الأسقع ﵁ مرفوعًا: "أُمرتُ بالسواك حتى خشيت أن يُكتَب عليّ"، وفيه ليث بن أبي سُليم، وهو متروك.
١٢ - (ومنها): حديث رافع بن خَدِيج، وغيره: "السواك واجبٌ … " الحديث، رواه أبو نعيم، وإسناده واهٍ.
وروى ابن ماجَهْ من طريق أبي أمامة: "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك"، وإسناده ضعيف، وقد تقدم من طُرُق صحيحة.
١٣ - (ومنها): حديث عامر بن ربيعة ﵁ "رأيت رسول الله ﷺ ما لا أُحصي يتسوك، وهو صائم"، رواه أصحاب السنن، وابن خزيمة، وعلّقه البخاريّ، وفيه عاصم بن عُبيد الله، وهو ضعيفٌ، فقال ابن خزيمة: أنا أبرأ من عُهدته، لكن حسّن الحديث غيره، قاله الحافظ ﵀.
١٤ - (ومنها): حديث عائشة ﵂: "من خير خصال الصائم السواك"، رواه ابن ماجهْ، وهو ضعيف، في إسناده مجالد بن سعيد، ليس بالقويّ، ورواه أبو نعيم من طريقين آخرين عنها، وروى النسائيّ في "الكنى"، والعقيليّ، وابن حبان في "الضعفاء"، والبيهقي من طريق عاصم، عن أنس ﵁: "يستاك الصائم أول النهار وآخره، برطب السواك ويابسه"، ورفعه، وفيه إبراهيم بن بيطار الْخُوَارَزْميّ، قال البيهقيّ: انفرد به إبراهيم بن بيطار، ويقال: إبراهيم بن عبد الرحمن، قاضي خُوَارَزْم، وهو منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يصحّ، ولا أصل له من حديث النبيّ ﷺ ، ولا من حديث أنس، وذكره ابن الجوزيّ في "الموضوعات".
وله شاهد من حديث معاذ، رواه الطبرانيّ في "الكبير"، وقال أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا الهيثم بن خارجة، ثنا يحيى بن حمزة، عن النعمان بن المنذر، عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، عن ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ تسوّك، وهو صائم".
ورَوَى البيهقيّ عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليت العصر فألقه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَخُلُوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك"، وقد تقدم، وفي إسناده عمر بن قيس سندل، وهو متروك.
стр. 3607
ورَوَى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، من حديث قتادة، عن أبي هريرة نحوه، وفيه انقطاع (١).
١٥ - (ومنها): حديث مُحرِز أن رسول الله ﷺ ما نام ليلةً حتى استَنَّ، رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة"، وروى في "كتاب السواك" من حديث أبي عتيق، عن جابر، أنه كان يستاك إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى الصلاة، فقلت له: قد شققت على نفسك، فقال: إن أسامة أخبرني أن النبيّ ﷺ كان يستاك هذا السواك. وفيه حرام بن عثمان، وهو متروك (٢).
١٦ - (ومنها): حديث عبد الله بن عمرو: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يستاكوا بالأسحار"، رواه أبو نعيم، وفي إسناده ابن لَهِيعة، وهو ضعيف.
١٧ - (ومنها): حديث العباس: كانوا يدخلون على النبيّ ﷺ ، فقال: "تدخلون علي قُلْحًا، استاكوا … "، الحديث، رواه البزار، والبغويّ، والطبرانيّ، وابن أبي خيثمة، قال أبو علي بن السكن: فيه اضطراب.
ورواه أحمد من حديث تمام بن العباس، ورواه الطبراني من حديث جعفر بن تميم، أو تمام، عن أبيه، وقيل: عن تمام بن قُثَم، أو قُثَم بن تمام، في "مسند أحمد".
وروى الطبرانيّ، والبيهقيّ من حديث ابن عباس، قال: أتى رجلان النبيّ ﷺ حاجتهما واحدة، فوَجَدَ مِن فيه إخلافًا فقال: "أما تستاك؟ " قال: بلى … الحديث.
١٨ - (ومنها): حديث أبي موسى ﵁ في السواك على طرف اللسان، متفقٌ عليه.
١٩ - (ومنها): حديث عائشة ﵂، كان النبيّ ﷺ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، فأدفعه إليه. رواه أبو داود.
وفي "الصحيحين" عنها في قصة سواك عبد الرحمن بن أبي بكر، قالت: فأخذته، فقضمته، ثم أعطيته له.
стр. 3608
٢٠ - (ومنها): حديث ابن عمر ﵄ رفعه: "أراني أتسوّك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كَبِّر"، متفق عليه، وروى أبو داود بسند حسن عن عائشة نحوه.
٢١ - (ومنها): حديث أبي سعيد ﵁: "الغسل يوم الجمعة واجبٌ، وأن يَستَنَّ، وأن يمس طيبًا إن قَدَرَ عليه"، متفق عليه.
وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس ﵃.
٢٢ - (ومنها): حديثُ عليّ ﵁: "إن أفواهكم طُرُق للقرآن، فطهِّروها بالسواك"، رواه أبو نعيم، ووقفه ابن ماجَهْ (١).
ورواه أبو مسلم الكجيّ في "السنن"، وأبو نعيم، من حديث الْوَضِين، وفي إسناده مَندَل، وهو ضعيف.
٢٣ - (ومنها): حديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته يبدأ بالسواك"، رواه ابن حبّان في "صحيحه"، وأصله في مسلم.
٢٤ - (ومنها): حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "أكثرتُ عليكم في السواك"، رواه البخاري.
وذكره ابن أبي حاتم في "العلل" من حديث أبي أيوب ﵁، بلفظ: "عليكم بالسواك"، وأعله أبو زرعة بالإرسال، ورواه مالك في "الموطأ" من حديث عُبيد بن السَّبّاق مرسلًا.
٢٥ - (ومنها): حديث أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يستاك بفضل وَضُوئه"، رواه الدارقطنيّ، وفي إسناده يوسف بن خالد السَّمْتيّ، وهو متروك، ورواه من طريق أخرى عن الأعمش، عن أنس، وهو منقطع، وفي البخاري تعليقًا: أن جريرًا ﵁ أمر أهله بذلك، ووصله ابن أبي شيبة.
٢٦ - (ومنها): حديثُ: "يجزي من السواك الأصابع"، رواه ابن عديّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث عبد الله بن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أنس، وفي إسناده نظر، وقال الضياء المقدسيّ: لا أرى بسنده بأسًا. وقال البيهقيّ: المحفوظ عن ابن المثنى، عن بعض أهل بيته، عن أنس
стр. 3609
نحوه، ورواه أيضًا من طريق ابن المثنى، عن ثُمامة، عن أنس.
ورواه أبو نعيم، والطبرانيّ، وابن عديّ، من حديث عائشة، وفيه المثنى بن الصبّاح، وهو ضعيفٌ.
ورواه أبو نعيم من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، وكثيرٌ ضعفوه.
وأصحّ من ذلك ما رواه أحمد في "مسنده"، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه "دعا بكوز من ماء، فغسل وجهه وكفيه ثلاثًا، وتمضمض، فأدخل بعض أصابعه في فيه … " الحديث، وفي آخره: هذا وضوء رسول الله ﷺ .
ورَوَى أبو عبيد في "كتاب الطهور" عن عثمان أنه: "كان إذا توضأ يسوك فاه بإصبعه".
وروى الطبراني في "الأوسط" من حديث عائشة ﵂، قلت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: "نعم"، قلت: كيف يصنع؟ قال: "يُدخِل إصبعه في فيه"، رواه من طريق الوليد بن مسلم، ثنا عيسى بن عبد الله الأنصاريّ، عن عطاء، عنها، وقال: لا يُروَى إلا بهذا الإسناد.
قال الحافظ: عيسى ضعّفه ابن حبان، وذكر له ابن عدي هذا الحديث من مناكيره.
٢٧ - (ومنها): حديث جابر ﵁: "كان السواك من أذن النبيّ ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب"، رواه الطبراني من حديث يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عنه، وقال: تفرد به يحيى بن اليمان، وسئل أبو زرعة عنه في "العلل"، فقال: وَهِمَ فيه يحيى بن يمان، إنما هو عند ابن إسحاق، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد من فعله.
