أربع من الهجرة، فلو كان إسلام جرير متقدّمًا على نزول آية المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخفّ منسوخًا بهذه الآية، فلما كان إسلامه متأخّرًا عَلِمْنَا أن حديثه غير منسوخ، بل يُعمَل به، وهو مبيّنٌ أن المراد بالآية غير صاحب الخفّ، فيكون حديثه مخضصًا للآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف ﵀ هنا في "الطهارة" (٢٢/ ٦٢٨ و ٦٢٩) (٢٧٢)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٨٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٥٤)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٩٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١١٨ و ٧٧٤) وفي "الكبرى" (١٢١ و ٨٥٠)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٤٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٧٥٦ و ٧٥٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٩٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٨ و ٣٦١ و ٣٦٣ و ٣٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٣٥ و ١٣٣٦ و ١٣٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٩٥ و ٦٩٦ و ٦٩٧ و ٦٩٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٢٤)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٤٢١ و ٢٤٢٢ و ٢٤٢٣ و ٢٤٢٤ و ٢٤٢٥ و ٢٤٢٦ و ٢٤٢٧ و ٢٤٢٨ و ٢٤٢٩ و ٢٤٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٧٠ و ٢٧٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ١٩٣)، و (الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (١١/ ١٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفيّن، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث: الحكمُ الجليلُ الذي فَرّق بين أهل السنة وأهل البدع، وهو المسح على الخفين، لا ينكره إلا مخذول، أو مبتدع، خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر، لا خلاف
стр. 3817
بينهم في ذلك بالحجاز، والعراق، والشام، وسائر البلدان، إلا قومًا ابتدعوا، فأنكروا المسح على الخفين. انتهى (١)، وسيأتي بيان المذاهب، وأدلتها في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن مسألة المسح على الخفّين صارت شعارًا لأهل السنّة، ولذلك تُذْكَرُ في كتب العقائد؛ لأن إنكارها ردّ للمتواتر، وعُدّ ترك القول به شعارًا لأهل البدع.
قال الخطّابيّ ﵀ في "معالمه" بعد أن ذكر ما تمسّك به أهل البدع في إنكار المسح من الأدلة الواهية ما نصّه:
والعجب من الروافض تركوا المسح على الخفّين مع تظاهر الأخبار فيه عن النبيّ ﷺ ، واستفاضة علمه على لسان الأمة، وتعلّقوا بمثل هذا التأويل من الكتاب، وبمثل هذه الرواية من الحديث، ثم اتّخذوه شعارًا، حتى إن الواحد منهم ربما تَأَلَّى، فقال: برئت من ولاية أمير المؤمنين، ومسحتُ على خفّي إن فعلتُ كذا.
قال: حدّثني إبراهيم بن فراس، حدّثنا أحمد بن عليّ المروزيّ، حدّثنا ابن أبي الجوّال، أن الحسن بن زيد مَقَتَ على كاتب له، فحبسه، وأخذ ماله، فكتّبَ إليه من الحبس:
أَشْكُو إِلَى اللهِ مَا لَقِيتُ … أَحْبَبْتُ قَوْمًا بِهِمْ بُلِيتُ
لَا أَشْتِمُ الصَّالِحِينَ جَهْرًا … وَلَا تَشَيَّعْتُ مَا بَقِيتُ
أَمْسَحُ خُفِّي بِبَطْنِ كَفِّي … وَلَوْ عَلَى جِيفَةٍ وَطِيتُ
قال: فدعا به من الحبس، وردّ عليه ماله، وأكرمه. انتهى (٢).
٣ - (ومنها): جواز البول بمشهد الناس، وإن كان الأولى الغيبة عنهم.
٤ - (ومنها): بيان كون البول من نواقض الوضوء.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص في الإنكار لما اعتقدوه باطلًا، وشدّة مناقشتهم في ذلك.
стр. 3818
٦ - (ومنها): فضل جرير بن عبد الله ﵁، حيث كان واسع الصدر، يتحمّل إنكار طلابه عليه، وإن كانوا مخطئين في ذلك.
٧ - (ومنها): بيان الردّ على من أنكر المسح على الخفّين، وادّعى بأنه منسوخ؛ لأن حديث جرير ﵁ متأخّر عن آية الوضوء.
٨ - (ومنها): بيان أنه يُطلَب ممن رأى شيئًا يخالف الشرع في ظنّه أن لا يسكت عليه، وإن كان الفاعل عالمًا فاضلًا، بل يبادر بالإنكار عليه، ويناقشه بالتي هي أحسن.
٩ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لمن أُنكر عليه شيء، وكان يعتقد صحّته أن لا يغضب لمن ينكر عليه، ويناقشه بحسب ظنّه، بل يبيّن له مستنده في ذلك بالتي هي أحسن، كما قال جرير ﵁: "وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله؟ ".
١٠ - (ومنها): بيان أن للمنكر أن يردّ دليل الْمُدَّعي، وأن المطلوب من المدّعي أن يمنع ما ردّ به دليله، حتى يَسلَم دليله من الطعن.
١١ - (ومنها): بيان جواز الاستدلال بالتاريخ عند الحاجة إليه، فقد استدلّ جرير ﵁ بتاريخ إسلامه على بقاء حكم المسح على الخفّين، وأنه لم يُنسَخ.
١٢ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "فمسح على خفّيه" على أن المشروع من المسح هو مسح أعلى الخفّ، وهو الصحيح؛ لأن لفظة "على" ظاهرة في ذلك، وفيه خلاف، سنحقّقه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
١٣ - (ومنها): أنه لا فرق في جواز المسح بين أن يكون لحاجة، أم لا، حتى يجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والزَّمِنِ الذي لا يمشي، ونقل النوويّ ﵀ في "شرحه" الإجماع عليه (١).
قال ابن الملقّن ﵀: وعند المالكيّة أنه يُشترط في جواز المسح على الخفّ أن يكون لبسه على الوجه المعتاد عند الناس في لباس الخفاف، فإن لبسه لا لغرض سوى الترخّص بالمسح، أو كانت امرأةً خَضَبَت بالحناء،
стр. 3819
فلبست للمسح، لئلا تغسل الحناء، وشبه ذلك، فالمشهور عندهم أن هؤلاء لا يمسحون، فإن فعلوا ففي الإعادة خلاف. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نُقل عن المالكيّة من اشتراطهم في جواز المسح أن يلبسه بالصفة المذكورة مما لا دليل عليه، فالحقّ أن المسح مشروع مطلقًا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المسح على الخفّين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين.
قال: وممن رَوَينا عنه من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين، وأَمَر بالمسح عليهما عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن العاص، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وسهل بن سعد، وقيس بن سعد، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وعمار بن ياسر، وأبو زيد الأنصاريّ، وجابر بن سَمُرة، وأبو مسعود الأنصاريّ، وحُذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، ﵃.
ورُوي ذلك عن مَعْقِل بن يسار، وخارجة بن حُذَافة، وعبد الله بن عمرو، وبلال ﵃. ورَوَينا عن الحسن - يعني البصريّ - أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه ﷺ مسح على الخفين (٢).
قال: وكان عطاء بن أبي رباح، فيمن تبعه من أهل المسح على الخفين،
стр. 3820
وبه قال الحسن، وأهل البصرة، وكذلك قال عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، ومن تبعهم من أهل المدينة، وبه قال الشعبيّ، ومن وافقه من أهل الكوفة، وكذلك قال مكحول، وأهل الشام، وبه قال مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأجمع كل مَن نَحْفَظ عنه من أهل العلم، وكلُّ مَن لَقِيتُ منهم على القول به.
قال: وقد رَوَينا عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل مَن رُوي عنه من أصحاب النبيّ ﷺ أنه كَرِهَ المسح على الخفين، فقد رُوِي عنه غيرُ ذلك.
قال ابن المنذر: وإنما أنكر المسح على الخفين مَن أنكر الرجم، وأباح أن تُنكَح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، وأباح للمطلقة ثلاثًا الرجوع إلى الزوج الأول إذا نكحها الثاني، ولم يدخل بها، وأسقط الجلد عمن قذف مُحْصَنًا من الرجال، وإذا ثبت الشيء بالسنة وجب الأخذ به، ولم يكن لأحد عذرٌ في تركه، ولا التخلف عنه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ملخّصًا (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في كتابه "التمهيد" (١١/ ١٣٤) ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل السنة، أهل الفقه والأثر، في جواز المسح على الخفين بالحجاز، والعراق، والشام، وسائر البلدان، وما خالف في ذلك إلا قومٌ ابتدعوا، فأنكروه، وقالوا: إنه خلاف القرآن، وعسى القرآن نسخه، ومعاذَ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله ، بل بَيَّنَ مراد الله منه كما أمره الله في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
والقائلون بالمسح جمهور الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا، وكيف يُتَوَهَّم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن، أعاذنا الله من الخذلان. رَوَى ابنُ عيينة، والثوريّ، وشعبة، وأبو معاوية، وغيرهم عن
стр. 3821
الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: رأيت جريرًا يتوضأ من مِطْهَرة، ومسح على خفيه، فقيل له: أتفعل هذا؟ فقال: وما يمنعني أن أفعله، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله، قال إبراهيم: فكانوا - يعني أصحاب عبد الله وغيرهم - يُعجبهم هذا الحديث، ويستبشرون به؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وعن حماد بن أبي سليمان، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش، عن جرير بن عبد الله قال: وَضّأت رسول الله ﷺ ، فمسح على خفيه، بعدما أنزلت سورة المائدة.
