← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، وقال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس، وكذا قال ابن عمار، وزاد: ولم يكن صاحب حديث، وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صدوق، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، ولا أُبَرِّئه من أن يُخطئ في بعض الأحايين في بعض رواياته، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: صدوقٌ ثقةٌ، لكنه خَرِفَ، فاضطرب عليه حديثه، وقال ابن سعد: أصابه الفالج قبل موته، حتى ضَعُف، وتَغَيَّر، واختلط، وحَكَى القرّاب اختلاطه عن إبراهيم بن أبي العباس، وكذا حكاه مَسْلَمة الأندلسيّ، ووَثَّقه، وقال: من سمع منه قبل التغير فروايته صحيحة. وقال أسلم بن سهل في "تاريخ واسط" عن عبد الحميد: توفي سنة (٨٠)، وذكر الحاكم في "المدخل" أن مسلمًا إنما أخرج له في الشواهد. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل هذا الكلام في "التهذيب" عن الحاكم، ولم يتعقّبه، وعندي فيه نظرٌ؛ لأن حديث الباب يردّه؛ لأنه ما أخرج له في الشواهد، وإنما أخرج له في الأصول، فتأمله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن سعد: كان ثقةً، مات ببغداد سنة (١٨١)، وهو ابن تسعين سنة، أو نحوها، وقال البخاريّ: يقال: مات سنة (١٨١) وهو ابن مائة سنة وسنة، وكذا جزم به ابن حبان. قال الحافظ: وفي هذا المقدار في سِنِّه نظر، فقد تقدم أنه قال: فَرَض لي عمر بن عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، فيكون مولده على هذا سنة (٩١) أو اثنتين؛ لأن ولاية عمر كانت سنة (٩٩)، وقد ذكروا أنه تُوُفِّي سنة (٨١) فيكون عمره تسعين سنة، أو تسعين وأشهرًا، وعلى هذا فيبعد إدراكه لعمرو بن حريث بُعْدًا بَيِّنًا. انتهى. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٥٠ و (٤٧٥) و (٢٠٣٨) (و ٢٨٤٤). والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ" هو: سعد بن طارق، و"أَبُو حَازِمٍ": هو سلمان الأشجعيّ.

стр. 3572

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى خلف، فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو مالك أخرج له في التعاليق. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو مالك، عن أبي حازم. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ ﵀، أنه (قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أي وراءه (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "أبي هريرة" (فَكَانَ) أي أبو هريرة (يَمُدُّ يَدَهُ) أي يُطيل غسله بيده (حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ) "حتى" غاية للمدّ، والفعل مبنيّ للفاعل، يعني أنه يبالغ في إطالة الغسل إلى أن تبلغ يده إلى إبطه. و"الإبط" بكسر، فسكون: ما تحت الْجَنَاح، ويُذكّر ويؤنَّثُ، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، ومن كلامهم: رفع السوط حتى بَرَقَت إبطه، والجمع آباط، مثلُ حِمْل وأحمال، قال الفيّوميّ ﵀: ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغةٌ، وهو غير ثابت؛ لأن سيبويه قال: لم يجئ على فِعِلٍ بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا حرفان: إِبِلٌ، وحِبِرٌ، وهو الْقَلَح (١)، ومن الصفات إلا حرفٌ واحدٌ، وهي امرأةٌ بِلِزٌ، وهي الضخمة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أنكر الفيّوميّ كسر الباء، لكن في "القاموس" ما يُفيد أنه لغة، والله تعالى أعلم. قال أبو حازم: (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟) "ما" استفهاميّة، مبتدأ، أو خبر مقدّم، و"هذا" خبره، أو مبتدأ مؤخّر، و"الوضوء"

стр. 3573

نعتٌ لاسم الإشارة، أو بدلٌ منه، أو عطف بيان، كما قال بعضهم: مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ "أَل" … يُعْرَبُ نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ يقول: أيُّ شيء هذا الوضوء الذي يُخالف صفة الوضوء التي كنت تتوضّؤها قبل هذا؟ لأن أبا هريرة ﵁ كان لا يتوضّأ هذا الوضوء إذا كان بين الناس، كما يدلّ عليه قوله: (فَقَالَ) أبو هريرة ﵁ (يَا بَنِي فَرُّوخَ) بفتح الفاء، وتشديد الراء، قال النوويّ ﵀: قال صاحب "كتاب العين": "فرُّوخ" بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم ﵇، من ولد كان بعد إسماعيل، وإسحاق، كثُرَ نسله، ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد. قال القاضي عياض ﵀: أراد أبو هريرة ﵁ هنا الموالي، وكان خطابه لأبي حازم. انتهى (١). وفي "القاموس"، و"شرحه": "وفَرُّوخ" كتَنُّور أخو إسماعيل، وإسحاق، أبو العجم الذين هم في وسط البلاد، وهو فارسيّ، ومعناه: السعيد طالعه، وقد تسقط واوه في الاستعمال، وهو غير منصرف؛ للعجمة والعلميّة. انتهى بتغيير يسير (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قصد أبو هريرة ﵁ بقوله: "أنتم ها هنا" الموالي، وكان خطابه لأبي حازم سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عَزّة الأشجعيّة، وليس بأبي حازم سلمة بن دينار الفقيه الزاهد المدنيّ، مولى بني مخزوم، وكلاهما خرّج عنه في "الصحيح" (٣). (أَنْتُمْ هَا هُنَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأنتم ها هنا؟، أي حاضرون في هذا الموضع (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ) أي لئلا يعتقدوا أنه من واجبات الوضوء، قال القاضي عياض ﵀: أراد أبو هريرة ﵁ بكلامه هذا أنه ينبغي لمن يُقتدَى به إذا ترخّص في أمر لضرورة، أو تَشَدَّد لوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهبًا شذّ به عن الناس أن لا يفعله بحضرة

стр. 3574

العامّة الْجَهَلَة؛ لئلا يترخّصوا برخصته؛ لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما تشدّد فيه هو الفرض اللازم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قول القاضي: "لوسوسة" فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه ليس التشدّد للوسوسة مشروعًا، بل الذي ينبغي للإنسان إذا ابتُلي بالوسواس أن لا يلتفت إليه، بل يبتعد، ويعرض عنه، ويستعيذ بالله منه، فإنه من الشيطان، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: وإنكارهم على أبي هريرة ﵁، واعتذاره عن إظهار ذلك الفعل يدلّ على انفراده بذلك الفعل. انتهى (٢). وفي رواية ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (١/ ٥٥) عن عليّ بن مُسهر، عن يحيى بن أيوب البجليّ، عن أبي زُرعة، قال: دخلت على أبي هريرة، فتوضّأ إلى منكبيه، وإلى ركبتيه، فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مبلغ الحلية مبلغ الوضوء"، فأحببتُ أن يزيدني في حِليتي. وهذا إسناد قويّ، رجاله رجال الشيخين عدا يحيى بن أيوب، وهو ثقةٌ، وقد خالفه عُمارة بن القعقاع، فوقفه على أبي هريرة. ورواه أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣٢)، والبخاريّ في "صحيحه" (٥٩٥٣) من طريقين عن عُمارة، عن أبي زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة … ثم دعا بتَوْر من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: منتهى الحلية. انتهى (٣).

стр. 3575

ثم قال أبو هريرة ﵁ مبيّنًا مُستنده في وضوئه على هذه الكيفيّة (سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ ) فَعِيل بمعنى فاعل: هو الصَّدِيق، من الْخَلّة، بالفتح: وهي الصداقة، والضم لغة، كما في "المصباح"، وفي "اللسان": قال ابن دُريد: الذي سَمِعتُ به أن معنى الخليل: الذي أصفى المودّة، وأصحّها، قال: ولا أزيد فيها شيئًا؛ لأنها في القرآن، يعني قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، والجمع أخلّاء، وخُلّان، والأنثى خَلِيلة، والجمع خليلاتٌ، وقال الزجّاج: الخليل المحبّ الذي ليس في محبّته خَلَلٌ، وقوله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾؛ أي أحبّه محبّةً تامّةً، لا خلَل فيها، قال: وجائز أن يكون معناه الفقير: أي اتّخذه مُحتاجًا فقيرًا إلى ربِّه، قال: وقيل للصداقة خُلّةٌ؛ لأن كلّ واحد منهما يَسُدّ خلل صاحبه في المودّة والحاجة إليه. انتهى (١). يعني أنه سمع النبيّ ﷺ (يَقُولُ: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ) ولفظ النسائيّ: "تبلُغُ حليةُ المؤمن"، ولفظ ابن حبّان: "تبلغ حِلية أهل الجنّة مبلغ الوضوء". و"الْحِلْية": - بكسر المهملة، وسكون اللام، وياء مُخفّفة - تُطلَق على السِّيماء، والمراد به هنا التحجيل من أثر الوضوء يوم القيامة، وعلى الزينة، والمراد به ما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣١] (٢). وقال في "اللسان": "الْحَلْيُ" - أي بفتح الحاء، وسكون اللام -: ما تُزُيِّن به من مصوغ المعدنيّات، أو الحجارة، والجمع "حُلَى" - أي بالضمّ - وقال الجوهريّ: "الْحَلْيُ" - أي بفتح، فسكون -: حَلْيُ المرأة، وجمعُهُ حُلِيٌّ، مثلُ ثَدْي وثُدِيّ، وهو فُعُول، وقد تُكسر الحاء؛ لمكان الياء، مثلُ عِصِيّ، وقُرئ ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بالضمّ، والكسر، وحِلْيةُ السيف، جمعها: حِلًى، مثلُ لِحْية ولحًى، وربّما ضُمّ. انتهى (٣). والمعنى المراد هنا: أن زينة المؤمن التي يُزيّنه الله تعالى بها في القيامة تبلغ (حَيْثُ يَبْلُغُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب قَعَدَ، مبنيًّا للفاعل، والفاعل

