← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ) هو: محمد بن بكّار بن الزُّبير الْعَيْشيّ - بالمعجمة - الصيرفيّ البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وأبي أحمد الزّبيريّ، وأبي داود الطيالسي، وابن عيينة، وعبد المجيد بن أبي رَوّاد، ومروان بن معاوية، وأبي عاصم، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن الدَّوْرَقِيّ، وغيرهم. قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. [تنبيه]: جَمَعَ غير واحد بين محمد بن بكّار بن الزبير هذا، وبين محمد بن بكّار بن الريّان الهاشميّ، فجعلوهما واحدًا، منهم أبو إسحاق الْحَبَّال في مشايخ مسلم، وأبو علي الجيّانيّ في مشايخ أبي داود، والكلام في الذي قيل في ابن الريّان محتمل أن يكون بعضه في ابن الزبير؛ لأن أكثرهم أطلقوا القول في محمد بن بكار نسبةً، قاله الحافظ في "تهذيب التهذيب" ج ٩، ص ٦٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام الذي قالوه في ابن الريّان هو ما ذكره في "التهذيب": قال عبد الله بن أحمد: كان أبي لا يَرَى بالكتابة عن هؤلاء الشيوخ بأسًا، وقد حدَّثنا عن بعضهم، منهم محمد بن بكّار، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال صالح بن محمد: صدوقٌ يُحَدِّث عن الضعفاء. وقال الدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) الْقُشَيْريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) ٣/ ١٨. ٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحَّاك بن مَخْلَد بن الضحّاك بن مسلم بن الضَّحّاك الشَّيبانيّ النَّبِيل البصريّ، قيل: إنه مولى بني شيبان، وقيل: من أنفسهم، ثقةٌ ثبتٌ [٩]. رَوَى عن يزيد بن أبي عبيد، وأيمن بن نابل، وشبيب بن بِشْر، وسليمان

стр. 387

التيمي، وعثمان بن سعد الكاتب، وابن عون، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم. ورَوَى عنه جرير بن حازم، وهو من شيوخه، والأصمعيّ، والْخُرَيبيّ، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وحجاج بن الشاعر، والحسن بن علي الحلواني، وأبو خيثمة، وعباس بن عبد العظيم العنبري، والبخاريّ، وجماعة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، كثير الحديث، وكان له فقهٌ. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليّ من رَوْح بن عُبَادة، وقال محمد بن عيسى الزجاج: قال لي أبو عاصم: كلُّ شيء حدثتك، حدثوني به، وما دَلَّست قط. وقال ابن سعد: كان ثقةً فقيهًا. وقال عُمَر بن شَبّة: والله ما رأيت مثله. وقال ابن خِرَاش: لم يُرَ في يده كتاب قط. وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان يحفظ قدر ألف حديث، من جَيِّد حديثه، وكان فيه مِزَاحٌ. وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عَقَلتُ أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا قط. وقال الخليليّ: متفق عليه زهدًا وعلمًا وديانةً وإتقانًا، قيل: إنه لُقِّبَ النبيل؛ لأن الفيل أقدم البصرة، فخرج الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: ما لك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضًا، فقال له: أنت النبيل، وقيل: لأنه كان يَلْبَس جَيِّد الثياب، وقيل: لأن شعبة حَلَفَ أن لا يُحَدِّث أصحاب الحديث شهرًا، فبلغ أبا عاصم، فقال له: حَدِّث وغلامي حُرّ، وقيل: لأنه كان كبير الأنف، رَوَى إسماعيل بن أحمد والي خُرَاسان عن أبيه، عن أبي عاصم، أنه تزوج امرأةً، فلما أراد أن يُقَبِّلها، قالت له: نَحِّ ركبتك عن وجهي، فقال: ليس هذا ركبة، هذا أنف، وقال ابن قانع: ثقة مأمون. ورَوَى الدارقطني في "غرائب مالك" من طريق علي بن نصر الجهضمي قال: قالوا لأبي عاصم: إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال: هاتوا مَن سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه، إنما كان قَدِمَ علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه، وسألوه أن يأمر مالكًا أن يحدثهم، فأمره فسمعته في ذلك الوقت، قال علي بن نصر: وكان ذلك في حياة ابن جريج؛

стр. 388

لأن أبا عاصم خرج من مكة إلى البصرة في حياة ابن جريج، أو حيث مات ابن جريج، ثم لم يَعُد إلى مكة حتى مات، وهذا يدل على أن أبا عاصم مكيّ، تَحَوَّل إلى البصرة. قال عمرو بن علي وغيره، عن أبي عاصم: وُلدتُ سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال جابر بن كردي: مات سنة (١١)، وقال خليفة وغير واحد: سنة (١٢)، زاد ابن سعد في ذي الحجة، وقال يعقوب بن سفيان: مات سنة (١٣) وقال حمدان بن علي الوراق: ذهبنا إلى أحمد": سنة (١٣)، فسألناه أن يحدثنا، فقال: تسمعون مني، وأبو عاصم في الحياة، اخرجوا إليه، وقال البخاريّ: مات سنة (١٢)، وكذا نقله عنه الكلاباذيّ، وإسحاق الْقَرّاب، وأبو الوليد الباجيّ، وكذا أرخه ابن حبان في "الثقات" لما ذكره في الطبقة الثالثة، ومن عادته اتّباع البخاري. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]. رَوَى عن أبيه، وعمه وهب، ومعمر، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأخيه عبد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وابن جريج، والأوزاعيّ، ومالك، والسفيانين، وزكرياء بن إسحاق المكي، وجعفر بن سليمان، وخلق كثير. وَرَوَى عنه ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو خيثمة، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن موسى، وعبد الله بن محمد المُسْنَديّ، وسَلَمَة بن شَبيب، وعمرو الناقد، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: وأما عبد الرزاق، والْفِرْيَابيّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وعبيد الله بن موسى، وأبو عاصم، وقَبيصة، وطبقتهم فهم كلهم في سفيان قريب بعضهم من بعض، وهم دون يحيى بن سعيد، وابن مهديّ، ووكيع، وابن المبارك، وأبي نعيم. وقال أحمد بن صالح المصريّ: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحدًا أحسن حديثًا من عبد الرزاق؟ قال: لا. وقال

стр. 389

أبو زرعة الدمشقيّ: عبد الرزاق أحدُ من ثَبَتَ حديثه، وقال ابن أبي السَّرِيّ، عن عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر، فقال: يختلف إلينا أربعةٌ: رَبَاح بن زيد، ومحمد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فأما رَبَاح فخليق أن يَغْلِب عليه العبادة، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان، وأما عبد الرزاق، فإن عاش فخليق أن تُضْرَب إليه أكباد الإبل، قال ابن أبي السريّ: فوالله لقد أَتْعَبَها. وقال أحمد: حديث عبد الرزاق، عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه، وينظر فيها ظاهرًا، وكان يُحدِّثهم حفظًا بالبصرة - يعني معمرًا - وقال الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عن حديث: "النارُ جُبَار"؟ فقال: ومن يُحَدِّث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شَبّويه، قال: هؤلاء سَمِعُوا بعدما عَمِي، كان يُلَقَّن، فلَقَّنه، وليس هو في كتبه، كان يُلَقَّنُها بعدما عَمِيَ، وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد نحو ذلك، وزاد: مَن سَمِع من الكتب، فهو أصح. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لأحمد: مَن أَثْبَتُ في ابن جريج: عبد الرزاق، أو الْبُرْسَانيّ؟ قال: عبد الرزاق، وقال أيضًا: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين، وهو صحيح البصر، مَن سمع منه بعدما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر عن هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جريج أقرأ للكتب. وقال يعقوب بن شيبة، عن علي بن المدينيّ، قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا، قال يعقوب: وكلاهما ثقة ثبتٌ. وقال الحسن بن جرير الصُّوريّ، عن علي بن هاشم، عن عبد الرزاق: كتبَ عني ثلاثة، لا أبالي أن لا يكتُب عني غيرهم: كتب عني ابنُ الشاذكونيّ، وهو من أحفظ الناس، وكتبَ عني يحيى بن معين، وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتبَ عني أحمد بن حنبل، وهو من أثبت الناس، وقال جعفر الطيالسي: سمعت ابنَ معين، قال: سمعت من عبد الرزاق كلامًا استدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُستاذيك (١) الذين أخذت عنهم ثقات، كلهم أصحاب سنة: معمر، ومالك،

