← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

٣ - (أَبُو غَطَفَانَ) - بفتح الغين المعجمة، والطاء المهملة - ابن طَرِيف، ويقال: ابن مالك الْمُرّيّ - بالراء - المدنيّ، قيل: اسمه سعد، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يُعرف اسمه، قال: ويقال في كنيته أيضًا: أبو مالك، ثقةٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، طَرِيف بن مالك، وسعيد بن زيد بن عمرو، وأبي رافع، مولى النبيّ ﷺ ، وأبي هريرة، وابن عباس. ورَوَى عنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقارظ بن شيبة الزهريّ، وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، وإسماعيل بن أمية، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قد لَزِم عثمان، وكَتَبَ له، وكتب أيضًا لمروان، وقال النسائيّ في "الْكُنَى": أبو غَطَفان ثقة، قيل: اسمه سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو غطفان ثقة، وقال الدُّوريّ، عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول. قال الجامع عفا الله عنه: هذا فيه نظر لا يخفى، بل هو مشهور، فقد كان كاتبًا لعثمان ملازمًا له، وروى عنه جماعة، ووثّقه من هو أعلم وأدرى من أبي بكر بن داود، كما سلف آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وفرَّق البزار بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن ابن عباس، جعلهما اثنين. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٧)، وحديث (١١٣٤): "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا … "، و (٢٠٢٦): "لا يشربنّ أحد منكم قائمًا … ". ٤ - (أَبُو رَافِعٍ) الْقِبطيّ، مولى النبيّ ﷺ ، واسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، الصحابيّ ﵁، مات في أول خلافة عليّ ﵁ (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٧.

стр. 4692

وعمرو: هو ابن الحارث المتقدّم. وقوله: ("أَشْهَدُ) هي في معنى القسم، وجوابه قوله: "لَكُنْتُ … إلخ"، ورواه أبو عوانة بلفظ: "لقد كنت أشوي … إلخ"، وهو الذي وقع في "المشكاة"، وعزاه إلى "مسلم"، ولم أره في نسخ مسلم التي عندي، وقال الطيبيّ في "شرحه": قوله: "أشهد" فيه معنى القسم، ولهذا دخلت اللام على "قد" جوابًا له، أي والله لقد كنت أشوي، وفيه دلالة على إثبات هذه الدعوى عند الخلاف فيها بين الصحابة، وإنما ضمّن الشهادة معنى القسم؛ لأن الشهادة إخبار عن مواطأة القلب للسان، واعتقاد ثبوت المدّعَى. انتهى (١). وقوله: (أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) - بفتح أوله - مضارع شَوَى، كرمى يرمي، ويجوز أيضًا بضمّه مضارع أَشْوَى. قال في "المصباح": شَوَيتُ اللحمَ أَشويه شَيًّا، فانشَوَى، مثلُ كسرته، فانكسر، وهو مَشْويّ، وأصله مفعولٌ، وأشويته بالألف لغةٌ، واشتويته على افتعلتُ مثلُ شَوَيْتُهُ، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فاشتوى على افتعل، فإن الافتعال فعلُ الفاعل. انتهى (٢). وقوله: (بَطْنَ الشَّاةِ ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) المراد ببطن الشاة: الكبد، وما معه من حشوها، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: أشوي بطن الشاة، فيأكل منه، ثم يصلّي، ولا يتوضّأ (٣). وفي ابن حبّان في "صحيحه" (١١٤٩): "عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال: أُهديت لرسول الله ﷺ شاةٌ، فشُوي له بطنها، فأكل منها، ثم قام يصلّي، ولم يتوضّأ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي رافع ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 4693

[فإن قلت]: في سنده عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، لم يوثّقه غير ابن حبّان، وقال عنه في "التقريب": مقبول، وإن كان غير مقبول، كما تقدّم في ترجمته، فكيف أخرجه المصنّف هنا؟. [قلت]: عبد الله بن عبيد الله قد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، ولم يجرحه أحد، ولم ينفرد بهذه الرواية، فقد أخرج الحديث ابن حبّان في "صحيحه" (١١٤٩) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن شُرحبيل بن سعد الأنصاريّ، عن أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (١/ ٤٨) من طريق آخر؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٣/ ٨٠٣] (٣٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٤٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٥١ و ٧٥٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٤] (٣٥٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ (١)، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْث) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عُقَيْل) بن خالد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.

стр. 4694

٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم المذكور في الباب. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣]، (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ المذكور في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة: الشيخان، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، عن شيخ واحد، وهو قتيبة (١). ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا إلا أنه دخل مصر، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وأن ابن عبّاس ﵄ أحد المكثرين السبعة، وقد تقدّموا كلهم غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ("أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا) بفتحتين، قال في "اللسان": اللبن: خُلاصة الجسد، ومُستخلصه من بين الفرث والدم، وهو كالْعَرَق يجري في العُرُوق، والجمع أَلبان، والطائفة القليلة لَبَنَةٌ. انتهى (٢). (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ) وفي نسخة: "فمضمض"، يقال: مضمضتُ الماءَ في فمي: إذا حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمضتُ بالماء: إذا فعلتَ ذلك، قال الفارابيّ: المضمضة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. انتهى (٣).

стр. 4695

وفي رواية ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعيّ … فذكره بصيغة الأمر: "مَضْمِضُوا من اللبن، فإن له دَسَمًا"، وكذا رواه الطبريّ من طريق أخرى، عن الليث بالإسناد المذكور، وأخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة، وسهل بن سعد مثله، وإسناد كل منهما حسن. وهذا الأمر بالمضمضة للاستحباب، لا للوجوب بدليل ما رواه الشافعيّ عن ابن عباس ﵄ راوي الحديث، أنه شَرِبَ لبنًا، فمضمض، ثم قال: لو لم أتمضمض ما باليت، وأخرج أبو داود بإسناد حسن، عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ شَرِب لبنًا، فلم يتمضمض، ولم يتوضأ". قال الحافظ ﵀: وأغرب ابن شاهين، فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس، ولم يذكر مَن قال فيه بالوجوب، حتى يحتاج إلى دعوى النسخ. انتهى. (وَقَالَ) ﷺ مبيّنًا سبب المضمضة (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول (لَهُ دَسَمًا") منصوب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، و"الدَّسَمُ" بفتحتين: الشيء يظهر على اللبن من الدهن، وقال الزمخشريّ: هو من دسم المطر الأرضَ: إذا لم يبلُغ أن يبلّ الثرى، والدُّسْمُ بضمّ الدال، وسكون السين: الشيء القليل. انتهى (١). وقال المجد ﵀: "الدَّسَمُ محرّكةً: الْوَدَكُ، والْوَضَرُ، والدنَسُ. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: دَسِمَ الطعام دَسَمًا، من باب تَعِبَ، فهو دَسِمٌ، والدَّسَمُ: الْوَدَكُ من لحم وشَحْم، ودسَّمتُ اللُّقْمة تدسيمًا: إذا لطّختها. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: إنما أورد المصنّف ﵀ هذا الحديث في هذا الباب، وإن لم يكن اللبن مما مسته النار إشارةً إلى أن سبب الأمر بالوضوء مما مسّته النار هو الدسم الذي فيه، والله تعالى أعلم.

