← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الرسل مما سَمَّوه أصولًا، وفروعًا، وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في مسألة خطاب الكفّار بالفروع، وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا فهذا شيء لا يُعرَف في سلف الأمّة وعصر النبوّة، انتهى كلام الصنعانيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): استَدَلَّ به من قال من العلماء أنه لا يشترط التَّبرِّي من كل دين يخالف دين الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عُزير وغيره، فَيُكْتَفَى بذلك. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلمًا، ويُطالَب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة. ١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله، ويُظهرون معرفته، لكن قال حذّاق المتكلّمين: ما عَرَفَ الله من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سمّوه به. قاله في "الفتح". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على حقّ وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من شبّه الله بخلقه، أو أضاف إليه الولد، وأما الباطل، فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من أضاف إلى الله ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ ﷺ في أحاديثه الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف الله، إن

стр. 422

هذا لهو العجب العجاب، فمن اعتقد أن لله تعالى يدًا، لا تشبه أيدي المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٣٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عِنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلى الْيَمَن، فَقَالَ: "إِنَّكَ سَتَأتِي قَوْمًا … " بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ). رجال هذا الإسناد ثمانية: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمَر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف المسند، وكان ملازمًا لابن عيينة، لكن قال فيه أبو حاتم: فيه غفلة [١٠]، (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدّم في ٤/ ٣١. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١]. رَوَى عن جعفر بن عون، وأبي أُسامة، وعبد الله بكر السَّهْمِيّ، ويزيد بن هارون، وابن أبي فُدَيك، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، والضحّاك بن مَخْلَد، والحسين الجعفي، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابنه محمد بن عبد، وسهل بن شاذَوَيْه، وبكر بن الْمَرْزُبَان، وسليمان بن إسرائيل الْخُجَنديّ، وشاه بن جعفر، وآخرون، من آخرهم إبراهيم بن خُرَيم بن قمر اللَّخْمِيّ الشاشيّ، راوية "التفسير"، و"المسند" عنه. قال البخاري في "دلائل النبوة" عقب حديث ابن عمر في حَنِين الجذع:

стр. 423

وقال عبد الحميد: ثنا عثمان بن عُمر، ثنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا، فقيل: إنه عبد بن حُميد هذا، وقال أبو حاتم بن حبان في "الثقات": عبد الحميد بن نَصْر الْكَشّيُّ، وهو الذي يقال له: عبد بن حُميد، وكان ممن جَمَعَ، وصَنَّفَ، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين، وقال صاحب "الشيوخ النبل": مات بدمشق، ولم يذكره مع ذلك في "تاريخ دمشق". قال الحافظ: لعل قوله: "بدمشق" وقع في بعض النسخ السقيمة، فإن أكثر النسخ ليس فيها بدمشق، وقال ابن قانع: مات بِكّشّ، فلعلها كانت في "النبل" كذلك، وتَصحَّفَت، وقرأت بخط الذهبي: لم يدخل عبد بن حُميد دمشق قط، وحَكَى غُنْجَار في "تاريخ بُخَارَى" قال: كان يحيى بن عبد الغفار الكشي مَرِيضًا، فعاده عبد بن حُميد، فقال: لا أبقاني الله بعدك، فماتا جميعًا، مات يحيى، ومات عبد في اليوم الثاني فَجْأَةً من غير مرض، ورُفِعَت جنازتهما في يوم واحد، وقرأت بخط محمد بن مُزَاحِم في ظهر جزء من تفسير عبد: قال: ثنا إبراهيم بن خُرَيم بن خاقان سنة (٣٠٩)، ثنا أبو محمد، عبد الحميد بن حميد، فذكره. وقال الشيرازي في "الألقاب": عبد، وهو عبد الحميد بن حُميد، ثم ساق عن إبراهيم بن أحمد البلخيّ، وهو المستملي: ثنا داود بن سليمان بن خُزَيمة أبو خزيمة ببخارى، أنا عبد الحميد بن حُميد، ثنا يحيى بن آدم، فذكر حديثًا، وكذا ساق الثعلبي في مقدمة تفسيره بسند إليه، من طريق داود بن سليمان هذا، وكذا قال من طريق عُمَر بن محمد الْبُجَيريّ، عن عبد الحميد بن حميد. روى له البخاري في "التعاليق"، ومسلم، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٣٠٧) حديث. [تنبيه]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بـ "عبد" بغير إضافة غير هذا المترجم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأَفْوَهُ البصريّ، سكن مكة، ثقة متقنٌ، طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩]. رَوَى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، ومسعر، والليث، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبد الرزاق، وغيرهم.

стр. 424

وروى عنه يحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو صالح، كاتب الليث، وعبد الله الْمُسْنَد، وعلي بن المدينيّ، وابن أبي عمر الْعَدَنيّ، ومحمود بن غيلان، وغيرهم. وقال عمرو بن عليّ: سألت عبد الرحمن بن مهديّ من حديث إبراهيم بن طَهْمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السَّريّ، فقال: سمعته من بشر، وتسألني عنه؟ لا أحدثك به أبدًا، وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن السريّ، وكان متقنًا للحديث، عجبًا، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذَكَر حديث ﴿نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيْش هذا؟ فوَثَبَ به الحميديّ، وأهلُ مكة، فاعتذر، فلم يُقْبَلْ منه، وزَهِدَ الناس فيه، فلما قدمت مكة المرة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن الثوريّ، ومسعر، وغيرهما، وهو حسن الحديث، ممن يُكْتَب حديثه، ويقع في أحاديثه من النُّكْرة؛ لأنه يروي عن شيخ مُحْتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس به، وقال عباس عن يحيى: رأيته يستقبل البيت، يدعو على قوم يرمونه برأي جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال الْبَرْقَانيّ عن الدارقطنيّ: مكي ثقة، وفي موضع آخر: وَجَدُوا عليه في أمر المذهب، فحَلَفَ، واعتَذَر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في الحديث صدوق. وقال العقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ، وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلم، فسُمِّيَ الأَفْوَهَ، قال: وقال محمود: مات سنة (١٩٥)، وقال غيره: مات سنة (١٩٦)، وهو ابن (٦٣) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٩) و (٦٣٥) و (١٤٥١) و (٢٣٥١) و (٢٤٥٦) و (٢٨١٠). ٤ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلد المذكور قبل حديث. والباقون تقدّموَا في السند الماضي. وقوله: "عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ بَعَثَ معاذًا إلخ"، قال النوويّ في

стр. 425

"شرحه": هذا اللفظ يقتضى أن الحديث من مسند ابن عباس رضى الله عنهما، وكذلك الرواية التي بعده، وأما الأولى فمن مسند معاذ ﵁ ووجه الجمع بينهما أن يكون ابن عباس سمع الحديث من معاذ ﵁، فرواه تارة عنه متصلًا، وتارة أرسله، فلم يذكر معاذًا ﵁، وكلاهما صحيح، كما قدمناه أن مرسل الصحابيّ إذا لم يُعْرَف المحذوف يكون حجةً، فكيف وقد عرفناه في هذا الحديث أنه معاذ ﵁. ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القضية، فتارة رواها بلا واسطة؛ لحضوره إياها، وتارة رواها عن معاذ إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى آخر. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد أسلفنا نحوه لابن الملقّن (١). وقوله: "بمثل حديث وكيع" يعني أن حديث بشر بن السريّ، وأبي عاصم عن زكريّا بن إسحاق بمثل ألفاظ حديث وكيع عنه. [تنبيه]: رواية بِشْرٍ وأبي عاصم اللتان أحالهما المصنف هنا على رواية وكيع أخرجهما أبو نعيم في "مستخرجه"، فقال: حدثناه أبو حامد، ثنا أبو بكر بن خزيمة، ثنا بُندار، ثنا أبو عاصم، ثنا زكريّا بن إسحاق … الحديث. وأما حديث بشر بن السريّ، فحدثناه محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا إسحاق بن أحمد الْخُزَاعىّ القارئ، ثنا محمد بن أبي عمر، ثنا بشر بن السريّ، ثنا زكريّا بن إسحاق، عن يحى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عبّاس: أن النبيّ ﷺ بَعَثَ معاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: "إنك ستأتي قومًا أهل الكتاب، فإذا لقيتهم، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم خمسَ صلوات في يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 426

وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٣١] ( … ) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسمِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ، أَهلِ كتَاب، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهً فَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَن اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ"). رجال هذا الاسناد: سبعة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) - بالياء والشين المعجمة - هو: أمية بن بِسْطَام بن المُنْتَشِر، أبو بكر البصريّ ابنُ عَمّ يزيد بن زُرَيع، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، وغيرهم. ورَوَى عنه الشيخان، وروى عنه النسائي بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ، وروى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، والْبُوشَنْجِيّ، وابن أبي عاصم، والدُّوريّ، وتَمْتَام، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم. قال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن المنهال أحبّ إليّ منه. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٢٣١). تفرّد به الشيخان، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا. [تنبيه]: قال النوويّ في "شرحه": قوله: "ابن بسطام العيشي: "أما "بِسْطام": فبكسر الباء الموحدة، هذا هو المشهور، وحكى صاحب "المطالع" أيضًا فَتْحَهَا، واختُلِفَ في صرفه، فمنهم من صرفه، ومنهم من لم يصرفه، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "بِسْطام" عجميّ لا ينصرف، قال ابنُ دُريد: ليس من كلام العرب، قال: ووجدته في كتاب ابن الْجُوَاليقيّ في الْمُعَرَّب مصروفًا، وهو بعيدٌ، هذا كلام الشيخ أبي عمرو.