стр. 390

وابن جريج، والثوريّ، والأوزاعيّ، فعمن أخذت هذا المذهب؟ قال: قَدم علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلًا، حسن الهدي، فأخذت هذا عنه، وقال محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميّ: وجدت عبد الرزاق ما أفسد جعفرًا غيره (١) - يعني في التشيع -. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين - وقيل له: قال أحمد: إن عبيد الله بن موسى يُرَدُّ حديثه للتشيع - فقال: كان عبد الرزاق، والله الذي لا إله إلا هو أغلى في ذلك منه مائة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف ما سمعت من عبيد الله، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، هل كان عبد الرزاق يتشيع، ويُفْرِطُ في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلمة بن شبيب، يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أُفَضِّل عليًّا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق أعمالي حُبِّي إياهم. وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضِّل الشيخين بتفضيل عليّ إياهما على نفسه، ولو لم يُفَضِّلهما ما فضلتهما، كَفَى بي ازدراءً أن أحب عليًّا، ثم أخالف قوله. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يُحتج به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن يخطئ إذا حَدَّث من حفظه على تشيع فيه، وكان ممن جَمَعَ وصَنَّفَ وحَفِظَ وذاكر، وقال الآجريّ عن أبي داود: الْفِرْيَابيّ أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة، وقال محمد بن إسماعيل الْفَزَاري: بلغني ونحن بصنعاء أن أحمد ويحيى تركا حديثَ عبد الرزاق، فدَخَلنا غَمٌّ شديدٌ، فوافيت ابن معين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح، لو ارتَدَّ عبد الرزاق ما تركنا حديثه. ورُوي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام، لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة، وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا، أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت، فجاؤوني، وقال العجلي: ثقة يتشيع، وكذا قال البزار. وقال الذُّهْليّ: كان

стр. 391

عبد الرزاق أيقظهم في الحديث، وكان يحفظ، وقال إبراهيم بن عباد الدّبَرِيّ: كان عبد الرزاق يَحفظ نحوًا من سبع عشرة ألف حديث. وقال ابن عديّ: ولعبد الرزاق أصناف، وحديث كثير، وقد رَحَلَ إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكَتَبُوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد رَوَى أحاديث في الفضائل، لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث، ولِمَا رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق، فأرجو أنه لا بأس به. قال أحمد وغيره: مولده سنة ست وعشرين ومائة، وقال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومائتين، زاد ابن سعد: في شوال. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩٩) حديثًا. [تنبيه]: من يُسمّى عبدَ الرزاق في الرواة أربعة: (الأول): عبد الرزاق بن هَمّام المترجم هنا، وهو من رجال الجماعة. (الثاني): عبد الرزاق بن عمر بن مسلم الدمشقيّ العابد، صدوق، من العاشرة، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا. (الثالث): عبد الرزاق بن عمر الثقفيّ، أبو بكر الدمشقيّ، متروك الحديث عن الزهريّ، لَيِّن في غيره، من الثامنة، وليس له في الستّة شيء، وإنما يُذكر للتمييز. (الرابع): عبد الرزاق بن عمر بن بَزِيع الْبَزِيعيّ، صدوق، من العاشرة، وليس له من الكتب الستة شيء، وإنما يُذكر للتمييز أيضًا. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد الْمَكِّيّ، رُوميُّ الأصل، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلّس ويرسل [٦]. رَوَى عن حُكَيمة بنت رُقَيقة، وأبيه عبد العزيز، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، والزهريّ، وسليمان بن أبي مسلم الأحول، وصالح بن كيسان، وصَفوان بن سُليم، وطاووس، وابن أبي مليكة، وأبي قَزَعَة سُويد بن حُجَير، وخلقٍ كثيرٍ. وَرَوَى عنه ابناه: عبد العزيز، ومحمدٌ، والأوزاعيّ، والليث، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو من شيوخه، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفيّ،

стр. 392

وعيسى بن يونس، ووهيب بن خالد، وأبو قرة موسى بن طارق، وحفص بن غياث، ومسلم بن خالد الزَّنْجِيّ، ومفضل بن فَضَالة المصري، وهمام بن يحيى، وإسماعيل ابن علية، وإسماعيل بن عَيّاش، وابن عيينة، وخالد بن الحارث، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وابن وهب، والقطان، والوليد بن مسلم، ووكيع، وأبو عاصم، وهشام بن يوسف الصنعاني، وغُنْدَر، وأبو أسامة، وعبد الرزّاق، وخلقٌ كثير. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: مَن أَوَّل من صَنَّفَ الكتب؟ قال: ابنُ جريج، وابن أبي عَرُوبة، وقال عبد الوهاب بن همام، أخو عبد الرزاق، عن ابن جريج: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وقال ابن عُيينة: سمعت ابن جريج يقول: ما دَوَّنَ العلمَ تدويني أحدٌ. وقال: جالست عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء تسع سنين، وقال طلحة بن عُمر المكي: قلت لعطاء: مَنْ نسأل بعدك؟ قال: هذا الفتى إن عاش، وقال عطاء: سيّد شباب أهل الحجاز ابنُ جريج. وقال علي بن المدينيّ: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فذكرهم، ثم قال: فصار علم هؤلاء إلى من صَنَّفَ في العلم، منهم من أهل مكة عبد الملك بن جريج. قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ، وغيرَ واحد: لمن طلبتم العلم؟ فكلهم يقول: لنفسي، غير ابن جريج، فإنه قال: طلبته للناس، وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: ابن جريج أثبت في نافع من مالك، وقال أحمد: ابنُ جريج أثبت الناس في عطاء. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد: كنا نُسَمِّي كُتُبَ ابن جريج كتب الأمانة، وإن لم يُحَدثك ابنُ جريج من كتابه لم ينتفع به، وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبِرتُ جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به. وقال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله غير مَرَّة يقول: كان ابنُ جريج من أوعية العلم. وقال إسماعيل بن داود الْمِخْراقيّ، عن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل. وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ليس بشيء في الزهري. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة في كل ما رُوِي عنه من الكتاب، وقال جعفر بن عبد الواحد، عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقًا، فإذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرني فهو قراءة، وإذا قال:

стр. 393

قال فهو شبه الريح. وقال سليمان بن النضر عن مَخْلد بن الحسين، ما رأيت أصدق لَهْجَةً من ابن جريج، وقال أحمد عن عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاةً من ابن جريج. وسُئل عنه أبو زرعة؟ فقال: بَخٍ من الأئمة. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الشافعيّ: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة. وقال أبو عاصم: كان من العباد، وكان يصوم الدهر، إلا ثلاثة أيام من الشهر. قال عمرو بن عليّ: مات سنة تسع وأربعين ومائة، وقال القطان وغيره: مات سنة خمسين، وقال ابن المدينيّ: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: جاز المائة. وقال ابنُ سعد: وُلِد سنة ثمانين، عام الْجُحَاف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦٥) حديثًا. ٦ - (أَبُو قَزَعَةَ) (١) سُويد بن حُجَير - بتقديم المهملة، مصغّرًا - ابن بيان الباهليّ البصريّ، ثقة [٤]. رَوَى عن خاله صَخْر بن القَعْقَاع الباهليّ، وله صحبةٌ، وأنس بن مالك، وأبيه حُجَير، وحَكِيم بن معاوية، والأَسْقَع بن الأَسْلَع، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وصالح أبي الخليل، والحسن البصريّ، ومُهاجر بن عكرمة المخزوميّ، وأبي نَضْرة الْعَبْدِيّ، وعدة. وعنه داود بن أبي هند، وابن جريج، وشعبة، وحاتم بن أبي صَغِيرة، والحجاج بن الحجاج الباهليّ، ومَعْقِل بن عُبيد الله الْجَزَريّ، وداود بن شَابُور، وحماد بن سلمة، وابنه قَزَعة بن سُويد، وغيرهم.

стр. 394

قال أبو طالب عن أحمد: من الثقات. وقال ابن المدينيّ، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وقال أبو بكر البزار في "السنن" له: ليس له بأس. وقال الآجريّ: قُرئ على أبي داود، عن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: ثنا أبو قزعة، سمع عمران بن حصين. . قلت لأبي داود: مَن أبو قَزَعَة؟ قال: سُوَيد، قلت: سُوَيد سمع من عمران بن حصين؟ قال: لا. أخرجه له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٨) و ١٢٨ و (١٣٣٣) و (١٥٩٤). والباقيان تقدّما قريبًا. [تنبيه]: (قوله: قال: أخبرني أبو قَزَعَة، أن أبا نَضْرة أخبره وحَسَنًا أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره). هذا الإسناد مما يُعَدّ من مشكلات الأسانيد، ولذا قد اضطربت فيه أقوال الأئمة، وأخطأ فيه جماعات من كبار الحفاظ، والصوابُ فيه ما حَقَّقَه وحَرَّره، وبسطه وأوضحه، الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ في الجزء الذي جمعه فيه، وما أحسنه وأجوده، وقد لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، فقال: هذا الإسناد إحدى المعضلات، ولإعضاله وقع فيه تغييرات من جماعة واهمة. فمن ذلك رواية أبي نعيم الأصبهانيّ في "مستخرجه" على كتاب مسلم، بإسناده: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نَضْرَةَ وَحَسَنًا أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره، وهذا يلزم منه أن يكون أبو قَزَعة هو الذي أخبر أبا نَضْرَةَ وَحَسَنًا، عن أبي سعيد، ويكون أبو قَزَعة هو الذي سمع من أبي سعيد، وذلك مُنْتَفٍ بلا شك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق نصّ أبي نعيم في "المستخرج"، وهذا السياق ليس في "المستخرج" الذي بين يديّ، ودونك نصّه: ١ - أخرجه بسنده إلى عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرنا أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحَسَنًا أخبرهما أن أبا سعيد. . . وهذا هو نصّ "صحيح مسلم".