стр. 3576

قوله: (الْوَضُوءُ") أي المواضع التي كان يبلغ إليها ماء الوضوء في الدنيا، فـ "حيثُ" ظرف لـ"يَبْلُغُ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٣/ ٥٩٢] (٢٥٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٤٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٥٥) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٥٦ - ٥٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان منتهى حلية المؤمن في الآخرة، وهو حيث يبلُغ الوضوء. ٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن لا يفعل عند العوامّ ما لا يعرفون، إذا خاف عليهم أن يفهموا منه غير المراد. ٣ - (ومنها):، بيان شرف هذه الأمّة، حيث أكرمها الله بالغرّة والتحجيل، ولم يجعل ذلك لغيرها من الأمم. ٤ - (ومنها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل بمجاوزة محلّ الفرض، وقد اختلف العلماء في القدر المستحبّ منه، فقيل: يُستحبّ فوق المرفقين، والكعبين من غير تحديد، وقيل: إلى نصف العضد والساق، وقيل: إلى المنكبين والركبتين، وهو مقتضى ظواهر الأحاديث، كما قال النوويّ ﵀. وقال ابن دقيق العيد ﵀: ليس في الحديث تقييد، ولا تحديد لمقدار ما يُغسل من العضدين والساقين، وقد استَعمل أبو هريرة ﵁ الحديث على إطلاقه، وظاهره، من طلب إطالة الغرّة، فغسل إلى قريب المنكبين، ولم يَنقُل

стр. 3577

ذلك عن النبيّ ﷺ ، ولا كثُر استعماله في الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حدّ ذلك نصف العضد والساق. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لم يقل به الفقهاء، فيه نظر، لأنه قد تقدّم أنه قد صرّح باستحبابه جماعة من السلف، وهو مذهب أبي هريرة، وابن عمر ﵃، وبه قال أكثر الشافعيّة، والحنفية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٣] (٢٥١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِه، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِد، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاة، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلّهم تقدّموا قبل باب، وتقدّم ذكر لطائف الإسناد أيضًا هناك. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلا أَدُلُّكُمْ) وفي رواية أبي عوانة بلفظ: "ألا أخبركم"، و"ألا" - بفتح الهمزة، والتخفيف -: أداة تحضيض، ومعناه: طلبُ الشيء بحثّ، وقد تقدّم غير مرّة.

стр. 3578

وقال المباركفوري ﵀: قوله: "ألا أدلّكم" الهمزة للاستفهام، "ولا" نافية، وليست "ألا" للتنبيه بدليل قولهم: بلى. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: الهمزة للاستفهام، و"لا" نافية فيه نظرٌ؛ لأن "ألا" التي تكون للاستفهام عن النفي لا يليها إلا الجملة الاسميّة، كما في قول الشاعر [من البسيط]: أَلَا اصْطِبَارَ لِسَلْمَى أَمْ لَهَا جَلَدُ … إِذَا أُلَاقِي الَّذِي لَاقَاهُ أَمْثَالِي (٢) ولأن المعنى عليه غير واضح، فالأولى ما قدّمته، والله تعالى أعلم. (عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ) أي يزيل بذلك الفعل (الْخَطَايَا) - بالفتح -: جمع خَطيئة، وهو جمع نادر، و"الخطيئة": الذنب عن عمد، وقد تقّدم في الكلمة قريبًا، فلا تنس. قال القاضي عياض ﵀: مَحْوُ الخطايا كناية عن غفرانها، قال: ويحتمل مَحْوُها من كتاب الحفظة، ويكون دليلًا على غفرانها. انتهى. (وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ ") أي يُعلي به المنازل في الجنّة. (قَالُوا) أي الصحابة المخاطبون بهذا الكلام (بَلَى) أي دلّنا على ذلك (يَا رَسُولَ الله، قَالَ) ﷺ ("إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) خبر لمحذوف، دلّ عليه السياق: أي هو إسباغ الوضوء، أي إتمامه، وإكماله باستيعاب المحلّ بالغسل والمسح، وتثليث الغسل، وإطالة الغرّة والتحجيل. وقال الحافظ أبو عمر ﵀: "إسباغ الوضوء": الإكمال والإتمام في اللغة، من ذلك قول الله : ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] يعني أتمها عليكم، وأكملها، وإسباغ الوضوء أن تأتي بالماء على كلّ عضو يلزمك غسله، وتعمّه كلّه بالماء، وجرّ اليد، وما تأت عليه بالماء منه، فلم تغسله، بل مسحته، ومن مسح عضوًا يلزمه غسله، فلا وضوء له، ولا صلاة، حتى يَغسل ما أمر الله بغسله على حسبما وصفت لك (٣).

стр. 3579

(عَلَى الْمَكَارِهِ) جمع مَكْرَهٍ - بفتح الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء -: وهو ما يَكرهه الإنسان، ويَشُقّ عليه، والْكُرْهُ - بالضمّ والفتح -: المشقّة. والمراد هنا: أن يتوضّأ مع البرد الشديد، والعلل التي يتأذّى معها بمسّ الماء، ومع إعوازه، والحاجة إلى طلبه، والسعي في تحصيله، أو ابتياعه بالثمن الغالي، وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقّة، أفاده ابن الأثير ﵀ (١). وقال أبو عمر ﵀: قوله: "على المكاره": قيل: إنه أراد شدّة البرد، وكل حال يُكْرِه المرء نفسَهُ على الوضوء، ومنه تكسيل الشيطان له عنه (٢). (وَكَثْرَةُ الْخُطَا) بالرفع عطفًا على "إسباغ"، أي كثرة التردّد إليها، و"الْخُطَى" بالضمّ والقصر: جمع خُطْوة بالضمّ أيضًا، وهي ما بين القدمين، ويُجمع أيضًا على خُطْوات بضمّ، فسكون وعلى خُطُوات بضمّتين، قاله في "اللسان" (٣). (إِلَى الْمَسَاجِدِ) متعلّق بـ "كثرةُ الخطا"، قال النوويّ ﵀: وكثرة الخطا تكون ببعد الدار، وبكثرةِ التكرار. (وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) أي انتظار وقتها، أو جماعتها (بَعْدَ الصَّلَاةِ) أي بعد أدائها، يعني أنه إذا صلَّى بالجماعة، أو منفردًا ينتظر صلاةً أخرى، ويُعلّق قلبه بها، وذلك بأن يجلس في المسجد، أو في بيته ينتظرها، أو يكون في شُغله، وقلبه معلّقٌ بها، أفاده المباركفوريّ، وقال السيوطيّ: يحتمل وجهين: أحدهما الجلوس في المسجد، والثاني تعلّق قلبه بالصلاة والاهتمام بها، والتأهّب لها. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقال القاضي أبو الوليد الباجيّ ﵀: هذا في المشتركتين من الصلوات في الوقت، وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في تفريق الباجيّ بين المشتركتين، وبين غيرهما نظر لا يخفى؛ إذ ظاهر النصّ عموم النوعين، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

стр. 3580

(فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ") وفي الرواية التالية: "فذالكم الرباط، فذالكم الرباط" بالتكرار مرّتين، وفي رواية أبي عوانة بالتكرار ثلاث مرّات، وهو مبتدأ وخبره، والإشارة إلى ما ذُكر من الأعمال، أي الرباط الْمُرَغَّب فيه، وأصل الرباط: الحبس على الشيء، كأنه حَبَسَ نفسه على هذه الطاعة، قيل: ويحتمل أنه أفضل الرباط، كما قيل: الجهاد جهاد النفس، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن، أي أنه من أنواع الرباط؛ قاله القاضي عياضٌ ﵀. وقال السيوطيّ ﵀: قوله: "فذلك الرباط": أي المذكور في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية [آل عمران: ٢٠٠]، وحقيقته ربط النفس والجسم مع الطاعات، وحكمة تكراره قيل: الاهتمام به، وتعظيم شأنه، وقيل: كرّره ﷺ على عادته في تكرار الكلام؛ ليُفهم عنه، قال النوويّ: والأول أظهر. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀: قيل: أراد به المذكور في قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾، وحقيقته: ربطُ النفس والجسم مع الطاعات، وقيل: المراد هو أفضل الرباط، كما قيل: "الجهاد جهاد النفس" (٢)، وكما قال ﷺ : "الحجّ عرفة" (٣)، والرباطُ ملازمة ثَغْر العدوّ؛ لمنعه، وهذه الأعمال تسدُّ طُرُق الشيطان عنه، وتمنع النفس عن الشهوات، وعداوةُ النفس والشيطان لا تخفى، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي فيه قهر أعدى عدوّه، فلذلك قال: "الرباط" بالتعريف والتكرار تعظيمًا لشأنه، ويحتمل أنه الرباط المتيسّر الممكن. انتهى كلام السنديّ بزيادة من "المفهم" (٤). وقال ابن منظور ﵀: "الرِّبَاط" بكسر الراء في الأصل: الإقامة على

