رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بالإسناد السابق، فـ"في" بمعنى الباء، يعني أن يحيى بن زكريا روى الحديث بسند أبيه مثل حديث وكيع عنه.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ) أي يحيى بن أبي زائدة (قَالَ: قَالَ أَبُوهُ) أي زكريا بن أبي زائدة (وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ) تقدّم أن الذي نسيها هو مصعب، ولعله سقط هنا قوله: "قال مصعبٌ"، وأما حمله على أنه أيضًا نسيها، فبعيد جدًّا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة هذه لم أجد من أخرجها تامّة، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[(١٧) - (بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١٢] (٢٦٢) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ
стр. 3712
نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ (١)، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِين، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاَثةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يُرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) وهو ابن (٥٠) أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٣ - (سَلْمَانُ) هو: سلمان الخير، أبو عبد الله، ابن الإسلام أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أسلم عند قدوم النبيّ ﷺ المدينة، وأول مشاهده الخندق، وشَهِد بقية المشاهد، وفتوح العراق، وولي المدائن.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أنس، وكعب بن عُجْرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو الطُّفيل، وأم الدرداء الصغرى، وأبو عثمان النَّهْديّ، وزاذان أبو عمر، وسعيد بن وهب الْهَمْدانيّ، وطارق بن شهاب، وعبد الله بن وديعة، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وشَهْر بن حَوْشَب، وفي سماعه منه نظر، وجماعة.
يقال: إنه أدرك وصيّ عيسى ابن مريم ﵇ وقيل: عاش مائتين وخمسين سنة، أو أكثر، ورُويت قصةُ إسلامه من وجوه كثيرة، وقال أبو ربيعة الإياديّ، عن ابن بريدة، عن أبيه، رفعه: "إن الله يحب من أصحابي أربعة … "، فذكره فيهم، وقال سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال: آخى النبيّ ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، قال الواقديّ، وغير واحد: مات بالمدائن في خلافة عثمان، وقال أبو عبيد، وغيره: مات سنة (٣٦)، وقال خليفة في موضع آخر: مات سنة (٣٧)، وقيل: مات سنة (٣٣)، قال الحافظ: وهو أشبه؛ لما رَوَى عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت، وقد
стр. 3713
مات ابن مسعود قبل سنة (٣٤) باتفاق، وقال أبو الشيخ: سمعت جعفر بن أحمد بن فارس، يقول: سمعت العباس بن يزيد، يقول لمحمد بن النعمان: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتين وخمسين فلا يشكّون فيه.
وقال ابن حبان: هو سلمان الخير، ومن زعم أنهما اثنان، فقد وَهِمَ.
وذكر العسكريّ أن اسم المرأة التي اشترته حُليسة، وقال ابن عبد البر: يقال: إنه شَهِد بدرًا.
وروى البخاريّ في "صحيحه" عن سلمان أنه قال: أنا من رامَهُرْمُز، وفيه أيضًا عن سلمان، أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى ربّ.
وأخرج ابن حبان، والحاكم في "صحيحيهما" قصة إسلام سلمان، من رواية حاتم بن أبي صَغِيرة، عن سماك بن حرب، عن زيد بن صُوحان، عنه، ورُوي من طُرُق أَخرى، من حديث بُريدة بن الحصيب وغيره.
قال الحافظ: وقد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبيّ: رَجَعتُ عن القول بأنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها، وتَبَيَّن لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٦٢) وأعاده بعده، و (١٩١٣) و (٢٤٥١)(٢٧٥٣) وأعاده بعده.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والذي قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (منها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فله فيه سندان، يلتقيان في الأعمش.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
стр. 3714
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه يحيى بن يحيى التميميّ، فنيسابوريّ، والصحابيّ مدنيّ، وَلي المدائن.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الرجل عن خاله، وهو إبراهيم، فإن عبد الرحمن خاله، وكذا أخوه الأسود بن يزيد، فأمه مُليكة بنت يزيد بن قيس أخت لهما.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من المعمّرين، لا يشاركه في مدّة عمره على بعض الأقوال غيره، كما أسلفت الخلاف في ذلك آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيّ ﵁، وقوله: (قَالَ: قِيلَ لَهُ) يحتمل أن يكون فاعل "قال" ضمير عبد الرحمن، وقوله: "عن سلمان" حال منه، أي قال عبد الرحمن حال كونه راويًا عن سلمان ﵁.
ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير سلمان، ويكون الكلام من باب التجريد؛ إذ الأصل أن يقول: قيل لي، لكنه جرّد من نفسه شخصًا حَكَى عنه.
وقد بيّن القائل في الرواية التالية، حيث قال: "عن سلمان، قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يُعلّمكم .. إلخ"، وفي رواية ابن ماجه: "قال: قال بعض المشركين، وهم يستهزئون به: إني أرى صاحبكم .. إلخ"، والحاصل أنهم قالوا ذلك استهزاءً، ومقول "قيل" جملة قوله: (قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ) أي أيَّ شيء كان، خطيرًا، أو حقيرًا (حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟) بكسر الخاء المعجمة، والمدّ: هو التخلّي، والقعود للحاجة؛ قاله ابن الأثير ﵀.
وقال القرطبيّ ﵀: هو بكسر الخاء، ممدود، مهموزٌ، وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدودٌ، وتُفتح خاؤه، وتُكسر، ويقال: بفتحها، وسكون الراء والقصر، من غير مدّ. انتهى (١).
стр. 3715
وقال الخطّابيّ ﵀: وأكثر الرواة يفتحون الخاء، قال: وقد يَحْتَمل أن يكون بالفتح مصدرًا، وبالكسر اسمًا، يقال: خَرِيءَ خَرَاءَةً، وخُرءَةً، وخَرْءًا: سَلَحَ، مثلُ كَرِهَ كَرَاهَةً، وكَرْهًا، والاسم: الْخِرَاءُ، والْخُرْءُ بالضمّ: الْعَذِرَةُ؛ أفاده في "اللسان".
وقال الفيّوميّ ﵀: خَرِيءَ يَخْرَأُ، من باب تَعِبَ: إذا تغَوّط، واسم الخارج خَرْءٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس. انتهى.
وقال السنديّ ﵀: الْخِرَاءةُ - بكسر الخاء، وفتح الراء، بعدها ألفٌ ممدودة، ثمّ هاءٌ -: هو القعود عند الحاجة، وقيل: هو فعلُ الحدث، وأنكر بعضهم فتح الخاء، لكن في "الصحاح": خَرِيءَ خَرَاءةً، ككره كَرَاهَةً، وهو يفيد صحّة الفتح، وقيل: لعلّه بالفتح مصدرٌ، وبالكسر اسم، وقيل: المراد هيئة القعود للحدث.
قال السنديّ: وهذا المعنى يقتضي أن يكون بكسر الحاء، وسكون الراء، وهمزة، كجِلْسَةٍ لهيئة الجلوس. انتهى.
والمراد هنا أن نبيّكم ﷺ يعلّمكم آداب التخلّي، وكيفية القعود عند قضاء الحاجة، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) عبد الرحمن، أو سلمان على الاحتمال الماضي (فَقَالَ: أَجَلْ) - بفتحتين، وسكون اللام - كنعَمْ وزنًا ومعنًى، قال في "اللسان": وقولهم: "أَجَلْ" إنما هو جواب مثلُ "نَعَمْ"، قال الأخفش: إلا أنه أحسنُ من "نَعَمْ" في التصديق، و"نعم" أحسن منه في الاستفهام، فماذا قال: أنت سوف تذهب، قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؛ قلت: نعم، وكان أحسن من أجل، و"أجل" تصديق لخببر يُخبِرُك به صاحبك، فيقول: فَعَلَ ذلك، فتُصدّقه بقولك له: أجل، وأما "نعَمْ" فهو جواب المستفهم بكلام لا جَحْدَ فيه، تقول له: هل صلّيتَ؟ فيقول: نعم، فهو جواب المستفهم. انتهى.
يقول سلمان ﵁: نعم عَلَّمنا نبيّنا ﷺ كلّ شيء نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرتها أيها المستهزئ، فإنه علّمنا آدابها.
стр. 3716
قال الطيبيّ ﵀: جواب سلمان هذا من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لَمّا استهزأ كان من حقّه أن يُهَدَّد، أو يُسكَت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأجاب جواب المرشد للسائل المجِدّ. انتهى.
