← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

أبي بكر ﵁، فإنه كان في أول ركعة من صلاته، فلا يحصل بتقدّم النبيّ ﷺ على الناس اختلالٌ؛ أفاده النوويّ ﵀ (١)، ومسائل الحديث قد استوفيتها في الباب الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيه، أَنَّ النَّبِيَّ (٢) ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْن، وَمُقَدَّمِ رَأْسِه، وَعَلَى عِمَامَتِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣. ٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطفيل، ثقة، من كبار [٩] (ت ١٨٧)، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤١] (١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ) تقدّم أنه حمزة بن المغيرة بن شعبة، وتقدّم أن من قال فيه عروة بن المغيرة، فقد وَهِمَ، والحديث، وإن كان مرويًّا عن حمزة، وعروة كليهما، إلا رواية بكر بن عبد الله المزنيّ عن حمزة، لا عن أخيه عروة، فتنبّه.

стр. 3887

وقد تقدّم شرح الحديث، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ بَكْرٍ، عَنِ الْحَسَن، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير: ١ - (الْحَسَنِ) وهو: الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ فاضلٌ مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلّس، من كبار [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٦. [تنبيه]: هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون، رَوَى بعضهم عن بعض، وهم سليمان بن طَرْخان، وبكر بن عبد الله، والحسن البصريّ، وابن المغيرة، واسمه حمزة، كما بيّنته آنفًا، وهؤلاء التابعيون الأربعة بصريون إلا ابن المغيرة، فإنه كوفيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٢] ( … ) (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ الْحَسَن، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ (١) مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِه، وَعَلَى الْعِمَامَة، وَعَلَى الْخُفَّيْنِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديّ، أبو بكر بُندار البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.

стр. 3888

٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ المذكور في الباب الماضي. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٤ - (التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طَرْخَان أبو المعتمر المذكور في السند الماضي. وقوله: (قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ (١) مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول ببلادنا: "سمعت" بالتاء في آخره، وليس بعدها هاء، وقال القاضي هو عند جميع شيوخنا "سمعته" يعني بالهاء في آخره بعد التاء، قال: وكذا ذكره ابن أبي خيثمة، والدارقطنيّ، وغيرهما، قال: ووقع عند بعضهم، ولم أروه: "وقد سمعتُ" من ابن المغيرة، يعني بحذف الهاء، وقد تقدم سماعه الحديث منه، هذا كلام القاضي ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل معنى كلام بكر ﵀ هذا أنه سمع هذا الحديث عن الحسن البصريّ، عن ابن المغيرة بن شعبة، وسمعه أيضًا من ابن المغيرة دون واسطة الحسن، ثم إن قوله: "وقد سمعته" بالضمير أصرح في سماعه هذا الحديث، من قوله: "وقد سمعتُ" بدون الضمير؛ لاحتمال أن يكون المعنى أنه أراد مطلق السماع منه لهذا الحديث أو لغيره، فمعظم نسخ مسلم بدون هاء، وقد وقع في بعضها بالهاء، كما أشار إليه عياض، وبالهاء رواه النسائيّ في سننه. والحاصل أن الرواية وإن كانت بدون هاء إلا أنها تُحمل على الهاء؛ لأن حذف العائد المنصوب جائز في كلام العرب بكثرة؛ لكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة": ....................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ" وقال أيضًا: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ

стр. 3889

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٣] (٢٧٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ بِلَالٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَار، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، حَدَّثَنِي بِلَالٌ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة، أبو محمد الْكِنْديّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١. ٣ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) بن أُميّة بن عديّ بن عُبيد بن خالد بن عمرو بن عوف بن غَنْم بن سَوَاد بن مُرّيّ بن أراشة الْبَلَويّ، الأنصاري المدنيّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق، من بني سالم بن عوف، وقيل: من بني سالم بن بَلِيّ، حليف بني الخزرج. وقيل في نسبه غير ذلك. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب، وبلال. وروى عنه بنوه: إسحاق، والربيع، ومحمد، وعبد الملك، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وجابر، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو وائل، ومحمد بن سيرين، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وطارق بن شهاب، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو ثُمامة الحناط، وسعيد المقبري، وقيل: بينهما رجل، وإبراهيم، وليس بالنخعي، وعاصم العدوي، وموسى بن وَرْدان، وغيرهم. قال الواقديّ: كان استأخر إسلامه، ثم أسلم، وشهد المشاهد، وهو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم والفدية.

стр. 3890

وأخرج ابن سعد بسند جيّد عن ثابت بن عبيد أن يد كعب بن عجرة قُطعت في بعض المغازي، ثم سكن الكوفة. قال خليفة: مات سنة إحدى وخمسين. وقال الواقدي، وآخرون: مات سنة (٢)، قال بعضهم: وهو ابن خمس، وقيل: سبع وسبعين سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٤ - (بِلَال) بن رَبَاح الحبشي المؤذِّن، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، وقيل: غير ذلك في كنيته، وهو بلال ابن حَمَامَة، وهي أمه، اشتراه أبو بكر الصديق ﵁ من المشركين لَمّا كانوا يُعَذِّبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزِم النبي ﷺ ، وأَذّن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجرّاح، ثم خرج بلال ﵁ بعد النبي ﷺ مجاهدًا إلى أن مات بالشام، وقال البخاري: بلال بن رباح أخو خالد، وغُفْرة، مات بالشام زمن عمر ﵁، وقال أبو نعيم: كان تِرْبَ أبي بكر، وكان خازن رسول الله ﷺ ، ورَوَى أبو إسحاق الْجُوزَجَانيّ، في "تاريخه" من طريق منصور، عن مجاهد قال: قال عَمّار: كُلُّ قد قال ما أرادوا - يعني المشركين - غيرَ بلال. ومناقبه كثيرة مشهورة، وقال ابن إسحاق: كان لبعض بني جُمَح مُوَلَّد من مُوَلَّديهم، واسم أمه حَمَامة، قال البخاري: مات بالشام زمنَ عمر ﵁، وقال ابن بكير: مات بدمشق في طاعون عَمَوَاس سنة (١٧) أو (١٨)، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة عشرين، وهو ابن بضع وستّين سنة، وقال ابن زَبْر: مات بِدَارَيَّا، وحُمل على رقاب الرجال، فدُفن بباب كَيْسَان، وقيل: دُفن بباب الصغير، وفي "المعرفة" لابن منده أنه دُفِنَ بحلب ﵁، وأرضاه (١). أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (٤٤) حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديث، وله في هذا الكتاب حديثُ رقم (٢٧٥) و (١٣٢٩) وكرّره ستّ مرات، والله تعالى أعلم.

стр. 3891

والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"إسحاق": هو ابن راهويه. شرح الحديث: (عَنْ بِلَال) بن رباح ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الميم - ما تُخَمِّر به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، أفاده الفيّوميّ، وقال ابن الأثير في "النهاية": أراد به العمامة؛ لأن الرجل يُغطّي بها رأسه، كما أن المرأة تغطّيه بخمارها، وذلك إذا كان قد اعتمّ عِمّةَ العرب، فأدارها تحت الحنك، فلا يستطيع رفعها في كلّ وقت، فتصير كالخفّين، غير أنه يحتاج إلى مسح القليل من الرأس، ثم يمسح. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: إذا كان قد اعتمّ عِمّةَ العرب إلخ، فيه نظر لا يخفى، فأين الدليل على هذا الشرط؟ فتنبّه. وقوله أيضًا: "يحتاج إلى مسح القليل من الرأس" مما لا دليل عليه، بل هو مناف لما يقتضيه ظاهر النصّ، فتنبّه. والحاصل أن المسح على العمامة لا يُشترط فيه شيء مما ذُكر؛ إذ لا نصّ في ذلك، فتبصر، وقد استوفيت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فارجع إليه تستفد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بلال ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٦٤٣ و ٦٤٤] (٢٧٥)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٠١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٧٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٦١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢ و ١٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٠ و ١٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 3892

