← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) عن (٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: "عن ابن عبد الرحمن" هو: سعيد. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ) الفاعل ضمير النضر بن شُميل، وروايته هذه لم أجد من ساقها بتمامها. والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٨] (٣٦٩) - (قَالَ مُسْلِم: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أقبَلْتُ أنا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأنصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْه، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْه، حَتَّى أقبَلَ عَلَى الْجِدَار، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، ثُمَّ رَدَّ ﵇. قال الجامع عفا الله عنه: هذا أول الأحاديث المعلّقة في "صحيح مسلم"، وهي اثنا عشر موضعًا (١)، سننبّه عليها في مواضعها، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في "شرح المقدّمة" في المسألة الثامنة عشرة التي ذكرت فيها رسالة

стр. 4832

الحافظ رشيد الدين العطار التي بيّن فيها هذه المعلّقات أتمّ تبيين، فأجاد وأفاد ﵀ (١). فهذا الحديث هكذا أخرجه الإمام مسلم ﵀ في "صحيحه" هنا معلّقًا، وهو حديث صحيح، ثابت مُتَّصل في "صحيح البخاريّ" وغيره، من حديث الإمام الليث بن سعد بن عبد الرحمن المصري الفقيه، عن جعفر بن ربيعة بن شُرَحبيل المصري، أخرجه الأئمة: البخاري، وأبو داود، والنسائي، في مصنفاتهم، متصلًا من حديثه: فرواه البخاري عن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزوميّ المصريّ عنه، وابن بكير هذا من شرط مسلم، فإنه احتج بحديثه، ورَوَى عن أبي زرعة الرازيّ، وعن غير واحد عنه. ورواه أبو داود (٢)، عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، وعبد الملك هذا من ثقات المصريين، رَوَى عنه مسلم في "صحيحه" عدةَ أحاديث من روايته، عن أبيه، عن جده. ورواه النسائي (٣) عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، والربيع بن سليمان هذا هو المراديّ، صاحب الإمام الشافعي ﵀، مشهور من ثقات المصريين، وأكابرهم، والله تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرَحبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ) الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.

стр. 4833

٤ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس) ويقال: مولى أم الفضل، وهو: عُمير بن عبد الله الهلاليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن مولاته، وعن ابنيها: عبد الله، والفضل، ابني العباس، وأبي جُهَيم بن الحارث بن الصِّمّة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة. ورَوَى عنه الأعرج، وسالم أبو النضر، وإسماعيل بن رَجَاء الزُّبيديّ، وعبد الرحمن بن مِهْران. قال ابن إسحاق: حدثني الأعرج، عن عُمير مولى ابن عباس، وكان ثقةً، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن سعد وغيره: مات بالمدينة سنة أربع ومائة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١) حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٩)، وحديث (١١٢٣): "أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ … "، وأعاده بعده. ٥ - (أَبُو الْجَهْمِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأنصَارِيُّ) هكذا الرواية في مسلم "الجهم" بالتكبير، والصواب أنه بالتصغير، وهو: أبو جُهيم بن الحارث بن الصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم - ابن عمرو بن عَتِيك بن عمرو بن مَبْذُول بن عامر بن مالك بن النخار الأنصاريّ، وقيل في نسبه غير ذلك، وهو ابن أخت أُبَيّ بن كعب، قيل: اسمه عبد الله، وقال أبو حاتم: يقال: أبو جهم بن الحارث بن الصِّمَّة، ويقال: إنه الحارث بن الصِّمَّة. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه بِشْر بن سعيد الحضرميّ، وأخوه مسلم بن سعيد، وعُمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة، وصحح أبو حاتم كون الحارث اسم أبيه، لا اسمه، وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جَهْم، أبو جُهَيم فَرَّق بينه وبين ابن الصِّمَّة، وفي "أُسْد الغابة" عن "الاستيعاب"، و"المعرفة": عبد الله بن جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة … فذكره، جَعَل الحارث جدّه، "وهكذا قاله ابن مندَهْ، وكأنه أراد أن يجمع

стр. 4834

الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم، قاله في "تهذيب التهذيب" (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٦٩)، وحديث (٥٠٧): "لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي … ". [تنبيه]: أبو الْجُهيم هذا هو المشهور أيضًا في حديث المرور بين يدي المصلي، كما أشرنا إليه آنفًا، وهو غير أبي الجهم المذكور في حديث الْخَمِيصة والإنبجانية، ذلك بفتح الجيم، بغير ياء، واسمه عامر بن حُذيفة بن غانم القُرَشيّ الْعَدويّ، من بني عَديّ بن كعب، وسنوضحه في موضعه - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (قَالَ مُسْلِم) يحتمل أن يكون هذا من كلام الراوي عن مسلم، ويَحْتَمل أن يكون من كلام مسلم نفسِهِ. (عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ سَمِعَهُ) الضمير الأول لعبد الرحمن بن هرمز، والثاني لعمير؛ أي سمع عبد الرحمن عُميرًا (يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا) أكّد الضمير المتّصل بالمنفصل؛ ليعطف عليه ما بعده؛ لوجوب الفصل بالضمير، أو بأيّ فاصلٍ، كما قال في "الخلاصة": وإنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أصول "صحيح مسلم"، قال أبو عليّ الغسّانيّ، وجميع المتكلمين على أسانيد مسلم: "قوله: عبد الرحمن" خطأٌ صريحٌ، وصوابه: "عبد الله بن يسار"، وهكذا رواه البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم على الصواب، فقالوا: "عبد الله بن يسار"، قال القاضي عياض: ووقع في روايتنا "صحيح مسلم" من طريق السمرقنديّ، عن الفارسيّ، عن الْجُلُوديّ، عن عبد الله بن يسار، على الصواب، وهم أربعة إخوة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الملك، وعطاء،