وقال بعضهم: يحتمل أنه ردٌّ له بأن ما زعمه سببًا للاستهزاء ليس بسبب له، بل المسلم يصرِّح به عند الأعداء؛ لأنه أمرٌ يُحسّنه العقل عند معرفة تفصيله، فلا عبرة بالاستهزاء به؛ لإضافته إلى أمر مستقبح ذكرُهُ، والجواب بالردّ لا يُسمّى أسلوب الحكيم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أسلوب الحكيم نوعٌ من أنواع الْمُحَسِّنات البديعيّة المعنويّة، وهو تَلَقِّي المخاطب بغير ما يترقّبه، إما بترك سؤاله، والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد؛ إشارةً إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يَقصِد هذا المعنى.
إذا تقرّر هذا، فقد اتّضح أن ما قاله الطيبيّ ﵀ من أن جواب سلمان ﵁ من أسلوب الحكيم هو الحقّ، لا الاحتمال الذي ذكره البعض، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(لَقَدْ نَهَانَا) اللام واقعة في جواب قسم مقدَّر؛ لتأكيد الجملة؛ لمناسبة إنكار السائل، أي: والله لقد نهانا نبيّنا ﷺ (أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) و"أن" مصدريّة، والمؤوّل بالمصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر قياسًا، أي عن استقبال القبلة، والمراد الاستقبال بالفروج، كما هو في رواية "الموطّأ": "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم"، و"أل" في "القبلة" للعهد، والمعهود الكعبة، كما فُسِّر بذلك في حديث أبي أيوب الآتي، حيث قال: "فقدمنا الشامَ، فوجدنا مَراحيضَ قد بُنِيت نحو الكعبة" الحديث (لِغَائِطٍ) قال النوويّ ﵀: كذا ضبطناه في مسلم: "لغائط" باللام، ورُوي في غيره: "بغائط"، ورُوي: "للغائط" باللام، والباء، وهما بمعنى. انتهى.
стр. 3717
وقال وليّ الدين ﵀: ضبطناه في "سنن أبي داود" بالباء الموحّدة، وفي مسلم باللام. انتهى.
أي لأجل غائط، أو بسببه.
و"الغائط" في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، ثم صار اسمًا للخارج المعروف من دبر الآدميّ؛ قاله النوويّ (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الغائط": الْمُطْمَئِنّ الواسع من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْواط، وغُوْطٌ، ثم أُطلق الغائط على الخارج الْمُسْتَقذَر من الإنسان؛ كراهةً لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقضُون حوائجهم في المواضع الْمُطْمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه، حتى اشتقّوا منه، وقالوا: تَغَوّط الإنسان، قال ابن الْقُوطيّة: غاط في الماء غَوْطًا: دخل فيه، ومنه الغائط. انتهى (٢).
(أَوْ بَوْلٍ) - بفتح الموحّدة، وسكون الواو - هو: في الأصل مصدر بالَ يبول بولًا، من باب قال، ومَبَالًا، فهو بائلٌ، ثم استُعمل البول في العين - أي الماء الخارج من الْقُبُل - وجُمِع على أبوال (٣).
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: دلّ الحديث على المنع من استقبال القبلة ببول، أو غائط، وهذه الحالة تتضمّن أمرين: أحدهما خروج الخارج المستقذر، والثاني كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع لكشف العورة، وَيَنبني على هذا الخلاف في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علّل بالخارج أباحه؛ إذ لا خارج، ومن علّل بالعورة منعه. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر؛ لظاهر قوله: "بغائط، أو بول"، وسيأتي تمام البحث قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ) "أو" للتنويع، وليست للشكّ، والمصدر المؤوّل معطوف على المجرور السابق، أي: ونهانا أيضًا عن الاستنجاء باليد اليمنى، ومعنى
стр. 3718
"نستنجي": أي نغسل موضع النَّجْو - بفتح، فسكون -: أي الخِراءة بالماء، أو نمسحه بالحجر ونحوه.
وقال ابن الأثير ﵀: الاستنجاء: استخراجِ النَّجْو من البطن، وقيل: هو إزالته عن بدنه بالغسل والمسح، وقيل: هو مِن نجَوْتُ الشجرةَ، وأنجيتها: إذا قطعتها، كأنه قَطَعَ الأذى عن نفسه، وقيل: هو من النَّجْوَة، وهو ما ارتفع من الأرض، كأنه يَطلُبها ليجلس تحتها. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: واستنجيتُ: غسلتُ موضعَ النّجْو، أو مسحته بحجر، أو مَدَرٍ، والأول مأخوذ من استنجيتُ الشجرَ: إذا قطعته من أصله؛ لأن الغسل يُزيل الأثر، والثاني من استنجيتُ النَّخْلةَ: إذا التقطتَ رُطَبَهَا؛ لأن المسح لا يقطع النجاسة، بل يُبقي أثرها. انتهى (٢).
[تنبيه]: يُسمّى الاستنجاءُ الاستطابةَ أيضًا، وهى إزالة الأذى عن المَخرجين بحجر، أو نحوه، أو هي مأخوذة من الطيب؛ لأن إزالة الفضلة تُطَيِّب المحلَّ، وتذهب عنه القَذَر، يقال: استطاب الرجل، فهو مستطيبٌ، وأطاب، فهو مُطِيب؛ قاله ابن الملقّن (٣).
وقال الفيّوميّ: الاستطابة: الاستنجاء، يقال: استطاب، وأطاب إطابةً أيضًا؛ لأن المستنجي تطيب نفسه بإزالة الْخَبَث عن المخرج. انتهى (٤).
(بِالْيَمِينِ) قال ابن سِيدهْ: اليمين: نقيض اليسار، جمعه أيمان، وأيمُن، ويَمَان؛ قاله في "اللسان" (٥)، ويقال لها: الْيُمنى، وهي مؤنّثة؛ قاله في "المصباح" (٦).
والنهي عن الاستنجاء باليمين يدلّ على إكرامها، وصيانتها عن الأقذار،
стр. 3719
ونحوها؛ لأن اليمين للأكل والشرب، والأخذ، والإعطاء، وهي مصونة عن مباشرة الثُّفْل (١)، وعن ممارسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنجاسات، خلاف الشمال، فإنها لخدمة أسفل البدن بإماطة ما هناك من الْقَذَارَات، وتنظيف ما يحدث من الإنسان وغيره، وسيأتي تحقيق المسألة قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاَثةِ أَحْجَارٍ) أي نهانا أيضًا عن الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار، وهذا نصّ صريح صحيحٌ في أن استيفاء ثلاث مسحات واجبٌ لا بدّ منه، وهو الصواب، والمسألة فيها خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
وقال الخطّابيّ ﵀: فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد المطهِّرين، وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بُدّ من الحجارة، أو ما يقوم مقامها، وهو قول سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل. انتهى.
(أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ) - بفتح الراء، وكسر الجيم -: فعيلٌ بمعنى فاعل، وهو الروث، والْعَذِرَةُ؛ سُمّي به؛ لأنه رَجَعَ عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا، أو عَلَفًا، وكذلك كلُّ فعلٍ، أو قولٍ يُرَدّ فهو رَجِيعٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول بالتخفيف؛ أفاده الفيّوميّ (٢).
(أَوْ) ليست للشكّ، بل للتنويع، كما سبق قريبًا، أي: ونهانا أيضًا أن نستنجي (بِعَظْمٍ) - بفتح، فسكون -: جمعه عِظَامٌ، وأعظُمٌ، مثلُ سِهَام، وأَسْهُم؛ قاله الفيّوميّ (٣).
وقال المجد ﵀: الْعَظْمُ: قَصَبُ الْحَيَوان الذي عليه اللحمُ، جمعه: أَعظُمٌ، وعِظَامٌ، وعِظَامةٌ، والهاء لتأنيث الجمع. انتهى (٤).
стр. 3720
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "برجيع، أو بعظم" الرَّجِيع: الْعَذِرة، والأرواث، ولا يُستنجى بها؛ لنجاستها، ولذلك قال ﷺ لعبد الله بن مسعود ﵁ حين أتاه بالحجرين والروثة: "إنها رجسٌ"، رواه البخاريّ. وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قَدِم وَفْدُ الجن على رسول الله ﷺ : فقالوا: يا محمد انْهَ أُمّتك أن يستنجوا بعظمٍ، أو روثة، أو حُمَمة، فإن الله تعالى جَعَلَ لنا فيها رزقًا (١).