قال الحافظ: كذا أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ورواه الخطيب في "كتاب الرواة عن مالك"، في ترجمة يحيى بن ثابت، عنه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ أَسوِكَتهم خَلْفَ آذانهم، يستنون بها لكل صلاة.
٢٨ - (ومنها): حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "السواك يُذهِب البلغم،
стр. 3610
ويفرح الملائكة، ويوافق السنة"، رواه أبو نعيم (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٩٦] (٢٥٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أحد مشايخ الستّة المذكور قبل بابين.
٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بِشْر الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٣ - (مِسْعَر) - بكسر، فسكون - ابن كِدَام - بكسر الكاف - ابن ظُهير الْهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٤ - (الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحِ) بن هانئ بن يزيد الْحَارثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وقَمِير امرأة مسروق، وروى عنه ابنه يزيد، والأعمش، وإسرائيل، وشعبة، والثوريّ، وعبد الملك بن أبي سليمان، وقيس بن الربيع، ومِسْعَر، وشَرِيك.
قال أحمد، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (٢٥٣) وأعاده بعده، و (٣٠٠) و (٢٤١٣) وأعاده بعده، و (٢٥٩٤).
٥ - (أَبُوهُ) هو: شُريح بن هانئ بن يزيد بن نَهِيك، أو الحارث بن كعب الحارثيّ الْمَذْحِجيّ، أبو المِقْدام الكوفيّ، مُخضرَمٌ، ثقةٌ [٢].
стр. 3611
أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يَرَه، ورَوَى عن أبيه، وعُمر، وعليّ، وبلال، وسعد، وأبي هريرة، وعائشة.
ورَوَى عنه ابناه: المقدام ومحمد، والقاسم بن مُخَيْمِرة، والشعبيّ، والحكَم بن عُتيبة، ومقاتل بن بَشير، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان من أصحاب عليّ ﵁، وشَهِدَ معه المشاهد، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقُتِلَ بسِجِسْتان مع عبيد الله بن أبي بكرة، وقال الحسن بن الْحُرّ، عن القاسم بن مُخَيْمِرة: ما رأيت أفضل منه، وأثنى عليه خيرًا، وقال الأثرم: قيل لأحمد: شُرَيح بن هانئ صحيح الحديث؟ قال: نعم، هذا متقدِّم جدًّا، وقال الْمَرُّوذيّ، عن أحمد: ثقةٌ، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال خليفةُ: قتل مع ابن أبي بكرة بسِجِسْتان سنة ثمان وسبعين، وكذا قال ابن حبان، وقال ابن الْبَرْقيّ: كان على شُرْطة عليّ ﵁، وذكره مسلم في الْمُخَضْرَمِين.
أخرج له البخاريّ،. في "خلق أفعال العباد"، وفي "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (٢٥٣) وأعاده بعده، و (٢٧٦) و (٣٠٠) و (٢٤١٣) وأعاده بعده، و (٢٥٩٤) و (٢٦٨٤) و (٢٦٨٥).
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ تقدمت ترجمتها في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣١٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، مرتين، والعنعنة في البقيّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير المقدام، وأبيه، فما أخرج لهما البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير الصحابيّة، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة.
стр. 3612
٥ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، رَوَت (٢٢١٠) أحاديث، وهي أحبّ الناس إلى رسول الله ﷺ ، كأبيها، وأفقه نساء الأمة، وكان إليها الفتوى في وقتها، فكان أفاضل الصحابة ﵃ يستفتونها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمِقْدَامِ) بكسر الميم (ابْنِ شُرَيْحٍ) بضمّ أوله، مصغّرًا (عَنْ أَبِيهِ) شُريح بن هانئ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ) أي بأيّ عَمَل من الأعمال، فـ "أيُّ" هنا استفهاميّة.
[فائدة]: "أَيّ " تكون شرطًا، واستفهامًا، وموصولةً، وهي بعض ما تضاف إليه، وذلك البعض مبهمٌ مجهولٌ، فإذا استفهمت بها، وقلتَ: أَيُّ رجلٍ جاء؟ وأيُّ امرأةٍ قامت؟ فقد طلبت تعيين ذلك البعض المجهول، ولا يجوز الجواب بذلك البعض إلا مُعَيَّنًا، وإذا قلت في الشرط: أَيَّهُم تَضْرِبْ أَضْرِبْ، فالمعنى: إن تَضْرِب رجلًا أضرِبْهُ، ولا يقتضي العموم، فإذا قلت: أيُّ رجلٍ جاء، فأَكْرِمه، تعين الأول، دون ما عداه، وقد يقتضيه لقرينة، نحوُ: أَيُّ صلاةٍ وقعَت بغير طهارة وجب قضاؤها، وأيُّ امرأة خرجت فهي طالق.
وتزاد "ما" عليها نحو: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر"، والإضافة لازمة لها لفظًا أو مَعْنًى، وهي مفعول إن أضيفتَ إليه، وظرف زمان إن أضيفت إليه، وظرف مكان إن أضيفت إليه، والأفصح استعمالها في الشرط والاستفهام بلفظ واحد، للمذكر والمؤنث؛ لأنها اسم، والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقةُ بين المذكر والمؤنث، نحوُ: أَيُّ رجلٍ جاء، وأَفيُ امرأة قامت، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، وقال عمرو بن كلثوم [من الوافر]:
بِأَيِّ مَشِيئَةٍ عَمْرُو بْنَ هِنْدٍ
وقد تُطَابَقُ في التذكير والتأنيث، نحوُ أَيّ رجلٍ، وأيّة امرأةٍ، وقُرِئ في الشاذ: "بأية أرض تموت"، وقال الشاعر:
أَيَّةُ جَارَاتِكَ تِلْكَ الْمُوصِيَةُ
стр. 3613
وإذا كانت موصولةً فالأحسن استعمالُها بلفظ واحد، وبعضهم يقول: هو الأفصح، وتجوز المطابقة، نحو: مررت بأيهم قام، وبأيتهن قامت، وتقع صفةً تابعةً لموصوف، وتطابَقُ في التذكير والتأنيث؛ تشبيهًا بالصفات المشتقّات، نحو: برجل أَيِّ رجلٍ، وبامرأة أيَّةِ امرأةٍ، وحَكَى الجوهري التذكير فيها أيضًا، فيقال: مررت بجاريةٍ أَيّ جارية، ذكره الفيّوميّ ﵀ (١).
(كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟) أي في أيّ وقت كان، ليلًا أو نهارًا، قالت عائشة ﵂ مجيبةً عن هذا السؤال (قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ) متعلّق بمحذوف دلّ عليه السؤال، أي يبدأ بالسواك، أي الاستياك، أو باستعمال السواك، على ما تقدّم من إطلاقه على المعنيين.
قال السنديّ ﵀: ولا يَخفى أن دخوله البيت لا يختصّ بوقت دون وقتٍ، فكذا السواك، ولعله إذا انقطع عن الناس بالوحي، وقيل: كان ذلك لاشتغاله بالصلاة النافلة في البيت، وقيل: غير ذلك. انتهى.
وقال القرطبيّ: يَحْتَمل أن يكون ذلك لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة، فقلّما كان يتنفّل في المسجد، فيكون السواك لأجلها. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة" فيه نظر لا يَخفى؛ لأنه لم يُنقل عنه ﷺ أنه كان كلّما دخل البيت بدأ بالصلاة، كما نُقل في هذا الحديث أنه كان يبدأ بالسواك، فإن حديث عائشة ﵂ يدلّ على مداومته على السواك عند الدخول؛ لا سيما عند من يقول: إن "كان" تقتضي الدوام، وهو الراجح، كما سبق بيانه، وأما أنه كان يبدأ بالصلاة على الدوام، فلم يرد ما يدلّ عليه، وغاية ما هنالك أنه كان لا يتنفّل غالبًا إلا في البيت، وهذا لا يلزم منه أن يُصلي كلما دخل، فتبصّر، فالأحسن في التعليل ما قاله بعضهم من أن ذلك من باب حسن معاشرة الأهل بإزالة ما يحصل من تغيّر الفم عند محادثة الناس، أو طول السكوت، أو غير ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3614
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٥/ ٥٩٦ و ٥٩٧] (٢٥٣)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٥١)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٩٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤١ - ٤٢ و ١١٠ و ١٨٢ و ١٨٨ و ١٩٢ و ٢٣٧)، و (ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٣٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٧٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٧٦ و ٤٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٨٩ و ٥٩٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب السواك عند دخول البيت، وقد صرّح به أبو شامة، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: ولا يكاد يوجد ذلك في كتب الفقهاء. انتهى.
