لَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ … أَوْ مُوثَقٌ فِي حِبَالِ الْقَدِّ مَسْلُوبِ
فخَفَضَ.
ومثله قول الآخر [من الخفيف]:
حَيِّ دَارًا أَعْلَامُهَا بِالْجَنَابِ (١) … مِثْلُ مَا لَاحَ فِي الأَدِيمِ الْكِتَاب
فجرّ "الكتاب" بالجوار لـ"أديم"، وموضعه الرفع بـ "لاح"، وقد يكون "الكتاب" مخفوضًا ردًّا على "ما" بدلًا منه.
وقد يُراد بالمسح الغسل، من قول العرب: تمسّحتُ للصلاة، والمراد الغسل، وعلى التأويل الذي ذكرنا في إيجاب غسل الرجلين جمهور العلماء، وجماعة فقهاء الآثار، وإنما رُوي مسح الرجلين عن بعض الصحابة والتابعين، وتعلّق به بعض المتأخّرين، ولو كان مسح الرجلين يُجزئ ما أتى الوعيد بالنار على من لم يَغسِل عقبيه، وعرقوبيه، أو فاته شيء من بطون قدميه؛ لأنه معلوم أنه لا يعذّب بالنار إلا على ترك الواجب، وقد أجمع المسلمون على أن من غسل قدميه فقد أدّى الواجب عليه، من قال منهم بالمسح، ومن قال بالغسل، فاليقين ما أجمعوا عليه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ بعد ذكره الخلاف، وأن سبب الاختلاف هو اختلاف القراءة في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض والنصب، قال: وقد أكثر الناس في تأويل هاتين الآيتين، والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطفٌ على الرأس، فهما يُمسحان، لكن إذا كان عليهما خفّان، وتلقّينا هذا القيد من فعل رسول الله ﷺ ؛ إذ لم يصحّ عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفّان، والمتواتر عنه غسلهما، فبيَّن النبيّ ﷺ بفعله الحال الذي تُغسل فيه الرجل، والحال الذي تُمسح فيه، فليُكْتَفَ بهذا، فإنه بلغ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال العلّامة ابن أبي العزّ في "شرح العقيدة الطحاوية" (١/ ٤٣٥) - عند قولها: "ونرى المسح على الخفّين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر" - ما نصه:
стр. 3327
تواترت السنة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين نقلوا عن النبيّ ﷺ الوضوء قولًا وفعلًا، والذين تعلَّموا الوضوء منه، وتوضؤوا على عهده، وهو يراهم، ويُقِرُّهم، ونقلوه إلى من بعدهم أكثرُ عددًا من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإن جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه، فإن هذا العمل لم يكن معهودًا عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يُحْصِي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين في ما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في كتب الصحيح وغيرها، أنه قال: "ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار" (١).
مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كُلْفَةً لا تدعو إليها الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في تواتر صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية الوضوء أقرب إلى الجواز، وإذا قالوا: لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب، ولا الخطأ، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظُ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن المسح كما يُطلَق ويراد به الإصابة، كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدُلُّ على أنه لم يُرَدْ بمسح الرجلين المسحُ الذي هو قَسِيم الغسل، بل المسح الذي الغسلُ قسم منه، فإنه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فدلّ على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كلِّ يَدٍ مرفقٌ واحدٌ، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يمسح المسح الخاصّ يجعل المسح لظهور القدمين، وجَعْلُ الكعبين في الآية غايةً يَرُدُّ قولهم، فدعواهم أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مُجْتَمَعُ الساق والقدم عند مَعْقِد الشِّرَاك مردودٌ بالكتاب والسنة.
стр. 3328
وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط في موضعه، وقراءة النصب نصٌّ في وجوب الغسل، لأن العطف على المحل إنما يكون إذا كان المعنى واحدًا، كقوله:
فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا
وليس معنى مَسَحْتُ برأسي ورجلي، هو معنى مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء يفيد مَعنًى زائدًا على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس، فتعين العطف على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ مهو، فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض األناس من ظاهر القرآن، فإن الرسول ﷺ بَيَّن للناس لفظ القرآن ومعناه، كما قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ: حدّثنا الذين كانوا يُقرِئونا القرآن: عثمانُ بن عَفّان، وعبدُ الله بن مسعود، وغيرُهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبيّ ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها.
وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيهٌ على قلة الصبِّ في الرجلين، فإن السَّرَفَ يُعتاد فيهما كثيرًا، والمسألة معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع. انتهى كلام ابن أبي العزّ ﵀ (١)، وهو كلام بحثٌ نفيسٌ أيضًا.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ، والصواب هو مذهب الجمهور القائلين بأن فرض الرجلين لمن لم يلبس الخفّين الغَسْلُ، ولا يُجزئ المسح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ينبغي أن أذكر بعض ما اختلفوا فيه من مسائل الوضوء، وإن لم يكن مذكورًا في هذا الحديث، تكميلًا للفوائد، ونشرًا للعائدة، فأقول:
(المسألة السادسة عشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب النيّة في الوضوء:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ في كتابه "الأوسط" (١/ ٣٦٨): قد اختَلَف أهل العلم فيمن توضأ، وهو لا ينوي بوضوئه الطهارة، فقالت طائفة: لا يُجزيه، كذلك قال الشافعيّ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك،
стр. 3329
وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وليس بين الوضوء والتيمم عندهم في ذلك فرق.
وفَرَّقَت طائفة بين الوضوء والتيمم، فقالت: يجزي الوضوء بغير نية، ولا يجزي التيمم إلا بنية، هذا قول سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، قال الثوريّ: إذا عَلَّمتَ رجلًا التيممَ، فلا يجزيك أن تصلي بذلك التيمم، إلا أن تكون نويت أنك تيَمَّمُ لنفسك، فإذا عَلَّمته الوضوء أجزأك.
وفيه قول ثالثٌ، حُكِي عن الأوزاعيّ، أنه قال في الرجل يُعَلِّم الرجل التيمم، وهو لا ينوي أن يتيمم لنفسه، إنما علّمه، ثم حضرت الصلاة، قال: يصلي على تيممه، كما أنه لو توضأ وهو لا ينوي الصلاةَ كان طاهرًا، هذه حكاية أبي المغيرة عنه، وبه قال الحسن بن صالح، وحَكَى الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ أنه قال: لا يجزيه في التيمم، ويجزيه في الوضوء، وحَكَى الوليد مثله عن مالك، والثوريّ.
قال ابن المنذر ﵀: أما حكايته عن الثوريّ فكما حَكَى؛ لموافقته حكاية الأشجعي، والْعَدَنيّ، وعبد الرزاق، والفاريابيّ عنه، وأما ما حكاه عن مالك، فما رواه أصحاب مالك عنه: ابنُ وهب، وابنُ القاسم أصحّ، والله أعلم.
قال ابن المنذر ﵀: دَلّ قول رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية" لَمّا عَمّ جميع الأعمال، ولم يَخُصّ منها شيئًا أن ذلك في الفرائض والنوافل، ثم بَيَّن تصرف الإرادات، فقال: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"، فغير جائزٍ أن يكون مؤدِّيًا إلى الله ما فَرَضَ عليه مَن دَخَل الماء، يُعَلِّم آخر السِّبَاحة بدرهم أَخَذه، أو مريدٌ للتبريد، أو مريدٌ لتأدية فرض؛ لأنه لم يُرِد الله قط بعمله، قال الله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ الآية [الشورى: ٢٠].
قال ﵀: وإذا توضأ طهارةً مِن حَدَثٍ، أو طهارةً لصلاة فريضة أو نافلة، أو قراءةٍ، أو صلاةٍ على جنازة، فله أن يصلي به المكتوبة في قول الشافعيّ، وأبي عبيد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم من أصحابنا، وكذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀.
стр. 3330
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه الإمام ابن المنذر ﵀ من وجوب النيّة في الوضوء والغسل، والتيمّم، وأنه إذا تطهّر بنية صلاة، أو رفع حدث، يصلّي ما يشاء فرضًا ونفلًا هو الحقّ؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب التسمية في الوضوء:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد اختلف أهل العلم في وجوب التسمية عند الوضوء، فاستحبّ كثير من أهل العلم للمرء أن يُسَمِّي الله تعالى إذا أراد الوضوء، كما استحبوا أن يسمي الله عند الأكل والشرب والنوم، وغير ذلك؛ استحبابًا لا إيجابًا، وقال أكثرهم: لا شيء على من ترك التسمية في الوضوء، عامدًا أو ساهيًا، هذا قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، واغتسل عمر بن الخطاب ﵁، ويعلى بن أمية يستر عليه بثوب، فقال: بسم الله.
