قال الميمونيّ، عن أحمد: بَخٍ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا يُسأَل عن مثله، وقال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ.
قال خليفة: مات بعد الجماجم، سنة اثنتين وثمانين، وقال الواقديّ: شَهِد مع عليّ ﵁ مشاهده، وهلك في خلافة عبد الملك، أو الوليد.
قال الحافظ ﵀: وَقْعَةُ الجماجم كانت سنة (٨٣) بالاتفاق، فلعلّ خليفة قال: مات بعد الجماجم، وأرّخه ابن قانع سنة (٨٥) فهو أشبه، وقال ابن سعد: تُوُفّي زمن الحجاج، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وقال البخاري في "التاريخ الصغير": كان يحيى بن سعيد يُنكر أن يكون سمع من سلمان، وقال ابن حزم في "المحلَّى": سليم بن أسود مجهول، فكأنه ما عَرَفَ أن أبا الشعثاء هذا اسمه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٦٨) وأعاده بعده، و (٥٨٦) و (٦٥٥) وأعاده بعده، و (٧٤١) و (١٤٥٥).
٥ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ ماتت سنة (٥٧) على الأصحّ، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة.
стр. 3782
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: أبو الشعثاء، عن مسروق.
٥ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: إِنْ) مخفّفة من "إنّ" المشدّدة المؤكّدة، وهي هنا مهملة، غير عاملة (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُحِبُّ) دخلت هذه اللام للفرق بين "إن" المخفّفة من الثقيلة المهملة، وبين "إن" النافية، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وإنما قيّد بإهمالها؛ لأنها إذا عملت، نحو "إنْ زيدًا قائمٌ" لا تحتاج إلى الفارق؛ لعدم الالتباس، وقوله: "وربما استُغني .. إلخ" إشارة إلى نحو قول الشاعر:
أَنَا ابْنُ أُبَاةِ الضَّيْمِ مِنْ آلِ مَالِكٍ … وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
فإنه لا التباس فيه؛ لأن المراد المدح، ولا تأتي النافية فيه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (التَّيَمُّنَ) منصوب على المفعوليّة، أي استعمال اليد اليمنى، وقال ابن الملقّن ﵀: التيمّن: معناه هنا: الابتداء باليمين قبل الشمال، وفي "المغرب" للمطرّزيّ: يامن، وتيامن: أخذ جانب اليمين، ومنه: "كان ﷺ يُحبّ التيامن في كلّ شيء"، وهذا اللفظ الذي ذكره رواه ابن حبّان في "صحيحه" بزيادة: "حتى في الترجّل والانتعال"، والتيمّن من الألفاظ المشتركة؛ لأنه أيضًا مصدر تَيَمَّنَ بالشيء: إذا تبرّك به، مأخوذ من اليمن - بضمّ الياء - وهو البركة، والتيمّن أيضًا: النسبة إلى اليمن - بفتح الياء والميم - يقال: تيمّن: إذا انتسب إلى اليمن. انتهى (١).
стр. 3783
(فِي طُهُورِهِ) بضمّ الطاء، والمراد به فعل الطهارة، ويجوز أيضًا فتحها؛ فقد قال سيبويه: الطَّهُور بالفتح يقع على الماء، والمصدر معًا (١).
وقال الكرمانيّ: هو بضمّ الطاء، ولا يجوز فتحها، وتعقّبه العينيّ، فقال: لا نُسلّم هذا على الإطلاق؛ لأن الخليل، والأصمعيّ، وأبا حاتم السجستانيّ، والأزهريّ، وآخرين ذهبوا إلى أن الطَّهُور بالفتح في الفعل الذي هو المصدر، والماء الذي يُتطهَّر به، وقال صاحب "المطالع": وحُكي الضمّ فيهما، والفرق المذكور نقله ابن الأنباريّ عن جماعة من أهل اللغة، فإذا كان كذلك، فقول الكرمانيّ: ولا يجوز فتحها غير صحيح على الإطلاق. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الضمّ والفتح جائزان هنا، أما الضمّ فواضح؛ لأن معناه الحدث، ويكون المعنى أنه يحبّ التيمّن في طهارته، وأما الفتح فيحتمل أن يكون بمعنى الحدث أيضًا كالمضموم على ما ذكره أئمة اللغة الذين ذكرهم العينيّ، ويحتمل أن يكون بمعنى المطهّر، فيكون على حذف مضاف، أي في استعمال الماء الذي يتطهّر به.
والحاصل أن الوجهين هنا صحيحان، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِذَا تَطَهَّرَ) أي أراد التطهّر.
(وَفِي تَرَجُّلِهِ) أي تمشيطه شعره، وهو تسريحه، وهو أعمّ من أن يكون في الرأس، أو في اللحية (٣).
قال أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٣٢٤): الترجيل: التدهين. انتهى.
وقال ابن الأثير: الترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه. انتهى (٤).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: الترجيل تسريح الشعر، قال الهرويّ: شعرٌ مرجّلٌ: أي مسرَّحٌ، وقال كُرَاع: شَعْرٌ رَجِلٌ، ورَجْلٌ، وقد رَجَّلَه صاحبه: إذا سرّحه، ودَهَنه. انتهى (٥).
стр. 3784
وقال الفتح: ترجيل الشعر: تسريحه ودهنه، قال في "المشارق": رجّل شعره: إذا مشطه بماء، أو دهن؛ لِيَلين، ويرسل الثائر، ويمدّ المنقبض. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: بهذا يظهر لك خطأ العينيّ في تعقّبه على صاحب "الفتح" بأن قوله: "ودهنه" تفسير من عنده، ولم يفسّره أهل اللغة، فإن كراعًا من أهل اللغة المعروفين، وكذا فسّره به غيره (٢)، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(إِذَا تَرَجَّلَ) أي إذا أراد أن يسرّح شعره.
(وَفِي انْتِعَالِهِ) أي في لبسه نعله، يقال: نَعَلَ يَنْعَلُ - بالفتح فيهما - وتنعَّلَ، وانتَعَلَ: إذا لبس النعل، وأنعلتُ الخيل بالهمزة، ومنه حديث: "إن غسّان تُنعل خيلها"، و"النعل" - بفتح، فسكون -: الحذاء، وهي مؤنّثة، وهي التي تُلبَس على الرجل في المشي، وتُسمَّى التاسومة، والجمع أَنْعُلٌ، ونِعَالٌ، مثلُ سَهْمٍ وأَسْهُمٍ وسِهَامٍ (٣)، وفي "القاموس": النعلُ: ما وُقِيت به القدم من الأرض، كالنَّعْلَة، مؤنّثةٌ. انتهى (٤).
(إِذَا انْتَعَلَ) أي إذا أراد لبس نعله، قال ابن دقيق العيد ﵀: معنى التيمّن في التنعّل: البداءة بالرجل اليمنى، ومعناه في الترجّل: البداءة بالشقّ الأيمن من الرأس في تسريحه ودَهْنه، وفي الطهور: البداءة باليد اليمنى، والرجل اليمنى في الوضوء، وبالشقّ الأيمن في الغسل، والبداءة باليمنى عند
стр. 3785
الشافعيّ من المستحبّات، وإن كان يقول بوجوب الترتيب؛ لأنهما كالعضو الواحد، حيث جُمعا في لفظ القرآن الكريم في لفظ واحد، حيث قال الله : ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. انتهى (١).
وقال ابن الملقّن ﵀: معنى التيمّن في النعل البداءة بالرجل اليمنى، بخلاف النزع، فإنه ينزع اليسرى؛ لأن الانتعال للرجل أفضل من الْحَفَاء، إلى آخر ما ذكره ابن دقيق العيد، ثم قال: والضابط في ذلك أن كلّ ما كان من باب التكريم والزينة كان باليمين، وما كان بخلافه فباليسار. انتهى (٢).