٢ - (ومنها): بيان حسن معاشرة الأهل؛ لأنه يزيد في الودّ، ودوام الصُّحبّة.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من كمال النظافة في جميع أحواله.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من تتبّع أحوال النبيّ ﷺ ، والسؤال عنها؛ للاقتداء به فيها.
[تنبيه]: قال القرطبيّ في "المفهم": هذا الحديث يدلّ على استحباب تعاهد استعمال السواك، لما يكره من تغيّر الفم بالأبخرة، والأطعمة وغيرها.
قال: وعلى أنه يُتجنّب استعمال السواك في المساجد والمحافل، وحضرة الناس، ولم يُروَ عنه ﷺ أنه تسوّك في المسجد، ولا في محفل من الناس؛ لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد، ولا محاضر الناس، ولا يليق بذوي المروءات فعل ذلك في الملإ من الناس. انتهى (١).
стр. 3615
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أقول: لا يليق بمثل القرطبيّ أن يتكلّم، ويُصدِرَ مثل هذا الحكم المخالف للنصوص الواضحة، فكيف يقول: "ولم يُرْوَ عنه ﷺ .. إلخ" بعد أن شرح قوله ﷺ : "لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة"؟ وهل الصلاة تكون في غير المسجد؟، وهل ثبت لديه أن جميع من كان معه ﷺ في المسجد خرجوا من المسجد بعد إقامة الصلاة؛ لأجل السواك، إن هذا لهو العجب العجاب.
وهل بعد ما جاء من أن أصحاب رسول الله ﷺ كانت سُوكهم خلف آذانهم، يستنّون بها لكلّ صلاة يُطلب بيّنة أوضح؟.
وبالجملة فالقول بأنه لا يستاك في المسجد قولٌ باطلٌ، منابذ للسنة الصحيحة.
وأما السواك في الملإ فسنّة ثبتت عن رسول الله ﷺ ، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" حديث أبي موسى ﵁ أنه قال: "أقبلت إلى النبيّ ﷺ ، ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله ﷺ يستاك … " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠] (ت بعد ٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجة [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
стр. 3616
٣ - (سُفْيَانَ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة الفقيه، رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا في السند السابق، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٩٨] (٢٥٤) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ غَيْلَانَ، وَهُوَ ابْنُ جَرِيرِ الْمَعْوَلِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) وقيل: الشَّيْبَانيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ الْمِعْوَلِيُّ) الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس بن مالك، وأبي قيس، زياد بن رَبَاح، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وعبد الله بن مَعْبَد الزِّمّانيّ، وأبي بُرْدة بن أبي موسى، وأبي قِلابة الْجَرميّ، وعامر الشعبيّ، وصفوان بن مُحْرِز، وغيرهم.
ورَوَى عنه موسى بن أبي عائشة، وأيوب، وجرير بن حازم، ومَهْديّ بن ميمون، وشدّاد بن سعيد، أبو طلحة الراسبيّ، وشعبة، وأبو هلال الراسبيّ، وأبان بن يزيد العطار، وحماد بن زيد، وآخرون.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائة، ونسبه ضَبّيًّا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
стр. 3617
[تنبيه]: قوله: "الْمِعْوَلِيُّ" - بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الواو -: نسبة إلى مِعْوَلَة، بطنٌ من الأزد، وقال السمعانيّ: بفتح الميم، وتبعه النوويّ في "شرحه"، وخطَّأه ابن الأثير في "اللباب"، قال: والصواب بكسر الميم، وفتح الواو، ومال إليه السيوطيّ في "اللبّ" (١).
٤ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حضّار الصحابيّ الشهير ﵁ مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي بُرْدة، فكوفيّ، وأما أبو موسى، فإنه سكن البلدتين، فإنه كان واليًا على البصرة زمن عمر، وعلى الكوفة زمن عثمان ﵃.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) هذا الحديث مختصر من حديث أبي موسى ﵁ الطويل، وسيأتي للمصنّف ﵀ بطوله في "كتاب الإمارة" (١٨٢٤) من طريق قُرّة بن خالد، حدّثنا حُميد بن هلال، حدثني أبو بُرْدة، قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبيّ ﷺ ، ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل
стр. 3618
العمل، والنبيّ ﷺ يَستَاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس؟ " قال: فقلت: والذي بعثك بالحقّ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شَعَرتُ أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته، وقد قَلَصَت (١)، فقال: "لن - أو - لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس"، فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قَدِمَ عليه، قال: انْزِل، وأَلْقَى له وِسَادةً، وإذا رجل عنده مُوثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًّا فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء، فتهوَّد، قال: لا أجلس حتى يُقْتَلَ قضاءَ الله ورسوله، فقال: اجلس نعم، قال: لا أجلس حتى يُقتَل قضاء الله ورسوله، ثلاث مرّات، فأَمَر به، فقُتِل، ثم تذاكرا القيام من الليل، فقال أحدهما، معاذٌ: أما أنا فأنام، وأقوم، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي. انتهى.
وسيأتي شرحه مستوفًى في محلّه - إن شاء الله تعالى.
(وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ) جملة حاليّة إما من الفاعل، أو من "النبيّ ﷺ "، يعني أنه دخل عليه ﷺ ، والحال أن طرف السواك على لسانه ﷺ يستاك به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٥/ ٥٩٨] (٢٥٤)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٤٤)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٤٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٧٨ و ٤٧٩ و ٤٨٠ و ٤٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٩١)، والله تعالى أعلم.
стр. 3619
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات، وشدّة الاهتمام به، وتكراره.
٢ - (ومنها): جواز الاستياك بحضرة الناس، وقد عقد الإمام النسائيّ ﵀ في "سننه" بقوله: "بابٌ هل يستاك الإمام بحضرة رعيّته". انتهى.
قال في "الفتح": يستفاد منه أن السواك من باب التنظيف والتطيّب، لا من إزالة القاذورات؛ لكونه ﷺ لم يَختف به. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن في رواية البخاريّ قال: "أتيتُ النبيّ ﷺ ، فوجدته يستنّ بسواك بيده يقول: أع أع، والسواك في فيه، كأنه يتهوّع". انتهى.
ومعنى التهوّع: هو التقيّؤ، أي له صوتٌ كصوت المتقيّئ على سبيل المبالغة، ويُستفاد منه مشروعيّة السواك على اللسان طولًا، وأما الأسنان، فالأحبّ فيها أن تكون عَرْضًا، وفيه حديث مرسلٌ عند أبي داود، وله شاهد موصولٌ عند العقيليّ في "الضعفاء"، قاله في "الفتح" (٢).
٤ - (ومنها): أنه يُستفاد من قوله: "وطرف السواك على لسانه" استحباب الاستيعاب بالسواك، وأنه لا تختصّ به الأسنان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٩٩] (٢٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٥) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 3620
٢ - (هُشَيْم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ، [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥.
٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سَلَمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٥ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل، أو حُسَيل حليف الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵃، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، فالرواة كلهم كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: حصينٌ، عن أبي وائل.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وأنه من السابقين إلى الإسلام، وثبت في "صحيح مسلم" أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ) أي ليصلّي، وهو مضارع تَهَجّد، يُطلق على الصلاة، وعلى النوم، قال الجوهريّ ﵀: هَجَدَ، وتهجّد: أي نام ليلًا، وهَجَدَ، وتهجّد: أي سَهِرَ، وهو من الأضداد، ومنه قيل لصلاة الليل: التهجُّد، والتهجيد: التنويم، قال لبيد [من الرمل]:
стр. 3621
قَالَ هَجِّدْنِي فَقَدْ طَالَ السُّرَى … وَقَدَرْنَا إِنْ خَنَا الدَّهْرِ غَفَلْ (١)
وقال الفيّوميّ ﵀: هَجَدَ هُجُودًا، من باب قَعَدَ: نام بالليل، فهو هاجدٌ، والجمعُ: هُجُودٌ، مثلُ راقد ورُقُود، وقاعد وقُعُود، وواقف ووُقُوف، وهُجَّدٌ أيضًا، مثلُ رُكَع، وهَجَدَ أيضًا: صَلَّى بالليل، فهو من الأَضداد، وتَهَجّد: نام، وصَلَّى كذلك. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": أما التهجد فهو الصلاة في الليل، ويقال: هَجَدَ الرجل: إذا نام، وتَهَجّد: إذا خرج من الْهُجُود، وهو النوم بالصلاة، كما يقال: تَحَنَّث، وتَأَثَّمَ، وتَحَرَّج: إذا اجتنب الْحِنثَ، والإثم، والْحَرَج. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر عبارة النوويّ أنه لا يرى هَجَدَ بمعنى صلّى، والحقّ ما سبق في عبارة الجوهريّ، والفيّوميّ من أن هَجَدَ، وتَهَجّد يُطلق كلّ منهما على النوم، وعلى الصلاة، فهما من الأضداد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
ووقع في رواية للبخاريّ في "الوضوء" بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل"، ولم يقل: "ليتهجّد". قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه استحباب السواك عند القيام من النوم " لأن النوم مقتضٍ لتغيّر الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك آلة تنظيفه، فيُستحبّ عند مقتضاه. قال: وظاهر قوله: "من الليل" عامّ في كلّ حالة، ويَحْتَمِل أن يُخصّ بما إذا قام إلى الصلاة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الثاني هو الصواب؛ لأن رواية المصنّف هذه بلفظ: "إذا قام ليتهجّد" مقيّدة لإطلاقه، ويشهد لهذا أيضًا حديث ابن عبّاس ﵄ الآتي آخر الباب، حيث قال: "فتسوّك، وتوضّأ، ثم قام، فصلّى"، والله تعالى أعلم.
(يَشُوصُ) - بفتح الشين المعجمة، وسكون الواو، بعدها صاد مهملة -: أي يَدْلُكُ، و"الشَّوْصُ": دَلْك الأسنان بالسِّوَاك عَرْضًا قاله ابن الأعرابيّ،
стр. 3622
وإبراهيم الْحَرْبيّ، وأبو سليمان الخطابيّ، وآخرون، وقيل: هو الْغَسْلُ، قاله الهرويّ، وغيره، وقيل: التنقية، قاله أبو عُبيد، والداوديّ، وقيل: هو الْحَكّ، قاله أبو عُمَر بن عبد البرّ، وتأوّله بعضهم أنه بإِصْبَعه، فهذه أقوال الأئمة فيه، وأكثرها متقاربة، وأظهرها الأول، وما في معناه، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": "الشَّوْصُ" - بالفتح -: الْغَسْل والتنظيف، كذا في "الصحاح"، وفي "المحكم": الغسل عن كُرَاع، والتنقية عن أبي عبيد، والدلك عن ابن الأنباريّ، وقيل: الإمرار على الأسنان من أسفلُ إلى فوقُ، واستدل قائله بأنه مأخوذ من الشَّوْصة، وهي ريحٌ تَرفع القلب عن موضعه، وعَكَسه الخطابيّ، فقال: هو دلك الأسنان بالسواك، أو الأصابع عَرْضًا. انتهى (٢).
وقال العينيّ ﵀: قال ابن سِيده: شاص الشيءَ شَوْصًا: غَسَله، وشاص فاه بالسواك شَوْصًا: غسله، وقيل: أَمَرّه على أسنانه من سُفْل إلى عُلْوٍ، وقيل: أن يطعن به فيها، وقد شاصه شَوْصًا وشَوَصَانًا، وشاص الشيءَ شَوْصَا: دَلَكَهُ، وشاصَ الشيءَ: زَعْزَعه، وفي "الجامع": كل شيء غسلته، فقد شُصْته، وقال أبو عُبيد: شُصته نقّيته، وفي "الغريبين": كلُّ شيء غسلته، فقد شُصته، ومُصْته، وقال ابن عبد البرّ: هو الحكّ، وقال الخطّابيّ: الشَّوْصُ: دلكُ الأسنان عَرْضًا، وقيل: غسل الشيء في لين ورِفْق. انتهى (٣).
(فَاهُ) بالنصب على أنه مفعول به لـ"يشوص"، ونصبه بالألف؛ لأنه من الأسماء الستة التي تُرفع بالواو، وتُنصَب، وتُجرّ بالياء، وهي التي ذكرها ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَ"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
"أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ" كَذَاكَ و"هَنُ" … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
وَفِي "أَبٍ" وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
стр. 3623
وَشَرْطُ ذَا الإِعْرَاب أَنْ يُضَفْنَ لَا … لِلْيَا كـ "جَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَا"
وقوله: (بِالسِّوًاكِ) متعلّقٌ بـ "يشوص"، وهو بكسر السين: الآلة، أي العود، أو نحوه.
والمعنى أنه ﷺ كان من هديه إذا قام من الليل يدلُكُ أسنانه بالسواك؛ إزالةً لتغيّر الفم من النوم.
وفيه دليل على استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأن النوم مقتضٍ لتغيّر الفم؛ لما يتصاعد إليه من أبخرة المعِدَة، والسواكُ آلة تنظيفه، فيُستحبّ عند مقتضاه، قاله ابن دقيق العيد ﵀ (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٥/ ٥٩٩ و ٦٠٠ و ٦٠١] (٢٥٥)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٤٥) و"التهجّد" (١١٣٦) و"الجمعة" (٨٨٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٥٥)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٢)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٨٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٦٨ و ١٦٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٩٧ و ٤٠٢ و ٤٠٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٧٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٧٢) و (١٠٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٨٢ و ٤٨٤ و ٤٨٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٥٩٢ و ٥٩٣ و ٥٩٤ و ٥٩٥).
وأما فوائد الحديث، وبقيّة مسائله، فقد تقدّمت في شرح حديث أوّل الباب، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 3624
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٠٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ … " بِمِثْلِه، وَلَمْ يَقُولُوا: "لِيَتَهَجَّدَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، قاضي الريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مَنْصُور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٤ - (ابْنُ نُمَيْر) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٥ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٦ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٧ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ ورعٌ، عارف بالقراءة، لكنه يُدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ) الضمير لمنصور، والأعمش، ووقع في نسخة بلفظ "كليهما"، فيكون بتقدير فعل، أي أعني كليهما، وقد تقدّم نظيره.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث حُصين عن أبي وائل.
стр. 3625
وقوله: (وَلَمْ يَقُولُوا: "لِيَتَهَجَّدَ") الضمير لمنصور، والأعمش، وذكره بضمير الجمع، إما على مذهب من يقول: أقلّ الجمع اثنان، وهو الأصحّ، كما في قوله : ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقد حقّقت هذا في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، في الأصول، أو على التجوّز، كما هو مذهب الجمهور، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية منصور، والأعمش هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية حُصين ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٣١٣)، فقال:
(٥٩٣) - حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا أبو الربيع، ثنا جرير (ح) وحدثنا أبو أحمد، ثنا عبد الله، ثنا إسحاق، أنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن حذيفة (ح) وحدثنا فاروق بن عبد الكبير، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا مسدّد، ثنا أبو معاوية (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، نا الحسن بن سفيان، نا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل، يشوص فاه بالسواك". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٠١] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٍ، وَالْأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة أيضًا:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان الْعَبْديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد
стр. 3626
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، إمام الجرح والتعديل [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام المشهور المذكور في ثالث حديث هذا الباب.