стр. 4696

وقال ابن بطّال عن المهلّب: فيه بيان علّة الأمر بالوضوء مما مسّت النار، وذلك لأنهم كانوا أَلِفُوا في الجاهليّة قلّة التنظيف، فأُمروا بالوضوء مما مسّت النار، فلمّا تقرّرت النظافة في الإسلام، وشاعت نُسِخ. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا تعلّق له بما ذُكر، وإنما فيه بيان العلّة للمضمضمة من اللبن، فيدلّ على استحبابها من كلّ شيء دَسِمٍ، ويُستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٣/ ٨٠٤] (٣٥٨)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢١١)، و"الأشربة" (٥٦٠٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٩٦)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٨٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٠٩)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٥٨ و ١١٥٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٥٦ و ٧٥٧ و ٧٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٩٠ و ٧٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب المضمضة من شرب اللبن. ٢ - (ومنها): استحباب تنظيف الفم من الأطعمة والأشربة التي فيها دَسَمٌ وأَثَرٌ يبقى بعد أكلها وشربها. ٣ - (ومنها): استحباب النظافة من كلّ شيء له أثر يبقى على الإنسان؛ لأن النظافة من الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وأما الحديث الذي أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، مرفوعًا: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد

стр. 4697

يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود"، فضعيف؛ لأن في سنده خالد بن إلياس ضعيف، وتُغني عنه الآية المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر، كلّهم تقدّموا في هذا الباب، إلا اثنين، وهما: ١ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضل، إمام نبيلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. و"عمرو": هو ابن الحارث، و"يحيى بن سعيد" هو القطّان، و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ، و"عُقيل" مصغّرًا هو ابن خالد. [تنبيه]: قوله: (حَدَّثنا ابن وهب، وأخبرني عمرو … إلخ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "وأخبرني عمرو" بالواو في "وأخبرني"، وهي واو العطف، والقائل: "وأخبرني عمرو" هو ابن وهب، وإنما أتى بالواو أوَّلًا؛ لأنه سمع من عمرو أحاديث، فرواها، وعطف بعضها على بعض، فقال ابنُ وهب: أخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا، وعدّد تلك الأحاديث، فسمع أحمد بن عيسى لفظ ابن وهب هكذا بالواو، فأدّاه أحمد بن عيسى كما سمعه، فقال: "حدّثنا ابن وهب، قال - يعني ابنَ وهب -: وأخبرني عمرو". انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: رواية عمرِو بن الحارث التي أحالها المصنّف هنا على رواية

стр. 4698

عُقيل، ساقها الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٤٣٣)، فقال: (١١٥٨) أخبرنا ابن سَلْم، قال: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: حدّثني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ شَرِبَ لبنًا، ثم دعا بإناء، فمضمض، وقال: "إن له دَسَمًا". انتهى. وأما رواية الأوزاعي، فقد أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "الأشربة" من "صحيحه"، فقال: (٥٦١٠) حدثنا أبو عاصم، عن الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ شَرِب لبنًا، فمضمض، وقال: "إن له دَسَمًا". انتهى. وأما رواية يونس، فقد أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٣٣٥٧) حدّثنا عثمان بن عُمر، حدّثنا يونس، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ تمضمض من لبن، وقال: "إن له دَسَمًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٦] (٣٥٩) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة، فَأُتِيَ بِهَدِيَّةٍ: خُبْزٍ وَلَحْمٍ (١)، فَأَكَلَ ثَلَاثَ لُقَمٍ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاس، وَمَا مَسَّ مَاءً"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.

стр. 4699

٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بمهملتين، بينهما لام ساكنة - الدّيليّ - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة - المدنيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن معبد بن كعب بن مالك، وعطاء بن يسار، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحُميد بن مالك، ومحمد بن عمران الأنصاريّ، والزهريّ، ووهب بن كيسان، وغيرهم. ورَوَى عنه عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن محمد القرشيّ، وسعيد بن أبي هلال، وابن إسحاق، وزهير بن محمد، والوليد بن كثير، ومالك بن أنس، وإسماعيل بن جعفر، والدَّرَاوَرْديّ، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان ذا هيئة، ملازمًا للمسجد، وكذا قاله ابن سعد. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٩)، وحديث (٧٩٢): "ما أذِنَ الله لشيء كأَذَنِه لنبيّ يتغنّى … "، و (٩٥٠): "مستريحٌ، ومستراح منه … "، و (٢٠٢٢): "كُلْ مما يليك"، و (٢٤٤٩): "إن فاطمة منّي، وإني أتخوّف أن تُفتن في دينها … ". والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فمروزيّ، والله تعالى أعلم.

стр. 4700

شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ("أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ) يعني لبسها واستتر بها، وفي رواية أبي عوانة من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: "كنت مع ابن عبّاس في بيت ميمونة في المسجد، فقال: لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله ﷺ ، وقد توضّأ، ثم لبس ثيابه … "، وفي رواية أبي نعيم: "قال: كنت مع ابن عبّاس في بيت ميمونة، فجعل يتعجّب ممن يزعُمُ أن الوضوء مما مسّت النار، ثم قال: لقد كنت في هذا البيت عند النبيّ ﷺ ، وقد توضّأ، ولبس ثيابه، فجاءه المؤذّن، فخرج إلى الصلاة، حتى إذا كان في الحجرة خارجًا من البيت، لقيه هديّة عضو من شاة، فأكل منه لقمةً، أو لقمتين … " (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة، فَأُتيَ) بالبناء للمفعول (بِهَدِيَّةٍ) بفتح الهاء، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة: فَعِيلة بمعنى مفعولة، وقوله: (خُبْزٍ وَلَحْمٍ) بالجرّ على البدليّة من "هديّة"، وفي بعض النسخ بإضافة "هديّة" إلى ما بعدها (فَأَكَلَ ثَلَاثَ لُقَمٍ) بضمّ اللام، وفتح القاف: جمع لَقْمة بفتح، فسكون: اسم لما يُلقم في مرّة، كالْجُرْعة اسم لما يُجْرَع في مرّة، يقال: لَقِمتُ الشيءَ لَقَمًا، من باب تَعِبَ، والتقمته: إذا أكلته بسُرعة، ويُعدَّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: لَقَّمتُهُ الطعامَ تلقيمًا، وألقمته إياه إلقامًا، فتلقّمه تَلَقُّمًا. قاله الفيّوميّ (١). (ثُمَّ صلَّى بِالنَّاسِ) أي إمامًا لهم (وَمَا مَسَّ مَاءً") "ما" نافية، والجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "صلّى"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٣/ ٨٠٦ و ٨٠٧] (٣٥٩)،

стр. 4701

و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٤٥) رقم (٢٢٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٤٩ و ٧٥٠)، و (أبو نعيم) في "مسنده" (٧٩٢ و ٧٩٣)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ حَلْحَلَةَ، وَفِيهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: صَلَّى، وَلَمْ يَقُلْ بِالنَّاسِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) الْمَخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ، عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ حَلْحَلَةَ) فاعل "ساق" ضمير الوليد بن كثير. والمعنى: أن حديث الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن عطاء، كمعنى حديث محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عنه. وقوله: (وَفيهِ: أَن ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ … إلخ) يعني أن في حديث الوليد زيادة: "أن ابن عبّاس ﵄ شَهِد ذلك"، أي الفعل الذي فعله النبيّ ﷺ ، من الأكل من تلك الهديّة، ثم قال: "صَلّى"، ولم يزد قوله: "بالناس". وقال النوويّ ﵀ عند قوله: "وفيه أن ابن عبّاس ﵄ شَهِد ذلك من

стр. 4702

النبيّ ﷺ " -: هذا فيه فائدةٌ لطيفةٌ، وذلك أن الرواية الأولى فيها عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ جَمَع ثيابه، وليس فيها أنّ ابن عباس رأى هذه القضية، فيَحْتَمِل أنه رآها، ويحتمل أنه سمعها من غيره، وعلى تقدير أن يكون سمعها من غيره، يكون مرسل صحابيّ، وقد مَنَعَ الاحتجاج به الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والصواب قول الجمهور، وهو الاحتجاج به، فلما كانت هذه الرواية محتملةً هذا الذي ذكرناه، نَبَّهَ مسلم ﵀ على ما يزيل هذا كلّه، فقال: "شَهِدَ ابن عباس ذلك"، والله أعلم. انتهى (١). [تنبيه]: رواية الوليد بن كثير التي أحالها المصنّف هنا على رواية محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، أخرجها الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٣٩٦) فقال: (٧٩٣) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، ثنا محمد بن عمرو بن عطاء، قال: كنت مع ابن عباس في بيت ميمونة، فجعل يتعجب ممن يزعُم أن الوضوء مما مست النار، ثم قال: لقد رأيتني في هذا البيت عند النبيّ ﷺ ، وقد توضأ ولبس ثيابه، فجاءه المؤذن، فخرج إلى الصلاة، حتى إذا كان في الحجرة، خارجًا من البيت، لقيه هديةُ عضوٍ من شاة، فأكل منه لقمةً، أو لقمتين، ثم صلى ولم يتوضأ. انتهى. وأخرجه البيهقيّ في "الكبرى" مطوّلًا (١/ ١٥٣) فقال: (٦٩١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: كنت مع ابن عباس في بيت ميمونة، زوج النبيّ ﷺ في المسجد، فجعل يَعْجَب ممن يزعُم أن الوضوء مما مست النار، ويضرب فيه الأمثال، ويقول: إنا نستحمّ بالماء الْمُسَخَّن ونتوضأ به، ونَدَّهِن بالدهن المطبوخ، وذكر أشياء مما يصيب الناس، مما قد مست النار، ثم قال: لقد رأيتني في هذا البيت، عند