стр. 4835

مولى ميمونة، والله أعلم. انتهى (١). (مَوْلَى مَيْمُونَةَ) بنت الحارث ﵁ (زَوْج النَّبِيِّ ﷺ ) بالجرّ على البدليّة من "ميمونة" (حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْمِ) تقدّم آنفًا أن هذا غلطٌ، والصواب أبو جُهيم بالتصغير، وأما أبو الجهم مكبّرًا، فهو صاحب الأنبجانيّة، وهو قرشيّ، وهذا أنصاريّ، ويقال في كلّ منهما بالألف واللام، وبحذفهما، قاله في "الفتح" (٢). وقال النوويّ في "شرحه": وأما أبو الجهم - فبفتح الجيم، وبعدها هاء ساكنة - هكذا هو في مسلم، وهو غلط، وصوابه ما وقع في "صحيح البخاريّ" وغيره: "أبو الجهيم" بضم الجيم، وفتح الهاء وزيادة ياء، هذا هو المشهور في كتب الأسماء، وكذا ذكره مسلم في كتابه في أسماء الرجال، والبخاري في "تاريخه"، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم، وكلّ من ذَكَره من المصنفين في الأسماء والكنى، وغيرهما، واسم أبي الجهيم عبد الله، كذا سماه مسلم في كتاب "الكنى"، وكذا سماه أيضًا غيره، والله أعلم. انتهى (٣). (ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ) بكسر الصاد، وتشديد الميم (الأنصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ) الصواب أبو جُهيم (أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ) أي من الموضع الذي يُعرف بهذا الاسم، وهو موضع معروف بالمدينة، وهو بفتح الجيم والميم، ويقال فيه: "بئر جمل" بالتنكير كما في "الصحيحين"، و"بئر الجمل" بالتعريف، كما عند النسائيّ، وهو موضع قريبٌ من المدينة، فيه مال من أموالها، قاله في "العمدة" (٤). (فَلَقِيَهُ رَجُلٌ) والرجل هو أبو جهيم، كما صَرَّح به الشافعيّ، فقد روى البغويّ في "شرح السنّة" بإسناده عن الشافعيّ، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهيم بن الصِّمَّة، قال: "مررت على النبيّ ﷺ ، وهو يبول، فسلّمتُ عليه، فلم يرُدّ عليّ حتى قام إلى الجدار، فحتّه بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح بها وجهه وذراعيه، ثم ردّ عليّ"، قال: هذا حديث حسنٌ. انتهى.

стр. 4836

قال الجامع عفا الله عنه: في تحسينه نظرٌ؛ في سنده إبراهيم بن محمد، وهو متروك، وأبو الحويرث، متكلّم فيه، وفيه انقطاع بين الأعرج، وأبي جهيم، والصواب عن الأعرج، عن عمير مولى ميمونة، عن أبي جُهيم، راجع "الفتح" (١). (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ ﷺ (فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ) سلامه، ويجوز في دال "يَرُدّ" الحركات الثلاث: الكسر، وهو الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين، والفتح؛ لخفّته، والضمّ لإتباع حركة الراء، أفاده في "العمدة" (٢). (حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ) الألف واللام فيه للعهد الخارجيّ؛ أي جدار هناك. [فإن قلت]: كيف تيمّم النبيّ ﷺ بالجدار بغير إذن مالكه؟. [أجيب]: بأنه محمول على أن هذا الجدار كان مباحًا، أو كان مملوكًا لإنسان يعرفه، ويعرف رضاه بذلك، فأدلّ النبيّ ﷺ عليه، وتيمّم به؛ لعلمه بأن مالكه لا يكره ذلك، ويجوز مثل هذا، والحالة هذه لآحاد الناس، فالنبيّ ﷺ أولى، والله تعالى أعلم (٣). وللدارقطنيّ من طريق ابن إسحاق، عن الأعرج: "حتى وضع يده على الجدار"، وزاد الشافعيّ - كما تقدّم -: "فحتّه بعصاه"، قاله في "الفتح" (٤). قال الجامع: لكن سبق لك أنه بسند ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ) ولفظ البخاريّ: "فمسح بوجهه ويديه"، وللدارقطنيّ من طريق أبي صالح، عن الليث: "فمسح بوجهه، وذراعيه"، وكذا للشافعيّ من رواية أبي الحويرث، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود، لكن خطّأ الحفّاظ رواية رفعه، وصوّبوا وقفه، وقد رواه مالك موقوفًا، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جُهيم أيضًا بلفظ "يديه"، لا "ذراعيه"، فإنها شاذّة مع ما في أبي الحويرث، وأبي صالح من الضعف (٥).

стр. 4837

(ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ) أي على الرجل الْمُسَلِّم (السَّلَامَ) بالنصب على المفعوليّة، وفيه استحباب الطهارة لردّ السلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي جهيم ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٧/ ٨٢٨] (٣٦٩)، و (البخاريّ) في "التيمّم" (٣٣٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٢٩)، و (النسائيّ) فيها (١/ ١٦٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز التيمّم في الحضر، وقال النوويّ في "شرحه": هذا الحديث محمول على أنه ﷺ كان عادمًا للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة، وبين أن يتسع، ولا فرق أيضًا بين صلاة الجنازة والعيد وغيرهما، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما، وحَكَى البغويّ من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلّاها بالتيمم، ثم توضأ وقضاها، والمعروف الأول. انتهى (١). وممن قال بجواز التيمّم في الحضر الإمام البخاريّ ﵀، فقد ترجم في "صحيحه": "باب التيمّم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الوقت"، وكذا الإمام النسائيّ ﵀، فقد ترجم في "سننه": "باب التيمّم في الحضر"، ثم