ورَوَى عن النبيّ ﷺ المسحَ على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة، واستفاض، وتواتر، وأتت به الْفِرَقُ إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة، وهذه دعوى لا وجه لها، ولا معنى.
وقد رُوِي عن الحسن البصري ﵀ قال: أدركت سبعين رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يمسح على خفيه، وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسائر أهل بدر، وا لحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين أجمعين، وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار، وجماعة أهل الفقه والأثر، كلهم يُجيز المسح على الخفين، في الحضر والسفر، للرجال والنساء.
قال: حدّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا عبد الله بن الخيار الحمصيّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني سفيان بن سعيد الثوريّ، قال: مسح رسول الله ﷺ ، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن عُبَادة، وعبد الله بن عباس، وحُذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعريّ، وأبو مسعود الأنصاريّ، وخُزيمة بن ثابت الأنصاريّ، والبراء بن عازب، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وصفوان بن عَسّال، وفَضَالة بن عُبيد الأنصاريّ، وجرير بن عبد الله البجليّ.
стр. 3822
قال أبو عمر: ممن رَوَينا عنه أنه مسح على الخفين، وأمر بالمسح عليهما في الحضر والسفر بالطُّرُق الْحِسَان، من مصنَّف ابن أبي شيبة، ومصنَّف عبد الرزاق: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو مسعود، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة، وسلمان، وبلال، وخزيمة بن ثابت، وعمرو بن أبي أمية، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبَيديّ، وأبو أيوب، وجرير، وأبو موسى، وعمار، وسهل بن سعد، وأبو هريرة، ولم يُرْوَ عن غيرهم خلافٌ إلا شيءٌ لا يثبت عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة.
ثم أخرج ابن عبد البرّ بسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن فِطْر، قال: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، قال عطاء: كذب عكرمة، أنا رأيت ابن عباس يمسح عليهما.
ورَوَى أبو زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، أنه كان يمسح على خفيه، ويقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه، وهما طاهرتان، فليمسح عليهما".
قال أبو عمر: ولا أعلم في الصحابة مخالفًا إلا شيء لا يصح عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، وقد رُوي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين، وكذلك لا أعلم في التابعين أحدًا ينكر ذلك، ولا في فقهاء المسلمين إلا رواية جابر عن مالك، والروايات الصحاح عنه بخلافه، وهي منكرة، يدفعها موطؤه، وأصول مذهبه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ باختصار (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا.
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": أجمع مَن يُعْتَدّ به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والخضر، سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها، والزَّمِنِ الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة، والخوارج، ولا يُعْتَدّ بخلافهم.
стр. 3823
وقد رُوِيَ عن مالك ﵀ روايات فيه، والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير.
وقد رَوَى المسح على الخفين خلائق لا يُحْصَون من الصحابة، قال الحسن البصريّ ﵀: حَدَّثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة، وأقوال الأئمة المحقّقين أن المسح على الخفّين جائز، وقد تقدّم عن ابن المبارك ﵀ أنه قال: ليس في المسح على الخفّين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كلّ من رُوي عنه منهم إنكاره، فقد رُوي عنه إثباته، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من فقهاء السلف من رُوي عنه إنكاره، إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة مصرّحة بإثباته، وقال في "الفتح": وقد صرّح جمع من الحفّاظ بأن المسح على الخفّين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجازوا الثمانين، منهم العشرة، وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثًا عن الصحابة مرفوعةٌ، وقال ابن أبي حاتم: فيه عن أحد وأربعين.
وقال ابن عبد البرّ ﵀ في "الاستذكار": روى عن النبيّ ﷺ المسح على الخفّين نحو أربعين من الصحابة، وذكر أبو القاسم ابن منده أسماء من رواه في "تذكرته"، فكانوا ثمانين صحابيًّا، وذكر الترمذيّ، والبيهقيّ في "سننهما" منهم جماعةً، قال ابن عبد البرّ: وما رُوي عن عائشة، وابن عبّاس، وأبي هريرة في إنكار المسح لا يَثْبُت.
والحاصل أنه ما أنكر المسح على الخفّين إلا أهل البدع من الرافضة، والخوارج، ولا التفات إلى مخالفتهم، فأهل السنّة والجماعة، مجمعون على جوازه، فتمسّك بهديهم، واسلك سبيلهم، فإنهم أهل الصدق والوفاء، ولا يخالفهم إلا أهل الزيغ والجفاء، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3824
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الغسل والمسح أيهما أفضل؟:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَف أهلُ العلم في الغسل والمسح، أيُّ ذلك أفضل؟.
فقالت طائفة: الغسل أفضل؛ لأنه المفتَرَض في كتاب الله، والمسح رخصة، فالغاسل لرجليه مُؤَدٍّ لما افترض الله عليه، والماسح على خفيه فاعل لما أبيح له.
رَوَينا عن عمر بن الخطاب أنه أمرهم أن يمسحوا على خفافهم، وخَلَع هو خفيه، وتوضأ، وقال: إنما خلعت لأنه حُبِّب إليّ الطهور، وكان أبو أيوب يأمر بالمسح على الخفين، ويغسل قدميه، ويقول: أحب إلي الوضوء، ورَوَينا عن ابن عمر أنه قال: إني لَمُولَعٌ بغسل قدميَّ، فلا تقتدوا بي.
وقالت طائفة: المسح على الخفين أفضل من غسل الرجلين، وذلك لأنها من السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد طَعَن فيها طوائف من أهل البدع، فكان إحياء ما طَعَن فيه المخالفون من السنن أفضل من إماتته.
وقد احتَجَّ بعضُهم بالذي رُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن الله يحب أن يُقبَل رخصه" (١)، وتقول عائشة: "ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين، إلا اختار أيسرهما"، متّفقٌ عليه.
وممن رأى أن المسح على الخفين أفضل من غسل الرجلين: الشعبيّ، والحكم، وأحمد، وإسحاق، وكان ابن أبي ليلى والنعمان يقولان: إنا لنريد الوضوء، فنلبس الخفين حتى نمسح عليهما، ورَوَينا عن النخعيّ أنه قال: مَن رَغِب عن المسح على الخفين، فقد رغب عن سنة محمد ﷺ ، وقد شَبَّهَ بعض أهل العلم مَن لبس خفيه على طهارة وأحدث بالحانث في يمينه، قال: فلما كان الحانث في يمينه بالخيار، إن شاء أطعم، وإن شاء كسا، ويكون مؤديًا للفرض الذي عليه، فكذلك الذي أحدث، وقد لبس خفيه على طهارة، إن مَسَحَ، أو خَلَعَ خفيه، فغَسَلَ رجليه مؤدٍّ ما فُرِض عليه، مُخَيَّر في ذلك، ولا يجوز لمن
стр. 3825
أحدث ولا خُفَّ عليه إلا غسل رجليه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في أن المسح على الخفين أفضل، أم غسل الرجلين؟ فذهب أصحابنا - يعني الشافعيّة - إلى أن الغسل أفضل؛ لكونه الأصل، وذهب إليه جماعات من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب الأنصاريّ ﵃، وذهب جماعات من التابعين إلى أن المسح أفضل، وذهب إليه الشعبيّ، والْحَكَم، وحماد، وعن أحمد روايتان: أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما سواء، واختاره ابن المنذر، هكذا نسب اختيار هذا القول إلى ابن المنذر، ولم يذكره في "الأوسط"، ولعله ذكره في موضع آخر، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي القول بأن الغسل أفضل، لكن بشرط أن لا يترك المسح رغبةً عن السنّة، هذا إذا كان بين أهل السنة الذي يرون المسح جائزًا، وأما إذا كان بين المبتدعة المنكرين له، فالمسح أولى؛ لأن إحياء السنّة المماتة أفضل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في كيفية المسح:
قال الحافظ أبو عمر ﵀: واختلف الفقهاء في كيفية المسح على الخفين، فقال مالك، والشافعيّ: يمسح ظهورهما وبطونهما، وهو قول ابن عمر، وابن شهاب، وقال مالك، والشافعيّ: إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه، إلا أن مالكًا قال: من فعل ذلك يُعيد في الوقت، قال: ومن مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يُجزه، وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده، عند مالك وجميع أصحابه إلا شيئًا رُوِي عن أشهب أنه قال: باطن الخفين وظاهرهما سواءٌ، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما أعاد في الوقت، كمن مسح ظهورهما سواءً، وقال عبد الله بن نافع: مَن مسح ظهورهما، ولم يمسح بطونهما أعاد في الوقت وبعده.