وكان أحمد يقول: لا أعلم له حديثًا له إسناد جيدٌ، وضَعَّف حديث ابن حرملة، وقال: ليس هذا حديثًا أَحْكُم به، وكان إسحاق بن راهويه يقول في التسمية: إذا نسي أجزأه، وإذا تعمد أعاد لما يصح (١) ذلك عن النبيّ ﷺ ، وحَكَى آخر عن إسحاق أنه قال: الاحتياط الإعادة، من غير أن يبين إيجاب الإعادة.
قال ابن المنذر ﵀: ليس في هذا الباب خبر ثابتٌ يوجب إبطال وضوء من لم يذكر اسم الله عليه، فالاحتياط أن يُمسمي الله من أراد الوضوء والاغتسال، ولا شيء على من ترك ذلك. انتهى (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: أحاديث التسمية على الوضوء كلّها ضعاف، كما سبق عن أحمد، وغيره، ولكن بعض العلماء يرى لها قوّة بمجموع طرقها، قال
стр. 3331
الحافظ في "التلخيص الحبير": والظاهر أن مجموع الأحاديث يَحدُث منها قوّة، تدلّ على أن له أصلًا، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبتٌ لنا أن النبيّ ﷺ قاله، وقال البزّار: لكنه مؤوّلٌ، ومعناه أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم الله، لا على أنه لا يجوز وضوء من لم يسمّ. انتهى.
واستدلّ البيهقيّ ﵀ على عدم وجوب التسمية بحديث رفاعة بن رافع ﵁، مرفوعًا: "لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء، كما أمر الله، فيغسل وجهه … " الحديث (١)، قال البيهقيّ: فهذا الحديث ليس فيه ذكر التسمية، فلو كان واجبًا لبيّنه ﷺ . انتهى.
والحاصل أن أحاديث التسمية على فرض صحّتها محمولة على الاستحباب بدليل هذا الحديث، ولا يرد عليه القول بوجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار؛ لأنها داخلة في غسل الوجه، وقد أشبعت الكلام في هذا الموضوع في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تخليل اللحية:
ذهب مالك إلى أنه ليس بواجب، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ في الوضوء، وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك.
قال ابن رُشد ﵀: سبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية، والأكثر على أنها غير صحيحة، مع أن الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه ﷺ ليس في شيء منها التخليل. انتهى كلام ابن رُشد ﵀ (٢).
وقال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في تخليل اللحية، وغسل باطنها، فرُوي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وغيرهم أنهم كانوا يُخَلِّلون لحاهم، فممن رُوي ذلك عنه عليّ بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن بن عليّ، وابن عمر، وأنس، وهو قول عبد الرحمن بن أبي ليلى،
стр. 3332
وعطاء بن السائب، وأبي ميسرة، ومجاهد، ومحمد بن سيرين.
ورُوي عن غير واحد أنهم رَخّصوا في ترك تخليل اللحية، رُوي ذلك عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وهذا قول طاوس، والنخعيّ، وأبي العالية، والشعبيّ، ومحمد بن عليّ، ومجاهد، والقاسم، وقال سعيد بن عبد العزيز، والأوزاعيّ: ليس عَرْك العارضين، وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء، وكان سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، لا يرون تخليل اللحية واجبًا، وهذا قول أصحاب الرأي، وعوامّ أهل العلم أنّ ما مرّ على ظاهر اللحية من الماء يكفي. وأوجبت طائفة بَلَّ أصول شعر اللحية، وأوجب بعضهم غسل بشرة موضع اللحية، كان عطاء بن أبي رباح يَرَى بَلَّ أصول شعر اللحية.
قال ابن المنذر: غسل ما تحت شعر اللحية غير واجب؛ إذ لا حجة تدل على إيجاب ذلك، بل الخبر والنظر يدلان على أن ذلك غير واجب، فأما الخبر فقد ثبتٌ أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، يَغْرِف غرفة لكل عضو، وكان رسول الله ﷺ عظيم اللحية، ومعلوم أنه إذا كان كذلك أن غسل ما تحت اللحية غير ممكن بغرفة واحدة، وكان يتوضأ بالمد، والمتوضئ بالمدّ غير قادر على غسل أصول شعر اللحية، قال: وفي إجماع أهل العلم فيما أعلم أن المتيمم لا يجب عليه إمساس باطن اللحية الغبارَ دليلٌ على صحة ما قلنا، وذلك أن الوجه الذي أُمر المتيمم أن يمسحه بالصعيد، هو الوجه الذي أُمر المتوضئ أن يغسله بالماء، والأخبار التي رُويت عن النبي ﷺ أنه خَلَّل لحيته قد تُكُلّم في أسانيدها، وأحسنها حديث عثمان، ثم أخرج بسنده عن عامر بن شقيق بن سَلَمَة، أن عثمان ﵁ توضأ، فخلل لحيته، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله (١).
قال ابن المنذر: ولو ثبتٌ هذا لم يدُلّ على وجوب تخليل اللحية، بل
стр. 3333
يكون ندبًا كسائر السنن في الوضوء. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد كنت رجّحت في شرح النسائيّ عدم وجوب تخليل اللحية كما يراه ابن المنذر وغيره، لكن الآن ترجّح عندي وجوبه؛ لثبوت الأحاديث بمجموع طرقها، كما بينت ذلك هناك، وفعله ﷺ بيان لآية الوضوء؛ لأن الراجح أنها مجملة، ودلالة الآية على الوجوب واضح، فيكون فعله ﷺ واجبًا؛ لكونه بيانًا لها، ولا يُخْرَج عن هذه القاعدة إلا إذا ثبتٌ نصّ، أو إجماع يدلّ على الاستحباب، كتثليث الغَسَلات، وهذه المسألة ليس فيها إجماع، كما سبق في كلام ابن المنذر، فقد أوجب التخليل بعض السلف، فيكون قولهم أرجحَ؛ لرجحان حجتهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وكذلك يجب تخليل أصابع اليدين والرجلين؛ لحديث لقيط بن صبرة ﵁، قال: "قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؛ قال: أسبغ الوضوء، وخَلِّل بين الأصابع" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تفريق غسل الأعضاء:
قال ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في تفريق الوضوء والغسل، فقالت طائفة: لا يجوز ذلك، حتى يُتْبع بعضه بعضًا، روينا عن عمر بن الخطاب أنه رأى رجلًا يصلي، وقد ترك مثل موضع الظفر، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وكان قتادة، والأوزاعيّ يقولان: إذا ترك غسل عضو من الأعضاء حتى جَفّ الوضوء أعاد الوضوء، وكان ربيعة يقول: تفريق الغسل مما يُكره، وإنه لا يكون غسلًا حتى يُتبع بعضه بعضًا.
وقال مالك: من تعمد ذلك، فإني أرى عليه أن يُعيد الغسل، وقال الليث بن سعد كذلك، مع أن قول مالك مختلف في هذا الباب، وقد حَكَى ابن القاسم عنه أنه قال: إن قام لأخذ الماء، وكان قريبًا بنى على
стр. 3334
وضوئه، وإن تطاول ذلك وتباعد، فأرى أن يعيد الوضوء من أوله.
وقال أحمد: إذا جَفّ وضوؤه يعيدُ، وذكر حديث عمر.
وأجازت طائفة تفريق الوضوء والغسل. ثبتٌ أن ابن عمر توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعي لجنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.
وكان عطاء لا يرى بتفريق الوضوء بأسًا، وأباح ذلك النخعيّ في الغسل، وكان الحسن، والنخعيّ لا يريان بأسًا للجنب أن يغسل رأسه، ثم يوخر غسل جسده بعد ذلك، ورُوي معنى ذلك عن سعيد بن المسيب، وطاوس، وهذا على مذهب الثوريّ، وممن رأى ذلك جائزًا الشافعيّ، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الله جل ذكره أوجب في كتابه غسل أعضاء، فمن أَتى بغسلها، فقد أتى بالذي عليه، فَرّقها، أو أتى بها نَسَقًا متتابعًا، وليس على من جعل حدَّ ذلك الجفوف حجة، وذلك يختلف في الشتاء والصيف. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وحاصله أنه يجوز التفريق بين أعضاء الوضوء في الغسل؛ إذ ليس لإيجابه حجة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العشرون): في اختلافهم في وجوب الترتيب في غسل الأعضاء:
قال ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في رجل توضأ فبدأ، فغسل يديه أو رجليه قبل وجهه، أو قدَّم عضوًا على عضو، فقالت طائفة: وضوؤه تامّ، وروينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء.
