الواو -: نسبة إلى جَوْن: بطنٌ من الأزد، قاله في "اللب" (١). (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك ﵁، هكذا نسخ "صحيح مسلم" بإعادة "قال أنس"، وهو صحيحٌ، فيكون فاعل "قال" الأول ضمير أبي عمران الجونيّ، ولفظ أبي عوانة في "مسنده" (١/ ١٦٢): "عن أنس بن مالك، قال: وُقّت لنا .. إلخ"، وهو الذي في "سنن النسائيّ" (وُقِّتَ صلنا) بالبناء للمفعول، أي حُدّد لنا، قال الفيّوميّ ﵀: الوقتُ: مقدارٌ من الزمان مفروضٌ لأمرٍ ما، وكلُّ شيء قَدَّرتَ له حينًا، فقد وقّتّه توقيتًا، وكذلك ما قدّرت له غايةً، والجمع أوقاتٌ، قال: وَوَقّتَ الله الصلاةَ توقيتًا، وَوَقَتَها يَقِتُهَا، من باب وَعَدَ: حَدَّد لها وقتًا، ثم قيل لكلّ شيء محدود: مَوْقُوتٌ، ومُوَقَّتٌ. انتهى (٢).
(فِي قَصِّ الشَّارِبِ) أي أخذه بالْمِقَصّ، وهو الْمِقْرَاضُ، قاله أبو نعيم ﵀ (٣). (وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ) أي قطع ما طال منها (وَنَتْفِ الْإِبْطِ) أي نزع الشعر النابت تحت الجناح (وَحَلْقِ الْعَانَةِ) أي إزالة الشعر النابت فوق الفرج بالموسى (أَنْ) بالفتح مصدريّة، صلتها قوله: (لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) والمصدر المؤوّل من "أن" وصِلتها نائب فاعل "وُقِّتَ".
قال النوويّ ﵀: معناه لا نترُك تركًا نتجاوز به أربعين، لا أنه وقّت لهم الترك أربعين، قال: والمختار أن يُضبط بالحاجة والطُّول، فإذا طال حُلِق. انتهى (٤).
وقال في "شرح المهذّب": ينبغي أن يَختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأشخاص، والضابط الحاجة في هذا، وفي جميع الخصال المذكورة.
وقد تعقّب الشوكانيّ قول النوويّ: "والمختار .. إلخ"، لكن تعقّبه غير سديد، فراجع ما كتبته في "شرح النسائيّ " (٥).
وقال القرطبيّ ﵀ في "المفهم": هذا تحديد أكثر المدّة، والمستحبّ تفقّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثُر
стр. 3677
ذلك أزيل. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٦/ ٦٠٥] (٢٥٨)، و (أبو داود) في "الترجّل" (٤٢٠٠)، و (الترمذيّ) في "الا ستئذان" (٢٧٥٨ و ٢٧٥٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٤) وفي "الكبرى" (١٦)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢٢ و ٢٠٣ و ٢٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عناية الشرع في المحافظة على النظافة، حيث حدّد لها أربعين يومًا.
٢ - (ومنها): أنه يُسمَح للشخص أن يترك ذلك إلى هذه المدّة.
٣ - (ومنها): أنه لا يُشرع مجاوزة أربعين يومًا في هذه النظافة، وليس معنى هذا أنه إن احتاج قبل الأربعين إلى إزالة شيء مما ذُكر يُمنع من إزالته، بل إذا احتاج في أيّ وقت فله ذلك، ولا ينتظر تمام الأربعين؛ لأن التحديد به لمنع مجاوزته، لا للزوم التأخير إليه، بل من المستحبّ التفقد كلّ يوم جمعة؛ لأن المبالغة في التنظف فيه مطلوبة، كما سيأتي في بابه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد تكلّم النقّاد في هذا الحديث، ودونك أقوالهم:
قال العلامة الشوكانيّ ﵀ في قوله: "وُقّت لنا" بالبناء للمجهول ما
стр. 3678
نصّه: وقد وقع خلاف في علم الأصول والاصطلاح، هل هي صيغة رفع أو لا؟، والأكثرون أنها صيغة رفع إلى النبيّ ﷺ إذا قالها الصحابيّ، مثلُ قوله: "أُمِرنا بكذا"، و"نُهينا عن كذا".
وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي
كَذَا "أُمِرْنَا" وَكَذا "كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ" أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
قال: وقد صُرِّح في رواية أحمد، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ بأن الموقِّت هو النبيّ ﷺ ، فارتفع الاحتمال، لكن في إسنادها صدقة بن موسى، أبو المغيرة، ويقال: أبو محمد السلميّ البصريّ الدقيقيّ، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال مرّةً: ضعيفٌ، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الترمذيّ: ليس بالحافظ، وقال أبو حاتم الرازيّ: ليّن الحديث، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، ليس بالقويّ، وقال أبو حاتم ابن حبّان: كان شيخًا صالحًا، إلا أن الحديث لم يكن من صِناعته، فكان إذا روى قَلَب الأخبار حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ بزيادة (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لكن في إسنادها صدقة .. إلخ" رواية النسائيّ ليس فيها صدقة، فقد أخرجه عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الْجَونيّ، عن أنس بن مالك، قال: وَقَّت لنا رسول الله ﷺ … الحديث، فقد زالت العلّة، وثبت صحّة التصريح بأنه ﷺ هو الموقّت -والحمد لله-.
وقال في "الفتح": وأما ما أخرجه مسلم من حديث أنس: "وُقت لنا في قصّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا يُتْرَك أكثر من أربعين يومًا"، كذا "وُقِّت" فيه على البناء للمجهول، وأخرجه أصحاب السنن بلفظ: "وَقَّت لنا رسول الله ﷺ "، وأشار العقيليّ إلى أن جعفر بن سليمان الضبعي تفرد به، وفي حفظه شيء، وصَرَّح ابن عبد البر بذلك، فقال: لم يروه غيره، وليس بحجة.
стр. 3679
وتُعُقِّب بأن أبا داود، والترمذيّ أخرجاه من رواية صدقة بن موسى، عن ثابت، وصدقةُ بن موسى، وإن كان فيه مقال، لكن تبين أن جعفرًا، لم ينفرد به.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "عن ثابت" فيه نظر لا يخفى؛ لأن رواية صدقة عند أبي داود، والترمذيّ ليست عن ثابت، وإنما هي عن أبي عمران الْجَوْنيّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وقد أخرج ابن ماجهْ نحوه من طريق عليّ بن زيد بن جُدْعَان، عن أنس، وفي عليّ أيضًا ضعف.
وأخرجه ابن عديّ من وجه ثالث، من جهة عبد الله بن عُمَران، شيخ مصريّ، عن ثابت، عن أنس، لكن أَتَى فيه بألفاظ مستغربة، قال: "أن يحلق الرجل عانته كلَّ أربعين يومًا، وأن يَنتف إبطه كلَّما طَلَعَ، ولا يَدَع شاربيه يطولان، وأن يُقَلِّم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة"، وعبد الله، والراوي عنه مجهولان. انتهى (١).
وقال الحافظ العراقيّ ﵀ بعد ذكر حديث مسلم هذا ما نصّه: وهكذا أخرجه ابن ماجهْ بلفظ: "وُقِّت لنا" على البناء للمفعول، وحكمه الرفع على الصحيح عند أهل الحديث والأصول، وقال أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ في هذا الحديث: "وَقَّتَ لنا رسول الله ﷺ "، فَصَرَّح بالفاعل.
وقد تكلّم الْعُقيليّ، وابن عبد البرّ في حديث أنس هذا، فقال الْعُقيليّ في "الضعفاء" في ترجمة جعفر بن سُليمان؛ وليس بحجة؛ لسوء حفظه، وكثرة غلطه.
قال العراقيّ: تابعه عليه صدقة بن موسى الدَّقِيقيّ، فرواه عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن أنس، أخرجه كذلك أبو داود، والترمذيّ، ولكن صدقة ضعيفٌ، ورُوي أيضًا من رواية عبد الله بن عمران، شيخ مصريّ، عن أبي عمران.
وله طريق آخر رواه أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن سلمة القطّان في زياداته على سنن ابن ماجه من رواية عليّ بن زيد بن جُدعان، عن أنس، وابن جُدعان أيضًا ضعّفه الجمهور.
стр. 3680
قال: وقد ورد حديث أنس من وجه لا يثبت، ثم ذكر ما تقدّم من رواية ابن عديّ، ثم قال: قال صاحب "الميزان": هو حديث منكر (١)، قال: وأصحّ طرقه طريق مسلم على ما فيها من الكلام، وليس فيها تأقيتٌ لما هو أولى، بل ذكر أنه لا يزيد على أربعين. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من مجموع ما قالوا أن حديث الباب صحيح، أما المرفوع فلأن جعفر بن سليمان لم ينفرّد به، بل تابعه عليه صدقة بن موسى الدقيقيّ، وهو وإن كان الأكثرون على تضعيفه، إلا أنه يصلح للاعتبار، كما يفيده كلام الأئمة.
