← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

لم يُرِد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت، دون غيره من أمارات الحياة، من حركة، وقبض، وبسط، ونحوها. قاله في "العمدة" (١). (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخه الثالث (وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ) وفي نسخة: "وهو" بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) يعني أنهما زادا في روايتهما بعد قوله: "عن عمّه" ما نصّه: هو: عبد الله بن زيد، والمعنى أن المراد بعمّه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وهو عمّ لعبّاد بن تميم، وقد سبق عن الحافظ أنه اختُلف هل هو عمّه لأبيه أو لأمه؟ وقال ابن الملقّن: هو عمّه من قبل أمه، لا من قبل أبيه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٥/ ٨١٠] (٣٦١)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٣٧ و ١٧٧) و"البيوع" (٢٠٥٦)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٧٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٩٨)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥١٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٤٨ و ٢٤٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن هذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحكَم ببقائها على أصولها، حتى يُتَيَقَّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشكّ الطارئ عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، ولكنهم مختلفون في كيفية استعمالها، مثاله مسألة الباب التي دلّ عليها

стр. 4727

الحديث، وهي أن مَن تيقن الطهارة، وشكّ في الحدث يُحكَم ببقائه على الطهارة، سواء حَصَل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا بالإجماع بين الفقهاء، إلا عن مالك، فله روايتان: إحداهما: أنه يلزمه الوضوء، إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى يلزمه بكل حال، وحُكِيت الأولى عن الحسن البصريّ، وهو وجه شاذّ عند الشافعية، ذكره الرافعيّ، والنوويّ في "الروضة"، وحُكِيت الثانية أيضًا وجهًا للشافعية، وهو غريب، وعن مالك رواية ثالثة، رواها ابن قانع عنه، أنه لا وضوء عليه، كما قاله الجمهور، وحكاها ابن بطال عنه. ونَقَل القاضي، ثم القرطبيّ، عن ابن حبيب المالكيّ أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتَذَر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحلّ منه شيء، بخلاف البول والغائط، ولا يخفى ما فيه، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر، كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا. وأما إذا تيقن الحدث، وشكّ في الطهارة، فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع، وعلى هذا الأصل من شكّ في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع، أو سجد أم لا، أو نَوَى الصوم أو الصلاة، أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. وقالت الشافعية: تُسْتَثنَى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألةً: (منها): من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها، قيل: أو فيها، ومن شك في ترك بعض وضوء، أو صلاة بعد الفراغ، لا أثر له على الأصح. (ومنها): عَشْرٌ ذَكَرهُنّ ابن القاصّ - بتشديد الصاد المهملة المشدّدة - من الشافعية (١): الشكّ في مدة خُفّ، وأنّ إمامه مسافر، أو وَصَل وطنه، أو نوى

стр. 4728

إقامةً، ومسح مستحاضة شُفِيت، وغسل متحيّرة، وثوبٌ خَفِيَت نجاسته، ومسألة الظبية، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جَرَحه فغاب، فوجده ميتًا. قال الققال: لم يَعْمَل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في الأولى الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثالثة، والرابعة إن أوجبناه، والخامسة والسادسة اشتراطُ الطهارة، ولو ظنًّا أو استصحابًا، والسابعة بقاء النجاسة، والثامنة لقوة الظنّ، والتاسعة للشك في شرط التيمم، وهو عدم الماء، وفي الصيد تحريمه، إن قلنا به. قال النوويّ ﵀ في "تحقيقه" بعد أن لخّص المسألة هكذا، وبسطها في "شرح المهذّب": وقولُ ابن القاصّ أقوى في غير الثامنة، والتاسعة، والعاشرة. انتهى. ٢ - (ومنها): ما قالته الشافعية: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجوب الحدث وعدمه، وبين ترجيح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصوليّ، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين، نعم يُستحب الوضوء احتياطًا، فلو بان حدثه أوّلًا، فوجهان أصحهما لا يجزيه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فتوضأ، ثم بان محدثًا، فإنه يجزيه قطعًا، لأن الأصل بقاء الحدث، فلا يضر التردد معه، ولو تيقن الطهارة والحدث معًا، وشك في السابق منهما فأوجه؛ أصحها أنه يأخذ بضدّ ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء مطلقًا. ٣ - (ومنها): ما قال الخطابيّ ﵀: فيه حجة لمن أوجب الحدّ على من وُجِدت منه رائحة المسكر، وإن لم يُشاهَد شربه، ولا شهد عليه الشهود، ولا اعترف به. وتعقّبه العينيّ، بأن الحدود تدرأ بالشبهة والشبهة هنا قائمة. قال الخطابيّ: وفيه دلالة أيضًا على أنه إذا تيقّن النكاح، وشكّ في الطلاق كان على النكاح المتقدّم، إلا إن تيقّن الطلاق. قال ابن الملقّن: وهذا فرد من أفراد القاعدة التي أسلفناها، ويتعلّق بها ما رويناه بالإسناد إلى عبد الرحمن بن مالك بن مغراء، قال: جاء رجلٌ إلى

стр. 4729

أبي حنيفة، فقال: شربت البارحة نبيذًا، فلا أدري أطلّقتُ امرأتي أم لا؟، فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلّقتها، قال: فتركه، ثم جاء سفيان الثوريّ، فسأله، فقال: اذهب فراجعها، فإن كنت طلّقت، فقد راجعتها، وإلا فلا تضرّك المراجعة، فتركه وجاء إلى شريك، فقال له: اذهب فطلّقها ثم راجعها، فتركه، وجاء إلى زفر فسأله، فقال: هل سألت قبلي أحدًا؟، قال: نعم، وقمق عليه القصّةَ، فقال في جواب أبي حنيفة: الصوابَ قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك ضَحِك مليًّا، ثم قال: لأضربنّ لهم مثلًا، رجلٌ مرّ بشِعْب يسيل دمًا، فشكّ في ثوبه هل أصابه نجاسة؟ قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله، فإن كان نجسًا، فقد طهّرته، وإلا فقد زدته طهارةً، وقال شريك: بُلْ عليه، ثم اغسله، ذكره ابن الملقّن (١)، والله أعلم بصحّة القصّة. ٤ - (ومنها): مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل. ٥ - (ومنها): ترك الاستحياء في العلم، وأنه ﷺ كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء واحد صلوات ما لم يحدث. ٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد. ٧ - (ومنها): أن من كان على حال لا ينتقل عنه إلا بوجود خلافه. ٨ - (ومنها): أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبيّ ﷺ جميع ما ينزل بهم. ٩ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته، لا ينقض طهارته (٢)، وفيه نظرٌ؛ لأن الشرع جعل صلاحية طهارة التيقم مغيّاة بوجود الماء، فقد أخرج أبو داود، وغيره بسند صحيح، عن أبي ذرّ ﵁ مرفوعًا: "إن الصعيد الطيِّب طَهُور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك".

стр. 4730

فقد جعل وُجود الماء غاية لصلاحية التيمّم، فيدلّ على أنه ينتقض بوجوده، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠ - (ومنها): ما قاله ابن الملقن ﵀: هذه القاعدة تُعرف في الأصول باستصحاب الحال، وهي من الأدلّة الشرعيّة الثلاثة التي هي: أصلٌ، ومعقول الأصل، واستصحاب حال. ونعني بالأصل: الكتاب، والسنّة، والإجماع، وبمعقول الأصل: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب، على ما تقرّر في الأصول. ونعني باستصحاب حال الأصل البقاء عليه حتى يدلّ دليل على خلافه، وهو على ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإجماع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: مسألة استصحاب الحال قد استوفيتها في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فراجعهما تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١١] (٣٦٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْه، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِد، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.