(المسألة الثالثة): قد تكلّم النقّاد في إسناد حديث بلال ﵁ الذي أخرجه مسلم ﵀ هنا فقد تكلّم فيه أبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطنيّ، وأبو الفضل بن عمّار. فأما أبو حاتم، وأبو زرعة، فقد قال ابن أبي حاتم في "علله": سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه سفيان الثوريّ، وشريك، عن الأعمش، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، عن النبيّ ﷺ في المسح على الخفين. قالا: ورواه أيضًا عيسى بن يونس، وأبو معاوية، وابن نُمير، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال، عن النبيّ ﷺ . ورواه زائدة، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، عن بلال، عن النبيّ ﷺ . قلت لهما: فأيّ هذا الصحيح؟، قال أبي: الصحيح من حديث الأعمش، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، بلا كعب. قلت لأبي: فمن غير حديث الأعمش؟ قال: الصحيح ما يقول شعبة، وأبان بن تَغْلِب، وزيد بن أبي أُنيسة أيضًا، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، بلا كعب، وقال أبي: الثوريّ وشعبة أحفظهم. قلت لأبي: فإن ليث بن أبي سُليم يحدِّث، فيضطرب، يحدث عنه يحيى بن يعلى، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال، عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر في المسح. ورواه معتمر، عن ليث، عن الحكم، وحبيب بن أبي ثابت، عن شُريح بن هانئ، عن بلال، عن النبيّ ﷺ . وقال أبو زرعة: ليث لا يُشتَغَل به، في حديثه مثلُ ذي كثير، هو مضطرب الحديث. قلت لأبي زرعة: أليس شعبة، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة يقولون: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، بلا كعب؟ قال أبو زرعة: الأعمش حافظ، وأبو معاوية وعيسى بن يونس، وابن نمير، وهؤلاء قد حَفِظُوا

стр. 3893

عنه، ومن غير حديث الأعمش الصحيحُ عن ابن أبي ليلى، عن بلال، بلا كعب، ورواه منصور، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وغير واحد، إنما قلت: من حديث الأعمش. انتهى كلام ابن أبي حاتم في "علله" (١). وأما الدارقطني فقد تكلّم فيه في "كتاب العلل"، وذكر الخلاف في طريقه، والخلاف عن الأعمش فيه، وأن بلالًا سَقَط منه عند بعض الرواة، واقتَصَر على كعب بن عجرة، وأن بعضهم عكسه، فأسقط كعبًا، واقتصر على بلال، وأن بعضهم زاد البراء بين بلال وابن أبي ليلى، وأكثر من رواه رووه كما هو في مسلم، وقد رواه بعضهم عن عليّ بن أبي طالب، عن بلال ﵄. انتهى. وأما الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد ﵀، فقال في "علله": هذا حديثٌ قد اختُلف فيه على الأعمش، فرواه أبو معاوية، وعيسى، وابن فُضيل، وعليّ بن مُسهر، وجماعة هكذا. ورواه زائدة بن قُدامة، وعمّار بن رُزيق عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، عن بلال، وزائدة ثبتٌ مُتقنٌ. ورواه سفيان الثوريّ (٢)، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، لم يذكر بينهما لا كعبًا، ولا البراء، وروايته أثبتُ الروايات. وقد رواه عن الحكم غير الأعمش أيضًا: شعبة (٣)، ومنصورُ بن المعتمر، وأبان بن تغلب (٤)، وزيد بن أبي أنيسة (٥)، وجماعة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، كما رواه الثوريّ، عن الأعمش، وحديث الثوريّ عندنا أصحّ من حديث غيره (٦)، وابن أبي ليلى لم يَلْقَ بلالًا.

стр. 3894

انتهى كلام الحافظ أبي الفضل ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن هؤلاء رجّحوا رواية الثوريّ، عن الأعمش بلا واسطة بين عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبين بلال ﵁؛ لأن الثوريّ أثبت ممن خالفه فيه، ولأن الأعمش تابعه جماعة، وهم: شعبة، ومنصورُ بن المعتمر، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، كما رواه الثوريّ، عن الأعمش، فأسقطوا الواسطة، فإذا ترجحت هذه الرواية فإن الإسناد يكون منقطعًا؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يَلْق بلالًا، كما أوضحه أبو الفضل، هذا هو خلاصة كلامهم. والذي يظهر أن الإمام مسلمًا لم يلتفت إلى هذه العلّة، فصحّح الحديث؛ لأن الأعمش حافظ إمام، وقد اتّفق أبو معاوية، وعيسى بن يونس في هذه الرواية، وعليّ بن مسهر في الرواية التالية، وعبد الله بن نمير في رواية النسائيّ، كلهم عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال ﵁، فيكون هذا من باب زيادة الثقة، وأيّد ذلك بأن في رواية عيسى تصريح الأعمش، وكعب بالتحديث، وهذا وجه صحيح، وقد سبق أن أبا زرعة قوّاه، فقد قال: الأعمش حافظٌ، وأبو معاوية، وعيسى بن يونس، وابن نمير، وهؤلاء قد حفظوا عنه، فدلّ على أنه يرى صحّة هذا الطريق. والحاصل أن مذهب المصنّف في تصحيح هذا الطريق، والحكم باتّصاله له وجه وجيه لمن تأمّله بالإنصاف، والله أعلم بالصواب. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، حَدَّثَنِي بِلَالٌ) فيه من دقائق علم الإسناد ما لا يخفى على بصير، ووجه ذلك أن الأعمش يروي عنه هنا اثنان: أبو معاوية، وعيسى بن يونس، فقال أبو معاوية في روايته: عن الأعمش، عن الحكم، وقال عيسى في روايته: عن الأعمش، قال: حدثني الحكم، فأتى بـ "حدّثني" بدل "عن"، ولا شك أن "حَدَّثنا" أقوى، لا سيّما من الأعمش الذي هو معروف بالتدليس.

стр. 3895

وقال أيضًا أبو معاوية في روايته: عن الأعمش، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، عن كعب بن عُجْرة، وقال عيسى في روايته: عن الأعمش، حدثني الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال: حدثني بلال، فأتى بـ "حدَّثني بلال" موضع "عن بلال"، أفاده النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٤] ( … ) (وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا عَلِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ - عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ الأصل، ثم الحَدَثانيّ، ويقال: الأنباريّ، أبو محمد، صدوقٌ، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر هذه ساقها الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، إلا أنه بلفظ: "أن النبيّ ﷺ … ". قال ﵀: (١٠١) حدثنا هناد، حدثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال: "أن النبيّ ﷺ مسح على الخفين والخمار". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 3896

(٢٤) - (بَابُ التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) [٦٤٥] (٢٧٦) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْن، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ (١) فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِر، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ"، قَالَ: وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا (٢) أَثْنَىَ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، إلا أنه عمي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ١١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (الثَّوْرِيُّ) هو: سفيان بن سعيد، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الثقة الثبت الحجة المشهور، رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ) هو: عمرو بن قيس الْمُلائيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٦]. روَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعكرمة، والمنهال بن عمرو، والحكم بن عتيبة، وعاصم بن أبي النَّجُود، وعون بن أبي جُحيفة، وعُمارة بن غَزِيّة، وجماعة. ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو أكبر منه، والثوريّ، وإسماعيل بن زكريا، وأبو خالد الأحمر، وأسباط بن محمد القرشيّ، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون، وقال العجليّ: ثقة، من كبار الكوفيين، متعبد، وكان الثوريّ يتبرك به، وكان يبيع الْمُلاء، وكان إذا كسد أهل السوق قال: إني لأرحم هؤلاء