وأخرج البخاريّ في "المناقب" من "صحيحه"، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يَحْمِل مع النبيَّ ﷺ إداوةً لوضوئه، وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "مَنْ هذا؟ " فقال: أنا أبو هريرة، فقال: "ابغني أحجارًا، أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة"، فأتيته بأحجار، أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟، قال: "هما من طعام الجنّ، وإنه أتاني وَفْدُ جنّ نَصِيبين - ونعم الجنُّ - فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يَمُرُّوا بعظم، ولا بروثة، إلا وَجَدُوا عليها طعامًا" (٢).
وأخرج المصنّف ﵀ في "الصلاة" حديث ابن مسعود ﵁ بطوله، وفيه: وسألوه الزاد، فقال: لكم كلُّ عظم ذُكِر اسمُ الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة عَلَفٌ لدوابكم، فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم" (٣).
وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 3721
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٧/ ٦١٢] (٢٦٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٧)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٤١ و ٤٩) وفي "الكبرى" (٤٠)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤٣٧ و ٤٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٧٩ و ٥٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٠٦ و ٦٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): شدّة اهتمام النبيّ ﷺ بتعليم أمته كلّ ما تحتاج إليه من أمر دينها.
٢ - (ومنها): شدّة اهتمام أعداء الإسلام من المشركين، وأهل الكتاب في البحث عما يعيبون به الإسلام، ويجادلون في ذلك بالباطل، وليس مرادهم إلا إغواء ضعفاء الإيمان، فلا ينبغي الاستماع إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
٣ - (ومنها): بيان فضل فقه الصحابيّ الجليل سلمان ﵁، حيث أجاب المشركين المعاندين ببيان الأحكام الشرعيّة التي لو فكّر أيّ عاقل لاستحسنها، ولعمل بها، فكلّ التعليمات النبويّة ليس فيها شيء يأباه القلب، ويعرض عنه، إلا من كتب الله عليه الشقاء المؤبّد، فإنه الذي لا يدرك محاسنها، ولكنه لا يضرّ الإسلام شيئًا، كما قال الشاعر [من البسيط]:
مَا ضَرَّ شَمْسَ الضُّحَى فِي الأُفْقِ طَالِعَةً … أَنْ لَا يَرَى ضَوْأَهَا مَنْ لَيْسَ ذَا بَصَرِ
٤ - (ومنها): بيان النهي عن استقبال القبلة بغائط، أو بول، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): بيان النهي عن الاستنجاء باليمين، وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث أبي قتادة ﵁ في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): بيان مشروعيّة الاستنجاء بالحجارة، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
стр. 3722
٧ - (ومنها): بيان النهي عن الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار، وأن ما دونها لا يجزئ؛ لأن قوله: "أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" نصّ صريحٌ صحيحٌ في أن استيفاء ثلاث مسحات واجبٌ، لا بد منه، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وهذا هو المذهبُ الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم استقبال القبلة، واستدبارها حال قضاء الحاجة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختَلَف أهل العلم في هذا الباب:
فذهبت طائفة إلى ظاهر هذه الأخبار، فقالت: لا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها بغائط، ولا بول، في البراري والمنازل، هذا قول سفيان الثوريّ، وقال أحمد بن حنبل: يعجبني أن يتوقى في الصحراء والبيوت، وكره مجاهد، والنخعي ذلك.
وحجة هذه الفرقة ظاهر هذه الأخبار التي فيها النهي عن العموم.
ورَخَّصت طائفة في استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول، هذا قول عروة بن الزبير، وكان يقول: وأين أنت منها؟ وقد حُكِيَ هذا القول عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واحتَجَّ بعض من يوافق هذا القول بما رواه خالد بن أبي الصَّلت، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروج، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: إن النبيّ ﷺ ذُكِر عنده أن ناسًا يَكرَهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبيّ ﷺ : "أوَ قد فعلوها، استقبِلُوا بمقعدي إلى القبلة".
رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وابن ماجه، وهو حديث ضعيف، قد استوفى علله في "تهذيب التهذيب" (١) في ترجمة خالد بن أبي الصلت، فتحسين النوويّ له في "شرحه" غير مقبول، فتنبّه.
стр. 3723
وذهب بعضهم إلى الإباحة، قالوا: جاءت الأخبار في هذا الباب مختلفةً، ولا يُعْرَف ناسخها من منسوخها، فوجب إيقاف الخبرين، وحَمْلُ الأشياء على الإباحة التي كانت؛ لِعدم معرفة الناسخ من الخبرين.
وفَرَّقت فرقة بين استقبال القبلة، واستدبارها في الصحاري والمنازل، فنَهَت عن ذلك في الصحاري، ورَخَّصَت فيه في المنازل، رُوي هذا القول عن الشعبيّ، وبه قال الشافعيّ، وإسحاق بن راهويه، وحُكِي عن مالك هذا المعنى، حَكَى ابن القاسم عن مالك، أنه سئل عن استقبال القبلة للغائط: أترى البيوت مثل الصحاري؟ قال: لا، ولا أرى في البيوت شيئًا، وحَكَى عنه ابن وهب أنه قال: في البيوت أَحَبّ عندي.
واحتج من قال بهذا القول في النهي عن ذلك في الصحاري بخبر أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ الآتي، واحتج في الرخصة في ذلك في المنازل بحديث ابن عمر رضي ﵄ الآتي أيضًا.
قال ابن المنذر ﵀ بعد نقل هذه المذاهب: وأصح هذه المذاهب مذهبُ مَنْ فَرَّق بين الصحاري والمنازل في هذا الباب، وذلك أن يكون ظاهر نهي النبيّ ﷺ على العموم إلا ما خصته السنة، فيكون ما خصته السنة مُسْتَثنًى من جملة النهي، وإنما تكمن الأخبار متضادّةً إذا جاءت جملةٌ فيها ذِكرُ النهي يقابل جملةً فيها ذكر الإباحة، فلا يمكن استعمال شيء منها، إلا بطرح ما ضادّها، وسبيل هذا كسبيل نهي النبيّ ﷺ عن بيع الثمر بالثمر جملةً، ثم رَخَّصَ في بيع الْعَرَايا بِخَرْصِها، فبيع العرية مستثنى من جملة نهي النبيّ ﷺ عن بيع الثمر، وكذلك نهيه عن بيع ما ليس عند المرء وإذنه في السلم، وهذا الوجه موجود في كثير من السنن، والله أعلم.
فلما نَهَى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلة بالغائط والبول نهيًا عامًّا، واستَقْبَل بيت المقدس، مستدبرًا الكعبة، كان إباحةُ ذلك في المنازل مخصوصًا من جملة النهي. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
стр. 3724
وقال النووي ﵀ في "شرحه": وأما النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط، فقد اختَلَف العلماء فيه على مذاهب:
[أحدهما]: مذهب مالك، والشافعيّ - رحمهما الله تعالى - أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهذا مرويّ عن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر ﵄، والشعبيّ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين - رحمهم الله تعالى -.
[والمذهب الثاني]: أنه لا يجوز ذلك، لا في البنيان، ولا في الصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاريّ الصحابيّ ﵁، ومجاهد، وإبراهيم النخعيّ، وسفيان الثوريّ، وأبي ثور، وأحمد في رواية.
[والمذهب الثالث]: جواز ذلك في البنيان والصحراء جميعًا، وهو مذهب عروة بن الزبير، وربيعة، شيخ مالك، وداود الظاهريّ - رحمهم الله تعالى -.
[والمذهب الرابع]: لا يجوز الاستقبال، لا في الصحراء، ولا في البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما، وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأحمد - رحمهما الله تعالى -.
واحتج المانعون مطلقًا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا، كحديث سلمان المذكور هنا، وحديث أبي أيوب، وأبي هريرة، وغيرهما، قالوا: ولأنه إنما منع لحرمة القبلة، وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء، ولأنه لو كان الحائل كافيًا لجاز في الصحراء؛ لأن بيننا وبين الكعبة جبالًا، وأوديةً، وغير ذلك من أنواع الحائل.
واحتج من أباح مطلقًا بحديث ابن عمر ﵄ الآتي ذكره: "أنه رأى النبيّ ﷺ مستقبلًا بيت المقدس، مستدبر القبلة"، وبحديث عائشة ﵂ المذكور آنفًا، وقد عرفت أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به.
