← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

قال الحافظ: إن أراد عن محمد بن جعفر، فمسلَّمٌ، وإن أراد مطلقًا فلا، فقد قال الدارقطنيّ: تابعه عبد الصمد، عن شعبة، أخرجه ابن منده من طريقه. انتهى (١). وقال التوربشتيّ ﵀: هذا في حقّ من بات مستنجيًا بالأحجار معروريًا، ومن بات على خلاف ذلك ففي أمره سعة، ويُستحبّ له أيضًا غسلها؛ لأن السنّة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى. وقال الباجيّ ﵀: الأظهر في سبب الحديث أن النائم لا يكاد يسلم من حكّ جسده، وموضع بثرة في بدنه، ومسّ رُفْغه وإبطه، وغير ذلك من مغابن جسده، ومواضع عَرَقه، فاستُحبّ له غسل اليد تنظُّفًا وتنزُّهًا، قال: وتعليقه بنوم الليل لا يدلّ على الاختصاص؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرّز من مسّ رُفغه وإبطه، وفَتْل ما يخرج من أنفه، وقتل برغوث، وحكّ موضع عَرَق، فإذا كان المعنى الذي شُرع له غسل اليد موجودًا في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه بأن الشرع علّقه على النائم. انتهى مختصرًا ملخّصًا. قال صاحب "المرعاة" بعد ما تقدّم: وعلى هذا يكون الحكم عامًّا لكلّ متوضئ، ولا يختصّ بالنائم، وأما على ما قال الشافعيّ وغيره في سبب الحديث، فيكون استحباب الغسل للمتوضئ المستيقظ من النوم خاصّةً، وأما من يريد الوضوء من غير نوم، فيُستحبّ له؛ لثبوته من فعله ﷺ ، كما سبق في صفة وضوئه ﷺ . ثم إن النهي عن الغمس قبل الغسل للتنزيه، والأمر في رواية "فليغسل" للندب عند الجمهور، فلو خالف، وغَمَس قبل الغسل فقد أساء، ولا يَفسُد الماء، والقرينة الصارفة التقييدُ بالثلاث في غير النجاسة العينيّة، فإنه يدلّ على ندبيّة الغسل، ولأنه عُلِّل بأمر يقتضي الشكّ في نجاسة اليد، والوجوب لا ينبني على الشكّ، وحمله أحمد على كراهة التحريم، وقال بوجوب الغسل في نوم الليل، ولا يبعُد من الشارع الإيجاب لرفع الشكّ، ومن قال: إن الأمر بالغسل

стр. 3922

للتعبّد كمالك لا يفرّق بين الشاكّ والمتيقّن، قال: والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور. انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ من وجوب الغسل، وكون النهي للتحريم هو الأرجح؛ لظاهر النصّ، وسيأتي تحقيق البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٦/ ٦٤٩ و ٦٥٠ و ٦٥١ و ٦٥٢ و ٦٥٣] (٢٧٨)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٠٣ و ١٠٤ و ١٠٥)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٢٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٦ - ٧ و ٩٩)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٩٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢١)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤١ و ٢٥٣ و ٢٧١ و ٢٦٥ و ٢٨٤ و ٣١٦ و ٣٩٥ و ٤٥٥ و ٤٧١ و ٥٠٠ و ٥٠٧)، و (الدارمي) في "سننه" (١/ ١٩٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٩ و ١٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٦١ و ١٠٦٤ و ١٠٦٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٤٩ و ٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"، (١/ ٤٥ و ٤٦)، وفي "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٢٦ و ٧٢٧ و ٧٢٨ و ٧٢٩ و ٧٣٠ و ٧٣١ و ٧٣٢ و ٧٣٣ و ٧٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٣٩ و ٦٤٠ و ٦٤١ و ٦٤٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٨)، والله تعالى أعلم.

стр. 3923

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن غمس من استيقظ يده في الإناء قبل غسلها ثلاثًا. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء، وهو ظاهر. ٣ - (ومنها): أن النجاسة تؤثِّر في الماء، قال في "الفتح": وهو صحيح، لكن كونها تؤثر التنجيس، وإن لم يتغير فيه نظرٌ؛ لأن مطلق التأثير لا يدلّ على خصوص التأثير بالتنجيس، فيحتمل أن تكون الكراهة بالمتيقَّن أشدَّ من الكراهة بالمظنون، قاله ابن دقيق العيد، ومراده أنه ليست فيه دلالةٌ قطعيةٌ على من يقول: إن الماء لا ينجس إلا بالتغيير. انتهى. ٤ - (ومنها): أن فيه الأخذَ بالوثيقة، والعملَ بالاحتياط في العبادة، ما لم يخرج عن حدّ الاحتياط إلى حدّ الوسوسة. ٥ - (ومنها): استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يُتَحاشَى من التصريح به، فإنه ﷺ قال: "لا يَدرِي أين باتت يده"، ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة، أو نحو ذلك، وإن كان هذا معنى قوله ﷺ ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة، وهذا إذا عُلِم أن السامع يَفهَم بالكناية المقصودَ، فإن لم يكن كذلك، فلا بُدَّ من التصريح؛ لينفي اللبس، والوقوعَ في خلاف المطلوب، وعلى هذا يُحْمَل ما جاء من ذلك مصرَّحًا به، والله تعالى أعلم، قاله النووي ﵀ (١). ٦ - (ومنها): استحباب غسل النجاسة ثلاثًا؛ لأنه أَمَرَنا بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها أولى. ٧ - (ومنها): أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة، مع بقاء أثر النجاسة عليه، قاله الخطابيّ.

стр. 3924

٨ - (ومنها): ما قيل: إن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار، بل يبقى نجسًا معفوًّا عنه في حقّ الصلاة، قاله النوويّ (١). قال الجامع عفا الله عنه: تقييده بالصلاة فيه نظر؛ لأن الشارع حينما شرع الاستنجاء بالأحجار شرعه مطهّرًا، وإن بقي الأثر، سواء كان في الصلاة، أم في غيرها، وأما الأمر بالغسل للمستيقظ، فلا يستلزم النجاسة، فتفطّن، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): إيجاب الوضوء من النوم، قاله ابن عبد البر، وفي استنباطه من الحديث خفاء. ١٠ - (ومنها): تقويةُ مَن يقول بالوضوء مِن مس الذكر، حكاه أبو عوانة في "صحيحه"، عن ابن عيينة، وفيه نظرٌ، كسابقه. ١١ - (ومنها): أن القليل من الماء لا يصير مستعملًا بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء، قاله الخفّاف، صاحب "الخصال" من الشافعية. ١٢ - (ومنها): أن النجاسة المتوهّمة تُغسل ثلاثًا استحبابًا. ١٣ - (ومنها): أن النجاسة المتوهَّمة يستحبّ فيها الغسل، ولا يؤثّر فيها الرشّ، فإنه ﷺ قال: "حتى يغسلها"، ولم يقل: حتى يغسلها، أو يرشّها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إدخال المستيقظ يده في الإناء قبل غسلها: قال الإمام ابن المنذر ﵀: ثابت عن رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضُوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت". وقد اختَلَف أهل العلم في الماء الذي يَغمِس فيه المرء يده قبل أن يغسلها، إذا انتبه من النوم، فقالت طائفة: يهريق ذلك الماء، هكذا قال الحسن البصريّ، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إليّ أن يهريق ذلك الماء، إذا كان من منام الليل، لا من منام النهار؛ لأن نوم النهار لا يقال من منامه.