والمشهور من قول الشافعيّ أن من مسح ظهورهما، واقتصر على ذلك
стр. 3826
أجزأه، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يجزه، وليس بماسح، مثل قول مالك سواءً، وله قول آخر مثل قول أشهب: إن مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه، والصحيح في مذهبه أن أعلى الخف يجزئ عن أسفله، ولا يجزئ مسح أسفله، وتمام المسح عنده أن يمسح أعلى الخف وأسفله.
واحتجّ مالك، والشافعي في مسح أعلى الخف وأسفله بما رواه كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة ﵁، أن رسول الله ﷺ توضأ، فمسح أعلى الخف وأسفله، والصحيح في هذا أنه مرسلٌ، فلا يصحّ الاحتجاج به.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ: يمسح ظاهر الخفين دون باطنهما، وقد قال به أحمد بن حنبل، وإسحاق، وجماعة، وهو قول قيس بن سعد بن عبادة (١)، وقول الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم (٢).
واحتج من قال بهذا القول بما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عليّ ﵁ قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه".
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح المذاهب ما ذهب إليه الحنفيّة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وجماعة أنه يمسح على ظاهر الخفّ؛ لصحّة حديث عليّ ﵁ بذلك.
قال ابن المنذر ﵀ بعد ذكره نحو ما تقدّم: وبهذا - يعني القول بالمسح على ظاهر الخف - نقول، ولا أعلم أحدًا يرى أن مسح أسفل الخفّ وحده يجزي من المسح، وكذلك لا أعلم أحدًا أوجب الإعادة على من اقتصر على مسح أعلى الخفّ. انتهى (٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3827
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في أول وقت المسح:
اختلفوا في الوقت الذي يَحتَسِب به مَن مَسَح على خفيه على أقوال:
[الأول]: قالت طائفة: يَحتسب به مِن وقت مسحه على خفيه تمامَ يوم وليلة للمقيم، وإلى تمام ثلاثة أيام ولياليهن من وقت مسحه في السفر؛ وبهذا قال الإمام أحمد بن حنبل.
ومن حجة من قال هذا القول ظاهر قول رسول الله ﷺ : "يمسح المسافر على خفيه ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلةً"، فظاهر هذا الحديث يدلّ على أن الوقت في ذلك وقت المسح، لا وقت الحدث، ثم ليس للحَدَث ذكر في شيء من الأخبار، فلا يجوز أن يُعْدَل عن ظاهر قول رسول الله ﷺ إلى غير قوله إلا بخبر عن الرسول، أو إجماع يدلّ على خصوص.
قال ابن المنذر ﵀: ومما يزيد ذلك القول وضوحًا وبيانًا قول عمر بن الخطاب ﵁ في المسح على الخفين: يمسح إلى الساعة التي توضأ فيها، ولا شك أن عمر ﵁ أعلم بمعنى قول رسول الله ﷺ ممن بعده، وهو أحد مَن رَوَى عن النبيّ ﷺ المسح على الخفين، وموضعه من الدين موضعه، وقد قال النبيّ ﷺ : "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين بعدي"، وقال أيضًا: "اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر".
[الثاني]: أن وقت المسح من الحدث إلى الحدث، وهذا قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي.
[الثالث]: أن الماسح على خفيه يستتم بالمسح خمس صلوات، لا يمسح أكثر من ذلك، رُوي هذا القول عن الشعبيّ، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وسليمان بن داد.
[الرابع]: قول ربيعة ومالك ومن تبعهما من أهل المدينة، أنه لا وقت للمسح، بل يمسح كما شاء.
قال ابن المنذر ﵀: وتفسير قول مَن قال: "يمسح من الحدث إلى الحدث": أن يَلْبَس الرجل خفيه على طهارة، ثم يُحدث عند زوال الشمس، ولا يمسح على خفيه إلا من آخر وقت الظهر، فله أن يمسح على خفيه إلى أن
стр. 3828
تزول الشمس من غد، وإذا زالت الشمس من غد وجب خَلْعُ الخف، ولم يكن له أن يمسح إذا كان مقيمًا أكثر من ذلك.
ومن حجة من قال هذا القول أن المسح رخصة، فلما أحدث هذا، فأبيح له المسح، ولم يمسح، وترك ما أبيح له إلى أن جاء الوقت الذي أحدث فيه، فقد تم الوقت الذي أبيح له فيه المسح، ووجب خلع الخف.
وفي القول الثاني له أن يمسح إلى الوقت الذي مسح، وهو آخر وقت الظهر على ظاهر الحديث.
وقال بعض من يقول بالقول الثالث: لَمّا اختلف أهل العلم في هذا الباب، نظرنا إلى أقل ما قيل، وهو أن يصلي بالمسح خمس صلوات، فقلنا به، وتركنا ما زاد على ذلك؛ لِمَا اختلفوا؛ لأن الرُّخَص لا يُستعمل منها إلا أقلُّ ما قيل، وإذا اختلفوا في أكثر من ذلك وجب الرجوع إلى الأصل، وهو غسل الرجلين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد اتَّضح مما سبق أن أرجح الأقوال هو القول الأول، وهو أنه يبدأ من وقت المسح؛ لموافقته لظاهر الحديث، كما سبق بيانه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في أقوال أهل العلم في اشتراط لبس الخفّ على طهارة لجواز المسح عليه:
قال ابن المنذر ﵀: ثابت عن نبي الله ﷺ أنه قال للمغيرة بن شعبة ﵁ لَمّا أهوى إليه؛ لينزع خفيه: "دَعْهُما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما"، متّفقٌ عليه.
قال: وأجمع كل مَن نَحْفَظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا تطهر، فأكمل طهوره، ثم لبس الخفين، ثم أحدث، فتوضأ أن له أن يمسح على خفيه، وأجمعوا على أنه إذا توضأ، وبَقِي عليه غسل إحدى رجليه، فأدخل الرجل المغسولة في الخف، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخفّ إنه طاهر، وله أن يصلي ما لم يحدث، واختلفوا فيه إن أحدث، وهذه حالته، فقالت طائفة:
стр. 3829
ليس له أن يمسح؛ لأنه أدخل إحدى رجليه الخفّ قبل أن يُكْمِل الطهارة، وتَحِلَّ له الصلاة، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك: إنما يمسح على الخفين مَن أدخلهما، وهما طاهرتان.
وفيه قول ثان، وهو أن لمن هذه حالته أن يمسح على الخفين، هذا قول يحيى بن آدم، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي، والمزنيّ، وبعض أصحابنا.
وقد احتجّ بعض أصحابنا القائلين بهذا القول بأن الرَّجُل إذا غسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وغسل إحدى رجليه، فقد طهرت رجله التي غسلها، فإذا أدخلها الخفّ، فقد أدخلها وهي طاهرة، ثم إذا غسل الأخرى من ساعته، وأدخلها الخفّ، فقد أدخلها، وهي طاهرة، فقد أدخل مَن هذه صفته رجليه الخفّ، وهما طاهرتان، فله أن يمسح عليهما بظاهر الخبر؛ لأنه قد أدخل قدميه وهما طاهرتان، قال: والقائل بخلاف هذا القول قائل بخلاف الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي هو القول الأول؛ لأن ظاهر قوله ﷺ : "أدخلتهما، وهما طاهرتان" يدلّ على الطهارة الكاملة؛ لأن طهارة الوضوء لا تُسمّى طهارة إلا بكمالها، ولذا لو غسل وجهه، ويديه، وأراد مسّ مصحف بيده لا يجوز له ذلك؛ لكون هذه الطهارة غير معتبرة؛ إذ لم تكمل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في المسح على الخفّ المتخرّق:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في المسح على الخف المتخرِّق:
فقالت طائفة: يمسح على جميع الخفاف ما أمكن المشي فيها؛ لدخولهما في ظاهر أخبار رسول الله ﷺ ، هذا قول سفيان الثوريّ، وإسحاق، وذَكَر ذلك إسحاق عن ابن المبارك، وحُكِي ذلك عن ابن عيينة، وبه قال يزيد بن هارون، وأبو ثور، قال أبو ثور: ولو كان الخرق يمنع عن المسح لبيّنه النبيّ ﷺ .
стр. 3830
وقالت طائفة: إذا كان في الخفّ خَرْق بدا شيء من مواضع الوضوء لم يمسح عليه، هذا قول الشافعيّ، وأحمد، ومعمر صاحب عبد الرزاق.
وفيه قول ثالث: وهو إن كان الخرق قد بدت أصبعه، أو كلها، أو طائفة من رجله توضأ، ومسح على خفيه، وغسل ما بدا من رجله، هذا قول الأوزاعيّ.
وفيه قول رابع: وهو أن الخرق إذا كان يسيرًا، فأرجو أن يجزئ عنه أن يمسح عليهما، وإن كان خرقه كثيرًا فأحب إليّ أن لا يمسح عليهما، هذا قول مالك.
وفيه قول خامس: وهو إن كان في خفيه خرق تخرج منه أصبع أو أصبعان أجزأه أن يمسح عليهما، فإن كان ثلاث أصابع لم يجزه، هذا قول أصحاب الرأي.
وقد رُوي عن الحسن أنه قال: إذا خرج الأكثر من أصابعه لم يُجزه المسح.