واحتج مَن أباح الاستدبار دون الاستقبال، بحديث سلمان ﵁.
стр. 3725
واحتج من حَرَّم الاستقبال والاستدبار في الصحراء، وأباحهما في البنيان، بحديث ابن عمر ﵄ المذكور في هذا الكتاب، وبحديث عائشة ﵂ الذي مرّ ذكره، وقد عرفت ما فيه.
وبحديث جابر ﵁ قال: نَهَى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يُقْبَض بعام يستقبلها، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، وإسناده حسن.
وبحديث مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر ﵄ أناخ راحلته، مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ فقال: بلى، إنما نُهِيَ عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، رواه أبو داود وغيره، وهو حديث حسن.
قال النوويّ ﵀: فهذه أحاديث صحيحةٌ مصرحةٌ بالجواز في البنيان، وحديث أبي أيوب، وسلمان، وأبي هريرة، وغيرهم وردت بالنهي، فيُحْمَل على الصحراء؛ لِيُجْمَع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها، والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه، وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى، بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة، بخلاف الصحراء.
وأما من أباح الاستدبار، فيُحْتَجّ على ردّ مذهبه بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعًا، كحديث أبي أيوب، وغيره. انتهى كلام النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب المختار هو ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وكثير من أهل العلم، وهو الفرق بين البنيان، والصحراء، فيجوز في البيان، ويحرم في الصحراء، وهذا هو الذي اختاره ابن المنذر ﵀، كما سبق في كلامه، وهو مذهب الإمام البخاريّ ﵀ حيث قال في "صحيحه": "باب لا تُستقبَلُ القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، جدارٍ، أو نحوه"، ومذهب النسائيّ أيضًا، حيث قال في "المجتبى" بعد ذكر أحاديث
стр. 3726
النهي: "الرخصة في ذلك في البيوت"، وهو أعدل المذاهب؛ لجمعه بين الأدلّة - كما قال النوويّ، والحافظ - رحمهما الله تعالى -.
والحاصل أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، لا في الصحراء؛ لحديث ابن عمر ﵄ الآتي، وقد استوفيت مباحث هذه المسألة في "شرح النسائيّ"، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فوائد]: ذكرها النوويّ ﵀ في "شرحه" (١):
(الأولى): قال ﵀: المختار عند الشافعيّة: أنه إنما يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان إذا كان قريبًا من ساتر، من جُدْران ونحوها، بحيث يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها، وأن يكون الحائل مرتفعًا بحيث يَستُر أسافل الإنسان، وقدَّروه بآخرة الرَّحْل، وهي نحو ثلثي ذراع، فإن زاد ما بينه وبينه على ثلاثة أذرع، أو قصر الحائل عن آخرة الرحل، فهو حرام كالصحراء، إلا إذا كان في بيت بُنِي لذلك، فلا حجْر فيه كيف كان، قالوا: ولو كان في الصحراء، وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيحلّ في الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم فيهما لعدمه، هذا هو الصحيح المشهور عند أصحابنا، ومنهم من اعتبر الصحراء والبنيان مطلقًا، ولم يعتبر الحائل، فأباح في البنيان بكل حال، وحَرَّم في الصحراء بكل حال، والصحيح الأول، وفرَّعوا عليه، فقالوا: لا فرق بين أن يكون الساتر دابةً، أو جدارًا، أو وَهْدةً، أو كثيب رمل، أو جبلًا، ولو أرخى ذيله في قُبالة القبلة، ففي حصول السَّتر وجهان لأصحابنا، أصحهما عندهم، وأشهرهما أنه ساتر؛ لحصول الحائل. انتهى، وهو بحثٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(الثانية): حيث جَوَّزنا الاستقبال والاستدبار، قال جماعة من أصحابنا: هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة، والمختار أنه لو كان عليه مشقة في تكلُّف التحرف عن القبلة، فلا كراهة، وإن لم تكن مشقة، فالأولى تجنبه؛
стр. 3727
للخروج من خلاف العلماء، ولا تُطلَق عليه الكراهة؛ للأحاديث الصحيحة فيه. انتهى.
(الثالثة): أنه يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وداود الظاهريّ، واختَلَف فيه أصحاب مالك، فجوَّزه ابن القاسم، وكرهه ابن حبيب، والصواب الجواز، فإن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يَرِد فيه نَهْيٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(الرابعة): أنه لا يحرم استقبال بيت المقدس، ولا استدباره بالبول والغائط، لكن يكره.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطلق النوويّ الكراهة، وهو محلّ نظر؛ لأنه ليس عليها دليلٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(الخامسة): إذا تجنب استقبال القبلة، واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال، أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز. انتهت هذه الفوائد منقولة عن النوويّ ﵀، وهي فوائد حسان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء بالحجارة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه أمرهم بثلاثة أحجار، وقد اختَلَف أصحاب رسول الله ﷺ ، ومَن بعدهم في الاستنجاء، فرأت طائفة منهم الاستنجاء بالأحجار، وممن كان يستنجي بثلاثة أحجار: ابنُ عمر، ورُوي ذلك عن خزيمة بن ثابت، وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، ورَوَينا عن عمر بن الخطاب أنه بال، ثم أَخَذ حجرًا، فمسح به ذكره.
قال: وممن رُوي عنه أنه أنكر الاستنجاء بالماء حذيفةُ، وسعد بن مالك، وابن الزبير، ثم أخرج بسنده أن حذيفة ﵁ سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: إذن لا يزال في يدي نَتْنٌ، وأخرج بسنده عن عبد الله بن الزبير أنه قال: لعن الله غاسل استه، وعن سعد بن أبي وقّاص ﵁ أنه مرّ برجل يبول، فغسل أثر
стр. 3728
البول، فقال سعد: لِمَ تزيدون في دينكم ما ليس منه؟، وقال سعيد بن المسيب: أوَ يفعل ذلك - يعني الغسل بالماء - إلا النساء؟ وكان الحسن البصريّ لا يغسل بالماء، ورَوَينا عن عطاء أنه قال: غسلُ الدبر مُحْدَث.
قال: وممن كان يرى الاستنجاء بالحجارة: سفيانُ الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وسئل مالك عمن استنجى بالأحجار، ولم يستنج بالماء، وصَلَّى؟ قال: لا يُعيد.
قال: ورأت طائفة الاستنجاء بالماء، فممن كان يَرَى ذلك ابنُ عمر بعد أن لم يكن يراه، ورافع بن خَدِيج، وحُذيفة ﵃.
ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: بلغ ابنَ عمر أن معاوية يغسل عنه أثر الغائط والبول، فكان ابن عمر يَعجَب منه، ثم غسله بعدُ، فقال: يا نافع جرّبناه، فوجدناه صالحًا.
وأخرج من طريق الأوزاعيّ قال: حدثني أبو النجاشيّ، قال: صحبت رافع بن خَدِيج سبع سنين، فكان يستنجي بالماء.
ومن طريق حُصين بن عبد الرحمن، عن زِرّ، عن حنظلة، قال: كان حذيفة يستنجي بالماء إذا خرج من الخلاء. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح هو القول بجواز الاستنجاء بالحجارة، والماء، كما صحّ عن رسول الله ﷺ ، وأما الذين أنكروا الاستنجاء بالماء، فيُعتذر عنهم بأنه لم يثبت عندهم عن النبيّ ﷺ فيه شيء، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
والحاصل أن الاستنجاء بالماء جائز، بل هو الأولى إن تيسّر، وسنعود إلى تحقيق المسألة في "باب الاستنجاء بالماء" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3729
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: دلت الأخبار الثابتة عن النبيّ ﷺ على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، وبذلك قال كلُّ من نَحفَظ عنه من أهل العلم، إذا أنقي، ودلّ حديث رسول الله ﷺ على أن الاستنجاء لا يجزي بأقل من ثلاثة أحجار.
ثم أخرج حديث سلمان ﵁ المذكور في الباب، بلفظ: قال: قال المشركون: لقد علَّمكم صاحبكم حتى يوشك أن يعلمكم الخرأة، قال: أجل نهانا أن نستنجي بالعظام، وبالرجيع، وقال: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار"، قال: فقوله: "لا يجزي أحدكم دون ثلاثة أحجار" يدلُّ على إغفال مَن زَعَم أن المعنى منه إزالة النجاسة، وأن أقلّ من ثلاثة أحجار تجزي إذا نَقّي، ويلزم قائل هذا القول طَرْحُ الاستنجاء إذا لَمْ يكن للغائط أثرٌ، وذلك موجود في بعض الناس، وحديث ابن مسعود (١)، مع حديث سلمان يدلّ أن أقلّ من ثلاثة أحجار لا تجزي.
