وفي رواية ابن منده في "الإيمان": من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة فيه زَهْوٌ، وكان يَتَوَثَّب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفَرّض الفرائض، وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زَعَم أن الْعِلْم أُنُفٌ، من شاء عَمِل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فلقيت أبا الأسود الدِّيليَّ، فذكرت ذلك له، فقال: كَذَبَ ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلَّا يُثْبِت القدر، ثم إنِّي حججت أنا وحميد بن عبد الرَّحمن الحميري … الحديث.
(فَانْطَلَقْتُ) أي ذهبتُ (أَنَا) ضمير منفصلٌ أتى به ليعطف على الضمير المتّصل ما بعده، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالرفع عطفًا على الضمير المتّصل، وحميد هذا تابعيّ بصريّ، ثقة، تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" عند قوله: "وأسند حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ أحاديث … " إلخ (الْحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم: نسبة إلى حِمْيَر، من أصول القبائل باليمن (١) (حَاجَّيْنِ) منصوب على الحال (أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ) الظاهر أن "أو" للشكّ من الراوي، ووقع في بعض النسخ بالواو التي للجمع، فيكونان قارنين (٢).
(فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا) بكسر القاف، من باب رَضِي، "ولو" هنا بمعنى "ليت"، نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر: ٢]، ونحو قول امرئ القيس [من الطويل]:
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا إِلَيْهَا وَمَعْشَرًا … عَلَيَّ حِرَاصًا لَوْ يُشِرُّونَ (٣) مَقْتَلِي
(أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ) أي ذلك الأحد (عَمَّا يَقُولُ
стр. 72
هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ) إشارة إلى معبد وأصحابه، أي عما يتكلَّمون به من نفي القدر (فَوُفِّقَ لَنَا) - بضم الواو، وكسر الفاء المشددة - قال صاحب"التحرير": معناه: جُعِل وَفْقًا لنا، وهو من الموافقة التي هي كالالتحام، يقال: أتانا لِتَيْفَاق الهلال، ومِيفَاقه: أي حين أَهَلَّ، لا قبله، ولا بعده، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام، وفي "مسند أبي يعلى الموصلي": "فوافق لنا، بزيادة ألف والموافقة: المصادفة. قاله النوويّ (١).
(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵄، فـ "عَبد الله" بالرفع على أنه تائب فاعل "وُفِّقَ" (دَاخِلًا الْمَسْجِدَ) منصوب على الحال من "عبد الله"، والمراد بالمسجد المسجد النبويّ، فقد بيّنته رواية ابن منده في "كتاب الإيمان"، ولفظه من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، وفيه: "فلما قضينا حجنا قلنا: نأتي المدينة، فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ ، فنسألهم عن القدر، قال: فلما أتيت المدينة … " الحديث.
(فَاكتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاجبِي) أي صِرْنا في كنفيه، يعني بجانبيه ناحيتيه؛ لأن كنفا الطائر: جناحاه، وأراد بصاحبه حميد بن عبد الرَّحمن، ثم فسر الاكتناف بقوله: (أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِه، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ) فيه تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يكتنفونه، وَيحُفُّون به. قاله النوويّ.
وقال القرطبيُّ ﵀: وإنما جاءاه كذلك تأدّبًا واحترامًا؛ إذ لو قاما أمامه لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانب واحد لكلَّفاه الميل إليهما، وكانت هذه الهيئة أحسن ما أمكنهما. انتهى (٢).
ويحتمل - كما قال بعضهم - أنه لكراهة السلف المشي خلف الرجل؛ لما فيه من الشهرة، أو لكونه أمكن للسؤال. والله تعالى أعلم.
(فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي) أي حميد بن عبد الرَّحمن (سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ) معناه: أنه يسكت، ويُفَوِّضه إليَّ لإقدامي، وجرأتي، وبَسْطَةِ لساني، فقد صرَّح في رواية ابن منده بذلك، ولفظه: قال: قلت: تسأله أم أسأله؟ قال: لا، بل
стр. 73
تسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه، وفي رواية: "فقدّمني حميد للمنطق، وكنت أجرأ على المنطق منه".
قال القرطبيّ ﵀: وإنما قال هذا منه اعتذارًا عن توهَّم اعتراض يُنسب إليه فيه قلَّة المبالاة بصاحبه، واستئثاره عليه بالمسابقة إلى الكلام، فبيّن وجه اعتذاره عن ذلك، وذلك أنه عَلِم من صاحبه أنه يَكِلُ الكلام إليه، فإما لكونه أحسن منه سؤالًا، وأبلغ بيانًا، وإما لحياء يَلحَق صاحبه يمنعه من السؤال، وإما إيثارًا له (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ لكونه صرّح به في كلامه السابق عند ابن منده، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر ﵄ (إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ) أَي فشا مذهبهم وانتشر، وهو من الظهور الذي يضادّ الخفاء (يَقْرَأونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ) هو بتقديم القاف على الفاء، ومعناه: يطلبونه، ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغارية من طريق ابن ماهان: "يتَفَقَّرُونَ"، بتقديم الفاء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه يبحثون عن غامضه، ويستخرجون خَفِيَّه، ورُويَ في غير مسلم: "يَتَقَفَّوْن" بتقديم القاف، وحذف الراء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه أيضًا: يتتبعون، قال القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه: "يَتَقَعَّرُون" بالعين، وفَسَّره بأنهم يطلبون قعره، أي غامضه، وخَفِيَّه، ومنه تَقَعَّرَ في كلامه: إذا جاء بالغريب مثه، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: "يَتَفَقَّهُون" بالهاء بدل الراء، وهو ظاهرٌ. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: وهذه اللفظة - يعني "يَتَقَفَّرُونَ" - بتقديم القاف، وتأخير الفاء، أي يتَّبعون، ويجمعون، يقال: اقتفر أثَرَهُ: أي تتبّعه، ورواها أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء، وتأخيرِ القاف (٣)، أي إنهم يُخرجون غامضه،
стр. 74
ويبحثون عن أسراره، ومنه قول عمر بن الخطاب - وذكر امرأ القيس - فقال: افتقر عن معانٍ عُورٍ أصَحَّ بَصَرٍ، بَصَرًا، أي فتح عن معانٍ غامضةٍ مُبصرًا (١)، ورُوي في غير كتاب مسلم "يتقفّون" بواو مكان الراء، من قفوتُ أثره، أي تتبعته، وهو من القفاء، وكلّها واضح. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: وفي حديث الْقَدَر "قبلنا ناسٌ يتفقّرون العلم"، هكذا جاء في رواية بتقديم الفاء على القاف، والمشهور العكس، قال بعض المتأخّرين: هي عندي أصحّ الروايات، وأليقها بالمعني، يعني أنهم يستخرجون غامضه، ويَفتحون مُغْلَقَه، وأصله من فَقَرْتُ البئرَ: إذا حفرتها لاستخراج مائها، فلما كان القدريّة بهذه الصفة من البحث والتتبّع لاستخراج المعاني الغامضة بدقائق التأويلات وَصَفَهم بذلك. انتهى كلامه (٣).
ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج": "ويتفقّدون العلم" بالدال المهملة بدل الراء (٤).
стр. 75
(وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ) أي عظّم أمرهم في الذكاء، والجدّ في طلب العلم، وإنما ذكر له ذلك من أوصافهم تنبيهًا له على الاعتناء بمقالتهم، والبحث عنها ليوضح أمرها، فإن كلامهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلَّا إيضاحٌ بالغ، وبرهانٌ واضح، ولَمّا فَهِمَ ابنُ عمر ﵄ ذلك أفتى بإبطال مذهبهم وفساده، وحكم بكفرهم، وتبرّأ منهم، واستدلّ على ذلك بالدليل القاطع عنده. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وحكم بكفرهم"، سيأتي تحقيق القول في كفرهم في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "وذكر من شأنهم" هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر، والظاهر أنه من ابن بُرَيدة الراوي عن يحيى بن يعمر، يعني وذكرَ ابنُ يعمر من حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة في العلم، والاجتهاد في تحصيله، والاعتناء به. انتهى.
وقال السنوسيّ ﵀: فيكون من حذف المفعول تعظيمًا له بالإبهام، أي ذكر من شأنهم في البحث عن العلم، واستخراج غوامضه شيئًا عظيمًا، أو بالتعميم؛ لتذهب النفس فيه كلّ مذهب ممكنٍ.