قال ابن المنذر ﵀: وبالقول الأول أقول؛ لأن النبيّ ﷺ لَمّا مَسَحَ على الخفين، وأَذِن بالمسح عليهما إذنًا عامًّا مطلقًا، دخل فيه جميع الْخِفَاف، فكلُّ ما وقع عليه اسم الخُفّ فالمسح عليه جائز، على ظاهر الأخبار، ولا يجوز أن يُسْتَثنى من السنن إلا بسنّة مثلها، أو إجماع، وهذا يلزم أصحابنا القائلين بعموم الأخبار، والمنكرين على من عَدَل عنها إلا بحجة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن المنذر ﵀ في هذا التحقيق، وهذا هو واجب كلّ مسلم أنه إذا ثبتت سنّة رسول الله ﷺ ، وصحّت وجب العمل بها على إطلاقها، ولا يجوز أن يتأوّلها متأوِّلٌ، أويجعلَ لها شرطًا، أو قيدًا، أو مَحْمِلًا من المحامل إلا بسنّة صحيحة مثلها، أو بإجماع أهل العلم على ذلك.
والحاصل أن الأرجح هنا أنه يجوز المسح على الخفاف المتخرّقة؛ لإطلاق النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3831
(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في جواز المسح على الْجُرْمُوق:
(اعلم): أن الْجُرموق - بضم الجيم، وسكون الراء - ويقال فيه: الموق أيضًا؛ خفّ غليظٌ يُلبس فوق الخفّ؛ قاله في "القاموس"، وقال ابن سِيده: الموق: ضرب من الخفاف، وقال الجوهريّ: الموق خفّ قصير، يُلبس فوق الخفّ، فارسيّ معرّب. انتهى.
وقد اختَلَفوا في المسح على الجرموقين، فرأت طائفة المسح عليهما، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وقال مالك فيمن لبس زوجي خفاف إن احتاج، فالأعلى أحب إلي أن يمسح عليهما، وكان سفيان الثوريّ يرى أن يمسح على خفين، قد لبسهما على خفين، وقال أحمد: يمسح على الجرموقين فوق الخفين، وكذلك قال أصحاب الرأي، والحسن بن صالح، وكان الأوزاعيّ يرى أن يمسح على خفين، قد لبس أحدهما فوق الآخر.
وفيه قول ثان: وهو أنه لا يجوز المسح على الجرموقين، هكذا قال الشافعيّ بمصر، وقد كان يقول إذ هو بالعراق: له أن يمسح عليهما.
قال ابن المنذر: أَذِن النبيّ ﷺ في المسح على الخفاف، فإن كان الجرموقان يسميان خفين مسح عليهما، وإن لم يسميا خفين لم يمسح عليهما؛ لأن الله جلّ ذكرُهُ أمر بغسل الرجلين، وأذن النبيّ ﷺ في المسح على الخفين، فليس يجوز إلا غسل الرجلين، أو المسح على الخفين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن أهل اللغة سمّوا الجرموق خُفًّا، فثبت كونه خفًّا يشمله النصّ الوارد في الخفّ، فلا يُستراب في جواز المسح عليه، فالمذهب الأول هو الحقّ؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في جواز المسح على الْجَوْرَب:
(اعلم): أن الجورب هو كل ما يُلبس على القَدَم، وهو ما يسمّى بالشرّاب، وقال العينيّ: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشاميّة الشديدة البرد، وهو يُتّخذ من غزل الصوف المفتول، يُلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. انتهى.
стр. 3832
وقد اختَلَفوا في المسح عليهما، فقالت طائفة: يمسح على الجوربين، روي إباحة المسح عليهما عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ : علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وأبي مسعود، وأنس بن مالك، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبي أمامة، وسهل بن سعد.
وقال بهذا القول عطاء بن أبي رباح، والحسن، وسعيد بن المسيب كذلك قالا: إذا كانا صفيقين، وبه قال النخعيّ، وسعيد بن جبير، والأعمش، وسفيان الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وزفر، وأحمد، وإسحاق، قال أحمد: قد فعله سبعة، أو ثمانية من أصحاب النبيّ ﷺ ، وقال إسحاق: مضت السنة من أصحاب النبيّ ﷺ ، ومن بعدهم من التابعين في المسح على الجوربين، لا اختلاف بينهم في ذلك، وقال أبو ثور: يمسح عليهما إذا كانا يمشي فيهما، وكذلك قال يعقوب ومحمد، إذا كانا ثخينين لا يَشِفّان.
واحتج هؤلاء بحديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبيّ ﷺ مسح على جوربيه، ونعليه، وهو حديث صحيح، قد ذكرت ما قاله المحقّقون فيه في "شرح النسائيّ"، فراجعه.
وأنكرت طائفة المسح على الجوربين، وكرهته، وممن كره ذلك، ولم يره مالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، والنعمان، وهو مذهب عطاء، وهو آخر قوليه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، ذكر هذا كلّه ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ جواز المسح على الجوربين، وقد استوفيت الأدلّة على ذلك في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم فيمن خلع خفّيه بعد المسح عليهما:
اختلفوا فيما يجب على مَن خَلَع خفيه بعد أن مسح عليهما، فقالت طائفة: يعيد الوضوء، كذلك قال النخعيّ، والزهريّ، ومكحول، وابن أبي
стр. 3833
ليلى، والحسن بن صالح، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وحُكِيَ عن أحمد أنه قال: احتياطًا، ورُوي هذا القول عن الشعبيّ، وابن سيرين.
وقالت طائفة: يغسل قدميه، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وعطاء، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وأبو ثور، والمزنيّ.
وقالت طائفة ثالثة: إذا خلعهما صَلَّى، وليس عليه وضوء، ولا غسل قدميه، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وبه قال الحسن البصريّ، ورُوي عن عطاء، وأبي العالية، وقتادة، وبه قال سليمان بن حرب.
وقالت طائفة: يغسل قدميه مكانه، فإن تطاول ذلك قبل أن يغسلهما أعاد الوضوء، حَكَى ابنُ وهب هذا القول عن مالك، والليث بن سعد.
وقد كان الشافعيّ يقول إذ هو بالعراق: يتوضأ، إذا انتقضت الطهارة عن عضو انتقضت عن سائر الأعضاء، وقال بمصر؛ عليه الوضوء، وفي "المختصر" المنسوب إلى البويطيّ: أحب إلي أن يبتدئ الوضوء من أوله، فإن غَسل رجليه فقط، فهو على طهارته، وحَكَى المزني عنه أنه قال: يغسل قدميه.
وقد احتَجّ من لا يرى عليه إعادة الوضوء، ولا غسل قدم، بأنه والخف عليه طاهرٌ كامل الطهارة بالسنة الثابتة، ولا يجوز نقض ذلك إذا خلع خفه إلا بحجة من سنة أو إجماع، وليس مع من أوجب عليه أن يعيد الوضوء، أو يغسل الرجلين حجة، ذكره ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ عندي هو ما قالته الطائفة الثالثة، وهو أن من خلع خفيه يصلّي، ولا وضوء، ولا غسل قدمه عليه؛ لأنه لا حجة على ذلك، بل ما ثبت له من الطهارة الكاملة قبل خلع خفيه ثابت لا يزال، حتى يأتي ما ينقضه، وليس الخلع مما ينقض الطهارة، لا بنصّ، ولا بإجماع، فثبت على ما هو عليه من الطهارة الكاملة، فيصليّ، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 3834
[٦٢٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا (١) مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَش، فِي هَذَا الإِسْنَاد، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيسَى وَسُفْيَانَ قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) - بوزن جعفر - المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا.
٥ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٦ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو عليّ بن مسهر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
وإسحاق بن إبراهيم، هو ابن راهويه، والأعمش تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: عيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة، وعليّ بن مسهر رووا عن الأعمش.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء؛ أي بإسناد الأعمش الماضي.
стр. 3835
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ) يعني أن معنى رواياتهم كمعنى رواية أبي معاوية الماضية، وإن كان في ألفاظهم اختلافٌ، كما يرشد إليه استثناؤه التالي.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيسَى وَسُفْيَانَ .. إلخ) "غير" هنا بمعنى "إلا" الاستثنائيّة، يعني إلا أن في رواية عيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة ما نصّه: قَالَ - أي الأعمش: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ .. إلخ.
[تنبيه]: أما رواية عيسى بن يونس، فقد ساقها الحافظ الدارقطنيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(١/ ١٩٣) حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبو معاوية، وعيسى بن يونس، قالا: نا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، قال: بال جرير، ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: أتفعل هذا، وقد بُلْتَ؟ قال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن جريرًا كان إسلامه بعد نزول المائدة.
هذا حديث أبي معاوية، وقال عيسى بن يونس: فقيل له: يا أبا عمرو، أتفعل هذا، وقد بُلْتَ؟ فقال: وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه؟ وكان أصحاب عبد الله يعجبهم ذلك؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٨٤٠٥) حدثنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، قال: رأيت جرير بن عبد الله يتوضأ من مَطهَرة، ومسح على خفيه، فقالوا: أتمسح على خفيك؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ وقال: مرة - يمسح على خفيه، فكان هذا الحديث يعجب أصحاب عبد الله، يقولون: إنما كان إسلامه بعد نزول المائدة. انتهى.
