحمادان، وعمران القطان، وهمام بن يحيى، وعباد بن عباد المهلبيّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: روى أبو عوانة، عن أبي حَمْزَة القَصّاب ستين حديثًا، وروى عن أبي جَمْرة حديثًا، واحدًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلم بن الحجاج: كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم إلى سَرَخْس، فمات بها، وقال الحاكم: كان ورد خراسان مع سعيد بن عثمان، ثم وردها مع يزيد بن المهلب، وله ذكر في الفتوح، ثم أقام بسرخس، وتُوفي بها، وقال عمرو بن عليّ: مات قبل أبي التياح بقليل، ومات أبو التياح
стр. 325
سنة ثمان وعشرين ومائة، وفيها أرَّخه الترمذيّ، وقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وقال خليفة بن خياط، والبخاريّ: مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وكان عَزْلُ يوسف سنة أربع وعشرين، وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٧) كرّره ثلاث مرات، (٦٣٥) و (٧٦٤) و (٩٦٧) و (١٢٤٢) و (٢٣٥١) و (٢٤٧٤) و (٢٥٣٥).
[تنبيه]: "الضُّبعيّ" - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، من بني ضُبَيعة - بضم أوله، مُصَغَّرًا - وهم بطن من عبد القيس، كما جزم به الرشاطيّ، وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم: بنو ضُبَيعة أيضًا، وقد وَهِمَ من نَسَبَ أبا جمرة إليهم، من شُرّاح البخاريّ، فقد روى الطبرانيّ، وابن منده في ترجمة نوح بن مَخْلَد، جَدِّ أبي جمرة أنه قَدِمَ على رسول الله ﷺ ، فقال له: "ممن أنت؟ " قال: من ضُبَيعةِ ربيعةَ، فقال: "خيرُ ربيعة عبد القيس، ثم الحي الذين أنت منهم"، قاله في "الفتح" (١).
٦ - (ابن عبّاس) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ ، كان يقال له: الْحَبْر والْبَحْر؛ لكثرة علمه.
رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وأمه أم الفضل، وأخيه الفضل، وخالته ميمونة، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وتميم الداري، وخالد بن الوليد، وهو ابن خالته، وأسامة بن زيد، وجماعة.
وروى عنه ابناه: علي ومحمد، وابن ابنه محمد بن علي، وأخوه كَثِير بن العباس، وابن أخيه عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وابن أخيه الآخر، عبد الله بن معبد بن عباس، ومن الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثعلبة بن الحكم الليثي، والمسور بن مخرمة، وأبو الطفيل، وغيرهم من الصحابة، وخلق كثير من التابعين.
دعا له النبي ﷺ بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن
стр. 326
ابن عباس. وقال ابن مسعود أيضًا: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد. وَرَوَى ابن أبي خيثمة بسند فيه جابر الجعفي أن ابن عمر كان يقول: ابنُ عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد ﷺ . وروى ابن سعد بسند صحيح أن أبا هريرة قال - لما مات زيد بن ثابت -: مات اليوم حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط.
وقال يزيد بن الأصمّ: خرج معاوية حاجًّا، وخرج ابن عباس حاجًّا، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس ممن يطلب العلم موكب. وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحج. وروى الزبير بن بكار في كتاب "الأنساب" بسند له فيه ضعف عن ابن عمر قال: كان عمر يدعو ابن عباس، ويُقَرِّبه، ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يومًا، فمسح رأسك، وتفل في فيك، وقال: "اللهم فَقِّهه في الدين، وعلمه التأويل". ورَوَى أحمد هذا المتن بسند لا بأس به، من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، وبعضه في "الصحيح". ورواه الطبرانيّ بمعناه من طريق ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس نحوه. وعند أبي نعيم بسند له عن عبد الله بن بُريدة، عن ابن عباس قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وعنده جبريل، فقال له جبريل: إنه كائن حبرَ هذه الأمة، فاستوصِ به خيرًا.
[فائدة]: رُوي عن غُندَر أن ابن عباس لم يسمع من النبي ﷺ إلا تسعة أحاديث. وعن يحيى القطان: عشرة. وقال الغزالي في "المستصفى" أربعة: وكلُّ هذا فيه نظر، ففي "الصحيحين" عن ابن عباس مما صرح فيه بسماعه من النبي ﷺ أكثر من عشرة، وفيهما مما شَهِدَ فعله نحوُ ذلك، وفيهما مما له حُكمُ الصريح نحوُ ذلك، فضلًا عما ليس في "الصحيحين".
قال السخاويّ رحمه الله تعالى: وقد اعتنى شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - بجمع الصحيح والحسن فقط مما صرّح فيه ابن عباس بالسماع، فزاد على الأربعين، سوى ما هو في حكم السماع، كحكاية حضور شيء فُعِل بحضرة النبيّ ﷺ ، انتهى (١).
стр. 327
ورَوَى سعيد بن جبير عنه قال: قُبِض النبي ﷺ ، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة. وعنه قال: وأنا خَتِين. وعنه قال: ابن عشر سنين. وعنه قال: وأنا ابن خمس عشرة، وصوَّبه أحمد بن حنبل. وصحح ابنُ عبد البر ما قاله أهل السير أنه كان له عند موت النبي ﷺ (١٣) سنة.
وقال أبو نعيم في آخرين: مات سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. وكان موته بالطائف. وقيل: مات سنة (٦٩)، وقيل: سنة سبعين.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٦٩٦) حديثًا، اتفق الشيخان على (٧٥) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٢٨) ومسلم بـ (٤٩) حديثًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد عنده، كما قدّمناه في "شرح المقدّمة".
٢ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام البحث فيها قريبًا، فلا تَنْسَ.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني لم يُخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه أيضًا، فالأول بغداديّ، والثاني نيسابوريّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الأصح في "عن" من غير المدلّس إذا ثبت السماع، واكتفى المصنّف بالمعاصرة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "شرح المقدّمة".
٧ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، وهو الملقّب بالحبر والبحر؛ لسعة علمه، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالطائف.
стр. 328
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: إن قوله في الرواية الثانية: أخبرنا عباد بن عباد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس ﵄ قد يَتَوَهَّم من لا يُعَاني هذا الفن أنّ هذا تطويل لا حاجة إليه، وأنه خلاف عادته، وعادة الحفاظ، فإن عادتهم في مثل هذا أن يقولوا: "عن حماد، وعباد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس"، وهذا التوهم يَدُلُّ على شدة غباوة صاحبه، وعدم مؤانسته بشيء من هذا الفن، فإن ذلك إنما يفعلونه فيما استوى فيه لفظ الرواة، وهنا اختلف لفظهم، ففي رواية حماد: "عن أبي جمرة، سمعت ابن عباس"، وفي رواية عباد: "عن أبي جمرة، عن ابن عباس".
قال: وهذا التنبيه الذي ذكرته ينبغي أن يُتَفَطَّن لمثله، وقد نبهت على مثله بأبسط من هذه العبارة في الحديث الأول من "كتاب الإيمان"، ونبهت عليه أيضًا في الفصول، وسأنبه على مواضع منه أيضًا مفرقة في مواضع من الكتاب - إن شاء الله تعالى -.
والمقصود أن تُعْرَف هذه الدقيقة، وَيتَيَقَّظ الطالبُ لِمَا جاء منها، فيعرفَه، وإن لم أنُصَّ عليه اتّكالًا على فهمه بما تكرر التنبيه به.
ولْيَسْتَدِلَّ أيضًا بذلك على عظم إتقان مسلم رحمه الله تعالى، وجلالته، وورعه، ودِقَّة نظره، وحِذْقِه، والله تعالى أعلم، انتهى (١).