وأما الموقوف فهو رواية المصنّف ﵀، وحكمه أنه مرفوع؛ لأن قول أنس ﵁: "وُقّت لنا .. إلخ"، كقول الصحابيّ: "أُمرنا بكذا، ونهينا عن كذا"، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٠٦] (٢٥٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ - (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
стр. 3681
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ الشهير ﵄، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وملتقى الإسنادين هو عُبيد الله بن عمر، فكلّ من يحيى بن سعيد، وعبد الله بن نمير يرويان عنه.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٤ - (ومنها): أن شيخه الأول أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستّة بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبيد الله عن نافع.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وشدّة اتّباع الآثار، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "أَحْفُوا) بقطع الهمزة، من الإحفاء، كذا للأكثر، وحكى ابن دُريد: حَفَى الرجل شاربه يحفوه حَفْوًا: إذا استأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزته همزة وصل.
стр. 3682
وقال الحافظ ﵀: الإحفاء بالحاء المهملة، والفاء: الاستقصاء، ومنه: "حتى أَحْفَوه بالمسألة"، وقد ورد بلفظ: "أَنْهِكُوا الشوارب"، وبلفظ: "جُزّوا الشوارب"، وكل هذه الألفاظ تدلّ على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الجزّ قصّ الشعر والصوف إلى أن يبلُغ الجلد، والنهك: المبالغة في الإزالة، ومنه قوله ﷺ للخافضة: "أَشِمِّي، ولا تُنْهِكِي": أي لا تُبالغي في ختان المرأة. انتهى (١).
(الشَّوَارِبَ) منصوب على المفعوليّة، وهو: جمع شارب، وهو الشعر الذي يسيل على الفم، قال أبو حاتم: ولا يكاد يُثنّى، وقال أبو عبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين؛ قاله الفيّوميّ (٢).
وقال الجيّانيّ: وقع في كلامهم: إنه لعظيم الشوارب، وهو من الواحد الذي فرق، وسُمّي كلّ جزء منه باسمه، فقالوا لكلّ جانب منه: شاربًا، ثم جُمع شوارب، وحَكَى ابن سِيده عن بعضهم: من قال: الشاربان أخطأ، وإنما الشاربان ما طال من ناحية السَّبَلَة، قال: وبعضهم يُسمّي السَّبَلَة (٣) كلّها شاربًا، ويؤيّده أثر عمر ﵁ الذي أخرجه مالك أنه كان إذا غضب فَتَلَ شاربه، والذي يمكن فَتْله من شعر الشارب السِّبَال، وقد سمّاه شاربًا؛ قاله في "الفتح".
وقال أيضًا: وأما الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا، واختُلِفَ في جانبيه، وهما السبالان، فقيل: هما من الشارب، ويشرَع قصّهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية. انتهى (٤).
(وَأَعْفُوا اللِّحَى) بقطع الهمزة، ووصلها: أي وفّروها، قال ابن الأثير ﵀: إعفاء اللحية: أن يوفّر شعرها، ولا يُقَصّ كالشوارب، مِن عَفَى الشيءُ: إذا كثُر، وزاد، يقال: أعفيته، وعَفَيته. انتهى (٥).
стр. 3683
وقال الفيّوميّ ﵀: عفا الشيءُ: كثُر، وفي التنزيل: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثُروا، وعَفَوته: كثّرته، يتعدّى، ولا يتعدّى، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أعفيته، وقال السَّرَقُسْطيّ: عَفَوتُ الشعرَ أعفوه عَفْوًا، وعفيته أَعفيه عَفْيًا: تركته حتى يكثُر، ويطول، ومنه: "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللّحَى"، يجوز استعماله ثلاثيًّا، ورباعيًّا. انتهى (١).
وقال النوويّ في "شرحه": قوله ﷺ : "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى"، وفي الرواية الأخرى: "وأوفوا اللحى"، هو بقطع الهمزة في "أحفوا، وأعفوا، وأوفوا"، وقال ابن دريد: يقال أيضًا: حَفَا الرجل شاربه يَحفوه حَفْوًا: إذا استأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزة "أحفوا" همزة وصل، وقال غيره: عفوت الشعر، وأعفيته لغتان، قال: وأما "أوفوا" فهو بمعنى "أعفوا": أي اتركوها وافيةً كاملةَ لا تقُصّوها، قال: وأما قوله: "وأرخوا" فهو أيضًا: بقطع الهمزة، وبالخاء المعجمة، ومعناه: اتركوها، ولا تتعرضوا لها بتغيير، وذكر القاضي عياض أنه وقع في رواية الأكثرين كما ذكرنا، وأنه وقع عند ابن ماهان "أرجوا" بالجيم، قيل: هو بمعنى الأول، وأصله أرجؤا بالهمز، فحذفت الهمزة تخفيفًا، أي فهو كقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] (٢)، ومعناه: أَخّروها، واتركوها، وجاء في رواية البخاريّ: "وَفّروا اللّحَى"، فحصل خمس روايات: "أعفوا"، و"أوفوا"، و"أرخوا"، و"أرجوا"، و"وفروا"، ومعناها كلها: تركها على حالها. هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": "اللّحَى" - بكسر اللام، وحُكِي ضمّها، والكسر أفصح، وبالقصر والمدّ -: جمع لِحية بالكسر فقط، وهو اسم لِمَا نبت على الخدّين والذَّقَن. انتهى (٤).
وقال في "اللسان": "اللِّحْيَةُ": اسمٌ يَجمع ما نبت على الخدّين والذّقَن،
стр. 3684
والجمع لِحّى - أي بالكسر -، ولُحًى - أي بالضمّ - مثلُ ذُرْوَة (١) وذُرًى. انتهى، ونحوه في "القاموس" (٢).
وفي "المصباح": "اللحية": الشعر النازل على الذقَن، والجمع لِحًى، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، وتُضمّ اللام أيضًا، مثلُ حِلْية وحُلًى. انتهى (٣).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبّب؛ لأن حقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرّض للحية يستلزم تكثيرها، وأغرب ابن السِّيد، فقال: حَمَل بعضهم قوله: "أعفوا اللِّحَى" على الأخذ منها بإصلاح ما شذّ منها طولًا وعرضًا، واستشهد بقول زُهير [من الوافر]:
عَلَى آثَارِ مَنْ ذَهَبَ الْعَفَاءُ
وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وَفِّرُوا، أو أكثِرُوا، وهو الصواب.
قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدًا فَهِمَ من الأمر في قوله: "وأعفوا اللحَى" تجويز معالجتها بما يُغَزّرها، كما يفعله بعض الناس، قال: وكأن الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله في بقيّة الخبر: "وأحفوا الشوارب". انتهى.
قال الحافظ: ويمكن أن يؤخذ من بقيّة ألفاظ الحديث الدالّة على مجرّد الترك. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من تفسير صاحب "اللسان"، و"القاموس"، و"الفتح" اللحية بأنه اسم للشعر الذي فبت على الخدّين والذّقَن أنه لا يجوز التعرّض لشيء من ذلك بحلق، ولا تقصير، فما يفعله بعض الناس من حلق ما ينبت على الخدين بدعوى أنه ليس من اللحية خطأ بيّن، نشأ من الجهل باللغة، فليُتفطّن.
وقال أبو شامة ﵀: وقد حَدَث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشدّ مما نُقِل عن المجوس أنهم كانوا يَقُصّونها.
стр. 3685
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: يُستثنَى من الأمر بإعفاء اللحى، ما لو نبتت للمرأة لحية، فإنه يُستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب، أو عَنْفَقَة، قال: هذا مذهبنا، وقال محمد بن جرير: لا يجوز حلق شيء من ذلك، ولا تغيير شيء من خِلقتها بزيادة، ولا نقص. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لم أر لمدّعي الاستحباب، ولا لمدّعي عدم الجواز دليلًا صريحًا، فالأولى أن يقال بالإباحة حتى يوجد نصّ صريح لأحدهما، والله تعالى أعلم بالصواب.
[فائدة]: في قوله: "أعفوا"، و"أحفوا " ثلاثة أنواع من البديع: الجِنَاسُ، والمطابقة، والموازنة، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا في "الطهارة" [١٦/ ٦٠٦ و ٦٠٧ و ٦٠٨] (٢٥٩)، و (البخاريّ) في "اللباس" (٥٨٩٢ و ٥٨٩٣)، و (أبو داود) في "الترجّل" (٤١٩٩)، و (الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٦٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٥) و"الزينة" (٥٢٢٦) و"الكبرى" (١٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٩٤٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦ و ٥٢ و ١٥٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٤٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٤٩ و ١٥٠ و ١٥١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣١٩٣ و ٣١٩٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٦٥ و ٤٦٦ و ٤٦٧ و ٤٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٥٠ و ٦٠١ و ٦٠٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في إعفاء اللحية:
قال النوويّ ﵀ بعد ذكر اختلاف الروايات في "أعفوا اللّحَى" ما نصّه:
стр. 3686
فحصل خمس روايات: "أعفوا"، و"أوفوا"، و"أَرْخُوا"، و"أَرْجُوا"، و "وفِّروا"، ومعناها كلِّها تركُها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء، وقال القاضي عياض ﵀: يكره حَلْقها، وقصُّها، وتحذيفها (١) وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها، كما تكره في قصِّها وجزِّها، قال: وقد اختَلَف السلف هل لذلك حدٌّ، فمنهم من لم يُحَدِّد شيئًا في ذلك، إلا أنه لا يتركها لحدّ الشهرة، ويأخذ منها، وكَرِه مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدَّد بما زاد على القبضة، فيُزال، ومنهم من كَرِه الأخذ منها إلا في حجّ أو عمرة.