стр. 3925

وقال آخرون: الماء طاهرٌ، والوضوء به جائز، هذا قول عطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي عبيد، وقال الأوزاعيّ في رجل بات، وعليه سراويل: لا بأس أن يُدخِل يده في وضوئه قبل غسلها. واختلفوا في المستيقظ من نوم النهار يدخل يده في وضوئه قبل غسلها، فقالت طائفة: نوم النهار ونوم الليل واحد، لا يُدخل يده في كل واحدة من الحالتين حتى يغسلها، هكذا قال إسحاق ابن راهويه، ورُوي عن الحسن أنه قال: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد، وسَهَّل أحمد بن حنبل في ذلك، إذا انتبه من نوم النهار، ونهى عن ذلك إذا قام من النوم بالليل؛ لأن المبيت إنما هو بالليل. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). وقال الحافظ العراقيّ ﵀: اختَلَف العلماء في قوله: "فلا يَغْمِس يده إلخ" هل هو للتحريم، أو للتنزيه؟، وكذا في الرواية التي فيها: "فليغسل يده"، هل هو للندب، أو الوجوب؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك للتنزيه والندب، لا للتحريم والوجوب، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأهل الكوفة، وغيرهم. وذهب الحسن البصريّ، وأهل الظاهر إلى أن ذلك على الوجوب والتحريم؛ لظاهر الأمر والنهي، وقالوا: يُهراق الماء. وحَكَى الخطّابيّ عن داود، ومحمد بن جرير وجوب ذلك، وأنهما رأيا أن الماء ينجس به إذا لم تكن اليد مغسولةً. وحكى الرافعيّ عن أحمد أنه يوجب غسلهما عند الاستيقاظ من نوم الليل دون النهار على ما تقدّم عنه من التفرقة. ثم اخْتَلَف أصحاب داود الظاهريّ عنه، فقال أكثرهم: إنه إن فعله كان عاصيًا، ولا يفسد الماء بذلك، وقال بعض أصحابه عنه: لا يجوز الوضوء به. قال: والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وقال أبو الوليد الباجيّ: لأنه قد

стр. 3926

اقترن بالأمر ما دلّ على الندب؛ لأنه علَّل بالشكّ، ولو شكّ هل مسّت يده نجاسة؟ لما وجب عليه غسل يده. انتهى كلام العراقيّ ﵀ بتصرّف (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من استحباب غسل اليد بعد الاستيقاظ من النوم، وليس ذلك على الوجوب، والذي صرف الأمر بالغسل عن الوجوب ما صحّ عن النبيّ ﷺ أنه توضّأ بعد الاستيقاظ من دون أن يغسل يديه، كما هو في "الصحيحين"، وغيرهما من حديث ابن عبّاس ﵄، حيث إنه ﷺ توضّأ من شنّ معلَّق بعد قيامه من النوم، ولم يرو عنه أنه غسل يديه، فدلّ على أن هذا الأمر للاستحباب، لا للوجوب. ولا يقال: إنه من خصوصيّات النبيّ ﷺ ؛ لأنه صحّ عنه أنه غسل يديه قبل إدخالهما الإناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد النوم يكون من بابِ أولى، ويكون تركه لبيان الجواز، فتبصّر. وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" على هذا الحديث عشرين مسألةً مهمةً، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: قَالَ: يَرْفَعُهُ، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور قبل بابين.

стр. 3927

٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧، وهو أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير المذكور قبل باب. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان المذكور قبل باب أيضًا. ٦ - (أَبُو رَزِينٍ) هو: مسعود بن مالك الأسديّ، أسدُ خزيمة، مولى أبي وائل الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢]. رَوَى عن معاذ بن جبل، وابن مسعود، وعمرو بن أم كلثوم، وعليّ بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعريّ، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم بن أبي النَّجُود، وعطاء بن السائب، والأعمش، ومنصور، وموسى بن أبي عائشة، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة، عن أبي رزين، فقال: اسمه مسعود، كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شَهِدَ صِفِّين مع عليّ، وقال يحيى: كان أكبر من أبي وائل، وكان عالِمًا فَهِمًا، وقال أبو بكر بن عياش، عن عاصم: قال لي أبو وائل: ألا تَعْجَب من أبي رَزِين قد هَرِمَ، وإنما كان غلامًا على عَهْد عمر، وأنا رجل، وقع ذكره في البخاريّ في "الحيض" من "صحيحه"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر عبد العزيز بن صهيب، عن أبي صفية، أن ابن زياد قَتَل أبا رزين، وقال أبو بكر بن أبي داود: أبو رزين الأسديّ، وقال: اسمه عُبيد، ضُرِبَتْ عنقه بالبصرة، رَوَى عن عليّ، ويقال: إنه مولاه، وأبو رزين آخر، أسديّ رَوَى عن سعيد بن جبير، اسمه مسعود بن مالك. وأما الحاكم أبو أحمد في "الكنى"، فجعلهما واحدًا، اسمه مسعود بن مالك، وذلك وَهَمٌ، بالغ الْبَرْقَانيّ فيما حكاه الخطيب عنه في الردّ على من

стр. 3928

زعم أنهما واحدٌ، وسببُ الاشتباه مع اتفاقهما (١) في الاسم واسم الأب، والنسبة إلى القبيلة والبلدان، والأعمش رَوَى عن كلٍّ منهما. فتلَخَّصَ أن أبا رزين مختلف في اسمه، والأصح أنه مسعود بن مالك، ومختلف في ولائه أيضًا، وأما الراوي عن سعيد بن جبير فهو أصغر منه بكثير، لكنه شاركه في الأصح في اسمه، والله تعالى أعلم. قال الحافظ: ولكن الذي ظهر لي أن أبا رزين الأسديّ المسمى بِعُبَيد هو المقتول زمن عُبيد الله بن زياد بعد سنة ستين أو قبلها، وأن أبا رزين المسمى بمسعود بن مالك آخرُ تأخر إلى حدود التسعين من الهجرة، والله تعالى أعلم. وقد أَرَّخَ ابن قانع وفاته سنة خمس وثمانين، وقال خليفة: مات بعد الجماجم، وحَكَى ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن شعبة أنه كان يُنكر سماع أبي رزين من ابن مسعود، وكذا أنكر ابن القطان سماعه من ابن أم مكتوم، وقال العجليّ: مسعود أبو رزين الأسديّ كوفيّ ثقة. قال الحافظ: وقرأت بخط مغلطاي: قولُ المزيّ: "وقال يحيى: كان عالِمًا فَهِمًا" تصحيفٌ، والصواب ما ذَكَرَ البخاريّ في "تاريخه"، فإنه قال: قال يحيى القطان: حدثنا أبو بكر السرّاج، قال: كان أبو رزين أكبر من أبي وائل، قال يحيى: وكان عالِمًا بهما، يعني بالباء الموحدة المكسورة والهاء والميم على التثنية، والْمُخْبَر عنه بذلك أبو بكر السرَّاج، لا أبو رزين، بخلاف ما يُفهِمه كلام المزيّ. انتهى (٢). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٢٧٨) و (٢٧٩) و (١٥٧٥) و (٢٠٩٨). ٧ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.

стр. 3929

وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لوكيع، وأبي معاوية، يعني أنه رَوَى كلّ منهما عن الأعمش. وقوله: (فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: قَالَ: يَرْفَعُهُ) قال النوويّ ﵀: هذا الذي فَعَله مسلم ﵀ من احتياطه، ودقيق نظره، وغزير علمه، وثبوت فهمه، فإن أبا معاوية ووكيعًا اختَلَفَت روايتهما، فقال أحدهما: "قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ "، وقال الآخر: "عن أبي هريرة، يرفعه"، وهذا بمعنى ذلك عند أهل العلم كما قدمناه في الفصول، ولكن أراد مسلم ﵀ أن لا يروي بالمعنى، فإن الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء، وجائزة عند الأكثرين، إلا أن الأولى اجتنابها، والله أعلم. انتهى (١). وقوله (بِمِثْلِهِ) يعني أن حديث أبي رزين وأبي عن أبي هريرة ﵁ بمثل حديث عبد الله بن شقيق عنه. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي رَزِين، وأبي صالح التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية عبد الله بن شقيق، ساقها الإمام أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال: (١٠٣) حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رَزِين، وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الليل، فلا يَغْمِس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يَدري أين باتت يده". انتهى. ورواية وكيع ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٩٧١٠) حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، وأبي رزين، عن أبي هريرة، رفعه - كذا قال الأعمش - قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يَدري أين باتت يده". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 3930

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عِمْران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، الإمام الحافظ الحجة الثبت، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عُبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشيّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحافظ الحجة الفقيه، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٧ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن المسيِّب بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. و"زهير"، و"عبد الرزاق" تقدّما قبل باب، والباقيان في السند الماضي. وقوله: (قَالُوا) الضمير لشيوخه الثلاثة.

