فقال: "لئن كنت أوجزتَ في المسألة، لقد أعظمتَ، وأطولتَ، فاعقل عني إذن، اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدِّ الزكاة المفروضة، وصم رمضان، وما تحب أن يفعله الناس بك فافعله بهم، وما تكره أن يَأتي إليك الناس فَذَرِ الناسَ منه"، وفي رواية له أيضًا قال: "اتق الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، ولم تزد على ذلك" (١)، وقيل: إن هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط.
فهذه الأعمال أسباب مقتضيةٌ لدخول الجنة، وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خَرّجه الإمام أحمد، من حديث عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، شَهِدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ : "مَن مات على هذا كان مع النبيين والصّدّيقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب إصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه" (٢).
وقد وَرَدَ تَرَتُّب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال، كالصلاة، ففي الحديث المشهور: "مَن صلَّى الصلوات لوقتها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة" (٣)، وفي الحديث الصحيح: "من صلى البردين دخل الجنة" (٤).
وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يُعمَل عليه إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، ويدل هذا على ما خَرَّجه الإمام أحمد، عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فشرط عليَّ شهادةَ أن لا إله إلا الله،
стр. 282
وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأُؤَدِّي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، فأما اثنتان فوالله ما أُطيقهما: الجهاد، والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حَرَّكها، فقال: "فلا جهاد، ولا صدقة، فبم تدخل الجنة؟ "، قلت: إذًا يا رسول الله أبايعك، فبايعته عليهنّ كلهنّ (١).
ففي هذا الحديث أنه لا يَكْفِي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الجهاد والزكاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر، يمنع دخول الجنة، كقوله: "لا يدخل الجنة قاطع"، متّفقٌ عليه، وقوله: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، رواه مسلم، وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا"، رواه مسلم، والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّين حتى يُقضَى، وفي "الصحيح": أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط، حُبِسُوا على قنطرة يُقْتَصُّ منهم مظالم بينهم، كانت في الدنيا.
وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحْبَس على باب الجنة مائة عام بالذنب، كان يعمله في الدنيا، فهذه كلها موانع.
ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد التوحيد، ففي "الصحيحين" عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"، قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق"، قالها ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: "على رَغْمِ أنف أبي ذر"، فخَرَجَ أبو ذر يقول: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذر.
وفيهما عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقّ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة،
стр. 283
أو أبي سعيد بالشك، عن النبي ﷺ أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ، غير شاكّ فيهما، فتحجبَ عنه الجنة".
وفيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال له يومًا: "من لَقِيتَ يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة"، وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا.
وفي "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال يومًا لمعاذ: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار"، وفيهما عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله قد حَرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله".
وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانعُ وهي إتيان الكبائر، قال الحسن للفرزدق: إن لِلا إله إلا الله شروطًا، فإياك وقذفَ المحصنة، ورُوي عنه أنه قال: هذا العمودُ فأين الطُّنُبُ؟ (١)، يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات، قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأَدَّى حقها وفرضها دخل الجنة، وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتِحَ لك، وإلا لم يُفتَح لك.
ويُشبِه ما رُوي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله، هل يَضُرُّ معها عمل، كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: اعمل، ولا تَغْتَرَّ.
وقالت طائفة، منهم الضحاك، والزهريّ: كان هذا قبل الفرائض والحدود، فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نُسِخَت، ومنهم من قال: بل ضُمّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشروط، هل هي نسخٌ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كله نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
стр. 284
وقال الثوريّ: نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تَبَيَّن بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة، ومثلُ هذا البيان، وإزالة الإيهام، كان السلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخًا في الإصطلاح المشهور.
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدةً، بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإصرار على معصية.
وجاء من مراسيل الحسن عن النبي ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة"، قيل: وما إخلاصها؟ قال: أن تَحْجُزَكَ عما حَرَّم الله، ورُوي ذلك مسندًا من وجوه أُخَر ضعيفة.
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا، فإنّ تَحَقُّق القلب بمعنى "لا إله إلا الله"، وصِدْقَه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يَرْسَخ فيه تَأَلُّه الله وحده إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبةً، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّهُ ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذل من القلب جميعُ أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئًا، أو أطاعه، وأحب عليه وأبغض عليه، فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا لله، فالله إلهه حقًّا، ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية [الجاثية: ٢٣].
قال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، وقال قتادة: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُهُ عن ذلك وَرَعٌ، ولا تَقْوَى، ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "ما تحت ظل السماء إلهٌ يُعْبَد أعظم عندَ الله من هَوًى مُتَّبَعٍ" (١).
стр. 285
وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله، فقد عَبَدَهُ، كما قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠].
فتبيَّنَ بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: "لا إله إلا الله" إلا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]: قال: لا تحبوا غيري.
وفي "مستدرك الحاكم" عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الشرك أخفى من دبيب الذَّرّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تُحِبَّ على شيء من الجور، وتُبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه، متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي.
وخَرَّج ابن أبي الدنيا من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "لا تزال لا إله إلا الله، تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله، ردها الله عليهم، وقال الله: كذبتم" (١).
стр. 286
فتبين بهذا المعنى قوله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه، حَرّمه الله على النار".
وأنّ من دخل النار من أهل هذه الكلمة، فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طَهَّرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صَدَق في قول: لا إله إلا الله لم يحب سواه، ولم يَرْجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقِي في القلب أثر لسوى الله، فمن قلة الصدق في قولها.
نارُ جهنم تُطفأ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور: "تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لَهَبِي" (١).
وفي "مسند الإمام أحمد" عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يبقى بَرّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، حتى إنّ للنار ضجيجًا من بردهم" (٢).
فهذا ميراثٌ ورثهُ المؤمنون من حال إبراهيم ﵊ فنار المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نارُ جهنم، قال الجنيد ﵀: قالت النار: يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني؟ قال: نعم، كنت أسلط عليك ناري الكبرى، قالت: وهل نار أعظم مني وأشدّ؟ قال: نعم نار محبتي، أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين (٣)، وفي هذا يقول بعضهم:
فَفِي فُؤَادِ الْمُحِبِّ نَارُ الْهَوَى … أَحَرُّ نَارِ الْجَحِيمِ أَبْرَدُهَا
ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من كان آخر
стр. 287
كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة" (١).
فإن المحتَضَر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص، وتوبة، ونَدَم على ما مضى، وعَزْم على أن لا يعود لمثله.
ورجح هذا القول الخطابي في مصنف له في التوحيد، وهو حسن. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيق أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوائلَ الكتاب قال:
[١١٧] ( … ) - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، يَا رَسُولَ اللهِ بِمِثْلِه، وَزَادَا فِيهِ: "وَلَمْ أزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) ٤/ ٤٠.
٢ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاء) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقة [١١].
رَوَى عن إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وحسين بن علي الجعفي، وخالد بن مَخْلَد، ووكيع، وعبيد الله بن موسى، وأبي داود الْحَفَري، ومعاوية بن عمرو، وغيرهم.
ورَوى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو حاتم، والحسين بن سفيان، والحسين بن إسحاق التُّسْتَريّ، والقاسم بن زكريا المطرز، والقاسم بن خَلَف الدُّوريّ، وغيرهم.
стр. 288
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر صاحب "الزهرة" أن مسلمًا روى عنه ستة وعشرين حديثًا (١)، وأنه مات، وله خمسة وتسعون سنةً، سنةَ خمس وثلاثين ومائتين، قال الحافظ في "التهذيب": وأظن "السبعين" بتقديم السين، وذكر غيره أنه مات في حدود الخمسين والمائتين.
روى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبي داود.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار، واسمه باذام الْعَبسيّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ الحافظ، ثقة، كان يتشيّع [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وأيمن بن نابل، ومعروف بن خَرُّبوذ، والأعمش، وهارون بن سليمان الفراء، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، ويونس بن أبي إسحاق، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن أبي سُرَيج الرازي، وأحمد بن إسحاق البخاري، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ،، ومحمد بن الحسين بن إشكاب، ومحمود بن غيلان، ويوسف بن موسى، وإبراهيم بن دينار البغدادي، والقاسم بن زكريا بن دينار، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وغيرهم.