стр. 4731

٣ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات أبو صالح المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، وزهير تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في عصره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا) أي من المرض، كالقرقرة، بأن تردّد في بطنه ريح (فَأَشْكَلَ) أي التبس (عَلَيْه، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) أي من الحدث (أَمْ لَا؟) قال ابن الملك ﵀: يعني صار مشكلًا عنده خروج شيء من بطنه، وعدم خروجه، قال: هذا الاستفهام جعله في حكم المصدر، كما في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، يعني إنذارك وعدم إنذارك سواء. انتهى (١). (فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ) المراد من محلّ صلاته؛ أي لا ينصرف من موضع صلاته لأجل الوضوء؛ لأن المتيقَّن لا يُبطله الشكّ. قال الطيبيّ ﵀: هذا يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد، لكن أشير به إلى أن الأصل أن يصلي المؤمن التقيّ في المسجد؛ لأنه مكان الصلاة ومعدنها، وكأن من هو خارجٌ منه خارج من حكم المصلّي؛ مبالغةً،

стр. 4732

فعلى المؤمن ملازمته، والمواظبة على إقامة الصلوات مع الجماعات، والله أعلم. انتهى (١). (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا") تقدّم أن "أو" هنا للتنويع، لا للشكّ، أي حتى يتيقّن بوجود الحدث الناقض لوضوئه، وذلك بأن يسمع صوت الريح الخارجة من الدبر، أو يجد ذلك في يده بأن يَشُمَّ المحلّ. وقال البغويّ ﵀ في "شرح السنّة": معنى: "حتى يسمع صوتًا … إلخ": حتى يتيقّن الحدث، لا أن سماع الصوت، أو وجود الريح شرط، فإنه قد يكون أصمّ لا يسمع الصوت، وقد يكون أخشم لا يجد الريح، وينتقض طهره إذا تيقّن الحدث. وقال المازريّ ﵀: في الحديث دليلٌ على أن الريح الخارجة من أحد السبيلين توجب الوضوء، وقال أصحاب أبي حنيفة: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء. وفيه دليلٌ على أن اليقين لا يزول بالشكّ في شيء من أمر الشرع، وهو قول عامّة أهل العلم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٥/ ٨١١] (٣٦٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٧٧)، و (الترمذيّ) فيها (٧٤ و ٧٥)، و (ابن ماجه) فيها (٥١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٩٧)، و (البيهقي) في "الكبرى" (١/ ١٨٨)، وبقيّة المسائل تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 4733

(٢٦) - (بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٢] (٣٦٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ " فَقَالُوا (١): إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا". قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، فِي حَدِيثِهِمَا: عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقة، صنف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٢) (م ت س ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا لطائف الإسناد، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول، وفي الرواية الآتية: "مرّ بشاة مطروحة أُعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة" (عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم هذه المولاة (٢). [تنبيه]: قد جاء في رواية صحيحة، أن النبيّ ﷺ كان هو الذي أعطى

стр. 4734

تلك الشاة لمولاة ميمونة ﵂ فقد أخرج النسائيّ في "سننه" بسند صحيح، من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس ﵄، قال: مَرّ رسول الله ﷺ بشاة ميتة، كان هو أعطاها مولاة لميمونة، زوج النبيّ ﷺ ، فقال: "هلّا انتفعتم بجلدها؟ " فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال رسول الله ﷺ : "إنما حرم أكلها" (١). وقد روي نحو هذا في شاة لسودة ﵂ ففي "صحيح البخاريّ" عن ابن عباس ﵄، عن سودة زوج النبيّ ﷺ قالت: ماتت لنا شاةٌ، فدبغنا مَسْكَها، ثم ما زِلْنا نَنْبِذ فيه، حتى صار شَنًّا. وفي "مسند أحمد" عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة - يعني الشاة - فقال: "فلولا أخذتم مَسْكها"، فقالت: نأخذ مَسْك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "إنما قال الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] فإنكم لا تَطْعمونه، أن تدبغوه، فتنتفعوا به، قالت: فأَرسلتُ إليها، فسُلِخت مَسْكها، فدبغته، فأخذتُ منه قِرْبةً حتى تخرّقت عندها" (٢). (بِشَاةٍ) متعلّق بـ"تُصُدِّق"، وفي رواية البخاريّ: "مرّ النبيّ ﷺ بعنز ميتة"، قال في "الفتح": "الْعَنْز" بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها زاي: هي الماعزة، وهي الأنثى من المعز، ولا ينافي رواية: "ماتت شاة"؛ لأنه يُطْلَق عليها شاة كالضأن. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: من الغريب أن صاحب "فتح المنعم" تعقّب كلام الحافظ هذا، فقال: وعندي أن العنز غير الشاة، وحمل الروايتين على

стр. 4735

حادثتين مختلفتين أولى من حمل العنز والشاة على ذات واحدة. انتهى. والغريب قوله: العنز غير الشاة، فمن أين له هذا؟، وقد أثبت أرباب اللغة أن الشاة والغنم يطلقان على الضأن وعلى المعز (١)، بل ذكر في "القاموس"، و"اللسان" قولًا: إن الشاة تُطلق على الضأن، والمعز، والظباء، والبقر، والنعام، وحمر الوحش. وأيضًا من أين له أنه ﷺ اتّفقت له هذه الواقعة مرّتين لمولاة ميمونة ﵂؟ هذا شيء عجيب. فالصواب ما قاله الحافظ ﵀، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (فَمَاتَتْ) أي تلك الشاة (فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلَّا أَخَذْتُمْ) "هَلَّا" - بفتح الهاء، وتشديد اللام -: حرف تحضيض، مختصّ بالجمل الفعليّة، فإذا قُصد به التوبيخ، وهو اللوم على ترك الفعل، والتنديم؛ أي الإيقاع في الندم، كما هنا، كان الفعل ماضيًا، وإن قُصِد الحثّ على الفعل كان مستقبلًا، ومثلها "لولا"، و"لوما"، و"أَلَّا" بالتشديد، و"أَلَا" بالتخفيف، وإلى قاعدة هذه الحروف أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: "لَوْلَا" و"لَوْمَا" يَلْزَمَانِ الابْتِدَا … إِذَا امْتِنَاعًا بِوُجُودٍ عَقَدَا وَبِهِمَا التَّحْضِيضَ مِزْ وَ"هَلَّا" … "أَلَّا" "أَلَا" وَأَوْليَنْهَا الْفِعْلَا وَقَدْ يَلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلٍ مُضمَرِ … عُلِّقَ أَوْ بِظَاهِرٍ مُؤَخَّرِ (إِهَابَهَا) بكسر الهمزة، وتخفيف الهاء، قال في "القاموس": "الإهاب" كَكِتَاب: الجلد، أو ما لم يُدْبَغ، جمعه: آهِبَةٌ، وأُهُبٌ، وأَهَبٌ. انتهى (٢). وفي "المصباح": "الإهاب": الجِلْدُ قبل أن يُدبغ، وبعضهم يقول: الإهاب: الجلد، وهذا الإطلاق محمولٌ على ما قيّده الأكثرُ، فإن قوله ﷺ : "أيُّما إهاب دُبغ" يدلّ عليه، والجمعُ أُهُبٌ بضمّتين على القياس، مثلُ كتاب وكُتُب، وبفتحتين على غير قياس، قال بعضهم: وليس في كلام العرب فِعَالٌ

стр. 4736

يُجمَعُ على فَعَلٍ بفتحتين إلا إِهابٌ وأَهَبٌ، وعِمَادٌ وعَمَدٌ، وربّما استُعير الإهاب لجلد الإنسان. انتهى (١). (فَدَبَغْتُمُوهُ) قال في "المعجم الوسيط": دَبَغَ الجلدَ يدبُغُه دَبْغًا، ودِبَاغًا، ودِبَاغَةً: عالجه بمادّة ليلين، ويزول ما به من رُطُوبة، ونَتْن. انتهى (٢). وقال في "القاموس": دَبَغَ الإهاب، كنصر، ومَنَعَ، وضَرَبَ دَبْغًا ودِبَاغًا ودِبَاغَةً بكسرهما، فاندبَغَ، والدِّبَاغُ، والدِّبْغُ، والدِّبْغَةُ مكسوراتٍ: ما يُدْبَغُ به، وككِتَابَةٍ: حِرْفَة الدَّبّاغ. انتهى (٣). (فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟) أي بالإهاب (فَقَالُوا) أي القوم المخاطبون، وفي بعض النسخ: "فقال" بالإفراد، أي بعض الحاضرين، قال الحافظ ﵀: لم أقف على تعيين القائل. انتهى (٤). (إِنَّهَا) أي الشاة (مَيْتَةٌ) بتخفيف الياء، ويجوز تشديدها، قال في "المصباح": "الميتة": من الحيوان: ما مات حَتْفَ أنفه، والجمع ميتات، وأصلها ميِّتةٌ بالتشديد، قيل: والتُزِم التشديد في ميتة الأَناسيّ؛ لأنه الأصل، والتُزم التخفيف في غير الأناسيّ؛ فرقًا بينهما، ولأن استعمال هذه أكثر من الآدميّات، فكانت أولى بالتخفيف. انتهى (٥). والمعنى: أن هذه الشاة محرَّمة؛ لأنها ميتة، وإنما قالوا ذلك ظنًّا منهم أن تحريم الميتة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ يشمل جلدها كلحمها (فَقَالَ) ﷺ مبيّنًا المراد بالتحريم في الآية (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) بتشديد الراء من التحريم، ويجوز تخفيفها، قال النوويّ ﵀: رويناه على وجهين: "حَرُمَ" - بفتح الحاء، وضمّ الراء -، و"حُرِّم" - بضمّ الحاء، وكسر الراء المشدّدة - وفي هذا اللفظ دلالة على تحريم أكل جلد الميتة، وهو الصحيح، كما سيأتي تحقيقه، وللقائل الآخر أن يقول: المراد تحريم لحمها. انتهى (٦). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إنما حرم أكلها" خرج على الغالب مما تُراد اللحوم له، وإلا فقد حرم حملها في الصلاة، وبيعها، واستعمالها، وغير ذلك