وممن رأى تقديم الأعضاء بعضها على بعض جائزًا عطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، وسعيد بن المسيب، وقد رَوَينا في هذا الباب عن علي بن أبي طالب، وعطاء، والنخعيّ، والحسن، ومكحول، والزهريّ، والأوزاعيّ فيمن نَسِي مسحَ رأسه، فوجد في لحيته بللًا، قالوا: يمسح رأسه، ويستقبل الصلاة، ولم يأمروه بإعادة غسل الرجلين، وفي قول الثوريّ، وأصحاب الرأي
стр. 3335
إذا نسي المسح مسح، وأعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء، وكان مالك يقول فيمن غسل ذراعيه قبل وجهه، ثم صَلَّى: لا إعادة عليه.
وقالت طائفةٌ: مَن قَدَّم عضوًا على عضو فعليه أن يعيد حتى يغسله في موضعه، هكذا قال الشافعيّ، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
واحتج الشافعيّ بقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وبأن النبيّ ﷺ لَمّا أراد الصفا قال: "نبدأ بما بدأ الله به"، قال الشافعيّ: ولم أعلم مخالفًا أنه إن بدأ بالمروة قبل الصفا أَلْغَى طوافًا حتى يكون بدؤه بالصفا. قال: وكما قلنا في الجمار: إن بدأ بالآخرة قبل الأولى أعاد، فكان الوضوء في هذا المعنى، وأوكد من بعضه. عندي. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام الشافعيّ ومن معه أرجح؛ لظاهر قوله ﷺ : "نبدأ بما بدأ الله به"، بل روي بصيغة الأمر: "ابدءوا بما بدأ الله"، وأيضًا فإن النبيّ ﷺ واظب عليه، فكل الأحاديث الصحيحة وصفت وضوءه مرتّبًا كما في الآية. قال إمام الحرمين: لم ينقل أحدٌ قطّ أنه ﷺ نكّس وضوءه، فاطّرد الكتاب والسنّة على وجوب الترتيب. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية والعشرون): في اختلافهم في حكم التمسّح بالمنديل بعد الوضوء:
قال ابن المنذر ﵀: ﵀ اختَلَف أهل العلم في التمسح بالمنديل بعد الوضوء والاغتسال، فممن رَوينا عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان بن عفان، والحسين بن عليّ، وأنس بن مالك، وبَشير بن أبي مسعود، ورَخّص فيه الحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، وا لأسود، ومسروق، والضحاك بن مزاحم، وكان مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا.
وفيه قول ثانٍ، روينا عن جابر بن عبد الله، أنه قال: إذا توضأت، فلا
стр. 3336
تمندل، وكَرِه ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعيّ، ومجاهد، وابن المسيب، وأبو العالية، واختُلِف فيه عن سعيد بن جبير، ورَوينا عن ابن عباس أنه كَرِه أن يمسح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه إذا اغتسل من الجنابة، وكان سفيان يُرَخِّص فيهما جميعًا: الوضوء والاغتسال.
قال ابن المنذر ﵀: أعلى شيء رُوي في هذا الباب خبران: خبر يدلّ على إباحة أخذ الثوب ينشف به، والخبر الآخر يدلّ على ترك ذلك، فأما الخبر الأول، فحدثونا عن إسحاق بن راهويه، ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، عن محمد بن عمرو بن شُرَحبيل، عن قيس بن سعد، قال: أتانا النبيّ ﷺ ، فوضعنا له غُسلًا، فاغتسل، ثم أتيناه بِمِلْحَفة وَرْسِيّة، فالتحف بها، فكاني أنظر إلى أثر الْوَرْس على عُكَنه (١).
والخبر الثاني: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطارديّ، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: "وَضعت للنبيّ ﷺ غُسلًا، فلما فرغ ناولته منديلًا، فلم يأخذه، وجعل ينفُض بيديه"، متّفقٌ عليه.
قال ابن المنذر ﵀: وهذا الخبر لا يوجب حَظْر ذلك، ولا المنع منه؛ لأن النبيّ ﷺ لم ينه عنه، مع أنه قد كان يَدَع الشيء المباح؛ لئلا يشقّ على أمته، من ذلك قوله لبني عبد المطلب: "لولا أن تُغْلَبوا على سقايتكم لنزعت معكم"، ودخل الكعبة، وقال بعد دخوله: "لوددت أني لم أكن دخلتها، أخشى أن أكون أتعبت أمتي".
وحديثُ قيس بن سعد يدلّ على إباحة ذلك، فأخذ المنديل مباح بعد الوضوء والاغتسال. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، إلا استدلاله بحديث قيس ﵁؛ لأنه ضعيف؛ لضعف محمد بن أبي ليلى، فالأولى
стр. 3337
الاستدلال بعدم ورود نصّ مانع منه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية والعشرون): في اختلاف أهل العلم في البدء بالميامن في الوضوء:
قال ابن المنذر ﵀: ثابتٌ عن رسول الله ﷺ أنه كان يعجبه التيمن ما استطاع في ترجُّله، وتنعّله، ووضوئه.
ورَوَينا عنه أنه قال: "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم " (١).
قال ابن المنذر ﵀: وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه بدأ، فغسل يده اليمنى، ثم اليسرى في وضوئه، وكذلك يفعل المتوضئ إذا أراد اتباع السنة.
وممن مذهبه أن المتوضئ يبدأ بيمينه قبل يساره: مالك، وأهل المدينة، وسفيان الثوري، وأهل العراق، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
قال: وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، وقد روينا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود، أنهما قالا: لا تبالي بأيّ يديك بدأت، وعن علي أيضًا قال: لا يضرك بأي يديك بدأت، ولا بأي رجليك بدأت، ولا على أي جانبيك انصرفت، وعن ابن مسعود قال: ما أبالي بأيهما بدأت باليمنى أو اليسرى. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر وجوب التيامن في الوضوء والغسل؛ لأمره ﷺ به، وهو للوجوب، ولمداومته عليه، لكن إن صحّ الإجماع، كما زعمه ابن المنذر، فذاك، وإلا فالأمر كما قلتُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة والعشرون): في اختلافهم في حكم تحريك الخاتم في الوضوء:
стр. 3338
قال ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في تحريك الخاتم في الوضوء، فممن رُوي عنه أنه حَرَّك خاتمه في الوضوء: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن سيرين، وعمرو بن دينار، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وهو قول ابن عيينة، وأبي ثور.
ورَخّصت فيه طائفة، فممن رَخّص فيه: مالك، والأوزاعيّ، وقال خالد بن أبي بكر: رأيت سالم بن عبد الله يتوضأ، وخاتمه في يده، فلا يحركه.
وفيه قول ثالث، وهو أن يُحيله بحركة إن كان ضَيّقًا، ويَدَعَه إن كان واسعًا سَلِسًا، هكذا قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وبه قال أحمد بن حنبل، وكذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذ ﵀، وهو حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن تحريك الخاتم يلزم إن كان ضيّقًا لا يصل الماء إلى ما تحته؛ لأن وصول الماء إلى البشرة واجب، وأما إذا كان واسعًا لا يمنع وصول الماء، فلا يلزم تحريكه، ويمكن حمل قول من أطلق القول بالتحريك، وبعدمه على هذا التفصيل، فلا اختلاف في الحقيقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اَللَّيْثيّ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأفرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاء، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه، ثُمَّ كَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُؤيي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْن، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]، (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنة (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 3339
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (فَأفرَغَ) أي صبّ الماء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤) - (بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوء، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٤٦] (٢٢٧) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِد، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْر، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَأُحَدَّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ، إِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّي صَلَاةً، إِلا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتي تَلِيهَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو المعروف بابن راهويه، تقدّم قريبًا أيضًا.