قال الميمونيّ: ذُكِر عند أحمد عبيد الله بن موسى، فرأيته كالمنكر له، وقال: كان صاحب تخليط، وحَدَّث بأحاديث سوء، قيل له: فابن فضيل؟ قال: كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الرَّدِيَّة. وقال معاوية بن صالح: سألت ابن معين عنه؟ فقال: كُتِبَ عنه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، ثقةٌ، حسن الحديث، وأبو نعيم أتقن منه، وعبيدُ الله أثبتهم في إسرائيل، كان يأتيه، فيقرأ عليه القرآن. وقال العجليّ: ثقةٌ، وكان عالمًا بالقرآن، رأسًا فيه، وقال أيضًا: ما رأيته رافعًا رأسه، وما رُؤي ضاحكًا قط. وقال الآجري عن أبي داود: كان مُحْتَرِقًا شيعيًّا، جاز حديثه. وقال ابن عديّ: ثقة. وقال ابن سعد: قرأ على عيسى بن عُمَر، وعلى
стр. 289
علي بن صالح، وكان ثقةً صدوقًا إن شاء الله تعالى، كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث في التشيع منكرة، وضُعِّفَ بذلك عند كثير من الناس، وكان صاحب قرآن. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يتشيع. وقال يعقوب بن سفيان: شيعيّ، وإن قال قائل: رافضي لم أُنكر عليه، وهو منكر الحديث. وقال الجوزجاني: وعبيد الله بن موسى أغلى وأسوأ مذهبًا، وأروى للعجائب. وقال الحاكم: سمعت قاسم بن قاسم السّيّاريَّ، سمعت أبا مسلم البغدادي الحافظ يقول: عبيد الله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد؛ لتشيعه، وقد عُوتب عن روايته عن عبد الرزاق، فذَكَر أن عبد الرزاق رجع. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، وكان يضطرب في حديث سفيان اضطرابًا قبيحًا، وقال ابن عديّ: قال البخاري: عنده "جامع سفيان"، ويُستَصغَر فيه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة ما أقربه من يحيى بن يمان، ويحيى بن يمان أرجو أن يكون صدوقًا، وليس حديثه بالقويّ. وقال ابن قانع: كوفي صالح يتشيع. وقال الساجيّ: صدوق، كان يُفْرِط في التشيع.
وقال أبو حاتم: سمعت منه سنة (٢١٣)، وقال ابن سعد: مات في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكذا أَرّخه غيره، وقال يعقوب بن شيبة: مات سنة (١٤)، وذكر الْقَرّاب أنه ولد سنة (١٢٨).
أخرج له الجماعة، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري (٢٧) حديثًا، ورَوَى في مواضع عن غير واحد عنه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب (٣١) حديثًا.
٤ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ المؤدّب، سَكَنَ الكوفة، ثم انتقل إلى بغداد، ثقة، صاحب كتاب [٧].
رَوَى عن عبد الملك بن عُمير، وقتادة، وفِرَاس بن يحيى، ويحيى بن أبي كثير، وسماك بن حرب، والأعمش، وأشعث بن أبي الشعثاء، والحسن البصري، وغيرهم.
وروى عنه زائدة بن قدامة، وأبو حنيفة الفقيه، وهما من أقرانه، وأبو داود الطيالسي، وأبو أحمد الزبيري، ومعاوية بن هشام، وشبابة، وحسين بن محمد، وعبيد الله بن موسى، وعلي بن الجعد، وآخرون.
стр. 290
قال الأثرم عن أحمد: ما أقرب حديثه، وقال أيضًا: هشام حافظ، وشيبان صاحب كتاب، قيل له: حرب بن شداد كيف هو؟ قال: لا بأس به، وشيبان أرفع. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: شيبان ثَبْتٌ في كل المشايخ. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: وشيبان أحب إليَّ من معمر في قتادة. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: شيبان ثقة، وهو صاحب كتاب. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فشيبان ما حاله في الأعمش؟ قال: ثقة في كل شيء.
وقال العجليّ، والنسائيّ، وابن سعد: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: كان صاحب حروف وقراءات، وكان ابن معين يوثقه. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، صالحٌ يُكتَب حديثه. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا. وقال أبو القاسم البغويّ: شيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي. وقال العسكريّ: شيبان النحويّ نُسِب إلى بطن، يقال لهم: بنو نَحْو بن شمس من الأزد. وذكر ابن أبي داود، وابن المنادي أن المنسوب إلى القبيلة يزيد بن أبي سعيد النَّحْويّ، لا شيبان النحويُّ هذا.
قال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة: مات في خلافة المهديّ سنة أربع وستين ومائة، وكذا أَرّخه مطين، وكذا قال ابن حبان في "الثقات". وقال أسلم في "تاريخ واسط": كان ثقةً، قاله يزيد بن هارون. وقال الترمذيّ: شيبان ثقةٌ عندهم، صاحب كتاب. وقال الساجيّ: صدوق، وعنده مناكير، وأحاديث عن الأعمش تفرد بها، وأثنى عليه أحمد، وكان ابن مهديّ يحدث عنه، وَيفْخَر به.
وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان مُعَلِّمًا صدقًا، حسن الحديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٩) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: "بمثله"، أي روى عبيد الله بن موسى عن الأعمش بمثل رواية أبي معاوية، غير أنه زاد قوله: "ولم أزد إلخ".
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن موسى هذه أخرجها الحافظ ابن منده في "كتاب الإيمان" (ج ١ ص ٢٨٥)، فقال:
١٣٨ - أنبأ أبو عمرو عثمان بن أحمد، ثنا الحسن بن سلام السَّوّاق، ثنا
стр. 291
عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، وأبي صالح، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله، أرأيت إن صليتُ المكتوبات، وأحللت الحلال، وحَرَّمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك، أأدخل الجنة؟ قال: "نعم" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أَوَّلَ الكتاب قال:
[١١٨] ( … ) - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَات، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْحَجْريّ الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقة، من كبار [١١].
رَوَى عن عبد الرزاق، وأبي أسامة، وزيد بن الْحُبَاب، وعبد الله بن جعفر الرَّقِّيّ، ويزيد بن هارون، والحسن بن محمد بن أعين، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأحمد بن حنبل، وهو من شيوخه، وأبو مسعود الرازي، وهو من أقرانه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن هارون الرُّوياني، وإبراهيم بن أبي طالب، وموسى بن هارون الحمال، وغيرهم.
قال أبو حاتم، وصالح بن محمد البغداديّ: صدوق. وقال النسائيّ: ما علمنا به بأسًا. وقال أحمد بن سَيّار: كان من أهل نيسابور، ورَحَل إلى مكة، وكان مستملي المقرئ، صاحب سنة وجماعة، رحل في الحديث، وجالس
стр. 292
الناس، وكتب الكثير، ومات بمكة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: أحدُ الثقات، حَدَّث عنه الأئمة والقدماء. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحاكم: هو محدث أهل مكة، والمتفق على إتقانه وصدقه.
وقال ابن يونس، وابن قانع، وغير واحد: مات سنة (٢٤٧)، وقال أبو بكر بن أبي داود: مات سنة (٢٤٦) في أَكْلَة فالوذج، وقال حسين الْقَبّاني: مات سنة (٢٤٤).
وله في هذا الكتاب (٤٠) حديثًا.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) (١) هو: الحسن بن محمد بن أعين الْحَرّاني، أبو عليّ القرشيّ، مولى أم عبد الملك بنت محمد بن مروان، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن عمه موسى بن أعين، ومعقل بن عبيد الله الجزريّ، وزهير بن معاوية، وفُليح بن سليمان، وفُضيل بن غَزْوان، وجماعة.
وروى عنه الفضل بن يعقوب الرُّخَاميّ، وأبو داود الحَرَّانِيُّ، وسلمة بن شبيب، وأحمد بن سليمان الرُّهَاويّ، ومحمد بن مَعَدان بن عيسى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: أدركته، ولم أكتب عنه. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو عروبة: مات سنة (٢١٠).