стр. 3931

وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الضمير لأبي سلمة، وابن المسيّب. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن حديث أبي سلمة، وابن المسيّب كلاهما عن أبي هريرة بمثل حديث عبد الله بن شقيق، عنه. [تنبيه]: رواية الزهريّ، عن أبي سلمة التي أحالها المصنّف هنا ساقها الإمام النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال: (١) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبيّ ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في وَضُوئه حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده". ورواية ابن المسيّب ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٧٥٤٦) حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم فلا يُدخل يده في إنائه - أو قال - في وَضوئه حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ أولَ الكتاب قال: [٦٥٢] ( .... ) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيَ هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إِنَائِه، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِيمَ بَاتَتْ يَدُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] (ت سنة بضع و ٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، أبو عليّ الحرّانيّ، نُسِب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٣ - (مَعْقِلٌ) - بفتح الميم، وكسر القاف - هو ابن عُبيد الله الْعَبْسيّ

стр. 3932

مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين بالمدينة، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف ﵀ رواية أبي الزبير، عن جابر، وهو مدلّس، وقد عنعن، وليست من رواية الليث عنه؟. [قلت]: قد صرّح بالإخبار عند الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، حيث قال: (٨٩٨٥) حدثنا موسى بن داود، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: أخبرني جابر، أن أبا هريرة أخبره، أن النبيّ ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليُفْرِغ على يديه ثلاث مرات، قبل أن يُدخلهما في الإناء، فإنه لا يدري فيم باتت يده". انتهى. وابن لهيعة متكلَّم فيه، لكنه لا بأس به في المتابعات، وأيضًا لحديثه شواهد من غير رواية جابر عن أبي هريرة، كما بيّن ذلك المصنّف في هذا الباب من عدّة طرق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي الْحِزَامِيَّ - عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح)، وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 3933

بَكْرٍ (ح)، وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيعًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيث، كُلُّهُمْ يَقُولُ: "حَتَّى يَغْسِلَهَا"، وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: "ثَلَاثًا" إِلَّا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّب، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِمْ ذكْرَ الثَّلَاثِ). هذَه الأسانيد في الحقيقة خمسة أسانيد، ساقها المصنّف ﵀ مساقًا واحدًا بالتحويل، وبعض رجالها تقدّموا قريبًا، ولنذكر من لم يتقدّم قريبًا، فنقول: رجال الإسناد الأول: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المُغيرة - بضم الميم على المشهور، ويقال: بكسرها - ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام - بمهملة، وزاي - ابن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ القرشيّ الأسديّ الْحِزَاميّ المدنيّ، لقبه قُصَيّ، وقيل: إنه من ولد حكيم بن حِزَام، ثقةٌ، له غرائب [٧]. رَوَى عن أبي الزناد، وموسى بن عقبة، وسالم أبي النضر، وربيعة، وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وهشام بن عروة، والضحاك بن عثمان الحزاميّ، وجماعة. ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وأبو عامر الْعَقَديّ، وابن مهديّ، وابن وهب، ومحمد بن المبارك الصوريّ، ويحيى بن يحيى، ويحيى بن بكير، والقعنبيّ، وخالد بن مخلد، وسعيد بن أبي مريم، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وآخرون. قال الْجُوزَجانيّ، عن أحمد: ما بحديثه بأس، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وقال الآجريّ، عن أبي داود: رجل صالح، كان ينزل عسقلان، وقال في موضع آخر: سألت أبا داود، عن المغيرة بن عبد الرحمن

стр. 3934

الْحِزَاميّ من ولد حكيم بن حزام، فقال: لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال أبو زرعة: هو أحب إليّ من ابن أبي الزناد، وشعيب - يعني في حديث أبي الزناد. وقال الخطيب: كان علّامةً بالنسب، يُسَمَّى قُصَيًّا، وقال ابن عديّ: ينفرد بأحاديث، وأورد منها جملةً، ثم قال: عامتها مستقيمةٌ، وأورد له عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا في القضاء باليمين والشاهد، وقد رواه ابنُ عجلان، وغير واحد، عن أبي الزناد، عن ابن أبي صَفِيّة، عن شُرَيح قولَهُ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. والإسناد الثاني: فيه خمسة أيضًا: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ)، تقدّم أول هذا الباب. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧. ٣ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ القردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٤ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبتٌ، عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨. والإسناد الثالث: فيه ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في هذا الباب. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيْثَم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.

стр. 3935

٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوق ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع و ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهني الحرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. والإسناد الرابع: فيه خمسة: ١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عقبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. والباقون تقدّموا في هذا الباب. والإسناد الخامس: فيه تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المذكور في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال الْحُلْوَانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس وُيرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٥ - (زِيَاد) بن سعد بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، أبو عبد الرحمن، سكن مكة، ثم تحول إلى اليمن، وكان شريك ابن جريج، ثقة، ثبتٌ [٦]. رَوَى عن ثابت بن عياض الأحنف، وأبي الزناد، وعبد الله بن الفضل، والزهريّ، وابن عجلان، وأبي الزبير المكيّ، وحميد الطويل، وهلال بن أسامة، وغيرهم. ورَوَى عنه مالك، وابن جريج، وابن عيينة، وأبو معاوية، وزَمْعَة بن صالح، وعِدَّة.

стр. 3936

قال ابن عيينة: كان عالِمًا بحديث الزهريّ، وقال أيضًا: كان أثبت أصحاب الزهريّ، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائيّ: ثقة ثبتٌ، وقال مالك: حدثنا زياد بن سعد، وكان ثقةً، من أهل خراسان، سكن مكة، وقدم علينا المدينة، وله هيئةٌ وصلاحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وقال الخليليّ: ثقةٌ، يُحتَجّ به، وقال ابن المدينيّ: كان من أهل التثبت والعلم، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٦ - (ثَابِتٌ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) هو: ثابت بن عياض الأحنف الأعرج العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٨. وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) ضمير التثنية يعود إلى محمد بن بكر، وعبد الرزاق. وقوله: (فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيعًا) الضمير يعود إلى الرواة الخمسة: الأعرج، ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن والد العلاء، وهمّام بن منبّه، وثابت مولى عبد الرحمن. وقوله: (كُلُّهُمْ يَقُولُ إلخ) يعني أن كلًّا من هؤلاء الخمسة يقول في روايته: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها"، وليس في رواية أحد منهم زيادة لفظة "ثلاثًا"، هكذا قال المصنّف ﵀، لكن رواية العلاء فيها ذكر الزيادة، كما سيأتي من رواية أبي عوانة في "مسنده"، ويَحْتَمِل أن يكون المصنّف ﵀ وقعت له رواية ليست فيها هذه الزيادة، وهذا الأرجح؛ لأنه إمام ذو اطلاع واسع، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أخرجها الإمام مالك ﵀ في "الموطّأ"، رواية يحيى بن يحيى، فقال: (٣٣) حدثني يحيى، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يُدخلها في وَضوئه، فإن أحدكم لا يَدري أين باتت يده". وأما رواية محمد بن سيرين، عنه، فأخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:

стр. 3937

(١٠١٨٤) حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يَغْمِس يده في طَهُوره حتى يُفرِغ عليها، فيغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده". وقال الإمام أحمد أيضًا: (٨٧٧٦) حدثنا هَوْذة، حدثنا عَوْف، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فأراد الطُّهُور، فلا يَضعَنَّ يده في الإناء حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده". وأما رواية همّام بن منبّه، فأخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٢٢٢)، فقال: (٧٣٣) حدثنا السلميّ (١)، والدَّبَريّ (٢)، قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم، فلا يَضَع يده في الوَضُوء، حتى يغسلها، إنه لا يَدري أحدكم أين باتت يده". وأما رواية ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، فأخرجها أيضًا أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٢٢٢)، فقال: (٧٣٤) حدثنا الدَّبَريّ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد، أن ثابتًا مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم نائمًا، ثم استيقظ، فأراد الوُضُوء، فلا يَضَع يده في الإناء حتى يَصُبَّ على يده". انتهى. وأما رواية العلاء، عن أبيه، فقد أخرجها أيضًا أبو عوانة ﵀ في "مسنده"، فقال:

стр. 3938

(٧٣٥) حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا إبراهيم بن حمزة، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الوُضُوء حين يُصبِح، أو لعله قال: من نومه، أو كلمة نحوها، فليُفرِغ على يديه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده". انتهى. وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: "ثَلَاثًا") ظاهر هذا أن رواية العلاء، عن أبيه أيضًا لم تقع فيها هذه الزيادة، لكن قد عرفت آنفًا من رواية أبي عوانة أنها وقعت فيها، وقد أسلفت آنفًا بأنه يُحمل على أن المصنّف ﵀ لم تقع له هذه الرواية التي فيها الزيادة، فليُتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ حُكْمِ وُلُوغِ الْكَلْبِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٤] (٢٧٩) - (وَحَدَّثَنِي (١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرَقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ" (٢). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وأبو رَزِين مسعود بن مالك الأسديّ، وأبو صالح ذكوان السمّان.