ويحتمل أن يكون الغرض في حذفه ضدّ ما أشير إليه، وذلك صون اللسان عن ذكره، ويكون المعنى: وذكر من شأنهم في نفي القدر والابتداع في العقائد ما يجب صون اللسان عن ذكره، وعلى كلّ ففائدة وصفهم بالاجتهاد في العلم، والتوسّع فيه الموجب لهم القدوة، وتقليد الغير المبالغةُ في استدعاء ابن عمر ﵄ الاستفراغ الوسع في النظر فيما يزعمون؛ لأن أقوال الأغبياء قد يَهْتَبِلُ العلماءُ بشأنها، ويكتفون في ردّها بأدنى نظر، فجواب ابن عمر ﵄ بعد تلك الأوصاف من أثبت شيء، وأحقه. وقد يكون الغرض في ذكر ما وصفهم به من العلم، وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون إظهارَ التشكِّي، والتلهّف بما نال المسلمين من مصيبتهم، إلَّا أن هذا إنما يحسُن إذا كان ابن عمر قد أحسّ ببدعتهم، وسوء نظرهم، وإنما سأل ابن عمر ﵄ ليتحقّق العلم من معدنه،
стр. 76
ويرسخ ما كان في رويّته، وهذا هو الظاهر؛ إذ يبعُد أن يخفى أمر أقوالهم على مثل يحيى بن يعمر، ويدلّ عليه قوله: "ويزعمون" على ما يأتي في معنى الزعم، ومن هنا يصحّ أن يكون الغرض من ذكر أوصافهم مجموعَ الأمرين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنوسيّ رحمه الله تعالى (١).
(وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ) بضم العين من باب نصر، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكسرها لبعض قيس، ويُطلق بمعنى القول، ومنه زعمت الحنفية كذا، وزعم سيبويه كذا، أي قال، وعليه قوله : ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ [الإسراء: ٩٢] أي كّما أخبرت، ويُطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا، وأكئر ما يُطلق على الباطل، أو على ما فيه ارتياب، وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زعمًا، قال خبرًا لا يُدرى أحقّ هو أو باطلٌ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير ابن القُوطية هو المناسب هنا، وقد سبق البحث عن معنى الزعم في شرح المقدمة مستوفًى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(أَنْ) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي أنه (لَا قَدَرَ) بفتح
стр. 77
الدال، وسكونها، كما تقدَّم بيانه (وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ) بضم الهمزة، والنون: أي مستّأنفٌ"، لم يَسبِق به قَدَرٌ، ولا علمٌ من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، كما قدَّمنا حكايته عن مذهبهم الباطل، وهذا القولُ قولُ غُلَائِهِمْ، وليس قول جميع القدريّة، وكذّبَ قائله، وضَلَّ، وافترى - عافانا الله، وسائر المسلمين - قاله النووىّ (١).
وقال القرطبيّ: أي مستأنفٌ، ومعناه عندهم أنه لم تسبق به سابقةُ علم الله، ولا مشيئته، وإنما أفعال الإنسان موجودة بعلم الإنسان، واختياره كما تقدَّم من مذهبهم، وأُنُفُ كلّ شيء: أوّله، ومنه أنف الوجه؛ لأنه أوّل الأعضاء في الشخوص، وأنفُ السيل: أوله، كما قال امرؤ القيس:
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ … لَاحِقُ الأَيْطَلِ مَحْبُوكٌ مُمَرّ
ورَوْضٌ أُنُفٌ: لم يُرْعَ قبلُ، وكذلك كأسٌ أُنُفٌ: لم يُشرَب قبلُ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، أي هذه الساعة المستأنفة. انتهى (٢).
(قَالَ) ابن عمر ﵄ (فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ) أي الذين ذكرت أوصافهم (فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ) أي من عقيدتهم الخبيثة، وعند أبي عوانة في "المستخرج": (فقال عبد الله: أبلغوهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء" (وأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي) قاله تبرؤًا من أهل البدع والمعاصي، كما أمر الله نبيّه ﷺ بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١]، (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) كناية عن الحلف باسم الله تعالى، فإنه هو الذي كان يحلف به حيث أمر به في قوله ﷺ : "من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمُت"، متفق عليه، وإنما لم يتلفّظ به إجلالًا لأسماء الله تعالى عن أن تُتَّخَذ عُرْضَةً لكثرة الإيمان بها. والله تعالى أعلم.
(لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ) منصوب على أنه اسم (أنَّ) مؤخَّرًا، والجار والمجرور خيرها (ذَهَبًا) منصوب على التمييز، أي من ذهب، قال نفطويه:
стр. 78
سُمّي الذهب ذهبًا؛ لأنه يذهب، ولا يبقى (١) (فَأَنْفَقَهُ) أي في سبيل الله تعالى، أي طاعته، كما جاء في رواية أخرى (مَا) نافية (قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) قال القرطبيّ ﵀: هذا صريحٌ في أنه كفّرهم بذلك القول المحكيّ عنهم؛ لأنه حَكَمَ عليهم بما حكم الله به على الكفّار في الآية المتقدّمة، وقد قلنا: إن تكفير هذه الطائفة مقطوعٌ به؛ لأنهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: هذا الذي قاله ابن عمر ﵄ ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض ﵀: هذا في القدرية الأُوَلِ الذين نَفَوا تَقَدُّمَ علمِ الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين يُنكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة.
وقال غيره: ويجوز أنه لَمْ يُرِد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة، فيكون من قبيل كفران النعم، إلَّا أن قوله: "ما قبل الله منه" ظاهرٌ في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر، إلَّا أنه يجوز أن يقال في مسلم: لا يُقْبَل عمله؛ لمعصيته، وإن كان صحيحًا، كما أن الصلاة في الدار المغصوية صحيحة، غير مُحْوِجة إلى القضاء عند جماهير العلماء، بل بإجماع السلف، وهي غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا - انتهى كلام النوويّ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: دعواه إجماع العلماء في صحة الصلاة في الدار المغصوبة غير صحيحة، فإن الإمام أحمد ﵀ يقول بعدم صحَّتها، وهو الصواب، كما حقّقته في نظمي في أصول الفقه، وشرحه، فراجعه تستفد علومًا جمّة، والله تعالى ولي التوفيق.
ثم إن الخلاف في تكفير القدريّة سيأتي تفصيله، وترجيح الراجح منه في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ قَالَ) ابن عمر ﵄ (حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁، فـ "عمر" بالرفع بدل من "أبي"، وقوله: (قَالَ) تفسير لـ "حدّثني" (بَيْنَمَا) هي "بين" الظرفيّة
стр. 79
زيدت عليها "ما"، لتكفّها عن عملها الخفضَ لِمَا دخلت عليه، ومثلها "بينا" زيدت عليها الألف، في بعدهما مرفوع بالابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم من يخفضه، كقول الشاعر:
بَيْنَا تَعَانِقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
رُوي بخفض "تعانقه" ورفعه، وعلى هذا فـ "ما"، والألف ليستا للكفّ.
ويكثر اقتران جوابهما بـ "إذ"، و"إذا" الفجائِيَّتَيْن، كما في هذا الحديث، حيث قال: "إذ طلع"، وتقول: بينما زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو، ومنه قوله [من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
وقد يجيء بدونهما، فتقول: بينا زيد جالسٌ، دخل عليه عمرو (١).
وقال صاحب "النهاية": "بينا" هي "بين" فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، يقال: "بينا"، و"بينما" وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ومُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، كما يستدعي "إذا"، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه "إذ"، و"إذا"، وقد جاء في الجواب كثيرًا، وفي "اللباب": قال الأصمعيّ: لا يُستفصح إلَّا طرحهما في جواب "بينا"، و"بينما"، وأنشد:
فَبَيْنَا نَرْقُبُهُ أَتَانَا … مُعَلَّقَ وَفْضَةٍ وَزِنَادَ رَاعِ
لأن الظاهر أن العامل في "بينا" هو الجواب، كما في "إذا" الزمانيّة على الصحيح، ويلزم تقدّم ما في حلة المضاف إليه على المضاف، قال شارحه: "بينا"، و"بينما" ظرفان متضمّنان لمعنى الشرط، فلذلك اقتضيا جوابًا، والقياس أن لا يكون "إذا" في جوابه، فعلى هذا يكون "أتانا" عاملًا في "بينا"، مع أنه مضاف إليه، لا يتقدّم على المضاف، وفيه نظر، انتهى كلامه.
قال الطيبيّ: فيقال: لا ريب أن عمر وأبا هريرة ﵄ كانا أفصح من الشاعر، وقد أتيا بـ "إذ" في الحديث، فحينئذ يكون العامل معنى المفاجأة في "إذ"، كما قرّر صاحب "الكشّاف" في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
стр. 80
إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] أن العاملَ في "إذا" المفاجأة، تقديره: وقتَ ذكر الذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار، فمعنى الحديث: وقتَ حضورنا في مجلس رسول الله ﷺ فاجأنا وقع طلوع ذلك الرجل، فحينئذ "بينا" ظرف لهذا المقدَّر، و"إذا" مفعول به بمعنى الوقت، فلا يلزم إذًا تقدَّم معمول المضاف إليه على المضاف، وقد ساعد هذا القول صاحب "اللباب" بعد ذلك بقوله: والعامل فيهما الجواب إذا كان مجرَّدًا من كلمتي المفاجأة، وإلا فمعنى المفاجأة المتضمّنة هما إياه، وقوله: "هما": أي "إِذْ"، و"إِذا"، و"إياه" أي ذلك المعنى، ويدلُّ على تضمّنهما معنى الشرط التصريح بالفاء في الجواب في قوله ﷺ : "بينا يضحكهم، فطعنه النبيّ ﷺ … " الحديث، رواه أبو داود عن أُسيد بن حُضير (١). انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى (٢).
(ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيام، فـ "ذات" مقحمة، وقيل: هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي من يُجيز ذلك.