أخرجه له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
٣ - (مَعْقِلٌ (٢) بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ - بالموحّدة - مولاهم الْحَرّانيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨].
رَوَى عن عطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وزيد بن أبي أنيسة، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وأبي قَزَعَة سُوَيد بن حُجَير، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، وهو من أقرانه، والحسن بن محمد بن أعين،
стр. 293
ومحمد بن يزيد بن سنان، ووكيع، وأبو نعيم، والْفِريابيّ، وأحمد بن يونس، وعبد الله بن محمد النُّفَيليّ، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، وقال مرةً: ثقة. وعن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطأه، فيستحقَّ التركَ. وقال ابن عَدِيّ بعد أن سَرَدَ له عِدّةَ أحاديث: هو حسن الحديث، لم أجد في حديثه منكرًا. وقال النسائي في "الكنى": صالح.
قال النفيليّ: مات سنة ست وستين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٣١) حديثًا.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس - بفتح المثنّاة، وسكون الدال المهملة، وضمّ الراء - الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق، إلا أنه يدلّس [٤].
رَوَى عن العبادلة الأربعة، وعن عائشة، وجابر، وأبي الطُّفَيل، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاووس، وصفوان بن عبيد الله بن صفوان، وعبيد بن عمرو، وخلق كثير.
ورَوَى عنه عطاء، وهو من شيوخه، والزهريّ، وأيوب، وأيمن بن نابل، وابن عون، والأعمش، وسلمة بن كهيل، وابن جريج، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر، وأبو عوانة، وهشيم، والثوريّ، وابن عيينة، ومعقل بن عبيد الله، وخلق كثير.
قال ابن عيينة عن أبي الزبير: كان عطاء يُقَدِّمني إلى جابر، أحفظ لهم الحديث، ويُروَى عن يعلى بن عطاء قال: حدثني أبو الزبير، وكان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم. وقال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد عن أبي الزبير؟ فقال: قد احتمله الناس، وأبو الزبير أحب إليَّ من أبي سفيان؛ لأنه أعلم بالحديث منه، وأبو الزبير ليس به بأس. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير، قلت لأبي: يضعفه؟ قال: نعم. وقال نعيم بن حماد: سمعت بن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير، وهو أبو الزبير،
стр. 294
أي: كأنه يضعفه. وقال هشام بن عمار عن سويد بن عبد العزيز: قال لي شعبة: تأخذ عن أبي الزبير، وهو لا يحسن أن يصلي؟ وقال نعيم بن حماد: سمعت هُشيمًا يقول: سمعت من أبي الزبير، فأخذ شعبة كتابي فمزقه. وقال محمود بن غيلان عن أبي داود: قال شعبة: ما كان أحدٌ أحب إليَّ أن ألقاه بمكة من أبي الزبير، حتى لقيته، ثم سكت. وقال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِنُ ويسترجح في الميزان. وقال أحمد بن سعيد الرِّباطيّ عن أبي داود الطيالسي قال: قال شعبة: لم يكن في الدنيا أحب إليَّ من رجل يَقْدَم فأسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة، فسمعت منه، فبينما أنا جالس عنده، إذ جاء رجل، فسأله عن مسألة، فردّ عليه، فافترى عليه، فقال له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني، قلت: ومن يُغضبك تفتري عليه؟ لا رَويت عنك شيئًا. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت ابن المديني عنه؟ فقال: ثقة ثبت. وقال هُشيم عن حجاج، وابن أبي ليلى، عن عطاء: كنا نكون عند جابر، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزبير أحفظنا. وقال ابن عون: ثنا أبو الزبير، وما كان بدون عطاء. وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة، قلت: محمد بن المنكدر أحب إليك أو أبو الزبير؟ قال: كلاهما ثقتان. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، إلا أن شعبة تركه لشيء زَعَمَ أنه رآه فعله في مُعَاملة. وقال الساجي: صدوق حجة في الأحكام، قد روى عنه أهل النقل وقبلوه، واحتجوا به، قال: وبلغني عن يحيى بن معين أنه قال: استَحْلَفَ ليثٌ أبا الزبير بين الركن والمقام، إنك سمعت هذه الأحاديث من جابر، فقال: والله إني سمعتها من جابر، يقول ثلاثًا. وقال ابن عيينة: كان أبو الزبير عندنا بِمَنْزِلة خبز الشعير، إذا لم نجد عمرو بن دينار ذهبنا إليه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يقولون: إنه لم يسمع من ابن عباس، قال أبي: رآه رؤيةً، ولم يسمع من عائشة، ولم يَلْقَ عبد الله بن عَمْرو. وقال ابن معين: لم يسمع من عبد الله بن عُمَر. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أبو الزبير يحتاج إلى دِعَامة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث، وقال مرةً: ثقة، وقال
стр. 295
الدُّوريّ عن ابن معين: أبو الزبير أحب إليَّ من أبي سفيان، وقال أيضًا عن يحيى: لم يسمع من ابن عمر، ولم يره. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وإلى الضعف ما هو؟ وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير؟ فقال: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إليَّ من أبي سفيان، قال: وسألت أبا زرعة عن أبي الزبير؟ فقال: رَوَى عنه الناس، قلت: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: إنما يُحتج بحديث الثقات. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن عديّ: روى مالك عن أبي الزبير أحاديث، وكفى بأبي الزبير صدقًا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكًا لا يروي إلا عن ثقة، وقال: لا أعلم أحدًا من الثقات تَخَلَّف عن أبي الزبير، إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا إن رَوَى عنه بعض الضعفاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لم يُنصِفْ مَنْ قَدَح فيه؛ لأن من استرجح في الوزن لنفسه لم يستحق الترك لأجله. وقال ابن أبي مريم عن الليث: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدَفَع إليّ كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته، فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعتُ، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أَعْلِم لي على ما سمعتَ، فأَعْلَم لي على هذا الذي عندي.
قال البخاريّ عن علي بن المديني: مات قبل عمرو بن دينار، وقال عمرو بن عليّ، والترمذيّ: مات سنة ست وعشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وحديثه عند البخاريّ مقرون بغيره، وله في هذا الكتاب (٢١٤) حديثًا.
والصحابيّ تقدّم قبله.
[تنبيهان]:
(الأول): قوله: "وهو ابن عبيد الله" قد تقدّم غير مرّة، أن فائدته بيان أنه لم يقع في الرواية لفظة "ابن عبيد الله"، فأراد إيضاحه، بحيث لا يزيد في الرواية على شيخه، فأتي بما يفصل بين لفظ شيخه، وبين ما زاده للإيضاح. والله تعالى أعلم.
(الثاني): أن أبا الزبير مدلّس، كما سبق آنفًا في ترجمته، ولا يُقبل منه ما عنعنه عن جابر ﵁ كهذا الحديث، إلا إذا كان من رواية الليث بن سعد
стр. 296
عنه، فإنها مسموعة من جابر كما تقدم في قصّته معه في ترجمته، فكيف أخرج له مسلم هنا بالعنعنة؟
[أجيب]: بأنه لم ينفرد به، بل تابعه أبو صالح، وأبو سفيان، كما في السند الماضي، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
(٥) - (بَابُ بَيَانِ أَرْكَانِ الإِسْلَام، ودَعَائِمِهِ الْعِظَامِ)
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوَّلَ الكتاب قال:
[١١٩] (١٦) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمَدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرَ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ"، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ، قَالَ: لَا، "صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ"، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ الحافظ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ، سُلَيْمَانُ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرُ) الأزديّ الكوفيّ، الْجَعْفَريّ، نَزَلَ فيهم، ووُلد بِجُرْجَان، صدوقٌ يُخطئ [٨].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وحُميد الطويل، وداود بن أبي هند، وابن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وابن جريج، وأبي مالك الأشجعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وآدم بن أبي إياس،
стр. 297
وأسد بن موسى، والْفِرْيابيّ، وأبو كريب، وأبو سعيد الأشجّ، ويوسف بن موسى القطان، وعمرو الناقد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن سلام البيكنديّ، وجماعة.