стр. 4737

مما يحرم من النجاسات. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀: ظاهره أن ما عدا المأكول من أجزاء الميتة غير محرّم الانتفاع به، كالشعر، والسنّ، والقرن، ونحوها، قالوا: لا حياة فيها، فلا تنجس بموت الحيوان. انتهى (٢). (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) هو: ابنُ أبي شيبة، شيخه الثاني (وَابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو محمد بن يحيى بن أبي عمر، شيخه الرابع (فِي حَدِيثِهِمَا) أي في روايتهما لهذا الحديث عن سفيان بن عيينة (عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂) يعني أنهما ذكرا ميمونة ﵂ بعد ابن عبّاس ﵄، فجعلاه من رواية ابن عبّاس عنها، بخلاف يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد، فقد جعلاه من مسند ابن عبّاس ﵄. قال في "الفتح" عند قوله: "مَرَّ بشاة"، ما نصّه: كذا للأكثر عن الزهريّ، وزاد بعض الرواة عن الزهريّ، عن ابن عباس، عن ميمونة، أخرجه مسلم وغيره من رواية ابن عيينة، والراجح عند الحفّاظ في حديث الزهريّ، ليس فيه ميمونة، نعم أخرج مسلم، والنسائيّ من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أن ميمونة أخبرته. انتهى (٣). قال الإمام الترمذيّ ﵀ بعد إخراج حديث ابن عبّاس ﵄ هذا -، ما نصّه: وفي الباب عن سَلَمة بن الْمُحَبِّق، وميمونة، وعائشة، وحديث ابن عباس حسن صحيح، وقد رُوِي من غير وجه عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ نحوُ هذا، ورُوي عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبيّ ﷺ ، ورُوي عنه عن سَوْدة، وسمعت محمدًا - يعني البخاريَّ - يُصَحِّح حديث ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، وحديث ابن عباس، عن ميمونة، وقال: احْتَمَل أن يكون رَوَى ابنُ عباس، عن ميمونة، عن النبيّ ﷺ ، ورَوَى ابنُ عباس، عن النبيّ ﷺ ، ولم يَذكُر فيه عن ميمونة. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (٤).

стр. 4738

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما نقله الترمذيّ عن البخاريّ أن الحديث صحيح بالطريقين، فيُحْمَلُ على أن ابن عبّاس ﵄ شَهِدَ القضيّة، لكن أخبرته خالته ميمونة ﵂ بتفاصيلها، حيث إن تلك الشاة كانت لمولاتها، فكان يُحدّث تارةً بهذا، وتارةً بهذا، ولا مانع من ذلك، بل مثلُ هذا كثير في أحاديث الحفّاظ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٦/ ٨١٢ و ٨١٣ و ٨١٤ و ٨١٥] (٣٦٣) و [٢٦/ ٨١٦] (٣٦٤) و [٢٦/ ٨١٧] (٣٦٥)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٩٢) و"البيوع" (٢٢٢١) و"الذبائح والصيد" (٥٥٣١ و ٥٥٣٢)، و (أبو داود) (٤١٢٠ و ٤١٢١)، و (الترمذيّ) في "اللباس" (١٧٢٧)، و (النسائيّ) في "الفَرَع والعَتِيرة" (٧/ ١٧١ - ١٧٢)، و (ابن ماجه) في "اللباس" (٣٦١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٨٢ و ١٢٨٤ و ١٢٨٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٨٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٣٧٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٢٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٨٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٤٢)، (والطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤٦٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥)، و (ابن حزم في "المحلَّى" (١/ ١١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٤٧ و ٥٤٨ و ٥٤٩ و ٥٥٠ و ٥٥١ و ٥٥٢ و ٥٥٣ و ٥٥٤ و ٥٥٥ و ٥٥٦ و ٥٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٩٨ و ٧٩٩ و ٨٠٠ و ٨٠١ و ٨٠٢ و ٨٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم جلود الميتة، وهو جواز الانتفاع بها، لكن بشرط أن تُدبغ. ٢ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: فيه مراجعةُ الإمام فيما لا

стр. 4739

يَفْهَم السامع معنى ما أَمَرَهُ، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها، وقد حُرِّمت علينا؟ فَبَيَّنَ له وجه التحريم. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة؛ لأن لفظ القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال، فَخَصَّت السنةُ ذلك بالأكل. ٤ - (ومنها): أن فيه حُسْنَ مراجعتهم، وبلاغتهم في الخطاب؛ لأنهم جَمَعُوا معانيَ كثيرةً في كلمة واحدة، وهي قولهم: "إنها ميتة". ٥ - (ومنها): أن الزهريّ ﵀ استَدَلَّ به على جواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا، سواءٌ أدُبغَ أم لم يُدْبَغ؟. وتُعُقِّب بأنه صَحَّ عنه ﷺ تقييده بالدباغ، فالحقّ أنه لا بدّ منه، وهو مذهب الجمهور. ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز دفع الزكاة لموالي أزواج النبيّ ﷺ ، وقد ترجم به الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" بقوله: "باب الصدقة على موالي أزواج النبيّ ﷺ "، ثم أورد حديث ابن عبّاس ﵄ هذا، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه من كتاب الزكاة - إن شاء الله تعالى -. ٧ - (ومنها): بيان مشروعيّة حفظ المال، والعمل في تنميته، حيث إن النبيّ ﷺ أرشدهم إلى أخذ جلدها، وإصلاحه بالدباغ، ثم الانتفاع به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم جلود الميتة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَفَ أهل العلم في الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ وبعده: فنهت طائفةٌ عن الانتفاع به قبل الدباغ وبعده، وممن قال بهذا القول أحمد بن حنبل، وقال زيد بن وهب: كَتَبَ إلينا عمر بن الخطاب أنه بلغني أنكم بأرض تَلْبسون ثيابًا، يقال لها: الفِرَاء، فانظروا ما من ميتة. ثم أخرج بسنده، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن محمد بن الأشعث، كَلَّم عائشة ﵂ في أن يتخذ لها لِحَافًا من الفِرَاء، فقالت: إنه ميتة،

стр. 4740

ولست بلابسة شيءٍ من الميت، قال: فنحن نصنع لكِ لحافًا مما يُدبَغ، وكرهت أن تلبس من الميتة. وأخرج أيضًا عن محمد (١) قال: كان ممن يَكرَه الصلاة في الجلد إذا لم يكن ذكيًّا عمر، وابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن جابر. قال: وقد احتَجَّ بعض القائلين بهذا القول أن الله حَرَّم الميتة في كتابه تحريمًا عامًّا، لم يَخُصَّ منها شيئًا دون شيء، فقال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣]، وكان تحريم الميتة يقع على اللحم والجلد؛ لأنه لم يَخُصّ شيئًا دون شيء، وليس لأحد أن يخص من ذلك شيئًا إلا بكتاب أو سنة، لا معارض لها، والأخبار في ذلك مختلفة في أسانيدها ومتونها (٢)، ففي حديث معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ مَرَّ على شاة لمولاة لميمونة، فقال: "أَلَا استمتعتم بإهابها"، ولم يذكر الدباغ في حديثه، وفي حديث مالك، عن الزهريّ: "هلا استنفعتم بجلدها"، ولم يذكر الدباغ. واختَلَفوا في إسناد هذا الحديث، فقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن ميمونة، ورُوِي عن الشعبيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة، وقال أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "ماتت شاةٌ لسودة". فلما اختُلِف في إسناد هذا الحديث، وفي متنه، لم يثبت به حجةٌ، ثم لو لم يَخْتَلف الحديث على ما ذكرناه، وكان حديثًا واحدًا لكان خبرُ ابن عُكَيم ناسخًا له؛ لأنه قال في حديثه: جاءنا كتاب النبيّ ﷺ قبل وفاته بشهر: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب"، مع أن هذا القول قد رُوِي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كَرِهوا ذلك، واحتَجَّ ببعض ما ذكرناه أحمد بن حنبل.