стр. 395

ثم أخرج عن ابن جُريج أخبرني أبو قَزَعة أن أبا نضرة أخبره، ثنا حسن بن [سالم] (١) أخبرهما أن أبا سعيد الخدريّ أخبره. وكون هذا غلطًا ظاهرٌ، ولا شكّ فيه؛ لأنه يستلزم أن حسنًا أخبر أبا نضرة، مع قوله بعده: أخبرهما، فبطلان هذا واضح. ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرة أخبره وحسنًا أخبرهما. . . وهو صحيح مثل الأول. ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره، أن أبا سعيد أخبره. . . ولا ذكر لحسن أصلًا، وهذا أيضًا واضح. والله تعالى أعلم. قال: ومن ذلك أن أبا عليّ الغسانيّ صاحب "تقييد المهمل" رَدَّ رواية مسلم هذه، وقَلَّده في ذلك صاحب "المعلم"، ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد، مع أنه لا يُسمّيه، ولا يُنصِفه، وصَوَّبهما في ذلك القاضي عياض، فقال أبو عليّ: الصواب في الإسناد: عن ابن جريج قال: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرةَ وحَسَنًا أخبراه، أن أبا سعيد أخبره، وذَكَرَ أنه إنما قال: أخبره، ولم يقل: أخبرهما؛ لأنه رَدّ الضمير إلى أبي نضرة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال، فإنه لم يسمع من أبي سعيد، ولم يلقه، وذَكَرَ أنه بهذا اللفظ الذي ذَكَره مسلم خرَّجه أبو علي بن السكن في "مصنَّفه" بإسناده، قال: وأظنُّ هذا من إصلاح ابن السكن. وذكر الْغَسَّانيّ أيضًا أنه رواه كذلك أبو بكر البزّار في "مسنده الكبير" بإسناده، وحُكِي عنه، وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنهما ذَكَرا أن حَسَنًا هذا هو الحسن البصريّ. وليس الأمر في ذلك على ما ذَكَرُوه، بل ما أورده مسلم في هذا الإسناد هو الصواب، وكما أورده رواه أحمد بن حنبل، عن رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج (٢).

стр. 396

وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ رحمه الله تعالى، وأَلَّف في ذلك كتابًا لطيفًا تبَجَّحَ فيه بإجادته وإصابته، مع وَهَم غير واحد من الحفّاظ فيه، فذَكَر أن حَسَنًا هذا هو الحسن بن مسلم بن يَنَّاق الذي رَوى عنه ابن جريج غير هذا الحديث، وأن معنى هذا الكلام: أن أبا نَضْرَة أخبر بهذا الحديث أبا قَزَعَةَ وحَسَن بن مسلم كِلَيْهِمَا، ثم أكَّد ذلك بأن أعاد، فقال: أخبرهما أنّ أبا سعيد أخبره - يعني أخبر أبو سعيد أبا نضرة - وهذا كما تقول: إنّ زيدًا جاءني وعمرًا جاءاني، فقالا: كذا وكذا. وهذا من فصيح الكلام، واحتجّ على أن حَسَنًا فيه هو الحسن بن مُسلم بن يَنّاق بأنّ سَلَمَة بنَ شَبيب - وهو ثقة - رواه عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قَزعة أنّ أبا نَضْرَة أخبره، وحسَنَ بنَ مسلم بن يَنّاق أخبرهما، أن أبا سعيد أخبره. . . الحديث. ورواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه "الْمُخَرَّج على صحيح مسلم". وقد أسقط أبو مسعود الدمشقيّ وغيره ذِكْرَ حسنٍ أصلًا من الإسناد؛ لأنه مع إشكاله لا مَدْخَل له في رواية الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو عليّ الغسانيّ في كتابه "تقييد المهمل" في ذلك، وبَيَّنَ بُطلانه، وبطلان رواية من غَيَّرَ الضميرَ في قوله: "أخبرهما"، وغَيْرَ ذلك من التغييرات، ولقد أجاد وأحسن رحمه الله تعالى انتهى كلام الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق نفيسٌ جدًّا، كما قال ابن الصلاح (٢). وحاصله: أن قوله: "وحسنًا" معطوف على الضمير المنصوب في "أخبره"

стр. 397

الواقع خبرًا لـ "أن"، من قوله: "أن أبا نضرة أخبره"، وأن قوله: "أخبرهما" تأكيد لقوله: "أخبره وحسنًا"، والله تعالى أعلم. وقوله: (وجعلنا الله فداءك) هو بكسر الفاء، وبالمدّ، ومعناه يَقِيك المكاره، وفيه جواز قول الإنسان لمسلم: جعلني الله فداك، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بابًا في "صحيحه" فقال: "باب قول الرجل: جعلني الله فداك"، ثم قول أبي بكر الصدّيق ﵁ للنبيّ ﷺ ، لَمّا قال: "إن عبدًا خَيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده"، فَدَيْناك بآبائنا وأمهاتنا، والحديث طويل، أخرجه الشيخان. ثم أخرج حديث أنس ﵁، أنه أقبل هو، وأبو طلحة مع النبيّ ﷺ . . . وفيه قول أبي طلحة: "يا نبيّ الله جعلني الله فداك، هل أصابك من شيء؟. . . الحديث، متّفقٌ عليه. قال في "الفتح": وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتاب "آداب الحكماء"، وجزم بجواز ذلك، فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحب من إخوانه غيرَ محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبي ﷺ قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره. قال: وقد ترجم أبو داود نحو ترجمة البخاريّ، وساق حديث أبي ذرّ ﵁ قلت للنبيّ ﷺ : "لبيك وسعديك، جعلني الله فداك. . ." الحديث، وكذا أخرجه البخاري في "الأدب المفرد". قال الطبرانيّ: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فَضَالة عن الحسن، قال: دخل الزبير على النبي ﷺ وهو شاكٍ، فقال: كيف تجدك، جعلني الله فداك؟ قال: "ما تركت أعرابيتك بعدُ"، ثم ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة، وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنه تَرَك الأولى، في القول للمريض، إما بالتأنيس والملاطفة، وإما بالدعاء والتوجع.

стр. 398

[فإن قيل]: إنما ساغ ذلك؛ لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين. [فالجواب]: أن قول أبي طلحة ﵁ كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذر ﵁، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه ﵃، انتهى مُلَخصًا. قال الحافظ: ويمكن أن يُعتَرض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي ﷺ أن يسوغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين وآبائهم، ولو كانوا أسلموا. فالجواب ما تقدم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارةً إلى أن الأصل عدمُ الخصوصية، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "فداكِ أبوكِ"، ومن حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "فداكم أبي وأمي"، ومن حديث أنس ﵁ أنه ﷺ قال مثل ذلك للأنصار. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. ومن فوائد الحديث الباب أيضًا أنه لا عَتْبَ على طالب العلم، المستفتي إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة، وفيه جوازُ مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشقّ عليه، وفيه تأكيد الكلام، وتفخيمه؛ لِيَعْظُم وَقْعُهُ في النفس. والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (وعليكم بالْمُوكَى) هو بضم الميم، وإسكان الواو، مقصورٌ غير مهموز، ومعناه: انبذُوا في السقاء الدقيق الذي يُوكَى، أي يُرْبَط فُوه بالْوِكَاء، وهو الخيط الذي يُرْبَط به. قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان يتعلّق بالحديث سندًا، ومتنًا ما نصّه: فهذه أطراف مما يتعلّق بهذا الحديث، وهي وإن كانت طويلةً، فهي مختصرة بالنسبة إلى طالبي التحقيق. ولقد أجاد رحمه الله تعالى في التنبيه، وأحسن المقال في التنويه، فعليك بالجدِّ والاستفادة، وعلوّ الهمة، وصدق العزيمة والإرادة، ولا تَمِلْ إلى الراحة والكسل، فإنه عنوان الفشل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ومنه التوفيق والعصمة والتفضيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 399

(٧) - (بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإسْلَامِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: (١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرَيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَني رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ تَأْتي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأنِّي رَسُولُ الله، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوم، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) ٤/ ١٥. ٣ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظلي المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حافظ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) ٤/ ٢٨. ٤ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٢٤٧) (ع) ١/ ١. ٥ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكي، ثقة [٦]. رَوَى عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير، وإبراهيم بن ميسرة، ويحيى بن عبد الله بن صيفي، وغيرهم.