[تنبيه]: وقع اختلاف في ألفاظ هذا الحديث، ففي هذه الرواية: "إن كان رسول الله ﷺ ليُحبّ التيمّن في طهوره إذا تطهّر، وفي ترجّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل"، وفي الرواية التالية: "كان رسول الله ﷺ يُحبّ التيمّن في شأنه كلّه، في نعليه، وترجّله، وطهوره"، وعند البخاريّ في "الوضوء": "كان النبيّ ﷺ يُعجبه التيمّن في تنعّله، وترجّله، وطهوره، في شأنه كلّه"، قال الحافظ: كذا للأكثر من الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة"، وعند البخاريّ في "الأطعمة" من طريق عبد الله بن المبارك، عن شعبة أن أشعث شيخه كان يُحدّث به تارةً مقتصرًا على قوله: "في شأنه كلّه"، وتارةً على قوله: "في تنعّله .. إلخ"، وزاد الإسماعيليّ من طريق غندر، عن شعبة: "أن عائشة أيضًا كانت تُجمله تارةً، وتبيّنه أخرى"؛ قاله في "الفتح" (٣).
وعند النسائيّ: "أن رسول الله ﷺ كان يُحبّ التيامن ما استطاع، في طهوره، ونعله، وترجّله"، قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسط يقول: "يُحبّ التيامن، فذكر شأنه كلّه"، ثم سمعته بالكوفة يقول: "يُحبّ التيامن ما استطاع".
وعند ابن حبّان: "كان يُحبّ التيامن في كلّ شيء حتى في الترجّل، والانتعال"، وفي رواية ابن منده: "كان يحبّ التيامن في الوضوء،
стр. 3786
والانتعال" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا في "الطهارة" [١٩/ ٦٢٢ و ٦٢٣] (٢٦٨)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٨) و"الصلاة" (٤٢٦) و"الأطعمة" (٥٣٨٠) و"اللباس" (٥٨٥٤ و ٥٩٢٦)، و (أبو داود) في "اللباس" (٤١٤٠)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٦٠٨)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١١٢)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٠١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ١٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٩٤ و ١٣٠ و ١٤٧ و ٢٠٢ و ٢١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢١٦)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢١٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٩١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٩٨ و ٥٩٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦١٨ و ٦١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة التيمّن في الطهارة، فيبدأ في وضوئه بغسل اليد اليمنى، والرجل اليمنى، وفي غسله بالشقّ الأيمن.
٢ - (ومنها): استحباب التيمّن في لبس النعل، فيبدأ بالرجل اليمنى قبل اليسرى.
٣ - (ومنها): استحباب التيامن في تسريح الشعر، فيبدأ بالشقّ الأيمن، وكذا في غسله، وحلقه.
٤ - (ومنها): التبرّك باليمين، قال القرطبيّ ﵀: كانت محبته ﷺ للتيمن تبرّكًا منه باسم اليمين؛ لإضافة الخير إليها، كما قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا
стр. 3787
أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، ولما فيه من الْيُمْن والبركة، وهو من باب التفاؤل، ونقيضه الشمال، ويؤخذ من الحديث احترام اليمين وإكرامها، فلا تُستعمل في إزالة شيء من الأقذار، ولا في شيء من خسيس الأعمال، وقد نهى ﷺ عن الاستنجاء، ومسّ الذكر باليمين. انتهى (١).
٥ - (ومنها): استحباب البدء باليمين في شيء يكون من باب التكريم، قال النوويّ ﵀: هذه قاعدة مستمرّة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب، والسراويل، والخفّ، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، وترجيل الشعر، وهو مَشْطُهُ، ونَتْف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك، مما هو في معناه، يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضدّه، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخفّ، وما أشبه ذلك، فيُستحَبّ التياسر فيه، وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها.
قال: (واعلم): أن الابتداء باليسار، وإن كان مُجْزِيًا فهو مكروه، نَصَّ عليه الشافعيّ، وهو ظاهرٌ، ثم ذكر الحديث الآتي: "ابدؤوا بأيامنكم"، قال: فهذا نصّ في الأمر بتقديم اليمين، ومخالفته مكروهة، أو محرّمة.
قال: ثم (اعلم): أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفّان، والخدان، بل يُطَهَّران دَفْعَةً واحدةً، فإن تعذّر ذلك كما في حقّ الأقطع ونحوه، قُدِّم اليمين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
٦ - (ومنها): ما قاله في "المنهل": ومما يُطلب استعمال اليد اليسرى فيه حمل النعل، فما يقع من بعض أهل العلم، وغيرهم، من حملهم كتبهم بشمائلهم، ونعالهم بأيمانهم مخالف للسنّة المطهّرة، قال في "شرح المشكاة": وكثيرًا ما رأينا عوامّ طلبة العلم يأخذون الكتب باليسار، والنعال باليمين، إما لجهلهم، أو
стр. 3788
غفلتهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثابت عن رسول الله ﷺ أنه كان يعجبه التيمن ما استطاع في ترجله، ونعله، ووضوئه، ورَوَينا عنه أنه قال: "إذا توضأتم، فابدؤوا بميامنكم".
قال: وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه بدأ، فغسل يده اليمنى، ثم اليسرى في الوضوء، وكذلك يَفْعَل المتوضئ إذا أراد اتباع السنة.
قال: وممن مذهبه أن المتوضئ يبدأ بيمينه قبل يساره: مالكٌ، وأهلُ المدينة، وسفيانُ الثوريّ، وأهلُ العراق، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
قال: وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، وقد روينا عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: لا تبالي بأيّ يديك بدأت. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢).
وقال النوويّ ﵀: أجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصَح وضوؤه، وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: إن صحّ الإجماع الذي ذكره ابن المنذر، والنوويّ كان صارفًا للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب في الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وغيرهم بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا لَبِستم، أو توضأتم، فابدؤوا بأيامنكم"، وهو حديث صحيح، ونصّ صريح في الأمر بالبدء باليمين، لكنه مستحبّ؛ لما ذُكر من الإجماع، إن صحّ، وإلا فالأصل الوجوب؛ لأنه أمرٌ، وهو للوجوب، ولأنه ما ثبت عنه ﷺ أنه بدأ باليسار في وضوئه، فتثبت قولًا وفعلًا، لكن الأمر ما عرّفناك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3789
[تنبيه]: قال ابن الملقّن ﵀: لو تعارض الانتعال والخروج من المسجد، خرج منه بيساره، ووضعها على نعله اليسرى من غير لبس، ثم خرج باليمنى ولبسها، ثم لبس اليسرى. انتهى (١).
[تنبيه آخر]: قال ابن الملقّن ﵀ أيضًا: قسَم بعضهم ما يستحبّ فيه التيامن، وما لا يستحبّ خمسة أقسام:
[أولها]: ما يستحبّ فيه التيامن فقط.
[ثانيها]: ما يُستحبّ فيه التياسر فقط، وقد تقدّمت أمثلتهما.
[ثالثها]: ما اختُلف فيه، وهو الامتخاط، والتنخّم، ومسح القذا، قال: والذي ينبغي في هذا القطع باليسار.
[رابعها]: ما خُيِّر فيه، وهو سدّ الفم عند التثاؤب، فإن سُدّ باليمنى يخيّر بين سدّه بظاهرها، أو باطنها، وإن سُدّ باليسرى، فليكن بظاهرها.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن دفع التثاؤب يكون باليسار؛ لأن التثاؤب من عمل الشيطان؛ لما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم، فَلْيَرُدّه ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: "ها" ضحك الشيطان"، والله تعالى أعلم.
[خامسها]: ما يجمع فيه بينهما، وذلك أكل كلّ حارّ ببارد، كما جاء عنه ﷺ أنه أكل قثاء برُطَب، هذا بيده، وهذا بيده، قال بعض العلماء: وهذا مستثنى من الأكل بالشمال. انتهى كلام ابن الملقّن (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر ابن الملقّن ﵀ هذا الحديث، والحديث في "الصحيحين" عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: "رأيت النبيّ ﷺ يأكل الرطب بالقثّاء"، وأما زيادة: هذا بيده، وهذا بيده، فليس في "الصحيحين"، بل هي رواية أخرجها الطبرانيّ في "الأوسط"، من حديث عبد الله بن جعفر، قال: "رأيت في يمين النبيّ ﷺ قثّاءً، وفي شماله رُطَبًا، وهو يأكل من ذا مرّةً، ومن ذا مرّةً"، وفي سنده ضعف، وأخرج فيه - وهو في
стр. 3790
"الطبّ" لأبي نعيم - من حديث أنس ﵁: "كان يأخذ الرطب بيمينه، والبطّيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطّيخ، وكان أحبّ الفاكهة إليه"، وسنده ضعيف أيضًا، قاله في "الفتح" (١).