стр. 3897

المساكين، لو أن أحدهم إذا كسدت الدنيا ذكر الله، تَمَنَّى يوم القيامة أنه كان أكبر أهل الدنيا كسادًا، وقال عبد الرزاق: كان الثوريّ إذا ذكره قال: حسبك به شيخًا، وعن عمرو بن قيس قال: ما سمعت شيئًا من الحديث إلا وأنا أحفظه، وما كتبت قط، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من ثقات أهل الكوفة، ومتقنيهم، وعباد أهل بلده وقرائهم، ثم رَوَى عن الثوريّ أنه قال لحماد بن سلمة: يا أبا سلمة أُشَبِّهك بشيخ صالح، قال: من هو؟ قال: عمرو بن قيس الملائيّ، ووثَّقه يعقوب بن سفيان، والترمذيّ، وابن خِرَاش، وابن نمير، وغيرهم، وفي "صحيح مسلم" عن عبد الرزاق: كان الثوريّ إذا ذكر عمرو بن قيس أثنى عليه، وقال ابن عديّ: كان من ثقات أهل العلم وأفاضلهم. قال أبو داود: مات بسجستان، وأرّخه بعضهم سنة (١٤٦). روى له البخاري في "الأدب المفرد" والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٧٦) و (٥٩٦). [تنبيه]: قوله: "الْمُلائيّ" - بضمّ الميم، وتخفيف اللام، وبالمدّ - كان يبيع الملاء، وهو نوع من الثياب، معروفٌ، الواحدة ملاءة بالمدّ (١). ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ) - بضمّ الميم، مصغّرًا - أبو عروة الْهَمْدانيّ الكوفيّ، نزيل الشام، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤. ٥ - (شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ) بن يزيد الحارثيّ الْمَذْحِجيّ، أبو الْمِقْدام الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم، قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٦. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو الحسن الخليفة الراشد ﵁، مات سنة (٤٠) وله (٦٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وإسحاق هو: ابن راهويه، والله تعالى أعلم.

стр. 3898

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ﵀. ٢ - (منها): أن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من الثوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوى بعضهم عن بعض: الحكم، عن القاسم، عن شُريح، وفي السند التالي يكون فيه أربعة تابعيين؛ لأن فيه الأعمش. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة؛ إذ هو ابن عمّ رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة ﵂، وهو أحد السابقين الأولين، بل هو أول من أسلم، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، ومات وهو يومئذ أفضل أهل الأرض من بني آدم بإجماع أهل السنّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ شُرَيْح) بصيغة التصغير (ابْنِ هَانِئٍ) الحارثيّ الكوفيّ أنه (قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (أَسْأَلُهَا) جملة في محل نصب على الحال، أي حال كوني سائلًا إياها (عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) أي عن حكمه، أو مدّته (فَقَالَتْ) مرشدةً إلى الأعلم بالحكم منها (عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ) أي عليًّا ﵁، و"عليك" اسم فعل بمعنى "الزم"، وفي الرواية التالية: "فقَالت: ائت عليًّا" (فَسَلْهُ) أمر من سال يسأل، كخاف يخاف، ويقال في المثنّى: سَلا، وفي المجموع: سَلُوا على غير قياس؛ لأن القياس أن يقال: سالا، وسالوا، كخافا، وخافوا، وفي نسخة: "فاسأله"، وهو أمر سأل يسأل، قال الفيّومي ﵀: والأمر من سأل اسأل، بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو "واسألوا"، و"سَلُوا". انتهى (١).

стр. 3899

(فَإنَّهُ) الفاء تعليليّة، أي لأن عليًّا ﵁ (كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي فيكون أعَلم بالحكم منّي؛ لملازمته سفرًا وحضرًا، ومن لازم شخصًا فيهما يكون أعلم بشؤونه كلها ممن لا يلازمه إلا في الحضر. [فإن قلت]: كانت عائشة ﵂ ممن لا يسافر معه، فكيف قالت: "كان يسافر معه"؟. [أجيب]: بأنها ما كانت تسافر معه مثل عليّ ﵁، بدليل قولها: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها، فأيّتُهُنّ خرج سهمها، خرج بها معه … الحديث، متّفقٌ عليه، ففيه دلالة على أنها ما كانت تسافر معه ﷺ إلا إذا خرجت قرعتها، مثل غزوة بني الْمُصْطَلِق، التي وقعت فيها قصّة الإفك المشهورة، والله تعالى أعلم. وفي الرواية التالية: "فإنه أعلم بذلك منّي". (فَسَأَلْنَاهُ) عطف على محذوف، أي أتيناه، فسألناه، وفي رواية النسائيّ: "فأتيت عليًّا، فسألته عن المسح" (فَقَالَ) عليّ ﵁ مجيبًا عن المسألة (جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن يمسح المقيم يومًا وليلةً، والمسافر ثلاثًا" (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ) بالنصب بالفتحة الظاهرة على الياء عطفًا على "ثلاثة" (لِلْمُسَافِرِ) متعلّق بـ "جَعَلَ"، أي حدّد مدّة مسحِ المسافر بثلاثة أيام ولياليهنّ، بحيث لا يجوز أن يتجاوزها وقوله: (وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ) معطوف على ما قبله عطف معمولين على معمولي عامل واحد؛ لأن "يومًا" عطف على "ثلاثة"، وهو ظرف لـ "جَعَل"، و"للمقيم" عطف على "للمسافر"، وهو متعلّق بـ "جَعَل" أيضًا، فالعامل واحد، وهذا جائز باتّفاق النحاة، كما هو موضّح في محلّه. (قَالَ) القائل عبد الرزّاق (وَكَانَ سُفْيَانُ) أي الثوريّ الراوي عن عمرو هنا (إِذَا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير سفيان، وقوله: (عَمْرًا) منصوب على المفعوليّة، وفي بعض النسخ: "إذا ذُكر عمرو" ببناء الفعل للمفعول، ورفع عمرو على أنه نائب فاعله (أَثْنَى عَلَيْهِ) أي مدحه، قال الفيّوميّ ﵀: أثنيتُ على زيد بالألف، والاسم: الثناء - بالفتح والمدّ -، يقال: أثنيتُ عليه خيرًا وبخير، وأثنيتُ عليه شرًّا، وبشرّ؛ لأنه بمعنى: وَصَفته، هكذا نَصَّ عليه

стр. 3900

جماعةٌ، منهم صاحب "المحكم"، وكذلك صاحب "البارع"، وعزاه إلى الخليل، واقتصر بعضهم على أنه لا يُستعمل إلا في الخير، والصواب الأول. انتهى كلام الفيّومي باختصار (١). والمعنى أن سفيان الثوريّ كان إذا ذَكَرَ شيخه عمرو بن قيس الملائيّ أثنى عليه بالخير، ومدحه، وكذلك أثنى عليه غيره من الحفّاظ، كما أسلفت كلامهم في ترجمته آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٤/ ٦٤٥ و ٦٤٦ و ٦٤٧] (٢٧٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٨٤)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٥٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٥)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٧٨٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٩٦ و ١٠٠ و ١١٣ و ١٢٠ و ١٣٣ و ١٤٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٢٢ و ١٣٣١)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧١٨ و ٧١٩ و ٧٢٠ و ٧٢١ و ٧٢٢ و ٧٢٣ و ٧٢٤)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٦٣٣ و ٦٣٤ و ٦٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٧٢ و ٢٧٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفّين، والردّ على من أنكر ذلك، وهم أهل الزيغ والضلال.

стр. 3901

٢ - (ومنها): بيان مدّة المسح على الخفّين بأنه يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر. ٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على مالك، حيث لم ير للمقيم مسحًا، ولم يقيّد للمسافر بمدّة. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على سؤال أهل العلم عن أحكام دينهم. ٥ - (ومنها): جواز استفتاء النساء مع وجود الرجال، إذا كنّ عالمات. ٦ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الورع في الفتوى، فإنهم لا يجترؤون، بل إذا وجدوا من هو أعلم منهم دلُّوا عليه السائل؛ نصيحةً له؛ عملًا بمقتضى قوله ﷺ : "الدين النصيحة". ٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه عليّ ﵁ من حفظ سنن رسول الله ﷺ التي تحتاج الأمة إليها. ٨ - (ومنها): ما كانت عليه عائشة ﵂ من الورع والدين، حيث اعترفت بفضل عليّ ﵁، ووفور علمه، وأرشدت السائل إلى الاستفادة منه ﵄، وعن جميع أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توقيت مدّة المسح: اختلفوا في المدة التي للمسافر والمقيم أن يمسح فيها على الخفين على مذاهب: (الأول): ذهبت طائفة إلى أنه يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن على خفيه، وللمقيم يوم وليلة، هكذا قال عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبو زيد الأنصاريّ، وشُريح، وعطاء بن أبي رَبَاح، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وهو آخر قولي الشافعيّ، وكان قوله الأول كقول مالك. (الثاني): ذهبت طائفة: إلى أنه يمسح على الخفين ما لم يخلعهما، ليس لذلك وقت، رُوي هذا عن الشعبيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن.