стр. 4838

أوردا في الباب حديث أبي جهيم هذا، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز التيمّم على الحجر، وهو مذهب الحنفيّة، وهو الصحيح، ووجه الاستدلال أن حيطان المدينة مبنيّة بالحجارة السود، ولا يعترض ذلك بما سبق في رواية الشافعيّ ﵀: "فحتّه بعصاه"؛ لأنها رواية ضعيفة. وقد أجاد العينيّ في الرد على الكرمانيّ، حيث قال: قد ثبت أنه حَتّ الجدار بالعصا، ثم تيمم، فقال العينيّ: قوله: "ثبت أنه حتّ … إلخ " ممنوع؛ لأن حتّ الجدار بالعصا رواه الشافعيّ عن إبراهيم بن محمد، وهو حديث ضعيف، فإن قلت: حسنه البغويّ، قلت: كيف حسّنه، وشيخ الشافعيّ وشيخ شيخه ضعيفان، لا يُحتجّ بهما؟، قاله مالك وغيره، وأيضًا فهو منقطع؛ لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم عُمير كما سبق من رواية البخاري وغيره، ونصّ عليه أيضًا البيهقيّ وغيره، وفيه علة أخرى، وهي زيادة حكّ الجدار، لم يأت بها أحد غير إبراهيم، والحديث رواه جماعة، وليس في حديث أحدهم هذه الزيادة، والزيادة إنما تقبل من ثقة. انتهى، وهو بحث جيّد (١). وقد تقدّم تحقيق المسألة مستوفًى في المسألة الثامنة في شرح حديث عائشة ﵂، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): أنه استدلّ به الطحاويّ: على جواز التيمّم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين، والليث، والأوزاعيّ؛ لأنه ﷺ تيمّم لردّ السلام في الحضر؛ لأجل فوت الردّ، وإن كان ليس شرطًا، ومنع ذلك الشافعيّ وأحمد، وقول الأولين أظهر؛ لهذا الحديث، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز التيمم للنوافل، والفضائل؛ كسجود التلاوة والشكر، ومسّ المصحف، ونحوها، كما يجوز للفرائض، قال النوويّ: وهذا مذهب العلماء كافّةً، إلا وجهًا شاذًّا منكرًا لبعض أصحابنا أنه لا يجوز التيمم إلا للفريضة، وليس هذا الوجه بشيء. انتهى.

стр. 4839

٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي، السلام على من يبول، وأن من سلّم عليه لا يستحقّ جوابًا؛ لأنه ﷺ لم يردّ على الرجل حينما سلّم عليه، وإنما ردّ عليه بعد التيمّم من كريم أخلاق ﷺ ، ويؤيّد ذلك أنه قال في حديث جابر ﵁: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلّم عليّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرُدّ عليك"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز التيمّم في الحضر: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في التيمم في الحضر لغير المريض، وللمريض لا ماء بحضرته، ولو وصل إلى الماء لتوضأ، فقالت طائفة: إذا خاف فوات الصلاة، تيمم وصلى، وحَكَى ابن القاسم عن مالك، أنه سئل عمن في القبائل من أطراف الفُسْطاط، وخَشِي إن توضأ أن تَطلُع الشمس قبل أن يبلغ الماء، قال: يتيمم ويصلي، قال: وقد كان مرة من قوله: في الحضر يعيد إذا توضأ. وسئل الأوزاعي عمن انتَبَهَ من نومته وغفلته وهو جنب، فأشفق إن اغتسل وتوضأ طلعت الشمس، أو غابت؟ قال: يتيمم، ويصلي الصلاة قبيل فوات وقتها، قال الوليد: فذكرت ذلك لإبراهيم بن محمد الفزاريّ، فأخبرني عن سفيان أنه قال: يتيمم ويصلي، قال الوليد: فذكرت ذلك لمالك، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم، فقالوا: بل يغتسل، وإن طلعت عليه الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣]، فهذا واجد للماء، وكان في عذرٍ من نومه وغفلته ونسيانه معذورٌ بها. وحَكَى الوليد ذلك عن الليث، وكان الحسن يقول في مريض بحضرته ماء، وحضرت الصلاة، وليس عنده من يناوله، وخَشِي فوت الوقت، قال: يتيمم، ويصلي. وقال الوليد: ولا أعلم إلا أني سمعت أبا عمرو يقول: إذا لم يجد المقيم ماءً تيمم وصلى، ولا إعادة عليه إلا في الوقت، واحتَجَّ بحديث ابن عمر، أنه أقبل من الْجُرُف، فلما كان بالْمِرْبَد حضرته صلاة العصر، فنزل فتيمم وصلى العصر. قال الجامع عفا الله عنه: لكن قوله: "ولا إعادة عليه إلا في الوقت" فيه

стр. 4840

نظر؛ لأن الإعادة في الوقت مما لا دليل عليه، فقد احتَجّ بفعل ابن عمر ﵁، وابن عمر دخل المدينة، والشمس مرتفعةٌ، فلم يُعِد، كما ذكره البخاريّ في "صحيحه"، وسيأتي قريبًا. قال: وقالت طائفة: لا يجوز للحاضر غير المريض التيمم بحالٍ، فإن فَعَل كانت عليه الإعادة، هذا قول الشافعيّ، وأبي ثور، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: قضيتُ الحاجة في بعض هذه الشِّعَاب، أتمسَّح بالتراب، وأصلي؟ قال: لا. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب التيمّم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوات الوقت"، وبه قال عطاء، وقال الحسن - في المريض عنده الماء، ولا يجد من يُناوله -: يتيمّم، وأقبل ابن عمر من أرضه بالْجُرُف، فحضرت العصر بمِرْبَد النَّعَم، فصلّى - أي بالتيمّم - (٢) ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعةٌ، فلم يُعِد، ثم أورد حديث الباب. انتهى. وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في كتابه "الْمُحَلَّى": ويتيمم من كان من الحضر صحيحًا إذا كان لا يقدر على الماء، إلا بعد خروج وقت الصلاة، ولو أنه على شَفِير البئر، والدلو في يده، أو على شَفِير النهر، والساقية، والعين، إلا أنه يوقن أنه لا يُتِمُّ وضوءه أو غسله حتى يطلع أول قرن الشمس، وكذلك المسجون، والخائف. ثم احتجّ بما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضّلنا على الناس بثلاث"، فذكر فيها: "وجُعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء". وبما أخرجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "فُضِّلتُ على الأنبياء بستّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلت

стр. 4841

لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الناس كافّةً، وخُتم بي النبييون". فهذا عموم دخل فيه الحاضر والبادي. [فإن قيل]: فإن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣]، وقال رسول الله ﷺ : "لا تُقبل صلاة مَن أحدث حتى يتوضأ"، فلم يُبح للجنب أن يقرب الصلاذ حتى يغتسل، أو يتوضأ إلا مسافرًا. [قلنا]: نعم قال الله تعالى هذا، وقال رسول الله ﷺ ما ذكرتم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فكانت هذه الآية زائدةً حكمًا، وواردة بشرع ليس في الآية التي ذكرتم، بل فيها إباحة أن يقرَب الصلاة الجنب دون أن يغتسل، وهو غير عابر سبيل، لكن إذا كان مريضًا لا يجد الماء، أو عليه فيه حرجٌ، وكانت هذه الآية أيضًا زائدةً حكمًا على الخبر الذي لفظه: "لا تُقْبَل صلاة مَن أحدث حتى يتوضأ"، ثم جاء الخبران اللذان ذكرنا بزيادة وعموم على الآيتين والخبرِ المذكورِ، فدخل في هذين الخبربن الصحيحُ المقيمُ إذا لم يجد الماء، وكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فرضٌ جمعُ بعضه إلى بعض، وكله من عند الله تعالى. وقولنا هذا هو قول مالك، وسفيان، والليث. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: لا يتيمم الحاضر، لكن إن لم يقدر على الماء إلا حتى يفوت الوقت، تيمم وصلى، ثم أعاد، ولا بُدّ إذا وجد الماء. وقال زفر: لا يتيمم الصحيح في الحضر البتةَ، وإن خرج الوقت، ولكن يصبر حتى يخرج الوقت، ويجد الماء، فيصلي حينئذ. قال أبو محمد: أما قول أبي حنيفة، والشافعيّ فظاهر الفساد؛ لأنه لا يخلو أمرهما له بالتيمم والصلاة من أن يكونا أمراه بصلاة، هي فرض الله تعالى عليه، أو بصلاة لم يفرضها الله تعالى عليه، ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن قال مقلِّدُهما أمراه بصلاة هي فرض عليه، قلنا: فَلِمَ يعيدها بعد الوقت إن كان قد أدّى فرضه؟ وإن قالوا: بل أمراه بصلاة، ليست فرضًا عليه، أَقَرّا بأنهما ألزماه ما لا يلزمه، وهذا خطأ.

стр. 4842

وأما قول زفر فخطأ؛ لأنه أسقط فرض الله تعالى في الصلاة في الوقت الذي أمر الله تعالى بأدائها فيه، وألزمه إياها في الوقت الذي حَرَّم الله تعالى تأخيرها إليه. قال أبو محمد: والصلاة فرض مُعَلَّق بوقتط محدود، والتأكيد فيها أعظم من أن يجهله مسلم، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم"، فوجدنا هذا الذي حضرته الصلاة هو مأمور بالوضوء وبالغسل، إن كان جنبًا، وبالصلاة، فإذا عجز عن الغسل والوضوء سقطا عنه، وقد نَصّ ﵇ على أن الأرض طهور إذا لم يجد الماء، وهو غير قادر عليه، فهو غير باقٍ عليه، وهو قادر على الصلاة، فهي باقية عليه، وهذا بَيِّنٌ، والحمد لله رب العالمين. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه أبو محمد ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ. والحاصل أن المذهب الراجح هو مذهب من قال بجواز التيمّم لمن كان في الحضر إذا فقد الماء، وخاف فوت الوقت، أو تعذّر عليه استعماله؛ لمرض، أو غيره، ثم إنه لا قضاء عليه لتلك الصلاة التي صلاها بذلك التيمّم؛ لسقوط الفرض عنه، حيث قام بأداء ما فرض الله عليه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٩] (٣٧٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في هذا الباب. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.

стр. 4843

٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤. ٥ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى الضحّاك بن عثمان، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، من الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ (أَنَّ رَجُلًا) يحتمل أن يكون أبا جُهيم المذكور في الحديث الماضي، فقد أخرجه البغويّ في "شرح السنّة" من حديث أبي جهيم بن الصمّة، قال: "مررت على النبيّ ﷺ وهو يبول، فسلّمت عليه، فلم يردّ عليّ … " الحديث، ولكن تقدّم أنه ضعيف، فيه ثلاث علل. ويَحْتَمل أن يكون هو المهاجرَ بن قُنفُذ ﵁، فقد أخرج أبو داود في "سننه" عنه أنه أَتَى النبيّ ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يَرُدّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كَرِهت أن أذكر الله إلا على طهر"، أو قال: "على طهارة"، وهو حديث صحيح.