فتبيّن بهذا أن ما قاله البعض من أن هذا مستثنًى من الأكل بالشمال، غير صحيح؛ لأن الحديث ضعيف، لا يصلح لمعارضة الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" (٢)، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٦٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَشْعَث، عَنْ أَبِيه، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّه، فِي نَعْلَيْه، وَتَرَجُّلِه، وَطُهُورِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بن معاذ الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ، متقن، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، الإمام الحجة الثبت الناقد الْجِهْبذ المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) الشأن: الحال والْخَطْبُ، وهو بالهمزة الساكنة، وتُخفَّف بقلبها؛ " لكثرة الاستعمال، وأكّده بقوله: "كلّه" ليدلّ على التعميم؛ لأن
стр. 3791
التأكيد يرفع المجاز، فيُمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلًا مقصودًا، وما يُستحبّ فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تُرُوكٌ، وإما غير مقصودة، أفاده في "الفتح" (١).
وقال العينيّ ﵀: هذا عامّ مخصوص بالأدلّة الخارجيّة. انتهى.
وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "في شأنه كلّه" عامّ مخصوص؛ لأن دخول الخلاء، والخروج من المسجد، ونحوهما يُبدأ باليسار. انتهى (٢).
قال الصنعانيّ ﵀: قوله: "فإن دخول الخلاء والخروج من المسجد يُبدأ باليسار" هذه من الأمور الدائرة على الألسنة، ويُبحَث عن دليله، فإني لا أعرف فيه حديثًا، وإنما ورد في اليد اليسرى في التخلّي، وحديث عائشة ﵄ عند أحمد، وأبي داود، والطبرانيّ: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من الأذى"، وقال الحافظ في "التلخيص": إنه منقطع، قال: ورواه أبو داود من طريق أخرى من حديث حفصة، ورواه أحمد، والحاكم، وابن حبّان، فهذا ما ورد، وقياس الرجل على اليد لا يتمّ هنا. انتهى كلام الصنعانيّ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أما حديث عائشة ﵂ المذكور، فصحيح، كما حقّقه الشيخ الألبانيّ ﵀ في "صحيح سنن أبي داود" ١/ ٦١ - ٦٥، وكذلك حديث حفصة ﵂ صحيح أيضًا، ولفظه: "عن حفصة، زوج النبيّ ﷺ أن النبيّ ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه، وشرابه، وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك".
وحديث حفصة ﵂ يصلح للاحتجاج به في مسألة دخول الخلاء، والخروج من المسجد، ونحو ذلك؛ لأن قولها: "يجعل يمينه .. إلخ" عامّ يشمل اليد، والرجل، فليس من باب القياس، كما يراه الصنعانيّ، بل هو من باب الاستدلال بعموم النصّ.
ومما يؤيّد ذلك ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن
стр. 3792
رسول الله ﷺ قال: "إذا انتعل أحدكم، فليبدأ باليمين، وإذا نَزَع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع".
ففيه تنبيه على أن كلّ ما كان من باب التشريفما فهو باليمين، وما كان بخلافه فهو بالشمال، فدخول المسجد من الأول بخلاف الخروج منه، والخلاء بالعكس، وبالجملة فعناية الشارع بمثل هذا مما لا يخفى على من تأمّله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قال ابن الملقّن ﵀: يدخل في عموم قوله: "في شأنه كله" الأحوال التي أسلفناها، ومنها الأخذ والعطاء، ومنها السواك، كما قدّمناه، ومذهب أحمد استحبابه باليسار؛ لأنه إزالة مستقذر، فكان كالحجر في الاستنجاء، ونُقِل عن القرطبيّ أيضًا، ويردّه رواية أبي داود في هذا الحديث في "اللباس": "وسواكه"، زادها مسلم بن إبراهيم أحد رواته عن شعبة، ثم قال أبو داود: رواه عن شعبة معاذ، لم يذكر "سواكه".
وقال الترمذيّ الحكيم: والاستياك باليسار إلا من علّة من فعل الشيطان، قال: وقد روي مرفوعًا: "الشيطان يأكل بيساره، ويشرب بيساره، ويعمل الأعمال بيساره، فاجتنبوا الأعمال بها إلا من علّة" (١).
ولأن في السواك تعبّدًا حيث أُمر به، فهو من باب التكريم، فيُفعل باليمين، كالأكل والشرب.
[فإن قلت]: كان ينبغي التفصيل بين حالة التغير، فيكون باليسار، وبين عدمها، فيكون باليمين.
[أجيب]: بأن إطلاق أحاديث الترغيب في السواك يردّ هذا التفصيل،
стр. 3793
ولأن النبيّ ﷺ سمّاه مَطْهَرةً، حيث قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للربّ"، ولرواية أبي داود بسند صحيح، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع، في شأنه كله، في طهوره، وترجله، ونعله، وسواكه"، هكذا في رواية مسلم بن إبراهيم أحد الثقات الحفّاظ عن شعبة، بزيادة "وسواكه"، وهي زيادة صحيحة.
والحاصل أن المستحبّ كون السواك باليمين، لما ذُكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: في قولها أيضًا: "في شأنه كله" دلالة على أن التختّم في اليمين دون اليسار؛ لأن لباس الخاتم من جملة شأنه ﷺ ، وهو الصحيح عند الشافعيّة، لكن صحّ أيضًا أنه ﷺ تختّم في اليسار، فيجوز الأمران؛ قاله ابن الملقّن ﵀ (١).
[تنبيه آخر]: في قوله: "كلّه" دلالة على أن التأكيد لا يرفع المجاز؛ لأنه ورد هنا مؤكِّدًا للعموم مع الجزم بالخصوص بما ذكرناه؛ قاله ابن الملقّن ﵀ أيضًا (٢).
وقوله: (فِي نَعْلَيْهِ) بدل من قوله: "في شأنه كلّه" بإعادة الجارّ، ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: "في نعله" بالإفراد، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في بعض الأصول "في نعله" على إفراد النعل، وفي بعضها "نعليه" بزيادة ياء التثنية، وهما صحيحان، أي في لبس نعليه، أو في لبس نعله، أي جنس النعل، ولم يَرد في شيء من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين، وذكر الحميديّ والحافظ عبد الحق في كتابيهما: "الجمع بين الصحيحين": "في تنعله" بتاء مثناة فوقُ، ثم نون، وتشديد العين، وكذا هو في روايات البخاريّ وغيره، وكله صحيحٌ، ووقع في روايات البخاريّ: "يحب التيمن ما استطاع، في شأنه كله"، وذكر الحديث إلى آخره، وفي قوله: "ما استطاع" إشارة إلى شدّة
стр. 3794
المحافظة على التيمن، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٠) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظِّلَالِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٢٤] (٢٦٩) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ - قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ - أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ"، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَان، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاس، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر بن إياس السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
стр. 3795
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: العلاء، عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ") كذا وقع في "صحيح مسلم"، ووقع عند أبي عوانة في "مستخرجه"، بلفظ: "اتقوا اللاعنين"، قالوا: وما اللاعنين يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلّى في طريق المسلمين، أو في ظلّهم".
ولفظ أبي عوانة من طريق سليمان بن بلال، عن العلاء: "اجتنبوا اللاعنين"، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: "الذين يبرزون على طريق الناس، أو في مجلس قوم".
قال أبو سليمان الخطابيّ ﵀: المراد باللاعنين: الأمران الجالبان للّعن الحاملان الناسَ عليه، والداعيان إليه، وذلك أنّ مَن فعلهما شُتِم، ولُعِن، يعني أن عادة الناس لعنه، فلما صارا سببًا لذلك أضيف اللعن إليهما، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، والمَلاعن: مواضعُ اللعن.
قال النوويّ ﵀: فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلُهما، وهذا على رواية أبي داود، وأما رواية مسلم فمعناها - والله أعلم -: اتقوا فعل اللعّانين: أي صاحبي اللعن، وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة. انتهى (١).
стр. 3796
وقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله: "اتّقوا اللعّانين" وفي غير مسلم: "اتّقوا الملاعن"، فذكر هاتين، وزاد: "موارد الماء"، وسُمّيت ملاعن؛ لجلبها اللعن؛ لأنها أماكن راحة الناس، فإذا وجدوا ذلك فيها، قالوا: لعن الله من فعله، وقد يكون اللاعنان بمعنى الملعونين؛ لأن الحالتين ملعونتان، أي فاعلهما، كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]: أي مرضيّة.