стр. 4703

رسول الله ﷺ ، وقد توضأ ثم لبس ثيابه، فجاءه المؤذن، فخرج إلى الصلاة، حتى إذا كان في الحجرة، خارجًا من البيت، لقيته هديةُ عضوٍ من شاة، فأكل منها لقمة أو لقمتين، ثم صلَّى، وما مس ماء. انتهى. وأخرجه الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" من طريق آخر بأتمّ من هذا، فقال: (٢٢٥٧) حدّثنا يعقوب (١)، حدّثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدّثنا محمد بن عمرو بن عطاء بن عيّاش بن علقمة، أخو بني عامر بن لؤيّ، قال: دخلت على ابن عباس بيت ميمونة، زوج النبيّ ﷺ لغد يوم الجمعة، قال: وكانت ميمونة قد أوصت له به، فكان إذا صلَّى الجمعة، بُسِطَ له فيه، ثم انصرف إليه، فجَلَس فيه للناس، قال: فسأله رجل وأنا أسمع، عن الوضوء مما مست النار من الطعام؟ قال: فرفع ابن عباس يده إلى عينيه، وقد كُفّ بصره، فقال: بَصُرَ عيناي هاتان، رأيت رسول الله ﷺ ، توضأ لصلاة الظهر في بعض حُجَره، ثم دعا بلال إلى الصلاة، فنَهَضَ خارجًا، فلما وَقَفَ على باب الحجرة، لقيته هديةٌ، من خبزٍ ولحمٍ، بَعَثَ بها إليه بعضُ أصحابه، قال: فرجع رسول الله ﷺ بمن معه، ووُضِعَت لهم في الْحُجْرة، قال: فأكل، وأكلوا معه، قال: ثم نَهَضَ رسول الله ﷺ بمن معه إلى الصلاة، وما مَسَّ، ولا أحد ممن كان معه ماءً، قال: ثم صلى بهم، وكان ابن عباس إنما عَقَلَ من أمر رسول الله ﷺ آخره. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٤) - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٨] (٣٦٠) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ،

стр. 4704

حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَن رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ" (١)، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ"، قَالَ: أُصَلِّي (٢) فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: "لَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧)، وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) (٣) التيميّ مولاهم المدنيّ الأعرج، وقد يُنسَبُ إلى جدّه، ثقةٌ [٤] (ت ١٦٠) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٤. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ) واسم أبيه عكرمة، وقيل: مسلمة، وقيل: مسلم، السُّوَائيّ، أبو ثور الكوفيّ، صدوق (٤) [٣]. رَوَى عن جدّه جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل، وغير ذلك، وهو جدّه من قَبِل أمه، وقيل: من قِبَل أبيه، ورَوَى عنه أشعث بن أبي الشعثاء، وسماك بن حرب، وعثمان بن عبد الله بن موهب، ومحمد بن قيس الأَسْديّ. قال أبو حاتم بن حِبّان: جعفر بن أبي ثور، وهو أبو ثور بن عكرمة، فمن لم يُحكِم صناعة الحديث تَوَهَّم أنهما رجلان مجهولان، هكذا قال ابن حبان في "الثقات"، وقال عبد الله بن علي ابن المدينيّ، عن أبيه: مجهول،

стр. 4705

وقال الترمذيّ في "العلل": جعفر مشهور، وقال الحاكم أبو أحمد: هو من مشايخ الكوفيين الذين اشتَهَرت روايتهم عن جابر، وليس ذكر عكرمة في نسبه بمحفوظ، وكذا مَن قال: جعفر بن ثور من غير تكنيته، وصحح حديثه في لحوم الإبل مسلم، وابنُ خزيمة، وابن حبان، وأبو عبد الله بن منده، والبيهقيّ، وغير واحد، وذكر البخاريّ في "التاريخ" الاختلاف في نسبته إلى جابر بن سمرة، وصَدَّر كلامه بقوله: قال سفيان، وزكرياء، وزائدة، عن سماك، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر، عن جابر بن سمرة، فكأنه عنده أرجح. قاله في "تهذيب التهذيب" (١). تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٠)، وحديث رقم (١١٢٨). ٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة، ويقال: ابن عمرو بن جُندب بن حُجَير بن رئاب بن حبيب بن سُواءة بن عامر بن صَعْصَعة السُّوَائيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، له ولأبيه صحبة، نَزَل الكوفة، ومات بها، وله عقب بها (٢). رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه، وخاله سعد بن أبي وقاص، وعمر، وعليّ، وأبي أيوب، ونافع بن عتبة بن أبي وقاص. ورَوَى عنه سماك بن حرب، وتميم بن طرفة، وجعفر بن أبي ثور، وأبو عون الثَّقَفيّ، وعبد الملك بن عُمير، وحُصين بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق السبيعيّ، وجماعة. قال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة عبد الملك بن مروان، في ولاية بشر بن مروان، وقال خليفة: مات سنة (٧٣)، وقيل عنه: سنة (٧٦)، وقال ابن منجويه، وأبو القاسم البغويّ، وابن حبان: مات سنة (٧٤)، قال الحافظ: وهو أشبه بالصواب؛ لأن بشر بن مروان وَليَ الكوفةَ سنة (٧٤) ومات سنة (٧٥)،

стр. 4706

وقد ذكر أكثر المؤرخين أن جابر بن سمرة مات في أيامه. انتهى (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥١) حديثًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت ما له فيه من الأحاديث، وكذا جعفر بن أبي ثور هذا أول محلّ ذكره، وليس له فيه إلا حديثان، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ) بهمزتين، ووقع في "المشكاة": "أنتوضّأ" بالنون، وقال في "المرعاة": بالنون، وفي بعض النسخ بالياء، وفي بعضها: "أتوضّأ" بالمتكلّم المفرد، مع حذف همزة الاستفهام، وهي الصحيحة الموافقة لما في "صحيح مسلم". انتهى. هكذا قال، والنسخ التي بين يديّ من "صحيح مسلم": "أأتوضّأ" بهمزتين؛ فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟) أي من أكلها (قَالَ) ﷺ ("إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ") بحذف إحدى التاءين، كما قال في "الخلاصة": وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدِ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ"تَبَيَّنُ الْعِبَرْ" وفي بعض النسخ: "فلا تتوضّأ" بتاءين، وهو الأصل. (قَالَ) الرجل (أَتَوَضَّأُ) هكذا النسخ بهمزة واحدة بحذف همزة الاستفهام (مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ) أي أكلها (قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ") قال في "المرعاة": المراد به الوضوء الشرعي، أي وضوء الصلاة؛ لأن الحقائق الشرعيّة مقدّمة على غيرها، والحديث نصّ على أن الأكل من لحم الإبل ناقض للوضوء على كلّ حال، نيّئًا كان أو مطبوخًا، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق بن