[تنبيه]: "سفيان" في سند المصنّف ﵀ هو الثوريّ؛ لأن الراوي عنه عبد الرحمن بن مهديّ، وقد سبق أن بيّنّا أنه إذا أطلق سفيانَ أهل الطبقة التاسعة، كابن مهديّ، ويحيى القطّان، وأبي نعيم، ووكيع، ونحوهم، وكذا بعض كبار العاشرة، كمحمد بن كثير، فإنه الثوريّ؛ لكثرة روايتهم عنه، وإذا رووا عن ابن عيينة بيّنوه، وأما إذا أطلق أهل الطبقة العاشرة، كقتيبة، والحميديّ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، ونحوهم، فإنه ابن عيينة؛ لكثرة روايتهم عنه.
وإنما نبّهتُ على هذا، وإن كان واضحًا عند المتخصّصين بمعرفة طبقات الرجال؛ لأني رأيت، أبا عوانة أخرج هذا الحديث في "مسنده" (١/ ١٦٥) رقم (٤٨٢) من رواية سفيان بن عيينة، عن منصور بسند المصنّف، فخشيتُ أن يظنّ من لا دراية له بطبقات الرجال أن سفيان في سند المصنّف هو ابن عيينة بمجرّد ما يرى رواية أبي عوانة، هذه.
ومما يوضّح ذلك أن أبا عوانة ﵀ أخرج الحديث بعد رواية ابن عيينة المذكورة من طريق أبي نُعيم، قال: ثنا سفيان، عن منصور، وحُصين، عن أبي وائل … بإسناده، بمثل حديث ابن عيينة. انتهى.
فبيّن أن سفيان هذا هو الثوريّ، وأنه روى عن منصور، مثل رواية ابن عيينة عنه، فتنبّه لهذه الدقائق، فإنها من نفائس علم الإسناد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَحُصَيْنٍ، وَالْأَعْمَشِ) بالجز عطفًا على "منصور"، فسفيان يروي عن الثلاثة كلِّهم، وهو عن أبي وائل، وقد وقع في النسخ المطبوعة رفع "حصين"، و"الأعمش" بضبط القلم، وهو غلط فاحشٌ، فليُتنبَّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 3627
[٦٠٢] (٢٥٦) - (حَدثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّل، أَن ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلةٍ، "فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْل، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ فِي السَّمَاء، ثُمَّ تَلَا هَذهِ الْآيَةَ في آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى بَلَغَ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْت، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاء، فتَلَا هَذ الْآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فتَسَوَّكَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، و"عبدٌ" لقبه، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين، واسمه عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم، الأحول الْمُلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْعَبديّ، أبو محمد البصريّ القاضي، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن الحسن البصريّ، ومحمد بن واسع، وأبي المتوكل، وسعيد بن مسروق.
ورَوَى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، ورَوْح بن عُبادة، وأبو علي الحنفيّ، وابن عيينة، والقطان، وأبو نعيم، وعِدّة.
قال أحمد: ليس به بأسٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو حاتم، عن مسلم بن إبراهيم: كان شعبة يقول: اذهبوا إلى إسماعيل بن مسلم العبديّ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٥٦) و (١٢٢٦) و (١٥٨٤) و (١٩٦٨) و (١٩٨٧).
٤ - (أَبُو الْمُتَوَكِّلِ) هو: عليّ بن داود، ويقال: ابن دُؤَاد - بضمّ الدال، بعدها همزة - الناجيّ - بنون، فجيم - الساميّ البصريّ، مشهور بكنيته [٣].
стр. 3628
رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وأم سلمة، وربيعة الْجُرَشيّ.
ورَوى عنه ثابت البنانيّ، وقتادة، وبكر بن عبد الله الْمُزَنيّ، وحميد الطويل، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشيّةَ، وسليمان بن علي الرَّبَعيّ، وسليمان الأسود الناجيّ، وعاصم الأحول، وعليّ بن عليّ الرِّفَاعيّ، وإسماعيل بن مسلم العبديّ، وخالد الحذاء، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وابن المدينيّ، والنسائيّ: ثقةٌ، ووثَّقَه العجليّ، والبزار، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٠٨)، وقال ابن قانع: مات سنة (١٠٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٢٥٦) و (٣٠٨) و (٧١٥) و (١٥٨٤) و (١٩٨٧) و (١٩٩٦) و (٢٢٠١) و (٢٢١٧).
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﵄ تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ، وإسماعيل بن مسلم، فتفرّد به هو، والترمذيّ، والنسائيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فكسّيّ، نسبة إلى كسّ - بكسر الكاف، وتشديد السين المهملة، ويَنطق بها الناس بفتح الكاف، وبشين معجمة -: مدينة بما وراء النهر (١).
٥ - (ومنها): أن إسماعيل، وأبا المتوكّل هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما روى المصنّف لكلّ منهما فيه.
стр. 3629
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى، وقد تقدّم هذا غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي المتوكّل الناجيّ ﵀ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ) أي ابن عبّاس (بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلة من الليالي، فـ "ذات" مقحمة (فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) أي في آخره، فـ "من" بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي في يوم الجمعة (فَخَرَجَ) أي من البيت (فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ) أي إليها، فـ "في" بمعنى "إلى"، كما في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٩] أي إلى أفواههم (ثُمَّ تَلَا) أي قرأ النبيّ ﷺ (هَذ الْآيَةَ فِي) سورة (آلِ عِمْرَانَ) وقوله: (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾) بدل من الآية محكيّ؛ لقصد لفظه (حَتَّى بَلَغَ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾) ظاهره أنه ما أكمل قراءة الآيات إلى آخر السورة.
[فإن قلت]: هذا يعارضه ما سيأتي للمصنّف في "كتاب الصلاة" (١) مما يدلّ على أنه ﷺ ختم السورة، فقد أخرجه، من طريق محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، أنه رَقَد عند رسول الله ﷺ ، فاستيقظ، فتسوّك، وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾، فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف، فنام حتى نفخ، ثم فَعَل ذلك ثلاث مرات، ست ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأَذَّن المؤذن، فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي
стр. 3630
نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا".
فإن هذا صريح في كونه ﷺ قرأ الآيات إلى آخر السورة، فكيف الجمع بينهما؟.
[قلت]: يمكن أن يجاب بتعدّد الواقعة، ففي مرّة قرأ إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وفي مرّة أخرى قرأ إلى آخر السورة.
ويحتمل أن يكون التقدير هنا "حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ "، أي مع ما بعدها إلى آخر السورة، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْت، فَتَسَوَّكَ) أي استعمل السواك، وهو عُود الأَراك، يقال: سُكتُ الشيءَ أسوكه سَوْكًا، من باب قال: إذا دلكته، وسَوَّكَ فاه تسويكًا، وإذا قيل: تسوّك، أو استاك لم يُذكَر الفم؛ أفاده الفيّوميّ ﵀ (١).
وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في أول الباب، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي وضع جنبه بالأرض، قال المجد ﵀: ضَجَعَ كمنع ضَجْعًا، وضُجُوعًا: وَضَع جنبه بالأرض، كانضجع، واضطجع، واضّجَعَ، والْطَجَعَ. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: ضَجَعتُ ضَجْعًا، من باب نَفَعَ، وضُجُوعًا: وضعتُ جنبي بالأرض، وأضجعت بالألف لغةٌ، فأنا ضاجع، ومُضْجِعٌ، وأضجعتُ فلانًا بالألف لا غير: ألقيتُهُ على جنبه، وهو حسنُ الضِّجْعة - بالكسر - والْمَضْجَع - بفتح الميم -: موضع الضُّجُوع، والجمع مضاجع، واضْطَجَعَ، واضَجَعَ، والأصل افْتَعَلَ، لكن من العرب من يَقلِب التاء طاءً، ويظهرها عند الضاد، ومنهم من يَقلب التاء ضادًا، ويدغمها في الضاد؛ تغليبًا للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يُقال: اطَّجَعَ بطاء مُشدَّدة؛ لأن الضاد لا تُدغم في الطاء، فإن الضاد أقوى منها، والحرف لا يُدغم في أضعف منه، وما ورد شاذّ، لا يُقاس عليه. انتهى (٣).