стр. 427

وقال الجوهري في "الصحاح": بِسْطام ليس من أسماء العرب، وإنما سَمَّى قيسُ بن مسعود ابنه بِسْطَامَ باسم ملك من ملوك فارس، كما سَمَّوا قابوس، فعرَّبوه بكسر الباء. والله تعالى أعلم. وأما "العَيْشِيُّ": فبالشين المعجمة، وهو منسوب إلى بني عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وكان أصله العايشيّ، ولكنهم خففوه، قال الحاكم أبو عبد الله، والخطيب أبو بكر البغداديّ: العيشيون بالشين المعجمة بصريون، والعبسيون بالباء الموحدة، والسين المهملة كوفيون، والعنسيون بالنون والسين المهملة شاميون، وهذا الذي قالاه هو الغالب. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (١). وإلى هذا الضابط في "العيشيّ، والعبسيّ، والعنسيّ"، أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله: فِي الْبَصْرَةِ الْعَيْشِيُّ وَالْعَنْسِيُّ … بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ وقد ذَيَّلْتُهُ بقولي: هَذَا هُوَ الْغَالِب في الضَّبْطِ وَقَدْ … يَأتِي مُخَالِفًا فَتَابِعْ مَا وَرَدْ ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) - بتقديم الزاي، مصغّرًا - الْعَيْشيّ، ويقال: التميميّ، أبو معاوية البصريّ الحافظ، ثقة ثبتٌ [٨]. رَوَى عن سليمان التيميّ، وحميد الطويل، وأبي سلمة سعيد بن يزيد، وعمرو بن ميمون بن مهران، وأيوب، وحبيب المعلم، وحبيب بن الشهيد، وخالد الحذّاء، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، وبهز بن أسد، ويحيى بن غَيْلان، وعفان، وأمية بن بِسطام، وزكرياء بن عديّ، وعبدان، والقعنبيّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم. قال إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة: لم يكن أحدٌ أثبت من يزيد بن زريع، وقال أبو بكر الأسدي عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان رَيْحَانة البصرة، وقال أبو طالب عن أحمد: ما

стр. 428

أتقنه، وما أحفظه، يا لك من صحة حديث، صدوقٌ متقن، قال: وكل شيء رواه يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، فلا تبال أن لا تسمعه من أحد، سماعه منه قديم، وكان يأخذ الحديث بنيَّة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: يزيد بن زريع الصدوق الثقة المأمون، وقال الدُّوريّ: سئل ابن معين عن يزيد بن زريع، وعبد العزيز الْعَمّيّ، أيهما مُقَدَّم؟ فقال: يزيد أوثق. وقال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: يزيد بن زريم. وقال سعيد بن صالح: سمعت ابن المبارك يقول لرجل، يحدث عن يزيد بن زريع: عن مثله فحدث. وقال أبو عوانة: صحبت يزيد بن زريع أربعين سنة، يزداد في كل يوم خيرًا، وقال محمد بن المثنى السِّمْسَار: سمعت بشر بن الحكم، وذَكَر يزيد بن زريع، فقال: كان متقنًا حافظًا، ما أعلم أني رأيت مثله، ومثل صحة حديثه. وقال عمرو بن عليّ: أعلى مَن رَوَى عن شعبة يزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد، وذكر جماعةً، وقال أبو حاتم: ثقة إمام. وقال نصر بن عليّ الجهضميّ: رأيت يزيد بن زريم في النوم، فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ قال: أدخلني الجنة، قلت: بم ذاك؟ قال: بكثرة الصلاة. وقال عليّ بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ابنُ زريع أثبت من وهيب، وعنه أيضًا قال: يزيد بن زريع، ثم ابنُ عُلَيَّة، زاد أبو حاتم: ثم بشر بن المفضل، ثم عبد الوارث. وقال عبد العزيز القواريريّ: لم يكن يحيى بن سعيد يُقَدّم في سعيد بن أبي عروبة أحدًا إلا يزيد بن زريع. وقال محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع: ذَكَرُوا الفقهاءَ، وأصحابَ الحديث، ومن لا يُطْعَن عليه في شيء، فذكروا مالكًا، وحماد بن زيد، ويزيد بن زُريع. وحَكَى ابن أبي خَيْثَمَة أن يزيد بن زريع سئل عن التدليس؟ فقال: التدليس كَذِب. وقال النسائيّ: ثقة. وعن عفّان قال: كان أثبت الناس. وقد أشار ابن طاهر في ترجمة عباس الْبَحْرَانيّ إلى أنه تغير بأَخَرة. وقال ابن سعد: كان ثقة حجةً كثير الحديث، وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: وُلد سنة إحدى ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة في شوال، وكان من أورع أهل زمانه،

стр. 429

مات أبوه وكان واليًا على الأُبُلَّة، وخَلَفَ خمسمائة ألف، فما أخذ منها حبة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا. ٣ - (رَوْحٌ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبَرِيّ، أبو غِيَاث - بمعجمة، آخره مثلّثة - البصريّ، ثقة حافظ [٦]. رَوَى عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، وقتادة، ومحمد بن المنكدر، ومنصور، وهشام بن عروة، ومحمد بن عجلان، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وعبد الله بن طاوس، وعطاء بن أبي ميمونة، وسُهيل بن أبي صالح، وعبيد الله بن عُمَر، وعَمْرو بن يحيى بن عُمارة، وإسماعيل بن أمية، في آخرين، ورَوَى عن قتادة حديثًا واحدًا. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن إسحاق، وهما من أقرانه، وعيسى بن شعيب النحويّ، والحسن بن حبيب بن نَدَبَة، ومحمد بن سَوَاء السَّدُوسِيّ، ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة، وكذا قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقال أحمد في موضع آخر: رَوْح بن القاسم، وأخوه هشام من ثقات البصريين، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: لم أر أحدًا طلب الحديث، وهو مُسِنٌّ أحفظ منه. وقال ابن حبان في "الثقات": مات قبل الحجاج بن أرطاة، سنة إحدى وأربعين ومائة، وكان حافظًا متقنًا. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة نيف وخمسين. أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أمَيَّةَ) بن عَمْرو بن سَعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، ابن عم أيوب بن موسى، ثقةٌ ثبت [٦]. رَوَى عن ابن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، مولى ابن عباس، وسعيد المقبريّ، وأبي الزبير، والزهريّ، ومكحول الشاميّ، ومحمد بن يحيى بن حبان، وجماعة. وروى عنه ابنُ جريج، والثوريّ، ورَوح بن القاسم، وأبو إسحاق الفزاريّ، وابن إسحاق، ومعمر، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويحيى بن سليم الطائفيّ، وابن عيينة، وغيرهم.