стр. 4741

قال: وأباحت طائفة الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ، وحَرَّمت الانتفاع بها قبل الدباغ، وذلك مثل جلود الأنعام، وما يقع عليه الذكاة، وهي حيّة، هذا قول أكثر أهل العلم. قال: وممن رَأَى أن جلود ما يقع عليه الذكاة إذا مات منها شيء قبل أن يُذَكَّى، ويدبغ أن الدباغ يُطَهِّره: عطاءُ بن أبي رَبَاح، وإبراهيم النخعيّ، والشعبيّ، والحسن البصريّ، وقتادة، ويحيى الأنصاريّ، وسعيد بن جبير، وبه قال الأوزاعيّ، والليث بن سعد، وسفيان الثوريّ، وأهل الكوفة، وابن المبارك، والشافعيّ، وإسحاق بن راهويه. قال: وقد رَوَينا غيرَ ما ذكرناه أقاويلَ غيرها خلافَ ما ذكرناه، فمن ذلك ما رواه هُشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه كان يقول: يُنْتَفَع بجلود الميتة إذا دُبِغت، ولا تباع، ولا نَعْلَم أحدًا وافق النخعيّ على هذا القول. وقد حَكَى ابنُ وهب عن مالك أنه سئل، هل يُصَلَّى في جلد الميتة إذا دُبغ؟ قال: لا، وقال: إنما أُذن في الاستمتاع به، ولا أرى أن يُصَلَّى فيه. ورُوي عن الحسن أنه كان لا يرى بالصلاة في كل شيء دُبغ بأسًا. قال: وظاهر هذا القول يُلزم أن يُصَلَّى في جلود الخنازير والكلاب إذا دُبِغت، ولا نعلم أحدًا يقول ذلك في جلود الخنازير (١). ومن ذلك ما رَويناه عن الزهريّ أنه كان ينكر الدباغ، ويقول: يُسْتَمتَع به على كل حال، مع أنا قد رَوَينا من حديث الوليد بن الوليد الدمشقيّ، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ أن دباغها طهورها. وقد رَوينا عن النخعيّ روايةً غير الرواية الأولى، أنه سئل عن الرجل يموت له الإبل والبقر والغنم، فيَدْبُغ جلودها؟ قال: يبيعها، ويلبسها إذا دَبَغها. قال ابن المنذر: وقد احتَجَّ بعض أصحابنا ممن يقول بما ذكرناه، من جُمَل أهل العلم: أن الله حَرَّم الميتة في كتابه، فكان ذلك واقعًا على اللحم والجلد جميعًا، إلا أن يُروَى عن النبيّ ﷺ خبر يدلّ على خصوصيّة شيء منه، فلما ثبت عن النبيّ ﷺ أنه رَخَّصَ في جلد الشاة الميتة بعد الدباغ، وَجَب

стр. 4742

استثناء ذلك من جملة التحريم، وهو الجلد قبل الدباغ على جملة التحريم. وذكر هذا القائل حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وحديث الشعبيّ، عن عكرمة، والزهريّ، عن عبيد الله، وقال: هذه الأخبار ثابتةٌ. فإن قيل: قد اختلفوا فيه. قيل: ليس الاختلاف مما يوهن الخبر، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين: إما أن يكون ابن عباس سمع ذلك من ميمونة وسودة جميعًا؛ لأن كُلَّ مَن رَوَى ما ذكرناه، عن ابن عباس، عن ميمونة، أو سودة ثقةٌ، يجب قبول حديثه، فيَحْتَمِل أن يكون ابنُ عباس سمع الحديث منهما، فإن كان ذلك فهو ثابت، لا يَدفع له أن يكون ذلك ثابتًا عن أحدهما، فأيهما كان فهو مقبول، لا معنى لردّه، وأيهما كان غيره يجب قبوله. وقال: فأما خبر ابن وَعْلَة، عن ابن عباس، فليس مما يجوز أن يكون أن يُقابَلَ به خبرُ عبيد الله بن عبد الله، ولا عطاء، ولا عكرمة إذا خالفوه؛ لأن هؤلاء حفاظ أصحاب ابن عباس، مع أن رواية ابن وعلة ليست بخلاف لرواية هؤلاء، قد يجوز أن يكون ابن عباس قد سمع النبيّ ﷺ يقول: "إذا دُبِغ الإهاب، فقد طَهُر"، مختصرًا، ويكون قد سمع من ميمونة وسودة، أو إحداهما قصة الشاة، وليس في رواية ابن وعلة قصة الشاة، ولا في حديث هؤلاء اللفظ الذي في رواية ابن وعلة، فيجوز أن يكونا حديثين محفوظين، كل واحد منهما غير صاحبه. فإن قالوا: ليس في رواية معمر، عن الزهريّ ذكر الدباغ. قيل لهم: قد رَوَى هذا الحديث ابنُ عيينة، وعُقيلٌ، والزُّبيديّ، وهؤلاء من ثقات أصحاب الزهريّ، وقد ذَكَروا الدباغ في حديثهم، والحافظ إذا زاد في الحديث شيئًا، فزيادته مقبولة. فإن قال قائل: كيف يجوز أن يكون الدباغ في حديث الزهريّ يُرَخِّص (١) في جلود الميتة قبل الدباغ وبعده؟.

стр. 4743

قيل: قد اختُلِف فيه عن الزهريّ، والكراهيةُ ثبتت عندنا عنه، وأقلُّ ذلك أن تكون الروايتان متكافئتين، فلا يجوز أن يَثْبُت عليه واحدة منهما، وإذا لم يثبت عليه واحدة منهما، سقط قولُ الزهريّ، ويثبت تحريم الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ باتفاق أهل العلم؛ إذ لا نَعْلَم أحدًا أرخص في ذلك إلا ما اختُلِفَ فيه عن الزهري. قال: ولو لم يُرْوَ عن الزهريّ هذا الحديث، لكان في رواية عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن ميمونة، وحديثه عن عكرمة، عن ابن عباس، كفايةٌ ومَقْنَعٌ. فإن قيل: فإن ثبت هذا، فحديث ابنُ عكيم ناسخ له. قيل: إن ابن عكيم لم يَسْمَع ذلك من النبيّ ﷺ ، وليست له صحبة، إنما رَوَى ذلك عن مشيخة من جهينة لم يسمهم، ولم يُدْرَ مَن هم؟ ولا يجوز دفع خبر، وقد صَحّ عن النبيّ ﷺ بخبر مشيخة (١) لا يُعرَفُون. قال: ومع هذا فلو كان خبر ابن عكيم ثابتًا، لاحْتَمَلَ أن لا يكون مخالفًا للأخبار التي ذكرناها؛ لأن تلك الأخبار فيها إذن النبيّ ﷺ بالانتفاع بجلد الشاة الميتة بعد الدباغ، وإذا أمكن لنا أن تكون الأخبار مختلفةً، وأمكن استعمالها، فاستعمالها أولى بنا من أن نَجعلها متضادّة، فيُستَعمَل خبرُ ابن عُكيم في النهي عن استعمال جلود الميتة قبل الدباغ، ويُستَعمَل خبر ابن عباس وغيره في الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ. وقد يجوز أن يكون النبيّ ﷺ جَعَل دباغ الميتة طهورها قبل موته بأقل من شهر، ولا يكون خبر ابن عكيم لو ثبت ناسخًا له، على أن خبر ابن عُكيم غير ثابت؛ لأنه لم يُخبِر مَن حامل الكتاب إليهم؟ ولا مَن قرأ الكتاب عليهم؟، والحديث من مشيخة لا يُعْرَفون. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر ﵀. وقال في "الفتح" ما حاصله: استَدّلّ الزهريّ بقوله ﷺ : "هلا استمتعتم بإهابها" على جواز الانتفاع بجلود الميتة مطلقًا، سواء دُبغت أم لا، لكن صحّ التقييد من طرق أخرى بالدباغ، وهي حجة الجمهور، واستثنى الشافعي من

стр. 4744

الميتات الكلب والخنزير، وما تولّد منهما لنجاسة عينها عنده، ولم يَستثن أبو يوسف وداود شيئًا؛ أخذًا بعموم الخبر، وهي رواية عن مالك. وقد أخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: "إذا دُبِغ الإهاب فقد طهر"، ولفظ الشافعيّ، والترمذيّ، وغيرهما من هذا الوجه: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"، وأخرج مسلم إسنادها ولم يسق لفظها، فأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من هذا الوجه باللفظ المذكور، وفي لفظ مسلم من هذا الوجه، عن ابن عباس: سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك؟، فقال: "دباغه طهوره"، وفي رواية للبزار من وجه آخر قال: "دباغ الأديم طهوره". وجزم الرافعي وبعض أهل الأصول أن هذا اللفظ ورد في شاة ميمونة، ولكن لم أقف على ذلك صريحًا، مع قوة الاحتمال فيه؛ لكون الجميع من رواية ابن عباس. وقد تَمَسَّك بعضهم بخصوص هذا السبب، فقَصَر الجواز على المأكول؛ لورود الخبر في الشاة، ويَتَقَوَّى ذلك من حيث النظر بأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذُكِّي لم يطهر بالذكاة عند الأكثر، فكذلك الدباغ. وأجاب مَن عَمَّم بالتمسك بعموم اللفظ، فهو أولى من خصوص السبب، وبعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان طاهر يُنتَفَع به قبل الموت، فكان الدباغ بعد الموت قائمًا له مقام الحياة، والله أعلم. وذهب قوم إلى أنه لا يُنتَفَع من الميتة بشيء، سواءٌ دُبغ الجلد أم لم يُدبَغ، وتَمَسَّكوا بحديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"، أخرجه الشافعيّ، وأحمد، والأربعة، وصححه ابن حبان، وحسّنه الترمذيّ، وفي رواية للشافعيّ وأحمد وأبي داود: "قبل موته بشهر"، قال الترمذيّ: كان أحمد يذهب إليه، ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده، وكذا قال الخلال نحوه. ورَدَّ ابن حبان على من ادَّعى فيه الاضطراب، وقال: سمع ابن عُكيم الكتاب يُقرأ، وسمعه من مشايخ من جهينة، عن النبيّ ﷺ ، فلا اضطراب. وأعلّه بعضهم بالانقطاع، وهو مردود، وبعضهم بكونه كتابًا، وليس بعلّة