стр. 400

ورَوَى عنه أزهر بن القاسم، ورَوْح بن عُبَادة، وبشر بن السَّريّ، وابن المبارك، وعبد الرزاق، ووكيع، وأبو عامر الْعَقَدِيّ، وأبو عاصم، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: لا بأس به. وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: زكريا بن إسحاق قدريّ؟ قال: نخاف عليه، قلت: هو ثقة؟ قال: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الميموني عن أحمد، عن عبد الرزاق، قال لي أبي: الْزَمْ زكريا بن إسحاق، فإني قد رأيته عند ابن أبي نَجِيح بمكان، قال: فأتيته، وإذا هو قد نَسِيَ، وأتاه ابن المبارك، فأخرج له كتابه. وقال ابن المدينيّ، عن سفيان: لم يجالس عطاء، قيل لسفيان: إنهم حَكَوا عنك أن زكريا قال: أخرج إلينا عطاء صحيفةً، فقال سفيان: لا، إنما أراني صحيفةً عنده، ما هي بالكبيرة، فقال: هذه أعطانيها يعقوب بن عطاء، قال هذه التي سمع أبي من أصحاب رسول الله ﷺ وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال ابن معين: كان يَرَى القدر، ثنا رَوْح بن عُبادة قال: سمعت مناديًا على الحجر، يقول: إن الأمير أَمَرَ أن لا يُجالَس زكريا بن إسحاق؛ لموضع القدر، وقال وكيع: ثنا زكريا، وكان ثقةً. وقال الْبَرْقي، والحاكم: كان ثقةً. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. [تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من يُسمّى زكريّا بن إسحاق غير صاحب الترجمة، والله تعالى أعلم. ٦ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) هو: يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صيفيّ، ويقال: يحيى بن محمد، الْمَكيّ مولى بني مَخْزُوم، ويقال: مولى عثمان، ثقة [٦]. رَوَى عن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي معبد، مولى ابن عباس، وأبي سلمة بن سفيان، وعَتّاب بن حُنين، وسعيد بن جبير. وروى عنه ابنُ جريج، وإسماعيل بن أمية، وزكرياء بن إسحاق، وعبد الله بن أبي نجِيح، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: يحيى بن عبد الله بن صَيْفِيّ كان ثقةً، وله أحاديث. وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 401

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٩) وأعاده بعده، و (١٠٨٥). ٧ - (أَبُو مَعْبَدٍ) هو: نافذ - بفاء، وذال معجمة - مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن مولاه، وعنه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبد الله بن صَيْفِيّ، وأبو الزبير، وسليمان الأحول، والقاسم بن أبي بَزَّة، وفُرَات الْقَزّاز. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال الحميديّ عن سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني أبو مَعْبد، وكان من أصدق موالي ابن عباس، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمَر: مات بالمدينة سنة أربع ومائة، وكان ثقة، حَسَنَ الحديث، وفيها أَرّخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٩) وأعاده بعده، و (٥٨٣) وكرره ثلاث مرات، و (١٢٨٢) و (١٣٤١). [تنبيه]: ليس في الرواة من يُسمّى نافذًا غير صاحب الترجمة، وأما من يُكنى بأبي معبد فاثنان، هذا، وأبو معبد السُّلَميّ، واسمه مجالد بن مسعود، أخو مجاشع، صحابيّ، بقي إلى سنة أربعين على الأصحّ، وأخوه أيضًا صَحابيّ، أخرج لهما الشيخان (١) فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄ -٦/ ١٢٣. ٩ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عَدِيّ بن كعب بن عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدَة بن يَزيد بن جُشَم بن الْخَزْرَج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن الْمَدنيّ، صاحب رسول ﷺ ، رُوي أنه كان له ابنان ماتا في طاعون عَمَوَاس، ورُوي أنه مات له ابن في حياة رسول الله ﷺ ، وأنه ﷺ كَتَبَ إليه يُعزّيه عنه، وقال أبو عمر بن عبد البرّ: قال الواقديّ وغيره: كان معاذ بن جبل طُوالًا، حَسَنَ الشعر، أبيض، بَرّاق الثنايا، لم يُولد له قطّ، قال أبو عمر: وقد قيل: إنه وُلد له وَلَدٌ يُسمّى

стр. 402

عبد الرحمن، وإنه قاتل معه يوم اليرموك، وبه كان يُكنى، ولم يَختلفوا أنه كان يُكنى أبا عبد الرحمن، قال: وهو أحد السبعين الذي شهِدُوا العَقَبة من الأنصار، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود، قال الواقديّ: هذا ما لا اختلاف فيه عندنا، وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله ﷺ بين معاذ بن جبل وبين جعفر بن أبي طالب، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً، وشَهِدَ بدرًا، والعقبة، والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ورَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنُ عباس، وأبو موسى الأشعريّ، وابنُ عَمْرو، وابن عُمَر، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وابن أبي أوفى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبو مسلم الْخَوْلانيّ، وأبو عبد الله الصُّنَابحيّ، وأبو وائل، ومسروق، وخلق كثير. قال قتادة عن أنس بن مالك ﵁: جَمَعَ القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعةٌ، كلُّهم من الأنصار: أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال أنس: أبو زيد أحد عمومتي (١). وقال مسروق، عن عبد الله بن عَمْرو: أربعة رهط لا أزال أُحبّهم بعدما سمعت من رسول الله ﷺ قال: "استَقْرِئُوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حُذيفة، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل (٢). وقال أبو قلابة عن أنس ﵁، قال رسول الله ﷺ : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكلّ أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عُبيدة بن الجرّاح" (٣). ويُروَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا ومتصلًا: "يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماءِ بِرَتْوَةٍ". وعن عبد الله بن مسعودء ﵁ قال: إنا كنا نشبهه بإبراهيم ﵇، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٠]، قال: "الأمة " معلم الخير، و"القانت"

стр. 403

المطيع لله ولرسوله ﷺ ، قال: وكذلك كان معاذ، كان يعلّم الناس الخير، وكان مطيعًا لله ولرسوله ﷺ (١). وقال الأعمش عن أبي سفيان: حدثني أشياخ منّا، قالوا: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين إني غِبتُ عن امرأتي سنتين، فجئت وهي حُبلى، فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيلٌ، فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع، فتركها، فولدت غلامًا قد خرجت ثنيّتاه، فعرَفَ الرجل الشبَهَ فيه، فقال: ابني وربّ الكعبة، فقال عمر ﵁: عَجَزَت النساء أن تَلِدَ مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر. ومناقبه وفضائله ﵁ كثيرةٌ جدًّا. قال الهيثم بن عديّ، وغير واحد: مات في طاعون العمواس (٢)، وقال أبو مسهر: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت مثله في كتاب يزيد بن عَبِيدة: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت في كتاب ابن عَبيدة بن أبي المهاجر، وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح، مات معاذ بن جبل في سنة سبع عشرة، وفي تلك السنة فُتح بيت المقدس، وقال يحيى بن معين، وعليّ بن عبد الله التميميّ: مات سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة، زاد يحيى، وهو ابن أربع وثلاثين، وقال الواقديّ عن رجاله: مات سنة ثماني عشرة في الطاعون، وهو ابن ثمان وثلاثين، قال الواقديّ؛ وكان من أجمل الناس، وفيها أرّخه غير واحد، وقيل في سنّه: غير ذلك. أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (١٥٧) حديثًا اتّفقا على حديثين، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث، فجملة ما له في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٩)، و (٣٠) وكره ثلاث مرّات، و (٧٠٦) وكره ثلاث مرات.

стр. 404

[تنبيه]: جملة من يُسمّى بمعاذ نحو أربعة وعشرين شخصًا، ولا يوجد من يُسمّى معاذ بن جبل، غير صاحب الترجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. لطائف من هذا الاسناد: ١ - (منها): من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وغير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين من زكريّا بن إسحاق. ٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد المشايخ التسعة الذين اتفق أصحاب الكتب الستة بالرواية عنهم بغير واسطة، وهم الذين جمعتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ﵁. ٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس، عن معاذ، قال أبو بكر: وربما قال وكيع: عن ابن عباس، أن معاذًا قال". قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي فعله مسلم رحمه الله تعالى نهايةُ التحقيق، والاحتياط، والتدقيق، فإن الرواية الأولى قال فيها: "عن معاذ"، والثانية: "أن معاذًا"، وبين "أَنّ"، و"عن" فرق، فإن الجماهير قالوا: "أَنَّ " كـ"عَن"، فيُحمَل على الاتصال، وقال جماعة: لا تَلْتَحِق "أنَّ" بـ "عَن"، بل تحمل "أن" على الانقطاع، ويكون مُرسَلًا، ولكنه هنا يكون مُرسَل صحابيّ، له حكم المتصل، على المشهور، من مذاهب العلماء، وفيه قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيّ الذي قَدَّمناه في الفصول أنه لا يُحْتَجّ به، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وبين اللفظين، والله تعالى أعلم. انتهى. [فائدة]: من القواعد المهمّة أن الراوي إذا رَوَى حديثًا في قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حَكَى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين بعض

стр. 405

الصحابة، والراوي لذلك صحابيّ أدرك تلك الواقعة، فهي محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يُدْرِك تلك الواقعة، فهو مرسل صحابيّ، وإن كان الراوي تابعيًّا، فهو منقطع، وإن روى التابعيّ عن الصحابيّ قصةً أدركَ وقوعها فمتصلٌ، وكذا إن لم يُدرك وقوعها، ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة، وقد حَكَى ابنُ الْمَوَّاق اتفاقَ أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك. وما نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أن "عَن"، و"أنّ " ليسا سواءً مُنَزَّلٌ على هذه القاعدة، فقد روى الخطيب البغداديّ في "الكفاية" بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: قال عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة سواءٌ؟ قال أحمد: كيف هذا سواءٌ؟ ليس هذا بسواء. وإنما فرّق أحمد رحمه الله تعالى بين اللفظين؛ لأن عروة في اللفظ الأول لم يُسنِد ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فكانت مرسلةً، وأما اللفظ الثاني فأَسنَدَ ذلك إليها بالعنعنة، فكانت متصلة. هكذا حقّق القاعدة الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى (١). وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبي مَعْبَدٍ) - بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة - واسمه نافذ - بالنون، والفاء، والذال المعجمة - وضبطه بعضهم بالدال المهملة، وفي رواية للبخاريّ في "كتاب التوحيد" من طريق إسماعيل بن أميّة، عن يحيى، أنه سمع أبا معبد يقول: سمعت ابن عباس يقول … (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) ﵁ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة الشيخ الأول للمصنّف في