قال: وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه، بظاهر قوله ﷺ : "أحفُوا"، و"أَنْهِكوا"، وهو قول الكوفيين.
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وقاله مالك، وكان يرى حلقه مُثْلَةً، ويأمر بأدب فاعله، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويَذْهَب هؤلاء إلى أن الإحفاء، والْجَزَّ، والقَصّ بمعنى واحد، وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة.
وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين الأمرين. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يُتَعَرَّض لها بتقصير شيء أصلًا، والمختار في الشارب ترك الاستئصال، والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة. انتهى (٢).
وأخرج الإمام البخاريّ ﵀، في "صحيحه"، من طريق عُمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "خالفوا المشركين، وفِّرُوا اللِّحَى، وأَحْفُوا الشوارب"، وكان ابن عمر إذا حجّ، أو اعتمر قَبَضَ على
стр. 3687
لحيته، فما فَضَل (١) أخذه. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "وكان ابن عمر .. إلخ" هو موصول بالسند المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في "الموطأ"، عن نافع بلفظ: "كان ابن عمر إذا حَلَق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه"، قال: وفي حديث الباب مقدار المأخوذ.
وقال الكرمانيّ: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك، فحَلَق رأسه كلّه، وقصر من لحيته؛ ليدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]، وخَصَّ ذلك من عموم قوله: "وفِّرُوا اللحَى"، فحمله على حالة النسك.
قال الحافظ: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخُصّ هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تَتَشَوَّه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية، أو عرضه، فقد قال الطبريّ: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث، فكرهوا تناول شيء من اللحية، من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فَعَل ذلك، وإلى عمر أنه فَعَل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله.
وأخرج أبو داود من حديث جابر ﵁ بسند حسن قال: "كنا نُعَفِّي السِّبَال، إلا في حجّ أو عمرة"، وقوله: "نُعَفّي" - بضم أوله، وتشديد الفاء -: أي نتركه وافرًا، وهذا يؤيد ما نُقِل عن ابن عمر، فإن السِّبَال - بكسر المهملة، وتخفيف الموحدة - جمع سَبَلَة - بفتحتين - وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يُقَصِّرون منها في النسك.
ثم حكى الطبري اختلافًا فيما يؤخذ من اللحية، هل له حدّ أم لا؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكفّ، وعن الحسن البصريّ أنه يؤخذ من طولها وعرضها، ما لم يَفْحُش، وعن عطاء نحوه، قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصّها وتخفيفها.
стр. 3688
قال وكره آخرون التعرُّض لها إلا في حجّ أو عمرة، وأسنده عن جماعة، واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته، لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها، لَعَرَّض نفسه لمن يَسْخَر به، واستَدَلَّ بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبيّ ﷺ "كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها"، وهذا أخرجه الترمذيّ، ونَقَل عن البخاريّ أنه قال في رواية عُمَر بن هارون: لا أعلم له حديثًا منكرًا إلا هذا. انتهى.
وقد ضَعَّف عُمر بن هارون مطلقًا جماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن حلق اللحية حرام، وهو الذي نصّ عليه الإمام الشافعيّ في "الأمّ" كما قال ابن الرفعة، وقال الأذرعيّ: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علّة بها. انتهى. وأما الأخذ من طولها إذا فحش فلا بأس به؛ كما ثبت ترخيص ذلك عن بعض السلف - رحمهم الله تعالى -.
والحاصل أن ترك اللحية على حالها، وعدم التعرّض لها هو الصواب؛ لظواهر النصوص، كقوله ﷺ : "أعفوا"، و"أوفوا"، و"وفّروا"، وإن ترخّص أحد في أخذ ما زاد على القبضة اتّباعًا لما ثبت عن بعض السلف، كابن عمر وغيره، فلا بأس به؛ لأن ابن عمر ﵄، مع شدّة اتّباعه للسنّة، وهو الذي رَوَى حديث "أعفوا اللحى" كان يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة، فلولا أن عنده حجةً على هذا لَمَا فعله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: نقل النوويّ عن الغزاليّ، وهو في ذلك تابع لأبي طالب المكيّ في "القوت" قال: يكره في اللحية عشر خصال: خَضبها بالسواد لغير الجهاد، وبغير السواد؛ إيهامًا للصلاح، لا لقصد الاتّباع، وتبييضها؛ استعجالًا للشيخوخة؛ لقصد التعاظم على الأقران، ونتفها؛ إبقاء للمرودة، وكذا تحذيفها، ونتف الشيب، ورجّح النوويّ تحريمه؛ لثبوت الزجر عنه، وتصفيفها طاقةً طاقةً تصنعًا ومخيلةً، وكذا ترجيلها، والتعرض لها طولًا وعرضًا على ما فيه من الاختلاف، وتركها شَعِثَةً؛ إيهامًا للزهد، والنظرُ إليها إعجابًا، وزاد النوويّ: وعقدُها؛ لحديث رُوَيفع رفعه: "مَن عَقَد لحيته، فإن محمدًا ﷺ منه
стр. 3689
بريء … " الحديث (١)، أخرجه أبو داود (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطلق الكراهة في هذه الأشياء، وفي بعضها نظر لا يخفى؛ لأن أدلّة التحريم واضحة عليه، كعقد اللحية، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر بعض شُبَهِ من يُخادعون أنفسهم بحلق لحيتهم، ودحضها:
(منها): قول بعضهم: إن رسول الله ﷺ إنما أعفى لحيته، وأمر به لأن قومه العرب كانوا يُعَفّون لحاهم، فاتبع ﷺ ما راج في بيئته، ولم يُخالفهم، بل بعض الضلّال يزيد على هذا، فيقول: لو كان النبيّ ﷺ في هذا العصر لحلق لحيته - والعياذ بالله -.
وهذا كله من دعاوي الجاهليّة، أوحاها إليهم الشيطان، لمجادلة أهل الحقّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
فالله أمر نبيّه ﷺ باتّباع ملّة إبراهيم حنيفًا، وكذا أمر أمته بذلك، فالخصال التي كانت باقيةً في بني إسماعيل ﵇ وهم العرب من أبيهم إبراهيم ﵇ أخذها النبيّ ﷺ ، وعمل بها؛ لأنها من ملّة إبراهيم، لا لأجل اتّباع عادات العرب المجرّدة، وإلا فكم من عادات العرب كانت سائدة حينما بُعث النبيّ ﷺ ، فأبطلها، ولن يتّبعهم عليها، كالوشم، ووصل الشعر، وكقتل الأولاد، ووأد البنات، وعدم التستّر عند البول والغائط حتى عابه بعضهم، فقال: إنه يبول كما تبول المرأة، وكالربا، والنسيء في أشهر الحرم، وكالجناية على الوالد بجناية ولده، وبالعكس، والطواف عريانًا، والرجوع من مزدلفة في الحجّ، والمشي عريانًا، وبيع الملامسة، والمنابذة، وغير ذلك مما يُحصى من عادات العرب، جاء ﷺ بإبطالها، ولم يقلّدهم فيها، بل إنما فعل - مما كانت
стр. 3690
عليه - ما كان موروثًا عن دين إبراهيم ﵇ فقط، ومن جملته إعفاء اللحية، فظهر بهذا ما موّهوا به من هذه الشبهة الباطلة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ومنها): قول الآخرين: إن إعفاء اللحية كان واجبًا لمخالفة المجوس والمشركين، واليوم نرى اليهود يُعفون لحاهم، فوجب أن نخالفهم بحلق اللحية.
وهذه حجة داحضة، لا يقولها إلا أحمق جاهل، فإن إعفاء اللحية وحلقها كانا موجودين في زمنه ﷺ ، فاختار ﷺ ما كان موافقًا لملّة إبراهيم ﵇، وهو الإعفاء، وأمر به، وردّ ما كان مخالفًا ذلك، وهو الحلق، وأنكره بألفاظ، وأساليب مختلفة، فكذلك في هذا العصر يوجد من يُعفي لحيته، ومن يحلقها، ونحن مأمورون بمخالفة الحالقين، لا المعفين.
قال بعض المحقّقين: لو كانت القاعدة أن ما يفعله اليهود هو الواجب التحرّز لوجب علينا ترك الاختتان؛ لأن اليهود يختتنون.
وبالجملة فليست هذه الشبهة صادرة إلا من ذي هوى النفس، لا ممن له صلة بالدين، وغيرة عليه، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن أصحاب اللحى يَخدعون الناس بلحاهم، فجعلوا اللحى حبائل ووسائل لتحصيل متاع الدنيا؛ ليغترّ عامّة الناس بهم، ويظنّوا بهم أنهم أهل صلاح وخير، وهذا نوع من النفاق المنهيّ عنه في الإسلام.