стр. 4745

قادحة، وبعضهم بأن ابن أبي ليلى، راويه عن ابن عكيم لم يسمعه منه؛ لما وقع عند أبي داود عنه، أنه انطلق، وناس معه إلى عبد الله بن عكيم، قال: فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إليّ فأخبروني. فهذا يقتضي أن في السند مَن لم يُسَمَّ، ولكن صَحَّ تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بسماعه من ابن عكيم، فلا أثر لهذه العلة أيضًا. وأقوى ما تَمَسَّك به من لم يأخذ بظاهره، معارضة الأحاديث الصحيحة له، وإنها عن سماع، وهذا عن كتاب، وإنها أصح مخارج. وأقوى من ذلك الجمع بين الحديثين بحمل الإهاب على الجلد قبل الدباغ، وأنه بعد الدباغ لا يسمى إهابًا، إنما يسمى قِرْبة، وغير ذلك، وقد نُقِلَ ذلك عن أئمة اللغة، كالنضر بن شُمَيل، وهذه طريقة ابن شاهين، وابن عبد البرّ، والبيهقيّ. وأبعد مَن جَمَع بينهما بحمل النهي على جلد الكلب والخنزير؛ لكونهما لا يُدْبَغان، وكذا مَن حَمَل النهي على باطن الجلد، والإذن على ظاهره. وحَكَى الماورديّ عن بعضهم أن النبيّ ﷺ لَمّا مات، كان لعبد الله بن عُكيم سَنة، وهو كلام باطلٌ، فإنه كان رجلًا. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب وأدلّتها أن أقوى المذاهب قول من قال: يجوز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدبغ مطلقًا، سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكوله، ولو خنزيرًا أو كلبًا، وأن الدباغ يُطهِّر ظاهره وباطنه، فهذا هو الحقّ؛ لأن الأحاديث الكثيرة الواردة في طهارة الإهاب إذا دُبغ عامّة لم تفرّق بين مأكول اللحم، وغير مأكوله، وبين الخنزير والكلب وغيرهما. وأما حديث عبد الله بن عُكيم، فلا يقاوم هذه الأحاديث الصحاح، بل هو ضعيف (٢)؛ للاضطراب، كما تقدّم عن الإمام أحمد ﵀، ولجهالة مشايخ

стр. 4746

ابن عكيم؛ وأما محاولة الشيخ الألبانيّ ﵀ في تصحيحه بأن مشايخه من الصحابة (١)، ففيه نظر لا يخفى، فمن أين ثبت له التصريح بكونهم من الصحابة؟ هيهات. والحاصل أن الراجح ضعفه، وعلى تقدير صحّته، فيُوفّق بينه وبينها بحمله على غير المدبوغ، كما قال كثير من أهل اللغة: إن الإهاب لا يطلق إلا على غير المدبوغ. ثم رأيت الحافظ أبا بكر الحازميّ ﵀ قد أجاد الكلام في حديث عبد الله بن عُكيم هذا، في كتابه "الاعتبار"، حيث قال: حديث ابن عُكيم هذا حسنٌ على شرط أبي داود والنسائيّ، أخرجاه في كتابيهما من عدّة طرُق، وقد روي عن الحكم من غير وجه، وفيها اختلاف ألفاظ. قال: ومن ذهب إلى هذا الحديث قال: المصير إلى هذا الحديث أولى؛ لأن فيه دلالة النسخ، ألا ترى حديث سلمة بن المحبّق يدلّ على أن الرخصة كانت يوم تبوك، وهذا قبل موته بشهر، فهو بعد الأول بمدّة؟ ولأن في حديث سودة: "حتى تخرّقت"، وفي رواية أخرى: كنّا ننبذ فيه حتى صار شنًّا. ثم قال الحازميّ: ولو اشتهر حديث ابن عكيم بلا مقال فيه، كحديث ابن عباس في الرخصة لكان حديثًا أولى أن يؤخذ به، ولكن في إسناده اختلافٌ، رواه الحكم مرّة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عُكيم، ورواه القاسم بن مُخيمرة، عن خالد، عن الحكم، وقال: إنه لم يسمعه من ابن عُكيم، ولكن من أناس دخلوا عليه ثم خرجوا، فأخبروه به. قال: ولولا هذه العلل، لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن عُكيم؛ لأنه إنما يؤخذ عن النبيّ ﷺ بالآخر فالآخر، والأحدث فالأحدث، على أن جماعة أخذوا به، وذهب إليه من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله. ثم روى الحازميّ بإسناده عن أبي الشيخ الحافظ أنه قال: حُكي أن

стр. 4747

إسحاق ابن راهويه ناظر الشافعيّ، وأحمدُ بن حنبل حاضرٌ في جلود الميتة إذا دُبغت، فقال الشافعيّ: دباغها طَهورها، فقال له إسحاق: ما الدليل؟ فقال: حديث الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن ميمونة، أن النبيّ ﷺ قال: "هلّا انتفعتم بإهابها"، فقال له إسحاق: حديث ابن عُكيم: كَتَب إلينا النبيّ ﷺ قبل موته بشهر: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب"، فهذا يُشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة، لأنه قبل موته بشهر، فقال الشافعيّ: فهذا كتاب، وذاك سماع، فقال إسحاق: فإن النبيّ ﷺ كَتَب إلى كسرى وقيصر، فكانت حجةً بينهم عند الله، فسكت الشافعيّ، فلما سمع ذلك أحمد ذهب إلى حديث ابن عُكيم، وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعيّ. قال الحازميّ: وقد حَكَى الخلّال في "كتابه" عن أحمد أنه توقّف في حديث ابن عُكيم لَمّا رأى تزلزل الرواة فيه، وقال بعضهم: رجع عنه. قال الحازميّ: وطريق الإنصاف فيه أن يقال: إن حديث ابن عُكيم ظاهر الدلالة في النسخ لو صَحّ، ولكنه كثير الاضطراب، ثم لا يقاوم حديث ميمونة في الصحّة، وقال النسائيّ: أصحّ ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت حديث الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس، عن ميمونة ﵄. قال الحازميّ: وروينا عن الدُّوريّ أنه قال ليحيى بن معين: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين: "لا ينتفع من الميتة بإهاب، ولا عَصَب"، أو "دباغها طهورها"؟. فقال: "دباغها طهورها" أعجب إليّ. قال الحازميّ: فإذا تعذّر ذلك، فالمصير إلى حديث ابن عبّاس أولى؛ لوجوه من الترجيحات، ويُحمَلُ حديث ابن عُكيم على الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يُسمّى إهابًا، وبعد الدباغ يُسمّى جلدًا، ولا يُسمّى إهابًا، وهذا معروف عند أهل اللغة؛ ليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضادّ عن الأخبار. انتهى كلام الحافظ أبي بكر الحازميّ ﵀ (١) ببعض اختصار. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ الحازميّ ﵀ وأفاد، فتلخّص

стр. 4748

من كلامه أن حديث عبد الله بن عُكيم مضطربٌ، لا يقاوم حديث ابن عبّاس ﵄ في الترخيص بالانتفاع بعد الدبغ، وعلى تقدير صحّته، فيُجمع بحمله على ما قبل الدبغ؛ فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الانتفاع بشعور الميتة، وأصوافها، وأوبارها: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَفُوا في ذلك، فأباحت طائفة الانتفاع بذلك كله، وممن أباح ذلك الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وبه قال حماد بن أبي سليمان إذا غُسِل، وقال الأعمش: كان أصحاب عبد الله يَرَون أن غسل صوف الميتة طهوره، وبه قال مالك بن أنس، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: يُغْسَل، وقال الأوزاعيّ: الريش والعَصَب والصوف ذَكِيّ كله. وكَرِه بعضهم ذلك، قال ابن جريج: سألت عطاء عن صوف الميتة؟ فكرهه، وقال: إني لم أسمع أنه يُرَخَّص إلا في إهابها إذا دُبِغ. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الشاة أو البعير أو البقرة إذا قُطِع من أيّ ذلك عضو، وهو حيّ أن المقطوع منه نجس، وأجمعوا على أن الانتفاع بأشعارها وأوبارها وأصوافها جائز، إذا أُخِذ منها ذلك، وهي أحياء، ففيما أجمعوا عليه على الفرق بين الأعضاء والشعر والصوف والوبر بيان على افتراق أحوالها، ودَلَّ ذلك أن الذي يَحتاج إلى الذكاة هو الذي إذا فات أن يُذَكَّى حرُم، وأن ما لا يَحتاج إلى الذكاة ولا حياة فيه طاهر، أُخِذ منها ذلك وهي أحياء أو بعد موتها؛ إذ لا حياة فيها؛ لأنها لو كانت فيها حياة كانت كالأعضاء التي تَحتاج إلى الذكاة، فلا بأس بشعر الميتة وصوفها ووبرها، وهذا قول أكثر أهل العلم، والله أعلم. فأما عطاء فإنما كَرِهه، وقد يَكْرَه الشيءَ، فإذا وُقِّف على التحريم لم يُحَرّمه، ولا يؤخذ من عطاء أنه حَرَّمه، ولو وُجد ذلك منه لكان خلافًا لقول مَن قد ذكرنا ذلك عنه من التابعين ومن بعدهم.