стр. 406

روايته (رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُعَاذًا) هذا من احتياطات مسلم، وتدقيقاته الإسناديّة في المحافظة على اختلاف ألفاظ شيوخه، وتقدّم في مبحث اللطائف وجه الاختلاف بين الروايتين، وأنه لا خلاف بينهما عند الجمهور، وإنما قال بالاختلاف بعض أهل الحديث، ففرّق بين "عن" و"أنّ"، فجعل "عن" للاتّصال، و"أن" للانقطاع، لكن هنا يكون من مرسل صحابيّ، فلا يضرّ، فتنبّه. وقال في "الفتح" عند قوله: "قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن إلخ": ما نصّه: كذا في جميع الطُّرُق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، فقال فيه: "عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، فعلى هذا فهو من مسند معاذ ﷺ ، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج (١)، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من مسند ابن عباس، فقد أخرجه الترمذيّ، عن أبي كُريب، عن وكيع، فقال فيه: "عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بَعَثَ معاذًا"، وكذا هو في "مسند إسحاق بن إبراهيم"، وهو ابن راهويه قال: حدثنا وكيع به، وكذا رواه عن وكيع أحمد في "مسنده"، أخرجه أبو داود عن أحمد، وكذلك عند البخاريّ في "كتاب المظالم" عن يحيى بن موسى، عن وكيع، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، وجعفر بن محمد الثَّعْلبيّ، وللإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة، وموسى بن السُّدِّيّ، والدارقطنيّ، من طريق يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وإسحاق بن إبراهيم البغويّ، كلهم عن وكيع كذلك، فإن ثبتت رواية أبي بكر، فهو من مرسل ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبي ﷺ ، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة انتهى (٢).

стр. 407

وقال ابن الملقّن رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الاختلاف المذكور ما نصّه: ويُجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرّة عن معاذ، فرواه متّصلًا، وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القصّة، فرواه تارة بلا واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر، انتهى (١). [تنبيه]: كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبيّ ﷺ كما ذكره البخاريّ في أواخر "كتاب المغازي"، وقيل كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه ﷺ من تبوك، رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عنه، ثم حَكَى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يَزَل على اليمن إلى أن قَدِمَ في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، واختُلِفَ هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغسانيّ بالأول، ذكره في "الفتح" (٢). وقال في "العمدة": وفي "الإكليل" لابن البيّع: "بعث النبيّ ﷺ معاذًا وأبا موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع"، وزعم ابن الحذّاء أن ذلك كان في شهر ربيع الآخر سنة عشر، وَقَدِمَ في خلافة أبي بكر ﵁ في الحجّة التي حجّ فيها عمر بن الخطاب ﵁، وكذا ذكره سيفٌ في الردّة، وفي "الطبقات": في شهر ربيع الآخر سنة تسع، وفي "كتاب الصحابة" للعسكريّ: "بعثه النبي ﷺ واليًا على اليمن"، وفي "الاستيعاب": لَمّا خلع من ماله لغرمائه بعثه النبيّ ﷺ ، وقال: "لعلّ الله أن يجبُرك"، قال: وبعثه أيضًا قاضيًا، وجعل إليه قبض الصدقات من العمّال الذين باليمن، وكان رسول الله ﷺ قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أُميّة على كِنْدة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الْجَنَد، وأبى موسى على زَبِيد، وعَدَن، والساحل انتهى (٣).

стр. 408

(قَالَ) معاذ ﵁ (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي إلى اليمن، كما سيأتي في الرواية التالية (قَالَ) ﷺ (إِنَّكَ تَأتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا كالتوطئة للتوصية، لتستجمع هِمَّتهُ عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال، من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يَقْدَم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خَصَّهم بالذكر تفضيلًا لهم على غيرهم. قاله في "الفتح". وقال الطيبيّ: قيد قومًا بأهل كتاب، وفيهم أهل الذمّة، وغيرهم من المشركين " تفضيلًا لهم، وتغليبًا على غيرهم. [تنبيهان]: (أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كُريب، وهو تُبّعٌ الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل "السيرة النبويّة". (ثانيهما): قال ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ": تبرّأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن عزيرًا ابنُ الله، وهذا لا يمنع كونه موجودًا في زمن النبيّ ﷺ " لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميعهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح ابن الله طائفة منهم، لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب القلوب (١). وكتب العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن أحد منهم ردّ ذلك ولا تعقّبه، ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى البراءة، فإنهم يُكَذّبون نصّ القرآن، فإن الله أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد ﷺ عندهم، يجدونه مكتوبًا في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل براءتهم مما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن

стр. 409

العربي أن الموجودين في زمنه تبرؤوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعًا، ولا ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد نسب الله القول إلى اليهود والنصارى جملة. انتهى كلام الصنعانيّ (١) وهو تَعَقُّبٌ نفيس، والله تعالى أعلم. (فَادْعُهُمْ) أي ادع أهل اليمن أوّلًا إلى شيئين: أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: شهادة أن محمدًا رسول الله، وفي رواية البخاريّ: "فإذا جئتهم، فادعهم"، قيل: عَبّر بلفظ "إذا " تفاؤلًا بحصول الوصول إليهم (٢) (إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)، قال في "الفتح": كذا في رواية زكريّا بن إسحاق، لم يُختلف فيها، وفي رواية الأكثرين: "وأن محمدًا رسول الله"، وأما إسماعيل بن أمية، ففي رواية رَوْح بن القاسم عنه: "فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله … "، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: "إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك". قال في "الفتح": ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيد الشهادة له بذلك، ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين، الذي لا يصح شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير مُوَحّدٍ فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه، كمن يقول ببنُوَّة عُزير، أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم بالتوحيد؛ لنفي ما يلزم من عقائدهم. وقال الحافظ زين الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: كيفيّة الدعوة إلى الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات، فلمّا كان إرسال معاذ إلى من يُقرّ بالإله والنبوّات، وهم أهل الكتاب أمره بأول ما يدعوهم إلى توحيد الإله، والإقرار بنبوّة محمد ﷺ ، فإنهم وإن كانوا يعترفون بإلهيّة الله تعالى، ولكن يجعلون له شريكًا، لدعوة النصارى أن المسيح ابن الله، ودعوة اليهود أن عُزيرًا ابن الله، تعالى الله سبحانه عما يصفون، وأن محمدًا ﷺ ليس برسول الله أصلًا،

стр. 410

أو أنه ليس برسول إليهم، على اختلاف آرائهم في الضلالة، فكان هذا أول واجب يُدْعَون إليه (١). (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي شَهِدُوا، وانقادوا للإتيان بالشهادتين، وفي رواية للبخاريّ: "فإن هم أطاعوا لك بذلك"، وفي رواية ابن خزيمة: "فإن هم أجابوا لذلك"، وفي رواية الفضل بن العلاء: "فإذا عَرَفُوا ذلك"، وعَدَّى "أطاع" باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقاد. قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أما طاعتهم بالصلاة فتحتمل وجهين: [أحدهما]: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفرضيّتها عليهم، والتزامهم لها. [والثاني]: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة، وقد رُجّح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيّة، فتعود الإشارة بذلك إليها، ويرجّح الثاني بأنهم لو أُخْبِرُوا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يُشترط تلفّظهم بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفّظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان، لا التلفّظ بالإقرار. انتهى (٢). ونقل الصنعانيّ عن ابن الملقّن أن الاحتمال الأول (٣) هو الظاهر، قال: وفي "فتح الباري": الذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار بالفعل كفاه، والأولى أن يكون الامتثال بهما، لكن لم يُذكَر في الحديث. قال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فَأَخْبِرْهم أن الله قد فرض عليهم فعل خمس صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات، كما عبّر في غيره بقوله ﷺ : "وتُقيم الصلاة"، وإقامتها فعلُها، فطاعتهم بفعلها