стр. 430

قال عليّ بن المدينيّ: عن ابن عيينة: لم يكن عندنا قرشيان، مثل إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقال أحمد: إسماعيل أكبر من أيوب، وأحب إليّ، وفي رواية: أقوى وأثبت. وقال ابن معين، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: رجلٌ صالحٌ. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الذُّهْليّ: ثنا علي، هو ابن المدينيّ، سمعت سفيان قال: كان إسماعيل حافظًا للعلم، مع وَرَع، وصدق، وقال الزبير بن بكار: كان فقيه أهل مكة. وقال أبو داود: مات إسماعيل في سجن داود، وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات سنة (١٤٤)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في حبس داود بن عليّ سنة (١٣٩)، وهكذا حكاه البخاري في "تاريخه" عن بقية بن الوليد، وتابعه على ذلك يعقوب بن سفيان، وإسحاق الْقَرّاب، والكلاباذيّ، وغيرهم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. [تنبيه]: قال الدارقطنيّ في حديث معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد، في زكاة الفطر: خالفه سعيد بن مَسْلَمَة عن إسماعيل بن أمية، عن الحارث بن أبي ذُبَاب عن عياض، والحديث محفوظ عن الحارث، ولا نعلم إسماعيل رَوَى عن عياض شيئًا، انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الدارقطنيّ من عدم علمه أن إسماعيل ما روى عن عياض شيئًا يردّه ما وقع في "صحيح مسلم" (١) من التصريح بقول إسماعيل: أخبرني عياض، ودونك نصّ الحديث: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، قال: أخبرني عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ، يقول: كنا نُخرِج زكاة الفطر، ورسول الله ﷺ فينا، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، صاعًا من أقط،

стр. 431

صاعًا من شعير، فلم نزل نخرجه كذلك، حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بُرّ تَعْدِلُ صاعًا من تمر، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك (١). والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (إنك تقدَم) بفتح الدال المهملة، من باب تَعِب، وأراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، أو أغلب، وإنما نبّهه على هذا ليتهيّأ لمناظرتهم، ويُعِدّ الأدلّة لإفحامهم؛ لأنهم أهل علم سابقٍ، بخلاف المشركين، وعَبَدَة الأوثان. قاله القرطبيّ (٢). وقوله: (فَلْيكن أَوَّلَ مما تدعوهم إليه عبادةُ الله بنصب "أوَّلَ" على أنه خبر مقدّم و"يكن"، واسمها قوله: "عبادةُ الله "، ويجوز العكس. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصلُ العبادة التذلّلُ والخضوع، وسُمّيت وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها خاضعين متذلّلين لله تعالى، والمراد بالعبادة هنا هو النطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقوله: (فإذا عَرَفُوا الله، فأخبرهم إلخ)، أي إن أطاعوا بالنطق بكلمتي التوحيد، كما قال في الرواية السابقة: "فإن أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم إلخ"، فسَمَّى الطواعية بذلك، والنطق به معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلا عن المعرفة. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الذي أمرَ به النبيّ ﷺ معاذًا ﵁ هو الدعوة قبل القتال التي كان النبيّ ﷺ يُوصي بها أُمراءه، وقد اختُلف في حكمها على ما سيأتي بيانه في "كتاب الجهاد" - إن شاء الله تعالى -. قال: وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ ﵁ به حجة لمن تمسّك به من المتكلّمين على أن أوّل واجب على كلّ مكلَّف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفّظ بكلمتي الشهادة، مصدِّقًا بها، وقد اختلَفَ المتكلّمون في أول الواجبات على أقوال كثيرة، منها ما يشنع ذكره، ومنها ما ظهر ضعفه، والذي عليه أئمة الفتوى، وبهم يُقتدَى، كمالك،

стр. 432

والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة السلف أن أول الواجبات على المكلّف الإيمان التصديقيّ الْجَزميّ الذي لا ريب معه بالله تعالى، ورسله، وكتبه، وما جاءت به الرسل على ما تقرّر في حديث جبريل ﵇، كيفما حصل ذلك الإيمان، وبأيّ طريق إليه تُوُصّل، وأما النطق باللسان فمُظهر لِمَا استقرّ في القلب من إيمان، وسببٌ ظاهرٌ تترتّب عليه أحكام الإسلام. قال: وقد احتجّ بهذا الحديث من قال: إن الكفّار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، وهو أحد القولين لأصحابنا - يعني المالكيّة - وغيرهم من حيث إنه ﷺ إنما خاطبهم بالتوحيد أوّلًا، فلمّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاة، والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين: [أحدهما]: أنه لم يَنُصّ النبيّ ﷺ على أنه إنما قَدَّم الخطاب بالتوحيد لما ذكروه، بل يَحتمل ذلك، ويَحتَمِل أن يقال: إنه إنما قدَّمه لكون الإيمان شرطًا مُصحّحًا للأعمال الفروعيّة، لا للخطاب بالفروع؛ إذ لا يصحّ فعلها شرعًا إلا بتقدّم وجوده، ويصحّ الخطاب بالإيمان وبالفروع معًا في وقت واحد، وإن كانت في الوجود متعاقبةً، وهذا الاحتمال أظهر مما تمسّكوا به، ولو لم يكن أظهر فهو مساوٍ له، فيكون ذلك الخطاب مُجملًا بالنسبة إلى هذا الحكم. [وثانيهما]: أن النبيّ ﷺ إنما رَتَّب هذه المَواعد ليبيّن الأوكدَ، فالأوكدَ، والأهمَّ، فالأهمَّ، كما بيّنّاه في حديث ابن عمر ﵁ المتقدّم. واقتصار النبيّ ﷺ على ذكر القواعد الثلاث؛ لأنها كانت هي المتعيّنة عليهم في ذلك الوقت المتأكّد فيه، ولا يُظَنُّ أن الصوم والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذ ذاك؛ لأن إرسال معاذ ﵁ إلى اليمن كان في سنة تسع (١)، وقد كان فُرِضَ الحجّ، وأما الصوم ففُرضَ في السنة الثانية من الهجرة، مات النبيّ ﷺ ، ومعاذ باليمن على الصحيح. وقول من قال: إن الرواة سكتوا عن ذكر الصوم والحجّ، قول فاسد؛ لأن الحديث قد اشتَهَرَ، واعتَنَى به الناسُ سلفًا وخَلَفًا، فلو ذكر رسول الله ﷺ له شيئًا من ذلك لنُقِلَ. انتهى (٢).

стр. 433

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القرطبيّ بقوله: "وقول من قال إلخ" إلى الردّ على ابن الصلاح في قوله: إن ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض في حديث معاذ ﵁ هذا من تقصير الراوي انتهى (١)، وقد أجاد القرطبيّ في الردّ عليه، والله تعالى أعلم. وقد أجاد البحث في هذا في "الفتح" حيث قال: ما نصّه: لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتُعُقّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية؛ لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُرِّرَا في القرآن، فمن ثَمَّ لم يُذْكَر الصوم والحج في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وَجَبَا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم، فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه، كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذٍ لم يكن شُرعَ، انتهى. قال الجامع: أما قوله: "ويحتمل أنه لم يكن شُرع" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه فرض قبله على الراجح كما سبق، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وقال البُلْقينيّ رحمه الله تعالى: إذا كان الكلام في بيان الأركان، لم يُخِلّ الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر ﵁: "بُنِيَ الإسلام على خمس"، إذا كان الدعاء إلى الإسلام، اكتَفَى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١١] في موضعين من براءة، مع أن نزوله ما بعد فُرِضَ الصوم والحج قطعًا، وحديث ابنِ عمر أيضًا: "أُمِرت أن أقاتل الناس حشى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة منها اعتقاديّ، وهو الشهادة، وبدنيّ، وهو الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى

стр. 434

الإسلام عليها؛ لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محضٌ، والحجّ بدنيّ ماليّ، وأيضًا فكلمة الإسلام، هي الأصل، وهي شاقّة على الكفار، والصلوات شاقّة؛ لتكررها، والزكاة شاقّة؛ لما في جِبِلّة الإنسان من حُبّ المال، فإذا أَذْعَنَ المرء لهذه الثلاثة، كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره الْبُلْقِينيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى عند قوله: "فإذا عرفوا الله فأخبرهم إلى آخره": ما نصه: هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين بالله تعالى، وهو مذهب حُذّاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين بالله تعالى، وإن كانوا يعبدوف، ويظهرون معرفته؛ لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يَمْنَع أن يعرف الله تعالى من كَذب رسولًا. قال القاضي عياض ﵀: ما عرف الله تعالى مَنْ شَبَّهَهُ، وجَسَّمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج، من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك، والمعاند في خلقه من المجوس، والثَّنَويّة، فمعبودهم الذي عبدوه، ليس هو الله، وإن سَمَّوه به؛ إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة له، فإذن ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه النكتة، واعتَمِد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفاسيّ (٢) بين عامة أهل القيروان، عند تنازعهم في هذه المسألة.