стр. 4844

(مَرَّ) أي اجتاز عليه، يقال: مرّ به مرًّا، ومُرُورًا، ويتعدّى بنفسه، كما قال ابن الأعرابيّ، ومنه قول الشاعر [من الوافر]: تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا … كَلَامُكُمُ عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "مَرّ"، والرابط الواو؛ لأن الجملة الاسميّة تُربط بالواو، كما تربط بالضمير، قال في "الخلاصة": وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بهِمَا أي والحال أنه ﷺ يبول (فَسَلَّمَ) ذلك الرجل عليه ﷺ (فَلَمْ يَرُدَّ) النبيّ ﷺ (عَلَيْهِ) أي على الرجل سلامه. ثم إنه يَحْتَمل أنه أخّر الردّ حتى يتطهّر؛ لتعظيم اسم الله تعالى، ويؤيّد هذا ما سبق في رواية أبي داود: "ثم اعتذر إليه، فقال: إني كَرِهت أن أذكر الله إلا على طهر". وَيحْتَمِلُ أنه تركه تأديبًا له، ويؤيّده ما أخرجه ابن ماجه في "سننه" من طريق عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلًا مَرّ على النبيّ ﷺ وهو يبول، فسَلَّم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة، فلا تُسَلِّم عليّ، فإنك إن فعلت ذلك، لم أَرُدَّ عليك"، وفي سنده عبد الله بن محمد بن عَقِيل، متكلّم فيه (١). وقال السنديّ ﵀: ويحتمل أنه ترك الردّ أحيانًا، وأخّره أحيانًا على حسب اختلاف الناس في التأديب وغيره. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٨٢٩] (٣٧٠)، و (أبو داود) في "الطهارة"

стр. 4845

(١٦)، و (الترمذيّ) فيها (٩٠)، و (النسائيّ) فيها (١/ ٣٥ - ٣٦)، و (ابن ماجه) فيها (٣٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٧٢ و ٥٧٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٨١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أنه يُستفاد من مجموع أحاديث الباب كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبًا بحسب الأصل؛ كردّ السلام، وأن الْمُسَلِّم في هذا الحالة لا يستحق جوابًا، وأما ردّه ﷺ بعد ذلك، فمن مكارم أخلاقه ﷺ ، ولذلك نَهَى الرجل عن السلام عليه في مثل تلك الحال، وأنه إن سلّم عليه، فإنه لا يردّ عليه، كما تقدّم في رواية ابن ماجه. قال النوويّ ﵀: وهذا مُتّفَقٌ عليه، قال أصحابنا: ويكره أن يُسَلِّم على المشتغل بقضاء حاجة: البول، والغائط، فإن سُلِّم عليه كُرِه له ردُّ السلام، قالوا: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، قالوا: فلا يُسَبِّح، ولا يُهَلِّل، ولا يرُدّ السلام، ولا يُشَمِّت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عَطَس، ولا يقول مثل ما يقول المؤذن، قالوا: وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع، وإذا عَطَس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه، وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر في حال البول والجماع، هو كراهة تنزيه، لا تحريم، فلا إثم على فاعله، وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة، بأيّ نوع كان من أنواع الكلام، ويُسْتَثنى من هذا كله موضع الضرورة، كما إذا رأى ضريرًا يكاد أن يقع في بئر، أو رأى حيةً، أو عقربًا، أو غير ذلك يقصد إنسانًا، أو نحو ذلك، فإن الكلام في هذه المواضع ليس بمكروه، بل هو واجب، وهذا الذي ذكرناه من الكراهة في حال الاختيار هو مذهبنا، ومذهب الأكثرين، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس، وعطاء، وسعيد الجهنيّ، وعكرمة ﵃، وحُكِي عن إبراهيم النخعيّ، وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس به، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 4846

(٢٨) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٠] (٣٧١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ (١) - قَالَ: حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (٢)، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنهُ لَقِيَهُ النَّبِيَّ ﷺ (٣) فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَة، وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ، فَذَهَبَ، فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ (٤): "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَقِيتَني، وَأنا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سُبْحَانَ الله، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيَدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٥ - (حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) هو: حُميد بن أبي حُميد الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، اختُلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقةٌ عابدٌ يُدلّس [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) وهو يصلّي عن (٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.

стр. 4847

٦ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المزنيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ ثبت جليلٌ [٥] (١) (ت ١٠٦) (خت م ٤) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٢. ٧ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيعٌ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في "شَرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ مات سنة (٥٧ أو ٥٨ أو ٥٩) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُدَاسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل، وفيه التحديث والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم نيسابوريّ، والثاني كوفيّ، وأبو هريرة مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا" قال النوويّ ﵀: هذا قد يلتبس على بعض الناس، وليس فيه ما يوجب اللبس على من له أدنى اشتغال بهذا الفنّ، فإن غاية ما فيه أنه قدّم "حميد"، وكان هو الفاعل على الفعل، وهو "حدّثنا"، والغالب أنهم يقولون: "حدّثنا حميد"، فيجعلونه من باب الفعل والفاعل، فقال هو: "حميدٌ حدّثنا"، فجعله من باب المبتدأ والخبر، فـ"حُميدٌ" مبتد أ، وجملة "حدّثنا" خبره. والحاصل أنه لا فرق بين تقديمه وتأخيره من حيث أصل المعنى؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: حميدٌ، عن بكر، عن أبي رافع.

стр. 4848

٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيل، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي رَافِعٍ) هكذا في بعض نسخ "صحيح مسلم"، كما نبّه عليه الحافظ في "النكت الظراف"، وهو الصواب، ووقع في مُعظم النسخ: "عن حميد الطويل، عن أبي رافع"، قال النوويّ في "شرحه": هكذا هو في "صحيح مسلم"، في جميع النسخ (١)، قال القاضي عياض: قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: هذا الإسناد منقطع، إنما يرويه حميدٌ، عن بكر بن عبد الله الْمُزنيّ، عن أبي رافع، هكذا أخرجه البخاريّ، وأبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده"، وهذا كلام القاضي عن المازريّ، وكما أخرجه البخاريّ، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، كذلك أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم من الأئمة، ولا يقدح هذا في أصل متن الحديث، فإن المتن ثابت على كل حال من رواية أبي هريرة، ومن رواية حذيفة ﵄، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: تسمية هذا منقطعًا غير صحيح؛ لأن هذا مما سقط سهوًا من النّسّاخ، إما من مسلم، وهو بعيد، وإما ممن رواه عنه، وهو الأقرب، ولا شكّ في ذلك؛ لأن المنقطع إنما يكون قصدًا، كالمرسل وغيره، فهو من مقصود الراوي، لا من تصرّف النسّاخ. ويدلّ على كون الإسقاط من المصنّف، أو ممن بعده أمور: [الأول]: أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة أخرجه في "مصنّفه" (١/ ١٥٩) عن ابن عليّة، عن حُميد، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، وكذلك رواه ابن ماجه في "سننه" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن عليّة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله … إلخ. [الثاني]: أن أبا نعيم أخرجه في "مستخرجه" على "صحيح مسلم" (١/