стр. 3340
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفي، ثم الرازيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيه [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه عثمان، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ لقتيبة" يعني أن لفظ هذا الحديث لشيخه قتيبة، وأما عثمان، وإسحاق، فروياه بمعناه.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال إسحاق .. إلخ " يعني أن شيوخه اختلفوا في صيغة الأداء، فقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا جرير، وقال قتيبة، وعثمان: حدّثنا جرير، والفرق بين الصيغتين أن "أخبرنا" تفيد أنه سمع الحديث يُقرأ على الشيخ، و"حدّثنا" تفيد أنه سمعه من لفظ الشيخ، وقد تقدّم هذا غير مرّة.
[تنبيه]: قوله: "جرير" تنازعه كلّ من "أخبرنا" و"حدّثنا"، فأُعمِل الثاني عند البصريين؛ لقربه، وأُعمِل الأول عند الكوفيين؛ لتقدّمه، كما أشار إلى ذلك في "الخلاصة" بقوله:
إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهْ
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: هشام، عن أبيه، عن حمران.
стр. 3341
٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: هشام، عن عروة.
٨ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمْرَانَ) - بضم، فسكون - ابن أبان (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفّان ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ﵁ (وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ) "أل" فيه للعهد، والمقصود: المسجد النبويّ في المدينة، و"الْفِنَاءُ" - بكسر الفاء، بوزن كتاب -: الْوَصِيدُ، وهو سَعَةٌ أَمام البيت، وقيل: ما امتدّ من جوانبه؛ قاله الفيّوميّ (١)، وقال المجد: فِنَاءُ البيت، ككِسَاء: ما اتّسع من أمامها، جمعه أَفْنيةٌ، وفُنِيّ. انتهى (٢)، وفي رواية أبي أنس: "أن عثمان توضّأ بالمقاعد" (فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ) أي وقت حضور صلاة العصر، وفي رواية "الموطّأ": "فجاء المؤذّن، فآذنه بصلاة العصر"، قال في "التمهيد": يريد: أعلمه بحضورها، ومن هذا قول الحارث بن حِلِّزَةَ (٣):
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ
(فَدَعَا) أي طلب عثمان ﵁ (بِوَضُوءٍ) بفتح الواو: أي بماء يَتوضّأ به (فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا) منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ"أُحدّثنّكم" (لَوْلَا آيَةٌ) "لولا" كلمة وُضعت لربط امتناع الثاني بوجود الأول، و"آية" مبتدأ حُذف خبره وجوبًا، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "لَوْلَا" غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ … حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اشْتَهَرْ
أي آية موجودة، أو ثابتةٌ.
ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: "لولا أنه " بالنون المشدّدة، والهاء، بدل "لولا آية"، والهاء ضمير الشأن، قال النوويّ ﵀: معناه لولا أن الله تعالى أوجب على مَن عَلِمَ علمًا إبلاغَهُ لما كنت حريصًا على تحديثكم، ولست مُكْتَرِثًا بتحديثكم، وهذا كله على ما وقع في الأصول التي ببلادنا، ولأكثر الناس من غيرهم "لولا آية" بالياء، ومدّ الألف، قال القاضي عياض ﵀: وقع
стр. 3342
للرواة في الحديثين "لولا آية" بالياء إلا الباجيّ، فإنه رواه في الحديث الأول "لولا أنه" بالنون، قال: واختلف رواة "الموطّأ" عن مالك في هذين اللفظين، واختَلَف تأويل العلماء في ذلك، ففي رواية مسلم قال عروة: الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٩] وعلى هذا لا تصح الرواية إلا "آية"، ويريد لولا الآية التي حَرَّجت كتمان العلم، وفي "الموطأ": قال مالك: أراه يريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية [هود: ١١٤] وعلى هذا تصح الروايتان، ويكون معنى رواية النون: لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله تعالى ما حدثتكم به؛ لئلا تتكلوا، قال النوويّ ﵀: والصحيح تأويل عروة. انتهى (١).
وقال في "الفتح": ومراد عثمان ﵁ أن هذه الآية تُحَرّض على التبليغ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ، وإنما كان عثمان ﵁ يرى ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة؛ خشيةً عليهم من الاغترار، والله أعلم، وقد روى مالك هذا الحديث في "الموطّأ" عن هشام بن عروة، ولم يقع في روايته تعيين الآية، فقال من قِبَل نفسه: أراه يريد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. انتهى، وما ذكره عروة راوي الحديث بالجزم أولى، والله أعلم. انتهى (٢).
وقوله: (فِي كِتَابِ اللهِ) متعلّق بصفة لـ"آيةٌ"، وجواب "لولا" قوله: (مَا حَدَّثْتُكُمْ) حُذِف مفعوله الثاني، وقد ذكره في الرواية التالية حيث قال: "ما حدّثتكموه".
(إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ) التعبير بالرجل من باب التغليب، وإلا فالحكم شامل للمرأة أيضًا (فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ) بضم حرف المضارعة، من الإحسان، أي: يأتي به تامًّا بكمال صفته، وآدابه، وقال العينيّ ﵀: معنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته وآدابه، وتكميل سننه، فقوله: "فيُحسن" بالرفع عطف على قوله: "لا يتوضّأ"، والفاء فيه ليست للترتيب، والتعقيب؛ لأن إحسان الوضوء ليس متأخّرًا عن الوضوء حتى يُعطف
стр. 3343
عليه بالفاء التعقيبيّة، وإنما هي واقعة موقع "ثُمّ" التي لبيان المرتبة وشرفها؛ دلالةً على أن الإحسان في الوضوء، والإجادة فيه بمحافظة السنن، ومراعاة الآداب أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقًا، ولا شكّ أن الوضوء الْمُحْسَن فيه أعلى رتبةً من غير الْمُحسَن فيه. انتهى (١).
(فَيُصَلِّي صَلَاةً) ولفظ البخاريّ: "ويصلّي الصلاةَ"، والمراد بها المكتوبة؛ لما في الرواية الآتية من طريق عمرو بن سعيد، عن عثمان: "ما من امرئ مسلم، تحضره صلاة مكتوبة"، وفي رواية جامع بن شدّاد، عن حُمران الآتية أيضًا: "فيُصلّي هذه الصلوات الخمس" (إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ) وفي نسخة: "إلا غُفِر له"، فيكون بالبناء للمفعول، ثم إن المستثنى محذوف؛ لأن الفعل لا يقع مستثنًى، والتقدير: لا يتوضّأ رجلٌ إلا رجلٌ غفر الله له، أو التقدير: لا يتوضّأ رجل في حال من الأحوال، إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من عموم الأحوال (٢).
(مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا") أي التي بعدها، ففي رواية البخاريّ: "حتى يصلّيها"، وفي رواية مالك في "الموطأ": "التي تليها حتى يصليها"، ومعنى "حتى يصلّيها": أي يشرع في الصلاة الثانية؛ قاله في "الفتح" (٣)، وقال في "العمدة": حتى يفرغ منها، وهو أظهر (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
- مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٤٦ و ٥٤٧ و ٥٤٨] (٢٢٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٥٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٧٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (٥٦)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٤١)، و (الطيالسيّ) في
стр. 3344
"مسنده" (١/ ٤٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٠٨ و ٦٠٩ و ٦١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٤١ و ٥٤٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٢)، و (البيهقيّ) في "المعرفة" (١/ ٢٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل إحسان الوضوء.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصلاة عقب الوضوء.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من قول عثمان ﵁: "والله لأحدّثنّكم" جواز الحلف من غير ضرورة الاستحلاف.
٤ - (ومنها): الحثّ على الاعتناء بتعلُّم آداب الوضوء، وشروطه، والعمل بذلك، والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يَصِحّ عند جميع العلماء، ولا يترخص بالاختلاف، فينبغي أن يَحْرِص على التسمية، والنية، والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، واستيعاب مسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، ودَلْك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وترتيبه، وغير ذلك من المختلَف فيه، وتحصيل ماء طَهُور بالإجماع؛ قاله النوويّ ﵀ (١).
٥ - (ومنها): التعليم بالفعل؛ لكونه أبلغ، وأضبط في إيصال العلم للمتعلّم.
٦ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "فجاءه المؤذّن" مشروعيّة إتيان المؤذّن للإمام؛ لإعلامه بحضور الصلاة.