وقال السنوسيّ رحمه الله تعالى: "ذات" صلة للتوكيد، ترفع احتمال أن يراد باليوم مطلق الزمان، فهي مع اليوم بمنزلة رأيت عين زيد، وهو ظرف، والعامل فيه معنى الاستقرار الذي في الخبر. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: "ذات يوم" ظرف لمعنى الاستقرار في الخبر، و"ذات" يجوز أن تكون صلة، قال صاحب "النهاية": في الحديث: "يَطلُع عليكم رجل من ذي يمن على وجهه مسحة من ذي ملك"، كذا أورده عمر الزاهد، وقال: "ذي" هنا صلةٌ، وأن تكون غيرَ صلةٍ، وفي "المغرب": "ذو" بمعنى الصاحب، تقول للمرأة: امرأة ذات مال، ثم أجروها مُجرى
стр. 81
الأسماء التامَّة المستقلّة بأنفسها، فقالوا: ذات قديمة أو مُحدثةٌ، ثم استعملوها استعمال النفس والشيء، فعلى هذا قوله: إ ذات يوم" يفيد من التوكيد ما لا يفيده لو لَمْ يُذكَر؛ لئلا يُتوفم التجوّز إلى مطلق الزمان، نحو قولك: رأيت نفس زيد، وقولك: رأيت زيدًا. انتهى (١).
(إِذْ طَلَعَ) قال الأبيّ: لَمْ يقل: دخل؛ إشعارًا بعظم الرجل؛ لأنه استعارة من طلعت الشمس، وفي ضمن كلامه أنهم تعجّبوا من سورة إتيانه الموهمة أنه جنيّ، أو ملكٌ؛ لأنه لو كان بشرًا لكان إما من المدينة، أو قربها، والأول منتفٍ؛ إذ لَمْ يعرفه منهم أحدٌ، والثاني كذلك؛ إذ ليس عليه أثر سَفَرٍ ونحوه. انتهى (٢) (عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي ملك، في صورة رجل، و"إذ": هي الفجائيّة: أي فاجأنا طلوع رجل، و"طلع علينا" من باب منع، ونصر: أي أتانا، ومثله "اطّلع"، أفاده في "القاموس". (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَاب، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ) بفتح العين المهملة، وسكونها، زاد في رواية ابن حبّان: "سواد اللحية" (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي "مستخرج أبي نعيم": "لا نَرَى عليه أثرَ سفر، ولا يعرفه منا أحد".
قال النوويّ ﵀ في "شرحه" لهذا الكتاب: ضبطناه بالياء المثنَّاة، من تحتُ المضمومة، وكذلك ضبطناه في "الجمع بين الصحيحين"، وغيره، وضبطه الحافظ أبو حازم العُذْريّ بالنون المفتوحة، وكذا هو في "مسند أبي يعلى الموصلى"، وكلاهما صحيح. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: هكذا مشهور رواية هذا اللفظ "يُرى" مبنيًّا لما لَمْ يُسمّ فاعله بالياء باثنتين من تحتها، "ولا يعرفه" بالياء أيضًا، وقد رواه أيو حازم العذريّ: "لا نَرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه" بالنون فيهما، مبنيًّا للفاعل، ونون الجماعة، وكلاهما واضحُ المعنى. انتهى.
ووقع في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ في "التفسير": "إذ أتاه رجل يمشي"، وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذز عند النسائيّ: "وإنا لجلوس، ورسول الله ﷺ في مجلسه، إذ أقبل رجل، أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس
стр. 82
ريحًا، كأن ثيابه لَمْ يمسها دنس، حتى سلّم في طرَف البساط، فقال: السلام عليكم يا محمد".
(وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) يعني أنهم تعجّبوا من كيفيّة إتيانه، ووقع في خاطرهم أنه إما ملكٌ، أو جنّيّ؛ لأنه لو كان بشرًا إما أن يكون من المدينة، أو غريبًا، ولم يكن من المدينة؛ لأنهم لَمْ يعرفوه، ولم يكن إتيانه من بعيد؛ لأنه لَمْ يكن عليه أثر السفر، من الغبار وغيره.
(حَتَّى جَلَسَ) غاية لمحذوف، أي دنا حتى جلس .. إلخ، وقال الطيبيّ: متعلّق بمحذوف، تقديره: استأذن، وأتى حتى جلس .. إلخ.
(إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ـ) قيل: إنما لَمْ يقل: بين يديه؛ لأن له دالّةَ الشيخ (١)؛ إذ لَمْ يأت متعلِّمًا، وإنما أتى معلّمًا (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ) يقال: أسند: إذا اتّكأ على شيء، وأوصل، وإنما جلس هكذا؛ ليتعلّم الحاضرون جلوس السائل عند المسئول؛ لأن الجلوس على المركبة أقرب إلى التواضع والأدب، واتّصال ركبة السائل بركبة المسئول يكون أبلغ في استماع كلّ واحد من السائل والمسئول كلام صاحبه، وأبلغ في حضور القلب، والزم للجواب؛ لأن الجلوس على هذه الهيئة دليل على شدّة حاجة السائل إلى السؤال، وتعلّق قلبه، واهتمامه إلى استماع الجواب، فإذا عَرَف المسئول هذا الحرص والاحتياج من السائل يُلزم نفسه جوابه، ويبالغ في تفهيمه الجواب أكثر وأتمّ مما سأل السائل (٢).
(إِلَى رُكْبَتَيْهِ) أي إلى ركبتي النبيّ ﷺ ، وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه"، وابن منده في "الإيمان": "بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ في أناس، إذ جاء رجل ليس عليه سَحْنَاءُ السفر (٣)، وليس من أهل البلد، فتَخَطّى حتى وَرَكَ (٤) بين
стр. 83
يدي رسول الله ﷺ كما يجلس الرجل في الصلاة، ثم وَضَع يده على ركبتي رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد … "الحديث.
(وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) قال النوويّ: معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلّم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح أن معناه أنه وضع كفيه على فخذي النبيّ ﷺ ؛ لما وقع من التصريح به في رواية ابن حبان وابن منده المذكورة، وكذا وقع التصريح به في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله تعالى عنهما عند النسائيّ: قالا: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يَدرِي أيهم هو؟ حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دُكّانًا من طين، كان يجلس عليه، وإنا لجلوس، ورسول الله ﷺ في مجلسه، إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لَمْ يَمَسَّها دَنَسٌ، حتى سلم في طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇، قال: أَدْنُو يا محمد؟ قال: ادْنُهْ، فما زال يقول: أدنو؟ مرارًا ويقول له: ادن، حتى وضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ .
وكذا في حديث ابن عبّاس، وأبي عامر الأشعري ﵃: "ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ . قال في "الفتح": فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: "على فخذيه" يعود على النبي ﷺ ، وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي؟ لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثًا؛ لأنه نَسَقُ الكلام، خلافًا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم، بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرًا من السياق، لكن وضعه يديه على فخذ النبي ﷺ منَبِّه للإصغاء إليه. انتهى.
وعبارة الطيبي: قال الشيخ التوربشتيّ: الضمير في الكلمتين راجع إلى جبريل ﵇، فلو ذهب مؤوّل إلى أن الثاني يعود إلى رسول الله ﷺ لَمْ يُنكَر عليه؛ لما يدلّ عليه نَسق الكلام من قوله: "وأسند ركبتيه إلى ركبتيه"، غير أنا نذهب إلى الوجه الأول؛ لأنه أقرب إلى التوقير، وأشبه بسمت ذوي الأدب، وذهب محيي السنة إلى الوجه الثاني في كتابه المُسَمَّى
стр. 84
بـ "الكفاية"، وكذا إسماعيل بن الفضل التيميّ في كتابه المسمَّى بـ "الترغيب والترهيب".
قال الطيبيّ: وأقول: لعل هذا الوجه أرجح؛ لأن الأصل في إسناد الركبة إلى الركبة أن يكون الاعتماد والاتّكاء عليه، فإذا لا يبعُدُ وضع جبريل ﵇ يديه على فخذي رسول الله ﷺ على تلك الحالة، فأشعرت تلك الهيئة بأنها ليست كهيئة التلميذ، وكذا نداؤه لرسول الله ﷺ باسمه، بل هما من هيئة الشيخ إذا اهتمّ بشأن التعليم، وأراد مزيد إصغاء المتعلّم وإفهامه، فكيف لا؟ وقد شَهِد الله تعالى به في قوله : ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥]، وكفى يه شاهدًا، وينصره أيضًا أمران:
[أحدهما]: قوله: "جلس إلى النبيّ ﷺ "، فلو كان جلوسه جلوس المتعلّم لقيل: بين يديه، فضلًا أن يقال: عنده، فكيف بقوله: "جلس إليه"؛ لأنه متضمّن معنى الميل والإسناد، كأنه قيل: مال إليه حالة جلوسه، وأسند إليه، فيكون عطف قوله: "وأسند ركبتيه" على قوله: "جلس إليه" للبيان والتفسير، كعطف قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ - إلى قوله -: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]؛ لما يُعلم من المعطوف كون قلوبهم أقسى من الحجارة.