قال الأبّيّ ﵀: والمعنى على الأول: اتّقوا صاحبتي اللعن، أي اللتين يقع اللعن عند وجودهما، واتّقاؤهما من نوع ما تقدّم من النهي عن استقبال القبلة، واستدبارها، والاستنجاء باليمين، لكون ذلك من آداب الأحداث. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀ في تفسير قوله: "اتّقوا الملاعن الثلاث" هي مَلْعَنة، وهي الفعلة التي تَلْعَن فاعلها، كأنها مظنّة اللعن، ومَعْلَمةٌ له، كما يقال: "الولدُ مَبْخَلةٌ مَجْبَنةٌ" (٢)، وأرضٌ مأسدة. انتهى.
(قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون مجلسه ﷺ حينما تكلّم بهذا الحديث (وَمَا اللَّعَّانَانِ) أي الأمران الجالبان للعن (يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى) قال الطيبيّ ﵀: هو على حذف مضاف، أي تخلّي الذي يتخلَّى، أو عبّر عن الفعل بفاعله. انتهى. (يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ) أي يتغوّط في موضع يَمُرّ به الناس (أَوْ فِي ظِلِّهِمْ) قال الخطابيّ وغيره من العلماء: المراد بالظلّ هنا مُسْتَظَلُّ الناس الذي اتخذوه مَقِيلًا ومُنَاخًا ينزلونه، ويقعدون فيه، وليس كلُّ ظلّ يحرم القعود تحته، فقد قَعَد النبيّ ﷺ تحت حائش النخل لحاجته، وله ظلّ بلا شكّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فقد قَعَد النبيّ ﷺ إلخ" أشار به إلى ما أخرجه المصنّف ﵀ من حديث عبد الله بن جعفر ﵄، قال: "وكان أحبَّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هَدَفٌ، أو حائشُ نخل"، يعني حائط نخل (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3797
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٠/ ٦٢٤] (٢٦٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤١٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٣)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٢٠)، والله أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن التخلّي وقضاء الحاجة من البول والغائط في طريق الناس.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن التخلّي في ظلّ ينتفع به الناس.
٣ - (ومنها): أن سبب النهي عن التخلّي فيما ذُكر؛ لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يَمُرّ به، ونتنه، واستقذاره.
٤ - (ومنها): بيان شدّة حرص الشريعة على إبعاد الفرد والمجتمع عما يُلحق الأذى بهم، مما يوجب لعن بعضهم لبعض، وشتمهم.
٥ - (ومنها): الحثّ على ما يجلب المحبّة بين الناس، ودعاء بعضهم لبعض من إدخال السرور في قلوبهم، وإزالة الضرر عنهم، ولذا صار إماطة الأذى عن طريق المسلمين من شعب الإيمان فقد أخرج المصنّف: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبةً، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١).
وأخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعون خَصْلَةً، أعلاهن مَنِيحة الْعَنْز، ما من عامل
стр. 3798
يعمل بخصلة منها، رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة". قال حسان - أحد رواته -: فعددنا ما دون منيحة الْعَنْز، من ردّ السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الأماكن التي منع قضاء الحاجة فيها:
قال الموفّق ابن قُدامة ﵀: لا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا مَوْرد ماء، ولا ظلٍّ ينتفع به الناس؛ لحديث معاذ ﵁ مرفوعًا: "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل"، حديث حسنٌ رواه أبو داود (١)، والْمَوْرِد: الطريق.
ولا يبول تحت شجرة مثمرة، في حال كون الثمرة عليها؛ لئلا تسقط عليه الثمرة، فتتنجس به، فأما في غير حال الثمرة فلا بأس، فإن النبيّ ﷺ "كان أحبّ ما استتر به لحاجته هَدَفٌ، أو حائش نخل"، رواه مسلم.
ولا يبول في الماء الدائم؛ لأن النبيّ ﷺ نَهَى عن البول في الماء الراكد، متفق عليه، ولأن الماء إن كان قليلًا تنجس به، وإن كان كثيرًا، فربما تغير بتكرار البول فيه، فأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي مَن يمر به، وإن بال فيه وهو كثير لا يؤثر فيه البول، فلا بأس؛ لأن تخصيص النبيّ ﷺ الراكد بالنهي عن البول فيه دليل على أن الجاري بخلافه.
ولا يبول على ما نُهِي عن الاستجمار به؛ لأن هذا أبلغ من الاستجمار به، فالنهي ثَمَّ تنبيهٌ على تحريم البول عليه.
ويكره أن يبول في شِقٍّ، أو ثُقْب؛ رَوَى عبد الله بن سَرْجِس ﵁ أن النبيّ ﷺ نَهَى أن يُبَال في الْجُحْر، حديث صحيحٌ رواه أبو داود، ولأنه لا يَأْمَن أن يكون فيه حيوان يَلْسَعه، أو يكون مسكنًا للجنّ، فيتأذى بهم، فقد حُكِي أن سعد بن عبادة ﵁ بال في جُحْر بالشام، ثم استلقى ميتًا، فسُمِعَتِ الجنُ تقول [من مجزوّ الرمل]:
стр. 3799
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ … رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ … نِ فَلَمْ تُخْطِئْ فُؤَادَهْ (١)
ولا يبول في مُسْتَحَمِّه - أي محلّ اغتساله - لأن عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولنّ أحدكم في مُسْتَحَمِّه، فإن عامة الوسواس منه"، حديث صحيحٌ، رواه أبو داود، وابن ماجه (٢)، وقال ابن ماجه: سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول: إنما هذا في الْحَفِيرة، فأما اليوم فمُغْتسلاتهم الْجَصّ والصاروج (٣)، والْقِير، فإذا بال، وأرسل عليه الماء فلا بأس به.
قال: وقد قيل: إن البصاق على البول يورث الوسواس، وإن البول على النار يورث السّقَم، وتوقي ذلك كله أولى، ويكره أن يتوضأ على موضع بوله، أو يستنجي عليه؛ لئلا يتنجس به. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ (٤)، وهو بحث مفيدٌ، إلا أن قوله: "إن البصاق" إلى قوله: "يورث السقم" يحتاج إلى دليل صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢١) - (بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٢٥] (٢٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ
стр. 3800
خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا، وَتَبِعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ (١)، هُوَ أَصْغَرُنَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الحافظ المذكور قبل باب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطّحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٠٧.
٣ - (خَالِد) بن مِهْرَان، أبو الْمُنَازل - بفتح الميم، وضمّها - الْحَذّاء البصريّ، ثقةٌ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) اسم أبيه منيع، أبو معاذ البصريّ، مولى أنس، ويقال: مولى عمران بن حصين، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٤].
رَوَى عن أنس، وعمران، وجابر بن سَمُرة، وأبي بُردة بن أبي موسى، والحسن، ووهب بن عمير، وأبي رافع الصائغ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن.
ورَوَى عنه ابناه: إبراهيم، ورَوْح، وخالد الحذاء، وشعبة، وعبد الله بن بكر بن عبد الله المزنيّ، ورَوْح بن القاسم، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، لا يُحتَجّ بحديثه، وكان قدريًّا، وقال ابن عديّ: يُكنى أبا معاذ، وفي أحاديثه بعض ما يُنكَر عليه.
قال البخاريّ: قال يحيى القطان: مات بعد الطاعون بالبصرة، سنة إحدى وثلاثين ومائة، وهو قول ابن سعد، وابن حبان في "الثقات" في ترجمته، ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال البزار: بصريّ مشهور، وقال حماد بن زيد، والبخاريّ، وابن سعد، والْجُوزَجانيّ: كان يرى القدر، وأنكر الذهبي قول الْجُوزَجانيّ: إنه كان رأسًا في القدر، فقال: بل هو قدريّ صغير.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
стр. 3801
في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٧٠) و (٢٧١) وأعاده بعده، و (٥٧٨) و (٢١٤١).
٥ - (أنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وغير عطاء، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من خالد الحذاء.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد، عن عطاء.
٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا) أي بستانًا، قال الفيّوميّ ﵀: حاطه يحوطه حَوْطًا: إذا رعاه، وحوّط عليه تحويطًا: إذا أدار عليه نحو التراب حتى جعله محيطًا به، وأحاط القوم بالبلد إحاطةً: استداروا بجوانبه، وحاطوا به، من باب قال، لغةٌ في الرباعيّ، ومنه قيل للبناء: حائطٌ، اسم فاعل من الثلاثيّ، والجمع حِيطان، والحائط البستان، وجمعه حوائط، انتهى (١).
(وَتَبِعَهُ) بكسر الموحّدة، من باب تَعِبَ (غُلَامٌ) هو المترعرع، قاله أبو عُبيد، وقال في "المحكم": من لدن الفطام إلى سبع سنين، وحكى الزمخشريّ في "أساس البلاغة" أن الغلام هو الصغير إلى حدّ الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء: غلامٌ، فهو مجاز، ذكره في "الفتح" (٢).
стр. 3802
وقال في "العمدة": الغلام: هو الذي طرّ شاربه، وقيل: من حين يولد إلى أن يشيب (١)، وزعم الزمخشريّ أن الغلام هو الصغير إلى حدّ الالتحاء، فإن أُجري بعدما صار ملتحيًا اسم الغلام فهو مجازٌ، ويُروى عن عليّ بن أبي طالب ﵁ في بعض أراجيزه:
أَنَا الْغُلَامُ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّي
وقالت ليلى الأخيليّة في الحجّاج [من الطويل]:
غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ تَبَاهِيَا
قال: وقال بعضهم: يستحقّ هذا الاسم إذا ترعرع، وبلغ حدّ الاحتلام بشهوة النكاح، كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت، ويُسمّى قبل ذلك تفاؤلًا، وبعد ذلك مجازًا، وفي "المخصّص": هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين، وعن أبي عبيدة: هو المترعرع المتحرّك، والجمع أغلمة، وغِلْمة، وغلمان، والأنثى غلامة، انتهى (٢).
[تنبيه]: قيل: الغلام المذكور يحتمل أن يكون ابن مسعود ﵁، وقوّاه الحافظ في "الفتح"، لكن يُبعده قول أنس ﵁ عند البخاريّ: "منّا"، وعند الإسماعيليّ: "من الأنصار"، وما أجاب به الحافظ تكلّف ظاهر.
ويحتمل أن يكون أبا هريرة ﵁؛ لما في رواية أبي داود، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبيّ ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى"، ونحوه للبخاريّ في "ذكر الجنّ"، وفيه ما في الذي قبله.
ويحتمل أن يكون جابرًا ﵁؛ لما في حديث جابر ﵁ الطويل عند مسلم أن النبيّ ﷺ انطلق لحاجته، فاتّبعه جابر بإداوة، ولا سيّما، وهو أنصاري، وفيه ما سبق.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر هذه الاحتمالات في "الفتح"، وعندي أنه لا داعي إلى هذه التكلّفات التي لا يقبلها الذوق السليم، وأيُّ مانع
стр. 3803
من أن نقول: إنه غلام أنصاريّ من أقران أنس ﵁، من المراهقين، وما الذي اضطرّنا إلى معرفة عينه، حتى نتكلّف هذه التكلّفات الباردة؟.
ومما يوهن هذه الاحتمالات قول أنس ﵁ هنا: "هو أصغرنا"، فهل ابن مسعود، أو أبو هريرة، أو جابر أصغر من أنس؟ سبحان الله!!، إن هذا لشيء عجيب!!!، والله تعالى المستعان.
وقوله: (مَعَهُ) بفتح العين المهملة، وتُسكّن، قال في "المحكم": "مع" اسم معناه الصحبة، متحرّكة، وساكنة، غير أن المتحرّكة العين تكون اسمًا وحرفًا، والساكنة العين تكون حرفًا لا غير، ويجوز هنا تسكين العين، وعند اجتماعها بالألف واللام تُفتح العين، وتكسر، فيقال: معَ القوم، فتحًا وكسرًا، وقال الجوهريّ: "مع" للمصاحبة، وقد تسكّن، وتنوّن، فيقال: جاؤوا معًا.
انتهى (١). وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَ"مَعَ" "مَعْ" فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ … فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ
(مِيضَأَةٌ) وفي نسخة: "ومعه ميضأة"، والجملة في محلّ رفع صفة لـ"غلام".
و"الْمِيضأة": - بكسر الميم، وبهمزة، بعد الضاد المعجمة، ويمدّ، ويُقصَر -: هي الإناء الذي يُتوضّأ به كالركوة، والإبريق، وشبههما (٢).
وأصله: مِوْضأة - بكسر الميم، وسكون الواو -؛ لأنه من وَضُؤَ، فقُلبت الواو ياء؛ لوقوعها ساكنة بعد كسرة.
(هُوَ أَصْغَرُنَا) هذا يردّ قول مَن قال: إن الغلام هو ابن مسعود، أو أبو هريرة، أو جابر، كما مرّ آنفًا (فَوَضَعَهَا) أي الميضأة (عِنْدَ سِدْرَةٍ) بكسر، فسكون: شجرة النَّبِق، والجمع سِدَرٌ، ثم يُجمع على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتُجمع السِّدْرة أيضًا على سِدْرَان بالسكون؛ حملًا على لفظ الواحد، قال ابن السّرّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ، ويريدون الأقلّ؛ لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أُطلق السِّدْر في الغسل، فالمراد الْوَرَقُ المطحون، والسِّدْر
стр. 3804
نوعان: أحدهما: ينبُتُ في الأَرْيَاف، فيُنتفَعُ بوَرَقه في الغسل، وثمرته طيِّبةٌ، والآخر ينبُتُ في البرّ، ولا يُنتفع بوَرَقه في الغسل، وثمرته عَفِصَةٌ (١)، أفاده الفيّوميّ ﵀ (٢).
(فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجَتَهُ) أراد بها هنا الغائط، أو البول (فَخَرَجَ عَلَيْنَا) أي على أنس، وعلى الصحابة الذين معه، وقوله: (وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وهو من قول أنس، وليس مدرجًا كما زعمه بعضهم. قاله في "الفتح" بعد ذكر اختلاف الروايات ما نصّه: وقد بان بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس، راوي الحديث، ففيه الردّ على الأصيليّ حيث تعقب على البخاريّ استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء، قال: لأن قوله: "يستنجي به" ليس هو من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد، أي أحد الرواة عن شعبة، قال: وقد رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه. انتهى. وقد انتفى هذا الاحتمال بالروايات التي ذكرناها، وكذا فيه الردّ على من زعم أن قوله: "يستنجي بالماء" مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا، فلا حجة فيه، كما حكاه ابن التين، عن أبي عبد الملك البونيّ، فإن رواية خالد التي ذكرناها - يعني رواية مسلم هذه - تدل على أنه قول أنس، حيث قال: "فخرَجَ علينا".
ووقع هنا في "نُكَت البدر الزركشيّ" تصحيف، فإنه نسب التعقب المذكور إلى الإسماعيليّ، وإنما هو للأصيليّ، وأقرّه، فكأنه ارتضاه، وليس بمرضيّ كما أوضحناه، وكذا نسبه الكرمانيّ إلى ابن بطال، وأقرّه عليه، وابن بطال إنما أخذه عن الأصيليّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.:
стр. 3805
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢١/ ٦٢٥] (٢٧٠) و [٢١/ ٦٢٦ و ٦٢٧] (٢٧١)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٥٠ و ١٥١ و ١٥٢ و ٢١٧ و ٥٠٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٤٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٤٥) و"الكبرى" (٣٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٠٣ و ٢٥٩ و ٢٨٤ و ١١٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٤ و ٨٥ و ٨٦ و ٨٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٩٥ و ٥٩٦ و ٥٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٢١ و ٦٢٢ و ٦٢٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٠٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستنجاء بالماء، بل هو المستحبّ، والمرجّح على الاقتصار على الحجر، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: "باب الاستنجاء بالماء"، وفيه ردّ على من منع ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): خدمة الصالحين، وأهل الفضل، والتبرّك بذلك، وتفقّد حاجاتهم، خصوصًا المتعلّقة بالطهارة.