٧ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "لولا آية في كتاب الله" أن كتمان العلم حرام، والآية كما فهمها عروة هي قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، وهي وإن كانت نزلت في أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فيدخل فيها كلُّ من عَلِمَ علمًا أمر الله العباد
стр. 3345
بالعمل به، فيلزمه من عدم تبليغه ما لزم أهل الكتاب، ففيها تنبيه وتحذير لمن فَعَل فعلهم، وسَلَك سبيلهم، مع أن النبيّ ﷺ ، قد عَمَّ في الحديث المشهور عنه: "مَن كَتَمَ علمًا، أَلجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (١)، قاله القاضي عياض ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا وَكِيعٌ (حَ) وَحَدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيَعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإَسْنَاد، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: "فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر العدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، رأس الطبقة [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ) يعني الثلاثة، وهم: أبو أسامة، ووكيعٌ، وسفيان بن عيينة.
стр. 3346
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام السابق، وهو: عن أبيه، عن حُمران، عن عثمان ﵁.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: "فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ") يعني أن أبا أُسامة وقع في روايته: "فيحسن وضوءه" بدل قول الآخرين: "فيُحسن الوضوء"، وقال أيضًا: "ثم يصلّي المكتوبة" بدل قولهم: "فيُصلّي صلاةً".
[تنبيه]: رواية أبي أسامة التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية جرير لم أجد من أخرجها بمفردها، كأنما أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٩٢) من رواية محاضر بن المورع، وأبي أسامة فرّق بينهما كلاهما عن هشام، ولفظه:
(٦٠٨) حدثنا محمد بن يحيى، والصغانيّ قال: ثنا محاضر بن المورِّع قال: ثنا هشام بن عروة عن أبيه (ح) وحدثنا محمد بن عبد الرحمن الجعفيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران مولى عثمان بن عفان، عن عثمان بن عفان، قال: توضأ عثمان بالمقاعد، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى، غفر الله له ما بينه وبين الصلاة الأخرى". انتهى.
وأما رواية وكيع فلم أجد من أخرجها منفردةً، بل أخرجها أبو نعيم في "مستخرجة" (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) وساقها بالتحويل مع رواية سفيان، وأبي أسامة، فقال:.
(٥٤١) حدثنا أبو عليّ، محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا عبد الله بن الزبير الحميديّ، ثنا سفيان بن عينية، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه (ح) وحدثنا الطلحي عبد الله بن يحيى، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع بن الجراح، عن هشام بن عروة.
وحدثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، وحدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق المعدّل، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران مولى عثمان، قال: توضأ
стр. 3347
عثمان على المقاعد ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يصلي، إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها".
لفظ الحميديّ، وابن أبي عمر سواء. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٤٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، أنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، وَاللهِ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتي تَلِيهَا"، قَالَ عُرْوَةُ: الْآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ" هو الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ، وأبوه هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه اجتمع فيه أربعةٌ تابعيون، مدنيون، يروي بعضهم عن بعض: صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن حُمران.
وفيه أيضًا لطيفة أخرى، وهو أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالح بن كيسان أكبر سنًّا من الزهري، قاله النوويّ ﵀ (١).
стр. 3348
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) تُقَدِّرُ لفظة "قال" قبله، فتقول: "قال: قال ابن شهاب"، ففاعل "قال" الأول ضمير صالح، والثاني "ابنُ شهاب".
وقوله: (وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ) "لكن" بتخفيف النون، ويجوز تشديدها، وهذا الاستدراك متعلّق بحديث قبله وقع لابن شهاب بسند آخر، وقد ساقه البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١٦٠) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، أنه رأى عثمان بن عفان، دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غُفِر له ما تقدم من وعن إبراهيم، قال: قال صالح بن كيسان: قال ابن شهاب: ولكن عروة يحدث عن حمران، فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثًا، لولا آية ما حدثتكموه؟ سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه، ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة، حتى يصليها". قال عروة: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]. انتهى.
فأشار ابن شهاب ﵀ بقوله: "ولكن عروة يُحدّث .. إلخ" إلى أن شيخيه اختلفا في روايتهما له عن حمران، عن عثمان، فحدّثه عطاء بن يزيد على صفة، وحدّثه عروة على صفة أخرى.
قال الحافظ ﵀: وليس هذا اختلافًا، وإنما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معاذ بن عبد الرحمن، فأخرج البخاريّ من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضًا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه - يعني الرواية السابقة -. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
стр. 3349
وقوله: (لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ) وأشار في نسخة محمد ذهني إلى أنه وقع في بعض النسخ: "لا يتوضّأُ رجلٌ مسلم".
وقوله: (ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ) يعني المكتوبة، كما تقدّم بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٤٩] (٢٢٨) - (حَدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيد، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاص، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَدَعَا بِطَهُورٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوب، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسِّيُّ، ثقةٌ حافظ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١]، (٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٣ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٢٧) (ع) ٥/ ٦٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) الأمويّ السعيديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وعكرمة بن خالد، ويحيى بن الحكم بن أبي العاص.
ورَوَى عنه ابن عيينة، وأبو داود الطيالسيّ، ووكيع، وأبو النضر، وأحمد بن يعقوب المسعوديّ، وأبو نعيم، وأبو الوليد الطيالسيّ، وغيرهم.
قال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وهو أحبّ إليّ من
стр. 3350
أخيه خالد، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات" في الطبقة الرابعة.
قال أبو داود: مات سنة (١٧٠)، وقال البخاريّ: يقال: مات سنة (١٧٦).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف له عنده هذا الحديث فقط، وأبو داود والترمذيّ، وابن ماجه.
٥ - (أَبُوه) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، أبو عثمان، ويقال: أبو عنبسة الأُمويّ، كان مع أبيه إذ غَلَب على دمشق، ثم سكن الكوفة، ثقةٌ، من صغار [٣].
أرسل عن النبيّ ﷺ ، وعن الحكم، وخالد ابني أبي أُحيحة سعيد بن العاص، ورَوَى عن أبيه، وعن معاوية، والعبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وعائشة، وأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ﵃، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده: خالد، وإسحاق، وعمرو، وحفيده: عمرو بن يحيى بن سعيد، والأسود بن قيس، وشعبة، وغيرهم.
قال أبو زرعة، والنسافي: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الزبير: كان من علماء قريش بالكوفة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر ابنُ عساكر أنه بقي إلى أن وَفَد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وقال الكنانيّ عن أبي حاتم. هو ثقةٌ.
أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٢٨)، وحديث (١٠٨٠): "إنا أمة أميّة لا نكتب، ولا نحسُبُ … ".
٦ - (أَبُوهُ) هو: عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية المدنيّ المعروف بالأشدق، وهو الأصغر، وعمرُو بن سعيد بن العاص الأكبر صحابيّ، قديم، وعمرو بن سعيد هذا يقال: إن له رؤية، والصحيح أنه تابعيّ من الطبقة [٣].
رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن أبيه، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، وعائشة.
стр. 3351
ورَوى عنه أولاده: سعيد، وموسى، وأمية، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعبد الكريم أبو أمية البصريّ.
وَليَ المدينة لمعاوية، وليزيد بن معاوية، ثم طَلَب الخلافة، وغَلَب على دمشق، ثم قتله عبد الملك بن مروان بعد أن أعطاه الأمان، وقال الزبير بن بَكّار: أمه أم البنين بنت الحكم، أخت مروان، وقال البخاريّ: كان غزا ابنَ الزبير، يعني في عهد يزيد بن معاوية، ثم قتله عبد الملك، وقال الْعُتْبيّ: قال عبد الملك بن مروان بعد أن قَتَلَ عمرو بن سعيد: إن كان أبو أمية لأحبّ إليّ من زهر النواظر، ولكن والله ما اجتمع فَحْلان في شَوْل قط إلا أخرج أحدهما صاحبه.
قال يحيى بن بكير، عن الليث: قتل سنة (٦٩)، وقال أبو سعيد بن يونس: قتله عبد الملك بن مروان، يقالْ بيده سنة (٧٠)، وفي سنة (٧٠) أرّخه غالب أهل التاريخ، من أهل الحديث وغيرهم، والصواب أن مخالفته، وحِصَار عبد الملك لدمشق، وهو بها كان سنة (٦٩) وقتله كان سنة (٧٠).
