← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

والحاصل أن تثليث مسح الرأس غير مستحبّ؛ لما ذكرناه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) معناه أن عثمان ﵁ قال ما قاله، والرجال عنده، فلم يخالفوه، وقد أخرج هذه الرواية الحافظ أبو نعيم ﵀ في "المسند المستخرج " (١/ ٢٩٣)، فقال: (٥٤٣) حدثناه سليمان بن أحمد إملاءً، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا علي بن المديني، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، ثنا وكيع (ح) وحدثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا زهير، ثنا وكيع (ح) وحدثنا الطَّلْحي، ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثًا ثلاثًا، وعنده رجال من أصحاب النبيّ ﷺ قال: "أليس هكذا رأيتم رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قالوا: نعم " انتهى. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا من هذا الوجه من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٥١] (٢٣٠)، و (ابن أبي شية) في "مصنّفه" (١/ ١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٧)، و (أبو نعيم) في "المستخرج" (٥٤٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الإسناد من جملة ما استدركه الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ وغيره، قال أبو عليّ الْغَسّانيّ الجيانيّ: يُذكَرُ أن وكيع بن الجرّاح وَهِمَ في إسناد هذا الحديث في قوله: "عن أبي أنس"، وإنما يرويه أبو النضر، عن بُسْر بن سعيد، عن عثمان بن عفان، رَوَينا هذا عن أحمد بن حنبل وغيره، قال: وهكذا قال الدارقطنيّ: هذا مما وَهِمَ فيه وكيع على الثوريّ، وخالفه أصحاب الثوريّ الحفاظ، منهم الأشجعيّ، عُبيد الله، وعبد الله بن الوليد،

стр. 3362

ويزيد بن أبي حكيم الْعَدَنيّان، والْفِرْيابيّ، ومعاوية بن هشام، وأبو حذيفة، وغيرهم، رووه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد، أن عثمان، وهو الصواب. انتهى كلام أبي عليّ الغسّانيّ ﵀ (١). وقال الدارقطني ﵀ في "سننه" (١/ ٨٥): (١٠) حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا ابن الأشجعيّ (٢)، نا أبي، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، قال: أَتَى عثمان المقاعد، فدعا بوَضوء، فمضمض، واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ورجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ هكذا يتوضأ، يا هؤلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ عنده. قال الدارقطنيّ: صحيح إلا التأخير في مسح الرأس، فإنه غير محفوظ، تفرّد به ابن الأشجعيّ، عن أبيه، عن سفيان بهذا الإسناد، وهذا اللفظ، ورواه الْعَدَنيّان: عبدُ الله بن الوليد، ويزيدُ بن أبي حكيم، والفريابيّ، وأبو أحمد، وأبو حذيفة، عن الثوريّ بهذا الإسناد، وقالوا كلهم: إن عثمان توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، ولم يزيدوا على هذا. وخالفهم وكيع، رواه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن أبي أنس، عن عثمان، أن النبيّ ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، كذا قال وكيع، وأبو أحمد، عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن أبي أنس، وهو مالك بن أبي عامر، والمشهور عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان. (١١) حدثنا إبراهيم بن حماد، نا العباس بن يزيد، ثنا وكيع، نا سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضأ بالمقاعد، وعنده رجال من أصحاب النبيّ ﷺ ، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: أليس هكذا رأيتم رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قالوا: نعم. وتابعه أبو أحمد الزبيريّ، عن الثوريّ، والصواب عن

стр. 3363

الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر، عن عثمان. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أعل الإمام أحمد، والدارقطنيّ، وغيرهم هذا الحديث، إلا أن الإمام مسلمًا يرى صحّته، وقد وافقه عليه الإمامان الحافظان: أبو زرعة، وأبو حاتم، فقد ذكر ابن أبي حاتم في "علله"، حيث قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه الفريابيّ، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، أن عثمان توضّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال لأصحاب رسول الله ﷺ : هكذا رأيتم رسول الله ﷺ يتوضّأ؟ قالوا: نعم. ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس، أن عثمان توضّأ بالمقاعد، فقال: ألا أُريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ قال: ثم توضّأ ثلاثًا ثلاثًا، قال أبو زرعة: وَهِمَ فيه الفريابيّ، والصواب ما قال وكيع، سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: حديث وكيع أصحّ، وأبو أنس جدّ مالك بن أنس، وأبو أنس عن عثمان متّصلٌ، وبُسر بن سعيد عن عثمان مرسل. انتهى كلام ابن أبي حاتم (٢). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدّم أن الأولين أعلّوا الحديث بمخالفة وكيع للجماعة الذين رووه عن الثوريّ، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان ﵁، والذي يظهر لي أن تصحيح رواية وكيع هو الأولى؛ لأن وكيعًا إمام حافظ مُعْتَمَدٌ على حفظه، ولا سيّما وقد تابعه أبو أحمد الزبيريّ. على أنه يمكن تصحيح الطريقين معًا بحمله على أن الحديث عند الثوريّ بالطريقين، فلا داعي لتوهيم أحدهما. والحاصل أن المصنّف، وأبا زرعة، وأبا حاتم قد صحّحوا رواية وكيع هذه، وقولهم هو الأظهر عندي؛ لأن زيادة الثقة في مثل هذا مقبولة؛ حيث كان من زادها حافظًا مُعتَمَدًا، وهو وكيعٌ، وهو المقدّم في سفيان على جميع هؤلاء الذين خالفوه في هذا الحديث، فإنهم لم يوصفوا بحفظ أحاديث الثوريّ

стр. 3364

مثله، بل قدّمه الأئمة، كأحمد وابن معين في سفيان على حفّاظ أصحاب الثوريّ، كعبد الرحمن بن مهديّ ويحيى القطان، وأبي نعيم، وغيرهم. قال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: عبد الرحمن أحبّ إليك في سفيان أو وكيع؟ قال: وكيع، قلت: فأبو نعيم؟ قال: وكيع، وقال المرّوذيّ: قلت لأحمد: مَن أصحاب سفيان؟ قال: وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، وأبو نعيم، قلت: قدّمت وكيعًا؟ قال: وكيع شيخٌ. وراجع لمزيد الاستبصار ترجمة وكيع في "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب" (١)، يتّضح لك ما قلته تمام الاتّضاح. وقد عرفتَ أنه لم ينفرد بهذا الطريق، بل تابعه عليه أبو أحمد الزبيريّ، كما سبق آنفًا. وخلاصة القول أن تصحيح المصنّف، وأبي زرعة، وأبي حاتم لرواية وكيع هذه هو الأرجح، فتأمّله بإنصاف. ومن الغريب أن النوويّ ﵀ مع شدّة شغفه بمعارضة استدراك الدارقطنيّ وغيره على المصنف، وغالب ما يحتجّ به دعوى زيادة الثقة، إلا أنه هنا نقل الاستدراك، وسكت عليه، وهذا منه عجيب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٢] (٢٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَة، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ، قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ، فَمَا أتى عَلَيْهِ يَوْمٌ، إِلَّا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاِتنَا هَذِهِ - قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا الْعَصْرَ - فَقَالَ: "مَا أَدْرِي أُحَدَّثُكُمْ بِشَيْءٍ، أَوْ أَسْكُتُ"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، إِنْ كانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُتِمُّ

стр. 3365

الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ (١)، فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا (٢) "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهَير الْهِلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) تقدم في "المقدمة ٥/ ٣١. ٢ - (جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، أَبُو صَخْرَةَ) الْمُحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ٧ أو ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥. والباقون تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى جامع، غير إسحاق، فمروزيّ، والباقيان مدنيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: جامع، عن حُمران، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِي صَخْرَةَ) وفي رواية أبي نعيم من طريق شعبة، عن جامع بن شدّاد، سمعت حمران يُحدّث أبا بردة، وأنا قائم في إِمْرَة بشر بن مروان (٣)، وفي رواية أبي عوانة: سمعت حمران بن أبان يُحدّث أبا بردة في