стр. 4707

راهويه، وغيرهما، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وقال القرطبيّ ﵀: هذا الوضوء المأمور به من لحوم الإبل، المباح من لحوم الغنم هو اللغويّ، ولذلك فرّق بينهما؛ لما في لحوم الإبل من الزفورة والزّهم، وعلى تقدير كونه وضوءًا شرعيًّا، فهو منسوخ بما تقدّم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ما سبق من أنه وضوء شرعيّ، وأنه واجب من لحوم الإبل، وسيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) الرجل (أُصَلِّي) بحذف همزة الاستفهام، وفي بعض النسخ: "أَأُصلي" بهمزتين في الموضعين (فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع مَرْبِض - بفتح الميم، وسكون الراء، وكسر الموحّدة، وزانُ مَجْلِس -: مأوى الغنم ليلًا، أفاده في "المصباح" (٢)، وفي "القاموس": "الرَّبَضُ محرَّكةً: مأوى الغنم" (٣). (قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ") أي صلّ في مرابضها، وفيه دليلٌ على جواز الصلاة في مرابضها، وهو الحقّ (قَالَ) الرجل (أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ) جمع مَبْرَك - بفتح الميم والراء، بينهما موحّدة ساكنة، وزانُ جَعْفَر -: موضع بروكها. أفاده في "المصباح" (٤). (قَالَ) ﷺ ("لَا") أي لا تصلّ فيها، وفيه دليل على تحريم الصلاة في مبارك الإبل، وهو الحق، وفيه خلاف سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٤/ ٨٠٨ و ٨٠٩] (٣٦٠)،

стр. 4708

و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤٦ - ٤٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٦ و ٨٨ و ٩٣ و ٩٨ و ١٠٠ و ١٠١ و ١٠٢ و ١٠٥ و ١٠٦ و ١٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٢٤ و ١١٢٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٧٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨٦٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٩٤ و ٧٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وإباحته من أكل لحم الغنم، والمراد به الوضوء الشرعيّ، لا اللغويّ على الصحيح. قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد إخراجه الحديث، ما نصّه: في سؤال السائل عن الوضوء من لحوم الإبل، وعن الصلاة في أعطانهما، وتفريق النبيّ ﷺ بين الجوابين أرى البيان أنه أراد الوضوء المفروض للصلاة، دون غسل اليدين، ولو كان ذلك غسل اليدين من الغَمَر (١) لاستوى فيه لحوم الإبل والغنم جميعًا، وقد كان ترك الوضوء مما مسّته النار، وبقي المسلمون عليه مدّة، ثم نُسخ ذلك، وبقي لحوم الإبل مستثنًى من جملة ما أُبيح بعد الحظر الذي تقدّم ذكرنا له. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (٢)، وهو حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة في مرابض الغنم مطلقًا، خلافًا لمن قال: إن الإذن بالصلاة فيها كان قبل أن تبنى المساجد، وفيه نظر؛ إذ لا دليل على ذلك. ٣ - (ومنها): بيان طهارة أبوال الغنم وأبعارها؛ لأن مرابض الغنم لا تخلو عن ذلك، وقد أذن الشارع بالصلاة فيها مطلقًا، ليس فيه تخصيص موضع دون موضع، ولا تقييد بحائل يقي من الأبوال، وهذا هو الحقّ، خلافًا للحنفيّة، والشافعيّة.

стр. 4709

قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: إباحة الصلاة في مرابض الغنم دليلٌ لمالك على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه؛ لأن مرابضها مواضع رُبُوضها وإقامتها، ولا يخلو عن أبوالها وأرواثها، وأما نهيه ﷺ عن الصلاة في معاطن الإبل، فليس لنجاسة فضلاتها، بل لأمر آخر، إما لنتن معاطنها، أو لأنها لا تخلو غالبًا عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة، أو لئلا يتعرّض لنفارها في صلاته، أو لما جاء أنها خُلقت من الشياطين، وهذه كلّها مما ينبغي للمصلّي أن يتجنّبها، ومع هذه الاحتمالات لا يصلح هذا الحديث للاستدلال به على نجاسة فَضَلاتها، وقد أباح النبيّ ﷺ للْعُرَنيين شُرب ألبانها وأبوالها، ولا يُلتَفتُ إلى قول من قال: إن ذلك لموضع الضرورة؛ لأنا لا نسلّمها؛ إذ الأدوية في ذلك للمرض الذي أصابهم كثيرةٌ، ولو كان ذلك للضرورة لاستكشف عن حال الضرورة، ولسأل عن أدوية أخرى حتى يتحقّق عدمها، ولو كانت نجاسةً لكان التداوي بها ممنوعًا أيضًا بالأصالة كالخمر، أَلَا تراه لَمّا سئل ﷺ عن التداوي بالخمر؟ قال: "إنها ليست بدواء، ولكنها داء"، رواه مسلم، ولم يلتفت إلى الحاجة النادرة التي يباح فيه، كإزالة الْغَصَص بجرعة منها عند عدم مائع آخر. وحاصله أن إخراج الأمور عن أصولها، وإلحاقها بالنوادر، لا يلتفت إليه؛ لأنه خلاف الأصل. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١) وهو بحثٌ جيّد، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، وهو للتحريم على الأصحّ، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوضوء من أكل لحم الإبل: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثابت عن رسول الله ﷺ أنه أمر بالوضوء من لحوم الإبل، ثم أخرج حديث جابر بن سمرة هذا، وحديث

стр. 4710

البراء ﵁ (١)، ثم قال: والوضوء من لحوم الإبل يجب؛ لثبوت هذين الحديثين، وجَوْدة إسنادهما. وقد اختَلَف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة كما قلنا، رَوَينا عن جابر بن سمرة أنه كان يقول: كنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم، ورَوَينا عن ابن عمر أنه قال: توضّوا من لحوم الإبل، ولا توضّوا من لحوم الغنم. قال: وهذا قول محمد بن إسحاق، صاحب "المغازي"، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال أحمد بن حنبل: فيه حديثان صحيحان: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة، وقال إسحاق: قد صَحّ عن رسول الله ﷺ ذلك. وأسقطت طائفة الوضوء من لحوم الإبل، وممن كان لا يرى ذلك واجبًا مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وقد رُوي ذلك عن سُويد بن غَفَلة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ورُوي ذلك عن ابن عمر ﵄. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢). وقال النوويّ ﵀ بعد ذكر الاختلافات: وذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن خزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البيهقيّ، وحُكِي عن أصحاب الحديث مطلقًا، وحُكِي عن جماعة من الصحابة ﵃. ثم قال: وهذا المذهب أقوى دليلًا، وإن كان الجمهور على خلافه، وقد أجاب الجمهور عن حديث: "توضّأ من لحوم الإبل" بحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ تركَ الوضوء مما مست النار"، ولكن هذا الحديث

стр. 4711

عامّ، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاصّ، والخاصّ مقدَّم على العام. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه النوويّ ﵀ مخالفًا لمذهبه من وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل هو الحقّ، ولقد أنصف ﵀، ودافع عن السنّة، وترك الدفاع عن المذهب، خلاف ما يسلكه عامّة مقلدي المذاهب من تأويلهم الأحاديث الصحيحة إذا خالفت مذهبهم. وقال الحافظ في "التلخيص": قال البيهقيّ: حَكَى بعض أصحابنا عن الشافعيّ قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به. قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة، وحديث البراء، قاله أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. انتهى. وقد ذكر العلامة الموفق ابن قدامة ﵀ في "المغني" في هذا البحث كلامًا حسنًا مفيدًا، قال: إن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال نَيّئًا ومطبوخًا عالِمًا كان أو جاهلًا، وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعيّ، قال الخطابيّ: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث. وقال الثوريّ، ومالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي: لا ينقض الوضوء بحال؛ لأنه رُوي عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الوضوء مما يخرج، لا مما يدخل"، ورُوي عن جابر قال: "كان آخر الأمرين، ترك الوضوء مما مست النار"، رواه أبو داود. ولنا ما رَوَى البراء بن عازب ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن لحوم الإبل؟ فقال: "توضؤوا منها"، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا يتوضأ منها"، رواه أبو داود (٢)، وروى جابر بن سمرة عن النبيّ ﷺ مثله، أخرجه مسلم. وروى الإمام أحمد باسناده، عن أُسيد بن حُضير قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 4712

"توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم"، وروى ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ مثل ذلك. قال أحمد، وإسحاق ابن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبيّ ﷺ : حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة. وحديثهم عن ابن عباس لا أصل له، وإنما هو من قول ابن عباس موقوفًا عليه، ولو صَحّ لوجب تقديم حديثنا عليه؛ لكونه أصح منه وأخصّ، والخاصّ يُقَدَّم على العام، وحديث جابر لا يعارض حديثنا أيضًا؛ لصحته وخصوصه. [فإن قيل]: فحديث جابر متأخر، فيكون ناسخًا. [قلنا]: لا يصح النسخ به؛ لوجوه أربعة: [أحدها]: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار، أو مقارن له، بدليل أنه قَرَن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم، وهي مما مست النار. فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي، وإما أن يكون بشيء قبله، فإن كان به، فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار، فكيف يجوز أن يكون منسوخًا به، ومن شرط الناسخ تأخره، وإن كان النسخ قبله لم يجز أن يُنسَخ بما قبله. [الثاني]: أن أكل لحوم الإبل إنما نقض؛ لكونه من لحوم الإبل، لا لكونه مما مست النار، ولهذا ينقض وإن كان نِيئًا، فنَسْخُ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى، كما لو حُرِّمت المرأة للرضاع، ولكونها ربيبةً، فنَسخُ التحريم بالرضاع، لم يكن نسخًا لتحريم الربيبة. [الثالث]: أن خبرهم عامّ، وخبرنا خاصّ، والعام لا يُنسَخ به الخاصّ؛ لأن من شرط النسخ تعذر الجمع، والجمع بين العام والخاص ممكن بتنزيل العام على ما عدا محل التخصيص. [الرابع]: أن خبرنا صحيح مستفيض، ثبتت له قوّة الصحة والاستفاضة والخصوص، وخبرهم ضعيف؛ لعدم هذه الوجوه الثلاثة فيه، فلا يجوز أن يكون ناسخًا له. [فإن قيل]: الأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب، فنحمله عليه،

стр. 4713

ويحتمل أنه أراد بالوضوء غسل اليدين؛ لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام، اقتَضَى غسل اليد، كما كان ﷺ يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده (١)، وخَصَّ ذلك بلحم الإبل؛ لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره. [قلنا]: أما الأول فمخالف للظاهر من ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن مقتضى الأمر الوجوب. [الثاني]: أن النبيّ ﷺ سئل عن حكم هذا اللحم، فأجاب بالأمر بالوضوء منه، فلا يجوز حمله على غير الوجوب؛ لأنه يكون تلبيسًا على السائل، لا جوابًا. [الثالث]: أنه ﷺ قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم، والمراد بالنهي ها هنا نفي الإيجاب لا التحريم، فيتعين حمل الأمر على الإيجاب؛ ليحصل الفرق. وأما الثاني فلا يصح؛ لوجوه أربعة: [أحدها]: أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب، فإن غسل اليد بمفرده غير واجب، وقد بيّنا فساده. [الثاني]: أن الوضوء إذا جاء في لسان الشارع وجب حمله على الوضوء الشرعيّ، دون اللغويّ؛ لأن الظاهر منه أنه إنما يتكلم بموضوعاته. [الثالث]: أنه يخرج جوابًا لسؤال السائل عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في مباركها، فلا يُفهَم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة. [الرابع]: أنه لو أراد غسل اليد لما فرَّق بينه وبين لحم الغنم، فإن غسل اليد منها مستحب، ولهذا قال: "من بات وفي يده ريح غَمَر، فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه" (٢)، وما ذكروه من زيادة الزهومة فأمر يسير لا يقتضي التفريق، والله أعلم.

стр. 4714

ثم لا بد من دليل نَصرِف به اللفظ عن ظاهره، ويجب أن يكون الدليل له من القوّة بقدر قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها، وليس لهم دليل وقياسهم فاسد، فإنه طرديّ لا معنى فيه، وانتفاء الحكم في سائر المأكولات لانتفاء المقتضي، لا لكونه مأكولًا، فلا أثر لكونه مأكولًا، ووجوده كعدمه. ومن العجب أن مخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة، تخالف الأصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها بحديث من مراسيل أبي العالية، ومالك والشافعيّ أوجباه بمسّ الذكر بحديث مختلف فيه، معارَض بمثله، دون مسّ بقيّة الأعضاء، وتركوا هذا الحديث الصحيح الذي لا معارض له، مع بُعده عن التأويل، وقوّة الدلالة فيه؛ لمخالفته لقياس طرديّ. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد العلامة ابن قُدامة ﵀ في تحقيق هذه المسألة بما لا مزيد عليه، فجزاه الله خيرًا عن دفاعه عن السنّة الصحيحة. والحاصل أنه قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن المذهب الصحيح هو ما ذهب إليه المحدّثون، ومحقّقو الفقهاء؛ كأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، والبيهقيّ، وابن حزم، وقوّاه النوويّ وغيره من وجوب الوضوء بأكل لحم الإبل؛ فتبصّر وكن مع الحقّ، ودُر حيث دار الدليل وإن قلّ المائل إليه، واهجر خلافه وإن اعتمد الجمهور عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في مبارك الإبل: قال صاحب "المرعاة" ﵀: في الحديث دليلٌ على تحريم الصلاة في مبارك الإبل، وإليه ذهب مالك، وأحمد، وابن حزم، وهو الحقّ. وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة، وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتمّ على القول بأن علّة النهي هي النجاسة،

стр. 4715

وذلك متوقّف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها، والحقّ طهارة أبوال مأكول اللحم وأزباله، ولو سلّمنا النجاسة فيه لم يصحّ جعلها علّةً؛ لأن العلّة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم؛ إذ لا قائل بالفرق. وقيل: علّة النهي ما فيها من النفور، وبهذا علّل أصحاب مالك والشافعيّ، وعلى هذا فيفرّق بين كون الإبل في مباركها وبين غَيبتها. وفيه أن النهي عن الصلاة فيها مطلقٌ، سواءٌ كانت الإبل فيها، أو لم تكن. وقيل: علّة النهي أن يُجاء بها إلى مباركها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها، أو يستمرّ فيها مع شغل خاطره، وفيه أيضًا ما تقدّم. وقيل: لأن الراعي يبول بينها، وفيه أن هذا ظن وتخمين لم يقُم عليه دليلٌ، فلا يُلتَفَت إليه. وقيل: علّة النهي شدّة نتنها. وقيل: الحكمة في النهي كونها خُلقت من الشياطين، ويدلّ عليه حديث عبد الله بن مغفّل ﵁ عند أحمد، والنسائيّ، وحديث البراء عند أبي داود، وحديث أبي هريرة عند ابن ماجه. قال الإمام الشوكانيّ - بعد بيان اختلافهم في تعليل النهي بنحو ما ذكرنا -: إذا عَرَفت هذا الاختلاف في العلّة تبيّن لك أن الحقّ الوقوف على مقتضى النهي، وهو التحريم، كما ذهب إليه أحمد والظاهريّة. انتهى. ولا يُعارضه حديث الصلاة إلى الراحلة بجعلها سُترةً في الصلاة؛ لأن ذلك كان في السفر حالة الضرورة، ولأن النهي مقصور على مواضع بروكها وعَطَنها، وفرقٌ بين الصلاة في العَطَن، وبين جعلها سُترةً في الصلاة في حال شَدّ الرحل عليها. انتهى كلام صاحب "المرعاة" ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال، وأدلّتها أن أرجحها هو القول بتحريم الصلاة في مبارك الإبل؛ عملًا بظاهر النصّ الصحيح الخالي عن المعارض؛ فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4716

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ سِمَاكٍ (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاء، كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (مُعَاوِيةُ بْنُ عَمْرٍو) الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنِيّ البغداديّ، المعروف بابن الْكِرْمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت ٢١٤) عن (٨٦) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٥١١. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّي [٧] (ت ١٦٠) وقيل بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٤ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، إلا في عكرمة، فمضطرب، وقد تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٧ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ (١)، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.