٩ - (ومنها): أن أبا جمرة بالجيم والراء، قال صاحب "المطالع": ليس في "الصحيحين"، و"الموطإ" أبو جمرة، ولا جَمْرَة بالجيم، إلا هو، وقد ذكر الحاكم أبو أحمد الحافظ الكبير، شيخ الحاكم أبي عبد الله في كتاب "الأسماء والكنى" أبا جمرة نصر بن عمران هذا في الأفراد، فليس عنده في المحدثين من يُكنى أبا جمرة بالجيم سواه، وفيه أبو حمزة - بالحاء والزاي - ويروي عن ابن عباس حديثًا واحدًا، وذكر فيه معاويةَ بن أبي سفيان، وإرسال النبيّ ﷺ إليه ابن عباس، وتأخره واعتذاره، رواه مسلم في "الصحيح" (٢).
стр. 329
وحَكَى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه "علوم الحديث"، والقطعة التي شرحها في أول مسلم، عن بعض الحفاظ أنه قال: إن شعبة بن الحجاج، رَوَى عن سبعة رجال، يَرْوُون كلُّهم عن ابن عباس، كلُّهم يقال له: أبو حَمْزَة - بالحاء والزاي - إلا أبا جمرة، نصر بن عمران - فبالجيم والراء - قال: والفرق بينهم يُدرَك بأن شعبة إذا أَطْلَق، وقال: "عن أبي جمرة، عن ابن عباس" فهو بالجيم، وهو نصر بن عمران، وإذا رَوَى عن غيره ممن هو بالحاء والزاي، فهو يذكر اسمه أو نسبه، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى: وربّما أطلق غيره أيضًا، مثاله ما روى أحمد في "مسنده": ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي حمزة، سمعت ابن عبّاس يقول: "مرّ بي رسول الله ﷺ ، وأنا ألعب مع الغلمان، فاختبأتُ منه خلفَ باب … " الحديث، فهذا شعبة قد أطلق الرواية عن أبي حمزة، وليس هو نصرَ بنَ عمران، إنما هو بالحاء المهملة والزاي القصّاب، واسمه عمران بن أبي عطاء، كما بيّنه مسلم في روايته (١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، فقال:
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ
إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا … وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) - بالجيم والراء - نصر بن عمران، كما تقدم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵁، أنه (قَالَ) سبب قول ابن عباس ﵁ هذا أن امرأةً جاءته تسأله عن
стр. 330
نبيذ الجرّ، كما سيأتي في الحديث التالي: - إن شاء الله تعالى - (قَدِمَ) - بكسر الدال - يقال: قَدِمَ الرجل البلد يَقْدَمُهُ، من باب تَعِبَ، قُدُومًا، ومَقْدَمًا بفتح الميم والدال، قاله في "المصباح" (١)، وفي "القاموس": وقَدِمَ من سَفَرِه، كعَلِمَ قُدُومًا وقِدْمَانًا بالكسر: آب، فهو قادم، انتهى (٢).
(وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ) "الْوَفد" بفتح، فسكون: جمع وافد، قال الفيّوميّ: وَفَدَ على القوم وَفْدًا، من باب وَعَدَ، ووُفُودًا، فهو وافدٌ، وقد يُجمَعُ على وُفَّاد، ووُفَّدٍ، وعلى وَفْدٍ، مثلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، انتهى (٣).
وقال ابن سيده: يقال: وَفَدَ عليه، وإليه وَفْدًا ووُفُودًا، ووِفَادةً وإِفَادَةً على البدل: قَدِمَ عليه، وهم الوَفْدُ، والوُفُودُ، فأما الوَفْدُ فاسم جمع، وقيل: جمع، وأما الوُفُودُ فجمع وافدٍ، وقد أوفده إليه.
وفي "الجامع" للقزّاز: وَفَدَ القومُ يَفِدُون، وأوفدتهم أنا أيضًا، وواحد الوفد وافدٌ.
وفي "الصحاح": وَفَدَ فلانٌ على الأمير رسولًا، والجمع وَفْدٌ، وجمع الوافد أَوفَادٌ، والاسم الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير: أي أرسلته.
وفي "المغيث": الوَفْدُ قوم يجتمعون، فيَرِدون البلادَ، وكذا ذكره الفارسيّ في "مجمع الغرائب".
وقال صاحب "التحرير": "الوَفْدُ": الجماعة المختارة من القوم؛ ليتقدّموهم إلى لُقِيّ العظماء، والمصير إليهم في المهمات، واحدهم وَافِدٌ.
وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركابًا، ويؤيّده ما ذكره ابن عبّاس فسّر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]، قال: رُكبانًا.
و"عبد القيس": أبو قبيلة، وهو ابن أفصى - بفتح الهمزة، وسكون الفاء، والصاد المهملة المفتوحة - ابن دُعْميّ - بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة - ابن جَدِيلة - بفتح الجيم - ابن أسد بن ربيعة بن نِزَار، كانوا ينزلون البحرين، وحوالي القطيف والأحساء، وما بين هَجَر إلى الديار المصريّة (٤).
стр. 331
(عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ) متعلّق بـ "قَدِمَ"، قال صاحب "التحرير": وَفْدُ عبد القيس هؤلاء تقدَّموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله ﷺ ، وكانوا أربعة عشر راكبًا الأشجّ الْعَصَريّ (١) رئيسهم، ومَزْيَدَة بن مالك المحاربيّ، وعبيدة بن همام المحاربيّ، وصُحَار بن العباس (٢) الْمُرّيّ، وعمرو بن مَرْجوم (٣) الْعَصريّ، والحارث بن شُعيب الْعَصَريّ، والحارث بن جُنْدَب، من بني عايش، ولم نَعْثُر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء وتعقّب صاحب "الفتح" قوله: ولم نعثر بعد طول التتبع إلخ فقال:
قد ذكر ابنُ سعد منهم عُقبة بن جروة، وفي "سنن أبي داود" قيس بن النعمان الْعَبْديّ، وذكره الخطيب أيضًا في "المبهمات"، وفي "مسند البزار"، وتاريخ ابن أبي خيثمة": الجهم بن قُثَم، ووقع ذكره في "صحيح مسلم" أيضًا، لكن لم يُسَمِّه، وفي "مسندي أحمد، وابن أبي شيبة": الرستم العبديّ، وفي "المعرفة" لأبي نعيم: جُويرية العبديّ، وفي "الأدب" للبخاريّ: الزارع بن عامر العبديّ.
قال: فهؤلاء الستة الباقون من العدد، وما ذَكَرَ من أن الوَفْد كانوا أربعة عشر راكبًا، لم يذكر دليله.
وفي "المعرفة" لابن منده، من طريق هُود العَصَريّ، عن جده لأمه،
стр. 332
مزيدة، قال: بينما رسول الله ﷺ يحدث أصحابه، إذ قال لهم: "سيطلُع لكم من هذا الوجه رَكْبٌ، هم خير أهل المشرق"، فقام عمر، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فرَحَّب، وقرب، وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس.
فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب، أو مُرتدفًا.
وأما ما رواه الدُّولابيّ وغيره من طريق أبي خَيْرَة - بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثنّاة التحتانية، وبعد الراء هاء - الصُّبَاحيِّ وهو - بضم الصاد المهملة، بعدها موحدة خفيفة، وبعد الألف حاء مهملة - نسبة إلى صُبَاح بطن من عبد القيس، قال: كنت في الوفد الذين أَتَوْا رسول الله ﷺ من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا، فنهانا عن الدباء، والنقير … الحديث.
فيمكن أن يُجْمَع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر، كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون أتباعًا.
وقد وقع في جملة الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس زيادة على من سميته هنا، منهم: أخو الزارع، واسمه مطر، وابن أخته، ولم يُسَمَّ، وروى ذلك البغويّ في "معجمه"، ومنهم: مشمرج السعديّ، رَوَى حديثه ابن السكن، وأنه قَدِمَ مع وفد عبد القيس، ومنهم جابر بن الحارث، وخُزيمة بن عبد بن عمرو، وهمام بن ربيعة، وجارية - أوله جيم - ابن جابر ذكرهم ابن شاهين في "معجمه"، ومنهم نوح بن مَخْلَد، جَدُّ أبي جمرة، وكذا أبو خَيْرة الصُّبَاحيّ، كما تقدم.