стр. 3581

جهاد العدوّ بالحرب، وارتباط الخيل، وإعدادها، فشُبِّهَ ما ذُكِر من الأعمال الصالحة به، قال الْقُتَبيّ: أصل المرابطة أن يربِط الفريقان خيولهما في ثَغْر، كلٌّ منهما مُعِدّ لصاحبه، فسُمّي الْمُقَام في الثُّغُور رِبَاطًا، ومنه قوله ﷺ : "فذلكم الرباط"، أي أن المواظبة على الطهارة والصلاة كالجهاد في سبيل الله، فيكون الرباط مصدر رابطتُ، أي لازمتُ، وقيل: هو ها هنا اسم لِمَا يُربَط به الشيء، أي يُشدّ، يعني أن هذه الخلال تَرْبِط صاحبها عن المعاصي، وتكفّه عن المحارم. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٤/ ٥٩٣ و ٥٩٤] (٢٥١)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٥١ و ٥٢)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٤٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٥ و ٢٧٧ و ٣٠١ و ٣٠٣ و ٤٣٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٢٣ و ٦٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٨٥ و ٥٨٦ و ٥٨٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٨٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل إسباغ الوضوء على المكاره، وأخرج ابن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد" بسند صحيح، عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تَغسل الخطايا غَسْلًا" (٢).

стр. 3582

ورَوَى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عُبيد بن عُمير، قال: مِن صدق الإيمان وبِرّه إسباغُ الوضوء في المكاره، ومن صدق الإيمان وبِرّه أن يخلو الرجل بالمرأة الجميلة، ويَدَعَها، ولا يَدَعُها إلا لله (١). ثم إن المكاره قد تكون ببرودة الماء في الشتاء، أو حرارته في الصيف، أو ألم الجسم، أو نحو ذلك، كما أسلفناه قريبًا. ٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: هذا الحديث من أفضل الأحاديث التي تُروى في فضائل الأعمال (٢). ٣ - (ومنها): مشروعيّة طرح العالم المسألة على المتعلّم، وابتداؤه بالفائدة، وعرضُها على من يرجو حفظها، وحملها، قاله ابن عبد البرّ ﵀ أيضًا. ٤ - (ومنها): الترغيب في كثرة الخطا إلى المساجد، وذلك يكون ببعد المسجد، أو تكرار الذهاب إليه، أو بهما معًا. ٥ - (ومنها): فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، فإن المنتظر يعدّ كأنه في الصلاة ما دامت الصلاة تحبسه، فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أخَّر رسول الله ﷺ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: "إن الناس قد صَلَّوا، ورَقَدُوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): حيث إن بعض العلماء قال: إن المراد بهذا الحديث هو ما في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠] أحببت أن أذكر ما قاله المفسّرون في هذه الآية إيضاحًا للمقام، وتكميلًا للمرام، فقلت: قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره": قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ قال الحسن البصريّ: أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يَدَعُوه لسَرّاء، ولا

стр. 3583

لِضَرّاء، ولا لشدّة، ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك قال غير واحد من علماء السلف. وأما المرابطة: فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس، وسهل بن حنيف، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وغيرهم، ورَوَى ابن أبي حاتم ها هنا الحديث الذي رواه مسلم - يعني حديث الباب. وأخرج ابن مردويه بسنده: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أقبل علي أبو هريرة يومًا، فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قلت: لا، قال: أما إنه لم يكن في زمان النبيّ ﷺ غَزْوٌ يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يَعْمُرون المساجد، ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: ﴿اصْبِرُوا﴾ أي على الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في مساجدكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبيّ ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: "اتّقِ اللهَ حيثما كنت، وأَتْبع السيئة الحسنة تَمْحُها، وخالقِ الناسَ بخلق حسن". ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة، وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو صَخْر، عن محمد بن كعب الْقُرَظيّ أنه كان يقول في قول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: اتّقوني فيما بيني وبينكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: غَدًا إذا لقيتموني. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ الآية خَتَمَ تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جَمَعت الظهور في الدنيا على الأعداء، والفوزَ بنعيم الآخرة، فَحَضَّ على الصبر على الطاعات، وعن الشهوات، والصبر: الحبس، وأَمَر بالمصابرة،

стр. 3584

فقيل: معناه مصابرة الأعداء، قاله زيد بن أسلم، وقال الحسن: على الصلوات الخمس، وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها، فهي تدعو، وهو يَنْزِع، وقال عطاء، والقُرَظيّ: صابروا الوعد الذي وُعِدتم، أي لا تيأسوا، وانتظروا الفرج، قال ﷺ : "انتظار الفرج بالصبر عبادة" (١)، واختار هذا القول أبو عمر ﵀، والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة [من الطويل]: فَلَمْ أَرَ حَيًّا صَابَرُوا مِثْلَ صَبْرِنَا … وَلَا كَافَحُوا مِثْلَ الَّذِينَ نُكَافِحُ فقوله: "صابروا مثل صبرنا": أي صابروا العدوّ في الحرب، ولم يَبْدُ منهم جُبْنٌ ولا خَوَرٌ، والمكافحة: المواجهة، والمقابلة في الحرب. ولذلك اختلفوا في معنى قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾، فقال جمهور الأمة: رابِطُوا أعداءكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وفي "الموطأ" عن مالك، عن زيد بن أسلم، قال: كتب أبو عبيدة بن الجرّاح إلى عمر بن الخطاب، يذكر له جُموعًا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعدُ: فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن شدّة، يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يَغْلِب عسرٌ يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ غزو يُرابَط فيه (٢)، رواه الحاكم أبو عبد الله في "صحيحه"، واحتج أبو سلمة بقوله ﷺ : "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الْخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط"، ثلاثًا، رواه مالك.

стр. 3585

قال ابن عطية ﵀: والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله، أصلها مِن ربط الخيل، ثم سمي كُلُّ ملازم لِثَغْر من ثغور الإسلام مرابطًا، فارسًا كان أو راجلًا، واللفظ مأخوذ من الربط، وقول النبيّ ﷺ : "فذلكم الرباط" إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعة"، وقوله: "ليس المسكين بهذا الطَّوّاف". قال القرطبيّ: قوله: "والرباط اللغويّ هو الأول" ليس بِمُسَلَّم، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها، قد قال: "الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضًا". فقد حَصَل أن انتظار الصلاة رباط لغويّ حقيقةً كما قال ﷺ ، وأكثرُ مِن هذا ما قاله الشيبانيّ: إنه يقال: ماءٌ مترابطٌ: أي دائمٌ لا يَنْزَح، حكاه ابن فارس، وهو يقتضي تعدية الرباط لغةً إلى غير ما ذكرناه، فإن المرابطة عند العرب العقد على الشيء، حتى لا يَنْحَلَّ، فيعود إلى ما كان صَبَرَ عنه، فيحبسُ القلب على النية الحسنة، والجسم على فعل الطاعة، ومن أعظمها، وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نُصّ عليه في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وارتباطُ النفس على الصلوات، كما قاله النبيّ ﷺ ، رواه أبو هريرة، وجابر، وعليّ ﵃، ولا عِطْرَ بعد عروس. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من أن تفسير الآية هو المرابطة في ثَغْر العدوّ هو الأرجح، ولكن لا ينافي ذلك أن يكون المرابطة في الخصال المذكورة في حديث الباب رباطًا لغويًّا أيضًا؛ لأن أهل اللغة قد أثبتوه، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قد ورد في فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: (٦٤٦٢) حدثنا عفّان، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن ثابت، عن

стр. 3586

أبي أيوب، أن نَوْفًا، وعبد الله بن عمرو - يعني ابن العاصي - اجتمعا، فقال نوف: "لو أن السموات والأرض، وما فيهما، وُضِع في كِفّة الميزان، ووُضِعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرَجَحت بهنّ، ولو أن السموات والأرض، وما فيهنّ، كُنّ طَبَقًا من حديد، فقال رجل: لا إله إلا الله لخرقتهنّ، حتى تنتهي إلى الله ". فقال عبد الله بن عمرو: صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فعَقَّب مَن عَقَّب، ورَجَع من رجع، فجاء ﷺ ، وقد كاد يَحسِر ثيابه عن ركبتيه، فقال: "أبشروا، معشر المسلمين، هذا ربكم، قد فتح بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، قَضَوا فريضةً، وهم ينتظرون أخرى" (١). وأخرجه الإمام ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (٧٩٣) حدثنا أحمد بن سعيد الدارميّ، حدثنا النضر بن شُميل، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فرَجَعَ مَن رَجَع وعَقَّبَ من عَقَّب، فجاء رسول الله ﷺ مُسْرِعًا، قد حَفَزَه النَّفَسُ، وقد حَسَر عن ركبتيه، فقال: "أبشروا، هذا ربكم، قد فَتَحَ بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي، قد قَضَوْا فريضةً، وهم ينتظرون أخرى" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٤] ( … ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ الرِّبَاط، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ثِنْتَيْنِ (٣)، "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ").