قلنا: المكر والخديعة لا يختصّ بأصحاب اللحى، بل كثير ممن يخدعون الناس يَتظاهرون بمظاهر الإسلام، ككثرة الصلاة، والذكر، ونحو ذلك؛ للغرض المذكور، فهل هذا يبرر لنا أن نترك أفعال الخير كلّها من أجل أن بعض الأشرار يخدعون بها الناس؟ فهذا هو الانسلاخ من الدين بالكليّة.
وبالجملة فليس تظاهر بعض الناس المخادعين ببعض خصال الإسلام مبرّرًا لتركها، فلو كان فيهم من أعفى لحيته ليغترّ بها الناس، فلا يحلّ لنا أن نحلق لحانا، ونترك ما أمرنا به نبيّنا ﷺ لأجل هؤلاء المجرمين، بل يجب علينا أن نمتثل بأمره ﷺ ، ونقوم بإصلاح حالنا، وننصح المخادعين، لعل الله يهديهم على أيدينا، اللهم اهدنا فيمن هديت.
стр. 3691
(ومنها): قول بعضهم: إني أحلق مقلّدًا لبعض العلماء.
نقول: هذا الذي يحلق لحيته دون ضرورة ليس من أهل العلم المهديين، بل هو من علماء السوء الضالّين المضلّين، ومما يجب التنبّه له أن الإنسان إذا مات مات شرّه معه غالبًا إلا علماء السوء، فإنهم إذا ماتوا لم تمت سنتهم السيئة، بل يبقى في الأمة شرّها، وينتشر في الأرض شررها، وقد قال ﷺ : "من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فعُمِل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عَمِل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء"، رواه مسلم.
فهذا العالم السوء الذي يسنّ للناس المنكرات يلحقه بعد موته إثم كلّ من عَمِل بما سنّه لهم من هذه السنّة السيّئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن إعفاء اللحية سنّة، وليس بواجب.
نقول: كونه سنةً حقّ لا يُنكر؛ لأنه ﷺ شرعه، وأمر به، فهو سنّته، وأما دعوى عدم الوجوب فباطلٌ، فقد تقدّم أن الحقّ أنه واجب، وأن حلقها حرام، فكيف يدّعي عدم الوجوب من يسمع قوله ﷺ : "خالفوا المشركين، وَفِّرُوا اللِّحَى، وأَحْفُوا الشوارب"، متّفق عليه، وأمره ﷺ للوجوب، فمخالفة المشركين، وتوفير اللحية، وإحفاء الشوارب واجبة.
وبالجملة فقد كان النبيّ ﷺ يوفّر لحيته، ويأمر بها، والغريب أن من ادّعى السنيّة يعلم أن النبيّ ﷺ إنما سنّها لنعمل بها، لا لنتركها.
وأغرب من ذلك أن الذين يحلقون لحاهم يدّعون أنهم يُحبّون الرسول ﷺ ، بل يزعمون أنه أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، ثم لا يُحبّون صورته ﷺ التي يعلمون أنه كان ملتحيًا، ويحبّون صورة أعدائه الكفرة الحالقين لحاهم، ومن المعلوم لدى العامّ والخاصّ أن المحبّ يُحبّ كلّ ما كان منسوبًا إلى محبوبه، من الصورة، والسيرة، واللباس، والهيئة، حتى يحب داره وجداره وكساءه ورداءه، وكلّ ما يُنسب إليه.
فالذي يؤمن بالله ورسوله ﷺ يكون الله ورسوله ﷺ أحبّ إليه مما سواهما، وهذه المحبّة لا محالة تضطرّ صاحبها إلى اتّباع الرسول ﷺ في
стр. 3692
شؤونه كلّها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فإن لم تدع المحبّة صاحبها إلى الاتّباع فهي مجرّد دعوى لا حقيقة لها، ولا بيّنة عليها.
والدَّعَاوِي مَا لَمْ تُقِيمُوا عَلَيْهَا … بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال:
تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتُ تُظْهِرُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ … إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
(ومنها): قول بعضهم: إن إصلاح القلب وتزكية النفس، وتزكية الباطن هو الأصل في الدين، فإذا صفا قلبك، وطهُر باطنك فلا حاجة إلى إعفاء اللحية، والتقيّد بزيّ من الأزياء.
قلنا: هذا أيضًا من أبطل الشُّبَه، يناقض بعضه بعضًا، فإن القلب إذا صلح صلح الجسد معه، والباطن إذا زكا زكا الظاهر معه، كما شهد بذلك الحديث الصحيح: "ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب"، متّفق عليه.
ففساد الباطن يدعو إلى فساد الظاهر، فمن صلح قلبه، وزكى باطنه لا محالة يضطرّ إلى السلوك وفق سنّة النبيّ ﷺ ، ولا يمكن ادّعاء صفاء الباطن، وصلاح القلب مع هذا الإجرام، والإصرار عليه.
فأنصف من نفسك أيها الأخ المسلم، ولا تخدعها بما لا ينفعها يوم الحساب، من مثل هذه الشُّبه الباطلة، والحجج العاطلة، وهل تتوهّم أن تنجو يوم لقاء ربّك بمثل هذه الحيل؟ كلّا ثم كلّا.
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن الإسلام ليس بمنحصر في اللحية، ولا يكفَّر الرجل بحلق لحيته، فلماذا هذا التشدّد؟.
قلنا: حلق اللحية والإصرار عليه عنادًا من الذنوب التي لا يختلف فيها أهل العلم، فهو كسائر المعاصي التي لا يخرج الإنسان بها من الإيمان إلا إذا استحلّها، كما هو شأن سائر المعاصي، إلا أننا نسألكم لو كان الإيمان وحده كافيًا لكون الرجل مقبولًا عند الله تعالى لَمَا كانت الحاجة ماسّةً إلى بيان الأوامر والنواهي، ولَمَا كان الكتاب والسنّة مملوءين من الترغيب في الخير،
стр. 3693
والترهيب من الشرّ، ولَمَا أوعد الله تعالى أهل المعاصي بعذاب القبر، وعذاب جهنّم.
ثم إن العلماء لا يهتمّون بإبلاغ أمره ﷺ بإعفاء اللحى فقط، بل إنهم يبلّغون جميع الأحكام الشرعيّة، أوامرها ونواهيها ليلًا ونهارًا، غير أن حالقي اللحى لمّا لم يخضعوا لأمره ﷺ ، بل يتّبعون أهواءهم، ويطيعون شياطينهم، ويقلّدون أعداءهم، ويستهزئون بما أمر به النبيّ ﷺ ، كان الاهتمام بإرشادهم أشدّ من هذه الناحية، لا من حيث كونه أشدّ المعاصي، فتنبّه.
وقال الشيخ التهانويّ ﵀: من أصرّ على حلق اللحية، واستحسنه، وظنّ أن إعفاء اللحية عارٌ ومذلّةٌ، وسَخِرَ بأصحاب اللحى، أو استهزأ بهم - أي مع أنه يعلم أن النبيّ ﷺ أمر بإعفائها، وأنه كانت له لحية كثّة - فلا يمكن أن يكون إيمانه سالِمًا، بل يجب عليه قطعًا أن يتوب إلى الله تعالى، ويُجدّد الإيمان، وعليه أن يُحبّ صورة نبيّه ﷺ ، ويختارها لنفسه ولجميع المسلمين. انتهى.
وقال أيضًا: لو كان إعفاء اللحية سببًا للعار عند بعض الحمقى، فإنه لا يجوز للمسلم أن يترك ما وجب عليه لأجل أهل الحماقة والسفاهة، ولو ذهبنا نتأثّر بما يقول الناس لا نكاد نستقيم على إيماننا، فإن الكفّار والمشركين يعُدّون الإسلام والإيمان عارًا، أفنترك الإيمان والإسلام - والعياذ بالله - لإجل إرضاء الكفرة؟ كلّا.
فلما آمنا واعتصمنا بدين الإسلام، ورضيناه دينًا في كلّ حال، ولو كره الكافرون، كذلك يجب علينا أن نرضى بهيئة الإسلام، ونتأسّى بنبيّنا نبيّ الرحمة ﷺ ، رغم أنوف الفاسقين الذين يختارون لأنفسهم صور الكافرين والمشركين، فإن الاهتمام بإرضاء الأعداء تلبيس من الشيطان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠].
وقال أيضًا: ويشتدّ الأسف عندما نرى طلبة العلوم الدينيّة مبتلين بهذه المعصية، فمثلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وجريمتهم هذه أشدّ من جريمة غيرهم؛ لأنهم يعلمون ما في الكتاب والسنّة، ثم يختارون
стр. 3694
العمل السيّئ المعارض لكتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه ﷺ لأنفسهم، فيستحقّون بذلك الوعيد الذي ورد في علماء السوء الذي لا يعملون بعلومهم، وجريمتهم تتعدّى إلى غيرهم؛ لأن الجهّال يقتدون بهم، فهم يتسبّبون في إشاعة هذا المنكر.