قال الحافظ: وإنما أطلت في هذا الفصل؛ لقول صاحب "التحرير": إنه لم يَظْفَر بعد طول التتبع إلا بما ذكرهم، انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض العينّي على الحافظ في الجمع المذكور، مع أنه سبق له قوله: لم يذكر دليله، ونصّ عبارة العينيّ بعد ذكره الجوابين: هذا عجيب منه؛ لأنه لم يسلّم التنصيص على العدد المذكور، فكيف يوفق بينه وبين ثلاثة عشر، وأربعين؟
قال الجامع: يجاب عن الحافظ بأن جمعه المذكور على تقدير صحة ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 333
قال العينيّ رحمه الله تعالى: ومن الذين كانوا في الوفد الأعور بن مالك بن عمر بن عوف بن عامر بن ذُبيان بن الديل بن صباح، وكان من أشراف عبد القيس، وشُجعانهم في الجاهلية، قال أبو عمرو الشيبانيّ: وكان ممن وفد على رسول الله ﷺ مع الأشجّ، ذكره الرشاطي، ومنهم القائف وإياس ابنا عيسى بن أميّة بن ربيعة بن عامر بن ذُبيان بن الديل بن صباح، وكانا من سادات بني صُباح، ومنهم شريك بن عبد الرحمن، والحارث بن عيسى، وعبد الله بن قيس، والزارع بن عامر، وعيسى بن عبد الله كانوا مع الذين وفدوا على رسول الله ﷺ مع الأشجّ، ذكرهم كلهم أبو عبيدة، ومنهم ربيعة بن خِرَاش، ذكره المدائنيّ، وقال: إنه وفد، ومنهم مُحارب بن مرثد وفد على رسول الله ﷺ مع وفد عبد القيس، ذكره ابن الكلبيّ، ومنهم عباد بن نوفل بن خداش، وابنه عبد الرحمن بن عباد، وعبد الرحمن بن حيّان، وأخوه الحكم بن حيّان، وعبد الرحمن بن أرقم، وفضالة بن سعد، وحسّان بن زيد، وعبد الله بن همام، وسعد بن عمر، وعبد الرحمن بن همام، وحكيم بن عامر، وأبو عمرو بن شييم كلهم وفدوا على النبيّ ﷺ ، وكانوا من سادات عبد القيس وأشرافها وفرسانها، ذكرهم أبو عبيدة.
فهؤلاء اثنان وعشرون رجلًا زيادة على ما ذكره هذا القائل (١)، فجملة الجميع تكون خمسة وأربعين نفسًا، فعلمنا أن التنصيص على عدد معيّن لم يصحّ، ولهذا لم يُخرجه البخاريّ ومسلم بالعدد المعيّن، انتهى كلام العينيّ رحمه الله تعالى (٢).
[تنبيه]: سبب قدوم وَفْد عبد القيس على النبيّ ﷺ أنّ مُنقِذ بن حَبّان أحد بني غَنْم بن وَدِيعة كان مَتْجَرُه إلى يثرب في الجاهلية، فشَخَصَ إلى يثرب بِمَلاحِفَ وتَمْر من هَجَر، بعد هجرة النبيّ ﷺ ، فبينا منقذُ بن حبّان قاعدٌ إذ مَرّ به النبيّ ﷺ ، فنَهَضَ منقذ إليه، فقال النبيّ ﷺ : "أمنقذُ بن حبّان؟ كيف جميع هيئتك وقومك؟ ثم سأله عن أشرافهم، رجلٍ رجلٍ، يُسَمِّيهم بأسمائهم، فأسلم منقذٌ، وتَعَلَّم "سورة الفاتحة"، و"اقرأ باسم ربك"، ثم رَحَلَ قِبَلَ هَجَر، فكتب
стр. 334
النبيّ ﷺ معه إلى جماعة عبد القيس كتابًا، فذَهَب به، وكَتَمَه أيامًا، ثم اطَّلَعت عليه امرأته، وهي بنت المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - ابن الحارث، والمنذر هو الأشجّ، سَمّاه رسول الله ﷺ به؛ لأثر كان في وجهه، وكان منقذ ل ﵁ يصلي، ويقرأ، فنَكِرَت امرأته ذلك، فذكرته لأبيها المنذر، فقالت: أنكرت بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنه يغسل أطرافه، ويستقبل الجهة - تعني القبلة - فيَحنِي ظهره مرّةً، ويضع جَبِينه مرةً، ذلك دَيْدَنه منذ قَدِمَ، فتلاقيا، فتجاريا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم ثار الأشجّ إلى قومه عَصَرَ ومُحَارِب بكتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على المسير إلى رسول الله ﷺ ، فسار الوَفْدُ، فلما دَنَوْا من المدينة، قال النبيّ ﷺ لجلسائه: "أتاكم وَفْدُ عبد القيس خير أهل المشرق، وفيهم الأشجّ العصَريّ، غير ناكثين، ولا مُبَدِّلين، ولا مُرْتابين؛ إذ لم يُسْلِم قوم حتى وُتِرُوا"، نقله النوويّ عن صاحب "التحرير" (١).
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا) هي "إنّ" واسمها ضمير المتكلمين، وأصلها: إنّنا، فحذفت النون الثانية من "إنّ" تخفيفًا؛ لتوالي الأمثال، ثم أدغمت في "نا"، وقوله: (هَذَا الْحَيَّ) اسم الإشارة في محلّ نصب على الاختصاص، أي نخصّ هذا، والاختصاص مثلُ النداء، كما قال في "الخلاصة":
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … كَـ"أَيُّهَا الْفَتَى "بإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيِّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أًسْخَى مَنْ بَذَلْ"
وقوله: "الحيّ" نعت له، أو بدل، أو عطف بيان، على ما قيل:
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بـ "أَلْ" … يُعْرَب نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ
وأما قول ابن الصلاح (٢) إن لفظ "الحيّ" منصوب على الاختصاص، ففيه تجوّز؛ لأن هذا الإعراب لاسم الإشارة، وأما لفظ "الحيّ" فتابع له، كما قررناه آنفًا، فتفطّن.
[تنبيه]: "الْحيّ" قال ابن سيده: إنه بطن من بطون العرب، وفي "المطالع": هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سُمّيت القبيلة به، وذكر الجواني في
стр. 335
"الفاصلة": أن العرب على طبقات عشر أعلاها الْجِذْم، ثم الْجُمهور، ثم الشُّعُوب، واحدها شَعْب، ثم القبيلة، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرَّهْط، وقال الكلبيّ: أول العرب شُعُوب، ثم قبائل، ثم عمائر، ثم بُطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم عشائر، وقَدَّم الأزهريّ العشائر على الفصائل، قال: وهم الأحياء، وقال ابن دُريد: الشِّعْب: الحيّ العظيم من الناس.
و"الْجِذْم - بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة: أصل الشيء، و"الشَّعْب" بالفتح: ما تشعّب من قبائل العرب والعجم، و"العِمَارة" - بكسر العين، وتخفيف الميم، وجوّز الخليل فتح عينها، قال في "الْعُباب": وهي القبيلة، والعشيرة، وقيل: هي الحيّ العظيم ينفرد بظعنه، ذكره العينيّ رحمه الله تعالى (١).