стр. 3587

رجال هذا الإسناد، سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندَر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ثِنْتَيْنِ) يعني أن في حديث مالك ذكر قوله: "فذالكم الرباط" مرّتين. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال المصنّف ﵀ أن حديث مالك فيه التكرار مرّتين، لكن الذي رأيته في "الموطّأ" رواية يحيى بن يحيى، وكذا في رواية الإمام أحمد في "مسنده" برقم (٧٩٦١)، وكذا عند النسائيّ في "المجتبى" برقم (١٤٣) تكراره ثلاث مرّات، ولم أجد التكرار مرّتين، إلا أن في رواية أحمد برقم (٧٦٧٢) بلفظ: "فذلك الرباط" مرّة واحدةً، فليُنظر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية إسماعيل بن جعفر، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٧٩٣٥) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ألا أدلّكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا: كثرة الْخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره". انتهى. وقال الإمام أحمد ﵀ أيضًا: (٧١٦٨) حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أدلّكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا: إسباغ الوضوء في المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة". انتهى.

стр. 3588

وأما رواية مالك، فقد ساقها في "الموطّأ"، فقال: (٣٤٨) وحدثني عن مالك (١)، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الْخُطَى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ السِّوَاكِ) قال أهل اللغة: السواك - بكسر السين - يُطلق على الفعل، وعلى العُود الذي يُتسوّك به، وهو مذكّر، وقيل: يؤنّث أيضًا، حكاه الليث، وغلّطه الأزهريّ، وذكر صاحب "المحكم" تأنيثه أيضًا، ويقال: ساك فاه يسوكه سَوْكًا، فإن قلت: استاك، أو تسوّك لم تذكر الفم، ومثل استاك استنّ، وشاص فاه، كما ستعلمه في الباب، وجمع "السواك" سُوُك - بضمّتين - ككتاب وكُتُب، ثم قيل: إن السواك مأخوذ من ساك: إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تتساوك، أي تتمايل هُزَالًا. وهو في الاصطلاح: استعمال عُود أو نحوه في الأسنان؛ ليذهب الصفرة وغيرها عنها، ذكره ابن الملقّن (٢). وقال ابن منظور: "السَّوْكُ": فعلك بالسِّوَاك، والْمِسْوَاك، ساك الشيءَ سَوْكًا: دَلَكَه، وسَاكَ فمه بالعود يَسُوكه سَوْكًا، قال عَدِيّ بن الرقَاع [من الكامل]: وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ وَلَذَّةً … صَهْبَاءَ سَاكَ بِهَا الْمُسَحِّرُ فَاهَا سَاكَ وسَوَّكَ واحدٌ، والْمُسَحِّرُ الذي يأتيها بسَحُورها، واستاك مُشْتَقٌّ من ساك، وإذا قلت: استاك، أو تَسَوَّك، فلا تذكر الفمَ، واسم الْعُود الْمِسْوَاك،

стр. 3589

يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقيل: السواك تؤنثه العرب، وفي الحديث: "السِّوَاكُ مِطْهَرَةٌ للفم"، بالكسر، أي يُطَهِّرُ الفم، قال أبو منصور: ما سَمِعتُ أن السواك يُؤَنَّثُ، قال: وهو عندي من غُدَدِ الليث، والسواكُ مُذَكَّر، وقوله: "مَطْهَرَة" كقولهم: "الولدُ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ مَبْخَلَةٌ"، وقولِهم: "الكفرُ مَخْبَثَةٌ"، قال: والسواك: ما يُدْلَكُ به الفم من العيدان، والسواكُ: كالْمِسْوَاك، والجمع سُوُكٌ، وأخرجه الشاعر على الأصل، فقال عبد الرحمن بن حسان [من المتقارب]: أَغَرُّ الثَّنَايَا أَحَمُّ اللِّثَا … تِ تَمْنَحُهُ سُوُكُ الإِسْحِلِ وقال أبو حنيفة: رُبّمَا هُمِز، فقيل: سُؤُكٌ، وقال أبو زيد: يُجْمَعُ السِّوَاك سُوُكٌ على فُعُل، مثل كِتَاب وكُتُب (١). وقال الفيّوميّ: "السواك": عُودُ الأَرَاك، والجمع سُوْكٌ - بالسكون، والأصل بضمتين - مثلُ كِتَاب وكُتُب، والْمِسْوَاكُ مثله، وسَوَّكَ فاه تَسْوِيكًا، وإذا قيل: تَسَوَّك، أو استاك لم يُذْكَرِ الفم، و"السّوَاكُ" أيضًا مصدرٌ، ومنه قولهم: ويكره السواك بعد الزوال، قال ابن فارس: و"السواك": مأخوذ من تَسَاوَكَت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الْهُزَال، وقال ابن دُرَيد: سُكْتُ الشيءَ أَسُوكُهُ سَوْكًا، من باب قال: إذا دَلَكْتَهُ، ومنه اشتقاق السِّوَاك. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. [٥٩٥] (٢٥٢) - (حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: عَلَى أمَّتِي - لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.

стр. 3590

٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجةٌ، رأس [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) هو: عبد الله بن ذَكْوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٦ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن فيه التحديث مرتين، والعنعنة في البقيّة. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وزهير، فما أخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي الزناد، عن الأعرج، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَوْلَا) قال العينيّ ﵀: "لولا" كلمة ربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد لأكرمتك، أي لولا زيد موجود، والمعنى هنا: لولا مخافة أن أشقّ لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناها؛ إذ الممتنع المشقّة، والموجود الأمر. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀: أي لولا خوف أن أشقّ، فلا يَرِدُ أن "لولا" لانتفاء

стр. 3591

الشيء لوجود غيره، ولا مشقّة هنا. انتهى (١). وقال الطيبيّ ﵀: إذا كان "لولا" يستدعي امتناع الشيء لوجود غيره، وظاهر أن المشقة نفسها ليست بثابتة فلا بدّ من مقدّر، أي لولا خوف المشقّة، أو توقّعها لأمرتهم. انتهى (٢). وقال البيضاويّ ﵀: "لولا" يدلّ على امتناع الشيء لثبوت غيره، والحقّ أنها مركّبة من "لو"، و"لا"، فـ"لو" تدلّ على انتفاء الشيء؛ لانتفاء غيره، فتدلّ ها هنا مثلًا على انتفاء الأمر؛ لانتفاء نفي المشقّة، وانتفاء النفي ثبوت، فيكون الأمر منفيًّا لثبوت المشقة. وفيه دليلٌ على أن الأمر للوجوب، لا للندب من وجهين: [أحدهما]: أنه نَفَى الأمر مع ثبوت الندبيّة، فلو كان للندب لما جاز ذلك. [وثانيهما]: أنه جَعَلَ الأمر ثِقَلًا ومشقّةً عليهم، وذلك إنما يتحقّق إذا كان للوجوب؛ إذ الندب لا مشقّة فيه؛ لأنه جائز الترك (٣). (أَنْ أَشُقَّ) بضمّ الشين المعجمة، من المشقّة، يقال: شَق عليَّ الأمر يَشُقُّ شَقًّا، من باب نصَرَ، ومشقّةً: أي ثَقُلَ عليّ، أفاده في "اللسان". و"أن" مصدريّة، وهي ومدخولها في محلّ رفع مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ "لَوْلَا" غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ … حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ أي لولا المشقّة، أي مخافتها موجودة لأمرتهم بالسواك. (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) متعلّق بـ "أشُقّ" (وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: عَلَى أُمَّتِي) يعني أنه اختَلَف عليه شيوخه، فقتيبة، وعمرو الناقد قالا في روايتهما: "على المؤمنين"، وقال زهير بن حرب: "على أمّتي"، وهذا من احتياطه، ومراعاته لألفاظ شيوخه، كما سبق غير مرّة. ووقع عند البخاريّ بلفظ: "لولا أن أشقّ على أمتي، أو على الناس"،