قال: ويجب على القائمين بأمور المدارس الإسلاميّة أن يُخرجوا من المدرسة من ارتكب هذه المعصية، واختار لنفسه هيئة غير إسلاميّة، إلا أن يتوب إلى الله ، وذلك لأنه إذا تخرّج يقتدي به الناس، فيكون مهلكة للأمة. انتهى بتصرّف (١).
(ومنها): أن بعضهم يقول: إن النظافة مما أمر به الإسلام، وأنا أحلق لحيتي للنظافة.
قلنا: هذه أيضًا كلمة صدرت من سفاهة وحماقة؛ إذ فيها استهزاء بأمر النبيّ ﷺ ، وسخريّةٌ بفعله، فإنه كان كثّ اللحية، وكان أنظف الناس، فهذا القائل اتّبع أعداء الإسلام، فحلق لحيته، ثم جاء بحجة باطلة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
وخلاصة القول أن الواجب على المسلم أن يكون همّه كلّه الآخرةَ، ولا يغترّ بأهل الدنيا، وزُخرُفها، بل يكون ديدنه دائمًا طلب رضا الله ، لا طلب رضا أحد سواه، فقد أخرج الترمذيّ عن عائشة رمنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مُؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وَكَلَهُ الله إلى الناس".
ورضا الله تعالى محصور في اتّباع حبيبه محمد ﷺ ، كما قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١].
وليحذر كلّ الحذر من أن يصيبه الوعيد الشديد الذي بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وبالجملة فمسألة اللحية مما ينبغي الاهتمام به؛ لأنه مما انتشر مخالفته
стр. 3695
بين كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، بل بين كثير ممن يدّعي العلم هداهم الله تعالى، وقد ألّف الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي رسالة بعنوان "وجوب إعفاء اللحية"، قد أجاد فيها وأفاد، وقد قدّم لها العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وأثنى عليها، فعليك بالاستفادة منها (١)، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: ومما أفاده في تلك الرسالة قوله: ومما لا بدّ من التنبيه عليه أنه كما لا يحلّ للرجل أن يحلق لحيته كذلك يحرم على الحلاق أن يحلق لحية أحد، أو يقصّرها خلاف حكم الشريعة، وكذلك يحرم على الحلاق قصّ شعر رؤوس المسلمين على طريق الإفرنج؛ لأن ذلك كلّه تعاون على الإثم والعدوان، وهو محرّم. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِب، وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل حديث.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الفقيه الحافظ الحجة المتقن [٧] (١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) الْعَدويّ المدنيّ، مولى ابن عمر، صدوقٌ، يقال: اسمه عمر، من كبار [٧].
رَوَى عن أبيه، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وصفية بنت أبي عبيد، يقال: مرسل.
وروى عنه يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر، وجرير بن
стр. 3696
حازم، ومالك، والدّراوَرْديّ، وعباد بن صُهيب، وسُليم بن مسلم المكيّ.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هو أوثق ولد نافع، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرّةً: ليس بشيء، وقال الآجريّ، عن أبي داود: من ثقات الناس، وقال ابن عديّ: لولا أنه لا بأس به ما رَوَى عنه مالك، وقد روى غير مالك عنه أشياء غير محفوظة، وأرجو أنه صدوق، لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج حديثه في "صحيحه"، وسماه عُمَر، وقال الحاكم، أبو أحمد: لم أقف على اسمه، ويقال: هو ثقة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في "مسند مالك"، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٠٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريع، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُو الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا للِّحَى").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنديّ، أبو مسعود الْعَسْكَريّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، صدوفما، له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٦] (ت قبل ١٥٠) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٣١/ ٢٣٣.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به.
стр. 3697
وقوله: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "خالفوا المجوس"، قال في "الفتح": وهُم المراد في حديث ابن عمر، فإنهم كانوا يقصّون لحاهم، ومنهم من كان يَحلقها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يبعد أن يكون المشركون أيضًا يفعلونه كالمجوس، والله تعالى أعلم.
[تنبيه مهمّ]: هذا الحديث فيه دليلٌ على اجتناب التشبّه بالمشركين، والمجوس، ونحوهم، من الكفرة، والمنافقين، والفسقة، وأهل المعاصي؛ لأن التشبه بهم يُلحق بهم، ويُدخِل في زمرتهم، فقد أخرج أبو داود في "سننه" (٢) بإسناد حسن، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَشَبَّه بقوم فهو منهم".
وذلك لأن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين في الباطن، ويقود ذلك إلى محبتهم وموالاتهم، وذلك مناف لمقتضى الإيمان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [الممتحنة: ١].
وقد ألّف شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ كتابًا عديم النظير في بابه، يسمى "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم"، وأجاد فيه، وأفاد، وأسهب، وأعاد، فعليك به، تنل الهدى والرشاد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٠٩] (٢٦٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَة، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: "جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ").
стр. 3698
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصّغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم، المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ) - بضمّ الحاء المهملة، وفتح الراء - أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] (ت بضع و ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) هو: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُهنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن جعفر.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) زمنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جُزُّوا الشَّوَارِبَ) بضم الجيم، وتشديد الزاي، أمرٌ مِن جَزّ الصوفَ يجُزّه، من باب نصر: إذا قطعه (وَأَرْخُوا) بقطع الهمزة، وبالخاء المعجمة، أمرٌ من الإرخاء: أي أطيلوها، ورُوي بلفظ: "أرجئوا"، بالجيم، والهمزة: أي أخّروها، وبلفظ: "وفّروا" من التوفير، وهو الإبقاء، وتقدّم بلفظ: "أحفوا"، و"أوفوا"، و"أعفوا"،
стр. 3699
وكلّ هذه الروايات بمعنى واحد، وهو تركها على حالها، وعدم التعرّض لها بحلق، ولا تقصير.
(اللِّحَى) تقدّم أنه بكسر اللام، وحُكي ضمّها، وقوله: (خَالِفُوا الْمَجُوسَ) بيان للمعنى الحامل على الأمر بالجزّ، والإرخاء، أي لأنهم يتركون شواربهم، ويحلقون لحاهم، فيجب مخالفة هديهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٦/ ٦٠٩] (٢٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٢٩ و ٢٦١ و ٢٥٦ و ٣٦٥ و ٣٦٦ و ٣٨٧ و ٤٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٠٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٠)، وأما بقيّة المسائل فتقدّمت في شرح الأحاديث السابقة، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١٠] (٢٦١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِب، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَة، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاء، وَقَصُّ الْأَظْفَار، وَغَسْلُ الْبَرَاجِم، وَنَتْفُ الْإِبْط، وَحَلْقُ الْعَانَة، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ" - قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ - إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ، زَادَ قتيْبَةُ: قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ - يَعْني الاسْتِنْجَاءَ -).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 3700
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩.
٣ - (مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ) بن جُبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدار العَبْدَريّ المكيّ الْحَجَبيّ، ليّن الحديث [٥].
رَوَى عن أبيه، وعمة أبيه، صفية بنت شيبة، وقَرِيبه مسافع، وطلق بن حبيب، وعُبيد بن محمد بن الحارث، وأبي حبيب يعلى بن منية.
وروى عنه ابنه زُرَارة، وحفيده عبد الله بن زُرارة، وقَريبه عبد الله بن مسافع بن شيبة، وابن جريج، ومسعر، وزكرياء بن أبي زائدة، وعبد الله بن أبي السفر، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: رَوَى أحاديث مناكير، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه، وليس بقويّ، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال النسائيّ: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: في حديثه شيء، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، ولا بالحافظ، ورَوَى عن طلق بن حبيب، عن أبي الزبير، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ أنه كان يأمر بالغسل من الجنابة، والحجامة، ومن غسل الميت، ويوم الجمعة، قال أبو داود بعد تخريجه: ضعيفٌ، وقال ابن عديّ: تكلموا في حفظه، وقال العجليّ: ثقةٌ.
أخرج له المصنف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (٢٦١) و (٣١٤) و (٢٠٨١) و (٢٤٢٤).
٤ - (طَلْقُ (١) بْنُ حَبِيبٍ) الْعَنَزيّ - بفتح العين المهملة، والنون - البصريّ، صدوقٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٣].
رَوَى عن عبد الله بن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وجندب، وأنس بن مالك، والأحنف بن قيس، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.