وقد نظمت ما سبق بقولي:
اعْلَمْ بِأَنَّ الْعُرْبَ فِي الأَنْسَابِ قَدْ … انْقَسَمَتْ عَشَرَةً فَخُذْ تُفَدْ
جِذْمٌ فَجُمْهُورٌ فَشَعْبٌ فَقَبِيلْ … عِمَارَةٌ بَطْنٌ فَفَخْذٌ يَا نَبِيلْ
عَشِيرَةٌ فَصِيلَةٌ رَهْطٌ خَتَمْ … وَبَعْضهُمْ خِلَافَ هَذَا قَدْ رَسَمْ
و"القَبِيل" لغةٌ في القبيلة.
وقال صاحب "المطالع": "الحيّ": اسم لمنزل القبيلة، ثمّ سُمّيت القبيلة به؛ لأن بعضهم يَحيا ببعض (٢).
وقوله: (مِنْ رَبِيعَةَ) خبر "إنّ"، وربيعة: هو ابن نزار بن عدنان، وإنما قالوا ربيعة؛ لأن عبد القيس من أولاده، وذلك لأن عبد القيس هو: ابن أَفْصَى - بفتح الهمزة، وبالفاء والصاد المهملة المفتوحة - ابن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، وكانوا يَنْزِلون البحرين، وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا - كما في رواية شعبة الآتية -: "إنا نأتيك من شُقّة بعيدة"، أي من سفر بعيد (٣).
стр. 336
(وَقَدْ حَالَتْ) أي منعت، يقال: حال النهر بيننا حَيْلُولةً: حَجَزَ، ومنع الاتّصال (١) (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، غير منصرف، وهو مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عبدنان، ويقال له مضر الحمراء، ولأخيه ربيعة الفَرَس؛ لأنهما لَمّا اقتسما الميراث أُعطي مُضَرُ الذهب، وربيعة الخيل، وكُفّار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة، ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم، وكانوا يخافون منهم إلا في الأشهر الْحُرُم؛ لامتناعهم من القتال فيها (فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ) بضمّ اللام مضارع خَلَص إلى الشيء خُلُوصًا، من باب قَعَد: إذا وصل إليه، ومعنى كلامهم أنا لا نَقْدِر على الوصول إليك؛ خوفًا من أعدائنا الكفار، إلا في الشهر الحرام، فإنهم لا يتعرضون لنا، كما كانت عادة العرب، من تعظيم الأشهر الْحُرم، وامتناعهم من القتال فيها، وقوله: (إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ) كذا هو في الأصول كلها بإضافة "شهر" إلى "الحرام"، وفي الرواية الأخرى: "أشهر الحرم"، والقول فيه كالقول في نظائره، من قولهم: "مسجد الجامع"، و"صلاة الأولى"، ومنه قول الله تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].
فعلى مذهب النحويين الكوفيين هو من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو جائز عندهم، وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الإضافة؛ لأنه يكون من إضافة الشيء إلى نفسه؛ لاتحاد المضاف والمضاف إليه في المعنى، وفائدة الإضافة أن يتعرّف المضاف بالمضاف إليه، أو يتخصّص، ولا يتعرّف الشيء، ولا يتخصّص بنفسه، فما ورد من ذلك، كالأمثلة المذكورة مؤوّلٌ عندهم على حذف في الكلام؛ للعلم به، فتقديره "شهر الوقت الحرام"، و"أشهر الأوقات الْحُرُم"، و"مسجد المكان الجامع"، و"دار الحياة الآخرة"، و"جانب المكان الغربيّ"، ونحو ذلك، وإلى مذهبهم أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
ثم إن قولهم: "شهر الحرام" المراد به جنس الأشهر الْحُرُم، وهي أربعة أشهر حُرُم، كما نَصَّ عليه القرآن العزيز، وتدل عليه الرواية الأخرى بعد هذه: "إلا في أشهر الحرُم"، قاله النوويّ.
стр. 337
وقال في "الفتح": المراد بالشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده روايةُ: "إلا في أشهر الحرم"، وروايةُ: "إلا في كل شهر حرام"، وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مُضَرُ تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة ﵁ حيث قال: "رجبُ مضر"، كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم، مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه.
وفيه دليلٌ على تقدّم إسلام عبد القيس على قبائل مُضَر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شعبة: "إنا نأتيك من شُقّة بعيدة"، قال ابن قتيبة: الشُّقّة: السفرُ، وقال الزجاج: هي الغاية التي تُقْصَد، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما رواه البخاريّ في "كتاب الجمعة" من طريق أبي جمرة أيضًا، عن ابن عباس ﵁ قال: "إنّ أوّلَ جمعة جُمِّعَت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيسِ بِجُوَاثَى من البحرين"، و"جُوَاثَى" بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فَدَلَّ على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام، انتهى (١).
[تنبيه]: الأشهر الحُرُم هي: ذو الْقَعْدَة، وذو الْحِجَّة، والمحرَّم، ورجب، هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء، من أصحاب الفنون، ولكن اختلفوا في الأدب المستحسن في كيفية عَدِّها على قولين، حكاهما الإمام أبو جعفر النّحّاس في كتابه "صناعة الكتاب"، قال: ذهب الكوفيون إلى أنه يقال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة، قال: والْكُتّابُ يَمِيلون إلى هذا القول؛ ليأتوا بهن من سنة واحدة، قال: وأهل المدينة يقولون: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وقومٌ ينكرون هذا، ويقولون: جاؤوا بهنّ من سنتين، قال أبو جعفر: وهذا غلط بَيِّنٌ، وجهل باللغة؛ لأنه قد عُلِم المراد، وأن المقصود ذكرها، وأنها في كل سنة، فكيف يُتَوَهَّم أنها من سنتين، قال:
стр. 338
والأَولى والاختيار ما قاله أهل المدينة؛ لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله ﷺ كما قالوا من رواية ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي بكرة ﵁، قال: وهذا أيضًا قولُ أكثر أهل التأويل.
قال النَّحَّاس: وأُدخلت الألف واللام في المحرم دون غيره من الشهور، قال: وجاء من الشهور ثلاثة مضافات: شهر رمضان، وشهرا ربيع، يعني والباقي غير مضافات، وسُمِّي الشهر شهرًا، لشهرته وظهوره، والله تعالى أعلم (١).
(فَمُرْنَا) الفاء فصيحيّة، أي فإذا تبيّن لك عذرنا في عدم التردّد إليك كثيرًا، لما ذكرنا، فنطلب منك أمرك لنا إلخ.
"ومُر" بضمّ الميم، فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، قال الفيّوميّ: إذا أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدّمه حرف عطف حذفتَ الهمزة على غير قياس، وقلتَ: مُرْهُ بكذا، ونظيره "كُلْ"، و"خُذْ"، وإن تقدّمه حرف عطف، فالمشهور ردّ الهمزة على القياس، فيقال: وأْمُرْ بكذا، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]، ولا يُعرف في "كُلْ"، و"خُذْ" إلا التخفيف مطلقًا، انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الفيومي: "ولا يُعْرَفُ إلخ"، لكن أثبت ذلك غيره بقلة كما أشار إليه ابن مالك رحمه الله تعالى في "لاميَّته"، فقال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ "مُرْ" وَ"خُذْ" و"كُلْ " وَفَشَا … وَأْمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ "خُذْ" وَ"كُلَا"
فقوله: "ومستندر إلخ" أشار به إلى أنه يجوز تتميم "خذ" و"كل " بقلّة، فيقال: وأخذ، وأكل، والله تعالى أعلم.
(بِأَمْرٍ) بفتح الهمزة، وسكون الميم، يحتمل أن يكون واحد الأمور، وأن يكون بمعنى الشأن، قاله الطيبيّ.
وقال الفيّوميّ: "الأمرُ" بمعنى الحال، جمعه أمور، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، و"الأمرُ" بمعنى الطلب، جمعه أوامر؛ فرقًا بينهما، وجمعُ الأمر أوامر هكذا يتكلّم به الناس، ومن الأئمة من يصحّحه، ويقول في
стр. 339
تأويله: إن الأمر مأمور به، ثم حُوّل المفعول إلى فاعل، كما قيل: أمر عارفٌ، وأصله معروفٌ، وعيشةٌ راضيةٌ، والأصلُ مرضيّةٌ، إلى غير ذلك، ثم جُمِعَ على فواعل، انتهى (١).