[وثانيهما]: قوله: "صدَقتَ"، وإنما يقال هذا إذا طابق قول المسئول عنه قول السائل؛ لأنه إذا عرف أن المسئول عنه أصاب المخبر، وطبَّق المفصل صوّبه، ولهذا السرّ قالوا: "فَعَجِبْنَا من قوله: صدقت".
وأيضًا في إيثار "إذ طلع علينا" على "إذ دخل" إشارة إلى عظمته وعلوّه، قال الراغب الأصبهانيّ: طلع علينا فلان مستعار من طلعت الشمس (١)، وقال في "الكشّاف": في قوله : ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]: ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب (٢)، فحينئذ يتعلّق قوله: "حتى" بمحذوف يدلّ عليه "طلع"، أي دنا منه حتى جلس إليه.
стр. 85
وإذا تقرَّر هذا فصورة هذه الحالة كصورة المعيد (١) إذا امتحنه الشيخ عند حضور الطلبة، والمستفيدين منه؛ ليزيدوا طمأنينةً وثقةً في أنه يُعيد الدرس، ويُلقي إليهم المسألة كما سمعه من الشيخ بلا زيادة ولا نقصان، وفيه مسحة من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥]، وهذا معنى قوله ﷺ في آخر الحديث: "ذاك جبريل أتاكم يُعلِّمكم دينكم".
وأما سرّ إسناد ركبتيه إلى ركبتيه، ففيه إشارة إلى سابقة بينهما، وشدَّة إخلاص واتِّحاد كما بين المتحابّين، ولله دَرُّ القائل [من الطويل]:
أَخٌ طَاهِرُ الأَخلَاقِ حُلْوٌ كَأَنَّهُ … جَنَا النَّحْلِ مَمْزُوجٌ بِمَاءِ غَمَامِ
يَزِيدُ عَلَى الأَيَّامِ صَفْوَ مَوَدَّةٍ … وَشِدَّةَ إِخْلَاصٍ وَرَعْيَ ذِمَامِ
انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع: والمحاصل أن كون الضمير للنبيّ ﷺ متعيّن؛ لتصريح الرواية المذكورة، فلا مجال لتفسيره بفخذ جبريل ﵇، وأما الذين رجحوا كونه لجبريل ﵇ فلعدم اطلاعهم على الرواية المصرّحة بالأول، فتنبَّه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في "الفتح": فيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصَّفْح عما يبدو من جفاء المسائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغه في تعمية أمره؛ ليقوي الظن بأنه من جُفَاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس، حتى انتهى إلى النبي ﷺ كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد وجاء ماشيًا، ليس عليه أثر سفر.
[فإن قيل]: كيف عَرَف عمر ﵁ أنه لَمْ يعرفه أحد منهم.
[أجيب]: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين. وهذا الثاني - كما قال الحافظ - أولي، فقد جاء ذلك في رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: "فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا".
стр. 86
وأفاد مسلم، في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي من رواية عمارة بن القعقاع، سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: "قال رسول الله ﷺ : سلوني، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل … "، ووقع في رواية ابن منده، من طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: بينا رسول الله ﷺ يخطب، إذ جاءه رجل، فكأن أمره لهم بسؤاله، وقع في خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل، كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر جالسًا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. انتهى "فتح" ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغةً في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الثالث هو الصواب، فقد ثبت في رواية حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ المتقدّم عند النسائيّ قوله: "حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇ … "، قال في "الفتح": ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قال: "السلام عليك يا رسول الله"، وفي رواية مطر الوراق: "فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: ادن"، ولم يذكر السلام.
فاختلفت الروايات، هل قال له: يا محمد، أو يا رسول الله، وهل سلم، أو لا؟ فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه.
وقال القرطبي. بناء على أنه لَمْ يسلم، وقال: يا محمد: إنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب.
قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه بدأ أولًا بندائه باسمه، لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب أن يحمل على تصرّف الرواة، فيقال: إنه قال: يا محمد، فعبر بعض الرواة بقوله: يا رسول الله؛ لأن هذا أقرب إلى التعمية المذكورة. والله تعالى أعلم.
ووقع عند القرطبي: أنه قال: "السلام عليكم يا محمد"، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى.
стр. 87
قال الحافظ: والذي وقفت عليه من الروايات، إنما فيه الإفراد، وهو قوله: "السلام عليك يا محمد". انتهى.
(أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ) قال الطيبيّ ﵀: الإسلام: الانقياد، والطاعة عن الطوع والرغبة من غير اعتراض، يقال: سلّم، وأسلم، واستسلم: إذا خضع، وأذعن، ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: الإسلام في اللغة: هو الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي انقدنا، وهو في الشرع: الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعيّة، ولذلك قال ﷺ فيما رواه أنس ﵁ عنه: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب"، ذكره ابن أبي شيبة في "مصنّفه" ١١/ ١١ (٢). انتهى (٣).
وإنما بدأ بالإسلام؛ لأنه يتعلّق بالأمر الظاهر، وثَنّى بالإيمان؛ لأنه يتعلّق بالأمر الباطن، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا: "فقال: يا رسول الله، ما الإيمان"، فبدأ بالإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهر مِصْدَاقَ الدعوى، وثَلّث بالإحسان؛ لأنه مُتَعَلِّق بهما.
ورجح الطيبي الأول؛ لما فيه من الترقّي، ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله تعالى أعلم. قاله الحافظ ﵀، وهو حسن.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْإِسْلَامُ) أعاده، ووضعه موضع ضميره؛ لإرادة
стр. 88
الإيضاح (أَنْ) هي المصدريّة الناصبة للمضارع، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو شهادة أن لا إله إلَّا الله (تَشْهَدَ أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، يدلّ عليه عطف قوله: "وأن محمدًا"، والتقدير: أنه، والضمير للشأن (لَا إِلَهَ) "لا" هي النافية للجنس على سبيل التنصحص على نفي كلّ فرد من أفراده، وقوله: (إِلَّا اللهُ) قيل: خبر "لا"، وقيل: الأحسن أن الخبر محذوف، أي لا معبود بحقّ إلَّا الله (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا". قال النووي في "شرحه": يحتمل أن يكون المراد بالعبادة، معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها؛ لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها، من عطف الخاص على العام.
قال الحافظ: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبّر في حديث عمر ﵁ هنا بقوله: "أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله"، فدل على أن المراد بالعبادة في حديث أبي هريرة ﵁، النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولَمّا عبر الراوي بالعبادة، احتاج أن يوضحها بقوله: "ولا تشرك به شيئًا"، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك.
[فإن قيل]: السؤال عامّ؛ لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاصّ؟ لقوله: "أن تشهد"، وكذا قال في الإيمان: "أن تؤمن"، وفي الإحسان "أن تعبد".
[والجواب]: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر، وبين "أن" والفعل؛ لأن "أن تفعل" تدل على الاستقبال، والمصدر لا يدلُّ على زمان، على أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال: "شهادة أن لا إله إلَّا الله"، وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم، وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره: "يعلم الناس دينهم".
(وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زاد في حديث أبي هريرة الآتي: "المكتوبة": أي
стр. 89
المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولاتباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: والصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع، وقال الأعشى [من البسيط]:
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وقيل: إنها مأخوذة من الصَّلَا، والصلا: عِرْقٌ عند أصل الذَّنْب، ومنه قيل للفرس الثاني في الْحَلْبَة: مصَلٍّ؛ لأن رأسه عند صَلا السابق، قال الشاعر [من المتقارب]:
فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقُ … بِأَنْ قِيلَ فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا (١)
والأول أولى وأشهر، وهي في الشرع: أفعال مخصوصةٌ، بشروط مخصوصة، الدعاء جزء منها. انتهى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: إقامة الصلاة: تعديل أركانها وإدامتها، والصلاة فَعَلَةٌ، من صَلّى: بمعنى دعا، أو حرّك الصّلَوين (٢)؛ لأن المصلّي يُحرّكهما في ركوعه وسجوده، كالزكاة من زَكَى: بمعنى نما، أو طهر، فإن المال يزيد بأداء الزكاة، ويطهر به، وكالصوم، من صام: إذا أمسك، والحجّ، من حجّ: إذا قصد البيت. انتهى (٣).
(وَتُؤْتِي) أي تعطي (الزَّكَاةَ) وعبّر بالإيتاء إشارةً إلى أنه لا بدّ من التمليك، زاد في رواية أبي هريرة ﵁ الآتية: "المفروضة". قال القرطبيّ: الزكاة لغة: هي النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والمالُ، وسُمّي أخذ جزء من مال المسلم الحر زكاةً؛ لأنَّها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو لأنَّها قد نمت، وبلغت النصاب، أو لأنَّها تنمي المال بالبركة، وحسنات مؤديها بالتكثير. انتهى.
стр. 90
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ) الصوم: هو الإمساك مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم: ٢٦]: أي إمساكًا عن الكلام، وقال الشاعر [من البسيط]:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي ممسكة عن الحركة. وهو في الشرع: إمساك جميع أجزاء اليوم عن أشياء مخصوصة، بشرط مخصوص. قاله القرطبيّ.