стр. 3366

مسجد البصرة، وأنا قائم أنه سمع عثمان (١) (قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ) تقدّم الخلاف في صرف أبان وعدمه، والمختار صرفه (قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ (بفتح الطاء: أي الماء الذي يتطهّر به (فَمَا) نافية (أَتَى عَلَيْهِ يَوْم، إِلا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً) - بضمّ النون، وسكون الطاء المهملة -: أي قليلًا من الماء، ومراده أنه لم يكن يمرّ على عثمان ﵁ يوم إلا اغتسل فيه، وكانت ملازمته للاغتسال محافظةً على تكثير الطهر، وتحصيل ما فيه من عظيم الأجر الذي ذكره في حديثه، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ عُثْمَانُ) ﵁ (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاِتنَا هَذِهِ - قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا) بضم الهمزة (الْعَصْرَ -) أي أظنّ تلك الصلاة صلاة العصر (فَقَالَ) ﷺ ("مَا) نافية (أَدْرِي أُحَدِّثُكُمْ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أأُحدّثكم (بِشَيْءٍ) مما فيه بيان لثواب بعض الطاعات (أَوْ أَسْكُتُ") وفي نسخة: "أم أسكت؟ "، أي أترك تحديثكم؛ لئلا تغترّوا، وتتّكلوا على عملكم، قال النوويّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون معناه: ما أدري هل ذكري لكم هذا الحديثَ في هذا الزمن مصلحة أم لا؟ ثم ظهرت مصلحته في الحال عنده ﷺ ، فحدثهم به؛ لما فيه من ترغيبهم في الطهارة، وسائر أنواع الطاعات، وسبب توقفه أوّلًا أنه خاف مفسدة اتّكالهم، ثم رأى المصلحة في التحديث به. انتهى (٢). (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، إِنْ كَانَ) ذلك الحديث (خَيْرًا فَحَدِّثْنَا) حتى نغتنمه، ونُسَرّ به (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أي فالأمر إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، قال النوويّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون معناه إن كان بِشارةً لنا، وسببًا لنشاطنا، وترغيبنا في الأعمال، أو تحذيرًا وتنفيرًا من المعاصي والمخالفات، فحدِّثنا به؛ لنَحْرِص على عمل الخير، والإعراض عن الشرّ، وإن كان حديثًا لا يتعلق بالأعمال، ولا ترغيب فيه، ولا ترهيب، فالله ورسوله أعلم، ومعناه فَرَ فيه رَايَكَ، والله تعالى أعلم. انتهى (٣). (قَالَ) ﷺ ("مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ) وفي نسخة: "يَطّهّر" بتشديد الطاء،

стр. 3367

والهاء، وأصله "يتطهّر"، فأدغمت التاء في الطاء بعد قلبها إليها (فَيُتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ) قال النوويّ ﵀: هذه الرواية فيها فائدة نفيسة، وهي قوله ﷺ : "الطَّهُور الذي كتب الله عليه"، فإنه دالّ على أن من اقتصر في وُضوئه على طهارة الأعضاء الواجبة، وتَرَكَ السنن والمستحبات، كانت هذه الفضيلة حاصلةً له، وإن كان مَن أتى بالسنن أكملَ، وأشدّ تكفيرًا. انتهى (١). (فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) بالنصب بدلًا من "الصلوات" (إِلَّا كَانَتْ) أي الصلوات التي صُلِّيت بالطُّهور المذكور (كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا") أي بين الصلوات الخمس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٥٢] (٢٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦١٢ و ٦١٣ و ٦١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٤٦ و ٥٤٧ و ٥٤٨)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٣] ( … ) - (حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبانٍ، يُحَدِّثُ؛ أَبَا بُرْدَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِد، فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أتمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ". هَذَا حَدِيثُ ابْنِ

стр. 3368

مُعَاذٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ: فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٧/ ٣. ٢ - (أَبُوهُ) هو: معاذ بن معاذ الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. والباقون تقدّموا قريبًا، فمَن قبل جامع تقدّموا قبل باب، ومنه تقدّموا في السند الماضي، ومحمد بن جعفر هو المعروف بغندر. وقوله: (يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةَ) هو ابن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ، من الطبقة الثالثة، توفّى سنة (١٠٤). تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. وقوله (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، كما بيّنته رواية أبي عوانة، ولفظه: "قال: سمعت حُمران بن أبان يُحدّث أبا بُرْدة في مسجد البصرة، وأنا قائم معه … " (١). وقوله: (فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ) "الإمارة" - بكسر الهمزة، كالإِمْرة -: الولاية، يقال: أَمَرَ على القوم يَأُمُرُ، من باب نصر، فهو أمير، والجمع أمراء، ويُعدَّى بالتضعيف، فيقال: أَمَّرتُهُ تأميرًا (٢). و"بشر" - بكسر، فسكون -: هو ابن مروان، كما بيّنته رواية أبي نعيم، ولفظه: "عن جامع بن شدّاد، سمعتُ حُمران بن أبان يُحدّث أبا بُردة، وأنا قائم في إمرة بشر بن مروان … " (٣). قال الإمام الذهبيّ ﵀ في "السير": بشر بن مروان بن الْحَكَم الأمويّ، أحد الأجواد، وَليَ العراقين لأخيه عند مَقْتل مُصْعَب، وداره بدمشق عند عقبة الكتان، رَوَى ابن جُدْعان عن

стр. 3369

الحسن، قال: قَدِمَ علينا بشر البصرة، وهو أبيض بِضٌّ، أخو خليفة، وابن خليفة، فأتيته، فقال الحاجب: من أنت؛ قال: حسن البصريّ، قال: ادْخُل، وإياك أن تُطيل، ولا تُمِلّه، فأَدخُلُ، فإذا هو على سرير عليه فُرَش، قد كاد أن يغوص فيها، ورجل بالسيف واقف على رأسه، فقال: من أنت؟ قلت: الحسن البصريّ الفقيه، فأجلسني، ثم قال: ما تقول في زكاة أموالنا، ندفعها إلى السلطان، أم إلى الفقراء؟ قلت: أيهما فعلتَ أجزأ عنك، فتبسم، وقال: لشيء ما يسود مَن يسود، ثم عدت إليه من العشيّ، وإذا هو انحدَر من سريره يَتَمَلْمَلُ، وحوله الأطباء، ثم عدت من الغد، والناعية تنعاه، ودوابه قد جُزَّت نواصيها، ووقف الفرزدق على قبره، ورثاه بأبيات، فما بَقِي أحد إلا بَكَى. قال الخليفة: مات بالبصرة سنة خمس وسبعين، وله نيف وأربعون سنة. وقيل: إنه كتب إلى أخيه: إنك شَغَلْتَ إحدى يديّ بالعراق، وبقيت الأخرى فارغةً، فكتب إليه بولاية الحرمين واليمن، فما جاءه الكتاب إلا وقد وقعت الْقُرْحة في يمينه، فقيل: اقطعها من الْمَفْصِل، فَجَزع، فبلغت المرفق، ثم أصبح وقد بلغت الكتف ومات، فجَزِعَ عليه عبد الملك، وأمر الشعراء فَرَثَوْهُ. انتهى (١). وقوله: (مَنْ أتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى) أي أمر إيجاب، لما في الرواية السابقة: "ما من مسلم يتطهّر، فيُتمّ الطُّهُور الذي كتب الله عليه … ". وقوله: (فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ) أي لما عُمِل من الذنوب، والجملة جواب "من"، أو خبرها بتقدير رابط؛ أي له، أو "أل " في "الصلوات" بدل من الضمير الرابط؛ أي صلواته المكتوبات كفارات؛ أي ماحيات لما اقترفه من الذنوب. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ: فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ) رواية غندر أخرجها الحافظ أبو نعيم في "المسند المستخَرج" (١/ ٢٩٥) فقال: (٥٤٨) وحدثنا أبو علي بن الصّوّاف، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة، عن جامع بن شداد، سمعت

стр. 3370

حمران بن أبان، يحدث أبا بردة، عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﷺ قال: "مَن أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات الخمس كفارة لما بينهنّ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٥٣] (٢٣١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٤٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٥٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده"، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٧) (٧٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٦٦ و ٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٤٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٤)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٤] (٢٣٢) - (حَدَّثَنَا (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْإَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي (٢) مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ حُمْرَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمًا وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِد، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، غُفِرَ لَهُ مَا خَلَا مِنْ ذَنْبِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السّعْديّ

стр. 3371

مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الفقيه المصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ١٩٧) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) بن عبد الله بن الأشجّ القرشيّ، مولى بني مخزوم، أبو الْمِسْوَر المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ، [٧]. رَوَى عن أبيه، وعامر بن عبد الله بن الزبير. ورَوَى عنه مالك، وابن لهيعة، وابن المبارك، وابن وهب، ومَعْن بن عيسى، والواقديّ، والقعنبيّ، وغيرهم. قال زيد بن بشر عن ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: حدَّثني مخرمة بن بكير، وكان رجلًا صالحًا، وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة، من هو؟ قال: مخرمة بن بكير بن الأشجّ، وقال الميمونيّ، عن أحمد: أخذ مالك كتاب مَخْرَمة فنظر، فيه فكل شيء يقول فيه: بلغني عن سليمان بن يسار، فهو من كتاب مخرمة، يعني عن أبيه، عن سليمان، وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه، فقال: ثقةٌ، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه، وقال ابن أبي خيثمة: قلت لابن معين: مخرمة بن بكير؟ فقال: وقع إليه كتاب أبيه، ولم يسمعه، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ضعيفٌ، وحديثه عن أبيه كتابٌ، ولم يسمعه منه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله، موسى بن سَلَمة: أتيت مخرمة، فقلت: حدَّثك أبوك؟ فقال: لم أُدرك أبي، هذه كتبه، وقال الدُّولابيّ: حدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا علي بن المديني، سمعت مَعْنَ بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعَرَض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، قال عليّ: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدًا بالمدينة يخبرني عن مخرمة أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي، قال: وسمعت عليًّا، وقيل له: أيما أحب إليك: يحيى بن سعيد، أو مخرمة بن بكير؟ فقال: يحيى في معنىً، ومخرمة في معنىً، وجميعًا ثقتان،