стр. 3939

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي رَزِين، فما أخرج له البخاريّ إلا في "الأدب المفرد". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فمروزيّ، والصحابى، وأبي صالح، فمدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين: الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ)، أي شرب بطرف لسانه، وقال الفيّوميّ ﵀: وَلَغَ الكلب يَلَغُ وَلْغًا، من باب نَفَعَ، ووُلُوغًا: شَرِب، وسقوط الواو كما في يَقَعُ، ووَلَغَ يَلِغُ، من بابي وَعَدَ وَوَرِثَ لغةٌ، وَيوْلَغُ، مثلُ يَوْجَلُ لغةٌ أيضًا، ويُعدَّى بالهمزة، فيقال: أولغته: إذا سقيته. انتهى (١). وقال ابن دقيق العيد ﵀ (٢): يقال: وَلَغَ الكلب في الإناء يَلَغُ - بفتح اللام في الماضي والمستقبل جميعًا - وُلُوغًا: إذا شَرِب بطرف لسانه، ويُولَغ: إذا أولغه صاحبه، قال الشاعر: مَا مَرَّ يَوْمٌ إِلَّا وَعِنْدَهُمَا … لَحْمُ رِجَالٍ أَوْ يُولَغَانِ دَمَا وحكى أبو زيد: وَلَغَ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا، ويقال: ليس في شيء من الطيور ما يَلَغ غير الذباب.

стр. 3940

وقال ابن العربيّ ﵀: الولوغ للسباع والكلاب، كالشرب لبني آدم، وقد يُستعمل في الشرب للسباع، ولا يُستعمل الولوغ في الآدميّ، قال: وقال أبو عبيد: الوُلُوغ بضمّ الواو إذا شرب، فإن كثر ذلك، فهو بفتح الواو. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": قال أهل اللغة: يقال: وَلَغَ الكلب يَلَغُ بفتح اللام فيهما، وحَكَى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب، عن ابن الأعرابيّ أن من العرب من يقول: وَلِغَ بكسرها، والمصدر منها وَلَغًا، ووُلُوغًا، ويقال: أولغه صاحبه، قال: الوُلُوغ في الكلب والسباع كلّها أن يُدخِل لسانه في المائع، فيُحرّكه، ولا يقال: وَلَغَ بشيء من جوارحه غير اللسان، ولا يكون الوُلُوغ لشيء من الطير إلا الذباب، ويقال: لَحَسَ الكلب الإناءَ، وقَفَنَهُ، ولَجَنَهُ، ولَجَدَهُ بالجيم فيهما كلّه بمعنىً، إذا كان فارغًا، فإن كان فيه شيء قيل: وَلَغَ، وقال صاحب "المطالع": الشرب أعمّ من الولوغ، فكلُّ وُلُوغ شُرْب، ولا عكسَ. انتهى (٢). [تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله: "إذا وَلَغَ الكلب" يَحْتَمِل وجهين: (أحدهما): أن يكون فيه حذفٌ، على أن يكون المراد: إذا ولغ في الشيء الذي في الإناء. (والثاني): أن لا يكون فيه حذفٌ؛ لأنه إذا ولغ فيما في الإناء، فقد ولغ في الإناء، وكان الإناء ظرفًا لولوغه. وأما الرواية التي فيها: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليُرقه"، فإن أُضمر عند قوله: "في" على أن يُقدَّر في شراب إناء أحدكم، أو في مظروف إناء أحدكم، استُغْنِي عن الإضمار في قوله: "فليُرقه"، وإن لم يُضمر أوّلًا، فلا بدّ من الإضمار آخرًا، وليكن التقدير: فليُرق شرابه، أو مظروفه، أو ما ولغ فيه، أو أشباه ذلك، ويُرَجَّح الثاني بأنّا إذا أضمرنا فليُرق شرابه، أو ما يقارب ذلك، كان الضمير للإناء، وقوله: "ثم ليغسله" الضمير فيه للإناء، فتتّحِد

стр. 3941

الضمائر، ولا تختلف، وإذا أضمرنا إذا ولغ في شراب إناء أحدكم، كان الضمير في قوله: "فليرقه" للشراب، والضمير في "ثم ليغسله" للإناء، فتختلف الضمائر مع المجاورة في اللفظ، وغيره أولى منه. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (١). (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) ظاهره العموم في الآنية، ومفهومه يُخرِج الماء المستَنقَعَ مثلًا، وبه قال الأوزاعيّ مطلقًا، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس يَجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير، والإضافة التي في "إناء أحدكم" يُلْغَى اعتبارُها هنا؛ لأن الطهارة لا تتوقف على ملكه، وكذا قوله: "فليغسله" لا يتوقف على أن يكون هو الغاسل، قاله في "الفتح" (٢). وقال الحافظ العراقيّ ﵀: استُدلّ بقوله: "في إناء أحدكم" على أنه إنما يُغسل من ولوغ الكلب إذا كان ولوغه في إناء، أما إذا ولغ في ماء مُستَنقع، فإنه لا يُغسل منه، ولا يُنجّسه، وإن كان الماء قليلًا، حكاه الطحاويّ عن الأوزاعيّ، وهو قول شاذّ، فإن ذلك لم يَخرُج مخرج القيد، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لكون الغالب وضع مياههم وأطعماتهم في الآنية. انتهى (٣). وكذا قوله: (فَلْيُرِقْهُ) أي فليَصبّه (ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ) لا يُشترط أن يكون المريق، والغاسل صاحب الإناء (سَبْعَ مِرَارٍ") وفي نسخة: "سبع مرّات"، قال أبو البقاء ﵀: أصله مرّات سبعًا على الصفة، فلمّا قُدّمت الصفة، وأضيفت إلى المصدر نُصِبت نصب المصدر. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 3942

أخرجه (المصنّف ﵀ هنا [٢٧/ ٦٥٤ و ٦٥٥ و ٦٥٦ و ٦٥٧ و ٦٥٨] (٢٧٩)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٧٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٧١ و ٧٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٩١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٥٣ و ١٧٦)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٦٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٤)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢١)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٣٣٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٣ و ٣١٤ و ٤٢٤ و ٤٦٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٣٦ و ٥٣٧ و ٥٣٨ و ٥٣٩ و ٥٤٠ و ٥٤١ و ٥٤٢ و ٥٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٤٣ و ٦٤٤ و ٦٤٥ و ٦٤٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٩٤ و ١٢٩٥ و ١٢٩٦)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٥١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٦٣ و ٦٤ و ٦٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٣٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب غسل ما ولغ فيه الكلب. ٢ - (ومنها): أن فيه بيانَ نجاسة الكلب، وأن نجاسته مغلّظة، بل هي أغلظ النجاسات، ولذا أُمر بغسلها سبع مرّات، وباستعمال التراب فيه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان أنه لا يكفي في إزالة ولوغ الكلب إلا سبع غسلات. ٤ - (ومنها): أنه إذا ولغ الكلب في الإناء لا يكفي معالجة سؤره بالتطهير، بل لا بدّ من إراقته، ثم غسل الإناء بعده سبعًا، إحداهنّ بالتراب. ٥ - (ومنها): أن مفهوم الشرط في قوله: "إذا وَلَغَ" يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إن الأمر بالغسل للتنجيس يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لَحَس، أو لَعِقَ مثلًا، يكون ذكر الوُلُوغ للغالب، وأما إلحاق باقي أعضائه، كيده، ورجله، فمذهب الشافعيّ أنه كذلك؛ لأن فمه أشرفها، فيكون الباقي من باب أولى، وخصه في القديم بالأُولى، وقال النوويّ في "الروضة": إنه وجه شاذّ، وفي "شرح المهذَّب": إنه القويّ من حيث الدليل، والأولوية المذكورة

стр. 3943

قد تُمْنَع؛ لكون فمه محلَّ استعمال النجاسات، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ، من عدم إلحاق باقي أعضاء الكلب بفمه هو الأرجح عندي؛ لقوّة دليله، كما قال، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): وجوب استعمال التراب مرّة واحدةً في الغسلات، والأفضل كونها مع الأولى؛ ليأتي الماء عليه بعدها. ٧ - (ومنها): تعيّن التراب في ذلك، فلا يجوز غيره من المزيلات، والمطهّرات؛ لأمور: ١ - أنه يحصل بالتراب من الإنقاء ما لا يحصل بغيره من المزيلات، والمطهّرات. ٢ - أنه ظهر في البحوث العلميّة الحديثة أنه يحصل من التراب خاصّة إنقاء لهذه النجاسة لا يحصل من غيره، وهذه إحدى المعجزات العلميّة لهذه الشريعة المحمّديّة التي لم ينطق صاحبها عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، فقد ثبت طبيًّا، واكتُشف بالآلات المكبّرة، والمجاهر الحديثة أن في لعاب الكلب مكروبات، وأمراضًا فتّاكةً، لا يُزيلها الماء وحده، ما لم يُستعمل معه التراب خاصّةً - فسبحان العليم الخبير -. ٣ - إن التراب مورد النصّ في الحديث، فالواجب التقيّد بالنصّ، ولو قام غيره مقامه لجاء نصّ يشمله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ٨ - (ومنها): ما قاله صاحب كتاب "روح الدين الإسلاميّ": ومن حِكَم الإسلام لوقاية الأبدان تقريره بنجاسة الكلب، وهذه معجزة علميّةٌ للإسلام، سبق بها الطبَّ الحديث، حيث أثبت أن الكلاب تنقل كثيرًا من الأمراض إلى الإنسان حين تصاب بدودة شريطيّة تتعدّاها إلى الإنسان، وتصيبه بأمراض عُضال، قد تَصِل إلى حدّ العدوان على حياته، وقد ثبت أن جميع أجناس الكلاب لا تسلم من الإصابة بهذه الديدان الشريطيّة، فيجب إبعادها عن كلّ ما له صِلَةٌ بالإنسان، من مأكل، أو مشرب. انتهى (٢).