وقد أخطأ من زعم أن له رؤيةً، فإن أباه لا تصح له صحبة، بل يقال: إن له رؤيةً، وأن النبيّ ﷺ لَمّا مات كان له نحو ثمان سنين، وقال أبو حاتم: ليست له صحبة، ويقال؛ كان يُلَقَّب لَطِيم الشيطان، وكان مروان بن الحكم لَمّا طلب الخلافة عاضده عمرو هذا، وكان محبوبًا إلى أهل الشام، فشَرَط له مروان أن يُوَلّيه الخلافة بعده، فلما استقرت قَدَم مروان في الملك دعا عمرو بن سعيد إلى أن يبايع لعبد الملك بن مروان، ثم لعمرو بعده، فأجاب عمرو على كُرْه، ثم مات مروان، وولي عبد الملك، فبايعه عمرو على أنه الخليفة بعده، فلما أراد عبد الملك خلعه، وأن يبايع لأولاده نَفَر عمرو من ذلك، واتَّفق خروج عبد الملك إلى قتال ابن الزبير، فخالفه عمرو إلى دمشق، فغَلَب عليها، وبايعه أهلها بالخلافة، فذكر الطبريّ أنه لما صَعِد المنبر خَطَب الناس، فقال: إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر إلا زعم أن له جنة ونارًا، يدخل الجنة من أطاعه، والنار من عصاه، وإني أخبركم أن الجنة والنار بيد الله، وأنه ليس إلي من ذلك شيء، وأن لكم عليّ حسن المواساة، قال: فرجع عبد الملك، وحاصره، ثم خَدَعه، وآمنه، ثم غدر به فقتله، فيقال: إنه ذبحه
стр. 3352
بيده، وكان عمرو بن سعيد واليًا قبل ذلك على المدينة، زمن يزيد بن معاوية، وهو الذي كان يجهز الجيوش إلى قتال ابن الزبير، فقام إليه أبو شُرَيح الْخُزاعيّ، فحدثه بأن مكة حرام، فأجابه عمرو بأن الحرم لا يعيذ عاصيًا … الحديث في "الصحيحين"، وكان عمرو أوّلَ من أسرّ البسملة في الصلاة؛ مخالفةً لابن الزبير؛ لأنه كان يجهر بها، رَوَى ذلك الشافعيّ وغيره بإسناد صحيح، وقال في "التقريب": وكان عمرو مسرفًا على نفسه، من الثالثة. انتهى.
أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ما جه.
شرح الحديث:
عن عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاص، أنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ) بن عفّان ﵁ (فَدَعَا بِطَهُورٍ) - بفتح الطاء المهملة -: أي بماء يتطهّر به (فَقَالَ) عثمان بعدما توضّأ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) "من" زائدةٌ؛ لتأكيد النصّ على العموم، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كـ" مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
(تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ) أي يأتيه وقتها، أو يقرب دخوله (مَكْتُوبَة) أي مفروضة، من كتب كتابًا: إذا فرض، وهو مجازٍ، فإن الحاكم إذا كتب شيئًا كان ذلك حكمًا، وإلزامًا (١) (فَيُحْسِنُ) - بضم أوله، وكسر ثالثه - مبنيًّا للفاعل، من الإحسان (وُضُوءَهَا) منصوب على المفعوليّة، ومعنى إحسان الوضوء أن يأتي بفرائضه، وسننه وآدابه (وَخُشُوعَهَا) معنى خشوعها أن يأتي بكلّ أركانها وسننها على وجه هو أكثر تواضعًا وإخباتًا، أو خشوعها خشية القلب، وإلزام البصر موضع السجود، وجمع الهمّة لها، والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أن يستعمل الآداب، فيتوقَّى كفّ الثوب، والالتفاتَ، والعبَثَ بجسده وثيابه، والتثاؤب، والتمطّي، وتغميض البصر، ونحوها، وفيه إيماء إلى قوله : ﴿قَدْ
стр. 3353
أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] (١) (وَرُكُوعَهَا) قال التوربشتيّ ﵀: اكتفى بذكر الركوع عن السجود؛ لأنهما ركنان متعاقبان، فإذا حثّ على إحسان أحدهما حثّ على الآخر، وفي تخصيصه بالذكر تنبيه على أن الأمر فيه أشدّ، فافتقر إلى زيادة توكيد؛ لأن الراكع يَحْمِل نفسه في الركوع، ويتحامل في السجود على الأرض، وقيل: الأولى أن يقال: إنما خصّ الركوع بالذكر دون السجود؛ لاستتباعه السجود؛ إذ لا يستقلّ عبادةً وحده، بخلاف السجود، فإنه يستقلّ عبادةً، كسجدة التلاوة، وسجد الشكر (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وأما ما قيل: إن تخصيص الركوع؛ لأنه من خصائص المسلمين، فيردّه قوله تعالى ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وتأويله بأن المراد: انقادي، وصلّي مع المصلين غير صحيح؛ لمخالفته ظاهر النصّ.
والحاصل أن الركوع ليس من خصائص هذه الأمة، كما هو نصّ الآية الكريمة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(إِلَّا كَانَتْ) أي الصلاة (كَفَّارَةً) أي ساترةًا لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ) أي لجميع ما قبلها من المعاصي (مَا لَمْ يُؤْتِ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه مبنيًّا للفعل، من الإيتاء، وقيل: هو مبنيّ للمفعول؛ أي ما لم يَعْمَل، وُضِع الإيتاء موضع العمل.
وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أنه يوجد في بعض النسخ بلفظ: "ما لم يَأتِ كبيرةً"، وهو الذي في "مستخرج أبي نعيم" (١/ ٢٩٤)، فيكون مضارعَ أَتَى ثلاثيًّا، وهو أوضح، يقال: أَتَى حدًّا، أو منكرًا: إذا فعله.
ووقع في نسخة "شرح الأبيّ"، و"السنوسيّ " بلفظ: "ما لم تُؤتَ كبيرةٌ" بالتاء، وعليه فهو مبنيّ للمفعول، و"كبيرةٌ" مرفوع على أنه نائب فاعله.
وذكر التوربشتيّ أن إثبات "يَأْتِ" علي بناء الفاعل في "كتاب المصابيح"
стр. 3354
غير سديد؛ لأن الحديث من مفاريد مسلم، ولم يُروَ إلا من الإيتاء (١)، وإن كان "لم يأت" أوضح معنًى، من قولهم: أتى فلان حدًّا، وأتى منكرًا، لكن الذي يُعتمد عليه من جهة الرواية هو من الإيتاء، ومنهم من يرويه علي بناء المفعول، والمعنى: ما لم يَعْمَل كبيرةً، وُضِعَ الإيتاء موضع العمل؛ لأن العامل يُعطي العملَ من نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ١٤]: أي لأعطوها ذلك من أنفسهم.
وَيَحْتَمِل أن يكون معنى بناء المفعول: ما لم يُصَبْ بكبيرة، من قولهم: أُتِي فلان في بدنه: أي أصابته علّة. انتهى (٢).
وقوله: (كَبيرَةً) بالنصب على المفعوليّة؛ لأنه يقال: آتاه: أي أتى به، ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي ائتنا به؛ قاله الجوهريّ (٣).
و"ما" على الروايتين مصدريّة ظرفيّة: أي مدّة دوام عدم الإتيان بكبيرة.
(وَذَلِكَ الدَّهْرَ كلَّهُ) اسم الإشارة مبتدأ، و"الدهرَ" منصوب على الظرفيّة، متعَلِّقٌ بخبر المبتدأ، و"كلَّه" بالنصب توكيد لـ"الدهر"؛ أي وذلك مستمرّ في جميع الدهر.
وقال الطيبيّ ﵀: الواو في قوله: "وذلك الدهر كله " للحال، وذو الحال الضمير المستترُ في خبر "كانت"، وهو قوله: "كفّارةً".
وقال أيضًا نقلًا عن الأشرف: المشار إليه إما تكفير الذنوب؛ أي تكفير الصلاة المكتوبة الصغائر لا يختصّ بفرض واحد، بل فرائض الدهر تُكفّر صغائره، وإما معنى "لم يؤت كبيرة"، وهو عدم الإتيان بالكبيرة؛ أي عدم إتيان الكبيرة في الدهر كلِّهِ مع الإتيان بالمكتوبة كفّارةٌ لما قبلها. انتهى (٤).