стр. 3372

ويحيى أشدّ، ومخرمة أكثرُ حديثًا، ومخرمة ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، قال: وقال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمةَ عما يُحدّث به عن أبيه، سمعها من أبيه، فحَلَف لي: ورب هذه الْبَنِيَّة سمعت من أبي، وقال غيره: قيل لأحمد بن صالح: كان مخرمة من ثقات الناس؟ قال: نعم، وقال ابن عديّ: وعند ابن وهب، ومَعْن، وغيرهما عن مخرمة أحاديث حسان مستقيمةٌ، وأرجو أنه لا بأس به، وقال الساجيّ: صدوقٌ، وكان يدلس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وخمسين ومائة في آخر ولاية المهديّ، يُحْتَجّ بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يَسمع من أبيه، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات في أول ولاية المهديّ. انتهى، قيل: إن هذا هو الصواب، وقد أَرّخ ابن قانع وفاة مخرمة سنة ثمان وخمسين. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. ٤ - (أَبُوهُ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ القرشيّ مولاهم، ويقال: مولى أشجع، أبو عبد الله، ويقال: أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن محمود بن لبيد، وأبي أُمامة بن سهل، وبُسْر بن سعيد، وأبي صالح السمّان، وسعيد بن المسيِّب، وسليمان بن يسار، وحمران مولى عثمان، وأبي عبد الله الأغرّ، وعِراك بن مالك، وكُريب، ونافع مولى ابن عمر، ويزيد بن أبي عُبيد، ومات قبله، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، وخلق كثير. ورَوَى عنه بَكْر بن عَمْرو المعافريّ، والليث، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وجعفر بن ربيعة، وابن عجلان، وابنه مخرمة بن بكير، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويزيد بن أبي حبيب، وجماعة. قال أحمد بن صالح المصريّ: سمعت ابن وهب يقول: ما ذَكَر مالك بكير بن الأشجّ إلا قال: كان من العلماء، وقال ابن الطباع: سمعت مَعْنَ بن عيسى يقول: ما ينبغي لأحد أن يَفْضل، أو يفوق بكير بن الأشجّ في الحديث،

стр. 3373

وقال حرب عن أحمد: ثقةٌ صالحٌ، وقال الدُّوريّ، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وبُكير بن عبد الله بن الأشجّ، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ، لم يسمع منه مالك شيئًا، خرج قديمًا إلى مصر، فنزل بها، وقد رَوَى مالك في "الموطأ" عن الثقة عنده، عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ مأمونٌ، وقال أحمد بن صالح المصريّ: إذا رأيت بكير بن عبد الله رَوَى عن رجل، فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شك فيه، وقال البخاريّ في "التاريخ الكبير": كان من صلحاء الناس، وهَلَك في زمن هشام، وقال ابن البراء، عن على بن المدينيّ: أدركه مالك، ولم يَسمع منه، وكان بكير سيء الرأي في ربيعة، فأظنه تركه من أجل ربيعة، وإنما عَرَف مالك بكيرًا بنظره في كتاب مخرمة، وقال الواقديّ: كان يكون كثيرًا بالثغْر، وقَلَّ مَن يروي عنه من أهل المدينة، وقال بشر بن عمر الزهرانيّ: قلت لمالك: سمعت من بكير؟ فقال: لا، وقال يحيى بن بُكير: بنو عبد الله بن الأشجّ ثلاثة لا أدري أيُّهم أفضل، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" في أتباع التابعين من صلحاء الناس، وقال: كان من خيار أهل المدينة، وقال الحاكم: لم يثبت سماعه من عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وإنما روايته عن التابعين. وقال ابن نُمير: تُوُفي سنة (١١٧) وقال الترمذيّ: مات سنة (١٢٠)، وقال عمرو بن عليّ: سنة (٢٢)، وقال الواقديّ: سنة (٢٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٥) حديثًا. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ) - بفتح الياء والهاء، وإسكان النون بينهما - ومعناه: لا يَدْفَعه، ويُنْهِضه، ويُحَرِّكه إلا الصلاة، قال أهل اللغة: نَهَزْتُ الرجلَ أَنْهَزُه: إذا دفعته، ونَهَزَ رأسَهُ: أي حَرَّكه، قال صاحب "المطالع": وضبطه بعضهم: يُنْهِزه بضم الياء، وهو خطأ، ثم قال: وقيل: هي لغة. انتهى (١).

стр. 3374

وقال الفيّوميّ: نَهَزَ نَهْزًا -، من باب نَفَعَ: نَهَضَ ليتناول الشيءَ، قال الأزهريّ: وأصل النّهْز: الدفع، وانتهز الْفُرْصَة: انتَهَضَ إليها مُبادرًا. انتهى (١). وفي هذا الحديث الحثُّ على الإخلاص في الطاعات، وأن تكون مُتَمَحِّضةً لله تعالى. (غُفِرَ لَهُ مَا خَلَا مِنْ ذَنْبِهِ) أي الذي مضى، وسبق من معاصيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٥٤] (٢٣٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٣٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٥٤٩)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أَولَ الكتاب قال: [٥٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، ويونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمَا، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاة، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَة، فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاس، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَة، أَوْ فِي الْمَسْجِد، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ").

стр. 3375

رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٤ - (الْحُكَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِي) هو: حُكَيم - بضم أوله، مصغّرًا - ابن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمة بن الْمُطَّلب بن عبد مناف المطَّلبيّ المصريّ، صدوقٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، ونافع بن جُبير بن مُطعِم، وعامر بن سعد، وعبد الله بن أبي سَلَمة الماجشون. ورَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، والليث، وعمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة، وعبيد الله بن المغيرة، وحُنين بن أبي حَكِيم المصريون. قال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن يونس: ذكر الْعَدّاس أنه تُوُفّي بمصر سنة (١١٨). أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٣٢) وحديث (٣٨٦): "من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد … ". ٥ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن مُطعِم النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ص ٤٨٢. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) - واسم أبي سلمة: ميمون، ويقال: دينار - الماجِشُونُ التيميّ، مولى آل الْمُنكدر، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، ومسعود بن الحكم الزُّرَقيّ، والْمِسْوَر بن مَخْرَمة، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعمرو بن سُلَيم، ومعاذ بن عبد الرحمن التيميّ، وعروة بن الزبير، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد العزيز، وبكير بن الأشجّ، وحُكَيم بن عبد الله بن

стр. 3376

قيس، وعمر بن حسين المكيّ، قاضي المدينة، وابن إسحاق، وأبو الزبير، ويزيد بن الهاد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاريّ عن هارون بن محمد بن عبد الملك بن الماجشون قال: هَلَك جدّي سنة ست. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (٢٣٢) و (٧٧١) و (١٢٨٤) وأعاده، و (١٥٣٦). ٧ - (مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عثمان بن عُبيد الله بن عثمان بن عمرو بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ المدنيّ، من آل طلحة، ولأبيه صحبة، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وحُمْران بن أبان مولى عثمان، وقيل: إنه سمع من عمر، قال البخاريّ، وأبو حاتم: ولا يصحّ. ورَوَى عنه أخوه عثمان، ونافع بن جبير بن مُطعم، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، والزهريّ، وابن المنكدر، وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن فتحون في "الصحابة"، وعزاه لخليفة بن خياط، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (٢٣٢) و (١١٩٧). [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه اجتمع فيه خمسة من التابعين: حُكَيم، ونافع بن جُبير، وعبد الله بن أبي سلَمَة، ومعاذ بن عبد الرحمن، وحُمران، وعبد الله، ومعاذ كلاهما يرويان عن حمران، ففيه رواية أربعة من التابعين، بعضهم عن بعض، وأنه مسلسل بالمصريين إلى عمرو، وما بعده مسلسلٌ بالمدنيين. وقوله: (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أي أتمّ الوضوء بمراعاة واجباته، ومستحبّاته، فيتوضّأ ثلاثًا ثلاثًا. وقوله: (أَوْ مَعَ الْجَمَاعَة، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ) "أو" في الموضعين للشكّ من الراوي.