стр. 3631
وإلى قاعدة قلب تاء الافتعال طاءً أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي "ادَّانَ" و"ازْدَدْ" وَ"ادَّكِرْ" دَالًا بَقِي
(ثُمَّ قَامَ) ﷺ (فَخَرَجَ) من البيت (فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاء، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) المذكورة آنفًا (ثُمَّ رَجَعَ) إلى البيت (فَتَسَوَّكَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى) قد ذكر المصنّف ﵀ هذا الحديث هنا مختصرًا، وسيذكره في "كتاب الصلاة" مطوّلًا من طرق متعدّدة، وسنستوفي شرحه، وذكر فوائده الكثيرة هناك - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٥/ ٦٠٢] (٢٥٦)، وفي "الصلاة" (٧٦٣)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٨٣)، و"الوتر" (٩٩٢)، و"العمل في الصلاة" (١١٩٨)، و"التفسير" (٤٥٧٠ و ٤٥٧١ و ٤٥٧٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٦٧)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (٣/ ٢١٠ - ٣٢١)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٢٦٢)، و (ابن ماجهْ) في "الصلاة" (١٣٦٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢١ - ١٢٢)، (وعبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٧٠٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢ و ٣٥٨)، و (أبو عوانة) (٢/ ٣١٥ - ٣١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٧٩ و ٢٥٩٢ و ٢٦٢٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢١٩٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب السواك عند القيام من النوم في الليل.
٢ - (ومنها): بيان جواز اضطجاع المميّز عند محرمه، وإن كان زوجها معها.
стр. 3632
٣ - (ومنها): استحباب صلاة الليل.
٤ - (ومنها): استحباب قراءة الآيات المذكورة عند الانتباه من النوم في الليل، والتفكّر فيما اشتملت عليه من الآيات العظام.
٥ - (ومنها): استحباب النظر إلى السماء للتفكّر في بديع صنع الله .
٦ - (ومنها): جواز تخلّل النوم بين صلوات الليل، وتكرار ما ذُكر من السواك، وقراءة الآيات، والوضوء.
٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ومن تبعه: فيه دليل على رَدّ مَن كَرِه قراءة القرآن على غير طهارة؛ لأنه ﷺ قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ.
وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر وغيره بأن ذلك مُفَرَّعٌ على أن النوم في حقه ينقض، وليس كذلك؛ لأنه ﷺ قال: "تنام عيناي، ولا ينام قلبي"، وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جَدّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك فتوضأ.
قال الحافظ: وهو تعقُّبٌ جَيِّد بالنسبة إلى قول ابن بطال: "بعد قيامه من النوم"؛ لأنه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لما عَقَّب ذلك بالوضوء كان ظاهرًا في كونه أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدثٌ، وهو نائم. نعم، خصوصيته أنه إن وقع شَعَر به، بخلاف غيره، وما ادَّعَوه من التجديد وغيره، الأصل عدمه، وقد سَبَق الإسماعيليُّ إلى معنى ما ذكره ابن الْمُنيِّر. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ على عادته المستمرّة كلام الحافظ هذا، ولكنه تعقّب بلا طائل، فتأمّله بالإنصاف، وبقيّة مباحث الحديث ستأتي في "كتاب الصلاة" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 3633
(١٦) - (بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٠٣] (٢٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ - خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَار، وَنَتْفُ الْإِبْط، وَقَصُّ الشَّارِبِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (سُفْيَانَ بْنُ عُيَينَةَ) الإمام المشهور المذكور في الباب الماضي.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشيّ، أبو بكر المدنيّ، الإمام الحافظ الحجة الفقيه، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الحجة الفقيه الشهير، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء.
стр. 3634
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وأبو بكر كوفيّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، والباقيان بغداديّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، وقيل: أصحّها أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن ابن سيرين، عنه، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ اوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
عَنْ أَعْرَج وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى
٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة، بل هو رئيسهم، وتقدّموا غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الْفِطْرَةُ) مبتدأ، وهو - بكسر الفاء، وسكون الطاء المهملة -: بمعنى الْخِلْقة، والمراد بها هنا السنّة القديمة التي اختارها الله تعالى للأنبياء، فكأنها أمر جِبِلّيّ، فُطِروا عليها، وسيأتي اختلاف العلماء في معناها، في "المسائل" - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (خَمْسٌ) خبر المبتدأ، وليس المراد به الحصر، فسيأتي بلفظ "عشرٌ من الفطرة"، فالحديث من أدلّة القائلين: إن مفهوم العدد غير معتبر، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي، أي أو قال (خَمْسٌ مِنَ الْفِطرَةِ) بتقديم لفظ "خمس"، وهو أظهر من الأول في إفادة عدم الحصر، وسَوَّغ الابتداء بالنكرة فيه أن فوله: "خمس" صفة لموصوف محذوفٍ، تقديره: خصالٌ خمسٌ، ثم فسرها، أو على الإضافة، أي خمسُ خصالٍ، ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الذي شُرعَ لكم خمسٌ من الفطرة، والله تعالى أعلم.
стр. 3635
[تنبيه]: التعبير في بعض روايات الحديث بالسنة بدل الفطرة يراد بها الطريقة، لا التي تقابل الواجب، وقد جَزَم بذلك الشيخ أبو حامد، والماورديّ، وغيرهما، وقالوا: هو كالحديث الآخر: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين".
وأغرب القاضي أبو بكر بن العربيّ، فقال: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبةٌ، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين! كذا قال في "شرح الموطأ".
وتعقّبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق، وهي النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها؛ اكتفاءً بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كافٍ.
ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه قال: دَلّ الخبر على أن الفطرة بمعنى الدين، والأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه أن يكون من أركانه، لا من زوائده، حتى يقوم دليل على خلافه، وقد وَرَدَ الأمر باتباع إبراهيم ﵇، وثبت أن هذه الخصال أُمر بها إبراهيم ﵇، وكلُّ شيء أَمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به.
وتُعُقِّب بأن وجوب الاتّباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه، بل يتم الاتّباع بالامتثال، فإن كان واجبًا على المتبوع كان واجبًا على التابع، أو ندبًا فندب، فيتوقف ثبوت وجوب هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل ﵇، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق ما هو الواجب من هذه الخصال، وما هو غير الواجب منها، عند تفصيل كلّ خصلة في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه آخر]: اختُلِف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة - أعني "خمس من الفطرة" - فقيل: لرفع الدلالة، وأن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: بل كان أُعْلِم أوّلًا بالخمس، ثم أُعلِم بالزيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب
стр. 3636
المقام، فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل: أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخصس المذكورة، كما حُمل عليه قوله: "الدين النصيحة"، و"الحج عرفة"، ونحو ذلك، ويدلّ على التأكيد ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: "من لم يؤخذ شاربه فليس منا"، وسنده قويّ، وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عمرو الْمَعَافريّ نحوه، وزاد فيه: "حلق العانة، وتقليم الأظافر"، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (الْخِتَانُ) بدل، أو عطف بيان لـ "خمس"، أو خبر لمحذوف، أي أجدها، أو مفعول لفعل مقدّر، أي أعني، وهو - بكسر الخاء المعجمة -: قطع الْقُلْفَة (٢) التي تُغطّي الْحَشَفَة من الرجل، وقطع بعض الجِلْدة التي في فم فرج المرأة، ويسمّى خِتان الرجل إِعْذَارًا - بالعين المهملة، والذال المعجمة، والراء - وخِتان المرأة خَفْضًا - بالخاء المعجمة، والفاء، والضاد المعجمة (٣) - قاله العراقيّ ﵀.
وقال المجد ﵀: خَتَنَ الولدَ يَخْتِنُهُ - من باب ضرب - وَيخْتُنُهُ - من باب نصر - فهو خَتِين، ومَختون: قَطَعَ غُرْلَتَهُ، والاسم ككِتَاب، وكتَابَةٍ. والْخِتَانَةُ: صِنَاعته، والْخِتَانُ موضع من الذكر. انتهى (٤).