وقوله: "رمضان" أي الشهر المسمّى بهذا الاسم، وهو من رَمِضَ: إذا احترق من الرمضاء، وسمّي به لارتماضهم من حرّ الجوع، أو من حرارة الزمان الذي وقع فيه، أو لأنه تحترق به الذنوب، وتمحى به العيوب، أو لأنه تزول معه حرارة الشهوات.
وفيه جواز ذكره من غير إضافة اسم "شهر" إليه، وهو الصحيح، وما ورد من ذلك؛ لا يصحّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى -.
(وَتَحُجَّ الْبَيْتَ) أي الحرام، فـ "أل" للعهد، أو هو اسم جنس، غَلَب على الكعبة، وصار علمًا لها، فاللام فيه جزء، كـ "النجم"، قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَـ "الْعَقَبَهْ"
والحجّ: لغة القصد، أو القصد المتكرّر مطلقًا، أو إلى معظّم، قال الشاعر [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
وهو في الشرع: القصد إلى بيت الله المعظّم في وقت مخصوص؛ لفعل عبادة مخصوصة، والحجّ بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرئ بهما: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] أآل عمران: ٩٧]. وسيأتي بيان كلّ ذلك مستوفى في مَحَلِّهِ من هذا الشرح - إن شاء الله تعالى -.
وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه" من طريق سليمان التيميّ، عن يحيى بن يعمر: "وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء … " الحديث.
(إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ) أي إلى البيت، أو إلى الحج، أي إن أمكن لك
стр. 91
الموصول إليه، والاستطاعة: هي القوّة على الشيء، والتمكّن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧]. قاله القرطبيّ.
[فإن قلت]: كيف خَصّ الأخير بقيد الاستطاعة، دون سائرها، مع أن الاستطاعة التي يتمكن بها المكلّف من فعل الطاعة مشروطة في الكلّ؟
[أجيب]: بأن الْمَعْنِيّ بالاستطاعة هنا الزادُ والراحلةُ، وكانت طائفة من الناس لا يُعِدُّونَهُمَا له، فيكونون كَلًّا على الناس، فنهوا عن ذلك، فقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل اليمن يَحُجّون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِمُوا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وعند ابن أبي حاتم بلفظ، "يقولون: نحجّ بيت الله، أفلا يُطعمنا".
وقال بعضهم: لعل الحكمة في هذا أن يكون حُجَّةً على الأغنياء التاركين للحج، وقد أعطاهم الله تعالى مالًا وقدرةً.
وإيراد الأفعال المضارعيّة؛ لإفادة الاستمرار التجدّديّ لكل من الأركان المخمسة، ففي التوحيد المطلوب الاستمرار الدائم مدة الحياة، وفي الصلاة دون ذلك، وفي الصوم والزكاة دونها، وقدّم الصوم لتعلّقه بجميع المكلّفين، وأخّر الحجّ؛ لأنه لا يجب في العمر إلَّا مرّة واحدة.
(سَبِيِلًا") تمييز عن نسبة الاستطاعة، فأخر عن الجارّ؛ ليكون أوقع، وهي الطريق الذي فيه سهولة، وتُستعمل في كلّ ما يُتوصّل به إلى شيء، وتنكيره لإفادة العموم؛ إذ النكرة في الإثبات قد تفيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] (١).
[تنبيه]: قد اختلف الرواة في ذكر الحجِّ هنا، فمنهم من ذكره، كرواية كهمس هذه، ومنهم من أسقطه، إما غفلة، أو نسيانًا.
قال في "الفتح": [فإن قيل]: لِمَ لَمْ يذكر الحج؟ - يعني عند بعض الرواة - أجاب بعضهم باحتمال أنه لَمْ يكن فُرِض. وهو مردود بما رواه ابن
стр. 92
منده في "كتاب الإيمان" بإسناده الذي على شرط مسلم، من طريق سليمان التيمي، في حديث عمر ﵁ أوله - أن رجلًا في آخر عمر النبي ﷺ ، جاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث بطوله، وآخر عمره ﷺ يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع، فإنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل، دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الإحكام، لتقرير أمور الدين التي بَلَّغها متفوقة، في مجلس واحد؛ لتنضيط. ويُستنبط منه جواز سؤال العالم، ما لا يجهله السائل؛ ليعلمه السامع.
وأما الحج فقد ذُكِر لكن بعض الرواة إما ذَهِل عنه، وإما نسيه، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لَمْ يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذَكَر الصلاة، والزكاة فحسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدًا على الشهادتين، وذَكَر سليمان التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد قوله: "وتحج": "وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتَمِّم الوضوء"، وقال مطر الوراق في روايته: "وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة"، قال: فذكر عُرَى الإسلام، فتبين ما قلناه: إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. انتهى ما في "الفتح" (١).
(قَالَ) الرجل السائل (صَدَقْتَ) زاد في رواية ابن حبان قبله: "قال: فإذا فعلت هذا فأنا مسلم؟ " قال: "نعم"، وكذا في بقيّة الأسئلة (قَالَ) أي عمر ﵁، ففي رواية أبي عوانة في "المستخرج": فقال عمر … " (فَعَجِبْنَا لَهُ) وفي رواية النسائي بلفظ "إليه" بدل "له" (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائي: "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت أنكرناه"، وفي رواية مطر الوراق: "انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه"، وفي حديث أنس: "انظروا وهو يسأله، وهو يصدقه، كأنه أعلم منه"، وفي رواية سليمان بن بريدة قال القوم: "ما رأينا رجلًا مثل هذا، كأنه يُعَلِّم رسول الله ﷺ ، يقول له: صدقت صدقت".
стр. 93
قال القرطبي: إنما عَجِبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي ﷺ ، لا يُعرَف إلَّا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي ﷺ ، ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف، محقّق مصدّق؛ فتعجبوا من ذلك، تعجب المستبعد لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسئول عنها من غير جهة النبيّ ﷺ . انتهى (١).
[فإن قلت]: قدّم في هذه الرواية السؤال والجواب عن الإسلام، على السؤال والجواب عن الإيمان، وإن كان هو مقدّمًا في الاعتبار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] إذ عليه يؤسّس قاعدة الإسلام.
[أجيب]: بأن المقام يقتضي تقديم الإسلام؛ لأنه رأس الأمر، وعموده، وبه تظهر شعائر الدين، وهو دليل على التصديق، وأَمَارة عليه، وما جاء جبريل ﵇ إلَّا ليُعلّم الناس الشريعة، فينبغي أن يبدأ بما هو الأهمّ، فالأهمّ، ويترقّى من الأدنى إلى الأعلى، فإن الإسلام مقدّم على الإيمان، وهو على الإخلاص الذي هو معنى الإحسان (٢). والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الايمَانِ) قال الطيبيّ: الإيمان: إفعالٌ من الأمن، وهو طمأنينة النفس عن إزالة خوف وشكّ، يقال: آمنه: إذا صدّقه، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة. انتهى (٣).
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، والرضا، والمحبّة، وغيرها، وأنه منزّه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات الأجسام، والمتحيّزات، وأنه واحد، صمد، فردٌ، خالق جميع المخلوقات، متصرّف فيها بما يشاء من التصرّفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء.
стр. 94
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في "العقيدة الواسطيّة" حينما يصف اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يُحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يُلحدون في أسمائه، وآياته، ولا يكيّفون، ولا يمثّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه لا سميّ له، ولا كفء له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه ، فإنه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه، ثم رسله صادقون، مصدّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]، فسبّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو قد جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنّة والجماعة عمّا جاء به المرسلون، فإنّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين. انتهى كلامه مختصرًا.
وقال في "الفتح": قوله: "قال: الإيمان: أن تؤمن بالله … " إلخ: دل الجواب أنه عَلِم أنه ساله عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق. وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله"، مُضَمَّن معنى أن تعترف به، ولهذا عدَّاه بالباء: أي أن تصدق، معترفًا بكذا.
قال الحافظ: والتصديق أيضًا يُعَدَّى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وقال الكرماني: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه، تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: "أن تؤمن" ينحل
стр. 95
منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، مُنَزَّهٌ عن صفات النقص. انتهى كلامه، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم.
(وَمَلَائِكَتِهِ) قال ابن الأثير: جمع مَلأَكٍ في الأصل، ثم حُذفت همزته؛ لكثرة الاستعمال، فقيل: مَلَكٌ، وقد تحذف الهاء، فيقال: ملائك، وقيل: أصله مَأْلَكٌ بتقديم الهمزة، من الألوكة، وهي الرسالة، ثم قدّمت الهمزة، وجُمع. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ: أَلَكَ بين القوم أَلْكًا، من باب ضَرَبَ، وأُلُوكًا أيضًا: تَرَسَّل، واسم الرسالة مَأْلُكٌ بضم اللام، ومَأْلُكةٌ أيضًا بالهاء، ولامها تُضمّ وتُفتح، والملائكة مشتقّة من لفظ الأُلُوكة، وقيل: من الْمَأْلَك، الواحد مَلَكٌ، وأصله مَلأَكٌ، ووزنه مَفْعَلٌ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسَقَطت، فوزنه مَعَلٌ، فإن الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأَكَ: إذا أرسل، فملأَكٌ مَفْعَل، فنُقلت الحركة، وسَقَطت الهمزة، وهي عينٌ، فوزنه مَفَلٌ، وقيل فيه غيرُ ذلك. انتهى (٢).
ومعنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، و ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء الله بينه وبين رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم في خَلْقه.
وقَدَّم الملائكة على الكتب والرسل، نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك على الرسول. قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة تفضيل الملك على البشر، أو العكس طويلة الذيل، قليلة النيل، قد استوفيت بحثها في "شرح النسائي"، وسيأتي هنا أيضًا في المحل المناسب له - إن شاء الله تعالى -.
стр. 96
(وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب الله تعالى: التصديق بأنه كلام الله تعالى، وأن ما تضمّنته حقّ وصدق.
[تنبيه]: زاد في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد قوله: "وكتابه": قولَهُ: "ولقائه": قال في "الفتح": كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنَّها داخلة في الإيمان بالبعث، والحقّ أنَّها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا في حديث أنس وابن عباس ﵃، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي.
وتعقبه النووي بأنّ أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بمَ يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟
وأجيب: بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية؛ لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إِذْ جُعِلت من قواعد الإيمان. انتهى (١).
(وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائيّ "وملائكته، والكتاب، والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير "بالنبيين" يشمل "الرسل"، من غير عكس.
ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيّدهم بالمعجزات الدّالّة على صدقهم، وأنهم بلّغوا عن الله تعالى رسالاته، وبيّنوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ.
وقال في "الفتح": ودَلّ الإجمال في الملائكة، والكتب، والرسل على الاكتفاء بذلك، في الإيمان بهم، من غير تفصيل، إلَّا من ثبت تسميته، فيجب الإيمان به على التعيين، وهذا الترتيب مطابق للآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
стр. 97
مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومناسبة الترتيب المذكور، وإن كانت الواو لا تُرَتِّب، بل المراد من التقديم، أن الخير، والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته، أن أنزل كتبه إلى عباده، والمتلقِّي لذلك منهم الأنبياء، والواسطة بين الله وبينهم الملائكة. انتهى.
(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي يوم القيامة، سُمِّي به؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد الإيمان به، وبما فيه من البعث والحساب، ودخول أهل الجنّة الجنّةَ، وأهل النار النارَ إلى غير ذلك، مما ورد النصّ القاطع به. قاله الطيبيّ (١).
وقال القرطبيّ: معنى الإيمان باليوم الآخر: هو: التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه، وجزائه للمحسنين، والمسيئين، إلى غير ذلك، مما صحّ نصّه، وثبت نقله. انتهى (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "وتؤمن بالبعث"، زاد عند البخاريّ في "التفسير": "الآخر".
قال في "الفتح": فأما البعث الآخر، فقيل: ذُكر "الآخر" تأكيدًا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقَة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور، إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له: ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة. انتهى.
(وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) - بفتحتين، أو بفتح، فسكون -: القضاء، والحكم، ومعنى الإيمان بالقدر أنه تعالى علم مقادير الأشياء، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَث في العالم العلويّ والسفليّ إلَّا وهو صادرٌ عن علمه تعالى، وقدرته وإرادته، وهذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان
стр. 98
السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسائل - إن شاء الله تعالى -.
ولما كثر من ينكر القدر من الكفّار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وتنويهًا بذكره، ليحصل الاهتمام بشأنه أكّده بقوله (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) بالجرّ بدلٌ من "القدر"، وفي رواية: "بالقدر كُلِّهِ خيره وشره"، وزاد في رواية: "حُلْوه، ومرّه"، وزاد في أخرى "من الله".
[تنبيه]: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان، لا يُطلق إلَّا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله ﷺ المراد به الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم (١).
(قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل أيضًا (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ) قال في "الفتح": هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ولتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسانُ العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حالَ التلبس بها، ومراقبة المعبود.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإحسان هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال على معنيين:
[أحدهما]: متعدّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا: إذا حسّنته، وكمّلته، وهو منقول بالهمزة من حسُن الشيءُ.
[وثانيهما]: متعدّ بحرف جرّ، كقولك: أحسنت إلى كذا: أي أوصلت إليه ما ينتفع به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها،
стр. 99
ومراقبته، واستحضار عظمته، وجلاله حالةَ الشروع، وحالة الاستمرار فيها.
وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين:
[أحدهما]: غالب عليه مشاهدة الحقّ، فكأنه يراه، ولعلّ النبيّ ﷺ أشار إلى هذه الحالة بقوله: "وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة" (١)، رواه أحمد، والنسائيّ.
[وثانيهما]: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحقّ مطّلع عليه، ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وهاتان الحالتان ثمرة معرفة الله تعالى وخشيته، ولذلك فسّر الإحسان في حديث أبي هريرة ﵁ بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه"، فعبّر عن المسبب باسم السبب توسّعًا، والألف واللام اللذان في "الإحسان" المسئول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ولَمّا تكرّر الإحسان في القرآن، وترتّب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبيّ ﷺ ، فأجابه ببيانه؛ ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظّ العظيم. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
وقال الخطّابيّ: إنما أراد بالإحسان ها هنا الإخلاص، وهو شرط في صحّة الإيمان والإسلام معًا، وذلك أن من تلفّظ بالكلمة، وجاء بالعمل من غير نيّة الإخلاص لم يكن مُحسنًا، ولا كان إيمانه صحيحًا، قال ﷺ : "أن تعبُد الله كأنك تراه"، أي في إخلاص العبادة لوجه الله الكريم، ومجانبة الشرك الخفيّ،
стр. 100
والعبادة لله الذي لا تنبغي العبادة إلا له على نعت الهيبة والتعظيم، حتى كأنه ينظر إلى الله تعالى خوفًا منه، وحياءً، وخُضُوعًا له.
وقال الراغب الأصبهانيّ: الإحسان يقال: على وجهين:
[أحدهما]: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
[والثاني]: إحسان في فعله، وذلك إذا عَلِمَ علمًا حسنًا، أو عَمِلَ عملًا حسنًا، وعلى هذا قوله : ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، والإحسان أعم من الإنعام، قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فالإحسان فوق العدل، وذاك أن العدل هو أن يُعطي ما عليه، ويأخذ أقلّ مما له (١)، والإحسان أن يُعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقلّ مما له، فالإحسان زائد على العدل، فتحرّي العدل واجبٌ، وتحرّي الإحسان ندبٌ وتطوّع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله : ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ولذلك عظّم الله تعالى ثواب المحسنين، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠]. انتهى (٢).
قال الطيبيّ: يجوز أن يُحمل الإحسان - يعني في هذا الحديث - على الإنعام، وذلك أن العامل المرائي يُبطل عمله، ويُحبطه، فيظلم نفسه، فقيل له: أحسِن إلى نفسك، ولا تشرك بالله، واعبُد الله كأنك تراه، وإلا فتهلك، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ١٠]، فإنها واردة في المرائي.
ويجوز أن يحمل على المعنى الثاني - يعني الإحسان في الفعل - وعليه قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ
стр. 101
إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]، أي المجيدين المتقنين في تعبير الرؤيا، كأنه سأل جبريلَ ﵇ عما يُنبئ عن الإخلاص، كما قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]. انتهى (١). وسنعود لتكميل بحث الإحسان في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) "أن" مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو عبادة الله تعالى (كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)، قال في "الفتح": أشار في الجواب إلى حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حتى كأنه يراه بعينه، وهو قوله: "كأنك تراه": أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مُطّلِع عليه، يَرَى كل ما يعمل، وفو قوله: "فإنه يراك"، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله، وخشيته، وقد عبر في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه"، وكذا في حديث أنس ﵁.
وقال النووي: معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة، إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك، لا لكونك تراه، فهو دائمًا يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه، فاستمر على إحسان العبادة، فإنه يراك، قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم، من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من التلبس بشيء من النقائص؛ احترامًا واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعًا عليه، في سره وعلانيته، انتهى. وقد سبق إلى أصل هذا القاضي عياض وغيره. انتهى.
وقال الطيبيّ: وأما تقدير الشرط والجزاء، فهو أن يقال: إن لم تعبد الله كأنك تراه، فاعبده كأنه يراك، وتحرير المعنى إن لم تكن تراه كذلك، أي مثل تلك الرؤية المعنويّة، فكن بحيث إنه يراك، وهو من جوامع الكلم، أي كن متيقّظًا، لا ساهيًا غافلًا، مجدًّا في مواقف العبوديّة، مخلصًا في نيّتك، آخذًا
стр. 102
أُهبة الْحَذَر، فإن من عَلِم أن له حافظًا رقيبًا، شاهدًا بحركاته وسكناته، لا سيّما ربّه، ومالك أمره، فلا يُسيء الأدب طرفة عين، ولا فَلْتة خاطر، هذا هو معنى الإجادة في الإيمان والإسلام، وقيل: التقدير: فإن لم تكن تراه، فلا تغفل، فإنه يراك. انتهى المقصود منه (١).
(قَالَ) الرجل السائل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أي متى تقوم الساعة؟ وقد صرّح به في حديث أبي هريرة ﵁، واللام للعهد، والمراد يوم القيامة. قاله في "الفتح" ١/ ١٦٥.