стр. 3377

وفي رواية البخاريّ في "كتاب الرقاق" من "صحيحه": "ثم أتى المسجد، فركع ركعتين"، ولفظه: (٦٤٣٣) حدثنا سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم القرشيّ، قال: أخبرني معاذ بن عبد الرحمن، أن حُمْران بن أبان أخبره، قال: أتيت عثمان بن عفان بطُهُور، وهو جالس على المقاعد، فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت النبيّ ﷺ توضأ، وهو في هذا المجلس، فأحسن الوضوء، ثم قال: "من توضأ مثل هذا الوضوء، ثم أتى المسجد، فركع ركعتين، ثم جَلَس، غُفر له ما تقدم من ذنبه"، قال: وقال النبيّ ﷺ : "لا تَغْتَرُّوا". قال في "الفتح": قوله: "ثم أتى المسجد، فركع ركعتين، ثم جلس" هكذا أطلق صلاة ركعتين، وهو نحو رواية ابن شهاب الماضية في "كتاب الطهارة"، وقيّده مسلم في روايته من طريق نافع بن جبير، عن معاذ بن عبد الرحمن بلفظ: "ثم مَشَىَ إلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد"، وكذا وقع في رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران عنده: "فيصلي صلاةً"، وفي أخرى له عنه: "فيصلي الصلاة المكتوبة"، وزاد: "إلا غَفَر الله له ما بينها وبين الصلاة التي تليها"؛ أي التي بعدها (١)، وفيه تقييد لما أُطلق في قوله في الرواية الأخرى: "غفر الله له ما تقدم من ذنبه"، وأن التقدم خاصّ بالزمان الذي بين الصلاتين، وأصرح منه في رواية أبي صخرة، عن حمران عند مسلم أيضًا: "ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كُتِب عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارة لما بينهن"، وتقدم من طريق عروة، عن حمران: "إلا غُفِر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها"، وله من طريق عمرو بن سعيد بن العاص، عن عثمان بنحوه، وفيه تقييده بمن لم يَغْشَ الكبيرة. والحاصل أن لحمران عن عثمان ﵁ حديثين في هذا: أحدهما مقيد بترك حديث النفس، وذلك في صلاة ركعتين مطلقًا غيرَ مقيد بالمكتوبة، والآخر في الصلاة المكتوبة في الجماعة، أو في المسجد من غير تقييد بترك حديث النفس. انتهى (٢).

стр. 3378

وقوله: "وَلَا تَغْتَرُّوا": أي بتكفير الذنوب بهذا الوضوء وصلاة ركعتين بعده كما سبق بيان ذلك، فتستكثروا من الأعمال السيّئة، وقال في "الفتح": أي لا تحملوا الغفران على عمومه في جميع الذنوب، فتسترسلوا في الذنوب اتّكالًا على غفرانها بالصلاة، فإن الصلاة التي تُكفّر الذنوب هي المقبولة، ولا اطّلاع لأحد عليه، أو أن الْمُكَفَّرَ بالصلاة هي الصغائر، فلا تغترّوا، فتعملوا الكبيرة بناءً على تكفير الذنوب بالصلاة، فإنه خاصّ بالصغائر، أو لا تستكثروا من الصغائر، فإنها بالإصرار تُعطَى حكم الكبيرة، فلا يُكفّرها ما يُكفّر الصغيرة، أو ذلك خاصّ بأهل الطاعة، فلا يناله من هو مُرتبِكٌ في المعصية (١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا من رواية معاذ بن عبد الرحمن متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٤/ ٥٥٥] (٢٣٢)، و (البخاريّ) في "الرقاق" (٦٤٣٣)، و (النسائيّ) في "الصلاة" من "المجتبى" (٨٥٦)، و"الكبرى" (٩٢٩ و ١٧٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٦٤ و ٦٧ و ٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٥٠)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابٌ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٦] (٢٣٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ

стр. 3379

حُجْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي (١) الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَة، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قَالَ: "الصَّلَوَاتُ (٢) الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَة، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَلِي بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ) - بضمّ الحاء المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف - أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٦ - (أَبُوهُ) هو: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُهَنيّ، مولى الْحُرَقَة، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه.

стр. 3380

٤ - (ومنها): أن صحابيه أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قَالَ: "الصَّلَوَاتُ) ووقع في بعض النسخ: "الصلاة" بالإفراد، وهو بمعنى الجنس؛ لأن "أل" فيه للجنس (الْخَمْسُ) المراد أن بعض الصلوات الخمس مضافًا إلى بعضها مكفّر، وليس المراد أن الصلوات الخمس مضافة إلى الصلوات الخمس مكفّرة، ووقع في روايةٍ عند الإمام أحمد ﵀ بلفظ: "الصلاة إلى الصلاة التي قبلها كفّارة"، ونصّه: (٦٨٣٢) حدثنا هشيم، أخبرنا العوام بن حَوْشب، عن عبد الله بن السائب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي بعدها كفارة لما بينهما - قال: - والجمعة إلى الجمعة، والشهر إلى الشهر - يعني رمضان إلى رمضان - كفارة لما بينهما - قال: ثم قال بعد ذلك: - إلا من ثلاث - قال: فعرفت أن ذلك الأمر حَدَثَ - إلا من الإشراك بالله، ونكث الصَّفْقة، وترك السنة". قال: أما نكث الصفقة أن تبايع رجلًا، ثم تخالف إليه تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة. وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ١١٩ - ١٢٠) ووافقه الذهبيّ (١). وقال الطيبيّ ﵀ ما حاصله: إنما ذهبنا إلى أن الصلاة إلى الصلاة مكفِّرة ما بينهما، دون خمس صلوات إلى خمس صلوات؛ لما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أنه سَمِعَ رسول الله ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نَهْرًا بباب أحدكم، يغتسل فيه كلَّ يوم خمسًا، ما تقول ذلك يُبقي من درنه؟ " قالوا:

стр. 3381

لا يُبقي من درنه شيئًا، قال: "فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس، يمحو الله به الخطايا". انتهى كلام الطيبيّ ﵀ بإيضاح (١). (وَالْجُمْعَةُ) قال الفيّوميّ ﵀: يوم الجمعة سُمّي بذلك؛ لاجتماع الناس فيه، وضمّ الميم لغة الحجاز، وفتحها لغة بني تميم، وإسكانها لغة عُقَيل، وقرأ بها الأعمش، وجمعه جُمَعٌ، وجُمْعَات، مثلُ غُرَفٍ، وغُرْفَاتٍ في وجوهها. انتهى (٢). (إِلَى الْجُمْعَةِ) زاد في رواية إسحاق مولى زائدة الآتية: "ورمضان إلى رمضان". قال الطيبيّ ﵀ قوله: "الجمعة إلى الجمعة" المضاف محذوف: أي صلاة الجمعة، و"إلى" متعلّق بالمصدر؛ أي صلاة الجمعة منتهيةً إلى صلاة الجمعة، وعلى هذا صوم رمضان منتهيًا إلى صوم رمضان، وقوله: (كفَّارَةٌ) خبر عن الكلّ، أفرده باعتبار كلّ واحد منها، وفي رواية ابن سيرين التالية: "كفّارات" بالجمع، وهو واضح، والتكفير: معناه التغطية، والمراد به هنا المحو، وقوله: (لِمَا بَيْنَهُنَّ) متعلّق بـ "كفّارة"، ودخلت فيه اللام، وإن كان فعله متعدّيًا؛ تقوية له؛ لكونه فرعًا في العمل، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] (مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ") ببناء الفعل للمفعول، و"الكبائر" نائب فاعله، و"ما" مصدريّة ظرفيّة: أي مدّة عدم غشيان الكبائر؛ أي فعل المعاصي الكبار. ثم ظاهر الحديث يفيد أن التكفير مشروط باجتناب الكبائر، فإن لم يَجتنبها لم تُكَفَّر الصغائر، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١]، وهذا إنما يلزم عند من يقول بمفهوم المخالفة، وأما من لم يقل بمفهوم المخالفة، فأمر تكفير الصغائر وقت ارتكاب الكبائر مسكوت عنه عنده، وقد عُلِم من الأدلّة الأخرى أنه تغفر الصغائر بالطاعات، وإن لم تُجتَنَب الكبائر، وقيل في توجيه الآية: أن محو الصغائر لمن اجتنب الكبائر وعدٌ مقطوع به، ومحوها لمن تعاطى الكبائر ليس كذلك، بل في مشيئة الله تعالى وإرادته.