стр. 4749

وقد رَوَينا عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ما قُطِع من البهيمة، وهي حية، فهو ميت". ثم أخرج بسنده عن أبي واقد الليثيّ، قال: قدم النبيّ ﷺ المدينة، والناس يَجُبّون أسنمة الإبل، ويقطعون ألية الغنم، فقال النبيّ ﷺ : "ما قُطِع من البهيمة وهي حية، فهو ميت" (١). قال: وقد أجمعوا على أنه لم يُرِد بذلك الشعر، ولا الصوف، ولا الوبر. وقال بعض من يُوافق مذهبنا: يقال لمن يخالف ما قلنا: جاء الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ما قُطِع من البهيمة، وهي حية فهو ميت"، واتفق أهل العلم على القول به، فلم أبحتَ الانتفاع بشعر ما يؤكل لحمه إذا جُزّ، وهو حيّ؟ فإن قال: لأن الشعر لا يموت، ولا يحتاج إلى الذكاة؛ لأنه لا حياة فيه، قيل: وكذلك هو بعد موت الشاة، وإنما حَرُم بموت الشاة ما يموت بموتها، وما كان لا يَحِلّ إلا بالذكاة، وموافقتك إيانا على ما ذكرناه في حياة الشاة توجب عليك القول بمثل ذلك بعد موتها؛ لأن القياس منهما واحد. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قول الجمهور بجواز الانتفاع بشعر الميتة، وصوفها، ووبرها هو الحقّ؛ لأن هذه الأشياء مما لا تحلّها الحياة، فهي مخالفة لأعضاء الميتة الأخرى، بدليل أنه لو قُطع عضو من البهيمة، وهي حيّة كان حرامًا؛ لقوله ﷺ : "ما قُطع من البهيمة وهي حيّة فهو ميتة"، وقد وقع الإجماع على أنه لو جُزّ شعرها، أو صوفها، أو وبرها وهي حيّة، جاز الانتفاع به، فبان الفرق بذلك، واتّضح؛ فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عظام الميتة والعاج (٣):

стр. 4750

قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَفُوا في الانتفاع بعظام الميتة، وأنياب الفِيَلَة، فكرهت طائفة ذلك، قال عطاء: زعموا أنه لا يصاب عظامها إلا وهي ميتة، قال: فلا يُستمتع بها، قيل: وعظام الميتة كذلك؟ قال: نعم. وكَرِه طاوس، والحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز العاج، وقال مالك في أمشاط العاج: ما كان ذَكِيًّا فلا بأس به، وما كان منها ميتًا فلا خير فيه، وكَرِه ذلك معمر، وقال الشافعيّ: لا تباع عظام الميتة. ورَخَّصَت طائفة في العاج، هذا قول عروة بن الزبير، وقال هشام: كان لأبي مشط، ومدهن من عظام الفيل، وكان ابن سيرين: لا يرى في التجارة به بأسًا. وقد رَوَينا عن الحسن البصريّ قولًا ثانيًا، وهو أن لا بأس بأنياب الفيلة، وكان النعمان يقول: لا بأس ببيع العاج، وما أشبهه من العظام والقرون، وإن كان من ميتة، وكذلك الريش والوَبَر والشعر. وكان سفيان الثوري يقول: لا أرى بالقرن والظِّلْف بأسًا، ليس بمنزلة العظم، وقال أصحاب الرأي: لا بأس بعظم الميت إذا غُسِل. وكان الليث بن سعد يقول: لا بأس بعظام الميتة أن يُنتفع بها الأمشاط والمداهن، وغير ذلك، إذا أُغليت على النار بالماء، حتى يذهب ما فيها من الدَّسَم، وهو الذي سمعته من العلماء. قال ابن المنذر ﵀: حَرَّم الله الميتة والدم ولحم الخنزير، وثبت أن رسول الله ﷺ حَرَّم الميتة، وأجمع أهل العلم في حمل أقاويلهم على تحريم الميتة، واختلفوا في عظام الميتة على سبيل ما ذكرناه عنهم، فالميتة مُحَرَّمة على ظاهر كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ، واتفاق الأمة، ومن الدليل الْبَيِّن على أن العظم يَحْيَى بحياة الحيوان، ويموت بموته قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ الآية [يس: ٧٨ - ٧٩]، فأعلمنا أنه يُحيي العظام، ودَلَّ ذلك على أن في العظم حياةً، وليس الشعر والصوف كذلك؛ لأنه لا حياة فيهما، ودل إجماع أهل العلم على طهارة الصوف إذا جُزَّ من الشاة، وهي حية، وأن عضوًا لو قطع منها، وهي حية أن ذلك نجس، فلما أجمعوا على الفرق بينهما بأن أحدهما يَحيَى بحياة

стр. 4751

ذي الروح، ويموت بموته، وأن الآخر لا حياة فيه، فيموت كموت ذي الروح، وأما الجلد المدبوغ، فيُستَثْنَى من جملة الميتة بالخبر الثابت عن نبي الله ﷺ ، ولولا ذلك كان حكمه حكم الميتة، ولو وجدنا في العظم سنةً عن رسول الله ﷺ توجب استثناءه كما توجب استثناء الجلد المدبوغ، لأخرجناه من جملة الميت، كما أخرجنا الجلد المدبوغ. وقد ذكر ربيعة بن كلثوم أن ضِرْسًا للحسن سقط قال: فقال لي الحسن: يا ربيعة أشعرت أنه مات بعضي اليوم؟. فأما إباحة الكوفيّ في الانتفاع بشعر الخنزير، ومنعه الانتفاع بشعور بني آدم وبيعها، فمن أعجب ما حُكِي وأقبحه؛ إذ هو خارج عن باب النظر والمعقول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀، تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. وحاصله أن عظام الميتة لا يجوز الانتفاع بها، وليست مثل ما قدّمنا من الشعر والصوف والوبر؛ لأنها تحلّها الحياة، بدليل الآية السابقة، فنص تحريم الميتة يشملها، بخلاف الشعر ونحوه؛ لأنها لا تحلّها الحياة، بدليل جواز الانتفاع بها لو جُزّت من الحيوان الحيّ، فافهم الفرق بإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَجَدَ شًاةً مَيْتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ (٢) مِنَ الصَّدَقَة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ "، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا" (٣).

стр. 4752

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. والباقون إلى يونس تقدّموا قبل بابين، ومن بعدهم تقدّموا في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا (١) حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، بِنَحْوِ رِوَايَةِ يُونُسَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الْخَلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٤ - (أَبُوهُ) هو: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.

стр. 4753

٥ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. و"ابن شهاب" تقدّم. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد ابن شهاب المتقدّم، وهو: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس ﵄. وقوله: (بِنَحْوِ رِوَايَةِ يُونُسَ) يعني أن رواية صالح بمعنى رواية يونس بن يزيد السابقة. [تنبيه]: رواية صالح، عن ابن شهاب هذه أخرجها أبو عوانة (١) في "مسنده" (١/ ١٧٩) فقال: (٥٥١) حدّثنا أبو داود الْحَرّانيّ، وعبّاس الدُّوريّ، قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله أخبره، أن عبد الله بن عبّاس أخبره، أن رسول الله ﷺ مَرَّ بشاة ميتة، فقال: "هلّا استمتعتم بإهابها؟ "، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَة، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ألَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا، فَدَبَغُوهُ، فَانْتَفَعُوا بِهِ؟ ").

стр. 4754

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ) هو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الْمِسْور بن مَخْرَمة الزهريّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفيّ، وأبي سعد مولى بني هاشم، وأبي عامر الْعَقَديّ، ومعاذ بن معاذ بن هشام، ومالك بن سُعَير بن الخمس، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة سوى البخاريّ، وابنُ خزيمة، وأبو حاتم، ومحمد بن هارون الرُّويانيّ، والبُوشَنْجيّ، وأبو الأذان عمر بن إبراهيم الحافظ، ومحمد بن يحيى بن مندهْ، وأبو عَرُوبة، وابن أبي داود، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: من الثقات، قليل الخطأ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال اللالكائيّ: مات سنة ست وخمسين ومائتين. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط (١)، هذا الحديث برقم (٣٦٣)، وحديث (١٨٠١): "من لكعب بن الأشرف؟، فإنه قد آذى الله ورسوله … ". ٢ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤. ٣ - (عَطَاء) بن أبي رباح واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. والباقون تقدّموا أول الباب، و"ابن أبي عمر" هو: محمد بن يحيى، و"سفيان" هو: ابن عيينة.