وقال القرطبيّ: الساعة: هي في أصل الوضع: مقدارٌ من الزمان، غير معيّن، ولا محدود؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، وفي عرف الشرع: عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدّلين (٢): جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار. قاله في "المفهم" ١/ ١٤٧.
وقال الطيبيّ: سميت ساعة لوقوعها بغتةً، أو لسرعة حسابها، أو على العكس؛ لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق، وعَنَى بالعكس أنها سُمّيت بها بناءً على عكس ما هي عليه من الطول تلميحًا، كما سُمّيت المهلكة مفازة. انتهى (٣).
(قَالَ) ﷺ "مَا الْمسئول عَنْهَا" قال المظهر: "ما" نافيةٌ، يعني لست أنا أعلم منك يا جبريل بعلم القيامة، الضمير راجع إلى "الساعة"، فلا بُدّ من تقدير مضاف في السؤال والجواب، كـ"وقتٍ" ونحوه؛ إذ وجود الساعة ومجيؤها مقطوع به، وإنما يُسأل عن وقتها، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣]، أي: في أيّ شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم؟ يعني ما أنت من ذكراها لهم وبتبيين وقتها في شيء.
وزاد في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ ﵄ عند النسائيّ: "قال: فنكّس،
стр. 103
فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسئول … " (بِأَعْلَمَ) هذا وإن كان مشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: "في خمس لا يعلمها إلا الله"، ونظير هذا قوله عند النسائيّ في حقّ جبريل ﵇: "ما كنت بأعلم به من رجل منكم"، فإن المراد أيضًا التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال: "سبحان الله، خمس من الغيب، لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية".
وقال الطيبيّ: [فإن قلت]: لفظة "أعلم" مشعرةٌ بوقوع الاشتراك في العلم، وأحدهما أزيد من الآخر، وهما متساويان في انتفاء العلم منهما.
[فالجواب]: أنه ﷺ نفى أن يكون صالحًا لأن يُسأل عنه على سبيل الكناية؛ لما عُرف أن المسئول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل، فهو من باب قوله تعالى: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
ويقال: إنه ﷺ نفى عن نفسه العلم بالمسئول عنه بوجه خاصّ.
تلخيصه أنّا متساويان في أنّا نعلم أن للساعة مجيئًا في وقت ما من الأوقات، وذلك هو العلم المشترك بيننا، ولا مزيد للمسئول على هذا العلم حتى يتعيّن عنده المسئول عنه، وهو الوقت المتعيّن الذي يتحقّق فيه مجيء الساعة. انتهى (١).
(مِنَ السَّائِلِ) إنما عدل عن قوله: لست بأعلم بها منك، إلى لفظٍ يُشعر بالتعميم؛ تعريضًا للسامعين: أي أن كل مسئول، وكل سائل، فهو كذلك.
والحاصل أن أصل الكلام أن يقال: لست بأعلم بها منك، لكن عُدِل عنه إلى ما عليه؛ لإفادة التعميم، وذلك أن الأجوبة الثلاثة على خطاب جبريل ﵇ كانت تعريضًا للسامعين على طريقة الخطاب العامّ، نحو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ولو أُجري على ذلك الأسلوب لقيل: لستُ بأعلم منك، ولم يُفد فائدة العموم؛ لأن المعنى كلُّ مسئول عنه وسائلٍ أيًّا ما كان فهو داخلٌ في هذا العموم.
стр. 104
وزاد في رواية أبي نعيم في "المستخرج": "فقال له: صدقت".
[فائدة]: هذا السؤال والجواب، وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهم الصلاة والسلام، لكن كان عيسى سائلًا، وجبريل مسؤولًا، قال الحميدي، في "نوادره": حدثنا سفيان، حدثنا مالك بن مِغْول، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي، قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل، عن الساعة؟ قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسئول أعنها بأعلم من السائل". ذكره في "الفتح" (١).
(قَالَ) الرجل السائل ("فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا) وفي نسخة "عن أماراتها" بالجمع، ولأبي نعيم: "ثم قال: يا محمد، فأخبرني عن أمارتها"، و"الْأَمارَةُ"، و"الأَمَارُ" بفتح الهمزة، وبالهاء، وحذفها: هي العلامة وزنًا ومعنى.
وفي حديث أبي هريرة: "عن أشراطها"، وهو - بفتح الهمزة - جمع شَرَطَ - بفتحتين - كقَلَم وأَقْلام: هي الأمارات، والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] وبها سُمّي الشُّرَط؛ لأنهم يُعلّمون أنفسهم بعلامات يُعرفون بها.
وقال القرطبي: علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد، أو غيره، والمذكور هنا الأول، وأما الغير: مثل طلوع الشمس من مغربها، فتلك مقارنة لها، أو مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك (٢).
[تنبيه]: هكذا في حديث عمر ﵁ أن السائل قال له ﷺ : "فأخبرني عن أمارتها"، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "وسأحدّثك عن أشراطها"، وعند البخاري في "التفسير": "ولكن سأحدثك"، وفي بعض الروايات: "ولكن لها علامات، تعرف بها".
ويجمع بين هذه الاختلافات بأنه ﷺ ابتدأ بقوله: "وسأخبرك"، فقال له السائل: "فأخبرني"، ويدل على ذلك روايةٌ عند البخاري بلفظ: "ولكن إن شئت، نبأتك عن أشراطها، قال: أجل"، ونحوه في حديث ابن عباس، وزاد: "فحدثني".
стр. 105
ويُستفاد من اختلاف الروايات: أن التحديث، والإخبار، والإنباء، بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحًا (١).
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) هو في تأويل المصدر خبر لمحذوف، أي هي: أي الأمارات ولادة الأمة ربتها.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأمة هنا: هي الجارية المستولدة، وربّها سيّدها، وقد سُمّي بعلًا في الرواية الأخرى، كما سمّاه الله تعالى بعلًا في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصّافّات: ١٢٥]، في قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وحُكي عنه أنه قال: لم أَدْرِ ما البعل؟ حتى قلت لأعرابيّ: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها، وقد سُمي الزوج بعلًا، ويُجمع على بُعُولة، كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]. و"ربّتها": تأنيث ربّ. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "الربّ" يُطلق في اللغة على المالك، والسيّد، والمدبّر، والمربّي، والقيّم، والمنعم، ولا يُطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أُطلق على غيره أُضيف، فيقال: ربُّ كذا، وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير، وأراد به في هذا الحديث المولى، والسيّد، يعني أن الأمةَ تَلِد لسيّدها ولدًا فيكون لها كالمولى؛ لأنه في الحسب كأبيه، أراد أن السبي يكثر، والنعمة تظهر في الناس، فتكثُر السراري. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أن تلد الأمة ربتها": "الربّ" مشترك بين المالك، والمربّي، قال صاحب "الأساس": ربُّ الدار، وربّ العبد، وربّى ولده تربيةً، وقال الجوهريّ: ربّ كلّ شيء: مالكه، وقال في "الكشّاف": الربّ المالك، ومنه قول صفوان لأبي سفيان: "لأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحبّ إليّ من أن يَرُبّني رجل من هوازن" هذا هو المعنى في الحديث.
[فإن قيل]: كيف أُطلق الربّ على غير الله تعالى، وقد نَهَى النبيّ ﷺ عن
стр. 106
ذلك في قوله: "لا يَقُلْ أحدكم أطعم ربّك، وضّئ ربّك، واسق ربّك، ولا يقُل أحدكم: ربّي، وليقُل: سيّدي ومولاي" (١).
[والجواب]: أن هذا من باب التشديد والمبالغة، قال في "الفتح": يُجمَع بينهما بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول ﷺ . انتهى (٢).
وقال التوربشتيّ: فسَّرَ هذا القول كثير من العلماء على أن السبي يكثر بعد اتّساع رُقعة الإسلام، فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيّد لأمه؛ لأن ملك الأمة راجع في التقدير إلى الولد، وذَكَره بلفظ التأنيث، وأراد به النسمة؛ ليشمل الذكور والإناث، أو كَرِه أن يقول: ربّها؛ تعظيمًا لجلال ربّ العباد، أو أراد البنت، وإذا كانت هكذا، فالابن أولى.
وقال القاضي ناصر الدين: وتأنيث "ربتها"، وإضافتها إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه وَلَد ربّها، أو مولاها بعد الأب، وذلك إشارة إلى قوّة الإسلام؛ لأن كثرة السبي والتسرّي دليل على استعلاء الدين، واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات؛ لأن قوّته، وبلوغ أمره غايته منذر بالترجع، والانحطاط المؤذن بأن القيامة ستقوم.