стр. 435

انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي عياض بقوله: "وبهما قطع الكلام أبو عمران إلخ" إلى قصّة ساقها الحافظ الذهبيّ في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة أبي عمران الفاسيّ المذكور، فقال: وحكى القاضي عياض، قال: حَدَثَ في الْقَيْرَوان مسألة في الكفار، هل يَعرِفون الله تعالى، أم لا؟ فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في ألسنة العامّة، وكَثُرَ المراء، واقتتلوا في الأسواق، إلى أن ذَهَبُوا إلى أبي عمران الفاسيّ، فقال: إن أنصتم عَلَّمتكم، قالوا: نعم، قال: لا يُكَلِّمني إلا رجل، ويسمع الباقون، فَنَصَبُوا واحدًا، فقال له: أرأيتَ لو لقيت رجلًا، فقلت له: أتَعْرِف أبا عمران الفاسيّ؟ قال: نعم، فقلت له: صفه لي، قال: هو بَقّالٌ في سوق كذا، ويسكن سَبْتَةَ، أكان يعرفني؟ فقال: لا، فقال: لو لقيتَ آخر، فسألته كما سألت الأولَ، فقال: أعرفه، يُدَرِّسُ العلم، ويُفتي، ويسكن بغرب الشماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم، قال: فكذلك الكافر قال: لربه صاحبةٌ، وولدٌ، وأنه جسم، فلم يعرف الله، ولا وصفه بصفته، بخلاف المؤمن، فقال: شَفَيتنا، ودَعَوا له، ولم يخوضوا بعدُ في المسألة. قال الذهبيّ معلّقًا على الكلام: المشركون والكتابيون وغيرهم عَرَفُوا الله تعالى، بمعنى أنهم لم يَجْحَدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فهؤلاء لم يُنكروا البارئ، ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، وإنما جَهِلُوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، وأما المؤمن فعرف ربه بصفات الكمال، ونَفَى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكَفَّ عما لا يَعْلَم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عَرَفَ الله من وجه، وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضُهُم أكمل معرفةً لله،

стр. 436

والأولياءُ فعرفوه معرفة جيدةً، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون العالمون بَعْدَهُم، ثم الصالحون دونهم، فالناس في معرفة ربهم متفاوتون، كما أن إيمانهم يزيد وينقص، بل وكذلك الأمة في الإيمان بنبيهم، والمعرفة له على مراتب، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق ﵁ مثلًا، ثم عددٌ من السابقين، ثم سائر الصحابة، ثم علماء التابعين، إلى أن تنتهي المعرفة به، والإيمان به إلى أعرابي جاهل، وامرأة من نساء القُرَى، ودون ذلك، وكذلك القول في معرفة الناس لدين الإسلام، انتهى كلام الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. وقوله: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يُسْتَدَل بلفظة "من أموالهم" على أنه إذا امتنع من الزكاة، أُخِذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته، ويَجزِيه ذلك في الباطن، فيه وجهان لأصحابنا - يعني الشافعيّة - انتهى (٢). وقوله: (فتردّ على فقرائهم) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ لمالك على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف المذكورين في الآية، وأنه يجوز للإمام أن يَصرفها إلى صنف واحد من الأصناف المذكورين في الآية، إذا رآه نظرًا ومصلحةً دينيّةً، وسيأتي هذا البحث مستوفًى في "كتاب الزكاة" - إن شاء الله تعالى. وفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها من وجبت عليه للإمام العدل الذي يضعها مواضعها، ولا يجوز لمن وجبت عليه أن يلي تفرقتها بنفسه إذا أقام الإمام من تُدفع إليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في هذا الاستدلال نظر، والذي يظهر لي أنه لا وجوب في ذلك إلا لموجب طارئ، كأن يكون الإمام ألزم أرباب الأموال الدفع إليه، وسنعود لاستيفاء البحث في موضعه - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (وتوقّ كرائم أموالهم)، أي احذر من أخذ خيار أموالهم،

стр. 437

ونفائسها، حذّره من ذلك نظرًا لأرباب الأموال، ورفقًا بهم، وكذلك أيضًا لا يأخذ من شرار المال، ولا معيبه؛ نظرًا للفقراء، فلو طابت نفس ربّ المال بشيء من كرائم أمواله جاز للمصدّق أخذها منه، ولو أن المصدّق رأى أن يأخذ معيبةً على وجه النظرة لمصلحة الفقراء جاز. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٨) - (بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٣] (٢٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّه، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاة، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِه، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلْقِتَال، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَقُّ). رجال هذا الاسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بْن جَميل الثقَفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلَانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) ٤/ ٤٩. ٢ - (لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْمِيّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ

стр. 438

فقيهٌ، إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨. ٣ - (عُقَيْل) بضم المهملة، مصغّرًا - ابن خالد بن عَقِيل - بالفتح (١) - الأيليّ - بفتح الهمزة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم لام - أبو خالد الأمويّ مولى عثمان، ثقة ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦]. رَوَى عن أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن أبي سعيد الخدريّ، وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وسلمة بن كهيل، والزهريّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن رَوْح، والمفضل بن فَضالة، والليث بن سعد، وابن لَهِيعة، وجابر بن إسماعيل، وسعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وحدث عنه يونس بن يزيد الأَيْلِيّ، وهو من أقرانه، وغيرهم. قال أحمد، ومحمد بن سعد، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن معين: أثبت مَن رَوَى عن الزهري مالك، ثم معمر، ثم عُقيل، وعن ابن معين في رواية الدُّوريّ: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعُقيل، وشُعيب، وسفيان. وفي رواية ابن أبي مريم عن ابن معين: عُقيل ثقة حجة، وقال عبد الله بن أحمد ذُكِرَ عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عُقيل، وإبراهيم بن سعد، كأنه يضعفهما، فقال: وأَيُّ شيء هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرْهم. وقال العجليّ: أيْلِيّ ثقة. وقال البخاريّ: قال عليّ، عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد: كان عُقيل يحفظ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العقيليّ: صدوق، تَفَرَّد عن الزهري بأحاديث، قيل: لم يَسمَع من الزهريّ شيئًا إنما هو مناولة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ضُعْفُ هذا القول مما لا يخفى على بصير، فإن سماع عُقيل من الزهريّ ظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال إسحاق بن راهويه: عُقيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال أبو

стр. 439

زرعة: صدوق ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: عُقيل أحب إليك أم يونس؟ قال: عُقيل أحب إليّ، لا بأس به، قال: وسئل أبي: أيما أثبت، عُقيل أو معمر؟ فقال.: عُقيل أثبت، كان صاحب كتاب، وكان الزهري يكون بأيلةَ، وللزهري هناك ضَيعة، وكان يكتب عنه هناك. قال المَاجِشُون: كان عُقيل شُرْطيًا عندنا بالمدينة، ومات بمصر سنة (١٤١)، وقال محمد بن عُزَيز الأيليّ: مات سنة (١٤٢)، وقال ابن السَّرْح عن خاله: مات سنة (١٤٤)، وفيها أَرَّخه ابن يونس. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحافظ الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) ٢/ ١٤. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ الصحابيّ المشهور المتوفّى سنة (٥٩) وقيل: غير ذلك (ع) ١/ ٢. ٧ - (عمر) بن الخطّاب الخليفة الثاني ﵁ استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) ٢/ ٩. ٨ - (أبو بكر) بن أبي قُحَافة الصّدّيق، عبد الله بن عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ القرشيّ التيميّ، خليفة رسول الله ﷺ ، وصاحبه في الغار، وقيل: اسمه عَتيق، وأمه أُمُّ الخير، سَلْمَى بنت صَخْر بن عامر بن كعب، ابنة عمّ أبيه، وقد أسلم أبواه، وُلد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. أخرج ابن الْبَرْقِيّ من حديث عائشة تذاكر رسول الله ﷺ وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبيّ ﷺ أكبر، وصَحِبَ النبيّ ﷺ قبل البعثة، وسَبَقَ إلى الإيمان به، واستَمَرَّ معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كُلِّها، إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحَجَّ في الناس في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع، واستَقَرّ خليفة في الأرض بعده، ولَقّبَه المسلمون خليفة رسول الله ﷺ .