стр. 3382

وقال النوويّ ﵀: معنى الحديث: أن ما بينهنّ من الذنوب كلّها مغفورة إلا الكبائر، لا يكفّرها إلا التوبة، أو فضل الله تعالى، هذا مذهب أهل السنّة. وقال الشيخ محمد طاهر الفتّني ﵀: لا بُدّ في حقوق الناس من القصاص، ولو صغيرة، وفي الكبائر من التوبة. ثم إنه ورد المغفرة في الصلوات الخمس، والجمعة، ورمضان، فإذا تكرّرت يُغفَر بأولها الصغائر، والباقي يُخفَّف بها عن الكبائر، وإن لم تُصادف صغيرة، ولا كبيرةً تُرفع بها الدرجات. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٥/ ٥٥٦ و ٥٥٧ و ٥٥٨] (٣٣٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٢١٤)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٠٨٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٩ و ٤٠٠ و ٤١٤ و ٤٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٥١ و ٥٥٢ و ٥٥٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣١٤ و ١٨١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٤٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٦٧) و (١٠/ ١٨٧)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٧] ( … ) - (حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجمْعَة، كَفارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ").

стр. 3383

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيّ) البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠، وهو أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى بن محمد، وقيل: ابن شَرَاحيل القرشيّ البصريّ الساميّ، من بني سامة بن لؤي، أبو محمد، ويُلَقّب أبا همام، وكان يغضب منه، ثقة [٨]. روى عن حميد الطويل، ويحيى بن أبي إسحاق الحضرميّ، وعبيد الله بن عمر، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وابن إسحاق، وجماعة. وروى عنه إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن المديني، وعمرو بن علي الصيرفي، وإبراهيم بن موسى الرازي، وعبيد الله بن عمر القواريري، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: لا بأس به. وقال أحمد: كان يرى القدر. وقال ابن سعد: لم يكن بالقوي. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عبد الأعلى قال: فرغت من حاجتي من سعيد - يعني ابن أبي عروبة - قبل الطاعون؛ يعني أنه سمع منه قبل الاختلاط. وقال العجليّ: بصري ثقة. وقال ابن خلفون: يقال: إنه سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، وهو ثقة. قاله ابن نمير، وابن وضاح، وغيرهما. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا في الحديث، داعية إليه. قال عمرو بن علي، وابن حبّان: مات سنة (١٩٨) في شعبان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦١) حديثًا. ٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ القُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٤ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.

стр. 3384

والصحابيّ تقدّم في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٨] … (-) (حَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِر، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ، مَوْلَى زَائِدَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَة، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ") (٢). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو صَخْرٍ) هو: حُميد بن زياد، أبو صخر بن أبي المخارق الْخَرّاط، صاحب الْعَبَاء، مدنيّ سكن مصر، وقال أبو مسعود الدمشقيّ: حميد بن صَخْر، أبو مودود الْخَرّاط، ويقال: هما اثنان، صدوقٌ يَهِمُ [٦]. رأى سهل بن سعد، وروى عن أبي صالح السمان، وأبي حازم سلمة بن دينار، ونافع مولى ابن عمر، وكريب، ومكحول، وأبي سعيد المقبريّ، ويزيد بن قسيط، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد بن أبي أيوب، وحَيْوَة بن شُريح، وابن وهب، ويحيى القطان، وضمام بن إسماعيل، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن يحيى: ليس به بأس. وقال إسحاق بن منصور، وابن أبي مريم عن يحيى: ضعيف، وكذا قال النسائي. وقال ابن عدي - بعد أن روى له ثلاثة أحاديث -: وهو عندي صالح، وإنما أُنكِر عليه هذان الحديثان: "المؤمن يألف"، وفي القدرية، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيمًا، ثم قال في موضع آخر: حميد بن صخر، وعنه

стр. 3385

حاتم بن إسماعيل، ضعفه النسائي، وأخرج له ابن عدي غير تلك الأحاديث، وقال: وله أحاديث، وبعضها لا يتابع عليه. وكذا فرّق بينهما ابن حبان، وبَيَّن البغوي في "كتاب الصحابة" أن حاتم بن إسماعيل وَهِمَ في قوله: حميد بن صخر، وإنما هو حميد بن زياد، أبو صخر، وهو مدني صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو إسحاق الصريفيني: مات سنة (٨٩) وقيل: سنة (١٩٢)، قال الحافظ: رأيت ذلك بخط مغلطاي، وفيه نظر. انتهى (١). أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذي، والنسائيّ في "مسند علي ﵁"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث، برقم (٢٣٣) و (٩٤٥) و (٩٤٨) و (١١٨٧) و (١٣٩٨) و (١٩٦٧) و (٢٨١٥) و (٢٨٢٠) و (٢٨٢٥) و (٢٩٧٤). [تنبيه]: "أبو صخر" هذا غير أبي صخرة الذي تقدّم في الباب الماضي، وهو جامع بن شدّاد، فإن ذاك بالهاء في آخره، وهذا ليس في آخره هاء، فتنبّه للفرق بينهما، والله تعالى أعلم. ٢ - (عُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ، مَوْلَى زَائِدَةَ) المدنيّ، ثقةٌ (٢) [٦]. رَوَى عن أبيه، وعنه أبو صخر، حميد بن زياد، وأسامة بن زيد الليثيّ، قال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. ٣ - (أَبُوهُ) هو: إسحاق مولى زائدة، ويقال: إسحاق بن عبد الله، والد عمر، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وسعد بن أبي وقاص.

стр. 3386

ورَوَى عنه ابنه عمر، وأبو صالح السمّان، والعلاء بن عبد الرحمن، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال أحمد بن رِشْدين: سألت أحمد بن صالح عن إسحاق بن عبد الله، وإسحاق مولى زائدة، فقال: واحدٌ، وقال ابن أبي حاتم: إسحاق المدنيّ، عن أبي هريرة مجهول، رَوَى عنه ابنه عبد الله، قال أبو حاتم: ناظرت فيه أبا زرعة، فلم أَرَهُ يَعرفه، فقلت: يمكن أن يكون إسحاق أبا عبد الله الذي رَوَى مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، وإسحاق أبي عبد الله، عن أبي هريرة. انتهى. قال في "التهذيب" (١): والحديث المذكور في "الموطأ"، وهو الذي أخرجه النسائيّ في المشي إلى الصلاة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والمصنّف له عنده هذا الحديث فقط، وأبو داود، والنسائيّ. وقوله: (وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ) فيه جواز قول: "رمضان" من غير إضافة "شهر" إليه، وهذا هو الصواب، خلافًا لمن أنكر ذلك، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه من "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر الأصول: "اجتَنَبَ" آخره باء موحّدة، و"الكبائر" منصوب؛ أي إذا اجتنب فاعلها الكبائرَ، وفي بعض الأصول: "اجتُنبتْ" بزيادة تاء مثنّاة في آخره، على ما لم يُسَمّ فاعله، ورفع "الكبائرُ" على أنه نائب فاعله، وكلاهما صحيح ظاهر. انتهى كلام النوويّ ﵀ بزيادة إيضاح (٢)، وتمام شرح الحديث، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 3387

(٦) - (بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٥٩] (٢٣٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ - عَنْ أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (حَ) وَحَدَّثَيي أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِل، فَجَاءَتْ نَوْبَتي، فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قَائِمًا، يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْن، مُقْبِل (١) عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهَه، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ"، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِه، فَإِذَا قَائِل بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا عُمَرُ، قَالَ: إِنّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا، قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُبْلِغُ - أَوْ - فَيُسْبغُ الْوَضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) المعروف بالسمين البغداديّ، مروزيّ الأصل،، صدوق ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠]، (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ إمام [٩] (١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدير - بالمهملة، مصغّرًا - ابن سعيد بن سَعْد بن فِهْر الحضرميّ، أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الرحمن الحمصيّ، أحد

стр. 3388

الأعلام، وقاضي الأندلس، وقيل في نسبه غير ذلك، صدوق له أوهام [٧]. رَوَى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، ومكحول الشامي، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوري، والليث بن سعد، وابن وهب، ومعن بن عيسى، وزيد بن الحباب، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: خرج من حمص قديمًا، وكان ثقة. وقال جعفر الطيالسي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة والدوري في "تاريخهما" عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالح. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بمرضي، هكذا نقله ابن أبي حاتم عن الدُّوريّ، وليس ذلك في "تاريخه". وقال الليث بن عَبْدَة: قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا تحدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: أَيْشٍ هذه الأحاديث؟. وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: ما كنا نأخذ عنه. قال علي: وكان عبد الرحمن بن مهدي يوثقه. وقال أبو صالح الفراء عن أبي إسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يُروَى عنه. وقال العجلي والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة محدث. وقال ابن سعد: كان بالأندلس قاضيًا لهم، وكان ثقة، كثير الحديث، حج مرة واحدة، فلقيه من لقيه من أهل العراق. وقال محمد بن عوف، عن يزيد بن عبد ربه: خرج من حمص سنة خمس وعشرين ومائة، فسار إلى الغرب، فَوَلِيَ قضاءهم، قال: وسمعت أبا صالح يقول: مر بنا معاوية بن صالح حاجًّا سنة أربع وخمسين، فكتب عنه أهل مصر، وأهل المدينة - يعني ومن بمكة -. وقال حميد بن زنجويه: قلت لعلي ابن المديني: إنك تطلب الغرائب، فَأتِ عبد الله بن صالح، فاكتب عنه كتاب معاوية بن صالح، تستفيد منه مائتي حديث. وقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه، ومنهم من يرى أنه وسط، ليس بالثبت، ولا بالضعيف، ومنهم من يضعفه. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال ابن عمار: زعموا أنه لم يكن يدري أيّ شيء في الحديث. وقال ابن عديّ: له حديث صالح، وما أرى بحديثه بأسًا، وهو عندي صدوق، إلا أنه يقع في حديثه إفرادات. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: قدم مصر سنة