٣ - (ومنها): جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار؛ ليتمرّنوا على التواضع، وحسن الخلق، خصوصًا إذا أُرصدوا لذلك، مثل أنسٍ ﵁، فقد أخرج الشيخان عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينةَ، ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنّ أنسًا غلام كَيِّس، فليخدُمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟، ولا لشيء لم أصنعه: لمَ لم تصنع هذا هكذا؟ ".
٤ - (ومنها): مشروعيّة التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، والاستتار عن أعين الناظرين، وقد اشتهر هذا من فعله ﷺ .
٥ - (ومنها): جواز الاستعانة في أسباب الوضوء.
стр. 3806
٦ - (ومنها): استحباب اتّخاذ آنية الوضوء، كالإداوة، ونحوها.
٧ - (ومنها): استحباب حمل الماء معه إلى الكنيف.
٨ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ استدل بهذا الحديث على غسل البول.
٩ - (ومنها): أن فيه حجةً على ابن حبيب من المالكيّة حيث منع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم، لأن ماء المدينة كان عذبًا.
١٠ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على استحباب التوضؤ من الأواني دون الأنهار والْبِرَك، وتعقّبه في "الفتح" بأنه لا يستقيم إلا لو كان النبيّ ﷺ وجد الأنهار والبِرَك، فَعَدَلَ عنها إلى الأواني. انتهى (١).
قال النوويّ ﵀ في "شرحه": وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني، دون المشارع، والْبِرَك، ونحوها؛ إذ لم يُنْقَل ذلك عن النبيّ ﷺ ، وهذا الذي قاله غير مقبول، ولم يوافقه عليه أحدٌ فيما نعلم، قال القاضي عياض ﵀: هذا الذي قاله هذا القائل لا أصل له، ولم يُنْقَل أن النبيّ ﷺ وجدها، فَعَدَل عنها إلى الأواني. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الاستنجاء بالماء:
قال النوويّ ﵀: قد اختَلَف الناس في هذه المسألة، فالذي عليه الجماهير، من السلف والخلف، وأجمع عليه أهل الفتوى، من أئمة الأمصار، أن الأفضل أن يَجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أوّلًا؛ لِتَخِفّ النجاسة، وتَقِلّ مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء، سواء وَجَد الآخر، أو لم يجده، فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر؛ لأن الماء يُطَهِّر المحل طهارة حقيقيةً، وأما الحجر فلا يطهره، وإنما يُخَفِّف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفوّ عنها.
стр. 3807
وبعض السلف ذهبوا إلى أن الأفضل هو الحجر، وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يُجزي.
وقال ابن حبيب المالكيّ: لا يجزئ الحجر إلا لمن عَدِمَ الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء، من السلف والخلف، وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة. انتهى كلام النوويّ (١).
وقال في "الفتح" عند البخاريّ ﵀: "باب الاستنجاء بالماء": أراد بهذه الترجمة الردّ على مَن كرهه، وعلى مَن نَفَى وقوعه من النبيّ ﷺ ، وقد رَوَى ابنُ أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن حذيفة بن اليمان ﵄ أنه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إذًا لا يزال في يدي نَتْنٌ، وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء، وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله، ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبيّ ﷺ استَنْجَى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه مَنَع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم. انتهى (٢).
وقد تقدّم أن ابن المنذر حَكَى عن سعد بن أبي وقّاص، وحُذيفة، وابن الزبير ﵃ أنهم كانوا لا يرون الاستنجاء بالماء، وعن سعيد بن المسيّب، قال: ما يفعل ذلك إلا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر مُحدَث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كلّ هذه الأقوال يردّها ما ثبت عن النبيّ ﷺ من الأحاديث الكثيرة الصحيحة، فالاستنجاء بالماء سنّة ثابتةٌ، قد وردت به أحاديث كثيرة:
(فمنها): حديث أنسٍ ﵁ المذكور في الباب.
(ومنها): حديث عائشة ﵂ أنها قالت لنسوة: "مُرْنَ أزواجكنّ أن يستنجوا بالماء، فإني أستحييهم منه، إن رسول الله ﷺ كان يفعله"، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ.
(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁: "كان النبيّ ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر، فتوضّأ"، وهو حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغير ذلك.
стр. 3808
قال الخطابيّ ﵀: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم، فلهذا كره الاستنجاء به سعيد، وموافقوه، وهذا قول باطلٌ، منابذٌ للأحاديث الصحيحة. انتهى.
والحاصل أن الاستنجاء بالماء سنّة ثابتةٌ، لا يمكن إنكارها، إلا لمن لم تبلغه هذه الأحاديث الصحيحة، وبهذا يُعتذر عن الصحابة والتابعين الذين أنكروه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٢٦] (٢٧١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي، إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح المذكور قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ، تقدّم قريبًا.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، غُنْدَرٌ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج المذكور قبل باب.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (يَدْخُلُ الْخَلَاءَ) بالفتح، والمدّ: المحلّ الذي يُتبرّز فيه، وهو بمعنى قوله في الرواية الماضية: "دخل حائطًا"؛ إذ الحائط هو البستان، وجملة
стр. 3809
"يدخل الخلاء" في محلّ نصب خبر "كان"، وانتصاب "الخلاء" بنزع الخافض، من قبيل: دخلتُ الدار (١).
وقوله: (فَأَحْمِلُ أَنَا) أتى بـ"أنا" توكيدًا وفصلًا؛ ليحسن عطف "وغلامٌ" على الضمير المتّصل، على حدّ قوله : ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وقوله: (وَغُلَامٌ نَحْوِي) أي في قدر سنّي.
وقوله: (إِدَاوَةً) - بكسر الهمزة -: إناء صغير من جلد، تُتّخذ للماء، وهي الْمِطْهَرة، وجمعها أداوى، بفتح الواو.
وقوله: (مِنْ مَاءٍ) "من" فيه للبيان؛ أي مملوءة من ماء.
وقوله: (وَعَنَزَةً) - بفتح العين، والزاي - وهي عصًا طويلة، في أسفلها زُجّ، ويقال: رُمْحٌ قصيرٌ، وإنما كان يَستصحبها النبيّ ﷺ ؛ لأنه كان إذا توضأ صلى، فيحتاج إلى نصبها بين يديه؛ لتكون حائلًا يصلى إليه؛ قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": "الْعَنَزَة" - بفتح النون -: عصًا أقصر من الرمح، لها سِنَانٌ، وقيل: هي الحربة القصيرة، وفي رواية كريمة عند البخاريّ: الْعَنَزة عصًا، عليها زُجّ، بزاي مضمومة، ثم جيم مشدّدة: أي سنان، وفي "الطبقات" لابن سعد: أن النجاشيّ كان أهداها للنبيّ ﷺ ، وهذا يؤيّد كونها كانت على صفة الحربة؛ لأنها من آلات الحبشة. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": العنَزَة - بفتح العين المهملة، وفتح النون -: أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفي طرفها زُجّ كزُجّ الرمح، والزُّجّ: الحديدة التي في أسفل الرمح، يعني السنان.
وفي "التلويح": العنزة: عصًا في طرفها زُجّ يتوكّأ عليها الشيخ.
وفي "مفاتيح العلوم" لأبي عبد الله محمد بن أحمد الخوارزميّ: هذه
стр. 3810
الحربة، وتُسمّى الْعَنزَة، كان النجاشيّ أهداها للنبيّ ﷺ ، فكانت تقام بين يديه إذا خرج إلى المصلّى، وتوارثها من بعده الخلفاء ﵃.
وفي "الطبقات" أهدى النجاشيّ إلى النبيّ ﷺ ثلاث عَنَزَات، فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى عليًّا واحدة، وأعطى عمر واحدة (١).
وأخرج البخاريّ ﵀ في "كتاب المغازي" من "صحيحه" عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عُبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مُدَجَّج، لا يُرَى منه إلا عيناه، وهو يُكنَى أبو ذات الكَرِش، فقال: أنا أبو ذات الكَرِش، فحَمَلت عليه بالْعَنَزة، فطعنته في عينه فمات، قال هشام: فأُخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطأت، فكان الجهد أن نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ ، فأعطاه، فلما قُبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه، فلما قُبض أبو بكر سألها إياه عمر، فأعطاه إياها، فلما قُبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه، فأعطاه إياها، فلما قُتل عثمان وقعت عند آل عليّ، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قُتل. انتهى.
[تنبيه]: الحكمة في حمل العنزة كثيرة:
(منها): ليصلّي إليها في الفضاء.