وأما رواية عليّ بن مسهر، فلم أجد من ساقها بالتمام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3836
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٣٠] (٢٧٣) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَانْتَهَى (١) إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ، فَقَالَ: "ادْنُهْ"، فَدَنَوْتُ، حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْه، فَتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ (٢) عَلَى خُفَّيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) هو: زهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعْفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٦٢.
٢ - (شَقِيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢١] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٣ - (حُذَيْفَة) بن اليمان، واسم اليمان: حِسْل، أو حُسيل، حليف الأنصار، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧.
والباقيان تقدّما قبل حديث، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: الأعمش، عن شقيق.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، ذو مناقب جمّة،
стр. 3837
وقد أخرج مسلم عنه أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضًا استُشهِد بأحد ﵄، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ شَقِيقٍ) ولأبي داود الطيالسيّ في "مسنده" عن شعبة، عن الأعمش أنه سمع أبا وائل، ولأحمد عن يحيى القطّان، عن الأعمش: حدّثني أبو وائل، فبهذا انتفت تهمة التدليس في سند المصنّف (عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "كنت أمشي مع رسول الله ﷺ "، وفي رواية الطبرانيّ من حديث عصمة بن مالك، قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سِكَك المدينة، فانتهى إلى سُباطة قوم، فقال: يا حذيفة استرني … " الحديث (١). (فَانْتَهَى) أي وصل، وفي نسخة: "فانتهينا"، قال في "اللسان": انتهى الشيءُ وتَنَاهَى، ونَهَّى: بلغ نهايته، و"النهاية": غاية كلّ شيء وآخرُهُ، والإنهاءُ: الإبلاغ، وأنهيتُ الخبر، فانتهى، وتناهى: أي بلغ، وتقول: أنهيتُ إليه السهمَ: أوصلته إليه. انتهى (٢).
(إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ) بضمّ السين المهملة، وتخفيف الموحّدة، قال في "النهاية": هي الموضَع الذي يُرمَى فيه التراب، والأوساخ، وما يُكنَسُ من المنازل، وقيل: هي الْكُنَاسةُ نفسها، وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص، لا ملك؛ لأنها كانت مواتًا مباحةً. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: "السُّبَاطة": هي مُلْقَى القمامةِ والتراب ونحوهما، تكون بفِنَاء الدور مَرْفَقًا لأهلها.
وقال في "الفتح": "السُّبَاطة": هي المزبلة، والكُناسة، تكون بفناء الدور مَرْفَقًا لأهلها، وتكون في الغالب سَهْلَةً، لا يرتد فيها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص، لا ملك؛ لأنها لاتخلو عن النجاسة، وبهذا يندفع إيراد مَن استشكله؛ لكون البول يُوهِي الجدار، ففيه إضرار، أو
стр. 3838
نقول: إنما بال فوق السباطة، لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في "صحيحه"، وقيل: يحتمل أن يكون عَلِمَ إذنهم في ذلك بالتصريح، أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى، لكن لم يُعْهَد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ . انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": وأما بوله ﷺ في سُباطة قوم، فيحتمل أوجهًا:
[أظهرها]: أنهم كانوا يؤثرون ذلك، ولا يكرهونه، بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، ونظائر هذا في السنة أكثر من أن تحصى، وقد أشرنا إلى هذه القاعدة في "كتاب الإيمان" في حديث أبي هريرة ﵁ قال: "احتَفَزْتُ كما يَحْتَفِز الثعلب … " الحديث.
[والوجه الثاني]: أنها لم تكن مختصّة بهم، بل كانت بفناء دُورهم للناس كلِّهم، فأضيفت إليهم؛ لقربها منهم.
[والثالث]: أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة، إما بصريح الإذن، وإما بما في معناه. انتهى (٢).
وقال العلامة العينيّ ﵀: هذا كلّه على تقدير أن تكون السباطة ملكًا لأحد، أو لجماعة معيّنين، وقال الكرمانيّ ﵀: وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك، ولا يكرهونه، بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، قال العينيّ: هذا أيضًا على تقدير أن تكون السباطة ملكًا لقوم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا وجه لمثل هذا الاستشكال؛ لأن العادة جارية بين الناس في أن الكُناسة لا يُمنع أحدٌ أن يقضي فيها حاجته، وهذا عرف مستمرّ على مرّ الدهور والأعصار، فلا داعي للتضايق بمثل هذه التأويلات المتكلّفة، فافهم، والله تعالى أعلم.
стр. 3839
[فإن قلت]: كان من عادته ﷺ التباعد في المذهب، وقد روى أصحاب السنن بسند حسن، عن المغيرة بن شعبة ﵁: "أن النبيّ ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد" (١)، والمذهب بالفتح: الموضع الذي يُتغوّط فيه.
[أجيب]: بأنه يَحْتَمل أن يكون ﷺ مشغولًا في ذلك الوقت بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، فلعلّه طال عليه الأمر، فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد، ولو تكلّف ذلك لتضرّر بحبس البول؛ قاله العينيّ.
وقال القاضي عياض ﵀: وأما سبب بوله ﷺ في السباطة التي بقرب الدُّور مع أن المعروف من عادته ﷺ التباعد في المذهب، أنه ﷺ كان من الشغل بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم بالمحل المعروف، فلعله طال عليه المجلس حتى حَفَزَه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السُّباطة لدَمْثِها، وأقام حُذيفة بقربه؛ ليستره عن الناس، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي حَسَنٌ ظاهرٌ. انتهى (٢).
[فإن قلت]: روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دَمِثًا في أصل جدار، فبال، ثم قال ﷺ : "إذا أراد أحدكم أن يبول، فليرتدْ لبوله موضعًا"، فهذا يُخالف ما تقدّم.
[أجيب]: بأنه يجوز أن يكون الجدار هنا عاديًّا، غير مملوك لأحد، أو يكون قعوده متراخيًا عن جِرْمه، فلا يُصيبه البول، أفاده العينيّ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي موسى ﵁ المذكور ضعيف؛ لأن في سنده مجهولًا، وهو شيخ أبي التيّاح الضُبعيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَبَالَ) النبيّ ﷺ في تلك السباطة (قَائِمًا) حال من الفاعل، قال حذيفت ﵁ (فَتَنَحَّيْتُ) أي تباعدت عن موضعه ﷺ تأدّبًا معه على ظنّ أنه يَكرَه القرب منه في تلك الحالة كما هو العادة (فَقَالَ:) ﷺ ("ادْنُهْ") أي اقرب، وهو بضمّ النون فعل أمر من دنا يدنو، كغزا يغزو، والهاء للسكت جيء بها؛ لكون الفعل معتلًّا حُذف آخره للجزم، كما قال في "الخلاصة":
стр. 3840
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كـ"أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كـ "ع" أَوْ … كـ"يَعِ" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا
إنما دعا النبيّ ﷺ حُذيفة ﵁ ليستره عن الناس، كما سبق من رواية الطبرانيّ: "فقال: يا حذيفة استرني … ".
قال الحافظ ﵀: وليس فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول؛ لأن رواية البخاريّ بلفظ: "فأشار إليّ" تدلّ على أنه دعاه بالإشارة، لا بالكلام.
وتعقّبه العينيّ بأنه تردّه رواية الطبرانيّ المذكورة، حيث قال: "يا حذيفة استُرْنِي"، فإنها صريحة في التلفظ، قال: ويمكن أن يُجمع بين الروايتين بأن يكون ﷺ أشار أوّلًا بيده، أو برأسه، ثم قال: "استرني"، وقال أيضًا ما معناه: إنه لا يدلّ على جواز الكلام وعدمه؛ إذ إشارته ﷺ ، أو قوله: "استرني" لم يكن إلا قبل شروعه في البول. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التوجيه الأخير هو الأولى بالاعتماد عليه، فلا داعي للاستشكال، ولا للاعتراض، فالصواب أنه ﷺ إنما دعا حذيفة ﵁ قبل شروعه في البول، لا بعد شروعه، حتى نستشكل الكلام على البول، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَدَنَوْتُ) أي قَرُبت منه ﷺ (حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ) ﷺ (فَتَوَضَّأَ) معطوف على محذوف؛ أي فأتيته بماء، فتوضّأ، وفي رواية البخاريّ: "ثم دعا بماء، فجئته بماء، فتوضّأ"، وفي رواية النسائيّ: "وكنت عند عقبيه حتى فرغ، ثم توضّأ"، وفي رواية أحمد: "أتى سُباطة قوم، فتباعدت منه، فأدناني حتى صرتُ قريبًا من عقبه، فبال قائمًا، ودعا بماء، فتوضّا به، ومسح على خفّيه".