стр. 440

روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأولاده: عبد الرحمن، وعائشة، ومحمد، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعقبة بن الحارث النَّوْفَلِيُّ، وأنس، وجابر، والبراء، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وأبو عبد الله الصُّنَابحيّ، وأسلم مولى عمر، وأوسط البجليّ، وقيس بن أبي حازم، وطارق بن شهاب، وأبو الطفيل، وجماعة. قال سعيد بن منصور: حدّثني صالح بن موسى، حدثنا معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵁ قالت: اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله، ولكن غَلَب عليه اسم عتيق. وفي "المعرفة" لابن منده: كان أبيض نَحيفًا خَفيف العارضين، معروق الوجه، ناتئ الجبهة، يَخضِب بالحناء والكتم. وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ، وأسنده الزبير بن بَكّار عنه، بسند له إلى عائشة، وأخرج ابن أبي الدنيا عن الزهريّ: كان أبيض لَطِيفًا جَعْدًا، مُشرِف الْوَرِكين. وأخرج أبو يعلى، عن سُويد بن غَفَلة، عن صالح بن موسى بهذا السند إلى عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ وأصحابه بفناء البيت، إذ جاء أبو بكر، فقال النبيّ ﷺ : "من سَرَّه أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر"، فغلب عليه اسم عتيق (١). وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن محمد بن سيرين، قال: كان اسم أبي بكر عَتيق بن عثمان، وأخرج ابن سعد، وابن أبي الدنيا من طريق ابن أبي مُليكة: كان اسم أبي بكر عبد الله، وإنما كان عَتيقٌ لَقَبًا، وفي "المعرفة" لأبي نعيم من طريق الليث سُمِّي أبو بكر عَتيقًا لجماله، وذكر عباس الدُّوريّ عن يحيى بن جعفر نحوه. وفي "تاريخ الفضل بن دكين" سُمِّي عتيقًا؛ لأنه قديم في الخير، وقال الفلاس في "تاريخه": سُمّي عتيقًا لعتاقة وجهه.

стр. 441

قال ابن إسحاق: كان أنسب العرب. وقال العجليّ: كان أعلم قريش بأنسابها. وقال ابن إسحاق في "السيرة الكبرى": كان أبو بكر رجلًا مُؤَلَّفًا (١) لقومه، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرًا ذا خُلُق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وَثِقَ به، فأسلم على يديه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن سالم بن أبي الْجَعْد، قلت لمحمد بن الحنفية: لأيّ شيء قُدِّم أبو بكر حتى لا يُذكرَ فيهم غيره؟ قال: لأنه كان أفضلَهم إسلامًا حين أسلم، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله، وأخرج أبو داود في "الزهد" بسند صحيح عن هشام بن عروة، أخبرني أبي قال: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألف درهم، قال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات، وما ترك دينارًا ولا درهمًا. وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا الْحُمَيْدِيّ، حدثنا سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألفًا، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعةً كلهم يُعَذَّب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فُهَيرة، وَزُنَّيْرَة (٢)، والنهدية، وابنتها، وجاريةَ بني المؤمل، وأم عُبيس، وأخرج الدارقطني في "الأفراد" من طريق أبي إسحاق، عن أبي يحيى، قال: لا أُحصي كم سمعت عليًّا يقول على المنبر: إن الله سَمَّى أبا بكر على لسان نبيه ﷺ صِدِّيقًا. ومن أعظم مناقبه ﵁ قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، ولا يُعتَرضُ بأنه لم يتعين؛ لأنه كان مع النبيّ ﷺ في الهجرة عامر بن فُهَيرة، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن أُرَيقط الدَّلِيل؛ لأنا نقول: لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر ﵁؛ لأن عبد الله بن أبي بكر استَمَرَّ بمكة،

стр. 442

وكذا عامر بن فُهيرة، وإن كان ترددهما إليهما مدة لُبثهما في الغار استمرت، لعبد الله من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك، كما في نفس الخبر، وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك، وثبت في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر، وهما في الغار: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يَشْرَكه في هذه المنقبة غيره. وعند أحمد من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي تميم: أن النبيّ ﷺ قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما". وفي "الصحيح" عن عمرو بن العاص، قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ فذكر رجالًا، وأخرج الترمذيّ، والبغويّ، والبزار، جميعًا عن أبي سعيد الأشجّ، عن عقبة بن خالد، عن شعبة، عن الْجُرَيريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال أبو بكر: "ألست أوّلَ من أسلم، ألست أحقَّ بهذا الأمر، ألست كذا، ألست كذا"، رجاله ثقات، لكن قال الترمذي والبزار: تفرد به عقبة بن خالد، ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، فلم يذكر أبا سعيد، قال الترمذيّ: وهو أصح. وأخرج البغويّ من طريق يوسف بن الماجشون: أدركت مَشيختنا: ابن المنكدر، وربيعة، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أبا بكر أولُ القوم إسلامًا. وأخرج البغوي بسند جيد عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: وَليَنَا أبو بكر، فخير خليفة، أرحم بنا، وأحناه علينا. وقال إبراهيم النخعي: كان يُسَمَّى الأوّاه لرأفته. وقال ميمون بن مِهْران: لقد آمن أبو بكر بالنبيّ ﷺ من زمن بَحِيراء الراهب واخْتَلَفَ بينه وبين خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد عليّ ﵁. وقال أبو أحمد العسكريّ: كانت إليه الْأَشْنَاق في الجاهلية، وهي الديات، كان إذا حَمَلَ شيئًا، فسأل فيه قريشًا صَدَّقُوه، وأمضوا حمالته، وإن احتملها غيره لم يُصَدِّقُوه، وخَذَلُوه، وذَكَرَ ابن سعد، عن ابن شهاب، أن أبا بكر، والحارث بن كَلَدَة أكلا حَرِيرةً أُهديت لأبي بكر، فقال الحارث وكان طبيبًا: ارفع يدك، والله إن فيها لَسُمَّ سنة، فلم يزالا عَلِيلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد.

стр. 443

ومن أعظم مناقب أبي بكر ﵁ أن ابن الدَّغِنَة سيد القارة لَمّا رَدّ إليه جواره بمكة، وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبيّ ﷺ لَمّا بُعِثَ فتواردا فيهما على نعت واحد، من غير أن يتواطآ على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛ لأن صفات النبيّ ﷺ منذ نشأ كانت أكمل الصفات. وقد أطنب أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة الصديق ﵁ حتى إن ترجمته في "تاريخه" على كبره تجيء قدر ثمن عشره، وهو مجلد من ثمانين مجلدًا. وَليَ الخلافة بعد النبيّ ﷺ سنتين وشيئًا، وقيل: عشرين شهرًا، تُوُفِّي يوم الاثنين في جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه عُمَر، ودُفِن مع رسول الله ﷺ (١). أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٤٢) حديثًا (٢)، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٢٠) و (١٧٥٧) و (١٧٥٩) وأعاده، و (٢٠٠٩) وكرده ثلاث مرات، و (٢٣٨١) و (٢٧٠٥) والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغلاني، نسبة إلى بَغْلان قرية من قرى بَلْخَ، والباقيان مصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن الصحابيين الخليفتين الراشدين، من العشرة المبشّرين بالجنة ﵁، ورواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم [من الطويل]: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ

стр. 444

٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. وقد تقدّم بيان بعض هذه اللطائف، وإنما أعدته تذكيرًا وتقريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ) هكذا رواه الأكثر عن الزهري بهذا السند، على أنه من رواية أبي هريرة، عن عمر، وعن أبي بكر ﵁، وقال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله ﷺ قال: "أُمِرت أن أقاتل الناس … " الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هريرة ﵁ ولم يذكر أبا بكر ولا عمر، أخرجه مسلم بعد هذا الحديث، وهو محمول على أن أبا هريرة ﵁ سمع أصل الحديث من النبيّ ﷺ ، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر ﵁، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ بلا واسطة من طُرُق، فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، ومن طريق أبي صالح ذكوان، كلاهما عن أبي هريرة، وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الْعَنْبَس، سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه، وأخرجه أحمد من طريق هَمّام بن مُنَبِّه، ورواه مالك خارج "الموطإ" عن أبي الزناد، عن الأعرج، وذكره ابن منده في "كتاب الإيمان" من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، كلهم عن أبي هريرة، ورواه عن النبيّ ﷺ أيضًا ابنُ عمر، وجابر، وطارقٌ الأشجعيّ، كما سيأتي عند المصنّف بعد هذا، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، من حديث أنس ﵁، وأصله عند البخاريّ في أوائل الصلاة من "صحيحه"، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عن أنس ﵁، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: "عن أنس، عن أبي بكر"، وأخرجه البزار من حديث النعمان بن بشير ﵄، وأخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ ﵃، وفي الأوسط" من حديث سمرة ﵁، وسأذكر ما في روايات هؤلاء من الفوائد