стр. 3944

٩ - (ومنها): أنه يجوز استعمال التراب بأن يُطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو أن يؤخذ التراب المختلط بالماء، فيُغسل به المحلّ، أما مسح موضع الولوغ بالتراب فقط، فلا يُجزئ. ١٠ - (ومنها): أن ظاهر النصّ عامّ في جميع الكلاب، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك بعض العلماء، فقال: إن الكلب المأذون فيه للصيد، والحرث، والماشية مستثنًى من هذا العموم، وهذا يردّه حديث عبد الله بن المغفّل ﵁ الآتي، فإنه ظاهر في أن كلب الصيد ونحوه مأمور بغسل ما ولغ فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١١ - (ومنها): أن حكم النجاسة يتعدّى عن محلّها إلى ما يُجاورها بشرط كونه مائعًا. ١٢ - (ومنها): أن المائعات تنجُس إذا وقع في جزء منها نجاسة. ١٣ - (ومنها): أن الإناء ينجس إذا اتّصل بالمائع النجس. ١٤ - (ومنها): أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغيّر؛ لأن ولوغ الكلب لا يُغيّر الماء الذي في الإناء غالبًا. ١٥ - (ومنها): أن فيه بيان أن ورود الماء على النجاسة يُخالف ورودها عليه؛ لأنه ﷺ أمر بإراقة الماء لَمّا وردت عليه النجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه، وأمر بغسله، وحقيقته تتأدّى بما يُسمّى غسلًا، ولو كان ما يُغسل به أقلّ مما أُريق. ١٦ - (ومنها): أن الأوزاعيّ: أخذ من قوله: "في إناء أحدكم" إخراج ماء المستنقع، لكن الجمهور على أن العبرة بالماء القليل، وهو الراجح. ١٧ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى -: الضمير المنصوب في قوله: "ثم ليغسله" عائد إلى الإناء، والإناء حقيقة في جملته، وقد لا يقع الولوغ فيما يعمّ الإناء، بل يختصّ بما يلاقي بعض الإناء، فهل يقال: إنما يُغسل ما لاقى الشيء الذي حصل فيه الولوغ، أو يقال: يغسل جميع الإناء؟. أما من قال: إن الغسل للنجاسة، أو القذارة، فلا شكّ أنه لا يقول إلا بالغسل فيما لاقاه الولوغ.

стр. 3945

وأما من قال بالتعبّد، فيلزمه أن يقول بغسل جميع الإناء، ما لاقى الولوغ، وما لم يلاقه؛ عملًا بحقيقة لفظة الإناء، فإن استكرهت هذا، فتأنّس بما قاله المغاربة من المالكيّة: إنه يغسل جميع الذَّكر من المذي؛ عملًا بحقيقة لفظ الذَّكر، وانطلاقها على الجملة، هذا مع كون المعنى معقولًا قطعًا في غسل ما لاقى المذي، وأنه للنجاسة. وإن لم يقل هذا الذاهب إلى التعبّد بغسل الإناء كلّه، واقتصر على الغسل فيما يلاقي عكر عليه هذا في القول بالتعبّد، وذلك بأن يقال: لو كان تعبّدًا لما اختصّ بمحلّ الولوغ، لكن يختصّ، فليس بتعبّد، وحينئذ يحتاج إلى الجواب عن هذا، وهذا الكلام يجري في غسل ظاهر الإناء. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: كون الغسل للنجاسة هو الأظهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ١٨ - (ومنها): ما قاله أيضًا: هل يجب هذا الغسل على الفور، أو عند إرادة الاستعمال؟. من قصر الأمر على التعبّد، فيناسبه إيجابه على الفور، وفي كلام بعض المالكيّة بناء على أن الأمر المطلق هل يقتضي الفور؟، وأنه إذا لم يقل بذلك جاز التأخير، هذا معنى قوله. وهو معترض؛ لأنه إذا لم يقل بأن الأمر المطلق على الفور لم يلزم منه انقطاع دلالة هذا الأمر على الفور من حيث إنه أمر مطلق، وقد يدلّ عليه من غير هذا الوجه، وهو التعقيب الذي تدلّ عليه الفاء، أو الظرفيّة التي تدلّ عليها "إذا" مع أن العامل فيها هو الفعل الذي بعدها في لفظ بعض الروايات، فيقتضي الأمر بالغسل المذكور عند الولوغ، فيخرج عنه ما لا يُمكن اعتباره، وهو حالة الولوغ تحقيقًا، ويبقى فيما عداه بحسب الإمكان، والمشهور من مذهب المالكيّة أنه لا يؤمر إلا عند قصد الاستعمال، وأما من قال بالتنجيس، فالأمر ظاهر في ذلك. انتهى (٢).

стр. 3946

قال الجامع عفا الله عنه: كون الغسل فورًا هو الأشبه، والأقرب إلى براءة الذمّة، والمرجّح في الأصول عند تجرّد الأمر المجرّد عن القرائن (١)، فكيف، وقد حَفّت به هنا، كما قرّره ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - والله تعالى أعلم. ١٩ - (ومنها): بيان لطف الله تعالى بعباده، ورأفته بهم، حيث أباح لهم اقتناء الكلاب للحاجة، كالصيد، ونحوه، كما يأتي في حديث عبد الله بن المغفّل ﵁، ومنعهم من اقتنائها لغير حاجة؛ لما فيه من إلحاق الضرر بالناس بالترويع ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نجاسة سؤر الكلاب، وطهارته: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في طهارة الماء الذي يَلَغُ فيه الكلب، فقالت طائفة: الماء طاهر يُتَطَهَّر به للصلاة، ويغسل الإناء كما أَمَر به النبيّ ﷺ ، وكان الزهري يقول: إذا لم يجد غيره توضأ به، وكذلك قال مالك، والأوزاعي. وقالت طائفة: يتوضأ بالماء الذي وَلَغ فيه الكلب، ثم يتيمم بعده، رُوي هذا القول عن عَبْدة بن أبي لبابة، وبه قال سفيان الثوريّ، وعبد الملك الماجشون، ومحمد بن مسلمة. وقالت طائفة: الماء الذي ولغ فيه الكلب نَجَس يُهَراق، ويغسل الإناء سبعًا أولاهنّ، أو أخراهن بالتراب، هذا قول الشافعيّ، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي (٢)، ثم رجّح ابن المنذر القول بعدم نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب (٣).