[تنبيه]: قال في "الفتح": قوله: "ثم دعا بماء" زاد مسلم وغيره من طُرُق عن الأعمش: "فتنحيت، فقال: ادْنُهْ، فدنوت حتى قمت عند عقبيه"، وفي رواية أحمد، عن يحيى القطان: "أَتَى سُباطة قوم، فتباعدت منه، فأدناني حتى صِرْتُ قريبًا من عقبيه، فبال قائمًا، ودعا بماء، فتوضأ، ومسح على خفيه"،
стр. 3841
وكذا زاد مسلم وغيره فيه ذكر المسح على الخفين، وهو ثابت أيضًا عند الإسماعيلي وغيره، من طُرُقْ عن شعبة، عن الأعمش، وزاد عيسى بن يونس فيه، عن الأعمش، أن ذلك كان بالمدينة، أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" بإسناد صحيح، وزعم في الاستذكار أن عيسى تفرد به، وليس كذلك، فقد رواه البيهقيّ من طريق محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، عن الأعمش كذلك، وله شاهد أخرجه الطبرانيّ من حديث عِصْمَة بن مالك قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سِكَك المدينة، فانتهى إلى سُباطة قوم، فقال: يا حذيفةُ استرني … " فذكر الحديث.
واستدلّ به على جواز المسح في الحضر، وهو ظاهرٌ، ولعل البخاريّ اختصره؛ لتفرد الأعمش به، فقد رَوَى ابن ماجه من طريق شعبة أن عاصمًا رواه له عن أبي وائل، عن المغيرة: "أن رسول الله لمجم أتى سباطة قوم، فبال قائمًا"، قال عاصم: وهذا الأعمش يروله عن أبي وائل، عن حذيفة، وما حفظه - يعني أن روايته هي الصواب - قال شعبة: فسألت عنه منصورًا، فحدثنيه عن أبي وائل، عن حذيفة - يعني كما قال الأعمش - لكن لم يذكر فيه المسح، فقد وافق منصورٌ الأعمشَ على قوله: "عن حذيفة" دون الزيادة، ولم يَلتَفِت مسلم إلى هذه العلة، بل ذكرها في حديث الأعمش؛ لأنها زيادة من حافظ، وقال الترمذيّ: حديث أبي وائل، عن حذيفة أصح - يعني من حديثه عن المغيرة - وهو كما قال، كان جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين؛ لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله: "عن المغيرة"، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما، فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح روايةُ الأعمش ومنصور؛ لاتفاقهما أصحّ من رواية عاصم وحماد؛ لكونهما في حفظهما مقال. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّا، والله تعالى أعلم.
(فمَسَحَ) وفي نسخة: "ومسح" بالواو (عَلَى خُفَّيْهِ) أي بعد غسل سائر أعضاء الوضوء، ومسح الرأس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3842
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٢/ ٦٣٠ و ٦٣١] (٢٧٣)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٢٤ و ٢٢٥ و ٢٢٦) وفي "المظالم" (٢٤٧١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٣)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٨ و ٢٦ و ٢٧ و ٢٨)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٠٥)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٧٥١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٤٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٩٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٧١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦١)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (١٤٢٤ و ١٤٢٥ و ١٤٢٧ و ١٤٢٨ و ١٤٢٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٠٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٩٨ و ٤٩٩ و ٥٠٠ و ٥٠١ و ٥٠٢ و ٥٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٢٥ و ٦٢٦)، وفي "الحلية" (٤/ ١١١)، و (الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (٥/ ١١ - ١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفّين.
٢ - (ومنها): جواز المسح في الحضر؛ لأن ذلك كان منه ﷺ وفي المدينة، كما سبق في رواية عصمة بن مالك عند الطبرانيّ، وخالف في ذلك قوم، فخصّوه بالسفر، وهو قول باطلٌ تردّه الأحاديث الصحيحة.
٣ - (ومنها): جواز البول قائمًا، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): جواز البول بالقرب من الدار.
٥ - (ومنها): جواز البول في سُباطة الناس بغير إذنهم؛ لجريان العادة بذلك.
٦ - (ومنها): جواز قرب الإنسان من البائل إذا كان يبول قائمًا، وأما إذا كان قاعدًا فالأولى البعد عنه.
٧ - (ومنها): أدب الصحابيّ الجليل حذيفة ﵀، حيث تنحّى عن
стр. 3843
النبيّ ﷺ مع كونه تابعًا له، وخادمه؛ حتى لا يتأذّى باستحيائه من قضاء حاجته؛ لقربه منه.
٨ - (ومنها): ما قيل: إنما استدنى النبيّ ﷺ حُذيفة ﵁؛ ليستتر به عن أعين الناس وغيرهم من الناظرين؛ لكونها حالةً يُستَخفَى بها، ويُستَحىَ منها في العادة، وكانت الحاجة التي يقضيها بولًا من قيام، ويؤمن معها خروج الحدث الآخر، والرائحة، فلهذا استدناه، وجاء في الحديث الآخر لَمّا أراد قضاء الحاجة قال -: "تَنَحّ"؛ لكونه كان يقضيها قاعدًا، فتحصل الرائحة، وما يتبعها، ولهذا قال بعض العلماء: في هذا الحديث من السنّة القرب من البائل إذا كان قائمًا، فإذا كان قاعدًا فالسنة الإبعاد عنه. انتهى (١).
٩ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن مدافعة البول، ومصابرته مكروهة؛ لما فيه من الضرر.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة طلب البائل من صاحبه الذي يُدلي عليه القرب منه؛ ليستره.
١١ - (ومنها): جواز استخدام الحُرّ دون إكراه.
١٢ - (ومنها): استحباب خدمة المفضول للفاضل.
١٣ - (ومنها): استحباب التستّر عند البول.
١٤ - (ومنها): بيان جواز كون الساتر حالة البول إنسانًا.
١٥ - (ومنها): بيان أن البول ينقض الوضوء.
١٦ - (ومنها): دفع أشدّ المفسدتين بأخفّهما، والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معًا، وبيان أنه ﷺ كان يُطيل الجلوس لمصالح الأمة، ويُكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حضره البول، وهو في بعض تلك الحالات لم يؤخّره حتى يبعد كعادته؛ لما يترتّب على تأخيره من الضرر، فراعَى أهمّ الأمرين، وقدّم المصلحة في تقريب حذيفة منه؛ ليستره من المارّة على مصلحة تأخيره عنه؛ إذ لم يمكن جمعهما؛ قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3844
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في سبب بول النبيّ ﷺ قائمًا: قد ذَكَر العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أوجهًا، حكاها الخطابيّ، والبيهقيّ، وغيرهما من الأئمة:
[أحدهما]: وهو مرويّ عن الشافعيّ ﵀ أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، قال: فنَرَى أنه كان به ﷺ وجع الصلب إذ ذاك.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا الوجه، فأين الدليل عليه؟.
[والثاني]: أن سببه ما رُوي في رواية ضعيفة، رواها البيهقيّ، وغيره: أنه ﷺ بال قائمًا؛ لعلّة بِمَأْبَضه - والْمَأْبَض بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم باء موحدة - وهو باطن الرُّكْبة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا أيضًا من جنس ما قبله؛ لضعف مستنده.
[والثالث]: أنه لم يَجِد مكانًا للقعود، فاضطر إلى القيام؛ لكون الطرف الذي من السُّباطة كان عاليًا مرتفعًا.
[والرابع]: أنه إنما بال قائمًا؛ لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر ﵁: البول قائمًا أحصن للدبر.
[والخامس]: أنه ﷺ فعل ذلك؛ لبيان الجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة يبول قاعدًا، ويدلّ عليه حديث عائشة ﵄ قالت: "مَن حدّثكم أن النبيّ ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدِّقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا"، رواه الترمذيّ، والنسائيّ بإسناد جيّد (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف هذه الأوجه، إلا الخامس، فالذي يترجّح عندي أنه ﷺ إنما فَعَل ذلك لبيان الجواز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم البول قائمًا:
стр. 3845
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اخَتَلف أهل العلم في البول قائمًا، فثبت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم بالوا قيامًا، وممن ثبتٌ ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وروي ذلك عن عليّ، وثبت ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وسهل بن سعد، ورُوي ذلك عن أنس، وأبي هريرة، وفعل ذلك محمد بن سيرين، وعروة بن الزبير.
وقد رَوَينا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، ورُوي ذلك عن الشعبيّ، وقال ابن عيينة: كان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائمًا، ورُوي عن أبي موسى الأشعريّ أنه رأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك، أفلا قاعدًا، بنو إسرائيل كانوا في شأن البول أشدّ منكم، إنما كان مع أحدهم شَفْرته، أو مِقراضه لا يصيب منه شيئًا إلا قطعه.
وفيه قول ثالث: وهو أن البول إن كان في موضع رَمْل، وما أشبه ذلك لا يتطاير منه شيء، فلا بأس بذلك، وإن كان في موضع صلب، يتطاير عليه منه، فأكره ذلك، ولْيَبُلْ جالسًا، هكذا قال مالك بن أنس.
قال ابن المنذر ﵀: في هذا الباب ثلاثة أخبار، عن رسول الله ﷺ ، خبران ثابتان، وخبر معلولٌ، فأما الخبران الثابتان، ففي أحدهما أن النبيّ ﷺ بال قائمًا، ثم أخرج بسنده حديث حذيفة المذكور هنا.