стр. 3389

خمس وعشرين، ثم دخل الأندلس، فلمّا مُلّك عبد الرحمن بن معاوية الأندلس، اتصل به، فأرسله إلى الشام في بعض أمره، فلما رجع إليه ولاه قضاء الجماعة بالأندلس. وتُوفي سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال سعيد بن أبي مريم: سمعت خالي موسى بن سلمة يقول: أتيت معاوية بن صالح لأكتُب عنه، فرأيت عنده - أُراه قال: - الملاهي، فقال: ما هذا؟ قال: شيء يُهديه إلي صاحب الأندلس، قال: فتركته، ولم أكتُب عنه. وقال العجلي: حمصي ثقة. وقال البزار: ليس به بأس. وقال أيضًا: ثقة. وقال محمد بن وَضّاح: قال لي يحيى بن معين: جمعتم حديث معاوية بن صالح؟ قلت: لا، قال: أضعتم - والله - علمًا عظيمًا. وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن: قال محمد بن أحمد بن أبي خيثمة: أردت أن أدخل الأندلس، حتى أُفَتِّش عن أصول كتب معاوية بن صالح، فلما قدمت طلبت ذلك، فوجدت كتبه قد ذهبت؛ لسقوط همم أهله. وكان معاوية يُغرب بحديث أهل الشام جدًّا، واجتمع معاوية مع زياد بن عبد الرحمن شَبَطُون، وكان ختنه عند مالك بن أنس، فسأل معاوية مالكًا عن مسائل، فقال زياد لمالك: كيف رأيت معاوية؟ فقال: ما سألني قط أحد مثل معاوية. وأَرَّخ أبو مروان بن حبان، صاحب "تاريخ الأندلس" وفاته سنة اثنتين وسبعين ومائة، وحَكَى ذلك عن جماعة، واستغرب قول أحمد بن كامل: إنه توفي بالمشرق سنة نيف وخمسين. أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: ربيعة بن يزيد الإِيَاديّ، أبو شعيب القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤]. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والنعمان بن بشير، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن حَوَالة ولم يدركه، وجبير بن نفير، وأبي كَبْشة السَّلُولي، وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن يزيد الدمشقي، وحيوة بن شُريح، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومعاوية بن صالح، والفرج بن فضالة، وغيرهم. قال

стр. 3390

العجلي، وابن عمار، وبعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والنسائي: ثقة. وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: لم يكن عندنا أحدٌ أحسنُ سمتًا في العبادة من مكحول، وربيعة بن يزيد. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من خيار أهل الشام. وقال ابن سعد: كان ثقة. قال أبو مسهر: مات بإفريقية في إمارة هشام بن إسماعيل، خرج غازيًا فقتله الْبَرْبَر. وقال ابن يونس: قتلته البربر سنة (١٢٣). وأرّخه ابن أبي عاصم سنة (٢١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط برقم (٢٣٤) و (٤٥٤) و (٥٤٢) و (١٠٣٧) و (١٠٤٣) و (١١٢٠) و (١٨٥٥) و (١٩٣٠) و (٢٥٧٧) و (٢٧٣٥). ٥ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله بن عمرو، ويقال: عَيِّذُ الله بن إدريس بن عائذ بن عبد الله بن عُتبة بن غَيْلان بن مكين الْعَوْذيّ، ويقال: الْعَيْذيّ أيضًا، ثقة ثبت، من كبار التابعين، من علماء أهل الشام، وعُبّادهم، وقُرّائهم [٢]. رَوَى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وبلال، وثوبان، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وعوف بن مالك، والمغيرة، ومعاوية، والنواس بن سمعان، وأبي ثعلبة الخشني، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، وربيعة بن يزيد، وبسر بن عبيد الله، وعبد الله بن ربيعة بن يزيد، والقاسم بن محمد، والوليد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ومكحول، وغيرهم. قال مكحول: ما رأيت أعلم منه. وقال الزهري: كان قاصّ أهل الشام وقاضيهم في خلافة عبد الملك. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس عالم الشام بعد أبي الدرداء. وقال أبو زرعة الدمشقي: أحسن أهل الشام لُقِيًّا لأجلّة أصحاب رسول الله ﷺ : جُبير بن نُفير، وأبو إدريس، وقد قلت لدحيم: مَن المقدم منهم؟ قال: أبو إدريس. قال أبو زرعة: وأبو إدريس أروى عن التابعين من جُبير بن نُفير، فأما معاذ بن جبل، فلم يصح له سماع، وإذا حدث

стр. 3391

أبو إدريس عن معاذ أسند ذلك إلى يزيد بن عَمِيرة. قال أبو زرعة: قال محمد بن أبي عُمر عن ابن عُيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس أنه أدرك عُبادة بن الصامت، وأبا الدرداء، وشداد بن أوس، وفاته معاذ بن جبل. قال أبو زرعة: وقد حدثنا محمد بن المبارك، ثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي إدريس، قال: جلست خلف معاذ بن جبل، وهو يصلي، فلما انصرف من الصلاة، قلت: إني لأحبك لله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتحابّون في الله في ظلّ عرشه، يوم لا ظل إلا ظلّه" (١)، قال أبو زرعة: وقال هشام عن صدقة، عن ابن جابر، عن عطاء الخراساني: سمعت أبا إدريس نحوه، قال: وحدثني سليمان، عن خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبي إدريس، قال أبو زرعة: أبو إدريس يَروي عن أبي مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غَنْم، وكلاهما يحدثان بهذا الحديث، عن معاذ، والزهري يحفظ عن أبي إدريس أنه لم يسمع من معاذ، والحديث حديثهما. وقال أبو عمر بن عبد البر: سماع أبي إدريس من معاذ عندنا صحيح، من رواية أبي حازم وغيره، فلعل رواية الزهري عنه أنه فاتني معاذ بن جبل في معنى من المعاني، وأما لقاؤه وسماعه منه فصحيحٌ غير مدفوع، وقد سُئل الوليد بن مسلم، وكان عالمًا بأيام أهل الشام: هل لقي أبو إدريس معاذ بن جبل؟ قال: نعم أدرك معاذ بن جبل، وأبا عبيدة، وهو ابن عشر سنين، وُلد يوم حُنين، سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول ذلك. قال ابن معين وغيره: مات سنة ثمانين. قال الحافظ: إذا كان وُلد في غزوة حُنين، وهي في أواخر سنة ثمان، ومات معاذ سنة ثمان عشرة، فيكون سنّه حين مات معاذ تسع سنين ونصفًا أو نحو ذلك، فيبعد في العادة أن يُجاري معاذًا في المسجد هذه المجاراة، أو يخاطبه هذه المخاطبة على ما اشتهر من عادتهم، أنهم لا يطلبون العلم إلا بعد البلوغ، والجمعُ الذي جمع به ابن عبد البر، قد سبقه إليه الطحاوي في "مشكله"، وساقه من طُرُق كثيرة إلى أبي إدريس، أنه سمع معاذًا، وعبادة بالقصة المذكورة.