стр. 411

هو المطلوب، لا مجرّد الإقرار، ولذا ضمَّنَ "أطاعوا"، معنى انقادوا، فعدّاه باللام؛ إذ الانقياد زيادة على مجرّد الطاعة، فالمطلوب منهم في الصلاة فعلها، وهو يتضمّن الإقرار بفرضيّتها، واعتقاده ظاهرًا، وأما التلفّظ بالإقرار بالفرضيّة لها فليس بمراد، ولا وَرَدَ طلب الشارع لذلك إلا في الشهادتين لا غير، فقال الشارح: "ولو بادروا بالامتثال بالقول لكفى" غير ظاهر، بل نقول: التلفّظ بالوجوب بها غير مطلوب منهم، ومثله يَجري في الزكاة، وإنما قلنا: ظاهرًا؛ لأنهم لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم، وأدخلناهم به في حكم الإسلام، ووكلْنا سرائرهم إلى الله كما تقرّر في غير هذا. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَأَعْلِمْهُمْ) بقطع الهمزة، من الإعلام (أَنَّ اللهَ) بفتح "أَنَّ" لأنها في محل نصب على أنها مفعول ثان و"أعلمهم" (افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)، استُدِلّ به على أن الوتر ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في محلّه - إن شاء الله تعالى -. وقال الخطّابيّ: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاةَ ما في يده إذا لم يفضُل من الدين الذي عليه قدر نصاب؛ لأنه ليس بغنيّ إذ كان ماله مستحقًّا لغرمائه. (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ)، أي: لوجوب الصلاة بأدائها، كما ذكرناه (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) أي زكاةً، وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، والمراد بها الزكاة (تُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على أنها صفة لـ"صدقة"، وكذا قوله: "وتُرَدّ" (مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) فيه دليلٌ على أن الزكاة تؤخذ من مال الطفل؛ لعموم قوله: "من أغنيائهم"، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى - (فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) استدلّ به من قال بعدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، والراجح خلافه، وسيأتي تحقيقه في

стр. 412

محلّه أيضًا - إن شاء الله تعالى - (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي لأداء ما فُرِض عليهم من الصدقة (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) أي احترز من أخذ كرائم أموالهم، و"الكرائم": جمع كريمة، وهي النفيسة من المال، وقيل: ما يختصّه صاحبه لنفسه منها ويؤثره، وقال صاحب "المطالع": هي جامعة الكمال الممكِنِ في حقّها، من غَزَارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم، أو صوف، وهكذا الرواية: "فإياك وكرائم" بالواو في قوله: "وكرائم"، قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائم أموالهم بحذفها (١). [تنبيه]: قوله: "فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" بالواو، ولا يجوز تركهما؛ لأن معنى "إِيّاك": اتّق، وهو الذي يقال له التحذير، والمحَذَّر منه إذا ولي الْمُحَذَّر، فإن كان اسمًا صريحًا يُستعمل بـ "مِنْ"، أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإلا لا يُفْهَم منه أنه محذَّر منه، وإن كان فعلًا يجب أن يكون مع "أَنْ"؛ ليكون في تأويل الاسم، فيُستعمل بالواو عطفًا، نحو "إياك وأن تحذف"، فإن تقديره: إياك والحذفَ، أو بـ "مِنْ"، نحو إياك من أن تحذف، ولا يجوز أن يقال: إياك الأسد بدون الواو، وقد نَقَل ابن مالك إياك الأسد بحذف الواو، ولكنه شاذّ يكون في الضرورة (٢). قال في "الخلاصة": "إِيَّاكَ وَالشَّرَّ" وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَار وَجَبْ وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لِـ"إِيَّا" انْسُبْ … وَمَا سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كـ"الضَّيغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي" وَشَذَّ "إِيَّايَ" وَإِيَّاهُ" أَشَد … وَعَنْ سَبِيلِ الْقَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا "إِيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا (وَاتَّقِ) أي احذر (دَعْوَةَ الْمَظْلُوم، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، أي فإن الأمر والشأن، وفي رواية أبي داود: "فإنها" فالضمير للقصّة، أي فإن القصّة. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية الصحيحة في "فإنه" بضمير

стр. 413

المذكّر، على أن يكون ضمير الأمر والشأن، ويحتمل أن يعود على مذكّر الدعوة، فإن الدعوة دعاء، ووقع في بعض النسخ: "فإنها" بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة. انتهى (١). (لَيْسَ بَيْنَهَا) أي بين دعوة المظلوم، وفي رواية: "بينه" بتأويل الدعوة بالدعاء، أي بين دعاء المظلوم (وَبَيْنَ اللهِ) (حِجَابٌ) أي مانع يمنع من الوصول، وقال الطيبيّ: قوله: "واتَّق دعوة المظلوم" تذييلٌ؛ لاشتماله على هذا الظلم الخاصّ من أخذ كرائم الأموال، وعلى غيره مما يتعلّق بالمزكّي، وعلى هذا المظلوم وغيره. وقوله: "فإنه ليس بينها إلخ"، تعليلٌ للاتّقاء، وتمثيل للدعوة بمن يقصد إلى السلطان، متظلّمًا، فلا يُحجب عنه. انتهى (٢). قال ابن العربي رحمه الله تعالى: إلا أنه وإن كان مطلقًا، فهو مقيّد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يُعجّل له ما طلب، وإما أن يدّخر له أفضل منه، إما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قُيّد قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: ٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ الآية [الأنعام: ٤١]، انتهى. [تنبيه]: كتب ابن الملقّن في "شرح العمدة" على قوله: "ليس بينها وبين الله حجاب" ما نصه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري منزّه عن ذلك، إلا أنه ﷺ كان يُخاطب العرب بما تَفهم. والمراد أنها مقبولة على كلّ حال، لا أن للباري جلّ وتعالى حجابًا يحجبه عن الناس، ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا المعنويّ، دون الحسيّ انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي الحجاب؟ كيف ينفي حجاب الله تعالى، من يسمع الحديث الصحيح، حديث

стр. 414

أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط، ويَرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل، قبل عمل النهار، وعمل النهار، قبل عمل الليل، حجابه النورُ"، وفي روايةٍ: "النارُ"، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه، أخرجه مسلم في "صحيحه". وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات الحجاب؟ إن هذا لهو العَجَب العُجاب. ومن العجيب أن صاحب "الفتح" قد ذكر أيضًا نحو هذا الكلام مُقَرِّرًا له، وراضيًا به. والحقّ أننا نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه، من حجاب أو غيره، على المعنى اللائق به ، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولقد صدق في قوله: كان ﷺ يخاطب العرب بما تفهم. ونحن - ولله الحمد - نكتفي بما تفهمه العرب، واكتفت به من ظواهر النصوص التي بلّغها النبيُّ ﷺ أُمَّتَهُ، لأنه هو الصراط المستقيم الذي أوجب الله على عموم الثقلين أن يتّبعوه، وأوجب عليهم أيضًا اعتقاد ما فهموه، فلو كان هذا الذي فهمته العرب غير مراد لبادر ﷺ إلى أنه غير مراد، وبيّن أن المراد كذا وكذا، فقد بيّن جميع ما يحتاج إليه المكلّف، من المعتقدات، والأعمال بيانًا شافيًا، كما أمره الله بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. فيا أيها العاقل اللبيب لا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، بل كن مع الحقّ، ودر معه حيثما دار، تنجُ من مخازي دار البوار، أعاذنا الله منها الرحيم الغفّار. اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 415

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا ٧/ ١٢٩ عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل ﵁. و ٧/ ١٣٠ عن ابن أبي عمر، عن بِشْر بن السريّ - و (ح) عبد بن حميد، عن أبي عاصم - كلاهما (بشر، وأبو عاصم) عن زكريا بن إسحاق، - و ٧/ ١٣١ عن أمية بن بِسطام، عن يزيد بن زُريع، عن رَوْح بن القاسم، عن إسماعيل بن أُميّة - كلاهما (زكريا، وأمية) عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: إنك ستأتي قومًا … ولفظ إسماعيل: "أن رسول الله ﷺ لَمّا بعث معاذًا إلى اليمن قال: إنك تقدَمُ على قوم … والله تعالى أعلم. وأخرجه (البخاريّ) ٢/ ١٣٠ و ٩/ ١٤٥ عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد و ٢/ ١٥٨ عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك و ٣/ ١٦٩ عن يحيى بن موسى، عن وكيع، وفي ٥/ ٢٠٥ عن حِبَّان بن موسى - عن ابن المبارك - ثلاثتهم: (أبو عاصم، وابن المبارك، ووكيع) عن زكريا بن إسحاق به، و ٢/ ١٤٧ عن أميّة بن بِسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، و ٩/ ١٤٠ عن عبد الله بن أبي الأسود، عن الفضل بن العلاء، كلاهما (روح، والفضل) عن إسماعيل بن أميّة كلاهما (زكريا، وإسماعيل) عن يحيى بن عبد الله به. وأخرجه (أبو داود) (١٥٨٤) و (الترمذيّ) (٦٢٥ و ٢٠١٤) و (النسائيّ) ٥/ ٢ و ٥/ ٥٥ و (ابن ماجه) (١٧٨٣) و (أحمد) في "مسنده" ١/ ٢٣٣ و (الدارمي) في "سننه" (١٦٢٢ و ١٦٣٨) و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٧٥) و (٢٣٤٦) و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠ و ١١١ و ١١٢). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر فوائده:

стр. 416

١ - (منها): أن فيه قبولَ خبر الواحد، ووجوب العمل به، مطلقًا، سواء كان في باب العقائد، أو في باب الأحكام، وهو مجمع عليه بين أهل السنة، وإنما خالف فيه بعض أهل الزيغ، وإلى هذا أشرت في "التحفة المرضيّة" بقولي: قَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ أَنْ يُحْتَجَّ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ بِهِ فَهُوَ يَفِي كَبَابِ الأَحْكَامِ لأَنَّ الْحُجَجَا … كِلَيْهِمَا تَعُمُّ خُذْهُ مَنْهَجَا ثُمَّةَ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ فَسَادُهُ وَفِي إِذْ فِيهِ إِبْطَالُ أَحَادِيثَ تَصحّ … بِهَا الْعَقَائِدُ ثُبُوتُهَا يَضِحْ وَأَجْمَعَ الصَّحْبُ الْكِرَامُ وَالتَّبَعْ … عَلَى قَبُولِهَا وَنِعْمَ الْمُتَبَعْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْعَقَائِدِ … أَحْدَثَهُ أُولُو اتِّجَاهٍ فَاسِدِ فَلَيْسَ يُعْرَفُ عَنِ الصَّحْبِ وَلَا … مَنْ بَعْدُ مِنْ ذَوِي الْعُلُوم الْفُضَلَا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ رُؤُوسِ … أَهْلِ الْهَوَى وَالْمَذْهَبِ المَنْحُوسِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ بَاب … مِنْ دُونِ فَرْقٍ لِذَوِي الْأَلْبَابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ الْبَلْوى … وَغَيْرِهِ لَدَى ثُبُوتِ الْفَتْوَى وَبَيْنَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أَوْ … زَادَ عَلَى مَا فِي الْكِتَاب قَدْ رَأَوْا أَوْ خَالَفَ الْقِيَاسَ إِذْ أَدِلَّةُ … وُجُوبِ أَخْذِنَا سَوَاءٌ عَامَةُ (١) هذَا الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ مَنْ سَلَفْ … وَمَا عَنِ الْبَعْضِ أَتَى أَنْ قَدْ عَزَفْ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أُوِّلَ عَلَى … عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ أَوْ وَصَلَا عَنْ غَيْرِ مَوْثُوقٍ أَوِ الْمُعَارِضُ … قَامَ لَدَيْهِمُ فَعَنْهُ أَعْرِضُوا ٢ - (ومنها): أن الكفار يُدْعَون إلى التوحيد قبل القتال، وأن لا يُحكَم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصحّ شيء من فروعه إلا بتحققّه. ٣ - (ومنها): أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة. ٤ - (ومنها): أن الوتر ليس بواجب؛ لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبيّ ﷺ بقليل، بعد الأمر بالوتر، والعملِ به، قال صاحب "التوضيح": وهذا ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش به فقد غَلِط.

стр. 417

وقد ناقشه العينيّ ناصرًا لمذهبه، كعادته في مثل هذا، تركت ذكره؛ لعدم جدواه؛ إذ الانتصار إنما هو للحقّ، لا لآراء الرجال، وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): أن الزكاة فرض. ٦ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله ﷺ : "فتُرَذ في فقرائهم". قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وفيه عندي ضعف؛ لأن الأقرب أن المراد تؤخذ من أَغْنِيَائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من أهل اليمن، وكذلك الردّ عليهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر، فهو محتمل احتمالًا قويًّا، ويقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكليّة لا تُعتبر، ولولا وجود مناسبة في باب الزكاة لقُطع بأن ذلك غير معتبر، وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة، ولا يختصّ بهم قطعًا، أعني الحكم، وإن اختصّ بهم خطاب المواجهة، انتهى كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى من ضعف الاستدلال بهذا الحديث على عدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر هو الأرجح عندي؛ لما بيّنه في تحقيقه، وأما محاولة الصنعاني في "حاشيته" بالردّ عليه، ففيها نظر، فتأملها بعين الإنصاف. وقد مال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" لهذا الكتاب إلى ما رجحه ابن دقيق العيد، فانظره (١). وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من مَلَكَ النصابَ لا يُعطى من الزكاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك رحمهم الله تعالى من حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيًّا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذةٌ منه، فهو غنيّ، والغنيّ لا يُعطَى من الزكاة، إلا في المواضع المستثناة في الحديث، وليس بالشديد القوّة، قاله ابن دقيق العيد (٢).

стр. 418

وأشار بالحديث إلى ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "لا تحلّ الصدقة لغني، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدّق عليه بها، فأهداها لغنيّ". ٨ - (ومنها): بيان عِظَم تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي أن يَعِظَ ولاته، ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويُعَرِّفَهم قُبْحَ عاقبته، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: في الحديث دليلٌ على تعظيم أمر الظلم، واستجابة دعوة المظلوم، وذكر النبيّ ﷺ ذلك عقب النهي عن أخذ كرائم الأموال؛ لأن أخذها ظلم، وفيه تنبيه على جميع أنواع الظلم. انتهى (١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه تحريم الظلم، وتخويف الظالم، وإباحة الدعاء للمظلوم عليه، والوعد الصّدق بأن الله تعالى يستجيب للمظلوم فيه، غير أنه قد تُعجّل الإجابة فيه، وقد تؤخّر؛ إملاءً للظالم، كما قال ﷺ : "إن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ (٢)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وكما قد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى يَرفع دعوة المظلوم على الغمام، ويقول لها: لأنصرَنَّك ولو بعد حين" (٣). ٩ - (ومنها): أنه يَحرُم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج شَرّ المال، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ودلّ الحديث أيضًا على أن كرائم الأموال لا تؤخذ من الصدقة، كالأَكُولة، والرُّبَّى، وهي التي تربّي ولدها، والماخض، وهي الحامل، وفحل الغنم، وحَزَرات المال - بتقديم الزاي، وقيل: بتأخيرها - وهي التي تُحزَرُ بالعين، وتُرمق؛ لشرفها عند أهلها.

стр. 419

والحكمة فيه أن الزكاة وجبت مواساةً للفقراء من مال الأغنياء، ولا يُناسب ذلك الإجحافَ بأرباب الأموال، فسامح الشرع أرباب الأموال بما يَضِنُّون به، وَنَهَى الْمُصَدِّقين عن أخذه، كما نهاهم عن أخذ رديء المال من الهَرِمة، وذات الْعَوَار، والدَّرِّيّة (١)، والمريضة، والشَّرَط، واللئيمة (٢)، فلا يؤخذ على الغنيّ خيار ماله، ولا يُعطِي الفقير شرار ماله، بل الوسط، وهكذا جرت حكمته تعالى بالرفق بالعباد في كلّ أمر من الأمور، له الحمد كثيرًا، وله الحكمة البالغة. انتهى (٣). ١٠ - (ومنها): أن الزكاة لا تُدفع إلى كافر، ولا تُدفع أيضًا إلى غنيّ من نصيب الفقراء. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة، من الصلاة والصوم والزكاة، وتحريم الزنا ونحوها؛ لكونه ﷺ قال: "فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن عليهم"، فدَلّ على أنهم إذا لم يُطيعوا لا يجب عليهم. قال النوويّ: وهذا الاستدلال ضعيف؛ فإن المراد علمهم بأنهم مُطَالَبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبةُ في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، ولأنه ﷺ رَتَّبَ ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهمّ، ألا تراه بدأ ﷺ بالصلاة قبل الزكاة، ولم يقل أحد: إنه يصير مكلفًا بالصلاة دون الزكاة. انتهى كلام النوويّ (٤)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به، والمنهيّ عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين بها، وقيل: مخاطبون بالمنهيّ دون المأمور.

стр. 420

وإلى هذا أشرت في "التحفة المرضيّة" بقولي: وَاعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ خُوطِبُوا … أَنْ يُؤْمِنُوا بِلَا خِلَافٍ يُنْسَبُ أَمَّا بِغَيْرِهِ فَالاخْتِلَافُ جَا … وَالْقَوْلُ بِالْخِطَابِ أَقْوَى حُجَجَا ثم رأيت العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى قد كتب في هذه المسألة بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده هنا لنفاسته: قال رحمه الله تعالى: قوله: "غير مخاطبين بالفروع"، هكذا أطبق الناس عليه، ولا يخفى أن الله بعث الرسل تدعو العباد إلى طاعته تعالى في كلّ ما أمرت به الرسل، من غير تفرقة بين فروع ولا أصول، بل هذه التفرقة والتسمية حادثة اصطلاحًا قطعًا، وقد بيّن ﷺ في حديث عمر ﵁، وإتيان جبريل ﵇ يسأله عن الإيمان، والإسلام، فأجابه بأن: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا". فقال له جبريل: "صدقت". وإذا كان هذا مسمّى الإسلام بالنصّ النبويّ ورواية "بني الإسلام على خمس"، وذكر هذه، أخرج الأولى مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأخرج الثانية الشيخان، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ. وإذا عرفت أن هذا مسمى الإسلام، وقد عرفت أنه ﷺ بُعث يدعو الأمة إلى الإسلام، وقال في كتابه إلى قيصر الذي أخرجه البخاريّ وغيره: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ"، فقد دعا إلى هذا المركّب من الخمسة الأجزاء، وهي سواء في صدقه عليها، فلا فروع، ولا أصول، بل هذه تسمية مبتدعة، وإذا كان كذلك، فالدخول في هذا الإسلام مخاطب به كلّ مكلّف، الكافر مكلّف بالدخول فيه، والاتصاف به، والمسلم مكلّف بالاستمرار عليه، فإن امتنع الكافر عن الدخول فيه عُذّب على تركه كما يُعذّب المسلم على تركه لأيّ أجزائه عمدًا، فالكفّار مخاطبون بهذا الذي اصطلحوا على تسميته فروعًا، فإن امتنع الكافر عن الإسلام عوقب على تركه الإسلام بجميع أجزائه بلا فرق. وقالت الكفّار لَمّا سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]، والرسل من أولهم إلى آخرهم يقولون لأممهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الآية [الأعراف: ٥٩]، وعبادته المأمور بها شاملة لكلّ ما تأمرهم به