وأما الخبر الثاني، ففي البول في حال الجلوس، ثم أخرج بسنده عن عبد الرحمن بن حَسَنَةَ ﵁ قال: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين، فخرج علينا رسول الله ﷺ ، وفي يده دَرَقَةٌ، فبال وهو جالسٌ (١).
قال: وأما الخبر المعلول، فحدّثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: رآني رسول الله ﷺ أبول قائمًا، فقال: "يا عمر لا تَبُلْ قائمًا"، قال: فما بُلْتُ قائمًا بعدُ.
وهذا الخبر لا يثبت؛ لأن فيه عبد الكريم أبا أمية، متّفقٌ على ضعفه.
قال ابن المنذر ﵀: البول جالسًا أحبّ إليّ؛ للثابت عن نبيّ الله ﷺ أنه بال جالسًا، ولأن أهل العلم لا يختلفون فيه، ولا أنهى عن البول قائمًا؛
стр. 3846
لثبوت حديث حذيفة، وقد ثبت عن عمر أنه قال: ما بلت قائمًا منذ أسلمت، فقد يجوز أن يكون عمر إلى الوقت الذي قال هذا القول لم يكن بال قائمًا، ثم بال بعد ذلك قائمًا، فرآه زيد بن وهب، فلا يكون حديثاه متضادين. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ هو الصواب؛ لوضوح حجّته.
والحاصل أن البول قائمًا جائز بلا كراهة؛ لحديث حُذيفة ﵁ المتّفق عليه، ولكن الأولى أن يبول قاعدًا؛ لأنه أكثر أحوال النبيّ ﷺ ، كما يدلّ عليه حديث عائشة ﵄ المتقدّم.
[فإن قلت]: إنها قالت: "ما كان يبول إلا قاعدًا"، ففيه نفي بوله ﷺ قائمًا، فكيف الجمع بينه، وبين حديث حذيفة ﵁ هذا؟.
[أجيب]: بأن نفيها مُستنِدٌ إلى علمها، لا إلى الواقع، فحيث لم تره ﷺ يبول قائمًا في البيت نفت ذلك، وحيث رآه حذيفة ﵁ قائمًا خارج البيت أثبته، والمثبت مقدّم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لأنه عنده زيادة علم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٣١] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْل، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ، وَيقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيض، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ (٢) حَتَّى فَرَغَ).
стр. 3847
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَنْصُور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا بيان لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة ﵀ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
(يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ) أي في التحفّظ من البول، والاحتراز من رشاشاته، وقد بيّن ابن المنذر ﵀ وجه هذا التشديد، فأخرج من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه "سمع أبا موسى، ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك، أفلا قاعدًا"، ثم ذكر قصّة بني إسرائيل (١) (وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ) قال الفيّوميّ ﵀: هو إناء من زُجاج، والجمع القوارير، وهو أيضًا وِعَاءُ الرُّطَب، والتمر، وهي الْقَوْصَرَّةُ، وتُطلق القارورة على المرأة؛ لأن الولد، أو المنيّ يَقِرّ في رَحِمِها كما يَقِرّ الشيءُ في الإناء، أو تشبيها بآنية الزجاج؛ لصعفها، قال الأزهريّ: والعرب تَكْنِي عن المرأة بالقارورة، والْقَوْصَرَّة. انتهى (٢).
وقال في "اللسان": سُمِّيت قارورةً؛ لاستقرار الشراب فيها. انتهى (٣).
(وَيَقُولُ) أي أبو موسى ﵁ (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب، وإسرائيل لقبه، ويقال: معناه بالعربيّة عبد الله؛ لأن "إسرا" بمعنى عبد، و"إيل" اسم من أسماء الله تعالى بالسريانيّة، كما يقال: جبرائيل، وميكائيل (٤) (كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ) قال العينيّ ﵀: الضمير في "كان" ضمير الشأن، والجملة
стр. 3848
الشرطيّة خبره، وبهذا لا يَرِدُ سؤال الكرمانيّ بقوله: فإن قلت: "بنو" جمع، فلم أفرد ضمير "كان" الراجع إليه؟ (١).
قال القرطبيّ ﵀: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حُمِّلوه، ويؤيّده رواية أبي داود، ففيها: "كان إذا أصاب جسد أحدهم"، لكن رواية البخاريّ بلفظ: "ثوب أحدهم" صريحة في الثياب، فلعلّ بعضهم رواه بالمعنى؛ قاله في "الفتح" (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على ما يعمّ الجسد والثوب أولى، فالظاهر أن هذا مما كُلّفوا به، فكانوا يقطعون ما أصابه شيء من البول، سواء كان ثوبهم، أو جسدهم، فتطهير النجاسة عندهم بالقطع، كما كان توبتهم بقتل النفس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بَوْلٌ) فاعل "أصاب" (قَرَضَهُ) أي قطعه، يقال: قرضت الشيء قَرْضًا، من باب ضرب: قطعته بالمقراض (٣). (بِالْمَقَارِيضِ) بالفتح: جمع مِقْراض، بالكسر، قال الفيّوميّ: ولا يقال إذا جمعت بينهما: مِقْراض، كما تقول العامّة، وإنما يقال عند اجتماعهما: قَرَضته بالمقراضين، وفي الواحد: قَرَضته بالمقراض. انتهى (٤).
وقوله: "بالمقاريض" يردّ حَمْل من حمل القَرْض على الغسل بالماء؛ قاله في "الفتح" (٥).
(فَقَالَ حُذَيْفَةُ) ﵁ (لَوَدِدْتُ) أي لتمنّيتُ، واللام هي الموطّئة للقسم، والمؤذنة به، يقال: وَدّه يودّه من باب تَعِبَ وَدًّا بفتح الواو، وضمّها: إذا أحبه، والجملة جواب القسم المقدّر؛ أي: والله وددتُ، وللبخاريّ: "ليته أمسك" (أَنَّ صَاحِبَكُمْ) بفتح همزة "أنّ"؛ لوقوعها موقع المفرد، كما قال في "الخلاصة":
стр. 3849
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
وهي هنا في تأويل المصدر مفعول "وددت"؛ أي وددت عدم تشديد صاحبكم، والمراد بالصاحب أبو موسى الأشعريّ ﵁، والخطاب لأبي وائل ومن معه ممن حضر مجلس حُذيفة ﵁ حين تحديثه بهذا الحديث.
(لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها (يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ) أي أدّاه إلى أن يبول في قارورة.
قال النوويّ ﵀: مقصود حذيفة ﵁ بهذا أن هذا التشديد خلافُ السنة، فإن النبيّ ﷺ بال قائمًا، ولا شكّ في كون القائم مُعَرَّضًا للرّشيش، ولم يَلْتَفت النبيّ ﷺ إلى هذا الاحتمال، ولم يتكلَّف البول في قارورة، كما فعل أبو موسى ﵁، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء من فوقُ، ومعناه: رأيتُ نفسي، وبهذا التقدير يندفع سؤال من يقول: كيف جاز أن يكون الفاعل والمفعول عبارةً عن شيء واحد؛ وهذا التركيب جائز في أفعال القلوب؛ لأنه من خصائصها، ولا يجوز في غيرها (٢)، إلا ما أُلحق بها، كفقد، وعدم، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى غير مرّة.
وقوله: (أنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ) وقع في النسخ برفع "رسولُ" مضبوطًا بالقلم، وعلى هذا فيكون معطوفًا على الفاعل، وأتى بـ "أنا" فاصلًا؛ لأن العطف على الضمير المتّصل المرفوع بدون فاصل ضعيف، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُتَّصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "رأيتني أنا والنبيّ ﷺ "، فقال العينيّ ﵀: قوله: "أنا" للتأكيد؛ لصحّة عطف لفظ "النبيّ" على الضمير المنصوب على المفعوليّة، والتقدير: رأيتُ نفسي، ورأيت النبيّ ﷺ ، وقال الكرمانيّ ﵀: بنصب "النبيّ"؛ لأنه عطف على المفعول، لا على الفاعل، وعليه الرواية، قال
стр. 3850
العينيّ: ويجوز رفع "النبيّ" أيضًا؛ لصحّة المعنى عليه، ولكن إن صحّت رواية النصب يُقتصر عليها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لم يتعرّض أحد من شرّاح "صحيح مسلم" لبيان الرواية: هل هي بنصب "ورسول الله"، أو برفعه؟ إلا ما وقع في ضبط القلم، كما أسلفته آنفًا، والظاهر أن الوجهين جائزان، إن لم تثبت الرواية بأحدهما، فتتعيّن، فيكون المعنى على الرفع: رأيت نفسي، ورآني رسول الله ﷺ ، وعلى النصب: رأيت نفسي، ورأيت رسولَ الله ﷺ ، ومما يؤكّد الرفع وقوع الفصل بـ "أنا"؛ لأن النصب لا يحتاج إليه، كما أوضحه ابن مالك ﵀ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم.