стр. 3592

قال الحافظ ﵀: قوله: "أو على الناس"، هو شكّ من الراوي، ولم أقف عليه بهذا اللفظ في شيء من الروايات عن مالك، ولا عن غيره، وقد أخرجه الدارقطنيّ في "الموطآت" من طريق "الموطأ" لعبد الله بن يوسف، شيخ البخاريّ فيه بهذا الإسناد، بلفظ: "أو على الناس"، لم يَعْدُ قوله: "لولا أن أشقّ"، وكذا رواه كثير من رواة "الموطأ"، ورواه أكثرهم بلفظ: "المؤمنين" بدل "أمتي"، ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ بلفظ: "على أمتي" دون الشك. انتهى (١). (لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ) أي باستعمال السواك؛ لأن السواك هو الآلة، وقد تقدّم أنه يُطْلَق على الفعل أيضًا، فعلى هذا لا يَحتاج إلى تقدير. (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ") أي عند إرادة أداء كلّ صلاة، فرضًا أو نفلًا، ولفظ البخاريّ: "مع كلّ صلاة"، وفي رواية مالك، والشافعيّ، والبيهقيّ، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وذكره البخاريّ تعليقًا في "كتاب الصوم" عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ وضوء"، قيل: ويوفَّق بين الروايتين أن السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة؛ لأن الوضوء شُرع لها. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ يؤدّي إلى أن السواك للوضوء يكفي للصلاة، فلا يُطلب لها، وهذا غير سديد، بل الصواب أن يُوفّق بين الروايتين على طلب السواك لكلّ من الوضوء والصلاة، كما أنه يُطلب عند تغيّر الفم؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ قال: "السواك مطهرةٌ للفم، مَرضاة للربّ" (٢)، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ ﵀: قوله: "مع كلّ صلاة" لم أرها في شيء من روايات "الموطأ" إلا عن مَعْن بن عيسى، لكن بلفظ: "عند كلّ صلاة"، وكذا رواه النسائي عن قتيبة، عن مالك، وكذا رواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن أبي الزناد، يعني هذه الرواية، وخالفه سعيد بن أبي هلال، عن الأعرج، فقال: "مع الوضوء" بدل "الصلاة"، أخرجه أحمد من طريقه، والله تعالى أعلم

стр. 3593

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٥/ ٥٩٥] (٢٥٢)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٨٨٧)، و"التمنّي" (٧٢٤٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٤٦)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٢٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٧)، وفي "الكبرى" (٦)، و (ابن ماجه) في (٢٨٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦٦)، و (الشافعيّ) في "الأمّ" (١/ ٢٣)، وفي "مسنده" (١/ ٢٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٥ و ٤٠٠ و ٥٠٩ و ٥٣١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٧٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٦٨)، و (الحاكم) في "مستداركه" (١/ ١٤٦)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٤)، وفي "المعرفة" (١/ ١٨٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٧٤ و ٤٧٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٥٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ العراقيّ ﵀: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستّة: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، من رواية الأعرج، والترمذيّ من رواية أبي سلمة، وابن ماجه من رواب لأ سعيد المقبريّ، كلّهم عن أبي هريرة ﵁. قال: واختَلفت الرواة عن مالك في إغظه، فقال أبو مصعب وجماعة: "ولأمرتهم بالسواك"، يعني أنه لم يزد: "مع كلّ صلاة"، أو نحوه، وكذا قال عبد الله بن يوسف، وزاد: "مع كلّ صلاة"، رواه البخاريّ من طريقه، وقال القعنبيّ، وأيوب بن صالح: "على المؤمنين، أو على الناس"، وكذا قال معن بن عيسى، وزاد في روايته أيضًا: "عند كلّ صلاة"، وزاد أيضًا قتيبة عن مالك في روايته: "عند كلّ صلاة"، كما رواه النسائيّ، وكذا قال ابن عيينة، عن أبي الزناد، كما رواه مسلم وغيره، وقد رواه جماعة عن مالك، عن ابن شهاب، عن حُميد،

стр. 3594

عن أبي هريرة، مرفوعًا، فزادوا فيه: "مع كلّ وضوء"، كذا رواه عن مالك الشافعيّ في رواية حرملة، ورَوْح بن عُبَادة، وبِشْر بن عُمر الزهرانيّ، وإسماعيل بن أبي أُويس، ورواه النسائيّ من رواية بشر بن عمر، والبيهقيّ من رواية رَوْح، وإسماعيل، وقد ذكرها البخاريّ في "صحيحه" تعليقًا مجزومًا، فقال: وقال أبو هريرة، ووصلها ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وصحّحها، وهي في "الموطّأ" موقوفةٌ على أبي هريرة، وليس في بعض الروايات ذكر الوضوء، وفي بعضها ذكره على الشكّ بينه وبين الصلاة. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (١). وقال الحافظ ﵀ في "التلخيص الحبير": قال ابن منده ﵀: وإسناده - يعني إسناد حديث: "لولا أن أشُقّ .. إلخ " - مُجْمعٌ على صحّته. وقال النوويّ ﵀: غَلِطَ بعض الأئمة الكبار، فزعم أن البخاريّ لم يُخرجه، وهو خطأ منه، وليس في "الموطّأ" من هذا الوجه، بل فيه عن ابن شهاب، عن حميد، عن أبي هريرة ﵁ قال: "لولا أن يَشُقّ على أمته لأمرهم بالسواك مع كلّ وضوء"، ولم يُصرّح برفعه. قال ابن عبد البرّ: وحكمه الرفع، وقد رواه الشافعيّ عن مالك مرفوعًا. وفي الباب عن زيد بن خالد، رواه الترمذيّ، وأبو داود، وعن عليّ، رواه أحمد، وعن أمّ حبيبة، رواه أحمد أيضًا، وعن عبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر، وأنس، رواه أبو نُعيم في "كتاب السواك"، وإسناد بعضها حسنٌ، وعن الزبير، رواه الطبرانيّ، وعن ابن عمر، وجعفر بن أبي طالب، رواهما الطبرانيّ أيضًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢). وزاد العلامة الألبانيّ ﵀ جماعةً آخرين: العبّاس بن عبد المطّلب، عند الحاكم، وأحمد، ورجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، عند أحمد بسند صحيح، وزينب بنت جحش، عند أحمد، وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وله رؤيةٌ، رواه أبو داود، والحاكم، وغيرهما بسند حسن. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 3595

(المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة السواك، وأنه مستحبّ في كلّ صلاة. ٢ - (ومنها): شدة حرص الشريعة على العناية بالنظافة، والمحافظة عليها؛ إذ هي مَجْلَبة للصحّة، والأُلفة والمحبّة بين المجتمع، ففي تشريع السواك حكم عظيمة، وفوائد جسيمة، فإنه مطهرة للفم، ومرضاة للربّ، كما صحّ بذلك حديث عائشة ﵂، فهو مطهّر للفم من فضلات الطعام، والروائح الكريهة التي تنشأ من بعض الأطعمة، أو من أبخرة المعدة، أو من خلل في اللثة، والأسنان، ويُنظّف الأسنان واللسان من الأوان الغريبة، والصفرة الطارئة، ويحفظ الفم من الأمراض، والأضراس من التسوّس، واللثة من الضعف والتشقّق والارتخاء، ويحفظ المعدة من عفونات الطعام التي قد تتراكم بين الأسنان، ويُطيّب الرائحة. وبالجملة فقد حثّ عليه الشرع، وجعله سببًا لرضا الربّ، وطلبه في كلّ حين، ولقد بالغ النبيّ ﷺ في استعماله، حتى إنه إذا دخل البيت بدأ به، وإذا قام من نومه بدأ به، كما سيأتي بيان ذلك اس الأحاديث، فينبغي للعاقل أن لا يُحرَم هذه الفضيلة، ولا يفوّت هذه النعمة الباردة، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الرأفة والشفقة بأمته؛ فقد ترك إيجاب السواك عليها؛ لخوفه المشقّة عليها في ذلك. ٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: فيه دليلٌ على فضل التيسير في أمور الدين، وأن ما يشقّ منها مكروه، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ألا ترى أن رسول الله ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا. انتهى (١). ٥ - (ومنها): ما قاله المهلّب ﵀: فيه جواز الاجتهاد من النبيّ ﷺ فيما لم ينزل عليه فيه نصّ؛ لكونه جعل المشقّة سببًا لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقّفًا على النصّ لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النصّ، لا وجود المشقّة. انتهى.

стр. 3596

وتُعُقّب بأنه يجوز أن يكون ﷺ أخبر أمته بأن سبب عدم ورود النصّ وجود المشقّة، فيكون معنى قوله: "لأمرتهم" أي عن الله تعالى بأنه واجب. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تُعُقّب، وهذا التعقّب، وإن كان له وجه، إلا أن مسألة الاجتهاد من النبيّ ﷺ الحقّ فيها الجواز، والوقوع، وقد حقّقت هذا في "التحفة المرضيّة" في الأصول، حيث قلت: اخْتَلَفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ … فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَوُجِدْ وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي … حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ … جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا … وَقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا فَاللهُ لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ … يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لأَمْرٍ نُسِبَا … لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ … اتَّفَقُوا فِي كَوْنِهِ فِيهَا اجْتَهَدْ ولمزيد إيضاح المسألة فراجع "شرحها" "المِنْحَة الرضيّة"، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): أنه استَدلّ أبو إسحاق الشيرازيّ ﵀ في "اللُّمَع" على أن الاستدعاء على جهة الندب ليس بأمر حقيقةً؛ لأن السواك عند كل صلاة مندوب إليه، وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به. انتهى. قال الحافظ: ويؤكِّده قوله في رواية سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة عند النسائيّ، بلفظ: "لَفَرضت عليهم" بدل "لأمرتهم". انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن الندب مأمور به، كما سيأتي تحقيقه، وأما تأكيد الحافظ كلام الشيرازي بحديث النسائيّ، فليس بواضح، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله الإمام الشافعيّ ﵀: فيه دليل على أن السواك ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمَرهم: شقّ عليهم به أو لم يشقّ. انتهى. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى. ٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "عند كل صلاة" على استحبابه للفرائض والنوافل مطلقًا، وهو الحقّ.