стр. 3902

وقد اختلفت الأخبار عن ابن عمر، والحسن البصريّ في هذا الباب، فرُوي عن كل واحد منهما قولان: أحدهما كالقول الأول، والقول الآخر كالقول الثاني، وكان مالك بن أنس لا يؤقت في المسح على الخفين وقتًا، لم يَخْتَلف قوله في ذلك، وإنما اختلفت الروايات عنه في المسح في الحضر، وقد أخبر ابنُ بكير مذهبه الأول والآخر، قال ابن بكير: كان مالك يقول بالمسح على الخفين إلى العام الذي قال فيه غير ذلك، قيل له: وما قال؟ قال: كان يقول: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فلم يبلغنا أن أحدًا منهم يمسح على الخفين بالمدينة. وحُكِي عن الليث بن سعد أنه كان يَرَى المسح، ويقول: يمسح المقيم والمسافر ما بدا له. قال ابن المنذر ﵀: وأكثر من بلغني عنه من أصحاب مالك يرون أن يمسح المقيم والمسافر كما يشاء. وسئل الأوزاعي عن غَازٍ صَلَّى في خفيه أكثر من خمس عشرة صلاةً لثلاث ليال وأيامهن لم ينزع خفيه؟ قال: مضت صلاته، وقد حُكي عن ربيعة أنه قال: لم أسمع في المسح على الخفين وقتًا. قال ابن المنذر ﵀: وقد احتج بعض من هذا مذهبه بحديث رُوِي عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: خرجت من الشام إلى المدينة، فخرجت يوم الجمعة، ودخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر بن الخطاب ﵁، فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: وهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السنة، ومنهم مَن رَوَى أنه قال: أصبت، ولم يقل السنة. وعن ابن عمر ﵄ قال: امسح على الخفين ما لم تخلعهما. (الثالث): قال سعيد بن جبير: المسح على الخفين من غدوة إلى الليل، وعن الشعبي أنه قال: لا أستتم خمس صلوات يمسح عليهما. قال ابن المنذر بعد ذكره هذه الأقوال: وبالقول الأول أقول؛ إذ ثابت عن رسول الله ﷺ أن أَذِن أن يمسح المقيم يومًا والمسافر ثلاثًا، ثم أخرج بسنده عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن أبي عبد الله الْجَدَليّ، عن خزيمة بن ثابت ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ المسح على الخفين ثلاثة أيام للمسافر،

стр. 3903

ويومًا للمقيم، ولو مَضَى السائل في مسألته لجعله خمسًا، وقد رَوَى هذا الحديث عن النبيّ ﷺ عليّ بن أبي طالب، وصفوان بن عَسّال، وأبو بكرة، وعوف بن مالك، وأبو هريرة، وغيرهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الجمهور من أن المسح موقّت للمقيم بيوم وليلة، وللمسافر بثلاثة أيام ولياليهنّ هو الحقّ؛ لثبوته بأحاديث صحيحة: [فمنها]: حديث عليّ ﵁ المذكور في الباب بلفظ: "جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم"، فإنه نصّ صريح في التوقيت. [ومنها]: حديث صفوان بن عسّال ﵁ قال: "رخّص لنا النبيّ ﷺ إذا كنّا مسافرين أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنّ"، وهو حديث صحيح أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه. [ومنها]: حديث أبي بكرة ﵁ أن النبيّ ﷺ سُئل عن المسح على الخفّين؟ فقال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ، وللمقيم يوم وليلةٌ"، وهو حديث حسن. [ومنها]: حديث خزيمة بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: "للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم"، وهو حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما. [ومنها]: حديث عوف بن مالك الأشجعيّ ﵁: "أن رسول الله ﷺ أمر في غزوة تبوك بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر، وللمقيم يوم وليلة"، قال الترمذيّ: قال البخاريّ: هذا الحديث حسنٌ، وغير ذلك من الأحاديث. والحاصل أن القول بتوقيت المسح هو المذهب الحقّ؛ لصحّة الأدلة عليه، وأما ما احتجّ به القائلون بعدم التوقيت، فأدلّة ضعيفة، لا تعارض أدلّة الجمهور، وقد استوفيت الكلام عليها في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 3904

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا (١) زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِيِ أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَم، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقةٌ جليلٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت ١ أو ٢١٢) (بخ م مد ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٨. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو) بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٨٠) إلا سنة (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجَزَريّ، أبو أُسامة، أصله من الكوفة، ثم سكن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩ أو ١٢٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦. و"إسحاق"، وهو ابن راهويه، و"الحكم"، وهو ابن عتيبة تقدّما في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني إسناد الحكم، عن القاسم بن مُخَيمِرة، عن شُريح بن هانئ، عن عليّ ﵁، مثل حديث قيس بن عمرو الملائيّ، عن الحكم بن عتيبة السابق. [تنبيه]: رواية زيد بن أبي أُنيسة هذه لم أجد من ساقها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:

стр. 3905

[٦٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنِ الْحَكَم، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْن، فَقَالَتِ: ائْتِ عَلِيًّا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ" (١). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. وأبو معاوية، والأعمش تقدّما في الباب الماضي، والباقون تقدّموا قبل حديث. وقوله: (بِمِثْلِهِ) وفي نسخة: "مثله"، أي مثل حديث قيس بن عمرو الملائيّ، عن الحكم بن عتيبة السابق. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش هذه ساقها الإمام ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٩٧)، فقال: (١٩٤) حدّثنا الحسن بن محمد الزعفرانيّ، ويوسف بن موسى، قالا: حدثنا أبو معاوية، نا الأعمش، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين؟ فقالت: ائْتِ عليًّا، فاسأله، فإنه أعلم بذلك مني، فأتى عليًّا، فسأله عن المسح على الخفين، فقال: "كان رسول الله ﷺ يأمر بذاك، يمسح المقيم يومًا وليلةً، والمسافر ثلاثًا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٥) - (بَابُ جَوَازِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٨] (٢٧٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا

стр. 3906

سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا، لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، قَالَ: "عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل بابين. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل بابين أيضًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) - بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة، بوزن جعفر، ومنهم من ضبطه بكسر المثلثة (١) - الْحَضْرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن سعد بن عبيدة، وزِرّ بن حُبيش، وطارق بن شهاب، والمستورد بن الأحنف، وسليمان بن بُريدة، وحفص بن عبيد الله بن أنس، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوري، ومسعر، والمسعودي، وإدريس بن يزيد الأودي، والحكم بن ظُهير وأبو سِنان سعيد بن سِنان الشيباني، وأبو سنان ضرار بن مرة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثَبْت في الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه

стр. 3907

يعقوب بن سفيان. وقال خليفة بن خياط: تُوفي في آخر ولاية خالد الْقَسْريّ على العراق. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المذكور في الباب الماضي. ٦ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان المذكور في الباب الماضي أيضًا. ٧ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصَيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، أخو عبد الله، وُلدا في بطن واحد، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وعمران بن حصين، وعائشة، ويحيى بن يَعْمُر. ورَوَى عنه علقمة بن مرثد، ومُحارب بن دِثَار، وعبد الله بن عطاء، والقاسم بن مُخَيمِرة، ومحمد بن جُحَادة، وغيلان بن جامع، وأبو سِنَان ضِرَار بن مُرّة، ومحمد بن عبد الرحمن، شيخ بَقِيّة، وغيرهم. قال أحمد، عن وكيع: يقولون: إن سليمان كان أصحّ حديثًا من أخيه، وأوثق، وقال ابن عيينة: وحديث سليمان بن بُريدة أحبّ إليهم من حديث عبد الله، وقال العجليّ: سليمان وعبد الله كانا تَوْأَمًا، تابعيين، ثقتين، وسليمان أكثرهما، وقال البخاريّ: لم يذكر سماعًا من أبيه، وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو بكر بن مَنجويه: مات سنة خمس ومائة، وكذا أرَّخه ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلِد هو وأخوه في بطن واحد على عهد عمر بن الخطاب، لثلاث خلون من خلافته، ومات سليمان بِفَنين، قريةٌ من قُرَى مَرْوَ، وكان على قضاء مَرْوَ فيما قيل، وقال مسلم في الطبقة الثانية من أهل البصرة: مات هو وأخوه في يوم واحد، ووُلِدا في يوم واحد، وقال ابن قانع: وُلد سنة (١٥) من الهجرة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٨ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصَيب، أبو عبد الله، وقيل: غير ذلك الأسلميّ الصحابيّ المشهور ﵁، مات سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣، والله تعالى أعلم.

стр. 3908

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان بالتحويل، يلتقيان في سفيان الثوريّ. ٢ - (ومنها): أن السند الأول مسلسل بالكوفيين إلى علقمة. ٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له" يعني أن لفظ الحديث الذي ساقه هنا لفظ شيخه محمد بن حاتم، وأما شيخه محمد بن عبد الله بن نمير، فرواه بمعناه. ٥ - (ومنها): وهي من أهمّ الفوائد الإسناديّة، أن المصنّف ﵀ قال في الطريق الأول: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدّثنا أبي، حدّثنا سفيان، عن علقمة بن مرثَد، وقال في الطريق الآخر: وحدّثني محمد بن حاتم، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني علقمة بن مَرْثَد .. إلخ. وإنما فَعَلَ ﵀ هذا، ولم يكتف بسوق الإسنادين مَسَاقًا واحدًا، بل كرّره بالتحويل؛ لفوائد: [الأولى]: أن سفيان ﵀ من المدلسين، وقال في الرواية الأولى: "عن علقمة"، والمدلس لا يُحْتَجّ بعنعنته بالاتفاق، إلا إن ثبت سماعه من طريق آخر، فذكر مسلم الطريق الثاني المصرِّح بسماع سفيان من علقمة، فقال: حَدَّثني علقمة. [والثانية]: أنه سمع من شيخه محمد بن عبد الله بن نُمير مع جماعة، ولذا قال: "حدّثنا"، وسمع من شيخه محمد بن حاتم وحده، ولذا قال: "وحدّثني"، فبيّن اختلاف كيفيّة تحمّله عن شيخيه بما ذكره. [والثالثة]: أن ابن نمير قال: "حدثنا سفيان"، ويحيى بن سعيد قال: "عن سفيان"، فلم يَستَجِز المصنّف ﵀ الرواية عن الاثنين بصيغة أحدهما، فإن "حدَّثنا" متفق على حمله على الاتصال، و"عن" مختلف فيه، كما تقدم بيانه في "شرح المقدمة" (١). ٦ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.

стр. 3909

شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ) ﵀ (عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصَيب ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ) زاد الترمذيّ في روايته: "كُلَّها"، وعند أبي داود: "خمس صلوات" (يَوْمَ الْفَتْحِ) أي يوم فتح مكة الذي حصل به أعظم فتوح الإسلام، وأعزّ الله تعالى به دينه، ورسوله ﷺ ، وجُندَه، وحَرَمه، واستَبْشَر به أهل السماء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة في شهر رمضان، كما هو معروف في التاريخ والسير (بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ) أي على خلاف عادته ﷺ ، فإنه كان يتوضّأ لكلّ صلاة، كما بُيّن في حديث أنس ﵁، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق سفيان الثوريّ، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك، قال: "كان النبيّ ﷺ يتوضأ عند كل صلاة"، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يُجزِئ أحدنا الوضوء ما لم يُحْدِث. (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ) منصوب على الظرفية (شَيْئًا) منصوب على أنه مفعول به، وَيحتَمِل أن يكون مفعولًا مطلقًا: أي صنعًا، وذلك الشيء هو تأديته ﷺ الصلوات الخمس بوضوء واحد (لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ) أي لم تكن تعتاده، وإلا فقد ثبت أنه كان يفعله قبل ذلك أحيانًا، وقد فعله بالصهباء أيام خيبر، فقد أخرج البخاريّ ﵀ من طريق بُشير بن يسار، عن سُوَيد بن النعمان ﵁؛ أنه خرج مع رسول الله ﷺ عامَ خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يُؤْتَ إلا بالسويق، فأَمَرَ به، فَثُرِّي، فأكل رسول الله ﷺ ، وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض، ومضمضنا، ثم صلى، ولم يتوضأ. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا كان قبل الفتح بلا شكّ، وكان عمر ﵁ في تلك الغزوة معهم، فلعلّه ﵁ لم يشهد الواقعة، أو نسيها، فأطلق النفي، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ﷺ (عَمْدًا) منصوب على التمييز، أو على الحال من الفاعل، فقُدّم اهتمامًا بشرعيّة المسألتين في الدين؛ ردًّا لزعم من لا يرى المسح على الخفّين (صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ) أي فعلتُ جمع الصلوات بوضوء واحد، متعمّدًا، لا ساهيًا؛ لبيان الجواز.

стр. 3910

قال السنديّ ﵀: لَمّا كان وقوع غير المعتاد يَحْتَمِلُ أن يكون عن سهو، دَفَعَ ذلك الاحتمال ليُعلَم أنه جائز له ولغيره. انتهى. وقال الطيبيّ ﵀: الضمير المنصوب في "صنعته" بمعنى اسم الإشارة، والمشار إليه المذكور من الصلوات الخمس بوضوء واحد، والمسح على الخفّين. انتهى (١). وقال القاري ﵀: الضمير راجع للمذكور، وهو جمع الصلوات الخمس بوضوء واحد، والمسح على الخفّين، قال: كذا ذكر الشرّاح، لكن رجوع الضمير إلى مجموع الأمرين يوهم أنه لم يكن يمسح على الخفّين قبل الفتح، وليس كذلك، فالوجه أن يكون الضمير راجعًا إلى الجمع فقط، أي جمع الصلوات بوضوء واحد. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "عمدًا فعلته": أي قصدًا؛ ليبيّن للناس أنه يجوز أن يُصلَّى بوضوء واحد صلوات، وهذا أمرٌ لا خلاف فيه، وعليه ما ذَهَب إليه بعض الناس أن الوضوء لكلّ صلاة كان فرضًا خاصًّا بالنبيّ ﷺ ، وأنه نُسخ ذلك بفعله هذا، قال القرطبيّ: ولا يصحّ أنه كان فرضًا على النبيّ ﷺ ، وإنما يفعله ابتغاءً لفضيلة التجديد، كما في حديث أنس ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يتوضّأ لكلّ صلاة، طاهرًا وغير طاهر" … الحديث، وهو حديث حسنٌ، رواه أبو داود. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بُرَيدة بن الْحُصَيب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٥/ ٦٤٨] (٢٧٧)، و (أبو داود)

стр. 3911

في "الطهارة" (١٧٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٦١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٦)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥١٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٥٠ و ٣٥١ و ٣٥٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٠٦ و ١٧٠٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٤٧ و ٦٤٨ و ٦٤٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦٣٦)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز المسح على الخفّ. ٢ - (ومنها): جواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يُحْدِث، وهذا جائز بإجماع مَن يُعْتَدّ به. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى. ٣ - (ومنها): أن في قول عمر ﵁: "لم تكن تصنعه" بيان صريحٌ بأن النبيّ ﷺ كان يواظب على الوضوء لكلّ صلاة؛ عملًا بالأفضل، وأنه صَلَّى الصلوات في ذلك اليوم بوضوء واحد؛ بيانًا للجواز، كما قال ﷺ : "عَمْدًا صنعته يا عمر". ٤ - (ومنها): جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة؛ لأنها قد تكون عن نسيان، فيرجع عنها، وقد تكون تَعَمُّدًا لمعنى خَفِيَ على المفضول فيستفيده. ٥ - (ومنها): أن فيه مشروعيّةَ إجابة السائل عما سأله. ٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن من يقدر أن يُصلّي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا تكره صلاته، إلا أن يدفعه الأخبثان: البول والغائط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الوضوء لكلّ صلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر النيسابوري ﵀: أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة في كتابه، فقال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ

стр. 3912

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وقال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣]، ودلَّت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ على وجوب فرض الطهارة للصلاة، واتَّفَقَ علماء الأمة أن الصلاة لا تجزي إلا بها، إذا وجد السبيل إليها. قال: وظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، فدَلّ قيام رسول الله ﷺ إلى الصلاة، وصلواتٍ بوضوء واحد على أن فرض الطهارة على من قام إلى الصلاة محدثًا دون من قام إليها طاهرًا. قال: وصلى رسول الله ﷺ بعرفة الظهر والعصر بوضوء واحد، وكذلك فَعَل بالمزدلفة، جَمَع بين المغرب والعشاء بوضوء واحد، ولم تزل الأئمة تفعل ذلك بعده، وقد قام إلى العصر وإلى العشاء ولم يذكر أحد أنه أحدث لذلك طهارةً، والأخبار في هذا المعنى تكثر، فدل كلُّ ما ذكرناه على أن المأمور بالطهارة من قام إلى الصلاة محدثًا دون من قام إليها طاهرًا، وقد أجمع أهل العلم على أن لمن تطهّر للصلاة أن يصلي ما شاء بطهارته من الصلوات إلا أن يُحدِث حدثًا ينقض طهارته، وكان زيد بن أسلم يقول: نزلت الآية - يعني قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ يعني إذا قمتم من المضاجع؛ يعني النوم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: وحَكَى أبو جعفر الطحاويّ، وأبو الحسن بن بطال في "شرح صحيح البخاري" عن طائفة من العلماء أنهم قالوا: يجب الوضوء لكل صلاة، وإن كان متطهرًا، واحتجّوا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وما أظنّ هذا المذهب يصحّ عن أحد، ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة.

стр. 3913

ودليلُ الجمهور الأحاديث الصحيحة: منها: هذا الحديث، وحديث أنس ﵁ في "صحيح البخاريّ": "كان رسول الله ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يُحْدِث"، وحديث سُويد بن النعمان ﵁ في "صحيح البخاريّ" أيضًا: "أن رسول الله ﷺ صَلَّى العصر، ثم أكل سويقًا، ثم صلى المغرب ولم يتوضأ"، وفي معناه أحاديث كثيرة، كحديث الجمع بين الوقوف بعرفة والمزدلفة، وسائر الأسفار، والجمع بين الصلوات الفائتات يوم الخندق، وغير ذلك. وأما الآية الكريمة فالمراد بها - والله أعلم - إذا قمتم محدثين، وقيل: إنها منسوخة بفعل النبيّ ﷺ ، وهذا القول ضعيف. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أنه لا يجب الوضوء إلا على من أحدث، وأنه يجوز الجمع بين الصلوات بوضوء واحد، وهذا إجماع، وما نقل عن بعضهم لا يصحّ، أو يُحمل على أنهم أرادوا التجديد على سبيل الاستحباب، لا الوجوب، وإلا فهم محجوجون بهذه الأدلّة الصحيحة الصريحة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: ويستحب تجديد الوضوء، وهو أن يكون على طهارة، ثم يتطهر ثانيًا من غير حدث، وفي شرط استحباب التجديد أوجه: [أحدها]: أنه يستحب لمن صلى به صلاةً، سواء كانت فريضةً أو نافلةً. [والثاني]: لا يستحب إلا لمن صلى فريضة. [والثالث]: يستحب لمن فَعَل به ما لا يجوز إلا بطهارة، كمسّ المصحف، وسجود التلاوة. [والرابع]: يستحب، وإن لم يفعل به شيئًا أصلًا، بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء زمن يقع بمثله تفريق، ولا يستحب تجديد الغسل على المذهب الصحيح المشهور، وحَكَى إمامُ الحرمين وجهًا أنه يستحبّ، وفي

стр. 3914

استحباب تجديد التيمم وجهان: أشهرهما لا يستحب. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي استحباب تجديد الوضوء، وإن لم يفعل به شيئًا أصلًا؛ لأن الوضوء عبادة مستقلّة بنفسها؛ لحديث عبد الله الصُّنابحيّ: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى - المسجد، وصلاته نافلةً له"، أخرجه مالك، وأحمد، والنسائيّ، وابن ماجه (١). فقد أخبر ﷺ بأن ذنوبه كلها تكفّر بالوضوء، وتكون الصلاة به زيادة في الدرجات، ففيه أن الوضوء عبادة مستقلّة تُقصد وحدها، وإن لم تؤدَّ بها صلاة، أو نحوها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: قد وردت أحاديث في الترغيب في المحافظة على الوضوء، وتجديده: (فمنها): ما أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارميّ، بإسناد صحيح، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا، ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٢). (ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 3915

قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، أو مع كل وضوء سواكٌ (١)، ولأخّرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل" (٢). (ومنها): ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي بريدة، يقول: أصبح رسول الله ﷺ ، فدعا بلالًا، فقال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خَشْخَشتك (٣) أمامي، إني دخلت البارحة الجنة، فسمعت خشخشتك، فأتيتُ على قصر من ذهب، مرتفع مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربيّ، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين، من أمة محمد ﷺ ، قلت: فأنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب"، فقال رسول الله ﷺ : "لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر"، فقال: يا رسول الله، ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: "بم سبقتني إلى الجنة؟ " قال: ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "بهذا" (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: أما حديث: "الوضوء على الوضوء نور على نور"، فقال الحافظ المنذريّ ﵀: لا يحضرني له أصل من حديث النبيّ ﷺ ، ولعله من كلام بعض السلف. انتهى (٥). وقال الحافظ العراقيّ ﵀: لم أجد له أصلًا. انتهى. وقال السبكيّ: لم أجد له إسنادًا. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: حديث ضعيفٌ، رواه رزين في "مسنده" (٦). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 3916

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بَابُ النَّهْي عَنْ غَمْسِ الْمُسْتَيْقِظِ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٩] (٢٧٨) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، قَالَا: حَدَّثنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّل، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدَكُمْ مِنْ نَوْمِه، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاء، حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، امتنع عن القضاء [١٠] (ت ٢٥٠)، أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٢ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عُبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمَان، نَزَل نيسابور، وقيل: إن حفصًا جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، وأبي عوانة، وعبد الواحد بن زياد، وحماد بن زيد، وبشر بن المفَضَّل، ومعتمر، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وجَعَلَ حفصًا جدَّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وإبراهيم بن أبي طالب، والحسين بن محمد الْقَبَّانيّ، وغيرهم. قال ابن حبان: ثنا أحمد بن محمد بن عمر بن بِسطام، ثنا أحمد بن سَيّار، ثنا حامد بن عمر البكراويّ، قاضي كِرْمان، رأيته بنيسابور، وهو عندي ثقة. انتهى.

стр. 3917

وقال البخاريّ: مات أول سنة (٢٣٣)، وكذا قال ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. ٣ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق، الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٤ - (خَالِد) بن مِهْرَان الْحذّاء، أبو الْمُنَازِل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، يرسلُ [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الاتّصال. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى حامد، فتفرّد به هو والبخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد، عن عبد الله بن شقيق. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ)، أي انتبه، وليست السين والتاء للطلب، فالاستيقاظ بمعنى التيقّظ، وهو لازم، و"إذا" شرطيّةٌ، وجوابها قوله: "فلا يغمس".