قال إسحاق بن راهويه: سألت وكيعًا عن أبي خالد؟ فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد؛ لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث فلم يكن يَطْعَن عليه فيه. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وإنما أُتي من سوء حفظه، فيَغْلَط ويُخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين: صدوق، وليس بحجة. قلت وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنة، وكان محْتَرِفًا يؤاجر نفسه من التجار، وكان أصله شاميًّا، إلا أنه نشأ بالكوفة. وقال أبو بكر البزار في كتاب "السنن": ليس ممن تُلزِم زيادته حجةً؛ لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد رَوَى أحاديثَ عن الأعمش وغيره لم يُتَابَعْ عليها.
وقال هارون بن حاتم: سألت أَبا خالد متى وُلِدتَ؟ قال: سنة (١١٤)، قال هارون: ومات سنة (١٩٠)، وقال ابن سعد، وخليفة: مات سنة تسع وثمانين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) سَعْد بن طارق بن أشيم الكوفيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وأنس، وعبد الله بن أبي أَوْفَى، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وسَعْد بن عُبَيدة، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وأبي حازم الأشجعيّ، وغيرهم.
وروى عنه خَلَف بن خليفة، وابن إسحاق، وشعبةُ، والثوريّ، وابن إدريس، وحفص بن غياث، وعَبّاد بن الْعَوّام، وعبد الواحد بن زياد، ومحمد بن
стр. 298
فضيل، ومروان بن معاوية، وأبو عوانة، وأبو معاوية، وأبو خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتَب حديثه. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن إسحاق في "السيرة": ثنا سَعْد بن طارق، أبو مالك، ثقة. وقال ابن خلفون: وَثَّقَه ابن نُمَير وغيره. وقال الْعُقيليّ: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه. وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم. وقال الصَّرِيفينيّ: بقي إلى حدود الأربعين ومائة.
علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٤ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السَّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر والبراء بن عازب، وحِبّان بن عَطِيّة، والمستورد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وكان خَتَنَه على ابنته.
وروى عنه الأعمش، ومنصور وفِطْر بن خليفة، وحُصَين، وأبو حَصِين، والْحَكَم بن عتيبة، وزُبَيد الياميّ، وعمرو بن مُرّة، وعلقمة بن مرثد، وأبو مالك الأشجعيّ، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يَرَى رأي الخوارج، ثم تركه، يُكْتَب حديثه. وقال الكلاباذيّ: مات في ولاية عمرو بن هُبَيرة على العراق، وكذا قال ابن سعد، وقال: كان ثقةً، كثير الحديث، وكذا أَرّخه ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ ١/ ١٠١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير أبي مالك الأشجعي، فقد علّق له البخاريّ.
стр. 299
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير الصحابيّ ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي مالك، عن سعد بن عُبيدة.
٥ - (ومنها): أن فيه التحديث في موضعين، والعنعنة في البقيّة، وكلاهما من صيغ الاتصال من غير المدلّس في "عن".
٦ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ) ببناء الفعل للمفعول، ورفع "الإسلامُ" على أنه نائب فاعله.
وفي الكلام استعارة بالكناية؛ لأنه شبّه الإسلام بمبني له دعائم، فذكر المشبّه، وطوى ذكر المشبّه به، وذكر ما هو من خواصّ المشبّه به، وهو البناء، ويُسمّى هذا استعارة ترشيحيّةً، ويجوز أن يكون استعارة تمثيليّةً، بأن تُمثّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خِبَاء أُقيمت على خمسة أعمدة، وقُطبُها الذي تدور عليه الأركان هو شهادة أن لا إله إلا الله، وبقيّة شُعَبِ الإيمان كالأوتاد للخباء، ويجوز أن تكون الاستعارة تبعيّةً، بأن تُقدّر الاستعارة في "بُنِيَ"، والقرينة "الإسلام"، شُبّه ثبات الإسلام، واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، ومعلوم أن الاستعارة التبعيّة، تقع أولا في المصادر، ومتعلَّقات معاني الحروف، ثم تسري في الأفعال، والصفات، والحروف (١).
(عَلَى خَمْسَةٍ) هكذا في هذه الرواية، والرواية الرابعة "خمسة" بالهاء، وفي الرواية الثانية، والثالثة "خمس" بلا هاء، وفي بعض الأصول المعتمدة في الطريق الرابع بلا هاء، وكلاهما صحيح، ويكون المراد برواية الهاء خمسة أركان، أو أشياء، أو نحو ذلك، وبرواية حذف الهاء خمس خصالٍ، أو دعائمَ، أو قواعدَ أو نحو ذلك.
стр. 300
[تنبيه]: القاعدة النحويّة أن العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنّث مع المذكّر، كثلاثة رجال، ويذكّر مع المؤنّث، كثلاث نسوة، كما قال في "الخلاصة":
ثَلَاثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ … فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ … جَمْعًا بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
وهذه القاعدة إنما تجب إذا كان المعدود مذكورًا بعد العدد تمييزًا، وأما إذا حُذف، كحديث: "من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوال … "الحديث، أو قُدّم جاز الأمران، فتقول: مسائل تسعٌ، وتسعةٌ، ورجال تسعةٌ، وتسعٌ، فيكون ما هنا مما حُذف، فجاز الأمران (١)، فتنبّه لهذه القاعدة، فإنها مهمّة جدًّا. والله تعالى أعلم.
(عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ) بضم حرف المضارعة، وفتح الحاء المهملة المشدّدة، مبنيًّا للمفعول، ورفع لفظ الجلالة على أنه نائب فاعله، والجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل، أي على توحيد الله تعالى، والتوحيد بمعنى العبادة في الرواية التالية بلفظ: "على أن يُعبد الله، ويُكفر بما دونه"، وبمعنى الشهادتين في الرواية الثالثة بلفظ: "شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله".
(وَإِقَامِ الصَّلَاةَ) أي وعلى الإتيان بالصلاة على الوجه المطلوب شرعًا، من استيفاء شروطها، وأركانها، وآدابها.
[تنبيه]: أصل "إقام" إقوام؛ لأنه من أقام يُقيم، نُقلت حركة عينه إلى فاء الكلمة، وحُذفت، وعُوّض عنها تاء التأنيث غالبًا، فصار إقامةً بالتاء، لكن هذا التعويض إنما يأتي غالبًا إذا لم يوجد مضاف إليه، فأما إذا وُجد، فإنه يقوم مقام التاء، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وأشار إلى هذه القاعدة في "الخلاصة" بقوله:
وَاسْتَعِذِ اسْتِعَاذَةً ثُمَّ أَقِمْ … إِقَامَةً وَغَالبًا ذَا التَّا لَزِمْ
(وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) مصدر آتى يؤتي: إذا أعطى، وفيه شيئان: أحدهما:
إطلاق الزكاة التي هي في الأصل مصدر، أو اسم مصدر على المال الْمُخْرَج
стр. 301
للمستحقّ، والآخر حذف أحد المفعولين؛ للعلم به؛ لأن الإيتاء يتعدّى إلى مفعولين، والتقدير: إيتاء الزكاة مستحقيها (وَصِيَامِ رَمَضَانَ) من إضافة الحكم إلى سببه (وَالْحَجِّ) أي وحج البيت، فـ "أل" بدل من المضاف إليه، والإظافة فيه أيضًا من إضافة الحكم إلى سببه، فلما لم يتكرر البيت لم يتكرّر الحج، بل صار مرّة في العمر، بخلاف الصوم؛ فإنه يتكرّر كلّ سنة، فصار واجبًا كلّ سنة. (فَقَالَ رَجُلٌ) اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السَّكْسَكِيّ، ذكره الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في "الأسماء المبهمة" (الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ) بجرهما على الحكاية، أي قال بدل قول ابن عمر ﵄ "وصيام رمضان، والحجّ": والحجّ، وصيام رمضان، فقدَّم ذكر الحجّ عدى الصيام، فـ (قال) ابن عمر ﵄ ردًّا عليه (لَا) أي لا تقل: "الحجّ، وصيام رمضان"، بل قل: ("صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ") بالجرّ فيهما على الحكاية أيضًا (هَكَذَا سَمِعْتُهُ) أي سمعت هذا الكلام مرتّبًا على هذا الوجه (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) متعلّقٌ بـ "سمعته".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أظهر ما قيل في توجيه إنكار ابن عمر ﵄ هذا على هذا الرجل عندي قول من قال: إنّ ابن عمر ﵄ سمعه من النبيّ ﷺ مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين، في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ عليّ ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، وسيأتي ذكر بقيّة أجوبة العلماء في توجيه إنكاره ﵁ في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في تخريجه.
حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنف) هنا (٥/ ١١٩) عن محمد بن عبد الله نُمَير، عن
стр. 302
أبي خالد الأحمر - و (٥/ ١٢٠) عن سهل بن عثمان العسكريّ، عن يحيى بن زكريا - كلاهما عن أبي مالك الأشجعيّ، عن سعد بن عُبيدة السلميّ، عنه. و (٥/ ١٢١) عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عاصم بن محمد، عن أبيه، عنه. و (٥/ ١٢٢) وعن ابن نمير، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عنه.
وأخرجه (البخاريّ) (٢/ ٨) عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة بن أبي سفيان به، وأخرجه أيضًا في "التفسير" برقم (٤٥١٤).
وأخرجه (الحميديّ) في "مسنده" (٧٠٣ و ٧٠٤) و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٨٢٣) و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٢٦ و ٩٢ و ١٢٠ و ١٤٣ و (الترمذي) في "جامعه" (٢٦٠٩) و (النسائيّ) (٨/ ١٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٨ و ٩٩ و ١٠٠ و ١٠١ و ١٠٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٨ و ٣٠٩). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان أركان الإسلام، ودعائمه العظام.
٢ - (ومنها): أنه يُفهم من ظاهر الحديث أنه لا يكون الشخص مسلمًا عند ترك شيء من هذه الأركان، وقد اختُلف في ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.
٣ - (ومنها): أن هذه الأشياء الخمسة من فروض الأعيان، لا تسقط بإقامة بعض المكلّفين عن الباقين.
٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل عظيمٌ في معرفة الدين، وعليه اعتماده، وقد جَمَعَ أركانه كلها.
٥ - (ومنها): أن فيه جواز إطلاق "رمضان" دون إضافة لفظة "شهر" إليه، وهو الحقّ الذي عليه الجمهور، خلافًا لمن منع ذلك، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في موضعه من "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): أنه يستفاد من إنكار ابن عمر ﵄ على الرجل في تقديمه الحج، وقوله: "هكذا سمعته من رسول الله ﷺ "تأكّد أداء الحديث باللفظ، وقد سبق في شرح المقدّمة بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح قول
стр. 303
الجمهور بجواز الرواية بالمعنى بشروطه، لكن الأولى المحافظة على اللفظ لقوله ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه" (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن تكون محافظة النبيّ ﷺ على ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة أوّلًا، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحجّ، ويحتمل ذلك أن يكون لإفادة الأوكد فالأوكد، فقد يَستنبط الناظر في ذلك الترتيبِ تقديمَ الأوكد على ما هو دونه إذا تعذّر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت الصلاة، وتعيّن عليه في ذلك الوقت أداء الزكاة لضرورة المستحق، فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحاجّ، فيتذكّر العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قال بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة، وإن فاته الوقوف؛ نظرًا إلى ما ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف للمشقّة في استئناف الحجّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنَّ القول الثاني أرجح؛ للمشقّة المذكورة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فالحرج مرفوع بالنصّ، ففعل ما يرفع الحرج أولى، وإن كان أدون في الرتبة، والله تعالى أعلم.
قال: ومن ذلك لو أوصى رجل بزكاة فرّط في أدائها، وبكفّارةِ فطر من رمضان، وضاق الثلث عنهما، بدأ بالزكاة أوّلًا؛ لأوكديّتها على الصوم، وكذلك لو أوصى بكفّارة الفطر، وبهديٍ واجبٍ في الحجّ، قدّم كفارة الفطر، وهذا كلّه على أصل مالك ﵀، فإن ذلك كلّه يخرَج من الثلث، وأما من ذهب إلى أن ذلك يُخرج من رأس المال، فلا تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
٧ - (ومنها): أنه يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنّة بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الحديث يقتضي صحّة إسلام من باشر ما ذُكر،
стр. 304
ومفهومه أن من لم يباشره لا يصحّ منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، على ما تقرّر في موضعه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان الأسئلة الواردة على هذا الحديث (٢).
(الأول): ما قيل: ما وجه الحصر في هذه الخمسة؟
وأجيب بأن العبادة إما قوليّة، وهي الشهادة، أو غير قوليّة، فهي إما تَركيّ، وهو الصوم، أو فعليّ، وهو إما بدنيّ، وهو الصلاة، أو ماليّ، وهو الزكاة، أو مركّبٌ منهما، وهو الحجّ.
(الثاني): ما قيل: ما وجه الترتيب بينها؟
وأجيب بأن الواو لا تدلّ على الترتيب، ولكن الحكمة في الذكر أن الإيمان أصل للعبادات، فتعيّن تقديمه، ثم الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ثم الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها، فبالضرورة يقع الصوم آخرًا.
(الثالث): ما قيل: الإسلام هو الكلمة فقط، ولهذا يُحكم بإسلام من تلفّظ بها، فلم ذكرت الأخوات معها.
وأجيب: بأنها أظهر شعائر الإسلام، قال النوويّ رحمه الله تعالى: حكم الإسلام في الظاهر يَثبُت بالشهادتين، وإنما أُضيف إليهما الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتمّ إسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله. انتهى.
(الرابع): ما قيل: إن الإسلام هو هذه الخمسة، والمبنيّ لا بدّ أن يكون غير المبنيّ عليه.
وأجيب: بأن الإسلام عبارة عن المجموع، والمجموع غير كلّ واحد من أركانه، وحاصله أن المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، وعينٌ من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشَّعْر يُجعل على خمسة أعمدة، أحدها أوسطٌ والبقيّة أركان،
стр. 305
فما دام الأوسط قائمًا فمسمّى البيت موجود، ولو سقط ما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمّى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده، أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أسّه وأركانه، الأسُّ أصلٌ، والأركان تبعٌ وتكملة.
(الخامس): ما قيل: الأربعة الأخيرة مبنيّة على الشهادة؛ إذا لا يصحّ شيء منها إلا بعد الكلمة فالأربعة مبنيّة، والشهادة مبنيّ عليها، فلا يجوز إدخالها في سلك واحد.
وأجيب: بأنه لا محذور في أن يُبنى أمرٌ على أمر، ثم يبنى عليهما أمرٌ آخر.
ويقال: لا نسلّم أن الأربعة مبنيّة على الكلمة، بل صحّتها متوقّفة عليها، وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس.
وقال التيمي رحمه الله تعالى: قوله: "بني الإسلام على خمس"، كان ظاهره أن الإسلام مبنيّ على هذه، وإنما هذه الأشياء مبنيّة على الإسلام؛ لأن الرجل ما لم يشهد لا يُخاطب بهذه الأشياء الأربعة، لو قالها فإنّا نحكم في الوقت بإسلامه، ثم إذا أنكر حكمًا من هذه الأحكام المذكورة المبنيّة على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه، إلا أن النبيّ ﷺ لَمّا أراد بيان أن الإسلام لا يتمّ إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيًّا عليها، ولهذا المعنى سوّى بينها وبين الشهادة، وإن كانت هي الإسلام بعينه.