стр. 4849

٤٠٥ - ٤٠٦) بذكر بكر (١)، ثم ذكر أن مسلمًا رواه عن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر، عن إسماعيل ابن علية، جميعًا، عن حميد. انتهى، ولم يُشِر إلى سقوط بكر من السند، فلو كان ساقطًا من سند المصنّف لنبّه عليه، كعادته. [الثالث]: أن أبا عوانة أخرجه في "مسنده" الذي هو مُستخرَج على "صحيح مسلم" أيضًا، فقال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا مسدّدٌ، ثنا بشر بن المفضّل، قال: ثنا حميد الطويل، قال: حدّثني بكر بن عبد الله، عن أبي رافع … إلخ، ولم يُشِر إلى سقوط شيء من السند. [الرابع]: أن الحافظ ابن حجر - وهو حَذَام الحفّاظ المحقّقين، ورأس المتقنين فيما ينقله، ويكتبه - كتب في "النكت الظراف على الأطراف" (١٠/ ٣٨٥)، ما نصّه: سقط "بكر بن عبد الله" في السند عند مسلم في أكثر النسخ من مسلم، وثبت في بعضها من رواية بعض المغاربة، وكذا هي عندي بخطّ أبي الحسن المراديّ الراوي عن الْفَرَاوِيّ. انتهى كلام الحافظ في "نكته" ﵀. [الخامس]: أن أبا مسعود الدمشقيّ، وخَلَفًا الواسطيّ ذكرا أن مسلمًا أخرجه أيضًا كذلك؛ أي بذكر بكر بن عبد الله بين حميد، وأبي رافع، ذكر هذا ابن الملقّن في "شرح العمدة" (٢). قال الجامع: فقد تبيَّن بما ذُكر أن هذا السند متّصلٌ، وليس فيه انقطاع من حيث الصناعة الحديثيّة، وإنما فيه إسقاط راو منه سهوًا، والظاهر أنه ممن بعد المصنّف؛ لما ذكرته من الأدلّة التي تقتضي أن مسلمًا رواه متّصلًا كما رواه البخاريّ، وأصحاب السنن الأربعة، وأحمد بن حنبل في "مسنده"، وغيرهم، بل ثبت في كتاب شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأثبته صاحبا المستخرجين على كتابه: أبو عوانة، وأبو نعيم، دون تنبيه على أي سقوط من مسلم.

стр. 4850

وبناء على ما صحّ في بعض النسخ أثبتّه هنا مخالفًا أكثر النسخ؛ لكونه سقط منها غلطًا؛ فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيَّ ﷺ ) بالرفع على الفاعليّة، ووقع في بعض النسخ: "أنه لقي النبيّ ﷺ "، فيكون منصوبًا على المفعوليّة (فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَة، وَهُوَ جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال. [تنبيه]: نقل ابن الملقّن في "شرح العمدة": قال الترمذيّ الحكيم في "علَقَةً": سُمّيت جنابةً؛ لأن ماء الرجل من ظهره، فإذا وصل إلى رحم المرأة، نزل الماء من ترائبها، يخرج من بين الصلب: يعني فَقَارَ الظهر، والترائب: يعني الصدر والثديين، فيختلط الماءان، فإن قضى الله من ذلك ولدًا جَمَد، وصار عَلَقَةً … إلى آخر ما أخبر الله تعالى، وإلّا غَلَب ماءُ الرجل ماء المرأة، فذهب كأنه لم يكن، وأكثر ما يكون ذلك من البرودة، وأما ما يصير به ولدًا، فيستوي الماءان في الرحم، وينزل ماء المرأة من ترائبها إلى بين جنبيها، ولو نزل ماؤها من ظهرها خرج لها شعر في وجهها كما يخرُج من الرجال، وأما الذي ينزل من المرأة من ترائبها الذي بين جنبيها، فإن كان ما ينزل من الجنب الأيمن أكثر وأغلب كان سعيدًا، واسع الرزق، حكيمًا يُشبه بالصفة أباه في اللون وغيره من الجسد، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيمن أغلظ من الذي ينزل من الجانب الأيسر، كان الولد عامًا حكيمًا وسطًا في أمر الدنيا، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلب وأكثر، كان الولد شقيًّا موسّعًا عليه في الدنيا، وربما كان كافرًا، يشبه في الصفة واللون وغير ذلك في جسده أخواله، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلظ، كان الولد فاسقًا فاجرًا زانيًا فاحشًا متفحّشًا مقَتَّرًا عليه في الدنيا، يُروى ذلك عن عليّ ﵁. فمن ذلك سُمّيت الجنابة جنابةً؛ لأن ماء الرجل إذا وصل إلى رحم المرأة نزل ماؤها إلى بين جنبيها، فيجتمع ثم ينزل إلى الرحم، ثم يَلحق بماء الرجل، قال: وقد قيل أيضًا: إنما سُمّيت الجنابة جنابةً؛ لقول حوّاء لَمّا جامعها آدم: وجدتُ لذّة ذلك بين جنبيّ إلى أن استقرّ ذلك فيّ. انتهى (١).