(نَعْمَلُ بِهِ) بالرفع، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ"أمرٍ"، ويحتمل جزمه على أنه جواب الأمر (وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا) "مَنْ" بفتح الميم موصولة في محلّ نصب مفعول "ندعو"، ولا يثبُتُ كسر ميمها على أنها جارّة، و"وراءنا" منصوب على الظرفيّة صلة "مَنْ"، وهو من الأضداد، يأتي بمعنى "خَلْف"، وبمعنى "قُدّام" (قَالَ) ﷺ (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ) أي بأربع خصال، أو بأربع جُمَل (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ في أربعة أوعية، فالمنهيّ عنه واحد بالنوع، وهو الانتباذ، ثم إنه تعدّد بحسب الأوعية الأربع الآتي ذكرها (الْإِيمَانِ بِاللهِ) بالجرّ بدل من "أربع"، بدل تفصيل من مجمل، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي أحدها الإيمان، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي أعني الإيمانَ (ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ) أنّث الضمير مع أن الإيمان مذكّر باعتبار أنه أربع خصال (فَقَالَ) ﷺ (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللهُ) بجرّ "شهادة" على أنه بدل من "الإيمان"، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع والنصب، كسابقه (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) إعرابه كسابقه، وإقامتها أداؤها بمراعاة أركانها، وواجباتها، وسننها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطاء القدر المستحقّ لمستحقّها (وَأَنْ تُؤَدُّوا) أي تعطوا (خُمُسَ) بضمتين، ويجوز إسكان ميمه، ويقال فيه: خَمِيس أيضًا، وزان كريم.
[فائدة]: يجوز في كلٍّ من الثلث، والربع، والخمس، والسدس، والسبع، والثمن، والتسع، والعشر، ثلاث لغات، الأول: ضم أولها وثانيها، والثاني: تسكين ثانيها، والثالث: فتح أولها، مع كسر الثاني، وزيادةِ ياء بعدها، وزان كَرِيم، فتقول: ثُلُثٌ، وثُلْثٌ، وثَلِيث، ورُبُعٌ، ورُبْعٌ، ورَبِيع، وهكذا.
وأما النصف، فيجوز فيه ثلاث لغات أيضًا، النصف، بكسر أوله،
стр. 340
وضمه، مع تسكين ثانيه، والثالث النَّصِيفُ وِزان كريم، والله تعالى أعلم.
(مَا غَنِمْتُمْ) بكسر النون، من باب تَعِبَ، قال الفيّوميّ: غَنِمتُ الشيء أغْنَمه، غُنْمًا: أصبتُهُ غَنِيمَةً، ومَغْنَمًا، قال أبو عبيد: الغَنِيمَة: ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها، انتهى (١).
وفي "القاموس": والْمَغْنم، والغَنِيمُ، والغَنِيمَةُ، والْغُنْمُ بالضمّ: الفيء، غَنِمَ بالكسر غُنْمًا بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك، وغَنِيمةً، وغُنْمانًا بالضمّ، والفوزُ بالشيء بلا مشقّة، أو هذا الْغُنْمُ، والفيء: الغَنِيمة، انتهى (٢).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله"، ثم فَسّرها لهم، فقال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم"، وفي رواية: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وعَقَدَ واحدةً، وفي الطريق الأخرى قال: وأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم"، وفي الرواية الأخرى قال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم"، هذه ألفاظه هنا.
وقد ذكر البخاريّ هذا الحديث في مواضع كثيرة، من "صحيحه"، وقال فيه في بعضها: "شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له"، ذكره في "باب إجازة خبر الواحد"، وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ﷺ في آخر ذكر الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وقال فيه: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان"، بزيادة واو (٣)، وكذلك قال فيه في أول
стр. 341
"كتاب الزكاة": "الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله"، بزيادة واو أيضًا، ولم يَذكُر فيها الصيام، وذكر في باب حديث وفد عبد القيس: "الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله".
فهذه ألفاظ هذه القطعة في "الصحيحين"، وهذه ألفاظ مما يُعَدُّ من المشكل، وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق، والإشكال في كونه ﷺ قال: "آمركم بأربع"، والمذكور في أكثر الروايات خمس.
واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال:
أظهرها ما قاله الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى في "شرح صحيح البخاريّ"، قال: أمرهم بالأربع التي وَعَدَهم بها، ثم زادهم خامسة - يعني أداء الخمس - لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، فكانوا أهل جهاد وغنائم.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا، فقال: قوله: "أمرهم بالإيمان بالله" أعاده لذكر الأربع، ووصفِهِ لها بأنها إيمان، ثم فسرها بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، فهذا موافق لحديث: "بُنِي الإسلام على خمس"، ولتفسير الإسلام بخمس، في حديث جبريل ﵇، وقد سبق أن ما يُسَمَّى إسلامًا يُسَمَّى إيمانًا، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وقد قيل: إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث؛ لكونه لم يكن نزل فرضه.
وأما قوله ﷺ : "وأن تؤَدُّوا خُمُسًا من المغنم"، فليس عطفًا على قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، فإنه يلزم منه أن يكون الأربع خمسًا، وإنما هو عطف على قوله: "بأربع"، فيكون مضافًا إلى الأربع، لا واحدًا منها، وإن كان واحدًا من مطلق شُعَب الإيمان، قال: وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الأولى، فهو إغفال من الَراوي، وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله ﷺ ، بل من اختلاف الرُّواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ، على ما تقدم بيانه، فافهم ذلك، وتدبّره تجده - إن شاء الله تعالى - مما هدانا الله لحلِّه من الْعُقَد.
قال النووي - بعد نقل كلام ابن بطّال، وابن الصلاح -: وقيل في معناه غير ما قالاه، مما ليس بظاهر، فتركناه.
قال: وأما قول ابن الصلاح: إن ترك الصوم في بعض الروايات إغفال
стр. 342
من الراوي، وكذا قاله القاضي عياض وغيره، وهو ظاهرٌ، لا شكّ فيه، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكانت وفادة عبد القيس عامَ الفتح قبل خروج النبيّ ﷺ إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر، انتهى (١).
وقال في "الفتح" عند قوله: "فأمرهم بأربع" أي: خصالٍ، أو جُمَلٍ؛ لقولهم: "حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ من الأمر"، وهي رواية قُرّة عند البخاريّ في "كتاب المغازي".
قال القرطبيّ: قيل: إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا بهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإلى هذا نحا الطيبيّ، فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا لغرض، جعلوا سياقه له، وطَرَحُوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين، مُقِرِّين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال: فلهذا لم يَعُدَّ الشهادتين في الأوامر.
قيل: ولا يرد على هذا الإتيانُ بحوف العطف، فيحتاج إلى تقدير.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا: إن ذكر الشهادتين وَرَدَ على سبيل التصدير، لكن يُمْكِن أن يُقْرَأَ قوله: "وإقامِ الصلاة" بالخفض، فيكون عطفًا على قوله: "أَمَرَهم بالإيمان"، والتقدير: أمرهم بالإيمان، مُصَدِّرًا به، وبشرطه من الشهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة إلخ، قال: ويؤيد هذا حذفهما في رواية البخاريّ في "الأدب" من طريق أبي التّيّاح، عن أبي جمرة، ولفظُهُ: "أربع، وأربع: أقيموا الصلاة إلخ".
[فإن قيل]: ظاهر ما ترجم به البخاريّ من أَنَّ أداء الخمس من الإيمان، يقتضي إدخاله مع باقي الخصال، في تفسير الإيمان، والتقدير المذكور يخالفه.