قال أبو بكر: وثبت أن نبي الله ﷺ قال: "وإذا استجمر فليوتر".
قال: فإن قال قائل: فإن اسم الوتر يقع على واحد، ففي حديث سلمان حيث قال: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار" دليلٌ على أنه أراد بقوله: "مَن استجمر فليوتر" ثلاثة أحجار، وفي حديث جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا استجمر أحدكم، فليستجمر ثلاثًا"، دليل على ذلك، وأخبار رسول الله ﷺ يُفَسِّر بعضها بعضًا، ويدُلّ بعضها على معنى بعض.
стр. 3730
وهذا على مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀ ما حاصله: ذهب الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور إلى أنه لا بدّ في الاستنجاء بالحجر من إزالة عين النجاسة، واستيفاء ثلاث مسحات، فلو مسح مرةً، أو مرتين، فزالت عين النجاسة وجب مسحه ثالثة.
وذهب مالك، وداود إلى أن الواجب الإنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض الشافعيّة، قال: ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، مَسَحَ بكل حرف مسحة أجزأه؛ لأن المراد المسحات، والأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أصحّ المذاهب مذهب من قال: إنه لا يُجزئ أقلّ من ثلاثة أحجار؛ لأنه نصّ الحديث الصحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال ابن المنذر ﵀: لا نَحْفَظ عن رسول الله ﷺ شيئًا من الأخبار أنه أمر بالاستنجاء بغير حجارة، ومن استنجى بالحجارة، كما أمر به رسول الله ﷺ ، فقد أتى بما عليه، وإن استنجى بغير الحجارة، فالذي نَحفَظ عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: ذلك جائزٌ، والاستنجاء بالحجارة أحوط، كان عطاء يقول: إني لأستنجي بالإذخر، وقال طاوس: ثلاثة أحجار، أو ثلاثة حثيات من تراب، أو ثلاثة أعواد، ويجزي كلّ ذلك عند الشافعيّ، وكذلك إن كانت آجُرّات، أو مقابس، أو خَزَفٌ، وهو على مذهب إسحاق، وأبي ثور، وأجاز مالك الاستنجاء بالمدر.
قال ابن المنذر ﵀: وأرجو أن يَجزِي ما قالوا، وليس في النفس شيء إذا استنجى بالأحجار وأنقي، فإن استنجى بثلاثة أحجار، ولم يُنْقِ زاد حتى يُنْقِي، وكان الشافعي يقول: لا يجزيه إلَّا أن يأتي من الامتساح بما يَعْلَم أنه لَمْ
стр. 3731
يُبقِ أثرًا قائمًا، فأما أثر لاصقٌ لا يُخرجه إلَّا الماء، فليس عليه إنقاؤه؛ لأنه لو جَهَد لَمْ يُنقِه بغير ماء، قال ابن المنذر: وكذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر]: كان الشافعيّ ﵀ يقول: وإن وَجَد حجرًا له ثلاثة وجوه، فامتسح بكل واحد امتساحةً كانت كثلاثة أحجار، وكذلك قال أبو ثور، وإسحاق.
وقد عارض بعض الناس الشافعيّ، وقال: ليس يخلو الأمر بثلاثة أحجار من أحد أمرين: إما أن يكون أُريد بها إزالة نجاسة، فإن كان هكذا، فبأيّ شيء أُزيلت النجاسة يجزي، بحجر، وغير حجر، ولو أزيلت بحجر واحد، أو يكون عبادةً، فلا يجزي أقلّ من العدد، أو معنى ثالثًا، فيقال: أريد بها إزالة نجاسة وعبادة، فلما بَطَلَ المعنى الأول، لَمْ يَبْقَ إلَّا هذان المعنيان، ولا يجزي في واحد من المعنيين إلَّا بثلاثة أحجار؛ لأن العبادات لا يجوز أن ينتقص عددها.
قال ابن المنذر: والخبر يدلّ على صحة ما قاله هذا القائل، وذلك موجود في حديث سلمان ﵁: "لا يكفي أحدَكم دون ثلاثة أحجار"، وكُلَّما أُمر الناسُ بعدد شيء لَمْ يجز أقلّ منه، فلا يجزي أن تُرمَى الجمرةُ بأقلَّ من سبع حصيات، مع أن قول رسول الله ﷺ مُسْتَغْنًى به عن غيره، ولا تأويل لما قال: "لا يَكفِي أحدكم دون ثلاثة أحجار" لمتأوّل معه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀، سيأتي الجواب عنه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
وقال النوويّ ﵀: وأما نصه ﷺ على الأحجار، فقد تعلق به بعض أهل الظاهر، وقالوا: الحجر متعين، لا يجزئ غيره، وذهب العلماء كافّة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعينًا، بل تقوم الْخِرَف والخشب وغير ذلك مقامه، وأن المعنى فيه كونه مزيلًا، وهذا يحصل بغير الحجر، وإنما قال ﷺ : "ثلاثة أحجار"؛ لكونها الغالب المتيسر، فلا يكون له مفهوم، كما في قوله
стр. 3732
تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ونظائره، ويدلّ على عدم تعيين الحجر نهيه ﷺ عن العظام والبعر والرجيع، ولو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا. قال: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: والذي يقوم مقام الحجر كلُّ جامدٍ طاهرٍ مزيلٍ للعين، ليس له حرمة، ولا هو جزء من حيوان. قالوا: ولا يشترط اتحاد جنسه، فيجوز في القبل أحجار، وفي المدبر خِرَق، ويجوز في أحدهما حجر مع خرقتين، أو مع خرقة وخشبة، ونحو ذلك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ ﵀ تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن الأولى كون الاستنجاء بثلاثة أحجار، ولا يُشترط ذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁، حيث قال له النبيّ ﷺ : "ائتني بثلاثة أحجار، ولا تأتني بعظم، ولا روث"، رواه البخاريّ، فإن نهيه ﷺ عن إتيانه بعظمٍ، وروث، يدلّ على جواز إتيانه بغيرهما، فدلّ على أن الأحجار ليست متعيّنة، ولولا هذا لكان الحقّ مع من اشترط الأحجار؛ لظاهر قوله ﷺ : "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار"، رواه مسلم.
وهذا هو الجواب الذي أشرت إليه في تعقّب كلام ابن المنذر السابق، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في أقوال أهل العلم في الاستنجاء بالرَّجِيع، والعظم:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الاستنجاء بالروث والعظام، قال: فلا يجوز الاستنجاء بشيء مما نَهَى عنه رسول الله ﷺ ، ولا بما قد استنجى به مرّةً، إلَّا أن يُطهَّر بالماء، ويرجع إلى حالة الطهارة، وقال سفيان الثوريّ: لا يستنجي بعظم، ولا رجيع، ويُكره أن يستنجي بماء قد استنجى به، وقال إسحاق، وأبو ثور: لا يجوز الاستنجاء بعظم، وغيره، مما نَهَى عنه النبيّ ﷺ ، وقال الشافعيّ: لا يستنجي بعظمِ ذَكيّ،
стр. 3733
ولا ميتٍ؛ للنهي عن العظم مطلقًا، ولا بحُمَمَة (١). انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢).
وقال النوويّ ﵀: فيه النهيُ عن الاستنجاء بالنجاسة، ونَبَّهَ ﷺ بالرجيع على جنس النجس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعامًا للجنّ، فنبه على جميع المطعومات، وتلتحق به المحترمات، كأجزاء الحيوان، وأوراق كتب العلم، وغير ذلك، ولا فرق في النجس بين المائع والجامد، فإن استنجى بنجس لَمْ يصحّ استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء، ولا يجزئه الحجر؛ لأن الموضع صار نجسًا بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات، فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لَمْ يكن نقل النجاسة من موضعها، وقيل: إن استنجاءه الأول يجزئه مع المعصية. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١٣] ( … ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَش، وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ (٣): إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ، حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِه، أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْث، وَالْعِظَام، وَقَالَ: "لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثةِ أَحْجَارٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور في الباب الماضي.