стр. 4851

قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذه الحكاية من النكارة، والظاهر أنها من الإسرائيليّات، ولا يثبت عن عليّ ﵁ ولا عن غيره، وإنما نقلته للتنبيه عليه، والذي صحّ لدينا مما في "الصحيحين" وغيرهما قوله ﷺ : "وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نَزَع الولدَ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد"، لفظ البخاريّ، وفي لفظ لمسلم: "إذا علا ماؤها ماء الرجل، أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه"، ونحو ذلك، لا كما ذكره الترمذيّ الحكيم بسياقه الغريب، فلا تغترّ به، والله تعالى الهادي سواءَ السبيل. (فَانْسَلَّ) أي ذهب عن النبيّ ﷺ في خُفْية، قال في "اللسان": الانسلال: الْمُضيّ، والخروج من مَضِيق، أو زِحَامٍ، وانسَلَّ، وتسلَّل: انطلق في استخفاء، ويقال: انْسَل فلانٌ من بين القوم يَعْدُو: إذا خرج في خُفْيةٍ يَعْدُو. انتهى باختصار وتصرّف (١). ووقع عند البخاريّ: "فانخنست منه"، والانخناس: الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك المعنى. يقال: خَنَسَ يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، ومن الأول: "إذا ذَكَر الله خَنَسَ، وإذا غَفَلَ وسوس" (٢)، ومن الثاني: "وخَنَسَ إبهامه" (٣)، أي قبضها. وقيل: إنه يقال: أخنسه في المتعدّي، حكاه صاحب "مجمع البحرين" (٤). وقد رويت هذه اللفظة: "فانبجست منه" بالجيم، من الانبجاس، وهو

стр. 4852

الاندفاع: أي اندفعتُ عنه، ويؤيّده قوله في حديث آخر: "فانسللت منه"، ورُوي أيضًا: "فانبخست منه"، من البخس، وهو النقص، وقد استُبْعِدت هذه الرواية، ووُجّهت على بُعدها بأنه اعتَقَد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسته ﷺ ، أو مصاحبته مع اعتقاد نجاسة نفسه، هذا أو معناه، قاله ابن دقيق العيد ﵀ (١). وقوله: (فَذَهَبَ) عطف تفسير و "انسلّ" (فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ) أي طلبه ليجالسه، ويُحادثه، وفي رواية النسائيّ: "ففقده النبيّ ﷺ "، ومعناه: عَدِمه، يقال: فَقَدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفُقْدانًا بالكسر والضمّ: عَدِمْتُهُ، فهو فَقِيد، ومفقودٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طلبته، أفاده في "المصباح" بزيادة عليه (٢). والمعنى: أنه ﷺ لم يجد أبا هريرة ﵁ بعدما أبصره عنده؛ لكونه ذهب يغتسل عن جنابته؛ لاعتقاده أنه نَجَسٌ بسببها، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا جَاءَهُ) أي جاء أبو هريرة النبيّ ﷺ من المكان الذي يغتسل فيه، وفي نسخة: "فلما جاء" (قَالَ) ﷺ مستفهمًا له عن سبب تغيّبه عن حضرته الشريفة ("أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَقِيتَيي) بكسر القاف: أي صادفتني، يقال: لَقِيته ألقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا بالضمّ، والأصلُ على فُعُول، فاجتمعت الواو والياء، فقُلبت الواو ياءً، ثمّ أُدغمت في الياء، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً - بالكسر مع المدّ والقصر -، وكلُّ شيء استَقْبَل شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيه، ومنه لقاءُ البيت: وهو استقباله. انتهى من "المصباح" بإيضاح (٣). (وَأنا جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَكَرِهْتُ) بكسر الراء، يقال: كَرِهته، من باب تَحِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروه (٤). (أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة (أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ) وللبخاريّ: "وأنا على غير طهارة"، وإنما كره أبو هريرة ﵁ مجالسته على تلك الحالة؛ لأنه ﷺ كان إذا لَقِيَ أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له، فقد

стр. 4853

أخرج النسائيّ عن حذيفة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا لَقِيَ الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له … " الحديث. فظنّ أنه سيفعل به ذلك، وهو على غير طهارة في ظنّه. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سُبْحَانَ اللهِ) المراد به التعجّب من كون أبي هريرة اعتقد نجاسة نفسه بسبب الجنابة، وهذه اللفظة من المصادر الملازمة للنصب؛ كمعاذَ الله، وغُفْرانك، وشبههما، مما هو منصوب بفعل مقدّر، لا يجوز إظهاره. ومعناه تنزيه الله، وبراءته عن النقصان الذي لا يليق بجلاله وكماله. ويُستعمل مفردًا ومضافًا، فإذا أُفرد فمنهم من يُنوّنه، ومنهم من لا ينوّنه، فمن الأول قوله [من البسيط]: سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا أُسَبِّحُهُ … وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ ومن الثاني قوله: أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ فمن ترك تنوينه جعله عَلَمًا، فمنعه من الصرف؛ للعلميّة وزيادة الألف والنون، ومَن نوّنه جعله نكرةً، وقيل: بل صرفه للضرورة، وأبعد من قال: إنه مقطوع عن الإضافة، ذكره ابن الملقن ﵀ (١). (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) يقال: نَجِسَ الشيءُ - بالكسر - يَنْجَسُ - بالفتح - ونَجُسَ - بالضمّ - يَنْجُسُ، قاله القرطبيّ. وقال النوويّ ﵀: يقال: بضمّ الجيم وفتحها لغتان، وفي ماضيه لغتان، نَجِسَ ونَجُسَ، بكسر الجيم وضمّها، فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع، ومَن ضمّها في الماضي ضمّها في المضارع أيضًا، هذا قياس مطّرِدٌ عند أهل العربيّة إلا أحرفًا مستثناةً من المكسور. انتهى (٢). قال القرافيّ: وحقيقة النجاسة أنها عبارةٌ عن تحريم ملابسة المستقذرات، فهي حكم شرعيّ، راجع إلى الأحكام الخمسة، وهي التحريم، والاستقذار هو