стр. 4755

وقوله: (أَلَّا أَخَذُوا) بتشديد اللام كـ"هلّا" وزنًا ومعنًى، ويجوز في "ألا" التخفيف أيضًا، كما سبق قريبًا، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٦] (٣٦٤) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ مُنْذُ حِينٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِيَ (١) ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ دَاجِنَةً كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟ "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ الملقَّب أبا الْجَوزاء، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٦) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضّحّاك بن مَخْلَد النبيل الشيبانيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يرسل ويدلّس [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (أَنَّ دَاجِنَةً) قال النوويّ ﵀: هي: - بالدال المهملة والجيم والنون - قال أهل اللغة: داجن البيت ما أَلِفَها من الطير والشاء، وغيرهما، وقد دَجَنَ في بيته: إذا لزمه، والمراد بالداجنة هنا الشاة. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: دَجَنَ بالمكان دَجْنًا، من باب قَتَل، ودُجُونًا: أقام به، وأدجن بالألف مثلُهُ، ومنه قيل لِمَا يَأْلَف البيوتَ من الشاء والحمام، ونحوهما: دَواجن، وقد قيل: داجنة بالهاء، وسَحَابةٌ داجنةٌ: أي مُمطِرة، والدَّجْنُ وزانُ فَلْسٍ: المطر الكثير. انتهى (٢).

стр. 4756

وقوله: (كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) ظاهر هذه الرواية أن تلك الشاة كانت لبعض أزواجه ﷺ ، والروايات الأخرى صريحة في كونها لمولاة ميمونة ﵂ فيَحْتَمِل أن تكون القصة واحدة، ويكون قوله: "لبعض نساء النبيّ ﷺ " مجازًا، وهذا يؤيّده كونه من رواية ابن عبّاس، عن ميمونة ﵃. ويَحْتَمِلُ أن تكون لبعض نسائه حقيقةً، كما هو الظاهر، فيمكن أن تكون شاة سودة ﵂، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عباس، عن سودة، زوج النبيّ ﷺ قالت: ماتت لنا شاةٌ فدَبَغنا مَسْكها، ثم ما زلنا نَنْبذ فيه حتى صار شَنًّا. وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٧] (٣٦٥) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ (٢)، فَقَالَ: "أَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكنانيّ، وقيل: الطائيّ، أبو عليّ المروزيّ الأشلّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، له تصانيف، من صغار [٨]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويزيد بن أبي زياد، وأبي حيّان التيميّ، وزكرياء بن أبي زائدة، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازيّ، وإسماعيل بن الخليل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهناد بن السريّ، وأبو كريب، وغيرهم.

стр. 4757

قال سهل بن عثمان: نَظَر وكيع في حديثه، فقال: ما أصحّ حديثه، كان عبد الرحيم، وحفص بن غياث يطلبان الحديث معًا، وقال ابن معين، وأبو داود: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان عنده مصنفات، قد صَنَّفَ الكتب، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن المدينيّ: لا بأس به، وقال العجليّ: ثقةٌ، متعبِّدٌ كثير الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ صدوقٌ، ليس بحجة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال محمد بن الحجاج الضبيّ: مات عبد السلام بن حرب سنة سبع وثمانين ومائة، ومات عبد الرحيم بن سليمان أظن آخر السنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. والباقون تقدّموا قبله في الباب، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٨] (٣٦٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا دُبغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ"). رجال هذا الحديث: خمسة: ١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. ٢ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقة فقيه، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَعْلَةَ) - بفتح الواو، وسكون العين المهملة - ويقال: ابن السُّمَيْفِع بن وَعْلة السَّبئيّ (١) المصريّ، صدوقٌ [٤].

стр. 4758

رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وعنه زيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو الخير الْيَزَنيّ، وجعفر بن ربيعة، والقعقاع بن حكيم، وغيرهم. قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: عبد الرحمن بن أُسميفع بن وَعْلة السَّبَئيّ، كان شريفًا بمصر في أيامه، وله وِفَادة على معاوية، وصار إلى إفريقية، وبها مسجده ومواليه، وقال في حرف الألف: أُسميفع بن وَعْلة بن يَعْفُر بن سَلامة بن شُرَحبيل بن علقمة السَّبئيّ، آخر ملوك سبأ، عليه قام الإسلام، هاجر في خلافة عمر، وشَهِد الفتح بمصر، وترك عِدّة من الولد، منهم: عبد الله، وعبد الرحمن، وذكر غَيرَهم، وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات التابعين، من أهل مصر، وذكره أحمد، فضعَّفه في حديث الدباغ. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٦)، كرّره ثلاث مرّات، وحديث (١٥٧٩): "إن الذي حرّم شُربها، حرّم بيعها … ". والباقيان تقدّما في الباب. وقوله: (إِذَا دُبغَ الْإِهَابُ) ببناء الفعل للمفعول، و"الإهاب" بكسر الهمزة: الجلد قبل أن يُدبغ، أو الجلد مطلقًا، كما تقدّم تمام البحث فيه. وقوله: (فَقَدْ طَهُرَ) بضم الهاء، وفتحها لغتان، والفتح أفصح، أي ظاهره وباطنه، فيجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة (١). وتمام شرح الحديث سيأتي في الحديث الثالث، وأخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيز، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ،

стр. 4759

كُلُّهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِه، يَعْني حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدّرَاوَرْديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدث من كتُب غيره فيُخطئ [٨] (ت ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستة بلا واسطة، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٤٧) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه، المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٥ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٦ - (سُفْيَان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة فقيه، من كبار [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله:، (بِمِثْلِهِ) يعني أن حديث شيوخه الخمسة: أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وقتيبة، وأبي كريب، وإسحاق مثل حديث شيخه الماضي، وهو يحيى بن يحيى. وقوله: (يَعْنِي حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول "يعني" بالياء المثنّاة من تحتُ، ولعله من كلام الراوي عن مسلم، ولو رُوي بالنون في أوله على أنه من كلام مسلم لكان حسنًا، ولكن لم يُرْوَ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4760

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٠] ( … ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيع، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْوًا، فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِب، وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ، وَالْمَجُوسُ، نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَا (١) بِالسِّقَاء، يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَألنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "دِبَاغُهُ طَهُورُهُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ) بن طارق بن قُرّة بن نَهِيك بن مُجاهد الهلاليّ، أبو حفص الكوفيّ، نزيل مصر، ثقةٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن مالك، والليث، ويحيى بن أيوب، وابن لَهِيعة، ومَسْلَمة بن علي الْخُشَنيّ، ورِشْدين بن سعد، والسَّرِيّ بن يحيى، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى مسلم، وأبو داود له بواسطة يحيى بن معين، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، وأبي بكر الصاغانيّ، وأبي حاتم الرازيّ، وعنه أيضًا ولده طاهر، وإبراهيم الْجُوزَجانيّ، وإبراهيم بن ديزيل، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن سهل بن عسكر، وإبراهيم بن هانئ، وأحمد بن عبد الله العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.

стр. 4761

قال العجليّ: كوفى ثقةٌ، كتبنا عنه بمصر، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن يونس: مات في ربيع الأول سنة تسع عشرة ومائتين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده، وكذا له عند البخاريّ حديث واحد فقط، برقم (٥١٣٧) حديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، إن البكر تستحي، قال: "رضاها صَمْتها". ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ - بمعجمة، وفاء، وقاف - أبو العبّاس المصريّ، صدوق ربّما أخطأ [٧]. رَوَى عن حميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعبد الله بن دينار، وربيعة بن جعفر بن ربيعة، وسهل بن معاذ، وغيرهم. ورَوَى عنه شيخه ابن جريج، والليث، وهو من أقرانه، وجرير بن حازم، وابن وهب، وابن المبارك، وأشهب، وزيد بن الحباب، والمقبري، وعمرو بن الربيع، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سيئ الحفظ، وهو دون حَيْوَة، وسعيد بن أبي أيوب، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي: يحيى بن أيوب أحب إليك، أو ابن أبي الموال؟ فقال: يحيى بن أيوب أحب إليّ، ومحل يحيى الصدق، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الآجري: قلت لأبي داود: ابن أيوب ثقة؟ فقال: هو صالح. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: كان أحد طلاب العلم بالآفاق، وحَدّث عنه الغرباء أحاديث ليست عند أهل مصر، قال: أحاديثُ جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب ليس عند المصريين منها حديث، وهي تشبه عندي أن تكون من حديث ابن لهيعة، تُوُفّي سنة ثمان وستين ومائة. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب، ومن مناكيره عن ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا: "وإن كان مائعًا فانتفعوا