стр. 3918

قال السنديّ ﵀: الظاهر أن المقصود: إذا شكّ أحدكم في يديه مطلقًا، سواء كان لأجل الاستيقاظ من النوم، أو لأمر آخر، إلا أنه فَرَضَ الكلامَ في جزئيٍّ واقع بينهم على كثرة؛ ليكون بيان الحكم فيه بيانًا في الكلّيّ بدلالة العقل، ففيه إحالةٌ للأحكام إلى الاستنباط، ونَوْطُهُ بالعلل، فقالوا في بيان سبب الحديث: إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة، وبلادهم حارّة، فإذا نام أحدهم عَرِقَ، فلا يَأْمَنُ حالةَ النوم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، فنهاهم عن إدخال يده في الماء. انتهى كلام السنديّ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "الموضع النجس" فيه نظر لا يخفى، كيف يكون نجسًا وقد استنجى بالحجارة؟ والشرع أمر بالاستنجاء بها، وجعل ذلك مطهّرًا للموضع، ولا عبرة بما يبقى بعد الاستنجاء بشرطه، كما سبق في موضعه، فلا وجه لادّعاء نجاسة الموضع بعد أن حكم الشرع بطهارته، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) النوم: غَشْيَةٌ ثقيلةٌ تَهْجُمُ على القلب، فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو آفةٌ؛ لأن النوم أخو الموت، وقيل: النوم مُزيل للقوّة والعقل، وأما السِّنَةُ ففي الرأس، والنعاس في العين، وقيل: السِّنَةُ ريح النوم، تبدو في الوجه، ثم تنبعث إلى القلب، فيَنْعس الإنسان، فينام، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢). وقال في "الفتح": قوله: "من نومه" أخد بعمومه الشافعيّ، والجمهور، فاستحبوه عقب كل نوم، وخصَّه أحمد بنوم الليل؛ لقوله في آخر الحديث: "باتت يده"؛ لأن حقيقة المبيت أن يكون في، الليل، وفي رواية لأبي داود، ساق مسلم إسنادها: "إذا قام أحدكم من الليل"، وكذا للترمذيّ من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة في روايةٍ، ساق مسلم إسنادها أيضًا: "إذا قام أحدكم إلى الوَضُوء حين يصبح"، لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خَصَّ نوم الليل بالذكر؛ للغلبة، قال الرافعيّ في "شرح المسند": يمكن

стр. 3919

أن يقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدّ منها لمن نام نهارًا؛ لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب؛ لطوله عادةً. انتهى (١). (فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ) بتخفيف الميم، من باب ضرب، هذا هو المشهور، ويَحتَمِلُ أن يكون بتشديد الميم، من باب التفعيل (٢). ثم إن التعبير بالغمس أبين في المراد من رواية: "فلا يُدخِلْ"؛ لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع، فاغترف منه بإناء صغير، من غير أن تلامس يده الماء، قاله في "الفتح". (فِي الْإِنَاءِ) وفي الرواية الآتية: "في إنائه"، وفي رواية البخاريّ: "في وَضوئه"، بفتح الواو، أي الإناء الذي أُعِدّ للوُضوء، ولابن خزيمة: "في إنائه، أو وَضوئه" على الشك، والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوُضوء، ويُلْحَق به إناء الغسل؛ لأنه وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياسًا، لكن في الاستحباب من غير كراهة؛ لعدم ورود النهي فيها عن ذلك، والله تعالى أعلم. وخرج بذكر الإناء الْبِرَك، والْحِياض التي لا تَفْسُد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها، فلا يتناولها النهي، قاله في "الفتح" (٣). (حَتَّى يَغْسِلَهَا)، أي يده (ثَلَاثًا)، وفي الرواية الآتية: "فليُفرغ على يده ثلاث مرّات"، (فَإِنَّهُ)، وفي رواية البخاريّ: "فإن أحدكم"، قال البيضاويّ: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمالُ النجاسة؛ لأن الشارع إذا ذَكَر حكمًا، وعَقَّبه وصفًا مصدَّرًا بَالفاء، أو بـ "إنّ"، أو بهما كان ذلك إيماءً إلى أن ثبوت الحكم لأجله، ومثال "إنّ" قوله ﷺ : "إنها من الطوّافين عليكم والطوّافات" بعد قوله: "إنها ليست بنجسة" (٤)، ومثال الفاء قوله ﷺ : "من مات، ولم يحجّ، فليمت … " الحديث (٥)، ومثال الجمع قوله ﷺ في

стр. 3920

المحرم: "فإنه يُبعث يلبّي"، بعد قوله: "لا تقربوه طيبًا" (١)، فَنَبَّهَ على أن علة النهي كونه محرمًا، وقوله ﷺ : "فإنه لا يدري أين باتت يده"، فإنه يدلّ على أن الباعث على الأمر بالغسل احتمال النجاسة. انتهى (٢). (لَا يَدْرِي) فيه أن علة النهي احتمالُ هل لاقت يده ما يُؤثِّر في الماء أو لا؟ ومقتضاه إلحاق مَن شَكّ في ذلك، ولو كان مستيقظًا، ومفهومه أن مَن دَرَى أين باتت يده، كمَن لَفَّ عليها خرقةً مثلًا، فاستيقظ، وهي على حالها أن لا كراهة، وإن كان غسلها مستحبًّا على المختار، كما في المستيقظ، ومَن قال بأن الأمر في ذلك للتعبد كمالك، لا يُفَرِّق بين شاكّ ومتيقن. (أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ")، أي من جسده، قال الشافعيّ ﵀: كانوا يستجمرون، وبلادهم حارّة، فربما عَرِقَ أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحلّ، أو على بثرة، أو دم حيوان، أو قذر غير ذلك. وتعقّبه أبو الوليد الباجيّ بأن ذلك يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم؛ لجواز ذلك عليه. وأجيب بأنه محمول على ما إذا كان العَرَق في اليد دون المحل، أو أن المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء حتى بؤمر بغسله، بخلاف اليد، فإنه يحتاج إلى غمسها، وهذا أقوى الجوابين، والدليل على أنه لا اختصاص لذلك بمحلّ الاستجمار ما رواه ابن خزيمة وغيره، من طريق محمد بن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن خالد الحذّاء، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، في هذا الحديث، قال في آخره: "أين باتت يده منه"، وأصله في مسلم، دون قوله: "منه"، قال الدارقطنيّ: تفرد بها شعبة، وقال البيهقيّ: تفرد بها محمد بن الوليد.

стр. 3921

قال الحافظ: إن أراد عن محمد بن جعفر، فمسلَّمٌ، وإن أراد مطلقًا فلا، فقد قال الدارقطنيّ: تابعه عبد الصمد، عن شعبة، أخرجه ابن منده من طريقه. انتهى (١). وقال التوربشتيّ ﵀: هذا في حقّ من بات مستنجيًا بالأحجار معروريًا، ومن بات على خلاف ذلك ففي أمره سعة، ويُستحبّ له أيضًا غسلها؛ لأن السنّة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى. وقال الباجيّ ﵀: الأظهر في سبب الحديث أن النائم لا يكاد يسلم من حكّ جسده، وموضع بثرة في بدنه، ومسّ رُفْغه وإبطه، وغير ذلك من مغابن جسده، ومواضع عَرَقه، فاستُحبّ له غسل اليد تنظُّفًا وتنزُّهًا، قال: وتعليقه بنوم الليل لا يدلّ على الاختصاص؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرّز من مسّ رُفغه وإبطه، وفَتْل ما يخرج من أنفه، وقتل برغوث، وحكّ موضع عَرَق، فإذا كان المعنى الذي شُرع له غسل اليد موجودًا في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه بأن الشرع علّقه على النائم. انتهى مختصرًا ملخّصًا. قال صاحب "المرعاة" بعد ما تقدّم: وعلى هذا يكون الحكم عامًّا لكلّ متوضئ، ولا يختصّ بالنائم، وأما على ما قال الشافعيّ وغيره في سبب الحديث، فيكون استحباب الغسل للمتوضئ المستيقظ من النوم خاصّةً، وأما من يريد الوضوء من غير نوم، فيُستحبّ له؛ لثبوته من فعله ﷺ ، كما سبق في صفة وضوئه ﷺ . ثم إن النهي عن الغمس قبل الغسل للتنزيه، والأمر في رواية "فليغسل" للندب عند الجمهور، فلو خالف، وغَمَس قبل الغسل فقد أساء، ولا يَفسُد الماء، والقرينة الصارفة التقييدُ بالثلاث في غير النجاسة العينيّة، فإنه يدلّ على ندبيّة الغسل، ولأنه عُلِّل بأمر يقتضي الشكّ في نجاسة اليد، والوجوب لا ينبني على الشكّ، وحمله أحمد على كراهة التحريم، وقال بوجوب الغسل في نوم الليل، ولا يبعُد من الشارع الإيجاب لرفع الشكّ، ومن قال: إن الأمر بالغسل