وقال في "الفتح": الْخِتَان - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف المثنّاة - مصدر خَتَنَ: أي قَطَعَ، والْخَتْنُ - بفتح، فسكون -: قطعُ بعض مخصوص من عضو مخصوص، والْخِتَان اسم لفعل الخاتن، ولموضع الْخَتْن أيضًا، كما في حديث عائشة ﵂: "إذا التقى الختانان".
وقال أيضًا: قال أبو عُبيد: عَذَرتُ الجارية والغلام، وأعذرتهما:
стр. 3637
ختنتهما، وأختنتهما وزنًا ومعنىً، قال الجوهريّ: والأكثرون: خَفَضتُ الجارية، قال: وتزعم العرب أن الغلام إذا وُلد في القمر فُسِخت قُلْفَته، أي اتّسعت، فصار كالمختون. انتهى بتصرّف (١)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
(وَالاسْتِحْدَادُ) بالحاء، والدال المهملتين: هو حلق العانة بالحديد، سُمّي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة فيه، وهي الموسَى؛ قاله النوويّ (٢).
وقال في "الفتح": "الاستحداد" - بالحاء المهملة - استفعال من الحديد، والمراد به استعمال الموسى في حلق الشعر من مكان مخصوص من الجسد، قيل: بهذه اللفظة مشروعية الكناية عما يُسْتَحْيَى منه، إذا حصل الإفهام بها، وأغنى عن التصريح، والذي يظهر - قال الحافظ - أن ذلك من تصرّف الرواة، فقد وقع في حديثي أنس، وعائشة ﵄ الآتيين قريبًا بلفظ: "وحلق العانة"، وكذا وقع في رواية النسائيّ (٣) في حديث أبي هريرة ﵁ هذا أيضًا بلفظ: "وحلق العانة"، فتنبّه.
وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: الاستحداد: استفعال من الحديد، وهو إزالة شعر العانة بالحديد، فأما إزالته بغير ذلك، كالنتف، وبالنُّورة، فهو مُحصِّل للمقصود، لكن السنّة والأَولى الأوّل الذي دلّ عليه لفظ الحديث، فإن الاستحداد استفعال من الحديد. انتهى (٤)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
(وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) هو تفعيل من القلْم، وهو القطع، والمراد: تقطيع ما طال منها، وهو مبالغة الْقَلْم، يقال: قَلَمته قَلْمًا، من باب ضَرَبَ: إذا قطعته، وقَلَمتُ الظُّفر: أخذتُ ما طال منه، وقَلَّمتُ بالتشديد مبالغة، وتكثير؛ أفاده الفيّوميّ ﵀ (٥).
стр. 3638
ووقع في حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: "قَصّ الأظفار"، وفي حديث عائشة وأنس ﵄ بلفظ: "قَصّ الأظفار"، والتقليم أعمّ.
و"الأَظفار" - بفتح الهمزة -: جمع ظُفُر - بضم الظاء والفاء، وبسكونها - وحَكَى أبو زيد كسر أوله، وأنكره ابن سِيدَهْ، وقد قيل: إنها قراءة الحسن، وعن أبي السمّاك أنه قرأ بكسر أوله وثانيه؛ قاله في "الفتح" (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الظفر" للإنسان مذكّر، وفيه لغات:
[أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦].
[والثانية]: الإسكان؛ للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصريّ، والجمع أَظفار، وربّما جُمِع على أُظْفُر، مثلُ رُكْن وأَرْكُن.
[والثالثة]: بكسر الظاء، وزانُ حِمْل.
[والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، وقُرئ بهما في الشاذّ.
[والخامسة]: أُظْفُور، والجمع أظافير، مثلُ أُسبوع وأسابيع، قال الشاعر [من البسيط]:
مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ … وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورِ
انتهى المقصود من كلام الفيّوميّ ﵀ (٢).
والمراد بتقليمها إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإِصْبَع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه، فيُستَقذَر، وقد ينتهي إلى حدٍّ يَمنَعُ من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة الحادية عشرة - إن شاء الله تعالى -.
(وَنَتْفُ الْإِبْطِ) أي نَزْعُ شعرها، يقال: نتَفتُ الشعرَ نَتْفًا، من باب ضرب: إذا نزعته (٣).
و"الإِبْطُ": بكسر، فسكون: ما تحت الْجَناح، يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو
стр. 3639
الإبط، وهي الإبطُ، والجمع آباطٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمالٍ، ويزعم بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغة، وهو غير ثابت؛ قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "يزعم .. إلخ" وهذا هو الذي أثبته صاحب "القاموس"، ودونك عبارته: "الإبْطُ": باطن المنكب، وتُكسَر الباء، وقد يؤنّثُ، جمعه: آباطٌ. انتهى (٢)، وسيأَتي تمام البحث فيه في المسألة الثانية عشرة - إن شاء الله تعالى -.
(وَقَصُّ الشَّارِبِ") أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا، يقال: قَصَصتُه قَصًّا، من باب قتل: إذا قطعته، وقَصّيته بالتثقيل مبالغة، والأصل قَصّصته، فاجتمع ثلاثة أمثال، فأُبدل من إحداها ياء للتخفيف، وقيل: قَصّيتُ الظفرَ ونحوه، وهو الْقَلْمُ؛ قاله الفيّوميّ (٣).
و"الشارب": هو الشعر الذي يَسيل على الفم، قال أبو حاتم: ولا يكاد يُثَنّى، وقال أبو عُبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع شوارب؛ قاله الفيّوميّ أيضًا (٤).
وقال في "القاموس"، و"شرحه": الشوارب: ما سال على الفم من الشعر، قال اللحيانيّ: وقالوا: إنه لعظيم الشوارب، قال: وهو من الواحد، فُرِّقَ، فجُعِل كلُّ جزء منه شاربًا، ثمّ جُمع على هذا، وقد طَرّ شارب الغلام، وهما شاربان. انتهى.
وقيل: إنما هو الشارب، والتثنية خطأٌ، وقال أبو عليّ الفارسيّ: لا يكاد الشارب يُثنَّى، ومثله قال أبو حاتم. قال أبو عبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع شوارب. انتهى (٥).
وسيأتي تمام البحث في قصّ الشارب في المسألة الثالثة عشرة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3640
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٦/ ٦٠٣ و ٦٠٤] (٢٥٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٩٢١) موقوفًا، و (البخاريّ) في "اللباس" (٥٨٨٩ و ٥٨٩١) و"الاستئذان" (٦٢٩٧) وفي "الأدب المفرد" (١٢٥٧)، و (أبو داود) في "الترجّل" (٤١٩٨)، و (الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٥٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٩ و ١٠ و ١١) وفي "الزينة" (٥٠٤٣ و ٥٠٤٤ و ٥٢٣٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٩٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٢٩ و ٢٣٩ و ٢٨٣ و ٤١٠ و ٤٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٤٧٩ و ٥٤٨٠ و ٥٤٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٧٠ و ٤٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٩٧ و ٥٩٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٤٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣١٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان خصال الفطرة، وهي السنّة على ما يأتي من بيان اختلاف العلماء فيها في "المسألة التالية" - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستفاد منه أن مفهوم العدد ليس بحجة؛ لأنه اقتصر في حديث أبي هريرة ﵁ على خمس، وفي حديث ابن عمر ﵄ على ثلاث، وفي حديث عائشة ﵂ على عشر، مع ورود غيرها، فأفاد ذلك أن العدد لا يقتضي نفي الزيادة عليه، وهو قول أكثر الأصوليين.
وأجاب من قال بحجّيّته بما تقدّم من أن الله تعالى أعلم النبيّ ﷺ بالزيادة في خصال الفطرة بعد أن لم يكن أعلمه حين حدّث ببعضها؛ قاله الحافظ العراقيّ ﵀ (١).
٣ - (ومنها): بيان عناية الشرع في أمور النظافة، فقد شرع الله هذه الخصال لمراعاة النظافة.