стр. 3392

وقال العجلي: دمشقي تابعي ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن سعد: ثقة. وقال أبو مسهر: لم نجد له ذكرًا بعد عبد الملك. وقال الهيثم بن عدي: تُوفي زمن عبد الملك. وذكره الطبري في طبقات الفقهاء في نفر من أهل الشام، أهلِ فقه في الدين، وعلم بالأحكام والحلال والحرام، ورَوَى مالك عن أبي حازم، عن أبي إدريس، قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا أنا بفتًى بَرّاق الثنايا، فسألت عنه، فقالوا: معاذ، فلما كان الغد هَجّرت، فوجدته يصلي، فلما انصرف سلمت عليه، فقلت: والله أني لأحبّك … الحديث، وهو الذي أشار إليه ابن عبد البر. وقال البخاري: لم يسمع من عمر. وقال ابن حبان في "الثقات": ولاه عبد الملك القضاء بعد عزل بلال بن أبي الدرداء، وكان من عباد أهل الشام وقرائهم، ولم يسمع من معاذ. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: أسمع أبو إدريس من معاذ؟ فقال: يختلفون فيه، فأما الذي عندي فلم يسمع منه. قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: لم يسمع من معاذ هو الأرجح عندي، لأن أبا زرعة الدمشقيّ أعلم الناس بأحوال أهل الشام، وتواريخهم، وقد نفاها، فيكون هو الأرجح، والله تعالى أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. ٦ - (أَبُو عُثْمَانَ) قال في "التقريب": قيل: هو سعيد بن هانئ الْخَولانيّ، وقيل: حَرِيز بن عثمان، وإلا فمجهول [٣]. وقال في "تهذيب التهذيب": أبو عثمان عن جُبير بن نُفَير، عن عقبة بن عامر، عن عمر حديث: "من أحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله … " الحديث، وقيل: عن أبي عثمان، عن عقبة من غير ذكر جُبَير، وقيل: عن أبي عثمان، عن عمر نفسه. وعنه ربيعة بن يزيد الدمشقيّ، ومعاوية بن صالح، والصحيح عن معاوية، عن ربيعة، عنه، قال أبو بكر بن منجويه: يُشبه أن يكون سعيد بن هانئ الخولانيّ المصريّ، وقال ابن حبّان: يُشبه أن يكون حَرِيز بن عُثمان الرَّحَبيّ، وقال الذهبيّ: أبو عثمان لا يُدرى من هو؟، وخرّج له مسلم متابعةً. انتهى.

стр. 3393

أخرج له المصنّف، والأربعة سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ) - بنون، وفاء مصغّرًا - ابن مالك بن عامر الحضرميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الحمصيّ، ثقة، جليل، مخضرم [٢]. أدرك زمان النبي ﷺ ، وروى عنه، وعن أبي بكر الصديق ﵁ مرسلًا، وعن عمر بن الخطاب ﵁، وفي سماعه منه نظر، وعن أبيه، وأبي ذر، وأبي الدرداء، والمقداد بن الأسود، وخالد بن الوليد، وعبادة بن الصامت، وابن عمر، ومعاوية، والنّوّاس بن سَمْعان، وثوبان، وعقبة بن عامر الْجُهَنيّ، وخلق. وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومكحول، وخالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وأبو عثمان، وليس بالنَّهْديّ، وحبيب بن عُبيد، وصفوان بن عمرو، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة، من كبار تابعي أهل الشام. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: رفع دُحيم من شأن جبير بن نفير، وقَدّم أبا إدريس عليه. وقال النسائي: ليس أحدٌ من كبار التابعين أحسن روايةً عن الصحابة من ثلاثة: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وجُبير بن نُفير. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: أدرك الجاهلية، ولا صحبة له. وقال سليم بن عامر عن جبير: استقبلت الإسلام من أوله. وقال أبو زرعة: هو أسن من إدريس (١) لأنه قد ثبت له إدراك عمر، وسمع كتابه يقرأ بحمص. وقال ابن سعد: كان ثقة فيما يروي من الحديث. وقال ابن خراش: هو من أجلّ تابعي الشام. وكذا قال الآجري عن أبي داود. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور بالعلم. وذكره الطبري في طبقات الفقهاء. وقال معاوية بن صالح: أدرك إمارة الوليد بن عبد الملك. انتهى. قال الحافظ: فإن صحّ ذلك، فيكون عاش إلى سنة بضعٍ؛ لأن الوليد

стр. 3394

ولي سنة (٨٦) والله أعلم. قال أبو حسان الزياديّ: مات سنة (٧٥) وكان جاهليًّا أسلم في خلافة أبي بكر، ويقال: مات سنة (٨). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٨ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) بن عَبْس بن عمرو بن عَدِيّ بن عمرو بن رِفَاعة بن مَودُوعة بن عديّ بن غَنْم بن رَبْعَة بن رِشدان بن قيس بن جُهَينة الْجُهَنيّ الصحابيّ المشهور. اختُلف في كنيته، فقيل: أبو حماد، ويقال: أبو سَعّاد، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو عَبْس، ويقال: أبو أسد، ويقال: أبو الأسود. رَوَى عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وعن عمر، ورَوَى عنه أبو أُمامة، وابن عباس، وقيس بن أبي حازم، وجُبير بن نُفير، وبَعْجَة بن عبد الله الْجُهني ودُخَين بن عامر، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وأبو عليّ ثُمامة بن شُفَيّ، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وعُلَيّ بن رَبَاح، وأبو الخير، مَرْثَد بن عبد الله الْيَزَنِيّ، ومِشْرَح بن هَاعَان، وأبو إدريس الخولانيّ، وأبو عُشّانة الْمَعَافريّ، وكَثِير بن مُرَّة الْحَضرميّ، وغيرهم. وَليَ إِمْرَة مصر مِن قِبَل معاوية سنة (٤٤)، قال الواقديّ: تُوُفّي في آخر خلافة معاوية، ودُفِن بِالْمُقَطَّم، وقال خليفة: مات سنة ثمان وخمسين، قلت: قال أبو سعيد بن يونس: كان قارئًا عالِمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرًا كاتبًا، وكانت له السابقة والهجرة، وهو أحد مَن جَمَع القرآن، ومصحفُهُ بمصر إلى الآن بخطه على غير التأليف الذي في مصحف عثمان، وفي آخره بخطه: وكتب عقبة بن عامر بيده، وفي "صحيح مسلم" عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر، وكان من رُفَقَاء أصحاب محمد ﷺ ، وشَهِد عقبة بن عامر الفتوح، وكان هو البَرِيدَ إلى عمر ﵁ بفتح دمشق، وشَهِدَ صفّين مع معاوية، وأمّره بعد ذلك على مصر. وقال أبو عمر الكنديّ في "أُمراء مصر": جَمَع له معاوية الصلاة والخراج، وكان قارئًا فقيهًا مُفَرِّضًا شاعرًا، قديم الهجرة والسابقة والصحبة، قال: ولما أراد عزله كتَبَ إليه أن يغزو رُودِس، وأرسل له مَسْلَمَة بن مُخَلَّدٍ

стр. 3395

أميرًا، فخرج مع عقبة إلى إسكندرية، فلما توجه عقبة سائرًا، استولى مَسْلَمة على الإمارة، فبلغ ذلك عقبة، فقال: سبحان الله أعَزلًا، وغُرْبَةً؛ وذلك في ربيع الأول سنة (٤٧). وقال ابن حجان في "الصحابة": كان من الرُّمَاة، كان يَصْبُغ بالسواد، ويقول: نُسَوِّد أعلاها، وتأبى أصولها. وروى أبو زرعة الدمشقيّ في "تاريخه" عن عُبادة بن نُسَيّ قال: رأيت جماعة على رجل في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو يحدثهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: عقبة بن عامر الْجُهَنِيّ، قال أبو زرعة: فذَكَرتُ ذلك لأحمد بن صالح، فأَنكَر، وقال: هذا غلطٌ، مات عقبة في خلافة معاوية، وكذلك أرّخه الواقديّ وغيره، وزادوا: في آخرها. وقال خليفة بن خَيّاط في "تاريخه": وقتل في سنة (٣٨) في النَّهْرَوَان مِن أصحاب عليّ أبو عامر عقبة بن عامر الجهنيّ. قال الحافظ (١): كذا ذكر في "تاريخه"، وهو نقل غريبٌ جدًّا، إن صَحَّ فهو رجل آخر غير عقبة بن عامر الصحابيّ؛ لاتفاقهم على أن الصحابيّ وَليَ إِمْرة مصر لمعاوية، وذلك بعد سنة (٤٠) قطعًا. انتهى (٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن فيه كتاب (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنّف في هذا الحديث إسنادان: [أحدهما]: سند محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهديّ،

стр. 3396

عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَولانيّ، عن عقبة بن عامر ﵁. [والثاني]: سند محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر ﵁. فمحلّ التحويل هو معاوية بن صالح، فأول السند إليه متّحد، وهو يرويه بالإسنادين، وقد اختُلف في ذلك، على ما نوضّحه الآن، فنقول: (اعلم): أن العلماء اختلفوا في القائل بعد إشارة التحويل: "وحدثني أبو عثمان" مَن هو؟ فقيل: هو معاوية بن صالح، وهو الصواب، وقيل: ربيعة بن يزيد، قال الحافظ أبو عليّ الْغَسّانيّ الْجَيّانيّ ﵀ في كتابه "تقييد المهمل": القائل في هذا الإسناد: "وحدّثني أبو عثمان" هو معاوية بن صالح، وكتب أبو عبد الله بن الْحَذّاء في نسخته: "قال ربيعة بن يزيد: وحدثني أبو عثمان، عن جبير، عن عقبة"، قال أبو عليّ: والذي أَتَى في النسخ الْمَرْوِيّة عن مسلم - كما ذكرناه أوّلًا - هو الصواب، والذي أَتَى به أبو عبد الله - يعني ابن الحذّاء - في نسخته وَهَمٌ منه، وهذا بَيِّنٌ في طُرُق هذا الحديث من رواية الأئمة الثقات الحفّاظ، وهذا الحديث يرويه معاوية بن صالح بإسنادين: [أحدهما]: عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة. [والثاني]: عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة. قال أبو عليّ: وعلى ما ذكرنا من الصواب خَرَّجه أبو مسعود الدمشقيّ، فصَرَّح، وقال: قال معاوية بن صالح: وحدّثني أبو عثمان، عن جبير، عن عقبة. قال أبو عليّ: نا أبو عُمر النَّمَريّ، قال: نا خَلَف بن قاسم الحافظ، قال: نا أبو عليّ بن السكن، قال: حدّثني أبو عِمْران موسى بن العبّاس، قال: نا عبد الله بن هاشم الطُّوسيّ، قال: نا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقيّ، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، قال معاوية: وحدّثني أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عُقبة بن عامر، قال: كان علينا رعاية الإبل، فجاءت نَوْبتي، فرَوَّحتها بعشيّ، فأدركت من قول النبيّ - صلي الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يتوضّأ، فيُحسن الوضوء … " الحديث.