стр. 3597

قيل: ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة، وما ضاهاها من النوافل التي ليست تبعًا لغيرها، كصلاة العيد، وهذا اختاره أبو شامة. قال الحافظ: ويتأيد بقوله في حديث أم حبيبة ﵂ عند أحمد بلفظ: "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضؤون"، وله من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك"، فَسَوَّى بينهما، وكما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة، إلا إن طال الفصل مثلًا، فكذلك السواك. قال: ويمكن أن يُفَرَّق بينهما بأن الوضوء أشقّ من السواك، ويتأيد بما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين، ثم ينصرف، فيستاك"، وإسناده صحيح، لكنه مختصر من حديث طويل أورده أبو داود، وبَيَّن فيه أنه تَخَقَل بين الانصراف والسواك نوم، وأصل الحديث في مسلم، مُبَيَّنًا أيضًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في تقييده بالمكتوبات، وما ضاهاها نظرٌ لا يخفى، وما استدل به على ذلك غير واضح فيه، بل الحقّ أن عموم قوله: "عند صلاة" على ظاهره، فيُستحبّ لكلّ صلاة يؤديها المرء مكتوبة، أو نافلة مطلقًا دون فرق بين نوع ونوع؛ عملًا بظاهر النصّ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الأمر يقتضي التكرار؛ لأن الحديث دَلّ على كون المشقة هي المانعة من الأمر بالسواك، ولا مشقة في وجوبه مرَّةً، وإنما المشقة في وجوب التكرار. قال الحافظ ﵀: وفي هذا البحث نظرٌ؛ لأن التكرار لم يؤخذ هنا من مجرد الأمر، وإنما أُخِذ من تقييده بـ "كلّ صلاة". قال الجامع عفا الله عنه: القول باقتضاء الأمر التكرار عند خلُوّه عن القرينة هو الراجح؛ لأنه غالب أوامر الشرع، وقد أوضحت ذلك في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت: اخْتَلَفُوا هَلْ يَقْتَضي التَّكْرَارَ إِنْ … غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمَرَّةٍ يَبِنْ أَوْ ضِدِّهَا أَوْ صِفَةٍ أَوْ شَرْطِ … قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَيْسَ يُعْطِي

стр. 3598

وَأَوَّلًا رَجَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ … إِذْ هُوَ غَالِبُ النُّصُوصِ فَاعْلَمِ ولمزيد الإيضاح في المسألة، راجع "المنحة الرضيّة" شرح هذه الأرجوزة، والله تعالى وليّ التوفيق. ١٠ - (ومنها): ما قاله المهلب ﵀: فيه أن المندوبات ترتفع إذا خُشِيَ منها الحرج. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به الإمام النسائيّ ﵀ على استحباب السواك للصائم بعد الزوال؛ لعموم قوله: "كل صلاة"، وقد استوفيت هذا البحث في "شرح النسائيّ" (١)، وأعود إليه في هذا الشرح في "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى. ١٢ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀: إن الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حالًا تُقَرِّب إلى الله تعالى، فاقتضى أن تكون حالَ كمالٍ ونظافةٍ؛ إظهارًا لشرف العبادة، وقد ورد من حديث عليّ ﵁ عند البزار ما يدُلّ على أنه لأمر يتعلق بالملَك الذي يستمع القرآن من المصلي، فلا يزال يدنو منه حتى يَضَعَ فاه على فيه، لكن لا ينافي ما تقدم، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا الله عنه: أما وضع الملك فاه على في القارئ، ففيه حديث عليّ ﵁، أخرجه البزّار بسند رجاله ثقات، كما قال الحافظ الهيثميّ مرفوعًا: "إن العبد إذا تسوّك، ثم قام يُصلّي قام الملك خلفه، فيسمع لقراءته، فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يَضَعَ فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك، فطهّروا أفواهكم للقرآن" (٢). وأما كونه يتأذّى بالرائحة الكريهة، فيدلّ له ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من أكل من هذه البقلة: الثوم"، وقال مرّةً: "من أكل البصل، والثوم، والكرّاث، فلا يقربنّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 3599

(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم السواك: ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوبه، بل ادّعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حَكَى الشيخ أبو حامد، وتبعه الماورديّ، عن إسحاق بن راهويه، أنه قال: هو واجب لكل صلاة، فمن تركه عامدًا بَطَلَت صلاته، وعن داود أنه قال: وهو واجب، لكن ليس شرطًا. واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجهْ من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "تَسَوَّكُوا"، ولأحمد نحوه من حديث العباس، وفي "الموطأ" في أثناء حديث: "عليكم بالسواك"، ولا يثبت شيء منها، وعلى تقدير الصحة فالمنفيّ في مفهوم حديث الباب الأمر به مُقَيَّدًا بكل صلاة، لا مطلق الأمر، ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق، ولا من ثبوت المطلق التكرار، قاله في "الفتح". وقال النوويّ ﵀: السواك سنةٌ، ليس بواجب في حال من الأحوال، لا في الصلاة، ولا في غيرها، بإجماعِ مَن يُعْتَدُّ به في الإجماع، وقد حَكَى الشيخ أبو حامد الإسفرايينيّ إمام أصحابنا العراقيين عن داود الظاهري أنه أوجبه للصلاة، وحكاه الماوردي عن داود، وقال: هو عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته، وحَكَى عن إسحاق بن راهويه أنه قال: هو واجب، فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع (١) على المختار الذي عليه المحققون

стр. 3600

والأكثرون، وأما إسحاق فلم يَصِحّ هذا المحكي عنه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من استحباب السواك، وعدم وجوبه هو الأرجح عندي؛ لظاهر حديث الباب، وأما الأحاديث الواردة بصيغة الأمر، فقد تُكلّم فيها، وعلى تقدير صحّتها، فتُحمل على الاستحباب الأكيد؛ جمعًا بين الأحاديث، وقد أشبعت الكلام في هذه المسألة في "شرح النسائيّ" (٢)، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الحافظ العراقيّ ﵀: استَدَلّ بقوله ﷺ : "مع كلّ وضوء" من ذهب إلى أن السواك من سنن الوضوء، وهو أحد الوجهين للشافعيّة، قال الرافعيّ: وهو الوجه، ولم يَعُدّه كثيرون من سننه، وإن كان مندوبًا في ابتدائه. انتهى (٣). وقال العلامة شمس الحقّ ﵀ في "غاية المقصود" ما لفظه: وأحاديث الباب مع ما أخرجه مالك، وأحمد، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاريّ تعليقًا عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كلّ وضوء"، تدلّ على مشروعيّة السواك عند كلّ وضوء، وعند كلّ صلاة، فلا حاجة إلى تقدير العبارة، بأن يقال: أي عند كلّ وضوء لصلاة، كما قدّرها بعض الحنفيّة، بل في هذا ردّ للسنّة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعلّل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد؛ لأنه من باب إزالة المستقذرات، وهذا التعليل مردودٌ؛ لأن الأحاديث دلّت على استحبابه عند كلّ صلاة، وهذا لا يقتضي أن لا يُعمل إلا في المساجد حتى يتمشّى هذا التعليل، بل يجوز أن يستاك، ثم يدخل المسجد للصلاة، كما روى الطبرانيّ في "معجمه" عن صالح بن أبي صالح، عن زيد بن خالد الجهنيّ، قال: "ما كان رسول الله ﷺ يخرُج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك". انتهى.

стр. 3601

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "بل يجوز أن يستاك، ثم يدخل المسجد"، هذا غير صحيح، بل هو باطل؛ لمنابذته السنّة؛ إذ قوله ﷺ : "عند كلّ صلاة" واضح في ذلك، وهل كانت الصلاة إلا في المسجد؟ وقد كان النبيّ ﷺ يستاك في المسجد، ثم يصلّي، وهكذا كان الصحابة ﵃، فقد صحّ عن زيد بن خالد الجهنيّ ﵁ أنه كان يشهد الصلوات في المساجد، وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استنّ، ثم ردّه إلى موضعه. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وكذلك غيره من أصحاب رسول الله ﷺ سُوكهم خلف آذانهم، يستنّون بها لكلّ صلاة. وبالجملة فقول من قال: لا يستاك في المسجد - كالقرطبيّ، قال في "المفهم": لا يستاك في المسجد؛ لأنه من باب إزالة القاذورات. انتهى - من الأقوال الساقطة التي لا ينبغي الالتفات إليها؛ إذ الحقّ أنه من باب التطهير والتطييب؛ لحديث عائشة ﵂ عند النسائيّ وغيره، مردوعًا: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للربّ". وقد حقّقت هذا الموضوع في "شرح النسائيّ" (١)، وذكرت مسائل كثيرة مما يتعلّق ببحث السواك، فراجعها، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في بيان ما ذكره العلماء من الأحوال التي يُستحبّ لها السواك: (اعلم): أن السواك مستحبّ في جميع الأحوال، إلا أنه يتأكّد استحبابه في بعض الحالات: ١ - (منها): عند القيام إلى الصلاة، سواء كانت فرضًا أو نفلًا، صلاها بوضوء، أو تيمّم، أو بغير طهارة، كمن لم يجد ماءً، ولا ترابًا، وصلّى على حسب حاله، ودليله قوله ﷺ : "لولا أن أشُقّ على أمتي .... "، وفيه: "عند كلّ صلاة"، متّفق عليه. ٢ - (ومنها): عند اصفرار الأسنان؛ لقوله ﷺ : "السواك مَطْهَرة