стр. 3947

وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: اختلف الفقهاء في سؤر الكلب، وما ولغ فيه من الماء والطعام، فجملة ما ذهب إليه مالك، واستقَرّ عليه مذهبه عند أصحابه أن سؤر الكلب طاهرٌ، ويغسل الإناء من ولوغه سبعًا تعبدًا استحبابًا أيضًا لا إيجابًا، وكذلك يستحب لمن وَجَدَ ماء لم يَلَغْ فيه الكلب مع ماء قد وَلَغَ فيه كلب أن يترك الذي ولغ فيه الكلب، وغيره أحب إليه منه، وجاءت عنه روايات في ظاهرها اضطراب، والذي تحصل عليه مذهبه ما أخبرتك، ولا بأس عنده بأكل ما ولغ فيه الكلب، من اللبن والسمن وغير ذلك، ويستحب هَرْق ما ولغ فيه من الماء، وفي الجملة هو عنده طاهر. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والليث بن سعد: سؤر الكلب نجس، ولم يَحُدُّوا الغسل منه، قالوا: إنما عليه أن يغسله حتى يغلب على ظنه أن النجاسة قد زالت، وسواء واحد أو أكثر. وقال الأوزاعيّ: سؤر الكلب في الإناء نجس، وفي المستَنْقَع ليس بنجس، قال: ويغسل الثوب من لعابه، ويغسل ما أصاب لحم الصيد من لعابه. وقال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، والطبريّ: سؤر الكلب نجس، ويُغْسَل الإناء منه سبعًا، أولاهن بالتراب، وهو قول أكثر أهل الظاهر، وقال داود: سؤر الكلب طاهرٌ، وغسل الإناء منه سبعًا فرضٌ إذا ولغ في الإناء، وسواء كان في الإناء ماء، أو غير ماء، هو طاهر، ويُغْسَل منه الإناء سبعًا، ويتوضأ بالماء الذي ولغ فيه، ويؤكل غير ذلك من الطعام والشراب الذي ولغ فيه. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: مَن ذهب إلى أن الكلب ليس بنجس فسؤره عنده طاهر، وغسل الإناء من ولوغه سبع مرات هو عنده تعبدٌ في غسل الطاهر خصوصًا لا يَتَعَدَّى، ومن ذهب إلى أن الكلب نجس، وسؤره نجس، ممن قال أيضًا: إن الإناء من ولوغه يغسل سبعًا، قال: التعبد إنما وقع في عدد الغسلات من بين سائر النجاسات. ومما احتج به من قال بنجاسة الكلب قوله ﷺ : "طهور إناء أحدكم … " الحديث، فأمره بتطهير الإناء يدلّ على نجاسته.

стр. 3948

وتعقّبه ابن عبد البرّ بأنه قد يقع التطهير على النجس وعلى غير النجس، ألا ترى أن الجنب ليس بنجس فيما مَسّ ولاصق، وقد قال الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فأمر الجنب بالتطهّر. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ملخّصًا (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح الأقوال القول بنجاسة ولوغ الكلب، وأنه إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبع مرّات، ويُعفَّر الثامنة بالتراب. قال العلامة الشوكانيّ ﵀ في "شرح المنتقى" ما حاصله: ذهب الجمهور إلى نجاسة الكلب، وذهب عكرمة، ومالك في رواية عنه إلى أنه طاهر، ودليلهم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]؛ إذ لا يخلو الصيد عن التلوّث بريق الكلاب، ولم نؤمر بالغسل. وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجّس من الصيد، وعدمُ الأمر؛ للاكتفاء بما في أدلّة تطهير النجس من العموم، ولو سُلِّم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه. انتهى (٢). واستدلّوا أيضًا بما في "سنن أبي داود" عن عبد الله بن عمر، قال: "كانت الكلاب تبول، وتُقبِل وتُدبِر في زمان رسول الله ﷺ في المسجد، فلم يكونوا يرشّون شيئًا من ذلك"، وهو في "صحيح البخاريّ"، عن شيخه أحمد بن شبيب، بلفظ: وقال أحمد بن شبيب إلخ. قال ابن المنيّر: لا حجة فيه لمن استَدَلّ به على طهارة الكلاب؛ للاتفاق على نجاسة بولها. قال في "الفتح": وتُعُقِّب بأن من يقول: إن الكلب يؤكل، وأن بول ما يؤكل لحمه طاهر يقدَح في نقل الاتفاق، لا سيما وقد قال جمع بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة، إلا الآدمي، وممن قال به ابن وهب، حكاه الإسماعيلي وغيره عنه، وسيأتي بيان ذلك. وقال المنذريّ: المراد أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثم

стр. 3949

تقبل وتدبر في المسجد؛ إذ لم يكن عليه في ذلك الوقت غَلَقٌ. قال: ويبعد أن تترك الكلاب تنتاب المسجد حتى تَمْتَهنه بالبول فيه. وتُعُقِّب بأنه إذا قيل بطهارتها لم يمتنع ذلك، كما في الهرة، والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجَعْلِ الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيليّ في روايته، من طريق ابن وهب في هذا الحديث عن ابن عمر، قال: "كان عمر يقول بأعلى صوته: اجتنبوا اللغو في المسجد، قال ابن عمر: وقد كنت أَبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت الكلاب الخ"، فأشار إلى أَن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المسجد حتى من لغو الكلام، وبهذا يندفع الاستدلال به على طهارة الكلب. وأما قوله: "في زمان رسول الله ﷺ "، فهو وإن كان عامًّا في جميع الأزمنة؛ لأنه اسم مضاف، لكنه مخصوص بما قبل الزمن الذي أُمر فيه بصيانة المسجد. انتهى ما في "الفتح" (١). والحاصل: أن القول بنجاسة وُلُوغ الكلب هو الراجح عندي؛ لقوّة حجته، وأما سائر أجزائه، فطاهر؛ لأنه لم يقُم دليل على نجاسته، فهو باقٍ على البراءة الأصليّة، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم غسل ولوغ الكلاب: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في عدد ما يُغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه، فكان أبو هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، وطاوس، وعمرو بن دينار، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، يقولون: يغسل سبع مرات. وذهبت طائفة إلى أنه يُغسَل ثلاث مرات، هكذا قال الزهريّ، وقال عطاء: كل ذلك قد سمعت سبعًا، وخمسًا وثلاث مرات.

стр. 3950

وقال بعضهم: يُغسَل الإناء من ولوغ الكلب فيه كما يُغسَل من غيره. انتهى (١). وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: اختَلَف العلماء في العمل بظاهر هذا الحديث، فذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء المسلمين إلى أن الإناء يُغسَل من ولوغ الكلب سبع مرات بالماء. وممن رُوي عنه ذلك بالطرُق الصحاح أبو هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وعمرو بن دينار، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود. وقال الزهريّ: يغسل ثلاث مرات. وقال عطاء: كلّ ذلك قد سمعت سبعًا وخمسًا وثلاث مرات. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والليث بن سعد إلى أنه يُغسَل بلا حَدّ. قال أبو عمر ﵀: قد ثبت عن النبيّ ﷺ في هذا ما يَرُدّ قول هؤلاء، فلا وجه للاشتغال به، ولقد رُوي عن عروة بن الزبير أنه كان له قَدَحٌ يبول فيه، فولغ فيه الكلب، فأمر عروة بغسله سبعًا؛ اتِّباعًا للحديث في ذلك. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ملخّصًا (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحق الذي لا يجوز أن يُعدَل عنه هو القول بوجوب غسل ولوغ الكلاب سبع مرّات، بل ثمان مرّات، كما سيأتي؛ لوضوح حجته كالشمس في رابعة النهار، والذين قالوا بغير هذا إما يُعتذر عنهم بأنه لم يصل إليهم الخبر، أو أعرضوا عنه؛ لما ظنّوه أرجح منه، والظنّ قد يُصيب، وقد يُخطئ، وهذا خطأ بلا شكّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في "الفتح": خالف ظاهر هذا الحديث المالكية والحنفية، فأما المالكية فلم يقولوا بالتتريب أصلًا، مع إيجابهم التسبيع على

стр. 3951

المشهور عندهم؛ لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي منهم: لقد صحّت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها؟، وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيع للندب، والمعروف عند أصحابه أنه للوجوب، لكنه للتعبد؛ لكون الكلب طاهرًا عندهم، وأبدى بعض متأخريهم له حكمةً غير التنجيس. وعن مالك رواية بأنه نجس، لكن قاعدته أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فلا يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد، لكن يَرِد عليه قوله ﷺ في أول هذا الحديث: "طُهُور إناء أحدكم"؛ لأن الطهارة تُستَعمل إما عن حدث أو خبث، ولا حَدَث على الماء، فتعيّن الخبث. وأجيب بمنع الحصر؛ لأن التيمم لا يَرفع الحدث، وقد قيل له: طُهُور المسلم، ولأن الطهارة تُطلَق على غير ذلك، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله ﷺ : "السواك مَطهَرة للفم". والجواب عن الأول بأن التيمم ناشئ عن حدث، فلما قام مقام ما يُطَهِّر الحدثَ سُمِّي طَهُورًا، ومن يقول بأنه يرفع الحدث (١) يمنع هذا الإيراد من أصله. والجواب على الثاني أن ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية والشرعية حُمِلت على الشرعية إلا إذا قام دليل. ودعوى بعض المالكية أن المأمور بالغسل من وُلُوغه الكلبُ الْمَنْهيّ عن اتخاذه دون المأذون فيه يَحتاج إلى ثبوت تقدم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل، وإلى قرينة تدلّ على أن المراد ما لم يؤذن في اتخاذه؛ لأن الظاهر من اللام في قوله: "الكلب" أنها للجنس، أو لتعريف الماهية، فيحتاج المدَّعِي أنها للعهد إلى دليل، ومثله تفرقة بعضهم بين البدويّ والحضريّ. وادَّعَى بعضهم أن ذلك مخصوص بالكَلْب الكَلِب، وأن الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطبّ؛ لأن الشارع اعتبر السبع في مواضع منه، كقوله: "صُبُّوا عليّ من سبع قِرَب"، وقوله: "مَن تصبّح بسبع تمرات عَجْوة".