стр. 3734
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ إمام حجة [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حافظ حجة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله:
(قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصل، وهو صحيح، وتقديره: قال لنا قائل المشركين، أو أنه أراد واحدًا من المشركين، وجمَعه لكون باقيهم يوافقونه. انتهى (١).
وفي نسخة: "قال له المشركون".
وقوله: (إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ) مفعول "يُعلِّمكم" الثاني محذوف، تقديره: يعلّمكم كلَّ شيء، كما سبق في الرواية الماضية، وجملة "يُعلِّمكم" في محلّ المفعول الثاني لـ "أرى" على أنَّها علميّة، والتقدير: إني أرى صاحبكم معلّمًا إياكم كلَّ شيء.
وقوله: (أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) في الكلام محذوف، يُفهم من المقام، تقديره: أي ونهانا عن أن يستقبل أحدنا القبلة عند قضاء الحاجة، وقد أوضحت هذا المقدّر الرواية الماضية، حيث قال فيها: "لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول".
وقوله: (وَنَهَى عَنِ الرَّوْث، وَالْعِظَامِ) فيه محذوف أيضًا، أي ونهانا أيضًا عن استعمال الروث والعظام عند الاستجمار.
стр. 3735
وقوله: (لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) "لا" فيه نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، والمراد من النفي النهي، وهو أبلغ من النهي الصريح؛ إذ هو إخبار بعدم ذات الشيء، بخلاف النهي، فإنه إعدام لحكمه مع وجوده، فتنبّه.
ويحتمل أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم، لكن حذفت منه الحركة المقدّرة على قلّة، وعليه حَمَل بعضهم قراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء، مع جزم "يصبر" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١٤] (٢٦٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثنَا أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ (٢) بِعَظْمٍ، أَوْ بِبَعْرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٨٦.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٥.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
стр. 3736
٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
وقوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ) (١) وفي نسخة: "أن نمسح"، أي أن نستنجي.
وقوله: (بِعَظْمٍ) تقدّم ضبطه، ومعناه قريبًا.
وقوله: (أَوْ بِبَعْرٍ) "أو" فيه للتنويع، لا للشكّ، و"البعر" بفتح الموحدة، وسكون العين المهملة، وفتحها: هو رَجِيع ذوات الخفّ والظِّلْف، واحدتها بهاء، وجمعه أَبْعارٌ، وفعله كمنع، أفاده في "القاموس" (٢).
وفي "المصباح": الْبَعَرُ معروف، والسكون لغة، وهو من كلّ ذي ظِلْفٍ وخُفّ، والجمع أَبْعارٌ، مثلُ سبَبٍ وأَسباب، وبَعَرَ الْحَيَوَانُ بَعْرًا، من باب نَفَعَ: ألقَى بَعَرَهَ. انتهى (٣).
والحديث يدلّ على النهي عن الاستنجاء بالعظم، والبَعَر، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى قريبًا، فلا تنس نصيبك منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [١٧/ ٦١٤] (٢٦٣)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٦ و ٣٤٣ و ٣٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٨٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 3737
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١٥] (٢٦٤) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، (ع) قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ (١)، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا"، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ، قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَة، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ؟، قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير المذكور قبل باب.
٣ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ٥ أو ١٠٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٦.
٤ - (أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة ﵃، مات غازيًا بالروم سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهما، وأفرد الثالث، وسبب ذلك اتفاق الأولين في صيغة الأداء، حيث قالا: "حدّثنا سفيان بن عيينة"، بخلاف الثالث، فإنه لَمْ يقل مثل ما قالا، بل قال: قلت لسفيان .. إلخ، وهذا من دقائق علم الإسناد، ومما يشهد للمصنّف ﵀ بشدّة تحرّيه في كيفية صيغ التحمّل، وإن كان معظمه لا يختلف به المعنى غالبًا، فلله درّه، ما أدقّ معرفته بالصناعة الحديثية، والله تعالى أعلم.
стр. 3738
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زهير، ويحيي، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن عطاء.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له"، يعني أن اللفظ الذي ساقه لفظ شيخه يحيى بن يحيى، وأما الآخران فروياه بالمعني، وقد تقدّم البحث عنه غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من كبار الصحابة ﵃، شهِد بدرًا، وما بعدها، ونزل عليه النبيّ ﷺ أول ما قَدِمَ المدينة ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أَيُّوب، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ) قال عبد الغنيّ المقدسيّ ﵀: الغائط الموضع المطمئنّ من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فَكَنَوْا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاصّ اسمه. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: الغائط في الأصل: المطمئنّ من الأرض، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم استُعمل في الخارج، وغَلَب على الحقيقة الوضعيّة، فصار حقيقةً عرفيّة.
والحديث يقتضي أن اسم الغائط لا ينطلق على البول؛ لتفرقته بينهما، وقد تكلّموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، هل يتناول الريح مثلًا، أو البول، أو لا؟ بناءً على أنه يُخصّص لفظ "الغائط" لِمَا كانت العادة أن يُقْصَد لأجله، وهو الخارج من المدبر، ولم يكونوا يقصدون الغائط للريح مثلًا، أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القبل والدبر كيف كان. انتهى (١).
стр. 3739
واستظهر الصنعانيّ ﵀ في "حاشيته" عدم تناوله للريح والبول، قال: فإنهم كانوا لا يقصدون الغائط للبول والريح، فإطلاقه على مطلق الخارج كما أفاده الآخر من الترديد غير واضح. نعم، الحكم في الآية عامّ؛ لأدلّة أخرى. انتهى (١).
(فَلَا) ناهية، فلذا جُزم الفعل بعدها (تَسْتَقْبِلُوا) أي تواجهوا بفروجكم (الْقِبْلَةَ) أي الكعبة؛ لأنَّها المرادة عند الإطلاق (وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَما) أي لا تجعلوها خلفكم، والاستدبار خلاف الاستقبال (بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ) متعلّق بالفعل قبله، وقيل: متعلّق بحال محذوف من ضمير "لا تستقبلوا"، أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين ببول، ولا غائط (وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا") أي توجّهوا إلى جهة المشرق، أو المغرب.
وقال البغويّ ﵀: هذا خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق، أو المغرب، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال (٢).
وقال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه": قوله: "شرِّقوا أو غرِّبوا" لفظة أمر تُستعمل على عمومه في بعض الأعمال، وقد يخُصّه خبر ابن عمر بأن هذا الأمر قُصد به الصحارَى دون الكُنُف، والمواضع المستورة، والتخصيص الثاني الذي هو من الإجماع أن من كانت قبلته في المشرق، أو في المغرب عليه أن لا يستقبلها، ولا يستدبرها بغائط أو بول؛ لأنَّها قبلته، وإنما أُمر أن يستقبل، أو يستدبر ضدّ القبلة عند الحاجة. انتهى (٣).
وقال السنديّ ﵀: والمقصود الإرشاد إلى جهة أخرى لا يكون فيها استقبال القبلة، ولا استدبارها، وهذا مختلف بحسب البلاد، فلكلِّ أن يأخذ بهذا الحديث بالنظر إلى المعنى، لا بالنظر إلى اللفظ. انتهى (٤).
стр. 3740
(قَالَ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ ﵁ (فَقَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة، يقال: قَدِمَ الرجلُ البلدَ يَقْدَمُهُ، من باب تَعِبَ، قُدُومًا، ومَقْدَمًا: إذا دخله. (الشَّامَ) منصوب على الظرفيّة، لا على المفعوليّة، و"الشأم": بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة: شَأْميّ على الأصل، ويجوز شَآمٍ بالمدّ من غير ياء، مثلُ يَمَنيّ، ويَمَانٍ. قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقال المجد ﵀: الشّأْم: بلاد عن مَشْأمة القبلة، وسُمِّيت لذلك، أو لأن قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها: أي تياسروا، أو سُمّي بِسام بن نوح، فإنه بالشين بالسريانيّة، أو لأن أرضها شاماتٌ بيضٌ وحُمْر، وسُودٌ، وعلى هذا لا تُهْمَز، وقد تُذكَّرُ، وهو شاميّ، وشآميّ، وشآمٍ. وأشأمَ: أتاها. انتهى (٢).
وحدّه في الطول من الْعَرِيش إلى الفرات، وفي العرض بين الجزيرة والغور إلى الساحل (٣).
(فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ) بفتح الميم: جمع مِرْحاض - بكسر الميم، وسكون الراء -: وهو البيت المتّخَذ لقضاء حاجة الإنسان: أي للتغوّط؛ قاله النوويّ ﵀ (٤).
وقال ابن الأثير ﵀: أراد المواضع التي بُنِيت للغائط، واحدها مِرْحاضٌ: أي مواضع الاغتسال. انتهى (٥).
وقال الفيّوميّ ﵀: رَحَضتُ الثوبَ رَحْضًا، من باب نَفَعَ: غسلته، فهو رَحِيضٌ، والْمِرْحَاضُ - بكسر الميم -: موضع الرَّحْض، ثم كُنِي به عن الْمُسْتَرَاح؛ لأنه موضع غسل النَّجْوِ. انتهى (٦).
وقال المجد ﵀: رَحَضَهُ، كمنعه: غَسَله، كأرحضه، فهو رَحِيضٌ، ومَرْحُوضٌ، والْمِرْحَاضُ - بالكسر -: خَشَبَةٌ يُضْرَب بها الثوب، والْمُغْتَسَلُ، وقد
стр. 3741
يُكْنَى به عن مَطْرَحِ الْعَذِرَة، وكَمِكْنسة: شيءٌ يُتوضّأ فيه، مثلُ الكنيف. انتهى (١).
(قَدْ بُنِيَتْ) بالبناء للمفعول (قِبَلَ الْقِبْلَةِ) أي جهة القبلة، قال ابن الملقّن ﵀؛ يعني أنَّها بُنيت في الجاهليّة، وبناؤها نحو الكعبة ليس قصدًا لها، ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك، وهي بيت المقدس، وإنما هو مجرّد جهل ومصادفة. انتهى (٢).
(فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا) بالنونين: معناه: نحرِص على اجتنابها بالميل عنها بحسب قدرتنا (وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؟) قال الصنعانيّ ﵀: المراد نستغفره بالذكر القلبيّ، لا اللسانيّ؛ لأنه عند كشف العورة، وفي محلّ قضاء الحاجة؛ لأن الانحراف يُشعر بأنه بعد كشف العورة، والقعود لقضاء الحاجة، والانحراف لا يُخرجه عن تلك الهيئة. انتهى (٣).
وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قيل: يراد به: ونستغفر الله لباني الكنف على هذه الصورة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لَمْ يفعل ممنوعًا، فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعلّ ذلك لأنه استَقْبَلَ، واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطًا أو سهوًا، فيتذكّر، فينحرف، ويستغفر الله تعالى.
[فإن قلت]: فالغالط والساهي لَمْ يفعلا إثمًا، فلا حاجة إلى الاستغفار.
[قلت]: أهل الورع والمناصب العليّة في التقوى قد يفعلون مثل هذا؛ بناءً على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفّظ ابتداء، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (٤).
وقال غيره: استغفار أبي أيوب؛ لأن مذهبه تحريم الاستقبال في البنيان كما سلف، ولا يتأتى له الانحراف الكامل في قعوده إلَّا بحسب إمكانه، فاستغفر احتياطًا، ولا يُظنّ به أنه كان يفعل ما يعتقد تحريمه.
стр. 3742
ومن قال: إن استغفاره لبانيها ففيه بُعْد لوجهين:
[أحدهما]: أن تعقيب الوصف بالفاء، والعطف عليه يشعر بالعلّيّة، فالحكم: المنع من الجلوس إلى القبلة، والوصف: الانحراف المتعقّب بالفاء، والمعطوف عليه: الاستغفار.
[ثانيهما]: أن الظاهر أن المراحيض بناء الكفّار في الجاهليّة، فكيف يجوز الاستغفار لهم؟.
ويَحْتَمِل أن استغفاره لمن بناها من المسلمين جاهلًا على اعتقاده؛ قاله ابن الملقّن ﵀ (١).
وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) هو جواب لقول يحيى بن يحيى أَوّلًا: قلت لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزهريَّ يذكره عن عطاء .. إلخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٧/ ٦١٥] (٢٦٤)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٤٤) و"الصلاة" (٣٩٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٩)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٨)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٢١)، و (ابن ماجة) في "الطهارة" (٣١٨)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٢٥)، و (الحميديّ) في "مسنده"، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٥٥) (٣٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤١٦ و ٤٢١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤١٦ و ١٤١٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٩١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٩٣٦ و ٣٩٣٨ و ٣٩٣٩ و ٣٩٤٠ و ٣٩٤١ و ٣٩٤٢ و ٣٩٤٣ و ٣٩٤٤ و ٣٩٤٥ و ٣٩٤٦ و ٣٩٤٧ و ٣٩٤٨ و ٣٩٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٠٥ و ٥٠٦ و ٥٠٧
стр. 3743
و ٥٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٠٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تعظيم جهة القبلة، وتكريمها، والنهي عما يلزم منه عدم ذلك.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من القيام ببيان الإحكام وإيضاحه لأمته.
٣ - (ومنها): ابتداء العالم أصحابه بالعلم، خصوصًا إذا عَلِمَ أن بهم حاجةً إلى العمل به.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع المخالفة للشرع، والرجوع عنها، والاستغفار منها، والتوبة إن كان تلبّس بها متلبّسٌ.
٥ - (ومنها): استحباب الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير شنيعة النطق بها.
٦ - (ومنها): أن في قول أبي أيوب ﵁: "فقدمنا الشام .. إلخ" دلالةً على أن للعموم صيغةً عند العرب، وأهل الشرع، على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، والمعنى به استعمال صيغة العموم في بعض أفراده، كما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب ﵁ هذا (١).
٧ - (ومنها): أن فيه القراءة على العالم، وأن قوله: نعم يقوم مقام إخباره، قال ابن عبد البرّ ﵀: وكذلك الإقرار يجري عندنا هذا المجري، وإن كان غيرنا قد خالفنا فيه، وهو أن يقال للرجل: الفلان عندك كذا؟ فيقول: نعم، فيلزمه، كما لو قال: لفلان عندي كذا. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3744
(المسألة الرابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: اختلفوا في علّة هذا النهي من حيث المعنى، والظاهر أنه لإظهار الاحترام، والتعظيم للقبلة؛ لأنه معنى مناسبٌ وَرَد الحكم على وفقه، فيكون علّةً له، وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل ما رُوي من حديث سَلَمَة بن وَهْرَام، عن سُراقة بن مالك، عن رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم البراز، فليُكرم قبلة الله ، ولا يستقبل القبلة"، وهذا ظاهر قويّ في التعليل بما ذكرناه.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث سراقة بن مالك ﵁ هذا ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده مبشّر بن عبيد، وقد تفرّد به، وهو متروك الحديث، كما بيّنه الدارقطنّيّ، وأخرجه الدارقطنيّ في "سننه" (١)، والبيهقيّ من طريقه، في "المعرفة" (٢) من مرسل طاوس، وفي سنده زمعة بن صالح ضعيف، وسلمة بن وهرام، وهو مختلف فيه.
والحاصل أن الحديث لا يثبُت، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: ومنهم من علّل بأمر آخر، فذكر عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبيّ: عجبتُ لقول أبي هريرة، ونافع عن ابن عمر، قال: وما قالا؟ قلتُ: قال أبو هريرة: "لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها"، وقال نافع، عن ابن عمر: رأيت النبيّ ﷺ ذهب مذهبًا مواجه القبلة، قال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء؛ لأن لله خلقًا من عباده يصلّون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أيضًا ضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن أبي عيسى الحناط، وضعّفه أحمد، وغيره، بل قال الفلاس، والنسائيّ: متروك (٣).
стр. 3745
قال: وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشيء، هل يجوز الاستقبال والاستدبار أم لا؟ فالتعليل باحترام القبلة يقتضي المنع، والتعليل برؤية المصلّين يقتضي الجواز. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن حديث رؤية المصلّين غير صحيح، فلا يصحّ التعليل به، فالأولى التعليل باحترام القبلة، ولا يقال: إن حديث سَلَمة بن وَهْرام أيضًا ضعيف؛ لأنا نقول: لا نحتجّ به، وإنما نحتجّ بظاهر حديث أبي أيوب ﵁ الصحيح: "فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها"، فإن ظاهره يدلّ على أن العلّة هو احترامها، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قوله ﷺ : "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة … " الحديث يقتضي - كما قال ابن دقيق العيد ﵀ أمرين؛ أحدهما: ممنوع منه، والثاني علّة لذلك المنع، وقد تقدّم الكلام في علّة المنع في المسألة السابقة، ولنتكلّم هنا على محلّ العلّة، فالحديث دل على المنع من استقبال القبلة بغائط أو بول، وهذه الحالة تتضمّن أمرين؛ أحدهما: خروج الخارج المستقذر، والثاني: كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع للخارج؛ لمناسبته لتعظيم القبلة، ومنهم من قال: المنع لكشف العورة.