стр. 3602

للفم، مرضاة للربّ"، حديثٌ صحيحٌ، رواه النسائيّ، وغيره. ٣ - (ومنها): عند الوضوء؛ لحديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كلّ وضوء"، وفي رواية: "لفرضت عليهم السواك مع الوضوء"، وهو حديث صحيح، رواه ابن خُزيمة في "صحيحه"، والحاكم، في "مستدركه"، وصححه، وأسانيده جيّدة، وذكره البخاريّ في "كتاب الصيام" من "صحيحه" تعليقًا بصيغة الجزم. ٤ - (ومنها): عند دخول المنزل؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور هنا قبل حديث. ٥ - (ومنها): عند قراءة القرآن؛ لما رواه البزّار في "مسنده" (١) من حديث عليّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا تسوكّ، ثم قام يُصلّي، قام الملك خلفه، فيستمع لقراءته، فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك، فطهّروا أفواهكم للقرآن"، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه فُضيل بن سُليمان النميريّ، وهو وإن أخرج له البخاريّ، ووثّقه ابن حبّان، فقد ضعّفه الجمهور، قاله الحافظ وليّ الدين ﵀ (٢). ٦ - (ومنها): عند تغيّر الفم، وتغيّره قد يكون بالنوم، وقد يكون بأكل ما له رائحة كريهة، وقد يكون بترك الأكل والشرب، وطول السكوت، وقال بعضهم: يكون أيضًا بكثرة الكلام؛ لما رواه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق جعفر بن تَمّام بن عباس، عن أبيه، قال: أتوا النبيّ ﷺ ، أو أُتِي، فقال: "ما لي أراكم تأتوني قُلْحًا (٣)؟ استاكوا، لولا أن أشق على أمتي، لفرضت عليهم السواك، كما فرضت عليهم الوضوء"، وفي سنده أبو عليّ الزرّاد مجهول.

стр. 3603

٧ - (ومنها): عند القيام من النوم؛ لما رواه أبو داود من حديث عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ كان لا يرقد من ليل ولا نهار، فيستيقظ إلا تسوّك قبل أن يتوضّأ"، لكن في سنده علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف. ويُغني عنه ما في "الصحيحين" من حديث حذيفة ﵁ "أن النبيّ ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك". ٨ - (ومنها): الانصراف من صلاة الليل؛ لما روى ابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح، من حديث ابن عبّاس ﵄، قال: "كان رسول الله ﷺ يصلّي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف، فيستاك". ٩ - (ومنها): عند إرادة النوم، وفيه ما أخرجه ابن عديّ في "الكامل" عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يستاك إذا أخذ مضجعه"، وفي سنده حرام بن عثمان، متروك، وهو قال فيه الشافعيّ ﵀: الراوية عن حرام حرام (١)، فلا ينبغي عدّ هذه من السنّة؛ لعدم صحّة الدليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في ذكر بعض ما ورد من الأخبار في السواك، مع بيان درجتها صحّةً، وضعفًا (٢): ١ - (فمنها): حديث أبي هريرة ﵂ المذكور في الباب، وهو متّفق عليه. ٢ - (ومنها): حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "عشر من الفطرة"، فذكر فيها "السواك"، رواه مسلم، ورواه أبو داود من حديث عمار ﵁. ٣ - (ومنها): حديث أبي أيوب ﵁: "أربع من سنن المرسلين: الختان، والسواك، والتعطر، والنكاح"، رواه أحمد، والترمذيّ، ورواه ابن أبي خيثمة وغيره، من حديث مَلِيح بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه نحوه، ورواه الطبرانيّ من حديث ابن عباس، وهو حديث ضعّفه العراقيّ.

стр. 3604

٤ - (ومنها): حديث أبي هريرة ﵁: "الطهارات أربع: قصُّ الشارب، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، والسواك". رواه البزار، ورواه الطبرانيّ من حديث أبي الدرداء ﵁، وفي سنده معاوية بن يحيى الصدفيّ، ضعيف. ٥ - (ومنها): حديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا: "ما زال جبرائيل يوصيني بالسواك، حتى خَشِيت أن يُدَرْدِرني"، رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ، بسند ضعيف، ورواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة، وفي سنده عثمان بن أبي عاتكة متروك، ورواه الطبرانيّ، من حديث سهل بن سعد ﵁، وفي سنده عبيد بن واقد، ضعيف، ورواه أبو نعيم من حديث جُبير بن مطعم، وأبي الطفيل، وأنس، والمطلب بن عبد الله، ورواه أحمد من حديث ابن عباس، ورواه ابن السكن من حديث عائشة. ٦ - (ومنها): حديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا سافر، حَمَلَ السواك، والْمُشْط، والْمُكْحُلة، والقارورة، والمرآة"، رواه العقيليّ، وأبو نعيم، وقال ابن الجوزيّ: لا يصحّ، وأعلّه بأيوب بن واقد، وسليمان الشاذكونيّ، فإنهما متروكان. وعن عائشة ﵂: "كنت أَضَعُ له ثلاثة آنيةٍ مُخَمَّرة: إناء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه"، رواه ابن ماجه، وإسناده ضعيف. ورَوَى ابن طاهر في "صفة التصوف" عن أبي سعيد ﵁ نحو حديث عائشة الأول، وفيه خارجة بن مصعب متروك. ٧ - (ومنها): حديث عائشة ﵂: "فضل الصلاة التي يُستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفًا"، رواه أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والدارقطنيّ، وابن عديّ، والبيهقيّ في "الشعب"، وأبو نعيم. قال الحافظ ﵀: ومداره عندهم على ابن إسحاق، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفيّ، كلاهما عن الزهريّ، عن عروة، لكن رواه أبو نعيم من طريق ابن عيينة، عن منصور، عن الزهريّ، ولكن إسناده إلى ابن عيينة فيه نظر، فإنه قال: ثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا سهل بن المرزبان، عن محمد، عن الحميديّ، عن ابن عيينة، فينظر في إسناده.

стр. 3605

ورواه الخطيب في "المتفق والمفترق" من حديث سعيد بن عُفير، عن ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، وابن لهيعة ضعيف. ورواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" من وجه آخر، عن أبي الأسود، إلا أن فيه الواقديّ، والواقديّ ضعيف. وله طريق أخرى رواها أبو نعيم من طريق فَرَج بن فَضَالة، عن عروة بن رُويم، عن عائشة، وفَرَج ضعيف. ورواه ابن حبّان في "الضعفاء" من طريق مسلمة بن عليّ، عن الأوزاعيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، ومسلمةُ ضعيفٌ، وقال: وإنما يُرْوَى هذا عن الأوزاعيّ، عن حسان بن عطية معضلًا، وقال يحيى بن معين: هذا الحديث لا يصحّ له إسناد، وهو باطلٌ. ورواه أبو نعيم من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث جابر، وأسانيده معلولة. ٨ - (ومنها): حديث جابر ﵁: "إذا قام أحدكم من الليل يصلي، فليستك، فإنه إذا قام يصلي أتاه ملكٌ، فيضع فاه على فيه، فلا يخرج شيء من فيه، إلا وقع في الملك"، رواه أبو نعيم، ورواته ثقات؛ قاله ابن دقيق العيد ﵀، وفي الباب عن عليّ ﵁، رواه البزار (١). ٩ - (ومنها): حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "هنّ لكم سنة، وعليّ فريضة: السواك، والوتر، وقيام الليل"، رواه البيهقيّ، وفي إسناده موسى بن عبد الرحمن الصنعانيّ، وهو متروك، قال البيهقيّ: لم يثبت في هذا شيء. ١٠ - (ومنها): ما رواه ابن خزيمة، وابن حبان، وأبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، من حديث عبد الله بن حنظلة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يؤمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان، أو غير طاهر، فلما شَقّ ذلك عليه، أمِر بالسواك عند كل صلاة، ووُضِع عنه الوضوء إلا من حدث"، وهو حديث حسنٌ. ١١ - (ومنها): ما رواه أحمد، والطبرانيّ، من حديث واثلة بن