وقال النوويّ ﵀: معنى قوله: "كانت كفّارةً لما قبلها": أن الذنوب كلَّها تُغْفَر إلا الكبائر، فإنها لا تُغْفَر، وليس المراد أن الذنوب تُغفَر ما لم تكن
стр. 3355
كبيرة، فإن كانت لا يُغْفَر شيءٌ من الصغائر، فإن هذا، وإن كان محتملًا، فسياق الأحاديث يأباه، قال القاضي عياض ﵀: هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة، هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تُكَفِّرها التوبة، أو رحمة الله تعالى وفضله، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٤٩] (٢٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٤٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤٤)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٥٠] (٢٢٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيز، وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَادِيثَ، لَا أَدْرِي مَا هِيَ، إِلَّا أني رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً"، وَفي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ: إتيْتُ عُثْمَانَ، فَتَوَضَّأَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد، أبو
стр. 3356
محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل [٣] (١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
والباقون تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أحمد، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول بَغْلانيّ، من قرى بَلْخ، والثاني بصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ) أنه (قَالَ: أتيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِوَضُوءٍ) بفتح الواو: أي بماء يَتوضّأ به (فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ) عثمان ﵁ (إِنَّ نَاسًا) أصله أُناس بضم الهمزة، فحُذفت الهمزة تخفيفًا، وحذفها كاللام مع لام التعريف، فلا يكاد يقال: الأناس، وهو من أسماء الجموع (يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَادِيثَ، لَا أَدْرِي مَا هِيَ) أي ما حقيقتها، ومدى صحّتها، قال بعضهم: يؤخذ من قول عثمان ﵁ هذا أدب السلف الصالح، وموقفهم من روايات الحديث المختلفة، وعدم تكذيب بعضهم بعضًا باقتصارهم على نفي العلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هذا البعض من عدم تكذيب بعضهم بعضًا، ليس على إطلاقه، بل من أدبهم أنهم إذا سمعوا ما يُخالف ما عندهم مما صحّ عن النبيّ ﷺ قاموا بإنكاره، والردّ على من أتى به إلا أن يجيء بحجة تُثبت ما رواه مخالفًا، فمن تتبّع مواقف الصحابة والتابعين في ذلك يتبيّن له الحقّ.
وأما قول عثمان ﵁ هذا فالظاهر أنه من باب الإنكار عليهم، ويحتمل
стр. 3357
أن يكون قال ذلك فيما لم يتبيّن له ثبوته عن النبيّ ﷺ وعدمه، والله تعالى أعلم.
(إِلا أنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا) تقدّم الكلام في هذا قريبًا (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، غُفِرَ) بالبناء للمفعول (لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً) أصل النافلة ما يُفعَل مما لم يَجِب، والمقصود هنا أن صلاته، ومشيه إلى المسجد لهما ثواب زائد على غفران الذنوب.
قال الأبيّ ﵀: لَمّا كفّر الوضوء السيّئات بقي ثواب الصلاة زيادة له يُرفع له به في الآخرة درجات، أو يُكفَّر به ما بعده، قال: وليس من شرط المزيد أن يكون من نوع المزيد عليه، فصحّ كون رفع الدرجات زيادة على التكفير.
قال: وهذا وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي كل يقتضي استقلال الوضوء بالتكفير، والأول يقتضي أنه لا يستقلّ، بل تنضاف إليه الصلاة، فيُجمع بين الحديثين بأن يُرَدّ المطلق إلى المقيّد، أو أنه يختلف بحسب المصلّين، فربّ متوضئ يحضره من الخشوع ما يستقلّ وضوؤه بالتكفير. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وكانت صلاته، ومشيه إلى المسجد نافلة" يعني أن الوضوء لم يُبْقِ عليه ذنبًا، فلَمّا فَعَلَ بعده الصلاةَ كان ثوابها زيادةً له على المغفرة المتقدّمة، و"النفلُ": الزيادة، ومنه نفل الغنيمة، وهو ما يُعطيه الإمام من الخمس بعد القسمة.
قال: وهذا الحديث يقتضي أن الوضوء بانفراده يستقلّ بالتكفير، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁، فإنه قال فيه: "إذا توضأ العبد المسلم، فغسل وجهه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر إليها بعينه"، وهكذا إلى أن قال: "حتى يخرُج نقيًّا من الذنوب"، وهذا بخلاف أحاديث عثمان المتقدّمة؛ إذ مضمونها أن التكفير إنما يحصل بالوضوء إذا صلّى به صلاةً مكتوبةً، يُتمّ ركوعها وخشوعها، والتوفيق يكون من وجهين:
стр. 3358
[أحدهما]: أن يُردّ مطلق الأحاديث إلى مقيَّدها.
[والثاني]: أن نقول: إن ذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص، فلا بُعد في أن يكون بعض المتوضّئين يحصل له من الحضور، ومراعاة الآداب المكمّلة ما يستقلّ بسببها وضوؤه بالتكفير، وربّ متوضّئ لا يحصل له مثل ذلك، فيُكفَّ عنه بمجموع الوضوء والصلاة، ولا يُعتَرَض على هذا بقوله ﷺ : "من أتمّ الوضوء كما أمره الله، فالصلوات المكتوبة كفّارات لما بينهنّ"؛ لأنا نقول: من اقتصر على واجبات الوضوء، فقد توضّأ كما أمره الله تعالى، كما قال النبيّ ﷺ للأعرابيّ: "توضّأ كما أمرك الله"، فأحاله على آية الوضوء على ما قدّمناه، وكذلك ذكر النسائيّ ﵀ من حديث رفاعة بن رافع ﵁، فقال النبيّ ﷺ : " إنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين"، ونحن إنما أردنا المحافظة على الآداب المكمّلة التي لا يُراعيها إلا من نَوّر الله تعالى باطنه بالعلم والمراقبة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: وقد يقال: إذا كَفَّر الوضوء، فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كَفَّرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه.
والجواب: ما أجاب به العلماء أن كُلَّ واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وَجَد ما يُكَفّره من الصغائر كفّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة، كُتبت به حسنات، ورُفِعت به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرةً رَجَونا أن يُخَفّف من الكبائر، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ) أي أحمد بن عبدة الضبيّ، شيخه الثاني (أتيْتُ عُثْمَانَ، فَتَوَضَّأَ) يعني أنه لم يذكر لفظة "بِوَضوء"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3359
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا من هذا الوجه من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٥٠] (٢٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٤٤)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٥١] (٢٣٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ وَأَبِي بَكْر، قَالُوا: حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْر، عَنْ أَبِي أنَسٍ، أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِد، فَقَالَ: أَلا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَزَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبُو النَّضْر، عَنْ أَبِي أنسٍ، قَالَ: وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت، من كبار [٧]، (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هو: سالم بن أبي أميّة القُرشيّ التيميّ المدنيّ، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ، وكاتبه، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥].
رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعوف بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى كتابةً، وسعيد بن المسيب، وعامر بن سعد، وبشر بن سعيد، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إبراهيم المعروف بِبَرَدَان بن أبي النضر، والسفيانان، ومالك، وعمرو بن الحارث، وموسى بن عقبة، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وفليح بن سليمان، والليث، وابن إسحاق، وغيرهم.
стр. 3360
قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: سالم أبو النضر عندك فوق سُمَيّ؟ قال: نعم. وقال أحمد، وابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقةٌ، زاد العجلي: رجل صالح، وكذا قال أبو حاتم، وزاد: حسن الحديث. وقال ابن سعد: ثقةٌ، كثير الحديث، مات في خلافة مروان بن محمد. وقال خليفة: مات سنة تسع وعشرين ومائة. وقال الْجَنَديّ: سئل ابن عيينة عن سالم أبي النضر؟ فقال: كان ثقةٌ، وكان يصفه بالفضل والعقل والعبادة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: له شأن، ما أكاد أُقَدِّم عليه كبير أحد، سمع أنسًا. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": سمعت أبي يقول: أبو النضر عن عثمان بن أبي العاص مرسل. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ ثبتٌ. وقال ابن خلفون: وثقه ابن المديني، وابن نمير.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا.
٣ - (أَبُو أَنَسٍ) هو: مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، جدّ الإمام مالك، ووالد أبي سُهيل، عمّ مالك، ثقةٌ [٢] (ت ٧٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٠٩.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (الْمَقَاعِدِ) - بفتح الميم، وبالقاف - قيل: هي دَكَاكين عند دار عثمان بن عفان ﵁، وقيل: دَرَجٌ، وقيل: موضع بقرب المسجد، اتَّخَذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس، والوضوءِ ونحو ذلك.