стр. 3922

للتعبّد كمالك لا يفرّق بين الشاكّ والمتيقّن، قال: والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور. انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ من وجوب الغسل، وكون النهي للتحريم هو الأرجح؛ لظاهر النصّ، وسيأتي تحقيق البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٦/ ٦٤٩ و ٦٥٠ و ٦٥١ و ٦٥٢ و ٦٥٣] (٢٧٨)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٠٣ و ١٠٤ و ١٠٥)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٢٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٦ - ٧ و ٩٩)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٩٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢١)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤١ و ٢٥٣ و ٢٧١ و ٢٦٥ و ٢٨٤ و ٣١٦ و ٣٩٥ و ٤٥٥ و ٤٧١ و ٥٠٠ و ٥٠٧)، و (الدارمي) في "سننه" (١/ ١٩٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٩ و ١٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٦١ و ١٠٦٤ و ١٠٦٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٤٩ و ٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"، (١/ ٤٥ و ٤٦)، وفي "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٢٦ و ٧٢٧ و ٧٢٨ و ٧٢٩ و ٧٣٠ و ٧٣١ و ٧٣٢ و ٧٣٣ و ٧٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٣٩ و ٦٤٠ و ٦٤١ و ٦٤٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٨)، والله تعالى أعلم.

стр. 3923

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن غمس من استيقظ يده في الإناء قبل غسلها ثلاثًا. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء، وهو ظاهر. ٣ - (ومنها): أن النجاسة تؤثِّر في الماء، قال في "الفتح": وهو صحيح، لكن كونها تؤثر التنجيس، وإن لم يتغير فيه نظرٌ؛ لأن مطلق التأثير لا يدلّ على خصوص التأثير بالتنجيس، فيحتمل أن تكون الكراهة بالمتيقَّن أشدَّ من الكراهة بالمظنون، قاله ابن دقيق العيد، ومراده أنه ليست فيه دلالةٌ قطعيةٌ على من يقول: إن الماء لا ينجس إلا بالتغيير. انتهى. ٤ - (ومنها): أن فيه الأخذَ بالوثيقة، والعملَ بالاحتياط في العبادة، ما لم يخرج عن حدّ الاحتياط إلى حدّ الوسوسة. ٥ - (ومنها): استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يُتَحاشَى من التصريح به، فإنه ﷺ قال: "لا يَدرِي أين باتت يده"، ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة، أو نحو ذلك، وإن كان هذا معنى قوله ﷺ ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة، وهذا إذا عُلِم أن السامع يَفهَم بالكناية المقصودَ، فإن لم يكن كذلك، فلا بُدَّ من التصريح؛ لينفي اللبس، والوقوعَ في خلاف المطلوب، وعلى هذا يُحْمَل ما جاء من ذلك مصرَّحًا به، والله تعالى أعلم، قاله النووي ﵀ (١). ٦ - (ومنها): استحباب غسل النجاسة ثلاثًا؛ لأنه أَمَرَنا بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها أولى. ٧ - (ومنها): أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة، مع بقاء أثر النجاسة عليه، قاله الخطابيّ.

стр. 3924

٨ - (ومنها): ما قيل: إن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار، بل يبقى نجسًا معفوًّا عنه في حقّ الصلاة، قاله النوويّ (١). قال الجامع عفا الله عنه: تقييده بالصلاة فيه نظر؛ لأن الشارع حينما شرع الاستنجاء بالأحجار شرعه مطهّرًا، وإن بقي الأثر، سواء كان في الصلاة، أم في غيرها، وأما الأمر بالغسل للمستيقظ، فلا يستلزم النجاسة، فتفطّن، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): إيجاب الوضوء من النوم، قاله ابن عبد البر، وفي استنباطه من الحديث خفاء. ١٠ - (ومنها): تقويةُ مَن يقول بالوضوء مِن مس الذكر، حكاه أبو عوانة في "صحيحه"، عن ابن عيينة، وفيه نظرٌ، كسابقه. ١١ - (ومنها): أن القليل من الماء لا يصير مستعملًا بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء، قاله الخفّاف، صاحب "الخصال" من الشافعية. ١٢ - (ومنها): أن النجاسة المتوهّمة تُغسل ثلاثًا استحبابًا. ١٣ - (ومنها): أن النجاسة المتوهَّمة يستحبّ فيها الغسل، ولا يؤثّر فيها الرشّ، فإنه ﷺ قال: "حتى يغسلها"، ولم يقل: حتى يغسلها، أو يرشّها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إدخال المستيقظ يده في الإناء قبل غسلها: قال الإمام ابن المنذر ﵀: ثابت عن رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضُوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت". وقد اختَلَف أهل العلم في الماء الذي يَغمِس فيه المرء يده قبل أن يغسلها، إذا انتبه من النوم، فقالت طائفة: يهريق ذلك الماء، هكذا قال الحسن البصريّ، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إليّ أن يهريق ذلك الماء، إذا كان من منام الليل، لا من منام النهار؛ لأن نوم النهار لا يقال من منامه.

стр. 3925

وقال آخرون: الماء طاهرٌ، والوضوء به جائز، هذا قول عطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي عبيد، وقال الأوزاعيّ في رجل بات، وعليه سراويل: لا بأس أن يُدخِل يده في وضوئه قبل غسلها. واختلفوا في المستيقظ من نوم النهار يدخل يده في وضوئه قبل غسلها، فقالت طائفة: نوم النهار ونوم الليل واحد، لا يُدخل يده في كل واحدة من الحالتين حتى يغسلها، هكذا قال إسحاق ابن راهويه، ورُوي عن الحسن أنه قال: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد، وسَهَّل أحمد بن حنبل في ذلك، إذا انتبه من نوم النهار، ونهى عن ذلك إذا قام من النوم بالليل؛ لأن المبيت إنما هو بالليل. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). وقال الحافظ العراقيّ ﵀: اختَلَف العلماء في قوله: "فلا يَغْمِس يده إلخ" هل هو للتحريم، أو للتنزيه؟، وكذا في الرواية التي فيها: "فليغسل يده"، هل هو للندب، أو الوجوب؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك للتنزيه والندب، لا للتحريم والوجوب، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأهل الكوفة، وغيرهم. وذهب الحسن البصريّ، وأهل الظاهر إلى أن ذلك على الوجوب والتحريم؛ لظاهر الأمر والنهي، وقالوا: يُهراق الماء. وحَكَى الخطّابيّ عن داود، ومحمد بن جرير وجوب ذلك، وأنهما رأيا أن الماء ينجس به إذا لم تكن اليد مغسولةً. وحكى الرافعيّ عن أحمد أنه يوجب غسلهما عند الاستيقاظ من نوم الليل دون النهار على ما تقدّم عنه من التفرقة. ثم اخْتَلَف أصحاب داود الظاهريّ عنه، فقال أكثرهم: إنه إن فعله كان عاصيًا، ولا يفسد الماء بذلك، وقال بعض أصحابه عنه: لا يجوز الوضوء به. قال: والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وقال أبو الوليد الباجيّ: لأنه قد
следующие страницы →