стр. 421

الرسل مما سَمَّوه أصولًا، وفروعًا، وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في مسألة خطاب الكفّار بالفروع، وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا فهذا شيء لا يُعرَف في سلف الأمّة وعصر النبوّة، انتهى كلام الصنعانيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): استَدَلَّ به من قال من العلماء أنه لا يشترط التَّبرِّي من كل دين يخالف دين الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عُزير وغيره، فَيُكْتَفَى بذلك. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلمًا، ويُطالَب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة. ١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله، ويُظهرون معرفته، لكن قال حذّاق المتكلّمين: ما عَرَفَ الله من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سمّوه به. قاله في "الفتح". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على حقّ وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من شبّه الله بخلقه، أو أضاف إليه الولد، وأما الباطل، فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من أضاف إلى الله ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ ﷺ في أحاديثه الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف الله، إن

стр. 422

هذا لهو العجب العجاب، فمن اعتقد أن لله تعالى يدًا، لا تشبه أيدي المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٣٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عِنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلى الْيَمَن، فَقَالَ: "إِنَّكَ سَتَأتِي قَوْمًا … " بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ). رجال هذا الإسناد ثمانية: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمَر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف المسند، وكان ملازمًا لابن عيينة، لكن قال فيه أبو حاتم: فيه غفلة [١٠]، (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدّم في ٤/ ٣١. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١]. رَوَى عن جعفر بن عون، وأبي أُسامة، وعبد الله بكر السَّهْمِيّ، ويزيد بن هارون، وابن أبي فُدَيك، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، والضحّاك بن مَخْلَد، والحسين الجعفي، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابنه محمد بن عبد، وسهل بن شاذَوَيْه، وبكر بن الْمَرْزُبَان، وسليمان بن إسرائيل الْخُجَنديّ، وشاه بن جعفر، وآخرون، من آخرهم إبراهيم بن خُرَيم بن قمر اللَّخْمِيّ الشاشيّ، راوية "التفسير"، و"المسند" عنه. قال البخاري في "دلائل النبوة" عقب حديث ابن عمر في حَنِين الجذع:

стр. 423

وقال عبد الحميد: ثنا عثمان بن عُمر، ثنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا، فقيل: إنه عبد بن حُميد هذا، وقال أبو حاتم بن حبان في "الثقات": عبد الحميد بن نَصْر الْكَشّيُّ، وهو الذي يقال له: عبد بن حُميد، وكان ممن جَمَعَ، وصَنَّفَ، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين، وقال صاحب "الشيوخ النبل": مات بدمشق، ولم يذكره مع ذلك في "تاريخ دمشق". قال الحافظ: لعل قوله: "بدمشق" وقع في بعض النسخ السقيمة، فإن أكثر النسخ ليس فيها بدمشق، وقال ابن قانع: مات بِكّشّ، فلعلها كانت في "النبل" كذلك، وتَصحَّفَت، وقرأت بخط الذهبي: لم يدخل عبد بن حُميد دمشق قط، وحَكَى غُنْجَار في "تاريخ بُخَارَى" قال: كان يحيى بن عبد الغفار الكشي مَرِيضًا، فعاده عبد بن حُميد، فقال: لا أبقاني الله بعدك، فماتا جميعًا، مات يحيى، ومات عبد في اليوم الثاني فَجْأَةً من غير مرض، ورُفِعَت جنازتهما في يوم واحد، وقرأت بخط محمد بن مُزَاحِم في ظهر جزء من تفسير عبد: قال: ثنا إبراهيم بن خُرَيم بن خاقان سنة (٣٠٩)، ثنا أبو محمد، عبد الحميد بن حميد، فذكره. وقال الشيرازي في "الألقاب": عبد، وهو عبد الحميد بن حُميد، ثم ساق عن إبراهيم بن أحمد البلخيّ، وهو المستملي: ثنا داود بن سليمان بن خُزَيمة أبو خزيمة ببخارى، أنا عبد الحميد بن حُميد، ثنا يحيى بن آدم، فذكر حديثًا، وكذا ساق الثعلبي في مقدمة تفسيره بسند إليه، من طريق داود بن سليمان هذا، وكذا قال من طريق عُمَر بن محمد الْبُجَيريّ، عن عبد الحميد بن حميد. روى له البخاري في "التعاليق"، ومسلم، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٣٠٧) حديث. [تنبيه]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بـ "عبد" بغير إضافة غير هذا المترجم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأَفْوَهُ البصريّ، سكن مكة، ثقة متقنٌ، طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩]. رَوَى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، ومسعر، والليث، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبد الرزاق، وغيرهم.

стр. 424

وروى عنه يحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو صالح، كاتب الليث، وعبد الله الْمُسْنَد، وعلي بن المدينيّ، وابن أبي عمر الْعَدَنيّ، ومحمود بن غيلان، وغيرهم. وقال عمرو بن عليّ: سألت عبد الرحمن بن مهديّ من حديث إبراهيم بن طَهْمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السَّريّ، فقال: سمعته من بشر، وتسألني عنه؟ لا أحدثك به أبدًا، وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن السريّ، وكان متقنًا للحديث، عجبًا، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذَكَر حديث ﴿نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيْش هذا؟ فوَثَبَ به الحميديّ، وأهلُ مكة، فاعتذر، فلم يُقْبَلْ منه، وزَهِدَ الناس فيه، فلما قدمت مكة المرة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن الثوريّ، ومسعر، وغيرهما، وهو حسن الحديث، ممن يُكْتَب حديثه، ويقع في أحاديثه من النُّكْرة؛ لأنه يروي عن شيخ مُحْتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس به، وقال عباس عن يحيى: رأيته يستقبل البيت، يدعو على قوم يرمونه برأي جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال الْبَرْقَانيّ عن الدارقطنيّ: مكي ثقة، وفي موضع آخر: وَجَدُوا عليه في أمر المذهب، فحَلَفَ، واعتَذَر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في الحديث صدوق. وقال العقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ، وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلم، فسُمِّيَ الأَفْوَهَ، قال: وقال محمود: مات سنة (١٩٥)، وقال غيره: مات سنة (١٩٦)، وهو ابن (٦٣) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٩) و (٦٣٥) و (١٤٥١) و (٢٣٥١) و (٢٤٥٦) و (٢٨١٠). ٤ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلد المذكور قبل حديث. والباقون تقدّموَا في السند الماضي. وقوله: "عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ بَعَثَ معاذًا إلخ"، قال النوويّ في

стр. 425

"شرحه": هذا اللفظ يقتضى أن الحديث من مسند ابن عباس رضى الله عنهما، وكذلك الرواية التي بعده، وأما الأولى فمن مسند معاذ ﵁ ووجه الجمع بينهما أن يكون ابن عباس سمع الحديث من معاذ ﵁، فرواه تارة عنه متصلًا، وتارة أرسله، فلم يذكر معاذًا ﵁، وكلاهما صحيح، كما قدمناه أن مرسل الصحابيّ إذا لم يُعْرَف المحذوف يكون حجةً، فكيف وقد عرفناه في هذا الحديث أنه معاذ ﵁. ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القضية، فتارة رواها بلا واسطة؛ لحضوره إياها، وتارة رواها عن معاذ إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى آخر. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد أسلفنا نحوه لابن الملقّن (١). وقوله: "بمثل حديث وكيع" يعني أن حديث بشر بن السريّ، وأبي عاصم عن زكريّا بن إسحاق بمثل ألفاظ حديث وكيع عنه. [تنبيه]: رواية بِشْرٍ وأبي عاصم اللتان أحالهما المصنف هنا على رواية وكيع أخرجهما أبو نعيم في "مستخرجه"، فقال: حدثناه أبو حامد، ثنا أبو بكر بن خزيمة، ثنا بُندار، ثنا أبو عاصم، ثنا زكريّا بن إسحاق … الحديث. وأما حديث بشر بن السريّ، فحدثناه محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا إسحاق بن أحمد الْخُزَاعىّ القارئ، ثنا محمد بن أبي عمر، ثنا بشر بن السريّ، ثنا زكريّا بن إسحاق، عن يحى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عبّاس: أن النبيّ ﷺ بَعَثَ معاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: "إنك ستأتي قومًا أهل الكتاب، فإذا لقيتهم، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم خمسَ صلوات في يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
следующие страницы →