стр. 3701
وروى عنه طاوسٌ، من أقرانه، وسعيد بن المهلَّب، والأعمش،
ومنصور، ومصعب بن شيبة، وسليمان التيميّ، والمختار بن فُلْفُل، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وكان يرى الإرجاء، وقال حماد بن زيد، عن أيوب: قال لي سعيد بن جبير: لا تجالسه، قال حماد: وكان يرى الإرجاء، وقال طاوس: كان طلق ممن يَخْشَى الله تعالى، وقال مالك بن أنس: بلغني أن طلق بن حبيب كان من العباد، وأنه هو وسعيد بن جبير، وقراء كانوا معهم طَلَبَهم الحجاج وقتلهم، وقال أبو زرعة: كوفي سمع ابن عباس، وهو ثقة، لكن كان يرى الإرجاء، وقال ابن سعد: كان مرجئًا ثقةً إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مرجئًا عابدًا، وقال العجليّ: مكيّ تابعيّ ثقة، كان من أعبد أهل زمانه، وقال أبو بكر البزار في "مسنده": لا نعلمه سمع من أبي ذرّ شيئًا، وقال أبو الفتح الأزديّ: كان داعية إلى مذهبه تركوه، وذكره البخاريّ في "الأوسط" فيمن مات بين التسعين إلى المائة، وقال البخاريّ: ثنا عليّ، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو معدان، قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت، قال: كنت مع طلق بن حبيب، وهو مُكَبَّل بالحديد، حين جيء به إلى الحجاج، مع سعيد بن جبير، ويقال: إنه أخرج من سجن الحجاج بعد موته، وتُوُفّي بعد ذلك بواسط، وقال أبو جعفر الطبري في "تاريخه": كَتَبَ الحجاج إلى الوليد أن أهل الشقاق لجأوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى الْقَسْريّ، فأخذ عطاءً، وسعيد بن جبير، ومجاهدًا، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دينار، فأما عمرو، وعطاء، ومجاهد، فأُرسلوا؛ لأنهم كانوا من أهل مكة، وأما الآخران فَبَعَث بهما إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (٢٦١) و (٢٦٧٠).
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى القرشيّ الأسديّ، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وُلد عام الهجرة، وحَفِظ عن النبيّ ﷺ ، وهو صغير، وحدّث عنه بجملة من الحديث، وعن أبيه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالته عائشة، وسفيان بن أبي زهير، وغيرهم،
стр. 3702
وهو أحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد مَن ولي الخلافة منهم، يكنى أبا بكر، ثم قيل له: أبو خُبيب بولده.
ورَوَى عنه أخوه عروة، وابناه عامر وعباد، وابن أخيه محمد بن عروة، وأبو ذُبيان خليفة بن كعب، وعَبيدة بن عمرو السلماني، وعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، ووهب بن كيسان، وابن أبي مليكة، وسماك بن حرب، وأبو الزبير، وثابت البناني، وآخرون.
وبويع بالخلافة سنة أربع وستين، عقب موت يزيد بن معاوية، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، وهو أول مولود وُلد للمهاجرين بعد الهجرة، وحنّكه النبيّ ﷺ ، وسمّاه باسم جده، وكناه بكنيته، وزعم الواقديّ أنه وُلد في السنة الثانية، والأصح الأول، وقال الزبير بن بكار: حدثني عمي، قال: سمعت أصحابنا يقولون: وُلد سنة الهجرة، وأتاه النبيّ ﷺ في اليوم الذي وُلد فيه يمشي، وكانت أسماء مع أبيها بالسُّنْح، فأُتيَ به، فَحَنَّكه، قال الزبير: والثبت عندنا أنه وُلد بقباء، وإنما سَكَن أبوه السُّنْح لَمّا تزوج مُليكة بنت خارجة بن زيد، قال الواقدي، ومن تبعه: وُلد في شوال سنة اثنتين.
ووقع في "الصحيح" من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، ﷺ أسماء، أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، قالت: فخرجت، وأنا مُتِمٌّ، فأتيت المدينة، ونزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله ﷺ ، فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة، فمضغها، ثم تَفَل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبيّ ﷺ ، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له، وبَرّك عليه، وكان أول مولود وُلد في الإسلام. لفظ أحمد في "مسنده".
وأخرج ابن منده، من طريق عبد الله بن محمد بن عروة، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: خرجت أسماء حين هاجرت، وهي حامل، قالت: فنفستُ به فأتيته به ليحنكه، فأخذه، فوضعه في حجره، وأُتي بتمرة، فمصّها، ثم مضغها في فيه، فحنكه، فكان أول شيء دخل بطنه ربق النبيّ ﷺ ، ثم مسحه، وسماه عبد الله، ثم جاء بعدُ، وهو ابن سبع أو ثمان ليبايع رسول الله ﷺ أمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه وبايعه، وكان أول مولود وُلد
стр. 3703
في الإسلام بالمدينة، وكانت يهود تقول: قد أخذناهم، فلا يولد لهم بالمدينة ولد، فَكَبَّر الصحابة حين وُلد.
وفي "الرسالة" للشافعي: أن عبد الله بن الزبير كان له عند موت النبيّ ﷺ تسع سنين، وقد حَفِظَ عنه.
وقال الدِّينَوري في "المجالسة": حدثنا إبراهيم بن يزيد، حدثنا أبو غسان، حدثنا محمد بن يحيى، أخبرني مصعب بن عثمان، قال: قال عبد الله بن الزبير: هاجرت وأنا في بطن أمي.
وأخرج الزبير من طريق مسلم بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن أبيه، أن النبيّ ﷺ كُلِّمَ في غِلْمَة من قريش تَرَعْرَعوا: عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن أبي سلمة، فقيل: لو بايعتهم، فتصيبهم بركتك، ويكون لهم ذكر، فأُتي بهم إليه، فكأنهم تكعكعوا، فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: إنه ابن أبيه. ومن طريق عبد الله بن مصعب: كان رسول الله ﷺ ، قد جمع أبناء المهاجرين والأنصار الذين وُلدوا في الإسلام، حتى ترعرعوا، فوقفوا بين يديه، فبايعهم، وجلس لهم، فجمع منهم ابن الزبير. وأخرج البخاري في ترجمة عبد الله بن معاوية، عن عاصم بن الزبير أنه رَوَى عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير قال لابنه عبد الله: أنت أشبه الناس بأبي بكر.
وأخرج أبو يعلى، والبيهقي في "الدلائل" من طريق هُنيد بن القاسم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه، أنه أتى النبي ﷺ ، وهو يحتجم، فلما فرغ قال: "يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه، حيث لا يراك أحد"، فلما برز عن رسول الله ﷺ ، عَمَد إلى الدم فشربه، فلمّا رجع قال: يا عبد الله ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى عن الناس، قال: "لعلك شربته؟ " قال: نعم، قال: "ولمَ شربت الدم؟، ويل للناس منك، وويل لك من الناس"، قال أبو موسى: قال أبو عاصم: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم.
وله شاهد من طريق كيسان، مولى ابن الزبير، عن سلمان الفارسي، قال الحافظ: رويناه في "جزء الغطريف"، وزاد في آخره: "لا تمسّك النار إلا تحلة القسم".
стр. 3704
وفي البخاري عن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير، فقال: عفيف الإسلام، قارئ القرآن، أبوه حواري رسول الله ﷺ ، وأمه بنت الصديق، وجدته صفية، عمة رسول الله ﷺ ، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد.
وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا الزنجي بن خالد، عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصليًا أحسن صلاة من ابن الزبير، وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمود، وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن مجاهد: ما كان باب من العبادة إلا تكلفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل بالبيت، فرأيت ابن الزبير يطوف سِبَاحةً، وشهد ابن الزبير اليرموك مع أبيه الزبير، وشهد فتح إفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان، ذكره الزبير، وابن عائذ، واقتص الزبير قصة الفتح، وأن الفتح كان على يديه، وشهد الدار، وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، وكان على الرجالة. قال الزبير: حدثني يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن معمر، أخبرني هشام بن عروة، قال: أُخذ عبد الله بن الزبير من وسط القتلى يوم الجمل، وفيه بضع وأربعون جراحة، فأَعطت عائشة البشير الذي بشّرها بأنه لم يمت عشرة آلاف، ثم اعتزل ابن الزبير حروب علي ومعاوية، ثم بايع لمعاوية، فلما أراد أن يبايع ليزيد امتنع، وتحوّل إلى مكة، وعاذ بالحرم، فأرسل إليه يزيدُ سليمانَ أن يبايع له، فأبى، ولَقَّب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرّة، وفَتَكَ أهل الشام بأهل المدينة، ثم تحولوا إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير، واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار، ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا، ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبد الله بن الزبير بالخلافة، وأرسل إلى أهل الأمصار يبايعهم، إلا بعض أهل الشام، فسار مروان، فغلب على بقية الشام، ثم على مصر، ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان، فغلب على العراق، وقتل مصعب بن الزبير، ثم جَهَّزَ الحجاج إلى ابن الزبير، فقاتله إلى أن قُتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وهذا هو المحفوظ، وهو قول الجمهور، وعند البغوي عن ابن وهب، عن مالك، أنه قُتل على رأس اثنتين وسبعين، وكأنه أراد بعد انقضائها (١).
стр. 3705
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا (١).
والباقون تقدّموا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي خالته، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "عشرة من السنة" بدل "الفطرة".
قال النوويّ ﵀: يدلّ على عدم انحصار الفطرة في العشر (٢).
(قَصُّ الشَّارِبِ) أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في المسألة الثالثة عشرة من شرح حديث أبي هريرة ﵁ المذكور أول الباب (وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) أي توفيرها، وتكثيرها، وقد تقدم مستوفى البحث في المسألة الثالثة من شرح حديث ابن عمر ﵄ (وَالسِّوَاكُ) بكسر السين يُطلق على الفعل، وهو الاستياك، وعلى الآلة التي يُستاك بها، وقد تقدّم تمام البحث فيه في "باب السواك" (وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ) أي جعل الماء في الأنف، وجذبه بالنَّفَس ليَنزل ما في الأنف، وقد تقدّم البحث عنه مستوفى في "باب صفة الوضوء، وكماله"، وفي رواية أبي عوانة: "والاستنثار بالماء" (وَقَصُّ
стр. 3706
الْأَظْفَارِ) أي قطع ما طال منها، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في المسألة الحادية عشرة من شرح حديث أبي هريرة المذكور.
(وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ) - بفتح الباء الموحّدة، وبالجيم - جمع بُرْجُمَة - بضم الباء، والجيم - وهي عُقَد الأصابع التي في ظهر الكفّ، قال الخطابيّ: هي المواضع التي تتسخ، ويجتمع فيها الوسخ، ولا سيما ممن لا يكون طَرِيّ البدن، وقال الغزاليّ: كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام، فيجتمع في تلك الغضون وسخ، فأمر بغسلها.
وقال النوويّ: وهي سنة مستقلة، ليست مختصة بالوضوء، يعني أنها يُحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف، وقد أُلْحِقَ بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأُذن، وهو الصِّمَاخ، فيُزيله بالمسح؛ لأنه ربما أضرّت كثرته بالسمع، وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أيّ موضع كان من البدن بالعَرَق والغُبَار ونحوهما. انتهى.
وقد أخرج ابن عديّ من حديث أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء؛ لأن الوسخ إليها سريع.
وللترمذي الحكيم، من حديث عبد الله بن بِشر رفعه: "قُصُّوا أظفاركم، وادفنوا قُلاماتكم، ونَقُّوا براجمكم"، وفي سنده راو مجهول.
ولأحمد من حديث ابن عباس ﵄: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ فقال: "ولم لا يبطئ عني، وأنتم لا تستنّون - أي لا تستاكون - ولا تَقُصّون شواربكم، ولا تُنَقُّون رواجبكم"، والرواجب جمع راجبة - بجيم بعدها موحّدة - قال أبو عبيد: البراجم، والرواجب: مفاصل الأصابع كلّها، وقال ابن سِيدَهْ: الْبُرْجُمَة: المفصل الباطن عند بعضهم، والرواجب بواطن مفاصل أصول الأصابع، وقيل: قَصَب الأصابع، وقيل: هي ظُهُور السُّلاميات، وقيل: ما بين البراجم من السّلاميات، وقال ابن الأعرابي: الراجبة البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم الْمُسبّحات من مفاصل الأصابع، وفي كل إصبع ثلاث برجمات، إلا الإبهام فلها برجمتان، وقال الجوهريّ: الرواجب مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم البراجم، ثم الأشاجع اللاتي على الكفّ، وقال أيضًا: الرواجب رؤوس السلاميات من ظهر الكفّ، إذا قَبَض القابض كفَّه، نَشَزَت وارتفعت،
стр. 3707
والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعَصَب ظاهر الكفّ، واحدها أشجع، وقيل: هي عروق ظاهر الكف؛ قاله في "الفتح" (١).
(وَنَتْفُ الْإِبْطِ) أي نزع الشعر النابت في باطن المنكب بالأصابع، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة ﵁ (وَحَلْقُ الْعَانَةِ) أي الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، والشعر الذي حوالي فرج المرأة، وقد تقدّم شرحه أيضًا مستوفًى.
(وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ") - بالقاف، والصاد المهملة - قال أبو عوانة في "مستخرجه": "هو غسل الذكر بالماء"، وهو بمعنى تفسير وكيع الآتي بأنه الاستنجاء، وقال أبو عبيدة: معناه انتقاص البول، بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره، وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية: "الانتضاح" بدل "انتقاص الماء"، قال الجمهور: الانتضاح نَضْحُ الفرج بماء قليل بعد الوضوء؛ لينفي عنه الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء بالماء، وذكر ابن الأثير أنه رُوِيَ "انتفاص الماء" - بالفاء، والصاد المهملة - وقال في "فصل الفاء": قيل: الصواب أنه بالفاء، قال: والمراد نضحه على الذكر، من قولهم لنضح الدم القليل: نَفَصَةٌ، وجمعها نَفْصٌ، قال النوويّ: وهذا الذي نقله شاذّ، والصواب ما سبق. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وأما "الانتضاح": فقال أبو عبيد الهرويّ: هو أن يأخذ قليلًا من الماء، فينضح به مذاكيره بعد الوضوء؛ لينفي عنه الوسواس، وقال الخطابيّ: انتضاح الماء الاستنجاء به، وأصله من النَّضْح، وهو الماء القليل، فعلى هذا هو والاستنجاء خصلة واحدةٌ، وعلى الأول فهو غيره، ويشهد له ما أخرجه أصحاب السنن من رواية الْحَكَم بن سفيان الثقفيّ، أو سفيان بن الحكم، عن أبيه، أنه "رأى رسول الله ﷺ توضأ، ثم أَخَذ حَفْنةً من ماء، فانتضح بها"، وأخرج البيهقيّ، من طريق سعيد بن جبير أن رجلًا أتى ابن عباس، فقال: إني أجد بللًا إذا قمت أصلي، فقال له ابن عباس: انضح بماء، فإذا وجدت من ذلك شيئًا، فقل هو منه. انتهى (٣).
стр. 3708
(قَالَ زَكَرِيَّاءُ) أي ابن أبي زائدة الراوي عن مصعب بن شيبة (قَالَ مُصْعَبٌ) أي ابن شيبة (وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ) أي الخصلة العاشرة من خصال الفطرة، وهذا صريح في كون الناسي هو مصعب بن شيبة، وفي الرواية التالية أن الذي نسي هو زكريّا، وبعده مما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم (إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ) قال النوويّ ﵀: هذا شكّ منه فيها، قال القاضي عياض ﵀: ولعلها الختان المذكور مع الخمس، يعني في حديث أبي هريرة الماضي، وتبعه القرطبيّ، والنوويّ، وقال: وهو أولى. انتهى (١).
(زَادَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد (قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ - يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ -) يعني أن وكيعًا فسّر الانتقاص بالاستنجاء، وقد سبق بيان الاختلاف فيه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٦/ ٦١٠] (٢٦١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٥٣)، و (الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٥٧)، و (النسائيّ) في "الزينة" (٥٠٤٠ و ٥٠٤١)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٩٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٧٢ و ٤٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٠٤ و ٦٠٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث:
(اعلم): أنه اختُلف في هذا الحديث، فقد صحّحه المصنّف، حيث أخرجه هنا، وأعلّه النسائيّ، فقال بعد إخراجه من طريق سليمان التيميّ، قال: سمعت طلقًا يذكر عشرة من الفطرة … الحديث، ومن طريق جعفر بن إياس، عن طلق، قال: "عشرة من السنّة" ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وحديث
стр. 3709
سليمان التيميّ، وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكر الحديث.
وحاصل ما أشار إليه النسائيّ ﵀ ترجيح رواية سليمان التيميّ، وجعفر بن إياس، المقطوعة على رواية مصعب بن شيبة المتّصلة المرفوعة.
وهكذا رجّح الدارقطنيّ في "العلل" روايتهما، فقال: وهما أثبتُ من مصعب بن شيبة، وأصحّ حديثًا، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: مصعب بن شيبة أحاديثه مناكير، منها: "عشرة من الفطرة"، ولَمّا ذكر ابن منده أن مسلمًا أخرجه، وقال: تركه البخاريّ، فلم يُخرجه، وهو حديث معلول، رواه سليمان التيميّ، عن طلق بن حبيب، مرسلًا.
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ (١): لم يلتفت مسلم لهذا التعليل؛ لأنه قدّم وصل الثقة عنده على الإرسال، قال: وقد يقال في تقوية رواية مصعب: إن تثبّته في الفرق بين ما حفظه، وبين ما شكّ فيه جهةٌ مقوّيةٌ لعدم الغفلة، ومن لا يُتّهم بالكذب إذا ظهر منه ما يدلّ على التثبّت قويت روايته.
وأيضًا لروايته شاهد صحيح، مرفوع في كثير من هذا العدد، من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه الشيخان (٢).
وقال الحافظ ﵀ بعد ذكر ترجيح النسائيّ للرواية المقطوعة على الموصولة ما نصّه: والذي يظهر لي أنها ليست بعلة قادحة، فإن راويها مصعب بن شيبة وَثَّقه ابن معين، والعجليّ، وغيرهما، وليّنه أحمد، وأبو حاتم، وغيرهما، فحديثه حسنٌ، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحّته من هذه الحيثية سائغٌ، وقولُ سليمان التيميّ: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرًا من الفطرة، يَحْتَمِل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قِبَل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائيّ، وَيحْتَمل أن يريد أنه سمعه يذكرُها وسَنَدَهَا، فحَذَف سليمانُ السندَ.
وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث عمار بن ياسر،
стр. 3710
مرفوعًا، نحو حديث عائشة، قال: "من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وغسل البراجم، والانتضاح" وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة، ساقه ابن ماجه، وأما أبو داود، فأحال به على حديث عائشة، ثم قال: ورُوي نحوه عن ابن عباس، وقال: "خمس في الرأس"، وذكر منها "الفَرْقَ"، ولم يذكر "إعفاء اللحية".