[أجاب ابنُ رُشيد]: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء، منها أداء
стр. 343
الخُمس، والأعمال التي تُدخل الجنة، هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير.
[فإن قيل]: فكيف قال في رواية حماد بن زيد، عن أبي جمرة: "آمركم بأربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله"، وعَقَدَ واحدةً، كذا للبخاريّ في "المغازي"، وله في "فرض الخمس": وعقد بيده، فدل على أن الشهادة إحدى الأربع، وأما ما وقع عنده في "الزكاة" من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله"، فهي زيادة شاذة، لم يُتَابعْ عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ.
ثم ذكر (١) الاستشكال المتقدّم فقال: ما حاصله: كيف قال: "أربع"، والمذكورات خمس؟
قال: وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعًا لابن بطال، بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان، وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يَلْزَمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، قال: وكذلك لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فُرِضَ.
قال: وقال غيره: قوله: "وأن تعطوا" معطوف على قوله: "بأربع"، أي آمركم بأربع، وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان بـ "أن"، والفعل، مع توجه الخطاب إليهم.
وقال ابن التين: لا يمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع.
قلت (٢): ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ في هذه القصة: "أمركم بأربع: اعبُدُوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم".
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ويحتمل أن يقال: إنه عَدَّ الصلاة والزكاة واحدةً؛ لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداءَ الخُمس، أو أنه لم يَعُدَّ أداء الخُمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين، في حال دون حال.
стр. 344
وقال البيضاويّ: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأُخَر حذفها الراوي؛ اختصارًا، أو نسيانًا، كذا قال، وما ذَكَرَ أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع؛ لقوله: "وعَقَدَ واحدةً"، وكان القاضي أراد أن يَرْفَعَ الإشكال من كون الإيمان واحدًا، والموعود بذكره أربعًا.
وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في حد ذاته واحد، والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذَكَرَ أنه يأمرهم بها، ثم فَسَّرَها، فهو واحد بالنوع، متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهيّ عنه، وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار، واحد بالنوع، متعدد بحسب أوعيته.
والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير: أن تَتَشَوَّف النفس إلى التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لم يَسْتَوف العدد الذي في حفظه، عَلِمَ أنه قد فاته بعض ما سَمِع.
وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحجّ في الحديث؛ لأنه لم يكن فُرِضَ هو المعتمد، وقد قَدَّمنا الدليل على قِدَم إسلامهم، لكن جَزْمُ القاضي بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة، تَبعَ فيه الواقديّ، وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، كما سنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - ولكن القاضي يَخْتَار أن فرض الحج كان سنة تسع؛ حتى لا يَرِدَ على مذهبه أنه على الفور، انتهى.
وقد احتَجَّ الشافعي لكونه على التراخي، بأن فَرْضَ الحج كان بعد الهجرة، وأن النبي ﷺ كان قادرًا على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع، ولم يَحُجَّ إلا في سنة عشر.
وأما قول من قال: إنه تَرَكَ ذكر الحج؛ لكونه على التراخي، فليس بجيد؛ لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به.
وكذا قول من قال: إنما تركه؛ لشهرته عندهم ليس بقويّ؛ لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا قول من قال: إنما ترك ذكره؛ لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل، من أجل كفار مضر، ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم
стр. 345
من عدم الاستطاعة في الحال، ترك الإخبار به؛ لِيُعْمَلَ به عند الإمكان، كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة؛ لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذَكَرُوا أنهم كانوا يأمنون فيها.
لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن يُخْبِرَهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يَقْصِد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا.
ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشدّ في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها.
وأما ما وقع في "كتاب الصيام"، من "السنن الكبرى" للبيهقيّ من طريق أبي قلابة الرَّقَاشِيّ، عن أبي زيد الهرويّ، عن قُرّة، في هذا الحديث، من زيادة ذكر الحج، ولفظه: "وتَحُجُّوا البيت الحرام"، ولم يتعرض لعدد، فهي رواية شاذة.
وقد أخرجه الشيخان، ومن استخرج عليهما، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان، من طريق قُرّة، لم يذكر أحدٌ منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل هذا مما حَدَّث به في التغير.
وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة، وقد ورد ذكر الحج أيضًا في "مسند الإمام أحمد" من رواية أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، وعن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة وفد عبد القيس.
وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظًا، فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين، وأداء الخمس، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" (١)، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم.
(وأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ) بضم الدال المهملة، وتشديد الموحّدة، والمدّ، وحَكَى الْقَزّاز فيه القصر: هو القرع اليابس، أي الوعاء منه.
стр. 346
(وَالْحَنْتَمِ) بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوقُ، مفتوحة، ثم ميم، الواحدة: حَنْتَمَةٌ، هي الْجَرَّة، كذا فَسَّرها ابن عمر ﵄ في "صحيح مسلم"، وله عن أبي هريرة ﵁: الحنتم الجرار الخضر، ورَوَى الحربي في "الغريب" عن عطاء: أنها جِرَارٌ كانت تُعْمَلُ من طين، وشعر، ودَمٍ. قاله في "الفتح" (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قد اختُلِف في معنى "الْحَنتم").
[فأصح الأقوال، وأقواها]: أنها جِرَار خُضْر، وهذا التفسير ثابت في "كتاب الأشربة" من "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة ﵁، وهو قول عبد الله بن مُغَفَّل الصحابيّ ﵁، وبه قال الأكثرون أو، كثيرون من أهل اللغة، وغريبِ الحديث، والمحدثين، والفقهاء.
[والثاني]: أنها الجرار كلها، قاله عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة.
[والثالث]: أنها جرار يُؤْتَى بها من مصر، مُقَيَّرات الأجواب، ورُويَ ذلك عن أنس بن مالك ﵁، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد أنها حُمْر.
[والرابع]: عن عائشة ﵂: جِرَارٌ حُمْرٌ أعناقها في جُنُوبها، يُجْلَب فيها الخمر من مصر.
[والخامس]: عن ابن أبي ليلى أيضًا: أفواهها في جنوبها، يُجْلَب فيها الخمر من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها، يضاهون به الخمر.
[والسادس]: عن عطاء: جِرَارٌ كانت تُعْمَل من طين، وشعر، ودَمٍ. قاله النوويّ في "شرحه" (٢).
(والنَّقِيرِ) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة: أصلُ النَّخْلة، يُنْقَرُ، فَيُتَّخَذ منه وعاء، وقد جاء تفسيره في الرواية الأخيرة من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: أنه الجِذْعُ يُنقَر وسطه.
(وَالمُقَيَّرِ) بفتح القاف، والياء المشدّدة: هو الْمُزَفَّت، وهو المطليّ
стр. 347
بالقار، وهو الزِّفْتُ، وقيل: الزِّفْتُ نوع من القار، والصحيح الأول، فقد صح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: المزفت هو الْمُقَيَّر.
وقال في "الفتح": "والْمُقَيَّر": بالقاف، والياء الأخيرة: ما طُلِيَ بالقار، ويقال له: الْقَيْر، وهو نَبْتٌ يُحْرَق إذا يبس، تُطْلَى به السُّفُن وغيرها، كما تُطْلَى بالزِّفْت، قاله صاحب "المحكم"، وفي "مسند أبي داود الطيالسي" عن أبي بكرة ﵁ قال: أما الدُّبّاء، فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القَرْع، فيَخْرطُون فيه العنب، ثم يَدْفِنُونه، حتى يُهدَر، ثم يموت.
وأما "النقير": فإن أهل اليمامة كانوا يَنْقُرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرُّطَب والبسر، ثم يَدَعُونه، حتى يُهدَر ثم يموت.
وأما "الْحَنْتَم": فَجِرَارٌ كانت تُحمَلُ إلينا فيها الخمر.