стр. 4762

به". وقال الترمذي عن البخاري: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقةً حافظًا. وقال الإسماعيلي: لا يحتج به. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: له أشياء يخالف فيها. وقال إبراهيم الحربي: ثقة. وقال الساجيّ: صدوق يَهِم، كان أحمد يقول: يحيى بن أيوب يخطئ خطأً كثيرًا. وقال الحاكم أبو أحمد: إذا حدّث من حفظه يخطئ، وما حدث من كتاب فليس به بأس. وذكره العقيليّ في "الضعفاء"، وحَكَى عن أحمد أنه أنكر حديثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة في القراءة في الوتر. وكذا نقل ابن عدي، ثم قال: ولا أرى في حديثه إذا رَوَى عن ثقة حديثًا منكرًا، وهو عندي صدوق، لا بأس به. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٣٦٦) وأعاده بعده، و (٤٨٣) و (٨٧٢) و (١١٣٤) و (١٤٤٢) و (٢٢٩٦). ٥ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسم أبيه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يُرسل [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٦ - (أَبُو الْخَيْرِ) مَرْثَد بن عبد الله الْيَزَنيّ المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. والباقيان تقدّما قبله. شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) اسمه سُويد (أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ) مَرْثد بن عبد الله (حَدَّثَهُ) وقوله: (قَالَ) تفسير وَتوضيح لمعنى "حدّثه" (رَأَيْتُ عَلَى) عبد الرحمن (ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ) بفتح السين المهملة، والموحّدة، بعده همزة: نسبة إلى سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان (١). (فَرْوًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ "فَرْوًا"، وهو الصحيح المشهور في اللغة، وجمع الفَرْو فِرَاءٌ، ككَعْب وكِعَاب، وفيه لغة قليلة أنه يقال: "فَرْوَةٌ" بالهاء، كما يقولها العامّة، حكاها ابن فارس في "الْمُجمل"، والزُّبَيديّ في "مختصر العين". انتهى (٢).

стр. 4763

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "المشهور في اللغة" هكذا قال النوويّ، لكن الذي تقتضيه كتب اللغة التي بين يديّ أنهما مشهوران، بل لم يذكره في "القاموس" إلا بالهاء، وعبارته: "الْفَرْوةُ": لُبسٌ معروف. انتهى (١). وقال في "المصباح": "الْفَرْوة": التي تُلْبَس، قيل: بإثبات الهاء، وقيل: بحذفها، والجمع الْفِرَاءُ، مثلُ: سَهْمٍ وسِهَام. انتهى (٢). وقال في "اللسان": "الْفَرْوُ"، و"الْفَرْوَةُ": معروفٌ الذي يُلبَس، والجمع فِرَاءٌ، وقال أبو منصور: والْفَرْوةُ إذا لم يكن عليها وَبَرٌ، أو صُوفٌ لم تُسَمَّ فَرْوةً. انتهى باختصار (٣). وذكر المرتضى ﵀ في "التاج" أن الفَرْو أنواع، قال: وهي جلود حيوانات، تُدْبَغُ، فتُخَيّط، ويلبس بها الثياب، فيلبسونها اتّقاء البرد. انتهى (٤). (فَمَسِسْتُهُ) بكسر السين الأولى، على اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها، فعلى الأول المضارع يَمَسّه، بفتح الميم، وعلى الثانية بضمّها، قاله النوويّ (٥). وفي "المصباح": مَسِسْتُهُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة مَسَسْتُهُ مَسًّا، من باب قتل: أفضيتُ إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه، والاسم: المسيس، مثلُ كَريم. انتهى (٦). (فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟) "ما" تعجّبيّة، أي أَيُّ شيء ثبت لك في مسّه؟ (قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄، وقوله: (قُلْتُ) تفسير لـ"سألتُ"، وبيان لكيفيّته (إِنَّا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول، كما قال في "الخلاصة": فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ … حَالٍ كَـ"زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ" (نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ) وفي رواية النسائيّ: "إنا نغزو هذا المغرب، وإنهم أهل وَثَنٍ … "، والمراد بالمغرب القُطْر المعروف (وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ) بباءين موحّدتين،

стр. 4764

وراءين، وزانُ جَعْفر: قوم من أهل المغرب، كالأعراب في الْقَسْوَة والْغِلْظة، قاله الفيّوميّ (١). وقال المجد ﵀: وبَرْبَرٌ: جِيلٌ، جمعه: الْبَرَابِرة، وهم بالمغرب، وأُمّة أخرى بين الْحُبُوش والزَّنْجِ يقطعون مذاكير الرجال، ويَجعلونها مهور نسائهم، وكلُّهم من وَلَد قَيْسِ عَيْلان، أو هم بطنان من حِمْيَر، صِنْهاجةُ، وكُتَامَةُ، صاروا إلى الْبَرْبَر أيّام فتح أَفْرِيقَش الملك أَفْرِيقِيَةَ. انتهى (٢). (وَالْمَجُوسُ) بفتح الميم، وتخفيف الجيم: أمّة من الناس، قال الفيّوميّ ﵀: هي كلمة فارسيّةٌ، وتمجّس: صار من المجوس، كما يقال: تَنَصَّرَ، وتَهَوَّدَ: إذا صار من النصارى، أو من اليهود، ومجّسه أبواه: جعلاه مجوسيًّا. انتهى (٣). وقال ابن سِيدهْ: المجوس: جِيل معروف، جمعٌ، واحدهم مجوسيّ، وقال غيره: وهو معرَّبٌ، أصله مِنْجِ كُوشْ، وكان رجلًا صغير الأُذنين، كان أول من دان بدين المجوس، ودعا الناس إليه، فعرَّبته العرب، فقالت: مَجُوس، ونزل القرآن به، والعرب ربّما تركت صرف مجوس إذا شُبِّه بقبيلة من القبائل، وذلك أنه اجتمع فيه العُجمة والتأنيث، ومنه قوله: كَنَارِ مَجُوسَ تَسْتَعِيرُ اسْتِعَارَا (٤) (نُؤْتَى) بالبناء للمفعول (بِالْكَبْشِ) بفتح الكاف، وسكون الموحّدة: هو الْحَمَلُ (٥) إذا أَثْنَى (٦)، أو إذا خرجت رَبَاعيته، جمعه: أَكْبُشٌ؛ بفتح، فسكون، ثم ضمّ الموحّدة، وكِبَاشٌ بالكسر، وأَكْبَاشٌ بالفتح، أفاده المجد (٧). وقوله:

стр. 4765

(قَدْ ذَبَحُوهُ) جملة في محلّ جرّ نعتٌ لـ"الكبش" على جعل "أل" جنسيّة، أو حالٌ منه، على حدّ قول الشاعر: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي وقد تقدّم غير مرّة (وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ) أي لأنهم ليسوا من أهل الكتاب الذين أحلّ الله ذبائحهم، بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥]، وفي رواية النسائيّ: "وإنهم أهل وَثَنٍ … ". (وَيَأْتُونَا) بحذف نون الرفع؛ تخفيفًا، وفي نسخة: "ويأتوننا" بنونين، الأولى نون الرفع، والثانية نون "نا" ضمير المتكلّم (بِالسِّقَاءِ) بكسر السين، قال ابن الأثير ﵀: هو: ظرف الماء من الجلد، ويُجمع على أسقية، وقد تكرّر في الحديث مفردًا وجمعًا. انتهى (١). وقال المجد ﵀: السِّقاءُ كَكِسَاءٍ: جِلْدُ السَّخْلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن، جمعه: أَسْقِيةٌ، وأَسقياتٌ، وأَسَاقٍ. انتهى (٢). (يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول ببلادنا "يجعلون" بالعين بعد الجيم، وكذا نقله القاضي عياضٌ عن أكثر الرواة، قال: ورواه بعضهم "يَجمُلُون" بالميم، ومعناه يُذيبون، يقال: بفتح الياء، وضمّها لغتان، يقال: جَمَلتُ الشحمَ، وأجملته: أذبته. انتهى (٣). و"الْوَدَكَ": بفتح الواو، والدال المهملة: دَسَمُ اللحم والشَّحْم، وهو ما يتحلّب من ذلك، يقال: وَدَّكتُ الشيءَ توديكًا، وكبشٌ وَدِيكٌ، ونَعْجةٌ وَدِيكةٌ: أي سَمِينٌ وسَمِينةٌ، ووَدَكُ الميتة: ما يَسِيل منها، قاله الفيّوميّ (٤). (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) أي حكم جلد الميتة (فَقَالَ) ﷺ ("دِبَاغُهُ) بكسر الدال المهملة تقدّم أنه يكون للمصدر، ويكون اسمًا لما يُدبغ به، والأول هو المناسب هنا، وهو عبارة عن إزالة الرائحة الكريهة، والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية، أو بغيرها، قال إبراهيم
следующие страницы →