стр. 445

الزائدة في مواضعها - إن شاء الله تعالى (١). (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) فعلٌ ونائب فاعله، أي مات، والوفاة: الموت، وتوفّاه الله: قبض روحه، قاله في "القاموس" (٢). وقال في "اللسان": الوفاة: المنيّةُ، وتُوُفِّيَ فلانٌ، وَتَوَفَّاه الله: إذا قبض نفسه، قال: وتَوَفِّي الميتِ: استيفاء مدّته التي وُفِيَت له، وعددَ أيامه وشُهُوره وأعوامه في الدنيا. انتهى (٣). وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]: قراءة الجمهور ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله، وقرأ أمير المؤمنين يعني عليًّا ﵁ ورواها المفضّل عن عاصم بفتح الياء علي بنائه للفاعل، ومعناها: يستوفُون آجالهم، قاله أبو القاسم الزمخشريّ، والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلفَ جنازة، فقال له رجلٌ: مَن المتَوَفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ ﵁ على أن أمره بوضع كتابٍ في النحو، وهذا تناقضه هذه القراءة، انتهى كلام السمين (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يجوز أن يُقرأ "تَوَفَّى" بفتح التاء، مبنيًّا للفاعل، ويكون "رسول الله ﷺ " مرفوعًا على الفاعليّة، وهذا على تقدير صحة الرواية به، وإلا فالرواية على الوجه الأول متّبعة. والله تعالى أعلم. (وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) ببناء الفعل للمفعول، أي صار خليفةً (بَعْدَهُ) أي بعد رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة (وَكفَرَ مَنْ كفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: "لما تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ ارتدّ عامّة العرب"، وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لَمّا قُبض رسول الله ﷺ ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُوَاثَا (٥).

стр. 446

وقالى الطيبيّ: قوله: وكفر من كفر: يريد غَطَفَان، وفَزَارة، وبني سُلَيم، وبني يربوع، وبعض بني تميم، وغيرهم منعوا الزكاة، فأراد أبو بكر ﵁ أن يقاتلهم، فاعترضه عمر ﵁ بقوله: "كيف تقاتل الناس … " (١). وقال أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل": انقسمت العرب بعد موت النبيّ ﷺ على أربعة أقسام: طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور. وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى. والثالثة أعلنت بالكفر، والردّة كأصحاب طُلَيحة، وسَجَاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ. وطائفة توقّفت، فلم تُطع أحدًا من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سَجَاح، ورجع غالب من كان ارتدّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد انتهى (٢). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف: صنف كفر بَعْدَ إسلامه، ولم يلتزم شيئًا، وعاد لجاهليّته، واتّبَعَ مسيلمة الكذّاب، والأسودَ الْعَنسيّ، وصدّق بهما، وكان كلّ منهما ادَّعَى النبوّة قبل موت النبيّ ﷺ ، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِلَ الأسودُ قبل موت النبيّ ﷺ بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبيّ ﷺ في خلافة أبي بكر ﵁، وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه. وصنفٌ أقرّ بالإسلام إلا الزكاة، فجحدها، وتأوّل بعضهم أن ذلك كان خاصًّا للنبيّ ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].

стр. 447

وصنفٌ اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر ﵁، فقال: إنما قَبْضُها للنبيّ ﷺ خاصّةً، لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر والصحابة ﵁ قتال جميعهم: الصنفان الأولان لكفرهم، والثالث لامتناعهم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا الصنف الثالث هم الذين أشكل أمرهم على عمر ﵁، فباحَثَ أبا بكر ﵁ في ذلك حتى ظهر له الحقّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر ﵁ فوافقه على ذلك، ولذلك قال: "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقّ": أي ظهر له من الدليل، وحَصَل له من ثَلَجِ الصدر (١)، وانشراحه لذلك مثلُ الذي حصل لأبي بكر ﵁، لا أنه قلّده، واتّبعه بعد ظهور الدليل؛ لأن التقليد لا ينشرح به الصدر، ولا يُعرف به الحقّ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن يقلّد مجتهدًا عند تمكّنه من الاجتهاد، كما بُيّن في محلّه من أصول الفقه. ثم إن أبا بكر ﵁ قاتل جميع المرتدّين الثلاثة الأصناف، وسَبَى ذراريّهم، قال القاضي: وَحَكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلما تُوفّي أبو بكر ﵁، ووُلي عمر ﵁ ردّ عليهم سبيهم، وحكم عليهم بحكم المرتدّين، وكان أبو بكر ﵁ يرى سَبْيَ أولاد المرتدّين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من المالكيّة، وكان عمر ﵁ يرى أنهم لا يُسبَوْن، ولذلك رَدَّ سَبيهم، وبهذا قال جمهور العلماء، وأئمة الفتوى (٢). وقد ذكر الإمام الخطابيّ رحمه الله تعالى في كتابه "معالم السنن": في شرح هذا الكلام (٣) كلامًا حسنًا، لا بُدّ من ذكره؛ لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى: مما يجب تقديمه في هذا أن يُعْلَمَ أن أهل الرّدّة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى الكفر، وهم الذين

стр. 448

عناهم أبو هريرة ﵁ بقوله: "وكَفَرَ من كفر من العرب"، وهذه الفرقة طائفتان. إحداهما: أصحاب مسيلمة، من بني حنيفة وغيرهم الذين صَدّقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسيّ، ومن كان من مستجيبيه، من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبيّنا محمد ﷺ ، مُدّعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر ﵁ حتى قَتَلَ الله مسيلمة باليمامة، والعنسيّ بصنعاء، وانفضت جموعهم، وهلك أكثرهم. والطائفة الأخرى ارتدُّوا عن الدين، وأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادُوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يُسْجَدُ لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين، في قرية يقال لها جُوَاثا، ففي ذلك يقول الأعور الشنّي (١) يفتخر بذلك [من البسيط]: وَالْمَسْجِدُ الثَّالِثُ الشَّرْقِيُّ كَانَ لَنَا … وَالْمِنْبَرَانِ وَفَصْلُ الْقَوْلِ فِي الْخُطَبِ أَيَّامَ لَا مِنْبَرٌ لِلنَّاسِ نَعْرِفُهُ … إِلَّا بِطَيْبَةَ وَالْمَحْجُوجِ ذِي الْحُجُبِ وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم، من الأزد محصورين بِجُوَاثَا إلىَ أن فتح الله على المسلمين اليمامة، فقال بعضهم، وهو رجل من بني أبي بكر بن كلاب، يَستنجِد أبا بكر الصديق ﵁[من الوافر]: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا … وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَوْمٍ كِرَامٍ … قَعُودٍ فِي جُوَاثَا مُحْصَرِينَا كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ فَجِّ … دِمَاءُ الْبُدْنِ تُغْشِي النَّاظِرِينَا تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمنِ إِنَّا … وَجَدْنَا النَّصْرَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا والصنف الآخر هم الذين فَرَّقُوا بين الصلاة والزكاة، فأقرُّوا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغيٍ، وإنما لم يُدْعَوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا؛ لدخولهم في غمار أهل الرِّدَّة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين

стр. 449

وأهمهما، وأُرِّخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب ﵁؛ إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة، من كان يَسْمَح بالزكاة، ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يَرْبُوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر ﵁، فمنعهم مالك بن نُوَيرة عن ذلك، وفرَّقها فيهم، وقال في شعر له [من الطويل]: فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ … مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ سَأجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَتَّقُونَهُ … وَأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي وقال بعض شُعرائهم، ممن سلك هذه الطريقة في منع الزكاة، يُحَرِّض قومه، ويأمرُهُم على قتال من طالبهم بها [من الطويل]: أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ مَا دَامَ بَيْنَنَا … فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبي بَكْرِ؟ وَإِنَّ الَّذِي سَالُكُمُ (١) فَمَنَعْتُمُ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ سَنَمْنَعُهُمْ مَا دَامَ فِينَا بَقِيَّةٌ … كِرَامًا عَلَى الْعَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلافُ، ووقعت الشبهة لعمر ﵁، فراجع أبا بكر ﵁، وناظره، واحتج عليه بقول النبيّ ﷺ : "أُمِرتُ أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصَمَ نفسه وماله"، وكان هذا من عمر ﵁ تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر ﵁: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايَسَهُ بالصلاة، ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة ﵃، لذلك رَدَّ الْمُخْتَلَفَ فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر ﵁ بالعموم، ومن أبي بكر ﵁ بالقياس، ودَلَّ ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد، من شرط، واستثناءٍ مُرَاعًى فيه، ومُعْتَبرٌ صحَّتُهُ به، فلَمّا