(نَتَمَاشَى) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كوننا متماشيين (فَأتى) ﷺ (سُبَاطَةً) تقدّم أنه بالضمّ، كالْكُنَاسة وزنًا ومعنًى (خَلْفَ حَائِطٍ) أي جدار، ويجيء بمعنى البستان، كما تقدّم، لكن الظاهر هنا الأول (فَقَامَ) ﷺ (كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ) أي تنحّيتُ، وابتعدت منه ﷺ حتى كنت على نَبْذة؛ أي ناحية، قال الجوهريّ: جلس فلانٌ نَبْذةً - بفتح النون، وضمّها: - أي ناحيةً، وانتبذ فلانٌ: أي ذهب ناحيةً. انتهى (٢).
وإنما انتبذ حذيفة ﵁ عنه ﷺ ؛ لئلا يتأذّى به لو دنا منه بالاستحياء عن خروج شيء منه عند البول، فلما بال ﷺ قائمًا، وأمن ما خشيه حذيفة أمره بالقرب منه.
وقال الكرمانيّ ﵀: وإنما بَعُد منه ﷺ ، وعينه تراه؛ لأنه كان يحرسه ﷺ ، قال العينيّ ﵀: هذا إنما يتأتّى قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ لأنه ﷺ كان يحرسه جماعة من الصحابة ﵃ قبل نزولها، فلما نزلت تركوا الحراسة. انتهى (٣).
(فَأشَارَ إِلَيَّ) أي أشار النبيّ ﷺ إلى حذيفة ﵁ بعد أن ابتعد منه إلى أن يأتيه، فيستره عن أعين الناظرين، وقد سبق في الرواية أنه قال له: "ادْنُهْ"،
стр. 3851
وجمعنا بين الروايتين أنه ﷺ جمع بين الإشارة والقول، وأن ذلك كان قبل شروعه في البول، فلا يكون دليلًا لإباحة الكلام في حالة البول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: "فأشار إليّ" يدلّ على أنه لم يبعد منه بحيث لا يراه، وإنما صَنَعَ ذلك؛ ليجمع بين المصلحتين: عدمِ مشاهدته في تلك الحالة، وسماع ندائه لو كانت له حاجة، أو رؤية إشارته إذا أشار له، وهو مستدبره، وليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول؛ لأن هذه الرواية بَيَّنَت أن قوله في رواية مسلم: "ادنُهْ" كان بالإشارة، لا باللفظ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرف فيما ذكرته آنفًا أنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن قوله: "ادنُهْ" كان قبل شروعه في البول، لا فيه، فلا يلزم ما ذكره، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وأما مخالفته ﷺ لِمَا عُرِف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة، وعن أعين النّظّارة، فقد قيل فيه: إنه ﷺ كان مشغولًا بمصالح المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر، واستَدْنَى حذيفة ليستره من خلفه، مِن رؤية مَن لعله يمر به، وكان قدامه مستورًا بالحائط، أو لعله فعله لبيان الجواز، ثم هو في البول، وهو أخفّ من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكشّف، ولما يقترن به من الرائحة، والغرض من الإبعاد: التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل، والدنُوّ من الساتر. انتهى (١).
(فَجِئْتُ) إليه ﷺ (فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ) وفي نسخة "عَقِبيه" بالتثنية، ولا اختلاف بينهما؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، فيكون بمعنى التثنية، و"العقب" بفتح العين، وكسر القاف: مؤخّر القدم، وهي مؤنّثة (حَتَّى فَرَغَ) غاية لقيامه عند عقبه؛ أي قمت عند عقبه ﷺ إلى أن انتهى من بوله. والحديث متّفق عليه، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 3852
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٣٢] (٢٧٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (١) (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنهُ خَرَجَ لِحَاجَتِه، فَاتَّبَعَهُ (٢) الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِه، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْن، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ (٣) مَكَانَ "حِينَ""حَتَّى").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ المذكور قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٥ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابد [٥] (ت ١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٦ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدنيّ ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ٩٩) (ع) تقدم في "شرح المقدمة"جـ ٢ ص ٤٨٢.
٧ - (عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) بن شُعبة الثقفيّ، أبو يَعْفُور - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء - الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
стр. 3853
رَوَى عن أبيه، وعائشة ﵄، وعنه الشعبيّ، وعَبّاد بن زياد، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، وبَكْر بن عبد الله الْمُزَنيّ، والحسن البصريّ، وغيرهم.
قال البخاريّ: قال الشعبيّ: كان خير أهل بيته، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال خليفة بن خياط: ولاه الحجاج الكوفة سنة (٧٥)، وذكره في تسمية عُمّال الوليد على الصلاة بالكوفة سنة (٩)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من أفاضل أهل بيته.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره سبع مرّات.
٨ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم ﵁ قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، ومات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في كيفيّة التحمّل، فقتيبة أخذه عن الليث بالسماع، ولذا قال: "حدثنا ليثٌ"، ومحمد بن رمح أخذه سماعًا لقراءة غيره على الليث، ولذا قال: "أخبرنا الليث"، وهذا كلّه من احتياطات المصنّف، وشدّة ورعه؛ إذ ليس ذلك مما يجب، بل هو من المستحسنات، كما قال في "ألفيّة الحديث":
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِيءٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه الثاني، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه إلى الليث مصريّون، وقتيبة بغلانيّ، دخل مصر، وأما يحيى، وسعد ونافع فمدنيّون، والمغيرة ﵁ وابنه كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن سعد، عن نافع، عن عروة.
٥ - (ومنها): ما قال في "الفتح": وفيه رواية الأقران في موضعين؛ لأن
стр. 3854
يحيى وسعدًا تابعيّان صغيران، ونافع بن جبير، وعروة بن المغيرة تابعيّان
وسطان، ففيه أربعة من التابعين في نسق، وهو من النوادر. انتهى (١).
٦ - (ومنها): رواية الابن عن أبيه: عروة، عن المغيرة ﵀، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) تقدّم أن ميم "المغيرة" تُضمّ، وتُكسر، ودخلت فيه "أل"؛ للمح الوصفيّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كـ"الْفَضْلِ" و"الْحَارِثِ" والنُّعْمَانِ" … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ) أي النبيّ ﷺ (خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) أي لقضاء حاجته، من البول والغائط، وفي الرواية الآتية: "أنه كان في سفر"، وفي البخاريّ في "المغازي": أنه كان في غزوة تبوك، على تردّد في ذلك من رُواته، ولمالك، وأحمد، وأبي داود من طريق عبَّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة أنه كان في غزوة تبوك بلا تردّد، وأن ذلك كان عند صلاة الفجر (٢).
(فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ) بتشديد التاء من باب الافتعال، من تَبعَ، وَفي بعض النسخ: "فأَتْبَعَه" من الإتباع، من باب الإفعال، قال الجوهريّ ﵀: تَبِعْتُ القومَ تَبَعًا، وتَبَاعَةً - بالفتح -: إذا مشَيْتَ خلفَهُم، أو مَرُّوا بك، فمَضَيتَ معهم، وكذلك اتَّبَعتُهُم، وهو افتَعَلتُ، وأَتْبَعْتُ القومَ، على أَفْعَلتُ: إذا كانوا سَبَقُوكَ، فلَحِقتهم، وأَتْبَعتُ أيضًا غيري، يقال: أتبعتُهُ الشيءَ، فتبعه، قال الأخفش: تَبعْتُهُ، وأَتْبَعْتُهُ بمعنًى، مثلُ رَدِفتُهُ، وأردفْتُهُ، ومنه قوله تعا لي: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ﴾ [الصافّات: ١٠] انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن مما سبق أن اتّبع، وأتبع بوصل الهمزة، وقطعها يكون بمعنى واحد، متعذيًا إلى مفعول واحد، وإن كان الغالب في
стр. 3855
"أتبع" الرباعيّ أن يكون متعدّيًا لاثنين، كقولك: أتبعت زيدًا عمرًا؛ أي جعلته تابعًا له.
[تنبيه]: إنما اتّبعه المغيرة ﵁؛ لأمره ﷺ له بذلك، ففي الرواية التالية: "كنت مع النبيّ ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرةُ خُذ الإداوة، فأخذتها، ثم خرجت معه … " الحديث، وفي رواية النسائيّ، قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقَرَع ظهري بعصًى كانت معه، فعَدَلَ، وعدَلتُ معه … " الحديث، وفي لفظ: "تخلّف يا مغيرة، وامضُوا أيها الناس … " الحديث، وفي "السنن الكبرى" للنسائيّ: قال: "كنت مع النبيّ ﷺ في سفر، فلما كان في سحَر، ضرب عُنُق راحلتي … " الحديث.
وفي قوله: "فاتّبعه المغيرة" التفاتٌ على رأي بعضهم؛ إذ الظاهر أن يقول: فاتّبعته، ويحتمل أن يكون عروة أدّى كلام أبيه بعبارة نفسه (١)، والأول أوضح، والله تعالى أعلم.
(بِإدَاوَةٍ) بكسر الهمزة: إناء صغير، يُحْمَل فيه الماء، جمعه أَدَاوَى، بالفتح، كفَتَاوَى (فِيهَا مَاءٌ) وعند أحمد (٢) أن ذلك الماء أخذه المغيرة من