وقال الطيبيّ: وأقول - والعلم عند الله -: الكلام فيه صعب، بل هو مقام دحضٌ، قلما تثبت فيه الأقدام الراسية في البيان، وكان قلما يلتفت الخاطر إلى معرفته، وما تكلّم فيه العلماء لم يكن يشفي العليل إلى أن تصدّيتُ لأمر هذا
стр. 107
الخطب الجليل، فالواجب أوّلًا تعيين المقام؛ لأن بيده زمام حكم الكلام، ولا ارتياب أن أمارات الساعة وأشراطها من عظائم الشؤون، وجلائل الخطوب، فيجب حينئذ تأويل القرينتين، أعني قوله: "أن تلد الأمة ربتها"، وقوله: "وأن ترى الْحُفاة الْعُراةَ - إلى قوله -: يتطاولون في البنيان" بما ينبئ عن ذلك النبإ العظيم من تغيير الزمان، وانقلاب أحوال الناس، بحيث لم يُشاهَد قبله، ولم يُرَ مثلُهُ، وكيف ولفظة "تَرَى" تنبئ عن ذلك؛ لأنها من الخطاب العامّ على الاستغراق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، يعني بلغ الخطب في العظم والفخامة بحيث لا يختصّ برؤية راءٍ واحدٍ، بل كلّ من يتأتّى منه الرؤية فهو مخاطبٌ به.
فإذا تقرّر بيان اقتضاء المقام، فنَثْنِي العِنَانَ إلى بيان الأساليب التي يُستعان بها على تطبيق القرينتين على ما يقتضيه المقام، من المطابقة المعنويّة، والكناية الزبديّة، والإدماج المسمّى بإشارة النصّ.
فنقول: القرينة الثانية دلّت بالكناية الزبديّة التي لا يُنظر فيها إلى مفردات التركيب، لا حقيقةً، ولا مجازًا، بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع على أن الأذلّة من الناس ينقلبون أعزّةً، ملوك الأرض، فينبغي أن تُؤَوَّل القرينة السابقة بما يقابلها؛ ليطابقا في أن يصير الأعزّة أذلّةً، ومعلوم أن الأمّ مربّيةٌ للولد، ومدبّرةُ أمره، فإذا صار الولد ربًّا، ومالكًا لها، لا سيّما إذا كانت بنتًا ينقلب الأمر، هذا هو الْمَعْنِيّ بالتشديد والمبالغة الموعود بهما، ثم وضع الأمة، ووصفها بالولادة موضع الأمّ إشعارٌ بمعنى الاسترقاق والاستيلاء، وأن أولئك الضَّعَفَةَ الأذلّةَ الذين فُهِموا من القرينة الثانية هم الذين يتعدّون، ويتسلّطون، ويفتحون البلاد، ويسترقّون كرائم النساء، وَشَرَائِفَهُنَّ، وَيسْتَوْلدوهنَّ، فتلد الأمة ربّتها.
فالحاصل أن قوله: "أن تَلِدَ الأمة ربتها" دلَّ بعبارته على المقصود، وبإشارته على معنى آخر، وهو كثرة المستولدات، وإنما وصف النساء بالشرف والكرامة؛ ليفيد المعنى المقصود، وكان الواقع كذلك، ألا ترى إلى الملكة حُرَقة بنت النعمان حين سُبيت، وأُحضرت بين يدي سعد بن أبي وقّاص ﵁ كيف أنشدت [من الطويل]:
стр. 108
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
وإلى قول أبي الطيّب [من الطويل]:
تَبَكَّى عَلَيْهِنَّ الْبَطَارِيقُ فِي الدُّجَى … وَهُنَّ لَدَيْنَا مُلْقَيَاتٌ كَوَاسِدُ
وفي معناه أنشد [من الطويل]:
إِذَا ذَلَّ فِي الدُّنْيَا الأَعَزُّ وَاكْتَسَى (١) … أَعِزَّتُهَا ذُلًّا وَسَادَ مَسُودُهَا
هُنَاكَ فَلَا جَادَتْ سَمَاءٌ بِضَوْئِهَا … وَلَا أَشْرَقَتْ أَرْضٌ وَلَا اخْضَرَّ عُودُهَا
قال: وفي القرينتين إيذان بنصرة المؤمنين، وفتحهم البلاد مشارقها ومغاربها، كما ورد: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها"، رواه مسلم من حديث ثوبان ﵁. انتهى كلام الطيبيّ (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بلفظ: "إذا ولدت الأمة ربها"، بالتذكير، قال في "الفتح": وزاد في رواية محمد بن بشر: "يعني السراري"، وفي رواية عمارة بن القعقاع: "إذا رأيت المرأة تلد ربها"، ونحوه لأبي فَرْوَة، وفي رواية عثمان بن غياث: "الإماء أربابهن" بلفظ الجمع، والمراد بالرب: المالك، أو السيد.
وقال أيضًا: "التعبير بـ"إذا" للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانًا للأشراط، نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادةُ الأمة، وتطاوُلُ الرُّعَاة.
[فإن قيل]: الأشراط جمع، وأقله ثلاثة على الأصح، والمذكور هنا اثنان، أجاب الكرماني بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة، إنما هو في النكرات، لا في المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ "الشرط".
قيل: وفي جميع هذه الأجوبة نظر لا يخفى، ولو أُجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان، لَمَا بَعُدَ عن الصواب، والجواب
стр. 109
المرضيّ أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه في حديث عمر هنا، وفي حديث أبي هريرة الآتي ذكر الولادة، والتطاول، وفي رواية محمد بن بشر عن أبي حيان التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة في "صحيحه"، ومن طريقه أبو نعيم في "المستخرج" لفظها، ذكر الثلاثة، وكذا في "مستخرج الإسماعيلي"، من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عُمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر ﵁، في رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذُكِرت في حديث ابن عباس، وأبي عامر ﵃ (١).
وسيأتي اختلاف العلماء في معنى "أن تلد الأمة ربتها" في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(تنبيهٌ): قال النوويّ رحمه الله تعالى: ليس في هذا الحديث دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهنّ، وقد استدَلَّ إمامان من كبار العلماء به على ذلك، فاستدل أحدهما على الإباحة، والآخر على المنع، وذلك عجب منهما، وقد أُنكِر عليهما، فإنه ليس كلُّ ما أخبر ﷺ بكونه من علامات الساعة يكون مُحَرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرِّعاء في البنيان، وفُشُوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهن قَيِّمٌ واحد ليس بحرام بلا شكّ، وإنما هذه علامات، والعلامة لا يُشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشرّ، والمباح والمحرم، والواجب غيره. انتهى (٢).
وعبارة القاضي عياض ﵀: قال الخطابيّ: قد يَحتجّ بهذا الحديث من يرى بيع أمهات الأولاد، ويحتجّ بأنهنّ لم يُبعنَ بعد موت السيّد؛ لأنهنّ يصرن في التقدير ملكًا لأولادهنّ، فيُعتقن.
قال القاضي: ولا حجّة له في هذا؛ إذ ليس في الحديث شيء يدلّ عليه، بل قد نُوزع في استدلاله.
وقال أبو زيد المروزيّ: وهو ردّ على من يرى بيعهنّ لإنكار النبي ﷺ أن
стр. 110
تلد الأمة من يملكها، وجعله ذلك من أشراط الساعة، ومعناه عنده أن يبيع أمه آخر الزمان.
وليس ما قال بشيء؛ لأن كلّ ما أُخبر عنه أنه من أشراط الساعة لا تُحَرِّمه الشريعة، ألا ترى أن تطاول الرِّعاء في البنيان ليس بحرام، ولا أن يكون اللُّكَع أسعد الناس بالدنيا ليس مما يُحرّمها عليه، ولا فشُوّ المال جملة مما يُحرّمه، ولا أن يكون لجماعة النساء القيّم الواحد مما يُحرّم ذلك.
وليس في الكلام دليل على إنكار النبيّ ﷺ ، كما زَعَم، ولا فيه غيرُ إخبارٍ عن حال تكون. وأما قوله: إن معناه أن يبيع الولد أمه آخر الزمان، فليس فيه دليلٌ على منع بيعها قبل ملك ابنها؛ إذ من يُجوّز بيعها من أهل الظاهر يوافق الجماعة في أنها لا تباع ما دامت حاملًا، ولا إذا تصير ملكًا لابنها بميراث، أو غيره. انتهى (١).
(وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بالضمّ: جمع حاف، وهو الذي لا يلبس في رجله نعلًا أو غيرها (الْعُرَاةَ) بالضمّ أيضًا جمع عار: وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (الْعَالَةَ) بتخفيف اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والْعَيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يَعِيل عَيْلةً: إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا كثُر عياله (رِعَاءَ الشَّاءِ) بالكسر: جمع راع، وأصل الرعي: الحفظ، و"الشاء": جمع شاة، وهو من الجمع الذي يفرّق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خِلْقةً لله تعالى، كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خصّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. قاله القرطبيّ (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "إذا رأيت الرِّعَاء البهم"، وعند البخاريّ: "وإذا تطاول رعاة الإبل البهم".
وزاد في رواية ابن حبّان: "قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: الْعُرَيب".
(يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ") أي يتفاخرون في طول بيوتهم، ورفعتها، من تَطَاوَلَ الرجل إذا تكبّر، يعني من علامات القيامة أن ترى أهل البادية ممن ليس لهم لباسٌ، ولا نعلٌ، بل كانوا رعاء الإبل والشاء يتوطّنون البلاد، ويتّخذون العقار، ويبنون الدور والقصور المرتفعة. قاله المظهر.