(ومنها): ليتّقي بها كيد المنافقين واليهود، فإنهم كانوا يرومون قتله، واغتياله بكلّ حالة، ومن أجل هذا اتّخذ الأمراء المشي أمامهم بها.
(ومنها): اتقاء السبع، والمؤذيات من الحيوانات.
(ومنها): نبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشيةَ الرشاش.
(ومنها): تعليق الأمتعة.
(ومنها): التوكؤ عليها.
(ومنها): ما قاله بعضهم: إنها تُحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، قال العينيّ: وهذا بعيد؛ لأن ضابط السترة في هذا ما يستر الأسافل، والعنزة ليست كذلك. انتهى (٢).
стр. 3811
قال الجامع عفا الله عنه: في تعقّب العينيّ نظرٌ؛ لأن المراد بكونها سترة هنا أن تُركَز، ويعلّق عليها إزارٌ أو داءٌ، أو نحو ذلك مما يستر أسافله، فلا وجه لاعتراضه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ (١) - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَني رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتبَرَّزُ لِحَاجَتِه، فَآتِيهِ بِالْمَاء، فَيَتَغَسَّلُ بِهِ) (٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم، وعُليّة أمه، وكان يَكره النسبة إليها، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٨] (١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنبريّ البصريّ الحافظ، تقدّم قريبًا.
والباقيان تقدّما قبل حديث، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ) أي يأتي الْبَرَاز - بفتح الباء - وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض؛ ليخلو لحاجته، ويستتر، وَيبْعُد عن أعين الناظرين.
وقوله: (فَيَتَغَسَّلُ بِهِ) أي يستنجي بذلك الماء، ويغسل محل الاستنجاء، وفي نسخة: "فيغتسل به"، والله تعالى. أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 3812
(٢٢) - (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٢٨] (٢٧٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ (١)، فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الْحنظليّ، أبو محمد ابن راهويه المروزيّ، ثم النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٥ - (هَمَّام) بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢] (ت ٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٨.
٦ - (جَرِير) بن عبد الله بن جابر البجليّ الصحابي الشهير ﵁، مات سنة (٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧.
стр. 3813
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بين ثلاثة منهم.
٢ - (ومنها): أنه إنما أفرد شيخه أبا بكر عن الثلاثة الأولين؛ لكونه روى عن شيخين: أبي معاوية، ووكيع، بخلافهم، فإنهم إنما رووا عن أبي معاوية فقط، فلو جمعه معهم لتوهّم أن وكيعًا شيخ لهم أيضًا.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ ليحيى .. إلخ" معناه: أن هذا اللفظ الذي ساقه هنا لفظ شيخه يحيى بن يحيى التميميّ، وهو أخذه عن أبي معاوية قراءةً، ولهذا قال: أخبرنا أبو معاوية، وأما أبو بكر فقال: حدّثنا أبو معاوية؛ إشارةً إلى أنه سمعه من لفظه، وأما الآخران فلم يصرّحا بصيغة الأخذ.
٤ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى، وإسحاق، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه، وأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، وإسحاق، فنيسابوريّان.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن همّام بن الحارث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ) بن الحارث النخعيّ، أنه (قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ) أي ابن عبد الله البجليّ ﵁ (ثُمَّ تَوَضَّأَ) وفي رواية أبي نعيم في "مستخرجه" (١): "ثم توضّأ من مطهرة المسجد التي يتوضّأ فيه العامّة" (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، فَقِيلَ) أي قال له قائلٌ منكرًا مسحه على خفّيه.
[تنبيه]: هذا القائل هو همام بن الحارث الراوي عن جرير، فقد جاء مُبَيَّنًا
стр. 3814
عند الطبرانيّ من طريق جعفر بن الحارث، عن الأعمش، وعند الترمذيّ من رواية شهر بن حوشب، أنه الذي قال له ذلك، فيحتمل أن يكون كلّ منهما قال له، والله تعالى أعلم. (تَفْعَلُ هَذَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، وفي نسخة: "أتفعل هذا؟ " بإثباتها، ولفظ النسائيّ: "أتمسح؟ "، وفي رواية أبي عوانة: "أتفعل، وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفّين؟ "، وفي رواية الطبرانيّ من طريق زائدة، عن الأعمش: "فعاب عليه ذلك رجلٌ من القوم" (١).
وإنما أنكر ذلك عليه؛ لاعتقاده أن المسح على الخفّين منسوخٌ بآية المائدة (فَقَالَ) جرير ﵁ ردًّا على المنكر، ومبيّنًا له مستنده في ذلك (نَعَمْ) أي أمسح عليهما، وقوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) جملة تعليليّة؛ أي إنما فعلت ذلك لأني رأيته ﷺ يفعله (قَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعيّ (كَانَ يُعْجِبُهُمْ) الضمير لأصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، ففي الرواية التالية: "فكان أصحاب عبد الله يُعجبهم .. إلخ" (هَذَا الْحَدِيثُ) أي حديث جرير ﵁ في "المسح"، وفي رواية النسائيّ: "يُعجبهم قول جرير" (لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ) أي في رمضان من السنة العاشرة، وكان نزولها في غزوة بني المصطلق سنة أربع، أو خمس من الهجرة.
وفي رواية النسائيّ: "وكان إسلام جرير قبل موت النبيّ ﷺ بيسير"، وعند الطبرانيّ من رواية محمد بن سيرين، عن جرير: "إن ذلك كان في حجة الوداع".
وفي رواية أبي داود: أن جريرًا بال، ثم توضّأ، فمسح على الخفين، وقال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة (٢).
وفي رواية الترمذيّ من رواية شهر بن حوشب، قال: رأيت جرير بن عبد الله توضّأ، ومسح على خفيه، فقلت له في ذلك؟ فقال: رأيت النبيّ ﷺ
стр. 3815
توضّأ، ومسح على خفّيه، فقلت له: أقبل المائدة، أم بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمتُ إلا بعد المائدة.
قال الترمذيّ ﵀: هذا حديث مفسّر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفّين تأوّل أن مسح النبيّ ﷺ على الخفّين قبل نزول المائدة، وذَكَر جرير في حديثه أنه رأى النبيّ ﷺ مسح على الخفّين بعد نزول المائدة. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "كان يعجبهم هذا الحديث .. إلخ": معناه: أن الله تعالى قال في سورة المائدة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [٦]، فلو كان إسلام جرير متقدمًا على نزول المائدة، لاحْتَمَلَ كون حديثه في مسح الخفّ منسوخًا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرًا علمنا أن حديثه يُعْمَل به، وهو مُبَيِّن أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخفّ، فتكون السنة مُخَصّصةً للآية.
قال: ورَوَينا في "سنن البيهقيّ" عن إبراهيم بن أدهم، قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير ﵁. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذُكِرَ في قصة جرير ﵁ هذه: أن الذين أنكروا على جرير ﵁ مسحه على خفّيه قالوا: إنما المسح عليهما كان قبل نزول المائدة التي ذُكر فيها الوضوء، وأرادوا بهذا القول أن المسح على الخفّين كان رُخصةً، ثم نُسخ بهذه الآية، فقال جرير ﵁ ردًّا عليهم: ما أسلمت إلا بعد نزول آية المائدة، وليس المراد جميع سورة المائدة؛ لأن منها ما تأخّر نزوله عن إسلامه، كآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [٣]، فإنها نزلت يوم عرفة في حجة الوداع، وإسلام جرير كان في رمضان سنة عشر من الهجرة، وأما آية الوضوء التي هي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فنزلت في غزوة بني المصطلق، وكانت سنة خمس، أو
стр. 3816
أربع من الهجرة، فلو كان إسلام جرير متقدّمًا على نزول آية المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخفّ منسوخًا بهذه الآية، فلما كان إسلامه متأخّرًا عَلِمْنَا أن حديثه غير منسوخ، بل يُعمَل به، وهو مبيّنٌ أن المراد بالآية غير صاحب الخفّ، فيكون حديثه مخضصًا للآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف ﵀ هنا في "الطهارة" (٢٢/ ٦٢٨ و ٦٢٩) (٢٧٢)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٨٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٥٤)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٩٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١١٨ و ٧٧٤) وفي "الكبرى" (١٢١ و ٨٥٠)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٤٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٧٥٦ و ٧٥٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٩٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٨ و ٣٦١ و ٣٦٣ و ٣٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٣٥ و ١٣٣٦ و ١٣٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٩٥ و ٦٩٦ و ٦٩٧ و ٦٩٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٢٤)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٤٢١ و ٢٤٢٢ و ٢٤٢٣ و ٢٤٢٤ و ٢٤٢٥ و ٢٤٢٦ و ٢٤٢٧ و ٢٤٢٨ و ٢٤٢٩ و ٢٤٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٧٠ و ٢٧٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ١٩٣)، و (الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (١١/ ١٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفيّن، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث: الحكمُ الجليلُ الذي فَرّق بين أهل السنة وأهل البدع، وهو المسح على الخفين، لا ينكره إلا مخذول، أو مبتدع، خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر، لا خلاف
стр. 3817
بينهم في ذلك بالحجاز، والعراق، والشام، وسائر البلدان، إلا قومًا ابتدعوا، فأنكروا المسح على الخفين. انتهى (١)، وسيأتي بيان المذاهب، وأدلتها في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن مسألة المسح على الخفّين صارت شعارًا لأهل السنّة، ولذلك تُذْكَرُ في كتب العقائد؛ لأن إنكارها ردّ للمتواتر، وعُدّ ترك القول به شعارًا لأهل البدع.