قال الكرمانيّ: حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة، لا نفس الإسلام، وهو حسنٌ، لكن قوله: ثم إذا أنكر حكمًا من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من البحث؛ إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها، لا في إنكارها، وكيف وإنكار كلّ حكم من أحكام الإسلام موجبٌ للكفر، فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضًا قوله: لا يخاطب إلخ فيه نظر؛ إذ هذا مذهب مرجوح، فالحقّ أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، فكان الأولى أن يعبّر بقوله: فلا يُعتدّ بهذه الأشياء إلخ. وللعينيّ اعتراض على كلام
стр. 306
الكرمانيّ المذكور، تركت ذكره لعدم جدواه فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(السادس): ما قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة ﵈ وغير ذلك مما تضمّنه سؤال جبريل ﵇؟
أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكر من المعتقدات، وقال الإسماعيليّ رحمه الله تعالى ما محصّله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت "الحمد"، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلًا: شهدتُ، برسالة محمد ﷺ ، وتريد جميع ما ذُكر (١). والله تعالى أعلم.
(السابع): ما قيل: لمَ لم يذكر فيه الجهاد؟ أجيب بأنه فرض كفاية، ولا يتعيّن إلا في بعض الأحوال، ولهذا جعله ابن عمر ﵄ جوابًا للسائل، وزاد في رواية عبد الرزّاق في آخره: "وإن كان الجهاد من العمل الحسن".
وأغرب ابن بطّال، فزعم أن هذا الحديث كان في أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وهو خطأ بَيِّنٌ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وكانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فُرض الصيام، والزكاة بعد ذلك، والحجّ بعد ذلك على الصحيح.
وقال الداوديّ: لما فُتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بعد من الكفّار، وهو فرض على من يليهم، وكان أوّلًا فرضًا على الأعيان، وقيل: هو مذهب ابن عمر ﵄، والثوريّ، وابن شُبْرُمة، إلا أن ينزل العدوّ فيأمر الإمام بالجهاد، وجاء في البخاريّ في هذا الحديث في "التفسير": "أن رجلًا قال لابن عمر: ما حملك على أن تحجّ عامًا، وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد"، وفي رواية عكرمة بن خالد الآتية في أولها: "أن رجلًا قال لابن عمر: ألا تغزو، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الإسلام بُني على خمس … " الحديث، فهذا يدلّ على أن ابن عمر كان لا يرى فرضيّته إما مطلقًا، كما نُقل عنه، أو في ذلك الوقت (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
في بيان اختلاف العلماء في توجيه إنكار ابن عمر ﵄ على الرجل في
стр. 307
تقديمه الحجّ على الصيام في هذه الرواية مع ثبوت ذلك في الرواية التالية:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما تقديم الحج وتأخيره: ففي الرواية الأولى والرابعة تقديم الصيام، وفي الثانية والثالثة تقديم الحج، ثم اختلف العلماء في إنكار ابن عمر على الرجل الذي قَدَّم الحجَّ مع أنّ ابن عمر رواه كذلك، كما وقع في الطريقين المذكورين.
والأظهر - والله أعلم - أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبيّ ﷺ مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ على ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر.
ويحتمل أنّ ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين، كما ذكرنا، ثم لَمّا رَدّ عليه الرجل نسي الوجه الذي رده، فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: محافظة ابن عمر ﵄ على ما سمعه من رسول الله ﷺ ، ونهيه عن عكسه، تصلح حجةً لكون الواو تقتضي الترتيب، وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين، وشذوذٍ من النحويين، ومن قال: لا تقتضي الترتيب، وهو المختار، وقول الجمهور فله أن يقول: لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب، بل لأن فرض صوم رمضان نَزَل في السنة الثانية من الهجرة، ونزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل: سنة تسع - بالتاء المثنّاة فوقُ - ومن حق الأول أن يُقَدَّم في الذكر على الثاني، فمحافظة ابن عمر ﵁ لهذا، وأما رواية تقديم الحج، فكأنه وقع ممن كان يروي الرواية بالمعنى، وَيرَى أن تأخير الأول، أو الأهمّ في الذكر شائع في اللسان، فتصرف فيه بالتقديم والتأخير لذلك مع كونه لم يسمع نهيَ ابن عمر ﵄ عن ذلك، فافهم ذلك، فإنه من المشكل الذي لم أرهم بيَّنوه، هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.
стр. 308
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله ضعيف من وجهين:
[أحدهما]: أن الروايتين قد ثبتتا في الصحيح، وهما صحيحتان في المعنى، لا تنافي بينهما، كما قدمنا إيضاحه، فلا يجوز إبطال إحداهما.
[الثاني]: أنّ فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قَدْحٌ في الرواة والروايات، فإنه لو فُتِحَ هذا لم يَبْقَ لنا ثِقَةٌ بشيء من الروايات، إلا القليل، ولا يخفى بطلان هذا، وما يترتب عليه من المفاسد، وتَعَلُّق من يتعلق به، ممن في قلبه مرض. والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (١).
وقال المازريّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن تكون مُشَاحّة ابن عمر في هذا لأنه كان لا يرى نقل الحديث بالمعنى، وإن أدّاه بلفظٍ يَحْتَمِلُ، أو كان يرى الواو توجب الترتيب - كما قال بعضهم - فيجب التحفّظ على الرواية المسموعة من النبيّ ﷺ ؛ لأنه قد يتعلّق بذلك أحكام.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد يكون ردّ ابن عمر على الرجل إلى تقديم رمضان على الحجّ؛ لتقدّم فريضة رمضان على فريضة الحجّ، فجاء بالفرائض على نسقها في التاريخ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق ترجيح القول بأن ابن عمر ﵄ سمعه من النبي ﷺ مرّتين، وأنه رواه على الوجهين، فردّه على الرجل؛ لكونه اعترض على ما لا علم له به، وردّ الثابت؛ لتوهّمه عدم ثبوته. وأما ما جوّزه بعضهم من أن ابن عمر سمعه من النبيّ ﷺ على الوجهين، ونسي أحدهما عند ردّه على الرجل، ففيه نظر: لأن تطرّق النسيان إلى الراوي عن الصحابيّ أول من تطرّقه إلى الصحابيّ (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(تنبيه): وقع في رواية أبي عوانة الإسفرايينيّ في كتابه "الْمُخَرَّج على صحيح مسلم، وشرطه" عكسُ ما وقع في مسلم من قول الرجل لابن عمر: قَدِّمِ الحجَّ، فوقع فيه أن ابن عمر ﵁ قال للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهنّ، كما سمعت من رسول الله ﷺ .
стр. 309
فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: لا تقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا محتمل أيضًا صحته، ويكون قد جَرَت القضية مرتين لرجلين. والله تعالى أعلم، انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى من ترجيح رواية مسلم أظهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة):
قد حقّق الكلام على هذا الحديث الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، فأردت إيراد تحقيقه، وإن كان معظمه قد تقدّم، إلا أن فيه فوائد زوائد، قال رحمه الله تعالى:
المراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خَرّجه محمد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة"، ولفظه: "بُنِي الإسلام على خمس دعائم … "، فذكره، والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان، ودعائمُ البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتَتِمّة البنيان، فإذا فُقِد منها شيء نقص البنيان، وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين: الإيمانُ بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقًا: "بُنِي الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله … " وذكر بقية الحديث، وفي رواية لمسلم: "على خمس: على أن يُوَحَّد الله "، وفي رواية له: "على أن يُعبَد الله، ويُكفر بما دونه".
وبهذا يُعلَم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام، كما سبق في حديث جبريل ﵇.
وأما إقام الصلاة: فقد وردت أحاديث متعددةٌ لا تَدُلّ على أن من تركها،
стр. 310
فقد خرج من الإسلام، ففي "صحيح مسلم" عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة"، ورُوي مثله من حديث بُريدة، وثوبان، وأنس، وغيرهم، وخَرّج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تترك الصلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا، فقد خرج من الملة" (١).
وفي حديث معاذ ﵁، عن النبي ﷺ : "رأس الأمر الإسلام، وعموده، الصلاة"، فجعل الصلاة كعمود الفُسْطاط الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه.
وقال عمر ﵁: لا حَظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال سعد ﵁ وعلي بن أبي طالب ﵁: من تركها فقد كفر.
وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون من الأعمال شيئًا تركه كفر إلا الصلاة.