وأما "المُزَفَّت": فهذه الأوعية التي فيها الزِّفتُ، انتهى، وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يُعْتَمَدَ عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد. انتهى (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما معنى النهي عن الانتباذ في هذه الأربع، فهو أنه نَهَى عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجْعَل في الماء حَبّات، من تمر، أو زبيب، أو نحوهما، لِيَحْلُوَ؛ ويُشْرَب، وإنما خُصَّت هذه بالنهي؛ لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حَرَامًا، وتبطل ماليته، فَنَهَى عنه؛ لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شَرِبَه بعد إسكاره مَن لم يَطَّلِعِ عليه، ولم يَنْهَ عن الانتباذ في أسقية الأَدَم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخْفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شَقَّها غالبًا.
ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نُسِخَ بحديث بُرَيدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وِعَاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِرًا"، رواه مسلم في "الصحيح".
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخًا هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابيّ: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكَرِهُوا الانتباذ في هذه الأوعية،
стр. 348
ذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس ﵃، انتهى (١).
(زَادَ خَلَفٌ) هو خَلَف بن هشام شيخ المصنّف الأول (فِي رِوَايَتِهِ) عن حمّاد بن زيد (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ) أي مع "وأن محمدًا رسول الله" كما صُرِّح به في رواية يحيى بن يحيى شيخه الثاني، عن عباد بن عباد، قال في "الفتح": والاقتصار على "شهادة أن لا إله إلا الله" على إرادة الشهادتين معًا؛ لكونها صارت عَلَمًا على ذلك.
[تنبيه]: وقع عند البخاريّ في "كتاب الزكاة" بزيادة الواو في قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله"، فقال في "الفتح": هي زيادة شاذة، لم يُتَابع عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ. انتهى (٢).
(وَعَقَدَ وَاحِدَةً) وفي رواية للبخاريّ: "وعقد بيده"، والمعنى أنه ﷺ أشار بعقد يده إلى أول الخصال الأربع التي وعدهم ببيانها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٤١] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاس، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ "، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْم، أَوْ بِالْوَفْد، غَيْرَ خَزَايَا، وَلَا النَّدَامَى"، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بَأرْبَع، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، قَالَ: أَمَرَهُمْ بَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ
стр. 349
بِاللهِ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَمِ"، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: "النَّقِيرِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ"، وَقَالَ: "احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ"، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: "مَنْ وَرَاءَكُمْ"، وَلَيْسَ فِي روَايَتِهِ: "الْمُقَيَّرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٥).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (٢٥٢) (ع) ١/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُنْدَار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٠٢) (ع). ٢/ ٢
٤ - (غُنْدَر، مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣) أو (١٩٤) (ع) ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجهبذ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في المقدّمة. والباقيان تقدّما في المسند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال أبو بكر: حدّثنا غندر، عن شعبة إلخ" ففيه بيان احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، ووجه ذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة ذكر شيخه غُندرًا بلقبه، فقال: حدثنا غندر، عن شعبة، وأما محمد بن المثنى، ومحمد بن بشّار فقالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، فذكراه باسمه ونسبه، وأنه صرّح بتحديث شعبة له، فحصلت المخالفة من وجهين.
стр. 350
٥ - (ومنها): أن "غُنْدَرًا" لقب محمد بن جعفر - وهو بضم الغين المعجمة، وفتح الدال، وحكى الجوهريّ ضم الدال، وقال المجد في "القاموس": غلام غُنْدَر كَجُنْدَبٍ، وقُنْفُذٍ: سَمينٌ غَلِيظٌ ناعمٌ، ويقال لِلْمُبْرِم الْمُلِحِّ: يا غُنْدَرُ، وهو لَقَبُ محمد بن جعفر البصريّ؛ لأنه أكثر من السؤال في مجلس ابن جُريج، فقال: ما تُريد يا غُنْدَرُ، فلَزِمَه. انتهى (١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) نصر بن عمران الضُّبَعيّ البصريّ، أنه (قَالَ: كنْتُ أُتَرْجِمُ) بضمّ أوّله مضارع ترجم، قال في "القاموس": "التُّرْجُمَانُ كَعُنْفُوَانٍ، وَزَعْفَرَانٍ، وَرَيْهَقَانٍ: الْمُفَسِّرُ للِّسَان، وقد تَرْجَمَهُ، وتَرْجَمَ عنه، والفِعْلُ يدلُّ على أصالة التاء. انتهى (٢).
وقال في "المصباح": وتَرْجَمَ فلانٌ كلامَهُ: إذا بَيّنه وأوضحه، وترجم كلامَ غيره: إذا عَبّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلِّم، واسم الفاعل تُرْجُمان، وفيه لغاتٌ، أجودها فتح التاء، وضمّ الجيم، والثانية: ضمّهما معًا، بجعل التاء تابعةً للجيم، والثالثة: فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع تراجم، والتاء والميم أصليّتان، فوزنُ تَرْجَمَ فَعْلَلَ، مثل دَحْرَجَ، وجعل الجوهريّ التاء زائدةً، وأورده في تركيب رَجَمَ. انتهى (٣).
وقال النوويّ في "شرحه": وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة، ثم قيل: إنه كان يتكلم بالفارسية، فكان يُتَرْجِم لابن عباس عمن يتكلم بها، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وعندي أنه كان يُبَلِّغ كلام ابن عباس إلى من خَفِي عليه من الناس، إما لزحامٍ مَنَعَ من سماعه فأسمعهم، وإما لاختصار مَنَعَ من فهمه فأفهمهم، أو نحو ذلك، قال: وإطلاقه لفظ "الناس" يُشْعِر بهذا، قال: وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى،
стр. 351
فقد أطلقوا على قولهم: "باب كذا" اسم الترجمة؛ لكونه يُعَبِّر عما يُذكَرُ بعده. انتهى (١).
قال النوويّ: والظاهر أن معناه أنه يُفهمهم عنه، ويفهمه عنهم. انتهى (٢).
واستظهر في "الفتح" كون ترجمته لقصور الفهم، قال: لأنه كان جالسًا معه على سريره، ففي رواية البخاريّ: "كنتُ أقعد مع ابن عبّاس، يُجلسني على سريره. . ."، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يُحمَل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جمرة كان يَعْرِف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها، قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبرٌ، انتهى. وقد بوب عليه البخاري في أواخر "كتاب الأحكام"، فقال: "باب ترجمة الحاكم، وهل يجوز ترجمان واحد" (٣)، وقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادة (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأول هو الأرجح، كما فعل ابن عبّاس ﵄، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بَيْنَ يَدَي ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا هو في الأصول، وتقديره: بين يدي ابن عباس، بينه وبين الناس، فحذف لفظة "بينه"؛ لدلالة الكلام عليها، ويجوز أن يكون المراد: بين ابن عباس وبين الناس، كما جاء في البخاريّ وغيره، بحذف "يدي"، فتكون "يدي" عبارة عن الجملة، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠]: أي قَدَّمَ. انتهى.
فقوله: "بين ابن عبّاس" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "أُترجم".
(فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) لم يُعرف اسمها، كما قاله سبط ابن العَجَميّ (٥) (تَسْأَلُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ"امرأة" (عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ) أي حكمه، و"الْجَرّ" بفتح الجيم: اسم جمع، الواحدة جَرَّةٌ، ويُجمَع أيضًا على جِرار، وهو هذا الْفَخَّار
стр. 352
المعروف، قاله النوويّ (١)، وقال القرطبيّ: "الْجَرّ" جمع جرّة، وهي قلالُ فَخَّار، غير أنها مطليّة بالزجاج، وهو الحنتم، ونبيذ الجرّ هو ما يُنبذ فيها من التمر وغيره، وإنما سألته عن حكم النبيذ في الجِرَار، هل يحلّ أم لا؟ فذكر لها ما يدلّ على منع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصّته، قال: وفيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل، مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا، إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة. انتهى (٢).