стр. 3606

الأسقع ﵁ مرفوعًا: "أُمرتُ بالسواك حتى خشيت أن يُكتَب عليّ"، وفيه ليث بن أبي سُليم، وهو متروك. ١٢ - (ومنها): حديث رافع بن خَدِيج، وغيره: "السواك واجبٌ … " الحديث، رواه أبو نعيم، وإسناده واهٍ. وروى ابن ماجَهْ من طريق أبي أمامة: "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك"، وإسناده ضعيف، وقد تقدم من طُرُق صحيحة. ١٣ - (ومنها): حديث عامر بن ربيعة ﵁ "رأيت رسول الله ﷺ ما لا أُحصي يتسوك، وهو صائم"، رواه أصحاب السنن، وابن خزيمة، وعلّقه البخاريّ، وفيه عاصم بن عُبيد الله، وهو ضعيفٌ، فقال ابن خزيمة: أنا أبرأ من عُهدته، لكن حسّن الحديث غيره، قاله الحافظ ﵀. ١٤ - (ومنها): حديث عائشة ﵂: "من خير خصال الصائم السواك"، رواه ابن ماجهْ، وهو ضعيف، في إسناده مجالد بن سعيد، ليس بالقويّ، ورواه أبو نعيم من طريقين آخرين عنها، وروى النسائيّ في "الكنى"، والعقيليّ، وابن حبان في "الضعفاء"، والبيهقي من طريق عاصم، عن أنس ﵁: "يستاك الصائم أول النهار وآخره، برطب السواك ويابسه"، ورفعه، وفيه إبراهيم بن بيطار الْخُوَارَزْميّ، قال البيهقيّ: انفرد به إبراهيم بن بيطار، ويقال: إبراهيم بن عبد الرحمن، قاضي خُوَارَزْم، وهو منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يصحّ، ولا أصل له من حديث النبيّ ﷺ ، ولا من حديث أنس، وذكره ابن الجوزيّ في "الموضوعات". وله شاهد من حديث معاذ، رواه الطبرانيّ في "الكبير"، وقال أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا الهيثم بن خارجة، ثنا يحيى بن حمزة، عن النعمان بن المنذر، عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، عن ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ تسوّك، وهو صائم". ورَوَى البيهقيّ عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليت العصر فألقه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَخُلُوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك"، وقد تقدم، وفي إسناده عمر بن قيس سندل، وهو متروك.

стр. 3607

ورَوَى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، من حديث قتادة، عن أبي هريرة نحوه، وفيه انقطاع (١). ١٥ - (ومنها): حديث مُحرِز أن رسول الله ﷺ ما نام ليلةً حتى استَنَّ، رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة"، وروى في "كتاب السواك" من حديث أبي عتيق، عن جابر، أنه كان يستاك إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى الصلاة، فقلت له: قد شققت على نفسك، فقال: إن أسامة أخبرني أن النبيّ ﷺ كان يستاك هذا السواك. وفيه حرام بن عثمان، وهو متروك (٢). ١٦ - (ومنها): حديث عبد الله بن عمرو: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يستاكوا بالأسحار"، رواه أبو نعيم، وفي إسناده ابن لَهِيعة، وهو ضعيف. ١٧ - (ومنها): حديث العباس: كانوا يدخلون على النبيّ ﷺ ، فقال: "تدخلون علي قُلْحًا، استاكوا … "، الحديث، رواه البزار، والبغويّ، والطبرانيّ، وابن أبي خيثمة، قال أبو علي بن السكن: فيه اضطراب. ورواه أحمد من حديث تمام بن العباس، ورواه الطبراني من حديث جعفر بن تميم، أو تمام، عن أبيه، وقيل: عن تمام بن قُثَم، أو قُثَم بن تمام، في "مسند أحمد". وروى الطبرانيّ، والبيهقيّ من حديث ابن عباس، قال: أتى رجلان النبيّ ﷺ حاجتهما واحدة، فوَجَدَ مِن فيه إخلافًا فقال: "أما تستاك؟ " قال: بلى … الحديث. ١٨ - (ومنها): حديث أبي موسى ﵁ في السواك على طرف اللسان، متفقٌ عليه. ١٩ - (ومنها): حديث عائشة ﵂، كان النبيّ ﷺ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، فأدفعه إليه. رواه أبو داود. وفي "الصحيحين" عنها في قصة سواك عبد الرحمن بن أبي بكر، قالت: فأخذته، فقضمته، ثم أعطيته له.

стр. 3608

٢٠ - (ومنها): حديث ابن عمر ﵄ رفعه: "أراني أتسوّك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كَبِّر"، متفق عليه، وروى أبو داود بسند حسن عن عائشة نحوه. ٢١ - (ومنها): حديث أبي سعيد ﵁: "الغسل يوم الجمعة واجبٌ، وأن يَستَنَّ، وأن يمس طيبًا إن قَدَرَ عليه"، متفق عليه. وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس ﵃. ٢٢ - (ومنها): حديثُ عليّ ﵁: "إن أفواهكم طُرُق للقرآن، فطهِّروها بالسواك"، رواه أبو نعيم، ووقفه ابن ماجَهْ (١). ورواه أبو مسلم الكجيّ في "السنن"، وأبو نعيم، من حديث الْوَضِين، وفي إسناده مَندَل، وهو ضعيف. ٢٣ - (ومنها): حديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته يبدأ بالسواك"، رواه ابن حبّان في "صحيحه"، وأصله في مسلم. ٢٤ - (ومنها): حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "أكثرتُ عليكم في السواك"، رواه البخاري. وذكره ابن أبي حاتم في "العلل" من حديث أبي أيوب ﵁، بلفظ: "عليكم بالسواك"، وأعله أبو زرعة بالإرسال، ورواه مالك في "الموطأ" من حديث عُبيد بن السَّبّاق مرسلًا. ٢٥ - (ومنها): حديث أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يستاك بفضل وَضُوئه"، رواه الدارقطنيّ، وفي إسناده يوسف بن خالد السَّمْتيّ، وهو متروك، ورواه من طريق أخرى عن الأعمش، عن أنس، وهو منقطع، وفي البخاري تعليقًا: أن جريرًا ﵁ أمر أهله بذلك، ووصله ابن أبي شيبة. ٢٦ - (ومنها): حديثُ: "يجزي من السواك الأصابع"، رواه ابن عديّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث عبد الله بن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أنس، وفي إسناده نظر، وقال الضياء المقدسيّ: لا أرى بسنده بأسًا. وقال البيهقيّ: المحفوظ عن ابن المثنى، عن بعض أهل بيته، عن أنس

стр. 3609

نحوه، ورواه أيضًا من طريق ابن المثنى، عن ثُمامة، عن أنس. ورواه أبو نعيم، والطبرانيّ، وابن عديّ، من حديث عائشة، وفيه المثنى بن الصبّاح، وهو ضعيفٌ. ورواه أبو نعيم من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، وكثيرٌ ضعفوه. وأصحّ من ذلك ما رواه أحمد في "مسنده"، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه "دعا بكوز من ماء، فغسل وجهه وكفيه ثلاثًا، وتمضمض، فأدخل بعض أصابعه في فيه … " الحديث، وفي آخره: هذا وضوء رسول الله ﷺ . ورَوَى أبو عبيد في "كتاب الطهور" عن عثمان أنه: "كان إذا توضأ يسوك فاه بإصبعه". وروى الطبراني في "الأوسط" من حديث عائشة ﵂، قلت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: "نعم"، قلت: كيف يصنع؟ قال: "يُدخِل إصبعه في فيه"، رواه من طريق الوليد بن مسلم، ثنا عيسى بن عبد الله الأنصاريّ، عن عطاء، عنها، وقال: لا يُروَى إلا بهذا الإسناد. قال الحافظ: عيسى ضعّفه ابن حبان، وذكر له ابن عدي هذا الحديث من مناكيره. ٢٧ - (ومنها): حديث جابر ﵁: "كان السواك من أذن النبيّ ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب"، رواه الطبراني من حديث يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عنه، وقال: تفرد به يحيى بن اليمان، وسئل أبو زرعة عنه في "العلل"، فقال: وَهِمَ فيه يحيى بن يمان، إنما هو عند ابن إسحاق، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد من فعله. قال الحافظ: كذا أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ورواه الخطيب في "كتاب الرواة عن مالك"، في ترجمة يحيى بن ثابت، عنه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ أَسوِكَتهم خَلْفَ آذانهم، يستنون بها لكل صلاة. ٢٨ - (ومنها): حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "السواك يُذهِب البلغم،

стр. 3610

ويفرح الملائكة، ويوافق السنة"، رواه أبو نعيم (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٦] (٢٥٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أحد مشايخ الستّة المذكور قبل بابين. ٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بِشْر الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ٣ - (مِسْعَر) - بكسر، فسكون - ابن كِدَام - بكسر الكاف - ابن ظُهير الْهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٤ - (الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحِ) بن هانئ بن يزيد الْحَارثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وقَمِير امرأة مسروق، وروى عنه ابنه يزيد، والأعمش، وإسرائيل، وشعبة، والثوريّ، وعبد الملك بن أبي سليمان، وقيس بن الربيع، ومِسْعَر، وشَرِيك. قال أحمد، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (٢٥٣) وأعاده بعده، و (٣٠٠) و (٢٤١٣) وأعاده بعده، و (٢٥٩٤). ٥ - (أَبُوهُ) هو: شُريح بن هانئ بن يزيد بن نَهِيك، أو الحارث بن كعب الحارثيّ الْمَذْحِجيّ، أبو المِقْدام الكوفيّ، مُخضرَمٌ، ثقةٌ [٢].
следующие страницы →