قال الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره"، والطبريّ من طريقه بسند صحيح، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فذكر مثل حديث عائشة ﵂. انتهى كلام الحافظ ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث صحيح، كما هو مذهب المصنّف، حيث أخرجه هنا، وكذا ابن خزيمة، حيث أخرجه في "صحيحه" برقم (٨٨)، وذلك ترجيحًا لرواية مصعب؛ لأمرين:
[أحدهما]: كونه حفظ الحديث، ومما يقوّي ذلك، وأنه متثبّت فيه - كما قاله ابن دقيق العيد - أنه ميّز بين ما حفظه، وبين ما شكّ فيه، وهذا دليلٌ قويّ على أنه لم يغفل في هذا الحديث.
[الثاني]: وجود شاهد صحيح مرفوع لكثير من هذا العدد، من حديث أبي هريرة ﵁، وغيره، كما سبق بيانه.
والحاصل أن حديث عائشة ﵂ هذا صحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ).
стр. 3711
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بالإسناد السابق، فـ"في" بمعنى الباء، يعني أن يحيى بن زكريا روى الحديث بسند أبيه مثل حديث وكيع عنه.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ) أي يحيى بن أبي زائدة (قَالَ: قَالَ أَبُوهُ) أي زكريا بن أبي زائدة (وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ) تقدّم أن الذي نسيها هو مصعب، ولعله سقط هنا قوله: "قال مصعبٌ"، وأما حمله على أنه أيضًا نسيها، فبعيد جدًّا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة هذه لم أجد من أخرجها تامّة، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[(١٧) - (بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١٢] (٢٦٢) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ
стр. 3712
نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ (١)، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِين، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاَثةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يُرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) وهو ابن (٥٠) أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٣ - (سَلْمَانُ) هو: سلمان الخير، أبو عبد الله، ابن الإسلام أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أسلم عند قدوم النبيّ ﷺ المدينة، وأول مشاهده الخندق، وشَهِد بقية المشاهد، وفتوح العراق، وولي المدائن.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أنس، وكعب بن عُجْرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو الطُّفيل، وأم الدرداء الصغرى، وأبو عثمان النَّهْديّ، وزاذان أبو عمر، وسعيد بن وهب الْهَمْدانيّ، وطارق بن شهاب، وعبد الله بن وديعة، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وشَهْر بن حَوْشَب، وفي سماعه منه نظر، وجماعة.
يقال: إنه أدرك وصيّ عيسى ابن مريم ﵇ وقيل: عاش مائتين وخمسين سنة، أو أكثر، ورُويت قصةُ إسلامه من وجوه كثيرة، وقال أبو ربيعة الإياديّ، عن ابن بريدة، عن أبيه، رفعه: "إن الله يحب من أصحابي أربعة … "، فذكره فيهم، وقال سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال: آخى النبيّ ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، قال الواقديّ، وغير واحد: مات بالمدائن في خلافة عثمان، وقال أبو عبيد، وغيره: مات سنة (٣٦)، وقال خليفة في موضع آخر: مات سنة (٣٧)، وقيل: مات سنة (٣٣)، قال الحافظ: وهو أشبه؛ لما رَوَى عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت، وقد
стр. 3713
مات ابن مسعود قبل سنة (٣٤) باتفاق، وقال أبو الشيخ: سمعت جعفر بن أحمد بن فارس، يقول: سمعت العباس بن يزيد، يقول لمحمد بن النعمان: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتين وخمسين فلا يشكّون فيه.
وقال ابن حبان: هو سلمان الخير، ومن زعم أنهما اثنان، فقد وَهِمَ.
وذكر العسكريّ أن اسم المرأة التي اشترته حُليسة، وقال ابن عبد البر: يقال: إنه شَهِد بدرًا.
وروى البخاريّ في "صحيحه" عن سلمان أنه قال: أنا من رامَهُرْمُز، وفيه أيضًا عن سلمان، أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى ربّ.
وأخرج ابن حبان، والحاكم في "صحيحيهما" قصة إسلام سلمان، من رواية حاتم بن أبي صَغِيرة، عن سماك بن حرب، عن زيد بن صُوحان، عنه، ورُوي من طُرُق أَخرى، من حديث بُريدة بن الحصيب وغيره.
قال الحافظ: وقد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبيّ: رَجَعتُ عن القول بأنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها، وتَبَيَّن لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٦٢) وأعاده بعده، و (١٩١٣) و (٢٤٥١)(٢٧٥٣) وأعاده بعده.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والذي قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (منها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فله فيه سندان، يلتقيان في الأعمش.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
стр. 3714
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه يحيى بن يحيى التميميّ، فنيسابوريّ، والصحابيّ مدنيّ، وَلي المدائن.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الرجل عن خاله، وهو إبراهيم، فإن عبد الرحمن خاله، وكذا أخوه الأسود بن يزيد، فأمه مُليكة بنت يزيد بن قيس أخت لهما.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من المعمّرين، لا يشاركه في مدّة عمره على بعض الأقوال غيره، كما أسلفت الخلاف في ذلك آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيّ ﵁، وقوله: (قَالَ: قِيلَ لَهُ) يحتمل أن يكون فاعل "قال" ضمير عبد الرحمن، وقوله: "عن سلمان" حال منه، أي قال عبد الرحمن حال كونه راويًا عن سلمان ﵁.
ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير سلمان، ويكون الكلام من باب التجريد؛ إذ الأصل أن يقول: قيل لي، لكنه جرّد من نفسه شخصًا حَكَى عنه.
وقد بيّن القائل في الرواية التالية، حيث قال: "عن سلمان، قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يُعلّمكم .. إلخ"، وفي رواية ابن ماجه: "قال: قال بعض المشركين، وهم يستهزئون به: إني أرى صاحبكم .. إلخ"، والحاصل أنهم قالوا ذلك استهزاءً، ومقول "قيل" جملة قوله: (قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ) أي أيَّ شيء كان، خطيرًا، أو حقيرًا (حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟) بكسر الخاء المعجمة، والمدّ: هو التخلّي، والقعود للحاجة؛ قاله ابن الأثير ﵀.
وقال القرطبيّ ﵀: هو بكسر الخاء، ممدود، مهموزٌ، وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدودٌ، وتُفتح خاؤه، وتُكسر، ويقال: بفتحها، وسكون الراء والقصر، من غير مدّ. انتهى (١).
стр. 3715
وقال الخطّابيّ ﵀: وأكثر الرواة يفتحون الخاء، قال: وقد يَحْتَمل أن يكون بالفتح مصدرًا، وبالكسر اسمًا، يقال: خَرِيءَ خَرَاءَةً، وخُرءَةً، وخَرْءًا: سَلَحَ، مثلُ كَرِهَ كَرَاهَةً، وكَرْهًا، والاسم: الْخِرَاءُ، والْخُرْءُ بالضمّ: الْعَذِرَةُ؛ أفاده في "اللسان".
وقال الفيّوميّ ﵀: خَرِيءَ يَخْرَأُ، من باب تَعِبَ: إذا تغَوّط، واسم الخارج خَرْءٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس. انتهى.
وقال السنديّ ﵀: الْخِرَاءةُ - بكسر الخاء، وفتح الراء، بعدها ألفٌ ممدودة، ثمّ هاءٌ -: هو القعود عند الحاجة، وقيل: هو فعلُ الحدث، وأنكر بعضهم فتح الخاء، لكن في "الصحاح": خَرِيءَ خَرَاءةً، ككره كَرَاهَةً، وهو يفيد صحّة الفتح، وقيل: لعلّه بالفتح مصدرٌ، وبالكسر اسم، وقيل: المراد هيئة القعود للحدث.
قال السنديّ: وهذا المعنى يقتضي أن يكون بكسر الحاء، وسكون الراء، وهمزة، كجِلْسَةٍ لهيئة الجلوس. انتهى.
والمراد هنا أن نبيّكم ﷺ يعلّمكم آداب التخلّي، وكيفية القعود عند قضاء الحاجة، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) عبد الرحمن، أو سلمان على الاحتمال الماضي (فَقَالَ: أَجَلْ) - بفتحتين، وسكون اللام - كنعَمْ وزنًا ومعنًى، قال في "اللسان": وقولهم: "أَجَلْ" إنما هو جواب مثلُ "نَعَمْ"، قال الأخفش: إلا أنه أحسنُ من "نَعَمْ" في التصديق، و"نعم" أحسن منه في الاستفهام، فماذا قال: أنت سوف تذهب، قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؛ قلت: نعم، وكان أحسن من أجل، و"أجل" تصديق لخببر يُخبِرُك به صاحبك، فيقول: فَعَلَ ذلك، فتُصدّقه بقولك له: أجل، وأما "نعَمْ" فهو جواب المستفهم بكلام لا جَحْدَ فيه، تقول له: هل صلّيتَ؟ فيقول: نعم، فهو جواب المستفهم. انتهى.
يقول سلمان ﵁: نعم عَلَّمنا نبيّنا ﷺ كلّ شيء نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرتها أيها المستهزئ، فإنه علّمنا آدابها.