стр. 4717

٨ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) الْمُحَاربيّ الكوفيّ، واسم أبي الشعثاء سُليم بن الأسود، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣. والباقون تقدّموا فيما قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) الضمير يرجع إلى كل من سماك بن حرب، وعثمان بن عبد الله، وأشعث بن أبي الشعثاء. [تنبيه]: رواية سماك، وأشعث أخرجها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه (١/ ٣٩٧) فقال: (٧٩٥) حدثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن سماك (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك، نا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا شيبان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: أتى رجل النبيّ ﷺ وأنا عنده، فقال: يا رسول الله، أتطهر من لحوم الغنم؟ فقال: "إن شئت، وإن شئت فدع"، قال: فأصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال: فأتطهر من لحوم الإبل؟ قال: "نعم"، قال: أُصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا". انتهى. وأما رواية أشعث، فقد أخرجها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٤٣٣) فقال: (١١٥٧) أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، قال: حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدثنا زائدة، وإسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: "توضأ إن شئت"، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلِّ إن شئت"، وسئل عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضأ"، وسئل عن الصلاة في مَبَاتِ الإبل؟ فقال: "لا تصلّ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 4718

(٢٥) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَث، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِطَهَارَتِهِ تِلْكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٠] (٣٦١) - (وَحَدَّثَني عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّه، شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْه، أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاة، قَالَ: "لَا يَنْصَرِفُ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا". قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ إمام حجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم تقدّم قبل باب. ٦ - (سَعِيد) بن المسيِّبِ بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. ٧ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) بن غَزِيَّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣].

стр. 4719

رَوَى عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وهو أخو تميم لأمه، وجدته أم عمارة، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي بشير الأنصاريّ، وأبي سعيد الخدريّ، وعويمر بن أشقر. وروى عنه عمرو بن يحيى عمارة، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه: محمد، وعبدُ الله ابنا أبي بكر والزهريّ، وحبيب بن زيد، وعُمارة بن غَزِيّة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال الواقديّ: عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن موسى بن عقبة، قال: قال عباد: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين، وقال محمد بن إسحاق، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ابن خمس سنين" إن صحّ هذا فعبّاد من صغار الصحابة، فقد عُدّ منهم من هو أصغر منه، فتأمل. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٨ - (عَمُّهُ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، صاحب صفة الوضوء، مات ﵁ (٦٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ للاختلاف في كيفيّة تحمّله عنهم، فقد أخذ عن الأولين وحده، ولذا قال: "وحدّثني"، وعن الثالث مع غيره، ولذا قال: "وحدّثنا". ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين، وهما عن عمّ الثاني. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن الملقن ﵀: إن عبّادًا هذا بفتح أوله، وتشديد ثانيه، يشتبه بعُبَاد بضمّ أوّله، وتخفيف ثانيه، وهو قيس بن عُبَاد وغيره، وبعِبَاد بكسر أوّله، وتخفيف ثانيه، وبعِيَاذ بالياء المثنّاة تحتُ، وذال معجمة، وبعِيَاد

стр. 4720

مثله إلا أن الدال مهملة، وبعناد بإبدال الباء نونًا، وكلٌّ موضّح في كتابي "مشتبه النسبة". انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ (١). ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، وهو راوي صفة وضوء النبيّ ﷺ المتّفق عليه، وهو الذي قتل مسيلمة الكذّاب، واستُشهد بالحرّة سنة (٦٣)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيد) بن المسيِّب (وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بالجرّ عطفًا على سعيد، وفي رواية البخاريّ: "وعن عبّاد" بزيادة "عن"، فقال في "الفتح": هو معطوف على قوله: "عن سعيد بن المسيب"، وسقطت الواو من رواية كريمة غَلَطًا؛ لأن سعيدًا لا رواية له عن عبّاد أصلًا، ثم إن شيخ سعيد فيه يَحْتَمِل أن يكون عَمَّ عباد، كأنه قال كلاهما عن عمه؛ أي عم الثاني، وهو عبّاد، وَيحتَمِل أن يكون محذوفًا، ويكون من مراسيل ابن المسيِّب، وعلى الأول جَرَى صاحب "الأطراف"، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي سعيد الخدريّ، أخرجه ابن ماجه، ورواته ثقات، لكن سئل أحمد عنه، فقال: إنه منكر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ويؤيّد الثاني .. ، إلخ فيه نظر لا يخفى، كيف يؤيّده وهو منكرٌ، كما قال الإمام أحمد، بل الذي يظهر أن ما ذهب إليه صاحب "الأطراف" هو الصواب، فسعيد بن المسيِّب يروي هذا الحديث مع عبّاد بن تميم، عن عم عبّاد، وهو عبد الله زيد، فتأمل، والله تعالى أعلم. (عَنْ عَمِّهِ) أي عمّ عبّاد، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ الأنصاريّ، كما سماه سفيان بن عيينة هنا، واختُلِف هل هو عم عباد لأبيه، أو لأمه؟ (شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ) هو بضم الشين، وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول، و"الرجل" مرفوع على أنه نائب فاعله، قال النوويّ ﵀: ولم يُسَمَّ هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاريّ أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي،

стр. 4721

وينبغي أن لا يُتَوَهَّم بهذا أنه "شَكَى" مفتوحة الشين والكاف، ويُجْعَل الشاكي هو عمَّه المذكور، فإن هذا الوَهْمَ غَلَطٌ. انتهى (١). ووقع في رواية البخاريّ: "أنه شكا إلى رسول الله ﷺ "، قال في "الفتح": قوله: "أنه شكا" كذا في روايتنا "شكا" بألف، ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وصَرَّح بذلك ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، ولفظه: "عن عمه، عبد الله بن زيد، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل"، ووقع في بعض الروايات: "شُكِيَ " بضم أوله، على البناء للمفعول، وعلى هذا فالهاء في "أنه" ضمير الشأن، ووقع في مسلم: "شُكِيَ" بالضم أيضًا، كما ضبطه النوويّ. انتهى (٢). وقال في "العمدة": قوله: "شَكَى" من شَكَوت فلانًا أشكوه شَكْوًا، وشِكايةً وشَكِيَّةً وشَكَاةً: إذا أخبرتَ عنه بسوء فعله، فهو مَشْكُوّ، وشَكِيٌّ، والاسم الشكوى، والياء في شَكَى منقلبة عن واو، وأصله شَكَوَ بدليل يشكو، والشَّكْوَى، ويجوز أن تكون أصلية، غير منقلبة في لغة من قال: شَكَى يَشْكِي بالياء. انتهى (٣). (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) - بضم أوله، وفتح المعجمة، وتشديد الياء المثنّاة التحتانيّة المفتوحة - وأصله من الْخَيَال، والمعنى: يُظَنّ، والظن هنا أعمّ من تساوي الاحتمالين، أو ترجيح أحدهما، على ما هو أصل اللغة، من أن الظن خلاف اليقين، قاله في "الفتح" (٤). وقال في "العمدة": قوله: "يُخَيَّل" على صيغة المجهول: أي يُشَبَّه، ويُخايَل، وفلان يَمضي على الْمُخَيَّل، أي على ما خُيِّلت، أي شُبِّهت، يعني على غَرَر من غير تعين، وخُيِّل إليه أنه كذا على ما لم يُسَمَّ فاعله من التخييل والوهم، قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. انتهى (٥). وقال في "المصباح": وخُيِّل له كذا بالبناء للمفعول، من الوَهْم والظنّ،