стр. 450

استقرّ عند عمر صحة رأي أبي بكر ﵄، وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: "فَلَمَّا رأيت الله قد شَرَحَ صدرَ أبي بكر للقتال، عَرَفْتُ أنه الحقّ"، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصًّا، ودلالة. وقد زعم قوم من الروافض أن عمر ﵁ إنما أراد بهذا القول تقليد أبي بكر ﵁، وأنه كان يعتقد له العصمة، والبراءة من الخطإ، وليس ذلك كما زعموه، وإنما وجهه ما أوضحته لك، وبيّنته. وزعم زاعمون منهم أن أبا بكر ﵁ أول مَن سَمّى المسلمين كفّارًا وأن القوم كانوا متأوّلين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاصّ في مواجهة النبيّ ﷺ دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدِّق ما للنبيّ ﷺ ، ومثل هذه الشبهة إذا وجِد كان مما يُعْذَر فيه أمثالُهم، ويُرْفَعُ به السيف عنهم، فكان ما جرى من أبي بكر عليهم عَسْفًا، وسوء سيرة، وزعم بعض هؤلاء أن القوم كانوا قد اتَّهموه، ولم يأمنوه على أموالهم، إلى ما يُشبه هذا الكلام الذي لا حاصل له، ولا طائل فيه. قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قوم لا خَلَاقَ لهم في الدين، وإنما رأس مالهم الْبَهْتُ والتّكذيب، والْوَقِيعَة في السلف. قد بَيَّنَا أن أهل الردّة كانوا أصنافًا، منهم من ارتدّ عن الملة، ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة، وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة ﵃ كفّارًا، ولذلك رأى أبو بكر ﵁ سَبْيَ ذراريّهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد عليّ بن أبي طالب ﵁ جاريةً من سبي بني حَنِيفة، فولدت له محمدًا الذي يُدْعَى ابن الحنفية، ثم لم يَنْقَضِ عصرُ الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتدَّ لا يُسْبَى. فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي، ولم يُسَمَّوا على الانفراد منهم كفّارًا، وإن كانت الردة قد أُضيفت إليهم؛ لمشاركتهم

стр. 451

المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الرّدّة اسم لغويّ، وكلُّ من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتدّ عنه، وقد وُجِد من هؤلاء القوم الانصرافُ عن الطاعة، ومنعُ الحق، فانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين، وعَلِقَ بهم الاسم القبيح؛ لمشاركتهم القومَ الذين كان ارتدادهم حقًّا. وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وما ادَّعَوه من كون الخطاب فيه خاصًّا لرسول الله ﷺ ، فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: خطابٌ عامٌّ، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]، وخطاب خاصٌّ للنبيّ ﷺ ، لا يَشْرَكُهُ فيه غيره، وهو ما أُبِين به عن غيره بسِمَةِ التخصيص، وقَطْعِ التشريك، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وخطابُ مواجهةٍ للنبيّ ﷺ ، وهو وجميع أمته في المراد به سواءٌ، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، ونحو ذلك من خطاب المواجهة، فكُلُّ من دَلَكَت له الشمس كان عليه إقامة الصلاة واجبةً، وكلُّ من أراد قراءة القرآن كانت الاستعاذة مُعْتَصَمًا له، وكلُّ من حضره العدوّ، وخاف فوت الصلاة، أقامها على الوجه الذي فعلها رسول الله ﷺ ، وسَنَّها لأمّته، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حَذْوَه في أخذها منهم، وإنما الفائدة في مواجهة النبيّ ﷺ بالخطاب، أنه هو الداعي إلى الله تعالى، والْمُبَيّن عنه معنى ما أراده، فقُدِّم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما يَنْهَجه، ويُبَيِّنه لهم، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فافتتح الخطاب بالتنويه باسمه خصوصًا، ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب له مواجهةً، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]- إلى قوله -:

стр. 452

﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، ولا يجوز أن يكون ﷺ قد شكّ قطّ في شيء مما أنزل عليه، وكقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] (١)، وقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وهذا خطاب لم يتوجّه عليه، ولم يلزمه حكمه؛ لأمرين: أحدهما أنه لم يُدرك والديه، ولا كان واجبًا عليه لو أدركهما أن يُحسن إليهما، ويشكرهما إحسان الآباء المسلمين وشكرهم. وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة، فإن الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ فيها، وكلُّ الثواب موعود على عمل من الطاعات كان في زمنه ﷺ ، فإنه باقٍ غير منقطع بوفاته، وقد يُسْتَحَبُّ للإمام، وعامل الصدقة أن يدعو للمتصدِّق بالنماء والبركة في ماله، ويُرْجَى أن يستجيب الله تعالى ذلك، ولا يُخَيِّب مسألته فيه. قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: ومن لواحق بيان ما تقدّم في الفصل الأول من ذكر وجوب إيتاء الزكاة وأدائها إلى القائم بعد النبيّ ﷺ أن النبيّ ﷺ جعل آخر كلامه عند وفاته قوله: "الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم"؛ ليُعقل أن فرض الزكاة قائمٌ، كفرض الصلاة، وأن القائم بالصلاة هو القائم بأخذ الزكاة، ولذلك قال أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة"؛ استدلالًا بهذا، مع سائر ما عُقِل من أنواع الأدلّة على وجوبها، والله تعالى أعلم. [فإن قيل]: كيف تَأَوَّلْتَ أمر الطائفة التي مَنَعَت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه، وجعلتهم أهل بغيٍ، أرأيتَ إن أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا منً أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ [قيل]: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وبين أولئك أنهم إنما عُذِروا لأسباب وأمور، لا يَحْدُث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيها تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها وقوع الفترة بموت النبيّ ﷺ ، وكان القوم جُهّالًا

стр. 453

بأمور الدين، وكان عهدهم حديثًا بالإسلام، فتداخلتهم الشبهة، فَعُذِروا كما عُذِر بعضُ من تأوّل من الصحابة في استباحة شرب الخمر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فقالوا: نحن نشربها، ونؤمن بالله، ونعمل الصالحات، ونتّقي، ونُصلح. فأما اليومَ، وقد شاع دين الإسلام، واستفاض علمُ وجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام، واشترك فيها العالم والجاهل، فلا يُعْذَر أحدٌ بتأويلٍ يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كُلّ من أنكر شيئًا، مما أجمعت الأمة عليه، من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلٌ حديث عهد بالإسلام، ولا يَعْرِف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يُكَفَّر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه. فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يَرِثُ، وأن للجدة السدسَ، وما أشبه ذلك، من الأحكام، فإن من أنكرها لا يُكَفَّرُ، بل يُعْذَر فيها؛ لعدم استفاضة علمها في العامة، وتفرّد الخاصّة بها. قال الخطابي رحمه الله تعالى: وإنما عرَضَ الوهمُ في تأويل الحديث من رواية أبي هريرة ﵁، ووقعت الشبهة فيه لمن تأوّله على الوجه الذي حكيناه عنهم؛ لكثرة ما دخله من الحذف والاختصار، وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجهه، وذِكْرُ القصة في كيفية الردّة منهم، وإنما قَصَدَ به حكاية ما جَرَى بين أبي بكر وعمر ﵄، وما تنازعاه من الحجاج في استباحة قتالهم، ويُشْبِهُ أن يكون أبو هريرة إنما لم يُعْنَ بذكر جميع القصة، وسوقها على وجهها كلّها؛ اعتمادًا على معرفة المخاطبين بها؛ إذ كانوا قد عَلِمُوا وجه الأمر، وكيفية القصة في ذلك، فلم يضرّ ترك إشباع البيان مع حصول العلم عندهم به، والله تعالى أعلم. ويُبَيِّن لك أن حديث أبي هريرة ﵁ مختصر، غير مستَقْصًى أن عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ﵃ قد روياه عن رسول الله ﷺ بزيادة شروط ومعانٍ لم يذكرها أبو هريرة ﵁.