وينبني على هذا الخلاف خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن عَلَّل بالخارج أباحه؛ إذ لا خارج، ومن علّل بكشف العورة منعه (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر هذا البحث ابن دقيق العيد ﵀، ولم يرجّح، والذي يظهر لي أن التعليل بالخارج هو الأقرب؛ لظاهر قوله "بغائط أو بول"، ولم يقل: بالعورة، وأما الوطء مستقبل القبلة، مع كشف العورة، فيحتاج إلى ثبوت النهي عنه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
стр. 3746
[فائدة]: وردت أحاديث في النهي عن الجماع متجرّدًا، ولكنها أحاديث ضعيفة، فمنها ما أخرجه النسائيّ، والطبرانيّ عن عبد الله بن سَرْجِس ﵁، مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم أهله، فليستتر، ولا يتجرّدا تجرّد الْعَيْرَيْن"، وهو حديث ضعيف (١)، وأخرجه ابن ماجة بسند ضعيف، عن عتبة بن عبد السُّلَميّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد الْعَيْرَيْنِ" (٢)، وأخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة ﵁، وهو أيضًا ضعيف.
والحاصل أن الأحاديث الواردة في هذا غير صحيحة، لكن التستر أفضل، لحديث: "إن الله حَيِيّ سَتِير، يحبّ الحياء والسَّتر … " الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: أُولِعَ بعض أهل العصر، وما يَقرُب منه بأن قالوا: إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلًا، أو على الأفعال، كانت عامّةً في ذللث، مطلقةً في الزمان والمكان، والأحوال، والمتعلّقات، ثم يقولون: المطلق يكفي في العمل به سورة واحدة، فلا يكون حجةً فيما عداها، وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يُحصى من ألفاظ الكتاب والسنّة، وصار ذلك ديدنًا لهم في الجدال.
فمثلًا يقولون: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية [النور: ٢] قد حصل الامتثال بجلده ﷺ لمن أتى ذلك في عصره، فلا حجة فيه على جلد من أتى هذه الفاحشة بعده، وكذلك ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، وفي الأحاديث، كحديث أبي أيوب ﵁ هذا يقولون مثل ذلك.
قال: وهذا عندنا باطلٌ، بل الواجب أن ما دلّ على العموم في الذوات مثلًا يكون دالّا على ثبوت الحكم في كلّ ذات تناولها اللفظ، ولا تخرج عنها
стр. 3747
ذات إلَّا بدليل يخصّه، فمن أخرج شيئًا من تلك الذوات، فقد خالف مقتضى العموم.
نعم المطلق يكفي العمل به مرّةً كما قالوه، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كلّ ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العملُ به مرّة واحدةً مخالفةً لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في العمل به مرّةً واحدةً، وإن كان العمل به مرّةً واحدةً مما يُخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم؛ محافظةً على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعمّ.
مثالُ ذلك إذا قال: من دخل داري، فأعطه درهمًا، فمقتضى الصيغة العموم في كلّ ذات صدق عليها أنَّها داخلة.
فإن قال قائلٌ: هو مُطلقٌ في الأزمان، فأعمل به في الذوات الداخلة الدارَ في أول النهار مثلًا، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه مطلقٌ في الزمان، وقد عَمِلتُ به مرّةً، فلا يلزم أن أعمل به مرّةً أخرى؛ لعدم عموم المطلق.
قلنا له: لَمّا دلّت الصيغة على العموم في كلّ ذات دخلت الدار، ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك الذوات، فقد أخرجت ما دلّت الصيغة على دخوله، وهي كلُّ ذات. وهذا الحديث أحدُ ما يُستدلّ به على ما قلناه، فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: "لا تستقبلوا، ولا تستدبروا" عامًّا في الأماكن، وهو مطلقٌ فيها، وعلى ما قال هؤلاء المتأخّرون لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعمّ؛ لأنه إذا أُخرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ ببعض زيادة (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن دقيق العيد بحث نفيسٌ، وحاصله أن العامّ يُحْمَل على عمومه، ولا يُنظر إلى كونه مطلقًا؛ إذ المحافظة
стр. 3748
على العموم لا تنافي الإطلاق، فالعمل بالعامّ يستلزم العمل بالمطلق، وأقوى دليل على ذلك عمل هذا الصحابيّ الجليل ﵁ بعموم هذا الحديث؛ فإنه عالم بلغة العرب، وعالم بمقاصد الشريعة، وقد حمل العامّ على عمومه.
[فإن قلت]: على هذا يلزم ترجيح مذهب من يقول بتحريم الاستقبال والاستدبار في البناء، فكيف رجحتم مذهب من قال بالجواز فيه؟.
[قلت]: إنما رجحنا ذلك لدليل آخر، قام بتخصيص عمومه، وهو حديث ابن عمر ﵁، فلولاه لكان مذهب أبي أيوب زجه هو الراجح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦١٦] (٢٦٥) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِه، فَلا يَسْتَقْبِلِ (١) الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ت) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٨٠.
٢ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) بن رياح بن عَبِيدة - بفتح أوله - الرياحيّ - بكسر الراء، ثم تحتانيّة - أبو حفص البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن إبراهيم بن سعد، وجُويرية بن أسماء، وعامر بن أبي عامر الخزّاز، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، وطائفة.
ورَوَى عنه أحمد بن الحسن بن خِرَاش، والعباس بن عبد العظيم العنبريّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، وأحمد بن منصور الرَّمَاديّ، وعباس
стр. 3749
الدُّوريّ، ومحمد بن رافع، والبخاري في غير "الجامع"، وحنبل بن إسحاق، وإسحاق بن الحسن الحربيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، مأمونٌ، صدوق، لَمْ يُقْضَ لنا السماع منه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في شعبان سنة إحدى وعشرين ومائتين، وفيها أَرّخه غير واحد، وقال أبو داود: مات قبل القعنبيّ بشهرين.
تفرّد به المصنّف، له عنده هذا الحديث فقط، والنسائيّ، وله عنده حديث واحد في إعطاء عليّ ﵁ الراية.
٣ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) المذكور في الباب الماضي.
٤ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقة حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٥ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٦ - (الْقَعْقَاع) بن حَكِيم الْكِنانيّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٤.
٧ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ) أي لقضاء حاجته من البول، أو الغائط.
وقوله: (فَلَا يَسْتَقْبِلِ) وفي نسخة: "فلا يستقبلنّ .. إلخ " بنون التوكيد، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 3750
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٧/ ٦١٦] (٢٦٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٨)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٤٠)، و (ابن ماجة) في "الطهارة" (٣١٢ و ٣١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٣١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٠٩ و ٥١٠ و ٥١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في انتقاد الحفّاظ الإسناد هذا الحديث:
قال الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد ﵀ في جزء "علل الأحاديث" التي في "صحيح مسلم": هذا حديث أخطأ فيه عمر بن عبد الوهّاب الرياحيّ، عن يزيد بن زُريع؛ لأنه حديث يُعرَف بمحمد بن عجلان، عن القعقاع، وليس لسهيل في هذا الإسناد أصل، رواه أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، على الصواب، عن رَوْح، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ بطوله (١)، وحديث عمر بن عبد الوهاب مختصر (٢).
وقال الدارقطنيّ ﵀ في "التتبّع" (ص ١٧): وهذا غير محفوظ عن سُهيل، وإنما هو حديث ابن عجلان، حدّث به الناس عنه، منهم روح بن القاسم، وكذلك أميّة بن يزيد.
وقال الحافظ أبو الحجاج المزيّ في "تحفة الأشراف" (٩/ ٤٤١ - ٤٤٢) بعد أن أورد سند المصنّف ما نصّه: كذا قال الرياحيّ - يعني عمر بن عبد الوهّاب - عن يزيد بن زُريع، وهو معدود من أوهامه، وخالفه أميّة بن بسطام، وهو أحد الأثبات في يزيد بن زُريع، فقال: عن يزيد بن زريع، عن