стр. 4722

وخَيَّلَ الرجلُ على غيره تخييلًا، مثلُ لبّس تلبيسًا وزنًا ومعنًى: إذا وجّه الوهْمَ إليه، والْخَيالُ كلُّ شيء تراه كالظلّ، وخَيَالُ الإنسان في الماء والمرآة صورة تِمثَاله، وربّما مرّ بك الشيء يُشبه الظلّ فهو خَيَالٌ، وكلُّهُ بالفتح. انتهى (١). والجملة من الفعل والنائب صفة لـ"الرجل"، على تقدير "أل" جنسيّة، والمعرّف بها في قوّة النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي فإنه لم يُرِد لئيمًا معيَّنًا، فهو نكرة في المعنى، نبّه عليه الفاكهيّ (٢). (أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ) أي الحدثَ خارجًا منه، وصَرَّح به الإسماعيليّ، ولفظه: "يُخَيَّلُ إليه في صلاته أنه يَخرُج منه شيء"، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذَر بخاص اسمه، إلا للضرورة. وجملة "أن" من اسمها وخبرها نائب فاعلٍ لقوله: "يُخَيَّل". (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ"يُخيّل"، أو بـ"يجد"، قال في "الفتح": تمسّك بعض المالكية بظاهره، فخَصُّوا الحكم بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها، وفَرَّقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهيُ عن إبطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيُّل إن كان ناقضًا خارج الصلاة، فينبغي أن يكون كذلك فيها، كبقية النواقض. انتهى (٣). (قَالَ) ﷺ مجيبًا عن هذا السؤال ("لَا يَنْصَرِفُ) بالرفع على أن "لا" نافية، أو بالجزم على أنها ناهية، ويكون النفي بمعنى النهي، بل هو أبلغ؛ لأنه نفيٌ للشيء من أصله، والنهي إعدام لحكمه مع بقائه، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وفي رواية البخاريّ: "لا ينفتل، أو لا ينصرف"، قال في "الفتح": هو شك من الراوي، وكأنه من عليّ - يعني ابن المدينيّ شيخ البخاريّ فيه - لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ: "لا ينصرف"، من غير شك. انتهى.

стр. 4723

وقال في "العمدة": كلمة "أو" للشك من الراوي، قال الكرمانيّ: والظاهر أنه من عبد الله بن زيد، قال العينيّ: يجوز أن يكون ممن دونه من الرواة، ووقع في كتاب الخطابيّ: "ولا ينصرف" بحذف الهمزة، وفي رواية للبخاري: "لا ينصرف"، من غير شك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كون الشكّ من عليّ بن المدينيّ هو الأقرب، كما أشار إليه الحافظ، بدليل رواية غيره بلا شكّ؛ إذ لو كان ممن فوقه لاتفقت الروايات في الشكّ؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا) أي من الدبر (أَوْ) للتنويع لا للشكّ (يَجِدَ رِيحًا") أي خارجًا من الدبر أيضًا، وعبّر بالوجدان دون الشمّ؛ ليشمل ما لو لمس المحلّ، ثم شمّ يده. قاله في "الفتح". ثم إن الغاية تدلّ على أنه إذا وجد ريحًا، أو سمع صوتًا ينصرف لأجل الوضوء، وهو المطلوب، والمقصود بقوله: "حتى يسمع … إلخ" أي حتى يتيقّن بطريق الكناية أعمّ من أن يكون بسماع صوت، أو وجدان ريح، أو يكون بشيء آخر، وغلبة الظنّ عند بعض العلماء في حكم المتيقّن، فبقي الشكّ لا عبرة به، بل يُحكم بالأصل المتيقّن، وإن طرأ الشكّ في زواله. قاله السنديّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": ودَلَّ حديث الباب على صحة الصلاة، ما لم يَتَيقَّن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ، كان الحكم للمعنى. قاله الخطابي. وقال أيضًا: وحَمَل بعضهم الحديث على مَن كان به وسواس، وتَمَسَّك بأن الشكوى لا تكون إلا من علة. وأُجيب بما دلّ على التعميم، وهو حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بلفظ: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه؛ أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". انتهى (٢).

стр. 4724

وقال ابن الملقّن ﵀: "الشيء" المشار إليه هو الحركة التي يظُنّ بها أنها حدَثٌ، وليس كذلك، ولهذا قال ﷺ : "حتى يسمع صوتًا أو يَجِد ريحًا"، ومعناه: يعلم وجود أحدهما يقينًا، ولا يُشترط اجتماع السماع والشمّ بالإجماع. قال الإسماعيليّ ﵀: هذا من رسول الله ﷺ فيمن شك في خروج ريح منه، لا نفي الوضوء إلا من سماع صوت، أو وجدان ريح. وفي "صحيحي ابن خزيمة وابن حبّان"، و"مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك أحدثتَ، فليقل: كذبتَ، إلا ما وجد ريحًا بأنفه، أو سمع صوتًا بأذنه". وفي "مسند أحمد" من حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا: "إن الشيطان ليأتي أحدكم، وهو في صلاته، فيأخذ شَعْرة من دبره، فيَمُدُّها، فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا"، وفي إسناده عليّ بن زيد بن جُدْعان، ضعيف. وقال ابن خزيمة: قوله: "فليقل: كذبت" أراد: فليقل: "كذبت" بضميره، لا ينطق بلسانه؛ إذ المصلي غير جائز له أن يقول: كذبت، نطقًا. قال في "العمدة": ويؤيد ما قاله ما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك قد أحدثت، فليقل في نفسه: كذبت". وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد"، وفي رواية الترمذيّ: "فوجد ريحًا بين أَلْيَتَيْه". وفي "علل ابن أبي حاتم": "فوجد ريحًا من نفسه"، وفي "كتاب الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلّام: "يجد الشيءَ في مقعدته، قال: لا يتوضأ إلا أن يجد ريحًا يعرفها، أو صوتًا يسمعه". وروى ابن ماجه بسند فيه ضعف، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: رأيت السائب بن يزيد، يَشُمّ ثوبه، فقلت: مِمّ ذلك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا وضوء إلا من ريح، أو سماع". ورَوَى أبو داود من حديث علي بن طلق، يرفعه: "إذا فَسَا أحدكم فليتوضأ".

стр. 4725

قال مهنّا: قال أبو عبيد الله: عاصم الأحول يُخطئ في هذا الحديث، يقول: علي بن طلق، وإنما هو طلق بن عليّ، وأبى ذلك البخاريّ، فقال فيما ذكره أبو عيسى عنه في "العلل"، وذكر حديث علي بن طلق هذا، بلفظ: جاء أعرابي إلى النبيّ ﷺ ، فقال: إنا نكون بالبادية، فيكون من أحدنا الرُّوَيحة؟ فقال: "إن الله تعالى لا يستحي من الحقّ، إذا فَسَا أحدكم، فليتوضأ"، فقال: لا أعرف لعليّ بن طلق، عن النبيّ ﷺ غير هذا الحديث، وهو عندي غير طلق بن عليّ، ولا يُعرَف هذا من حديث طلق بن علي. ولما ذكره الترمذي في "الجامع" من حديث علي بن طلق حَسَّنه، وذكره ابن حبان في "صحيحه" بلفظ: "إذا فَسَا أحدكم في الصلاة، فلينصرف، ثم ليتوضأ، ولْيُعِد صلاته"، ثم قال: لم يقل أحد: "ولْيُعِد صلاته" إلا جرير بن عبد الحميد، وقال أبو عبيد في "كتاب الطهور" إنما هو عندنا عليّ بن طلق؛ لأنه حديثه المعروف، وكان رجلًا من بني حنيفة، وأحسبه والد طلق بن عليّ الذي سأل عن مسّ الذكر. وممن ذكره في مسند عليّ بن طلق أحمد بن منيع في "مسنده"، والنسائيّ، والكجيّ في "سننيهما"، وأبو الحسين بن قانع في آخرين. [تنبيه]: (اعلم): أن حقيقة المعنى في قوله: "حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا": حتى يَعْلَم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع، فإن الأصمّ لا يسمع صوتًا، والأخشم الذي راحت حاسّة شَمّه لا يشُمّ أصلًا. وقال الخطابيّ ﵀: لم يُرِد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما، وقَصْرَ الحكم عليهما، حتى لا يُحدِث بغيرهما، وإنما هو جوابٌ خَرَجَ على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كلُّ ما يَخرج من السبيلين، وقد تخرج منه الريح، ولا يسمع لها صوتًا، ولا يجد لها ريحًا، فيكون عليه استئناف الوضوء، إذا تَيَقَّن ذلك، وقد يكون بأذنه وَقْرٌ، فلا يسمع الصوت، أو يكون أخشم، فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم، كان الحكم للمعنى، وهذا كما رُوي أنه ﷺ قال: "إذا استَهَلَّ الصبيّ وَرِثَ، وصُلِّي عليه" (١)،