وقال أبو أيوب السختيانيّ: ترك الصلاة كفر، لا يُخْتَلَف فيه.
وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحَكَى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: وهو قول جمهور أهل الحديث.
وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئًا من أركان الإسلام الخمس عمدًا فهو كافر بذلك، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، ونافع، والحكم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية.
وخَرّج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله الحج في كل عام؟ قال: "لو قلت: نعم لوجب عليكم، ولو وجب عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم" (٢).
стр. 311
وخَرّج اللالكائيّ من طريق مؤمل قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك النُكْريّ، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه، قال: "عُرَى الإسلام، وقواعدُ الدين ثلاثة، عليهن أُسِّسَ الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، وصوم رمضان، مَن تَرَك منهم واحدةً فهو بها كافرٌ، حلال الدم، وتجده كثير المال، لم يحج، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل بذلك دمه، وتجده كثير المال ولا يزكي، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل دمه" (١).
ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفًا مختصرًا، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد، عن عمر بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال: "من ترك منهنّ واحدةً فهو بالله كافر، ولا يُقْبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وقد حَلّ دمه وماله"، ولم يذكر ما بعده.
وقد رُوِي عن عمر ﵁ ضربُ الجزية على من لم يحجّ، وقال: ليسوا بمسلمين. وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ليس بمسلم. وعن أحمد رواية أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر، دون الصيام والحج. وقال ابن عيينة: المرجئة سَمُّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس سواءً؛ لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر إبليس، وعلماء اليهود الذين أَقَرُّوا ببعث النبي ﷺ بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه.
وقد استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم، وترك السجود لله أعظم.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد، اعتزل إبليس يبكي ويقول: يا ويلي أُمِر ابنُ آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود، فأبيتُ فلي النار".
(واعلم): أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد رُوي أنه لا يُقْبَل بعضها بدون بعض، كما في "مسند الإمام أحمد" عن زياد بن نُعيم
стр. 312
الحضرميّ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ فَرَضَهُنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يُغنِينَ عنه شيئًا حتى يأتي بهن جميعًا: الصلاة، والزكاة وصوم رمضان، وحج البيت"، وهذا مرسل (١).
وقد روي عن زياد عن عُمَارَةَ بن حَزْم، عن النبي ﷺ (٢).
ورُوي عن عثمان بن عطاء الخرساني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الدين خمسٌ لا يَقبل الله منهن شيئًا دون شيء: شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت، هذه واحدة، والصلوات الخمس عمود الدين، لا يَقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طَهُور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان، ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم جاء رمضان، فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإيمان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم تيسر له الحجّ، فلم يحج، ولم يوصِ بحجته، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها"، ذكره ابن أبي حاتم (٣)، فقال: سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث منكر، يَحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني.
قال ابن رجب: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر، وعطاءٌ من أجلاء علماء الشام.
وقال ابن مسعود: من لم يُزَكِّ فلا صلاة له.
ونفيُ القبول هنا لا يراد به نفي الصحة، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة.
стр. 313
فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن أتى ببعضها دون بعض، لم يحصل له ذلك، وإن كان لا يُعاقَب على ما أتى به منها عقوبة تاركه، بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه أيضًا.
ومن ها هنا يُعلَم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان، تكون مانعةً من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النبي ﷺ : "مَنْ شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا"، رواه مسلم، وقال: "مَن أَتَى عَرّافًا، فصدقه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا"، رواه مسلم أيضًا، وقال: "أَيُّما عبد أَبَقَ من مواليه، لم تُقبَل له صلاة"، رواه مسلم أيضًا.
وحديثُ ابن عمر ﵄ يُستَدَلُّ به على أن الاسم إذا شَمِلَ أشياء متعددة، لم يَلزم زوالُ الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قول من قال: "إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال لَلَزِم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي ﷺ جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبرائيل ﵇، وفي حديث طلحة بن عُبيد الله الذي فيه أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ عن الإسلام، ففسره له بهذه الخمس.
ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خصلة واحدة، أو أربع خصال، سوى الشهادتين لم يَخرُج بذلك من الإسلام، وقد رَوَى بعضهم أن جبرائيل ﵇ سأل النبي ﷺ عن شرائع الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونُقّاده، منهم أبو زرعة الرازيّ، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيليّ، وغيرهم.
وقد ضَرَب العلماء مَثَلَ الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشُعَبٌ، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال شيء من شُعَبها وفروعها لم يَزُل عنه اسم الشجرة، وإنما يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أتم منها.
وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك، في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [ابراهيم: ٢٤]، والمراد بالكلمة كلمة التوحيد، وبأصلها التوحيدُ الثابتُ في القلوب، وأُكُلها هو الأعمال الصالحة الناشئة منه.
стр. 314
وضرب النبي ﷺ مثل المؤمن والمسلم بالنخلة (١)، ولو زال شيء من فروع النخلة من ثمرها، لم يَزُل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر.
ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهاد أفضل الأعمال، وفي رواية إن ابن عمر قيل له: فالجهاد؟ قال: الجهاد حسن، ولكن هكذا حدثنا رسول الله ﷺ خَرَّجه الإمام أحمد.
وفي حديث معاذ بن جبل ﵁: "إن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذِرْوَة سنامه الجهاد"، وذروةُ سنامه أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه، وأركانه التي بُنِيَ عليها، وذلك لوجهين:
[أحدهما]: أن الجهاد فرض كفاية، عند جمهور العلماء، ليس بفرض عين، بخلاف هذه الأركان.
[والثاني]: أن الجهاد لا يستمرّ فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يَبْقَ حينئذٍ ملةٌ إلا ملةُ الإسلام، فحينئذٍ تَضَعُ الحرب أوزارها، ويُستَغْنى عن الجهاد، بخلاف هذه الأركان، فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله، وهم على ذلك. والله أعلم.
انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٠] ( … ) - (وحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعسْكَرِيُّ) بن فارس بن سنان، أبو مسعود الْكِنْدِيّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، له غرائب [١٠].
стр. 315
رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحفص بن غياث، وحماد بن زيد، وزياد بن عبد الله الْبَكّائيّ، وعلي بن مسهر، وأبي معاوية، ومروان بن معاوية، وإبراهيم بن سعد، وعقبة بن خالد السَّكُونيّ، وعبد الرزاق، وعبد الله بن جعفر المدينيّ، وعدّة.
وروى عنه مسلم، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى بن أبي سُمَينة، وهما من أقرانه، وأبو مسعود أحمد بن الْفُرَات الرازي، وأحمد بن نصر بن عبد الوهاب النيسابوريّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازيّ، وإسماعيل بن عبد الله سَمُّويه، وجعفر بن أحمد بن فارس، وجماعة.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو الشيخ: كان كثير الفوائد، وقال عبدان: قَدِم عليه أبو بكر الأعين، وجماعة من أصحابه، فقالوا في أحاديث: حَدَّثنا بها أنه أخطأ، فقيل له، فقال: هكذا حَدَّثنا فلان وفلان، فسكتوا عنه، وله غرائب كثيرة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
(يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - الوادعيّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متقنٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، والأعمش، وابن عون، وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وداود بن أبي هند، وحارثة بن أبي الرجال، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن آدم، وأبو داود الْحَفَريّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، وداود بن رُشَيد، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وإبراهيم بن موسى، وسهيل بن عثمان العسكري، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وغيرهم.