стр. 3641
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذه الخصال مجتمعة في أنها محافظة على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الْخِلْقة التي خُلِق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور، وترك إزالتها يُشوِّه الإنسان، ويُقبِّحه بحيث يُستقذَرُ، ويجتنَبُ، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسُمّيت هذه الخصال فِطرةً لهذا المعنى، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
٥ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": ويتعلَّق بهذه الخصال مصالحُ دينية ودنيوية، تُدرَك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملةً وتفصيلًا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يَتَأَذَّى به، من رائحة كريهة، ومخالفةُ شعار الكفّار، من المجوس، واليهود، والنصارى، وعبّاد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]؛ لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل: قد حَسَّنتُ صوركم، فلا تُشَوِّهوها بما يُقَبِّحها، أو حافظوا على ما يَستَمِرّ به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة، وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة، كان أَدْعَى لانبساط النفس إليه، فيُقْبَل قوله، ويُحمَد رأيه، والعكس بالعكس. انتهى (٢).
٦ - (ومنها): ما قاله ابن عبّاس ﵄ أن هذه الخصال هي التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم؛ فأتمّهنّ، فجعله الله تعالى إمامًا.
أخرج عبد الرزاق في "تفسيره"، والطبريّ بسند صحيح، عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله تعالى بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد … الحديث (٣).
وفي "تفسير ابن كثير" ﵀: وقد اختُلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل؛، فرُوي عن ابن عبّاس ﵄ في ذلك روايات، فرُوي عنه: ابتلاه الله بالمناسك، ورُوي عنه: ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس
стр. 3642
في الجسد، في الرأس: قصّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظافير، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. رواه الطبريّ، والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ (١).
وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس أنه كان يقول في تفسير هذه الآية قال: عشر، ستّ في الإنسان، وأربع في المشاعر، فأما التي في الإنسان، فحلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هُبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة، والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت خصال الفطرة المذكورة في هذا الحديث وغيره، فقلت:
يَا أَيُّهَا الطَّالِبُ حُسْنَ السِّيرَةِ … عَلَيْكَ إِدْمَانُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ
فَإِنَّهَا تَصُونُ حُسْنَ الصُّورَةِ … وَتَحْفَظُ الْوُدَّ مَعَ الْعَشِيرَةِ
فَاخْتَتِنَنْ وَاسْتَكْ وَقَلِّمْ وَافْرُقِ … وَاغْسِلْ بَرَاجِمَكَ ثُمَّ اسْتَنْشِقِ
وَمَضْمِضَنْ وَاسْتَنْثِرَنْ وَانْتَضِحَا … وَقُصَّ شَارِبَكَ وَفِّرِ اللِّحَى
وَاسْتَنْجِ وَاحْلِقْ عَانَةً وَاغْتَسِلِ … لِجُمْعَةٍ بِنَتْفِ إِبْطٍ أَكْمِلِ
فَتِلْكَ عَشْرٌ مَعَ خَمْسٍ وَرَدَا … فِيمَا مِنَ الأَخْبَارِ نَقْلُهُ بَدَا
وَبَعْضُهَا بِهَا الْخَلِيلُ قَدْ بُلِي … فَفَازَ أَنْ كَانَ إِمَامَ الْكُمَّلِ
وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ … يَا فَوْزَ مَنْ نَالَ سُلُوكَ شَرْعِهِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الفطرة:
قال الخطابيّ ﵀: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة،
стр. 3643
وكذا قاله غيره، قالوا: والمعنى أنها من سنن الأنبياء.
وقالت طائفة: المعنى بالفطرة الدين، وبه جزم أبو نعيم في "المستخرج"، وقال النووي في "شرح المهذّب": جزم أبو إسحاق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث الدين.
واستَشْكَل ابن الصلاح ما ذكره الخطابيّ، وقال: معنى الفطرة بعيدٌ من معنى السنة، لكن لعل المراد أنه على حذف مضاف، أي سنة الفطرة.
وتعقّبه النوويّ بأن الذي نقله الخطابي هو الصواب، فإن في "صحيح البخاري " عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "من السنة قَصُّ الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار"، قال: وأصح ما فُسِّر الحديث بما جاء في رواية أخرى، لا سيّما في البخاري. انتهى.
قال الحافظ: وقد تبعه شيخنا ابن الملَقّن على هذا، ولم أَرَ الذي قاله في شيء من نسخ البخاريّ، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ: "الفطرة"، وكذا من حديث أبي هريرة. نعم، وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية، وفي أخرى بلفظ: "الفطرة"، كما في رواية مسلم، والنسائيّ، وغيرهما.
وقال الراغب: أصل الفَطْر - بفتح الفاء - الشّقّ طُولًا، ويُطلَق على الوهي، وعلى الاختراع، وعلى الإيجاد، والفِطْرة: الإيجاد على غير مثال.
وقال أبو شامة: أصل الفطرة الْخِلْقة المبتدَأَة، ومنه فاطر السماوات والأرض، أي المبتدئ خَلْقَهُنّ، وقوله ﷺ : "كلُّ مولود يولد على الفطرة"، أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، والمعنى أن كلَّ أحد لو تُرِك من وقت ولادته، وما يؤديه إليه نظره، لأدّاه إلى الدين الحقّ، وهو التوحيد، ويؤيده قوله تعالى قبلها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وإليه يشير في بقية الحديث، حيث عَقّبه بقوله: "فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه".
والمراد بالفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فُعِلت اتَّصَفَ فاعلُها بالفطرة التي فَطَر الله العباد عليها، وحَثَّهم عليها، واستحبها لهم؛ ليكونوا على أكمل الصفات، وأشرفها صورة. انتهى.
стр. 3644
وقد ردّ القاضي البيضاويّ الفطرةَ في حديث الباب إلى مجموع ما وَرَدَ في معناها، وهو الاختراع، والسنة، فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أَمْرٌ جِبِلِّيّ، فُطِروا عليها. انتهى (١).
وقال العلامة أبو عبد الله القرطبي المفسّر ﵀: واختَلَف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة، منها:
الإسلام، قاله أبو هريرة، وابن شهاب، وغيرهما، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف، من أهل التأويل.
واحتجوا بالآية، وحديث أبي هريرة ﵁، وعَضَدُوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعيّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للناس يومًا: "ألا أحدّثكم بما حدّثني الله في كتابه؟ إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء، مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا، لا حرام فيه، فجَعَلوا مما أعطاهم الله حلالًا وحرامًا … " الحديث (٢)، وبقوله ﷺ : "خمس من الفطرة"، فذكر منها قصّ الشارب، وهو من سنن الإسلام، وعلى هذا التأويل، فيكون معنى الحديث أن الطفل خُلِق سليمًا من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم، حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يُدركوا في الجنة، أولاد مسلمين كانوا، أو أولاد كفار.
وقال آخرون: الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فَطَر الله عليه خلقه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر المبتدئ.
واحتجُّوا بما رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، قال المروزيّ: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه.
стр. 3645
قال أبو عمر في كتاب "التمهيد" له: ما رَسَمَه مالك في "موطئه" وذَكَر في "باب القدر" فيه من الآثار يدلّ على أن مذهبه في ذلك نحوُ هذا، والله أعلم.
ومما احتجُّوا به ما رُوِيَ عن كعب القرظيّ في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صَيَّره إلى الضلالة، وإن عَمِل بأعمال الهدى، ومَن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيَّره إلى الهدى، وإن عَمِل بأعمال الضلالة، ابتَدَأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعَمِل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردَّه الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قال القرطبيّ: وجاء معنى قول كعب هذا مرفوعًا من حديث عائشة ﵂ قالت: دُعِي رسول الله ﷺ إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عُصفُور من عصافير الجنة، لم يَعمَل السوء، ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب اَبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم"، أخرجه ابن ماجه في "السنن". وخرّج أبو عيسى الترمذيّ، عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ "، فقلنا: لا، يا رسول الله، إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا يُنقَص منهم أبدًا"، ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا … "، وذَكَر الحديث، وقال فيه: حديث حسن.
وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ولا قوله ﷺ : "كلُّ مولود يولد على الفطرة" العموم، وإنما المراد بالناس المؤمنون؛ إذ لو فَطَر الجميع على الإسلام، لَمَا كَفَرَ أحدٌ، وقد ثبت أنه خَلَق أقوامًا للنار، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء، وقال في الغلام الذي قتله الخضر: "طُبع يومَ طُبع كافرًا".