قال الخطّابيّ ﵀ في "معالمه" بعد أن ذكر ما تمسّك به أهل البدع في إنكار المسح من الأدلة الواهية ما نصّه:
والعجب من الروافض تركوا المسح على الخفّين مع تظاهر الأخبار فيه عن النبيّ ﷺ ، واستفاضة علمه على لسان الأمة، وتعلّقوا بمثل هذا التأويل من الكتاب، وبمثل هذه الرواية من الحديث، ثم اتّخذوه شعارًا، حتى إن الواحد منهم ربما تَأَلَّى، فقال: برئت من ولاية أمير المؤمنين، ومسحتُ على خفّي إن فعلتُ كذا.
قال: حدّثني إبراهيم بن فراس، حدّثنا أحمد بن عليّ المروزيّ، حدّثنا ابن أبي الجوّال، أن الحسن بن زيد مَقَتَ على كاتب له، فحبسه، وأخذ ماله، فكتّبَ إليه من الحبس:
أَشْكُو إِلَى اللهِ مَا لَقِيتُ … أَحْبَبْتُ قَوْمًا بِهِمْ بُلِيتُ
لَا أَشْتِمُ الصَّالِحِينَ جَهْرًا … وَلَا تَشَيَّعْتُ مَا بَقِيتُ
أَمْسَحُ خُفِّي بِبَطْنِ كَفِّي … وَلَوْ عَلَى جِيفَةٍ وَطِيتُ
قال: فدعا به من الحبس، وردّ عليه ماله، وأكرمه. انتهى (٢).
٣ - (ومنها): جواز البول بمشهد الناس، وإن كان الأولى الغيبة عنهم.
٤ - (ومنها): بيان كون البول من نواقض الوضوء.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص في الإنكار لما اعتقدوه باطلًا، وشدّة مناقشتهم في ذلك.
стр. 3818
٦ - (ومنها): فضل جرير بن عبد الله ﵁، حيث كان واسع الصدر، يتحمّل إنكار طلابه عليه، وإن كانوا مخطئين في ذلك.
٧ - (ومنها): بيان الردّ على من أنكر المسح على الخفّين، وادّعى بأنه منسوخ؛ لأن حديث جرير ﵁ متأخّر عن آية الوضوء.
٨ - (ومنها): بيان أنه يُطلَب ممن رأى شيئًا يخالف الشرع في ظنّه أن لا يسكت عليه، وإن كان الفاعل عالمًا فاضلًا، بل يبادر بالإنكار عليه، ويناقشه بالتي هي أحسن.
٩ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لمن أُنكر عليه شيء، وكان يعتقد صحّته أن لا يغضب لمن ينكر عليه، ويناقشه بحسب ظنّه، بل يبيّن له مستنده في ذلك بالتي هي أحسن، كما قال جرير ﵁: "وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله؟ ".
١٠ - (ومنها): بيان أن للمنكر أن يردّ دليل الْمُدَّعي، وأن المطلوب من المدّعي أن يمنع ما ردّ به دليله، حتى يَسلَم دليله من الطعن.
١١ - (ومنها): بيان جواز الاستدلال بالتاريخ عند الحاجة إليه، فقد استدلّ جرير ﵁ بتاريخ إسلامه على بقاء حكم المسح على الخفّين، وأنه لم يُنسَخ.
١٢ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "فمسح على خفّيه" على أن المشروع من المسح هو مسح أعلى الخفّ، وهو الصحيح؛ لأن لفظة "على" ظاهرة في ذلك، وفيه خلاف، سنحقّقه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
١٣ - (ومنها): أنه لا فرق في جواز المسح بين أن يكون لحاجة، أم لا، حتى يجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والزَّمِنِ الذي لا يمشي، ونقل النوويّ ﵀ في "شرحه" الإجماع عليه (١).
قال ابن الملقّن ﵀: وعند المالكيّة أنه يُشترط في جواز المسح على الخفّ أن يكون لبسه على الوجه المعتاد عند الناس في لباس الخفاف، فإن لبسه لا لغرض سوى الترخّص بالمسح، أو كانت امرأةً خَضَبَت بالحناء،
стр. 3819
فلبست للمسح، لئلا تغسل الحناء، وشبه ذلك، فالمشهور عندهم أن هؤلاء لا يمسحون، فإن فعلوا ففي الإعادة خلاف. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نُقل عن المالكيّة من اشتراطهم في جواز المسح أن يلبسه بالصفة المذكورة مما لا دليل عليه، فالحقّ أن المسح مشروع مطلقًا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المسح على الخفّين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين.
قال: وممن رَوَينا عنه من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين، وأَمَر بالمسح عليهما عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن العاص، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وسهل بن سعد، وقيس بن سعد، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وعمار بن ياسر، وأبو زيد الأنصاريّ، وجابر بن سَمُرة، وأبو مسعود الأنصاريّ، وحُذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، ﵃.
ورُوي ذلك عن مَعْقِل بن يسار، وخارجة بن حُذَافة، وعبد الله بن عمرو، وبلال ﵃. ورَوَينا عن الحسن - يعني البصريّ - أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه ﷺ مسح على الخفين (٢).
قال: وكان عطاء بن أبي رباح، فيمن تبعه من أهل المسح على الخفين،
стр. 3820
وبه قال الحسن، وأهل البصرة، وكذلك قال عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، ومن تبعهم من أهل المدينة، وبه قال الشعبيّ، ومن وافقه من أهل الكوفة، وكذلك قال مكحول، وأهل الشام، وبه قال مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأجمع كل مَن نَحْفَظ عنه من أهل العلم، وكلُّ مَن لَقِيتُ منهم على القول به.
قال: وقد رَوَينا عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل مَن رُوي عنه من أصحاب النبيّ ﷺ أنه كَرِهَ المسح على الخفين، فقد رُوِي عنه غيرُ ذلك.
قال ابن المنذر: وإنما أنكر المسح على الخفين مَن أنكر الرجم، وأباح أن تُنكَح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، وأباح للمطلقة ثلاثًا الرجوع إلى الزوج الأول إذا نكحها الثاني، ولم يدخل بها، وأسقط الجلد عمن قذف مُحْصَنًا من الرجال، وإذا ثبت الشيء بالسنة وجب الأخذ به، ولم يكن لأحد عذرٌ في تركه، ولا التخلف عنه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ملخّصًا (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في كتابه "التمهيد" (١١/ ١٣٤) ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل السنة، أهل الفقه والأثر، في جواز المسح على الخفين بالحجاز، والعراق، والشام، وسائر البلدان، وما خالف في ذلك إلا قومٌ ابتدعوا، فأنكروه، وقالوا: إنه خلاف القرآن، وعسى القرآن نسخه، ومعاذَ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله ، بل بَيَّنَ مراد الله منه كما أمره الله في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
والقائلون بالمسح جمهور الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا، وكيف يُتَوَهَّم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن، أعاذنا الله من الخذلان. رَوَى ابنُ عيينة، والثوريّ، وشعبة، وأبو معاوية، وغيرهم عن