стр. 3952

وتُعُقّب بأن الكلب الْكَلِب لا يقرب الماء، فكيف يؤمر بالغسل من ولوغه؟. وأجاب حفيد ابن رُشْد بأنه لا يقرب الماء بعد استحكام الكَلَب منه، أما في ابتدائه فلا يمتنع. وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل، والتعليل بالتنجيس أقوى؛ لأنه في معنى المنصوص. وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب بأنه رجس، رواه محمد بن نصر المروزيّ بإسناد صحيح، ولم يصحَّ عن أحد من الصحابة خلافه. والمشهور عن المالكية أيضًا التفرقة بين إناء الماء فيراق، ويغسل وبين إناء الطعام فيؤكل، ثم يغسل الإناء تعبدًا؛ لأن الأمر بالإراقة عامّ، فيُخَصُّ الطعام منه بالنهي عن إضاعة المال. وعورض بأن النهي عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة، ويترجح هذا الثاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة من قليل المائعات، ولو عَظُم ثمنه، فثبت أن عموم النهي عن الإضاعة بخلاف الأمر بالإراقة. وإذا ثبتت نجاسة سؤره كان أعمّ من أن يكون لنجاسة عينه، أو لنجاسة طارئة، كأكل الميتة مثلًا، لكن الأول أرجح؛ إذ هو الأصل، ولأنه يلزم على الثاني مشاركة غيره له في الحكم كالهرة مثلًا، وإذا ثبتت نجاسة سؤره لعينه لم يدُلّ على نجاسة باقيه إلا بطريق القياس، كأن يقال: لعابه نجس، ففمه نجس؛ لأنه متحلِّب منه، واللعاب عَرَقُ فمه، وفمه أطيب بدنه، فيكون عرقه نجسًا، وإذا كان عرقه نجسًا كان بدنه نجسًا؛ لأن العرق متحلِّب من البدن، ولكن هل يلتحق باقي أعضائه بلسانه في وجوب السبع والتتريب أم لا؟ تقدمت الإشارة إلى ذلك من كلام النوويّ. وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاويّ وغيره عنهم بأمور:

стр. 3953

[منها]: كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع. وتُعُقِّب بأنه يَحْتَمِل أن يكون أفتى بذلك، لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نَسِيَ ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضًا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية مَن روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، وأما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وَرَدَت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة، فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأول في القوّة بكثير. [ومنها]: أن الْعَذِرَة أشدّ في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يُقَيَّد بالسبع، فيكون الوُلُوغ كذلك من باب أولى. وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشدّ منه في الاستقذار أن لا يكون أشدّ منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النصّ، وهو فاسد الاعتبار. [ومنها]: دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نَهَى عن قتلها نُسِخ الأمر بالغسل. وتُعُقِّب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًّا؛ لأنه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مُغَفَّلٍ ﵄، وقد ذَكَر ابن مغفل أنه سمع النبيّ ﷺ يأمر بالغسل، وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب. [ومنها]: إلزام الشافعية بإيجاب ثمان غَسَلات؛ عملًا بظاهر حديث عبد الله بن مغفل الذي أخرجه مسلم، ولفظه: "فاغسلوه سبع مرات، وعَفِّروه الثامنة في التراب"، وفي رواية أحمد: "بالتراب". وأجيب بأنه لا يلزم من كون الشافعية لا يقولون بظاهر حديث عبد الله بن مغفل أن يتركوا هُمْ العمل بالحديث أصلًا ورأسًا؛ لأن اعتذار الشافعية عن ذلك إن كان مُتَّجِهًا فذاك، وإلا فكلٌّ من الفريقين مَلُومٌ في ترك العمل به، قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.

стр. 3954

وقد اعتذر بعضهم عن العمل به بالإجماع على خلافه، وفيه نظرٌ؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصريّ، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرمانيّ عنه، ونُقِل عن الشافعيّ أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته، ولكن هذا لا يُثبِت العذر لمن وقف على صحته. وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هريرة على حديث ابن مغفل، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس، والزيادةُ من الثقة مقبولةٌ، ولو سلكنا مسلك الترجيح في هذا الباب لم نَقُل بالتتريب أصلًا؛ لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك فقلنا به؛ أخذًا بزيادة الثقة. وجَمَعَ بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز، فقال: لَمّا كان التراب جنسًا غير الماء جُعِل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا باثنتين. وتعقّبه ابن دقيق العيد بأن قوله: "وعَفِّروه الثامنة بالتراب" ظاهر في كونها غسلةً مستقلةً، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع، كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، وهذا الجمع من مُرَجِّحات تعيّن التراب في الأولى، والكلام على هذا الحديث، وما يتفرع منه منتشر جدًّا، ويمكن أن يُفْرَد بالتصنيف، ولكن هذا القدر كافٍ في هذا المختصر، والله المستعان. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان أقوال العلماء، وأدلّتها، بما لها وما عليها، ومما يأتي من حديث عبد الله بن مغفّل ﵁ أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب غسل وُلُوغ الكلب ثمان مرّات، مع تتريب إحداهنّ، وكونها الأُولى هو الأَولى؛ لوضوح حجته النيّرة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: وللعينيّ الحنفيّ تعقّبات على ما سبق عن "الفتح"، وكلها تعصّباتٌ محضة، قد ذكرت تفنيدها في "شرح النسائيّ"؛ أخذًا مما قاله

стр. 3955

المحقّقون من الحنفيّة، كصاحب "السعاية في شرح الوقاية"، والعلّامة المباركفوري في كتابيه: "أبكار المنن"، و"تحفة الأحوذيّ"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى -: الإناءُ عامّ يدخل تحته أحوال الإناء لما كنّا قد قرّرنا في عموم الحكم في الأحوال إذا كان التخصيص ببعضها يخالف ما دلّ عليه اللفظ من العموم في الذوات على خلاف ما يقوله بعض المتأخّرين، فعلى هذا يدخل فيه الإناء الذي فيه الطعام؛ للعموم، ولمالك - رحمه الله تعالى - قول أنه لا يغسل إلا إناء الماء دون إناء الطعام، قال في "المدوّنة": إن كان يُغسل سبعًا للحديث ففي الماء وحده. انتهى. ووُجِّه ذلك بأمرين: أحدهما: مبنيّ على تخصيص العامّ بالعرف، والعرف أن الطعام محفوظ عن الكلاب، مصونٌ عنها؛ لعزّته عند العرب، فلا يكاد الكلب يَصِل إلا إلى الماء، فيُقيّد اللفظ بذلك. الثاني: أن في الحديث "فليُرقه، وليغسله سبع مرّات"، والطعام لا يجوز إراقته؛ لحرمته، ولنهيه ﷺ عن إضاعة المال، متّفق عليه. ويجيء على البحث المتأخّر وجه ثالث، وهو أن يقال: هو عامّ في الأواني، مطلقٌ في أحوالها عَمِلنا به فيما إذا كان فيها الماء، والمطلق إذا عُمِل به مرّةً كفى في تأدّي الواجب، فلا يبقى حجة في إناء الطعام. فأما الوجه الأول فمبنيّ على تخصيص العموم بالعرف، وفيه مَنْعٌ في الأصول، والراجح عند كثير من الأصوليين خلافه. وأما الثاني، فضعيفٌ؛ لأن عموم الأمر بالإراقة يقتضي إراقة الطعام أيضًا، وتحريم إراقته ممنوع بعد دلالة العموم على الأمر بها، وماليّته أيضًا يمنعها القائل بتنجيسه بعد الولوغ فيه. وأما الاستدلال بالنهي عن إضاعة المال، فسيأتي البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.