стр. 3397

قال أبو عليّ: فهذا شاهدٌ لما ذكرناه من أن معاوية يرويه، عن أبي عثمان، وإن كان قد رُوي عن زيد بن الْحُبَاب في هذا الإسناد لفظٌ يُوهِمُ ظاهره أن معاوية بن صالح روى الإسنادين معًا عن ربيعة بن يزيد، كما حدّثنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا عبد الوارث بن سُفيان، قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا محمد بن وضّاح، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا زيد بن الْحُبَاب، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، وأبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضّأ، فيُحسن الوضوء، ويُصلّي ركعتين مُقبِلًا بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنّة"، قال: فقال عمر: ما قبلها أفضل منها، كأنك جئتَ آنفًا، قال رسول الله ﷺ : "من توضّأ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فُتِح له ثمانية أبواب، من الجنّة، يَدخُلُ من أيّها شاء". وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بهذا اللفظ، وقد بَيَّنَ ما أشكل من ظاهر إسناد هذا الحديث ما حدّثنا أبو عُمر النَّمَريّ، قال: نا خَلَف بن القاسم، قال: نا أبو عليّ بن السَّكَن، قال: نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغويّ، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا زيد بن الْحُباب، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن عقبة، قال معاوية: وحدّثني أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضّأ … " الحديث. قال أبو عليّ: فهذا الإسناد بَيَّنَ ما أشكل من إسناد مسلم، ومحمد بن وضّاح، عن أبي بكر بن أبي شيبة. وقد رَوَى عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح هذا الحديث أيضًا، فبيَّنَ الإسنادين معًا، ومن أين مخرجهما، كما حدّثنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال: نا محمد بن بكر، قال: نا أبو داود، قال: نا أحمد بن سعيد الْهَمْدانيّ، قال: نا ابن وهب، قال: سمعتُ معاوية بن صالح يُحدّث عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عُقبة بن عامر، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ خُدّام أنفسنا، نتناوب الرعاية، واقتصّ الحديث إلى آخر

стр. 3398

حديث عقبة، وروايته عن عمر بن الخطّاب الحديث الآخر الذي فاته سماعه من النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، ثم قال: قال معاوية: وحدّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بهذا. وقال أبو محمد بن الجارود في "كتاب "الكنى": أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، روى عنه معاوية بن صالح، ثم ذكر حديث ابن وهب. قال أبو عليّ: وقد خَرَّج أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذيّ ﵀ في "مصنفه" هذا الحديث، من طريق زيد بن الْحُبَاب، عن شيخ له، لم يُقِم إسناده، عن زيد، وحَمَلَ أبو عيسى في ذلك على زيد بن الْحُباب، وزيدٌ بريء من هذه الْعُهْدة، والوهم في ذلك من أبي عيسى، أو من شيخه الذي حدَّثه به؛ لأنا قد قَدَّمنا من رواية أئمة حفاظ، عن زيد بن الحباب في هذا الإسناد ما خالف ما ذكره أبو عيسى، والحمد لله. وذَكَره أبو عيسى أيضًا في "كتاب العلل"، وسؤالاته محمد بن إسماعيل البخاريّ، فلم يُجَوِّده، وأتى عنه فيه بقولٍ يُخَالِف ما ذكرنا عن الأئمة، ولعله لم يحفظ عنه. وهذا حديثٌ مُخْتَلَفٌ في إسناده، وأحسن طُرُقه ما خَرّجه مسلم بن الحجاج، من حديث ابن مهديّ وزيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، والله المستعان. قال أبو عليّ: وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، أخو أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، فزاد في إسناده رجلًا، وهو جُبير بن نُفير، ذكره أبو داود في "سننه" في "باب كراهة الوسوسة بحديث النفس في الصلاة"، حدّثناه أبو عمر النَّمَريّ، عن ابن عبد المؤمن، عن ابن داسة، عن أبي داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الْحُبَاب، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن جبير بن نفير الْحَضرميّ، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضّأ، فيُحسن الوضوء … "، فذكر الحديث. انتهى كلام أبي عليّ الغسانيّ، وقد أتقن ﵀ هذا الإسناد غاية الإتقان (١).

стр. 3399

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ ﵀ في هذا التحقيق، وأبان الصواب، وقد أوضح ذلك الحافظان، أبو عوانة، وأبو نعيم في "مستخرجيهما" أتمّ إيضاح، فقال الأول: (٥٥٥) حدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر. (ح) وحدثنا محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ خُدّام أنفسنا نتناوب الرِّعاية، رعاية إبلنا، فكنت على رعاية الإبل، فَرَوّحتها بعشيّ … فذكر نحوه. قال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر نحوه. انتهى (١). وقال الثاني: (٦٠٦) حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ خُدّام أنفسنا، نتناوب رعاية إبلنا، فرَوَّحتها بعشيّ، فأدركت رسول الله ﷺ يخطب الناس، فسمعته يقول: "ما منكم أحدٌ يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم، فيركع ركعتين يُقِبل عليهما بقلبه وبوجهه، فقد أوجب"، فقلت: بَخٍ بَخٍ، ما أجود هذه؟ فقال رجل بين يديّ: التي قبلها أجود، فنظرت إليه، فإذا هو عمر بن الخطاب، فقلت له: ما هي يا أبا حفص، قال: إنه قال آنفًا قبل أن تجيء: "ما منكم من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يخلو من الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فُتِحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".

стр. 3400

قال معاوية بن صالح: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة. انتهى (١). والحاصل أن القائل "وحدّثني أبو عثمان" هو معاوية بن صالح، كما تبيّن وجهه في هذه الروايات، وأما قول من قال: إن القائل هو ربيعة، فهو غلطٌ بلا شكّ، فتأمّل ذلك بإمعان، ترى الصواب ظاهرًا للعيان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: أخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ هذا الحديث بطوله، وفيه قصّة رحلة شعبة ﵁، ودونك نصّه: (٩) حدّثنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان التميميّ بدمشق، أنبا القاضي أبو بكر يوسف بن القاسم بن يوسف الميانجيّ، ثنا أبو عبيد محمد بن أحمد الناقد، ثنا أبو يحيى محمد بن سعيد العطار الضرير، قال: سمعت نصر بن حماد الوراق يقول: كنا قُعودًا على باب شعبة نتذاكر، فقلت: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رِعْية الإبل على عهد رسول الله ﷺ ، فجئت ذات يوم، والنبيّ ﷺ حوله أصحابه، فسمعته يقول: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، فاستغفر الله إلا غُفِر له"، فقلت: بَخٍ بَخٍ، فجذبني رجل من خلفي، فالتفتّ، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: الذي قبلُ أحسنُ، فقلت: وما قال؟ قال: قال: "مَن شَهِدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قيل له: ادخُل من أيّ أبواب الجنة شئت". قال: فخرج شعبة، فلَطَمني، ثم رجع فدخل، فتنحيت من ناحية، قال: ثم خرج فقال: ما له يبكي بعدُ؟ فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه، فقال شعبة: انظُر ما تُحَدّث؟ إن أبا إسحاق حدّثني بهذا الحديث عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: فقلت لأبي إسحاق: مَن عبد الله بن عطاء؟ قال: فغَضِب، ومِسْعَر بن كِدَام حاضرٌ، قال: فقلت له: لَتُصَحِّحَنَّ لي هذا أو لأَخْرُقَنّ ما كتبت عنك، فقال لي مِسْعَرٌ: عبد الله بن عطاء بمكة، قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحجّ، أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء،
следующие страницы →