وللنسائيّ بسنده عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فَنَهَى عنه، قلت: يا أبا عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حُلْوًا، فأشرب منه، فَيُقَرْقِرُ بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل.
وللبخاريّ في أواخر "المغازي" من طريق قُرَّة، عن أبي جمرة قال: "قلت لابن عباس: إن لي جَرّةً أنتبذ فيها، فأشربه حُلْوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم، فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قَدِمَ وفد عبد القيس. . .".
فلما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار، ناسب أن يذكره له.
وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم ييلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديثٌ بُرَيدة بن الحصيب ﵁ عند مسلم وغيره (٣).
(فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ ")، الشك من أحد الرواة، إما أبو جمرة، أو من دونه، قال الحافظ: وأظنه شعبة، فإنه في رواية قُرَّة وغيره بغير شكّ، وأغرب الكرمانيّ، فقال: الشك من ابن عباس (٤)، و"الوفد": الوافدون، وهم القادمون، والزائرون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ، فهو وافدٌ، والجمع وافدون،
стр. 353
ووُفُود، والقومُ وَفْدٌ، وقال ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] (١).
قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: في قوله: "مَنِ القومُ؟ "، دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه؛ لِيُعْرَفَ، فَيُنَزَّلَ مَنْزِلَته.
(قَالُوا: رَبِيعَةُ) خبر لمحذوف، أي نحن ربيعة، وفيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فقد تقدّم من طريق عباد، عن أبي جمرة: "فقالوا: إنّا هذا الحيُّ من ربيعة"، والمعنى إنّا حَيٌّ من ربيعة، و"الْحَيّ": اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يَحْيَا ببعض.
(قَالَ) ﷺ : (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ) منصوب على المصدريّة، استعمله العرب، وأكثرت منه، تريد به البرّ، وحسن اللقاء، ومعناه: صادفت رُحْبًا وسَعَةً، وقال القرطبيّ: هو من الرُّحب بضم الراء، وهو السعة، والرَّحْبُ بفتح الراء: هو الشيء الواسع، وهو منصوب بفعل مضمر، لا يُستعمل إظهاره، أي صادفت رُحبًا، أو أتيت رُحْبًا، فاستأنس، ولا تستوحش. انتهى.
وقال في "الفتح": هو منصوب بفعل مضمر، أي صادفت رُحْبًا، بضم الراء، أي سَعَة، و"الرَّحْبُ" بالفتح الشيء الواسع، وقد يزيدون معها "أهلًا": أي وجدت أهلًا، فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال: مَرْحَبًا سيف بن ذي يزن. انتهى.
(أَوْ بِالْوَفْدِ) شكٌّ من الراوي (غَيْرَ خَزَايَا) قال النوويّ: الرواية فيه "غيرَ" بنصب الراء على الحال، وأشار صاحب "التحرير" إلى أنه يُرْوَى أيضًا بكسر الراء، على الصفة لـ "القوم"، والمعروف الأول، يدل عليه ما جاء في رواية البخاريّ: "مَرْحبًا بالقوم الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى".
و"خزايا": جمعُ خَزْيَان، كحَيْرَان وحَيَارَى، وسَكْرَان وسَكَارى، يقال: خَزِي الرجلُ يَخْزَى خَزْيًا: إذا ذلَّ، وخزايةً: إذا خَجِلَ، واستحيى، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: الْخَزْيَان: المستحي، وقيل: الذليل المهان، وفي "الفتح": هو الذي أصابه خِزْيٌ.
стр. 354
ومعنى هذا الكلام: تأنيسهم، وإكرامهم، والثناء عليهم بأنهم لم يحصل منهم تأخّر عن الإسلام، ولا عناد، بل بادروا بإسلامهم طائعين من غير خزيٍ لَحِقهم من قهر، ولا سباء، فلم يُخزِهِم حربٌ، ولم يَفْضَحهم سبيٌ، ولا ما أشبه ذلك، مما يستحيون بسببه، أو يُذلّون، أو يهانون، ثم إنهم لما أسلموا كذلك احتُرِموا، وأُكرموا، وأُحِبُّوا، فلم يندموا على ذلك، بل انشرحت صدورهم للإسلام، وتنوّرت قلوبهم بالإيمان.
وقوله (وَلَا النَّدَامَى")، هكذا هو في الأصول: "النَّدَامَى" بالألف واللام و"خزايا" بحذفهما، ورُويَ في غير هذا الموضع بالألف واللام فيهما، ورُوي بإسقاطهما فيهما. قاله ابن الصلاح (١).
ووقع في رواية النسائي من طريق قُرّة عن أبي جمرة: "فقال: مرحبًا بالوفد، ليس الخزايا ولا النادمين"، وهي للطبراني من طريق شعبة عن ابن أبي جمرة أيضًا. بَشَّرهم بالخير عاجلًا وآجلًا؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثَبَتَ ضدّها. انتهى (٢).
وأما "النَّدَامَى" فقيل: إنه جمع نَدْمَان، بمعنى نادم، وهي لغة في نادم، حكاها القزاز، صاحب "جامع اللغة"، والجوهريّ في "صحاحه"، وعلى هذا هو على بابه، وقيل: هو جمع نادم، لكنه على غير قياس، لأن قياس نَدَامَى أن يكون جمع ندمان، والندمان هم الْمَجَالِيسُ على الخمر وساقيها، كما قال الشاعر [من البسيط]:
فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي … وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَلَثِّمِ
وليس مرادًا هنا، وإنما هو جمع نادم إِتْبَاعًا لـ "خَزَايَا" على عادة العرب في إتباع اللفظ اللفظَ؛ تحسينًا للكلام، وإن لم يكن بمعناه، وهو كثير في كلامهم، وهو من فصيحه، ومنه قوله في للنساء المتّبعات للجنازة: "ارْجِعْنَ مأزورات، غير مأجورات" (٣) أتبع "مأزورات" لـ"مأجورات"، ولولا مراعاة
стр. 355
الإتباع لقال: "موزورات" بالواو؛ لأنه من الوزر، كذا قاله الفراء، وجماعات، قالوا: ومنه قول العرب: إنه لآتيه بالغدايا والعشايا، جمعوا الغداة على غدايا إتباعًا لعشايا، ولو أفردت لم يجز إلا غدوات، ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ … يَخْلِطُ بِالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّينَا
فجمع الباب على أبوبة إتباعًا و"أخبية"، ولو أفرده لما جاز ذلك (١).
(قَالَ) الراوي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم: "كفّار مضر"، وفي قولهم: "اللهُ ورسوله أعلم" (إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ) "الشقّة": بضم الشين وكسرها، لغتان مشهورتان، أشهرهما وأفصحهما الضم، وهي التي جاء بها القرآن العزيز، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ: وقرأ عُبيد بن عُمير بكسر الشين، وهي لغة قيس، والشقّةُ السفر البعيد، كذا قاله ابن السكيت، وابن قتيبة، وقُطْرُب، وغيرهم، قيل: سُمّيت شُقّةً؛ لأنها تَشُقّ على الإنسان، وقيل: هي المسافة، وقيل: الغاية التي يَخرُج الإنسان إليها، فعلى القول الأول يكون قولهم: "بَعيدةٍ" مبالغة في بعدها. قاله النووي (٢).
(وإن بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ) أي القبيلة، سُمّوا بذلك؛ لأن بعضهم يحيا ببعض (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) فيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما والاها، من أطراف العراق، ولهذا قالوا: "إنا نأتيك من شقة بعيدة"، ويدلّ على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما رواه البخاريّ في "كتاب الجمعة" من طريق أبي جمرة أيضًا عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جُمِّعَت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس، بِجُوَاثَى من البحرين، و"جُوَاثَى" بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام. قاله في "الفتح" (٣).