стр. 3956

وأما الوجه المتأخّر فمتأخّر؛ لما بيّنّا أنا لو خصّصناه ببعض أحواله لكان الخارج عن تلك الأحوال مخصوصًا عن العموم مع دلالة العموم على تناوله، ووجوب المحافظة عليها. انتهى كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - (١) وهو بحثٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): نهيه ﷺ عن إضاعة المال خاصّ بالمال عامّ بالنسبة إلى ما يَلَغ فيه الكلب، وما لم يَلَغ فيه، وأمره ﷺ بإراقة ما ولغ فيه الكلب خاصّ بالنسبة إلى ما لم يَلَغ فيه، عامّ بالنسبة إلى المال وغير المال، فكلّ واحد منهما عامّ من وجه، خاصّ من وجه. فلئن قال أحد الخصمين: أَخُصّ عموم الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب بالماء؛ عملًا بنهيه ﷺ عن إضاعة المال، قال خصمه: أَخُصّ نهيه ﷺ عن إضاعة المال بما لم يلغ فيه الكلب؛ عملًا بقوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرقه"، فإذا تقابلا فلا بدّ من الترجيح، وقد يُرجّح العمل بهذا الحديث؛ لوجهين: أحدهما: أن يقال: النهي عن إضاعة المال عاتم مخصوص بالاتّفاق، فإنه يُخرج عنه المائعات التي تغلو قيمتها، وتكثر بعد وقوع قطرة من البول فيها، والعموم في هذا الحديث غير مخصوص بالإجماع - أي حيث لم يُجْمَع على تخصيصه - فإن القائل بالنجاسة يعمّ به كلّ ما يُولَغُ فيه، والعمل بالعموم الذي لم يُجمَع على تخصيصه أولى من العمل بالعموم الذي أُجمع على تخصيصه. فإن قال: لا أسلِّم أن المائع الذي وقعت فيه قطرة البول مالٌ بعد وقوعها فيه، قال خصمه: لا أسلِّم أن الطعام مال بعد ولوغ الكلب فيه. الوجه الثاني: أن يقال: مقصود ذلك الحديث النهي عن التبذير، وإضاعة المال من غير غرض صحيح، والمقصود من هذا الحديث إما الإبعاد، وإما التنزّه عما لحقه سؤر الكلب؛ لنجاسته، أو لقذره، وهذا المقصود أخصّ بالنسبة إلى ما يقع فيه الولوغ من ذلك المقصود - أي النهي عن إضاعة المال -

стр. 3957

وقد ظهر اعتباره في بعض ما يقع فيه الولوغ، فالعموم بالنسبة إلى هذا المقصود أمسّ من العموم بالنسبة إلى ذلك المقصود إذا اعتبرنا المقاصد. انتهى كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - بحثٌ نفيسٌ. وحاصله ترجيح القول بعموم الإناء إناء الماء والطعام؛ لقوة مُدرَكه، كما حقّقه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): لفظ الإناء لَمّا كان عامًّا دخل تحته إناء الفَخَّار (٢) غير المزجَّج مما يتشرّب الماء وغيره، ويغوص فيه، وقد حُكم بطهارته بالغسل، فقد يُجعل أصلًا لمسألة اختُلِف فيها، وهي أن الفَخّار إذا اتّصَل به نجسٌ غَوّاصٌ، كالبول، هل يطهر بالغسل؟ وكذلك ما يناسبه مثل الزيتون يُمَلَّح بماء نجس، والقَمْح يُنقَع بماء نجس، وهذا البحث بناء على نجاسة الماء، فيستمرّ من غير اعتراض؛ لأنه حينئذ لا فرق بين أن يَلَغَ في الماء الذي في الإناء، أو يؤخذ الماء الذي في الإناء بعد وُلُوغه، ويُجعَل في إناء فَخّار. قال الطحاويّ - رحمه الله تعالى - لَمّا تكلّم في مسألة نزح ماء البئر: فإن قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماء البئر نجسًا بوقوع النجاسة فيها، فكان يقتضي ذلك أن لا تَطهُر البئر أبدًا؛ لأن حيطانها قد تشرّبت ذلك الماء النجس، واستكنّ فيها، فكان ينبغي أن تُطمّ. قيل له: ألم تر العادات جرت على هذا؟ وقد فَعَل عبد الله بن الزبير ما ذكرنا في ماء زمزم (٣)، ورآه أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم يُنكروا ذلك عليه،

стр. 3958

ولا أنكره من بعدهما، ولا رأى أحد منهم طَمّها، وقد أمر رسول الله ﷺ في الإناء الذي قد نَجِسَ من ولوغ الكلب فيه (١) أن يُغسل، ولم يأمر أن يُكْسَر، وقد تشرّب من الماء النجس، فكما لم يأمر بكسر الإناء في ذلك، فكذلك لا يُؤمر بِطَمّ تلك البئر، فهذه فائدة استنتجها الطحاويّ من هذا الحديث، ذكره ابن دقيق العيد ﵀ (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة هذا البحث أن الإناء الذي أُمر بغسله من وُلُوغ الكلب عامّ، فيتناول ما يتشرّب الماء، كالفخّار، وما لا يتشرّبه كأواني الزجاج، فلا فرق بين النوعين في وجوب غسله فقط، ولا يلزم كسر النوع الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): قال الحافظ العراقيّ - رحمه الله تعالى -: هل تتعدّد الغسلات في ولوغ الكلب بتعدّد الولغات من كلب واحد، أو كلبين، فأكثر؟ خلاف بين أصحابنا - يعني الشافعيّة - والأصحّ أنه يكفي للجميع سبع، وقيل: يجب لكلّ وَلْغة سبعٌ، وقيل: يكفي السبع في وَلَغَات الكلب الواحد، وتتعدّد بتعدّد الكلاب، وكذلك لو تنجّس بنجاسة أجنبيّة غير الكلب لم تجب الزيادة على السبع، بل يندرج الأصغر في الأكبر، كالحدث على الصحيح، وادَّعَى النوويّ، وابن الرفعة نفي الخلاف فيه، وليس بجيّد، ففيه وجه حكاه الرافعيّ في الشرح الصغير أنه يجب غسله للنجاسة الأجنبيّة أيضًا. انتهى كلام العراقيّ - رحمه الله تعالى - (٣)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ (٤): "فَلْيُرِقْهُ").

стр. 3959

رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٧. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقَاني - بضمّ المعجمة، وسكون اللام، بعدها قافٌ - أبو زياد الأسديّ الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا - بفتح المعجمة، وضمّ القاف الخفيفة، وبالمهملة - صدوقٌ يُخطئ قليلًا [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع)، تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٢٧. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ)، أي بإسناد عليّ بن مُسهر، عن الأعمش المذكور قبله، حال كون متنه مثل متنه. [تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّاء التي أحالها المصنّف هنا على رواية عليّ بن مسهر لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٦] ( … ) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. والباقون تقدّموا في ثاني أحاديث هذا الباب. وقوله: (إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ) قال في "الفتح": كذا هو في "الموطأ"،

стр. 3960

والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: "إذا وَلَغَ"، وهو المعروف في اللغة، يقال: وَلَغ يَلَغ - بالفتح فيهما -: إذا شَرِبَ بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه، وقال ثعلب: هو أن يُدخِل لسانه في الماء وغيره من كل مائع، فيحرّكه، زاد ابن دُرُسْتُوَيْهِ: شَرِب أو لم يشرَب، وقال ابن مكيّ: فإن غير مائع يقال: لَعِقَه، وقال المطرزيّ: فإن كان فارغًا يقال: لَحَسَه. وادَّعَى ابنُ عبد البر أن لفظ "شَرِبَ" لم يروه إلا مالك، وأن غيره رواه بلفظ "وَلَغَ"، وليس كما ادَّعَى، فقد رواه ابنُ خزيمة، وابن المنذر، من طريقين عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ: "إذا شَرِب"، لكن المشهور عن هشام بن حسان بلفظ: "إذا وَلَغ"، كذا أخرجه مسلم وغيره من طُرُق عنه. وقد رواه عن أبي الزناد شيخِ مالك بلفظ: "إذا شرب" ورقاءُ بن عمر، أخرجه الْجَوْزَقيّ، وكذا المغيرة بن عبد الرحمن، أخرجه أبو يعلى، نعم، ورُوِيَ عن مالك بلفظ: "إذا ولغ"، أخرجه أبو عبيد في "كتاب الطهور" له، عن إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيليّ، وكذا أخرجه الدارقطنيّ في "الموطآت" له، من طريق أبي عليّ الحنفيّ، عن مالك، وهو في نسخة صحيحة من "سنن ابن ماجه"، من رواية رَوْح بن عُبادة، عن مالك أيضًا، وكأنّ أبا الزناد حدَّث به باللفظين؛ لتقاربهما في المعنى، لكن الشرب كما بينا أخصّ من الوُلُوغ، فلا يقوم مقامهُ. انتهى (١). وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى أولَ الكتاب قال: [٦٥٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ").
следующие страницы →