قال إبراهيم بن موسى عن أبي خالد الأحمر: كان جَيِّد الأخذ، وقال أيضًا عن الحسن بن ثابت: نَزَلتُ بأفقه أهل الكوفة، يعنيه. وقال عمرو الناقد عن ابن عيينة: ما قَدِمَ علينا مثل ابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة، وقال الحارث بن سُرَيج عن يحيى القطان: ما خالفني أحدٌ بالكوفة أشدُّ عليّ من ابن
стр. 316
أبي زائدة. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقالى عثمان الدارمي: قلت لابن معين: إسماعيل بن زكريا أحب إليك، أو يحيى بن أبي زائدة؟ قال: يحيى أحب إلي، قلت: هما أخوان عندك؟ قال: لا. وقال ابن المدينيّ: هو من الثقات، وقال أيضًا: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه، وقال أيضًا: انتهى العلم إليه في زمانه. وقال ابن نمير: كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، ثقةٌ، صدوقٌ. وقال النسائيّ: ثقة ثبت. وقال العجليّ: ثقةٌ، وهو ممن جُمِع له الفقه والحديث، وكان على قضاء المدائن، ويُعَدُّ من حفاظ الكوفيين للحديث، متقنًا ثبتًا، صاحب سنة، ووكيع إنما صَنَّف كتبه على كتب يحيى بن أبي زائدة. وذكر ابن أبي حاتم: أنه أول من صَنَّف الكتب بالكوفة. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: يحيى بن أبي زائدة في الحديث مثل العروس الْمُعَطَّرة. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان يحيى بن زكريا كَيِّسًا، ولا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن قبيصة بن بُرمَة، قال: قال عبد الله: "ما أُحبّ أن يكون عبيدكم مؤدبيكم"، وإنما هو عن واصل، عن قبيصة. وقال الغلابيّ عن ابن معين نحو ذلك. وقال حنبل عن محمد بن داود: سمعت عيسى بن يونس، وسئل عن يحيى بن أبي زائدة، فقال: ثقة، قال: ورأيت زكريا بن أبي زائدة يجيء به إلى مُجَالد. وقال زياد بن أيوب: كان يحدث حفظًا. وقال ابن أبي حاتم في "العلل": سألت أبي وأبا زرعة عن حديث، رواه ابنُ أبي زائدة، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن يسار، عن ابن عُمير في الَعَبَث بالحصى، فقالا: وَهِمَ ابنُ أبي زائدة، وإنما هومسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن، عن ابن عُمير، قال أبو زرعة: يحيى قَلَّمَا يُخطئ، فإذا أخطأ أتى بالعظائم. انتهى. وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله تعالى -. وقال ابن شاهين في "الثقات": قيل ليحيى بن معين: إن زكريا بن عدي لم يُحَدِّث عنه، قال: هو خير من زكريا بن عديّ، ومن أهل قريته.
وقال علي بن المدينّي: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال ابن سعد وغيره: مات بالمدائن، وهو قاضٍ بها سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد يعقوب بن شيبة: وبلغ من السن يوم مات ثلاثًا وستين سنة، وقال:
стр. 317
ثقةٌ، حسن الحديث، ويقولون: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة، وكان يُعَدّ في فقهاء محدثي أهل الكوفة، وكانت وفاته في جمادى الأولى، وقال خليفة، وابن حبان: مات سنة ثلاث، أو أربع، وقال ابن قانع: مات سنة أربع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وسعد بن طارق، هو أبو مالك الأشجعيّ الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢١] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) ٣/ ٦.
٢ - (أَبُوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) ٣/ ٦.
٣ - (عَاصِمٌ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن أبيه، وإخوته: واقد، وزيد، وعمر، وابن عم أبيه: القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب الْقُرَظِيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو إسحاق الفزاري، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وبِشْر بن المفضل، وعمر بن يونس اليمامي، ومعاذ بن معاذ العنبريّ، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو نعيم، وأحمد بن يونس، وعلي بن الْجَعْد، وغيرهم.
стр. 318
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: صدوقٌ في الحديث. وقال البزار: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٦) و (١٤٦) و (١٥٠٩) و (١٨٢٠) و (١٨٥١).
٤ - (أَبُوهُ) مُحَمَّدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن العبادلة الأربعة: جدِّهِ عبد الله، وابن عمرو، وابن عباس، وابن الزبير، وسعيد بن زيد بن عمرو.
وروى عنه بنوه الخمسة: عاصم، وواقد، وعُمَر، وأبو بكر، وزيد، والأعمش، وبشار بن كِدَام، وعَبْدَة بن أبي لُبَابة، وأبو قُطْبة سُويَد بن نَجِيح.
قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، قلت: يُحتَجّ بحديثه؟ قال: نعم، وكان البخاري جَعَلَ محمد بن زيد الذي رَوَى عن ابن عباس، وعنه الأعمش، غير ابن عمر هذا، فغَيَّرَهُ أبي، وقال: هما واحدٌ: وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
وقوله: "قال عبد الله"، يعني ابن عمر بن الخطاب ﵁ المذكور في السند الماضي.
وقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وما بعده مخفوضٌ على البدليّة من "خمسٍ"، ويجوز رفعها على حذف الخبر، أي منها شهادة إلخ، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: "أحدها شهادة إلخ، ويجوز النصب بتقدير "أعني شهادة الخ".
[تنبيه]: قال في "الفتح": اشترط الباقلّانيّ في صحّة الإسلام تقدّم الإقرار بالتوحيد على الرسالة، ولم يُتابَع، مع أنه إذا دقّق فيه بان وجهه، ويزداد اتّجاهًا إذا فرّقهما، فليُتأمّل. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 319
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٢٢] ( … ) - (وحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالدٍ، يُحَدِّثُ طَاوُسًا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا تَغْزُو، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيَتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجة [٦].
رَوَى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن مِينَاء، وطاووس، وعكرمة بن خالد، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رَبَاح، ومجاهد، وأخويه: عبد الرحمن وعمر، وجماعة.
ورَوَى عنه الثوريّ، وحماد بن عيسى الْجُهَنيّ، وابن المبارك، وابن نمير، وابن وهب، ووكيع، والقطان، والوليد بن مسلم، وعبيد الله بن موسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم، وجماعة.
قال أحمد: كان وكيع إذا أَتَى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، وكان ثقة ثقة، وكذا قال الْجُوزَجانيّ عن أحمد: إنه ثقة ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: حنظلة وأخوه ثقتان. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو داود، وعثمان بن الأسود يُقَدَّم عليه. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه؟ فقال: كان عنده كتابٌ، ولم يكن عندي مثل سيف. وقال ابن عديّ: وعامة ما رَوَى حنظلة مستقيم، وإذا حَدَّث عنه ثقة فهو مستقيم. وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة، وهو دون المتثبتين، وقال أيضًا: قيل لعلي بن المدينيّ: كيف رواية حنظلة عن سالم؟ فقال: روايته عن سالم وادٍ، وروايةُ موسى بن عقبة عن سالم واد آخر، ورواية الزهريّ عن سالم كأنها أحاديث نافع، فقيل لعلي: هذا يدل على أن سالمًا كثير الحديث؟ قال: أجل. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله
стр. 320
أحاديث. وقال ابن المدينيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال اسم أبي سفيان الأسود، وهو الذي يَرْوِي عنه محمد بن فضيل، ويقول: حدثنا حنظلة بن الأسود، وذكره ابن عدي في "الكامل"، وأورد له حديثًا استنكره، لَعَلَّ العلة فيه من غيره.
قال أحمد عن يحيى بن سعيد: كان حَيًّا سنة (١٥١)، وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات فيها.
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وأبي داود، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٢ - (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطُّفيل، ومالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسعيد بن جبير، وجماعة.
وَرَوَى عنه أيوب، وابن جريج، وعبد الله بن طاوس، وعبد الله بن عطاء المكيّ، وحنظلة بن أبي سفيان، وعباد بن منصور، وقتادة، وابن إسحاق، وعطاء بن عجلان، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. ووَثَّقَه البخاريّ فيما ذكر أبو الحسن بن القطان. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: لم يسمع من ابن عباس. وقال أبو زرعة: عكرمة بن خالد عن عثمان مرسلٌ .. وقال ابن أبي حاتم: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من عمر، وسمع من ابنه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد عطاء بن أبي رباح.
أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا (١٦) وحديث (٢٦٤٥): "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة … " الحديث، والباقون تقدّموا قبل حديثين.
وقوله: "أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر إلخ"، تقدّم أن اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السكسكيّ، كما ذكر الخطيب في "مبهماته".
وقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله"، اقتصاره في هذه الرواية على إحدى