стр. 4726

لم يُرِد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت، دون غيره من أمارات الحياة، من حركة، وقبض، وبسط، ونحوها. قاله في "العمدة" (١). (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخه الثالث (وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ) وفي نسخة: "وهو" بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) يعني أنهما زادا في روايتهما بعد قوله: "عن عمّه" ما نصّه: هو: عبد الله بن زيد، والمعنى أن المراد بعمّه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وهو عمّ لعبّاد بن تميم، وقد سبق عن الحافظ أنه اختُلف هل هو عمّه لأبيه أو لأمه؟ وقال ابن الملقّن: هو عمّه من قبل أمه، لا من قبل أبيه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٥/ ٨١٠] (٣٦١)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٣٧ و ١٧٧) و"البيوع" (٢٠٥٦)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٧٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٩٨)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥١٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٤٨ و ٢٤٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن هذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحكَم ببقائها على أصولها، حتى يُتَيَقَّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشكّ الطارئ عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، ولكنهم مختلفون في كيفية استعمالها، مثاله مسألة الباب التي دلّ عليها

стр. 4727

الحديث، وهي أن مَن تيقن الطهارة، وشكّ في الحدث يُحكَم ببقائه على الطهارة، سواء حَصَل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا بالإجماع بين الفقهاء، إلا عن مالك، فله روايتان: إحداهما: أنه يلزمه الوضوء، إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى يلزمه بكل حال، وحُكِيت الأولى عن الحسن البصريّ، وهو وجه شاذّ عند الشافعية، ذكره الرافعيّ، والنوويّ في "الروضة"، وحُكِيت الثانية أيضًا وجهًا للشافعية، وهو غريب، وعن مالك رواية ثالثة، رواها ابن قانع عنه، أنه لا وضوء عليه، كما قاله الجمهور، وحكاها ابن بطال عنه. ونَقَل القاضي، ثم القرطبيّ، عن ابن حبيب المالكيّ أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتَذَر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحلّ منه شيء، بخلاف البول والغائط، ولا يخفى ما فيه، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر، كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا. وأما إذا تيقن الحدث، وشكّ في الطهارة، فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع، وعلى هذا الأصل من شكّ في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع، أو سجد أم لا، أو نَوَى الصوم أو الصلاة، أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. وقالت الشافعية: تُسْتَثنَى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألةً: (منها): من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها، قيل: أو فيها، ومن شك في ترك بعض وضوء، أو صلاة بعد الفراغ، لا أثر له على الأصح. (ومنها): عَشْرٌ ذَكَرهُنّ ابن القاصّ - بتشديد الصاد المهملة المشدّدة - من الشافعية (١): الشكّ في مدة خُفّ، وأنّ إمامه مسافر، أو وَصَل وطنه، أو نوى

стр. 4728

إقامةً، ومسح مستحاضة شُفِيت، وغسل متحيّرة، وثوبٌ خَفِيَت نجاسته، ومسألة الظبية، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جَرَحه فغاب، فوجده ميتًا. قال الققال: لم يَعْمَل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في الأولى الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثالثة، والرابعة إن أوجبناه، والخامسة والسادسة اشتراطُ الطهارة، ولو ظنًّا أو استصحابًا، والسابعة بقاء النجاسة، والثامنة لقوة الظنّ، والتاسعة للشك في شرط التيمم، وهو عدم الماء، وفي الصيد تحريمه، إن قلنا به. قال النوويّ ﵀ في "تحقيقه" بعد أن لخّص المسألة هكذا، وبسطها في "شرح المهذّب": وقولُ ابن القاصّ أقوى في غير الثامنة، والتاسعة، والعاشرة. انتهى. ٢ - (ومنها): ما قالته الشافعية: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجوب الحدث وعدمه، وبين ترجيح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصوليّ، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين، نعم يُستحب الوضوء احتياطًا، فلو بان حدثه أوّلًا، فوجهان أصحهما لا يجزيه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فتوضأ، ثم بان محدثًا، فإنه يجزيه قطعًا، لأن الأصل بقاء الحدث، فلا يضر التردد معه، ولو تيقن الطهارة والحدث معًا، وشك في السابق منهما فأوجه؛ أصحها أنه يأخذ بضدّ ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء مطلقًا. ٣ - (ومنها): ما قال الخطابيّ ﵀: فيه حجة لمن أوجب الحدّ على من وُجِدت منه رائحة المسكر، وإن لم يُشاهَد شربه، ولا شهد عليه الشهود، ولا اعترف به. وتعقّبه العينيّ، بأن الحدود تدرأ بالشبهة والشبهة هنا قائمة. قال الخطابيّ: وفيه دلالة أيضًا على أنه إذا تيقّن النكاح، وشكّ في الطلاق كان على النكاح المتقدّم، إلا إن تيقّن الطلاق. قال ابن الملقّن: وهذا فرد من أفراد القاعدة التي أسلفناها، ويتعلّق بها ما رويناه بالإسناد إلى عبد الرحمن بن مالك بن مغراء، قال: جاء رجلٌ إلى

стр. 4729

أبي حنيفة، فقال: شربت البارحة نبيذًا، فلا أدري أطلّقتُ امرأتي أم لا؟، فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلّقتها، قال: فتركه، ثم جاء سفيان الثوريّ، فسأله، فقال: اذهب فراجعها، فإن كنت طلّقت، فقد راجعتها، وإلا فلا تضرّك المراجعة، فتركه وجاء إلى شريك، فقال له: اذهب فطلّقها ثم راجعها، فتركه، وجاء إلى زفر فسأله، فقال: هل سألت قبلي أحدًا؟، قال: نعم، وقمق عليه القصّةَ، فقال في جواب أبي حنيفة: الصوابَ قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك ضَحِك مليًّا، ثم قال: لأضربنّ لهم مثلًا، رجلٌ مرّ بشِعْب يسيل دمًا، فشكّ في ثوبه هل أصابه نجاسة؟ قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله، فإن كان نجسًا، فقد طهّرته، وإلا فقد زدته طهارةً، وقال شريك: بُلْ عليه، ثم اغسله، ذكره ابن الملقّن (١)، والله أعلم بصحّة القصّة. ٤ - (ومنها): مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل. ٥ - (ومنها): ترك الاستحياء في العلم، وأنه ﷺ كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء واحد صلوات ما لم يحدث. ٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد. ٧ - (ومنها): أن من كان على حال لا ينتقل عنه إلا بوجود خلافه. ٨ - (ومنها): أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبيّ ﷺ جميع ما ينزل بهم. ٩ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته، لا ينقض طهارته (٢)، وفيه نظرٌ؛ لأن الشرع جعل صلاحية طهارة التيقم مغيّاة بوجود الماء، فقد أخرج أبو داود، وغيره بسند صحيح، عن أبي ذرّ ﵁ مرفوعًا: "إن الصعيد الطيِّب طَهُور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك".

стр. 4730

فقد جعل وُجود الماء غاية لصلاحية التيمّم، فيدلّ على أنه ينتقض بوجوده، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠ - (ومنها): ما قاله ابن الملقن ﵀: هذه القاعدة تُعرف في الأصول باستصحاب الحال، وهي من الأدلّة الشرعيّة الثلاثة التي هي: أصلٌ، ومعقول الأصل، واستصحاب حال. ونعني بالأصل: الكتاب، والسنّة، والإجماع، وبمعقول الأصل: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب، على ما تقرّر في الأصول. ونعني باستصحاب حال الأصل البقاء عليه حتى يدلّ دليل على خلافه، وهو على ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإجماع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: مسألة استصحاب الحال قد استوفيتها في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فراجعهما تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١١] (٣٦٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْه، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِد، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
следующие страницы →