وقوله: (ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) قال النوويّ ﵀: هذا أصل عظيم في أن السنة في الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وقد قدّمنا أنه مجمع على أنه سنة، وأن الواجب مرةً واحدةً، وفيه دلالة للشافعي ومن وافقه في أن المستحب في الرأس أن يمسح ثلاثًا كباقي الأعضاء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: استدلال النوويّ على استحباب تثليث مسح الرأس مما لا يخفى على بصير، فقد سبق أن في بعض روايات حديث عثمان ﵁، وكذا حديث عبد الله بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما التصريح بأنه مسح رأسه مرّة واحدة، فالحقّ حمل هذا الْمُجمَل على المفصّل، وأما ما ورد من التثليث، فهي رواية شاذّة، لا تقاوم الأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي الالتفات إليها.
стр. 3361
والحاصل أن تثليث مسح الرأس غير مستحبّ؛ لما ذكرناه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) معناه أن عثمان ﵁ قال ما قاله، والرجال عنده، فلم يخالفوه، وقد أخرج هذه الرواية الحافظ أبو نعيم ﵀ في "المسند المستخرج " (١/ ٢٩٣)، فقال:
(٥٤٣) حدثناه سليمان بن أحمد إملاءً، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا علي بن المديني، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، ثنا وكيع (ح) وحدثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا زهير، ثنا وكيع (ح) وحدثنا الطَّلْحي، ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثًا ثلاثًا، وعنده رجال من أصحاب النبيّ ﷺ قال: "أليس هكذا رأيتم رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قالوا: نعم " انتهى.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا من هذا الوجه من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٥١] (٢٣٠)، و (ابن أبي شية) في "مصنّفه" (١/ ١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٧)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (٥٤٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الإسناد من جملة ما استدركه الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ وغيره، قال أبو عليّ الْغَسّانيّ الجيانيّ: يُذكَرُ أن وكيع بن الجرّاح وَهِمَ في إسناد هذا الحديث في قوله: "عن أبي أنس"، وإنما يرويه أبو النضر، عن بُسْر بن سعيد، عن عثمان بن عفان، رَوَينا هذا عن أحمد بن حنبل وغيره، قال: وهكذا قال الدارقطنيّ: هذا مما وَهِمَ فيه وكيع على الثوريّ، وخالفه أصحاب الثوريّ الحفاظ، منهم الأشجعيّ، عُبيد الله، وعبد الله بن الوليد،
стр. 3362
ويزيد بن أبي حكيم الْعَدَنيّان، والْفِرْيابيّ، ومعاوية بن هشام، وأبو حذيفة، وغيرهم، رووه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد، أن عثمان، وهو الصواب. انتهى كلام أبي عليّ الغسّانيّ ﵀ (١).
وقال الدارقطني ﵀ في "سننه" (١/ ٨٥):
(١٠) حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا ابن الأشجعيّ (٢)، نا أبي، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، قال: أَتَى عثمان المقاعد، فدعا بوَضوء، فمضمض، واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ورجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ هكذا يتوضأ، يا هؤلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ عنده.
قال الدارقطنيّ: صحيح إلا التأخير في مسح الرأس، فإنه غير محفوظ، تفرّد به ابن الأشجعيّ، عن أبيه، عن سفيان بهذا الإسناد، وهذا اللفظ، ورواه الْعَدَنيّان: عبدُ الله بن الوليد، ويزيدُ بن أبي حكيم، والفريابيّ، وأبو أحمد، وأبو حذيفة، عن الثوريّ بهذا الإسناد، وقالوا كلهم: إن عثمان توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، ولم يزيدوا على هذا.
وخالفهم وكيع، رواه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن أبي أنس، عن عثمان، أن النبيّ ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، كذا قال وكيع، وأبو أحمد، عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن أبي أنس، وهو مالك بن أبي عامر، والمشهور عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان.
(١١) حدثنا إبراهيم بن حماد، نا العباس بن يزيد، ثنا وكيع، نا سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضأ بالمقاعد، وعنده رجال من أصحاب النبيّ ﷺ ، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: أليس هكذا رأيتم رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قالوا: نعم. وتابعه أبو أحمد الزبيريّ، عن الثوريّ، والصواب عن
стр. 3363
الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر، عن عثمان. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أعل الإمام أحمد، والدارقطنيّ، وغيرهم هذا الحديث، إلا أن الإمام مسلمًا يرى صحّته، وقد وافقه عليه الإمامان الحافظان: أبو زرعة، وأبو حاتم، فقد ذكر ابن أبي حاتم في "علله"، حيث قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه الفريابيّ، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، أن عثمان توضّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال لأصحاب رسول الله ﷺ : هكذا رأيتم رسول الله ﷺ يتوضّأ؟ قالوا: نعم.
ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضّأ بالمقاعد، فقال: ألا أُريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ قال: ثم توضّأ ثلاثًا ثلاثًا، قال أبو زرعة: وَهِمَ فيه الفريابيّ، والصواب ما قال وكيع، سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: حديث وكيع أصحّ، وأبو أنس جدّ مالك بن أنس، وأبو أنس عن عثمان متّصلٌ، وبُسر بن سعيد عن عثمان مرسل. انتهى كلام ابن أبي حاتم (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدّم أن الأولين أعلّوا الحديث بمخالفة وكيع للجماعة الذين رووه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان ﵁، والذي يظهر لي أن تصحيح رواية وكيع هو الأولى؛ لأن وكيعًا إمام حافظ مُعْتَمَدٌ على حفظه، ولا سيّما وقد تابعه أبو أحمد الزبيريّ.
على أنه يمكن تصحيح الطريقين معًا بحمله على أن الحديث عند الثوريّ بالطريقين، فلا داعي لتوهيم أحدهما.
والحاصل أن المصنّف، وأبا زرعة، وأبا حاتم قد صحّحوا رواية وكيع هذه، وقولهم هو الأظهر عندي؛ لأن زيادة الثقة في مثل هذا مقبولة؛ حيث كان من زادها حافظًا مُعتَمَدًا، وهو وكيعٌ، وهو المقدّم في سفيان على جميع هؤلاء الذين خالفوه في هذا الحديث، فإنهم لم يوصفوا بحفظ أحاديث الثوريّ
стр. 3364
مثله، بل قدّمه الأئمة، كأحمد وابن معين في سفيان على حفّاظ أصحاب الثوريّ، كعبد الرحمن بن مهديّ ويحيى القطان، وأبي نعيم، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: عبد الرحمن أحبّ إليك في سفيان أو وكيع؟ قال: وكيع، قلت: فأبو نعيم؟ قال: وكيع، وقال المرّوذيّ: قلت لأحمد: مَن أصحاب سفيان؟ قال: وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، وأبو نعيم، قلت: قدّمت وكيعًا؟ قال: وكيع شيخٌ. وراجع لمزيد الاستبصار ترجمة وكيع في "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب" (١)، يتّضح لك ما قلته تمام الاتّضاح.
وقد عرفتَ أنه لم ينفرد بهذا الطريق، بل تابعه عليه أبو أحمد الزبيريّ، كما سبق آنفًا.
وخلاصة القول أن تصحيح المصنّف، وأبي زرعة، وأبي حاتم لرواية وكيع هذه هو الأرجح، فتأمّله بإنصاف.
ومن الغريب أن النوويّ ﵀ مع شدّة شغفه بمعارضة استدراك الدارقطنيّ وغيره على المصنف، وغالب ما يحتجّ به دعوى زيادة الثقة، إلا أنه هنا نقل الاستدراك، وسكت عليه، وهذا منه عجيب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٥٢] (٢٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَة، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ، قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ، فَمَا أتى عَلَيْهِ يَوْمٌ، إِلَّا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاِتنَا هَذِهِ - قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا الْعَصْرَ - فَقَالَ: "مَا أَدْرِي أُحَدَّثُكُمْ بِشَيْءٍ، أَوْ أَسْكُتُ"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، إِنْ كانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُتِمُّ
стр. 3365
الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ (١)، فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا (٢) ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهَير الْهِلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) تقدم في "المقدمة ٥/ ٣١.
٢ - (جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، أَبُو صَخْرَةَ) الْمُحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ٧ أو ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
والباقون تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى جامع، غير إسحاق، فمروزيّ، والباقيان مدنيّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: جامع، عن حُمران، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَةَ) وفي رواية أبي نعيم من طريق شعبة، عن جامع بن شدّاد، سمعت حمران يُحدّث أبا بردة، وأنا قائم في إِمْرَة بشر بن مروان (٣)، وفي رواية أبي عوانة: سمعت حمران بن أبان يُحدّث أبا بردة في