стр. 454

فأما حديث أنس ﵁، فقد رواه أبو داود في "كتاب الجهاد" من "السنن"، قال: حدّثنا سعيد بن يعقوب الطالقانيّ، حدّثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك، حَرُمَت علينا في ماؤهم، وأموالهم، إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين". وأما حديث ابن عمر ﵄، ففيه زيادة شرط الزكاة، وقد رواه محمد بن إسماعيل البخاريّ في "الجامع الصحيح"، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيُّ، قال: حدثنا أبو رَوْح الْحَرَمِيّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يُحَدِّث عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله". انتهى كلام الخطّابيّ رحمه الله تعالى (١). وقد اعترض الحافظ في "الفتح" جوابه المذكور، وسيأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ) ﵄ (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) وفي حديث أنس: "أتريد أن تقاتل العرب" (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) الواو واو الحال (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِله إِلَّا الله)، قال في "الفتح": كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق الآتية: "من وحّد الله، وكفر بما يُعبَد من دونه حَرُمَ دمه وماله". وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة". ونحوه في حديث أبي الْعَنْبَس، وفي حديث أنس عند أبي داود: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا". وفي رواية العلاء بن

стр. 455

عبد الرحمن: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به". قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض؛ لأن في أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهم ثبتوا على الإسلام؛ إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف استَحَلّ قتالهم وسبي ذراريهم؟ وإن كانوا كفّارًا، فكيف احتجّ على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟ فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرّين بالصلاة. قال: والجواب عن ذلك أن الذين نُسبوا إلى الردّة كانوا صنفين: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة خاصّ به ﷺ ؛ لأن غيره لا يطهّرهم، ولا يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم، وإنما أراد عمر بقوله: "تقاتل الناس" الصنف الثاني؛ لأنه لا يتردّد في جواز قتل الصنف الأول؛ كما أنه لا يتردّد في قتال غيرهم من عبّاد الأوثان، والنيران، واليهود، والنصارى، قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعمّ جميع الشريعة، حيث قال فيها: "ويؤمنوا بي، وبما جئت به"، فإن مقتضى ذلك أن من جَحَد شيئًا مما جاء به ﷺ ، ودُعي إليه، فامتنع، ونَصَب القتالَ أنه يجب قتاله، وقتله إذا أصرّ، قال: وإنما عَرَضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث، انتهى مُلَخصًا. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث: "حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" ما استشكل قتالهم؛ للتسوية في كون غاية القتال ترك كلّ من التلفّظ بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال عياض: حديث ابن عمر نصّ في قتال من لم يُصلّ، ولم يزكّ، كمن لم يقرّ بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر دلّ على

стр. 456

أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتجّ على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَحْتجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: "إلا بحقّه". قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: "بحقّه" للإسلام، فمهما ثبت أنه من حقّ الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى (١). (فَمَنْ قَالَ: لَا إِله إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة من الْعِصَام، وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ) المراد بالحقّ بالنسبة للمال، هو الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة به. وأما بالنسبة للنفس فهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قَتَل عمدًا، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل"، والله تعالى أعلم. (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ") أي حساب سريرته على الله تعالى؛ لأنه المطّلع عليه، فمن أخلص في إيمانه، اْعماله، جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم لي في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوإ الكافرين. ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا الأسرار الخفيّة. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى قوله: (وحسابه على الله") أي فيما يستسرون به، ويُخفونه، دون ما يُخِلُّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل، ويُحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل رحمهما الله. هذا كلام الخطّابيّ. وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص

стр. 457

عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذا جاء في الحديث الآخر: "وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة". وهذا كلام القاضي. قلت (١): ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ ، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة ﵁، هي مذكورة في "صحيح مسلم": "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به". والله أعلم. قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا: أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقًا، للأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني: لا تُقبل، ويتحتّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة. والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرّر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا. والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما صححه النووي رحمه الله تعالى من قبول توبة الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، والزنديق كافر، تعمّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص ﵁ مرفوعًا: "أما علمت أن الإسلام يَهْدِمُ ما كان قبله". أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم.

стр. 458

(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، قال النوويّ: ضبطناه بوجهين، "فَرَقَ"، و"فَرَّقَ" بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى. وعبارة الحافظ: يجوز تشديد "فرّق" وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة، وأنكر الزكاة، جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصّة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين مجازٌ تغليبًا، وإنما قاتلهم الصدّيق ﵁، ولم يَعْذِرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودها في الكتاب والسنّة مَوْرِدًا واحدًا، انتهى (١). (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ النفس الصلاة، وحقّ المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فمن لم يصلّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يُزكّ أُخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في الحديث: "ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ. وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فإن الزكاة حقّ المال"، هذا الرّدّ يدلّ على أن عمر ﵁ حَمَلَ الحقّ في قوله: "عَصَم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه" على غير الزكاة، وإلا لم يقم استشهاد عمر ﵁ بالحديث على منع المقاتلة، وردُّ أبي بكر ﵁ بقوله: "فإن الزكاة حقّ المال"، أو يقال: إن عمر ظنّ أن المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع، فاستشهد بالحديث، أجابه أبو بكر ﵁ بأني لم أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزكاة، ويَعضد هذا الوجه قوله: "كَفَرَ من كَفَرَ". انتهى (٢). (واللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا)، هكذا رواية مسلم بلفظ: (عِقَالًا)، قال الحافظ

стр. 459

رحمه الله تعالى في "الفتح" بعد أن ذكره بلفظ "عناقًا" ما نصّه: ووقع في رواية قتيبة، عن الليث، عند مسلم "عقالًا"، وأخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصام" عن قتيبة، فكَنَى بهذه اللفظة، فقال: "لو منعوني كذا". واختُلِفَ في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ بقوله في "الاعتصام" عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير - يعني شيخه فيه هنا - وعبدُ الله - يعني ابن صالح - عن الليث: "عَنَاقًا"، وهو أصحّ، ووقع في روايةٍ ذكرها أبو عُبيدة: "لو منعوني جَدْيًا أَذْوَط"، وهو يؤيّد أن الرواية "عَناقًا"، و"الأذوط" الصغير الفَكّ والذَّقَنِ. قال: و"العَنَاق" - بفتح المهملة، والنون -: الأنثى من ولد المعز. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": هكذا في مسلم "عِقَالًا"، وكذا في بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها "عَنَاقًا" - بفتح العين، وبالنون وهي الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرّر الكلام مرتين، فقال في مرة: عقالًا، وفي الأخرى "عناقًا"، فرُوي عنه اللفظان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض الحافظ على النووي هذا التأويل، فقال: وهو بعيد، مع اتحاد المخرج والقصّة، انتهى. لكن الذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس ببعيد، لأنه يمكن أن يُكَرِّر أبو بكر ﵁ الكلام في مجلس واحد تأكيدًا، وتشديدًا، فيتلفّظ باللفظين، فينقل عنه، وهذا لا إشكال فيه، فما قاله النووي قريب، لا بعيد، فتأمّله. والله تعالى أعلم. قال: فأما رواية العَنَاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السِّخال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء، أم لا، هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطيّ من الشافعية: لا يزكِّي الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب.

стр. 460

قال بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصوّر ذلك فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى الصغار. والله أعلم. وأما رواية "عِقَالًا" فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قول النسائيّ، والنضر بن شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرّد، وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتج هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبيّ [من البسيط]: سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا (١) … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ لأَصْبَحَ الْحَيُّ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا … عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ (٢) أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف. وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وَلّاه عمه معاوية بن أبي سفيان ﵄ صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه قائلهم ذلك. قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصحّ حمل الحديث عليه. وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به البعير. وهذا القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب "التحرير"، وجماعة من حُذّاق المتأخّرين. قال صاحب "التحرير": قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ عن طريقة العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج المضييق، والتشديد، والمبالغة، فيقتضي قلّة ما عُلِّق به القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى، قال: ولست أشبّه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله ﷺ : "لعن الله السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده، وَيسرق الحبل، فتقطع يده"، أن المراد
следующие страницы →