стр. 4854

التنجيس عملًا بالمناسبة. انتهى (١). والمعنى هنا: إن المؤمن لا تصير ذاته نَجِسة بسبب هذا الحدث الذي حَلَّ في بدنه؛ لأنه وصفٌ حكميّ رَتَّبه الشارع على البدن، ولا يتأثّر به بدن المؤمن أكثر من الحكم عليه بالمنع مما تَمنع الجنابة منه شرعًا، فالمجالسة والمماسّة لا تدخل في جملة ما مُنِعَ لها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائلُ تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٨٣٠] (٣٧١)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٨٣ و ٢٨٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٣١)، و (الترمذيّ) فيها (١٢١)، و (النسائيّ) فيها (١/ ١٤٥)، و (ابن ماجه) فيها (٥٣٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٥ و ٣٨٢ و ٤٧١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٥٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٨٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨١٦ و ٨١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن بدن المسلم لا ينجس بحال من الأحوال، سواء كان جنبًا أو محدثًا، حيًّا أو ميتًا، وإن تنجّس بدنه أو بعض منه، فهي نجاسة عارضة تزول عنه، وكذا سؤره، وعَرَقُهُ، ولُعَابه، ودمعه. ٢ - (ومنها): بيان جواز مماسّة الجنب، ومجالسته. ٣ - (ومنها): أن ابن حزم استدلّ بمفهومه على نجاسة الكافر، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.

стр. 4855

٤ - (ومنها): استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة؛ لأن محلّ إنكاره ﷺ على أبي هريرة ﵁ قوله: "وأنا على طهارة"، لا قوله: "فكرهت أن أجالسك". ٥ - (ومنها): استحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات. وقد استحبّ العلماء لطالب العلم أن يُحَسِّن حاله في حال مجالسة شيخه، فيكون متطهرًا متنظفًا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقَصِّ الأظفار، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة، وغير ذلك، فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء، قاله النوويّ ﵀ (١). ٦ - (ومنها): أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يَخاف عليه فيه خلاف الصواب، سأله عنه، وإن لم يسأله، وبيّن له صوابه، وأوضح له حكمه. ٧ - (ومنها): استحباب استئذان التابع للمتبوع، إذا أراد أن يفارقه؛ لقوله ﷺ : "أين كنت؟ "، فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن لا يفارقه حتى يعلمه. ٨ - (ومنها): جواز تأخير الجنب الاغتسالَ عن أول وقت وجوبه، وأن له أن ينصرف في حوائجه، وأموره قبل الاغتسال. ٩ - (ومنها): جواز التعجّب بـ "سبحان الله"، وأن ذلك لا يُعدّ سوء أدب مع التنزيه، وكأن في المعنى تذكيرًا لمن تُعُجّب من فعله المخالف بالرجوع إلى الله تعالى، وتنزيهه (٢). ١٥ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ استدل به في "صحيحه" على طهارة عَرَق الجنب؛ لأن بدنه لا ينجس بالجنابة، فكذلك ما تَحَلَّب منه، وعلى جواز تصرُّف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل. ١١ - (ومنها): أن الإمام ابن حبان ﵀ بَوَّبَ عليه في "صحيحه"، فقال: "الردُّ على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر، فنَوَى الاغتسال أن ماء البئر

стр. 4856

ينجس" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، وهل الكافر نجسٌ أم لا؟: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، فأما الحيّ فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه، وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين، قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه، فإن فيه وجهين بناءً على رطوبة الفرج. هذا حكم المسلم الحيّ. وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعيّ فيه قولان: الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غُسِل، ولقوله ﷺ : "إن المسلم لا ينجس"، وذكر البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عباس تعليقًا: "المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا"، هذا حكم المسلم. وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير من السلف والخلف، وأما قول الله ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد نجاسة الاعتقاد، والاستقذارُ، وليس المراد أن أعضاءهم نجسةٌ كنجاسة البول والغائط ونحوهما، فماذا ثبتت طهارة الآدميّ مسلمًا كان أو كافرًا، فعَرَقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان مُحدِثًا، أو جنبًا، أو حائضًا أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "بإجماع المسلمين" فيه نظر؛ لأن مذهب الظاهريّة نجاسة عين الكافر، فتنبّه. قال: وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة، حتى تُتَيَقَّن النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائع، إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).

стр. 4857

وقال أبو محمد بن حزم ﵀: إن الكافر نجس العين، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفّظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار. وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء الكتاب، ومعلوم أن عَرَقَهنّ لا يَسلَم منه مَن يُضاجعهنّ، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابيّة إلا مثلُ ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدلّ على أن الآدميّ الحيّ ليس بنجس العين؛ إذ لا فرق بين النساء والرجال، وأغرب القرطبيّ في "الجنائز" من "شرح مسلم"، فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعيّ، قاله في "الفتح" (١). وقال الصنعانيّ ﵀: ذهب قوم إلى أنه ينجس بالموت، ويطهر بالغسل، وآخرون إلى أنه لا يطهّره الغسل، بل الغسل مجرّد تعبّد، وآخرون إلى أنه لا ينجس بالموت، بل هو طاهر، وهذا الأخير أظهر الأقوال، وألصقها بالصواب؛ لعدم الأدلّة على خلافه، إلا عمومات تحريم أكل الميتة، ولا ملازمة بين تحريم الأكل والنجاسة، فإنه يحرم أكله حيًّا، وهو طاهر الذات اتّفاقًا، والأصل بقاؤه بعد الموت على ما كان عليه قبله. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الآدميّ طاهر مطلقًا، مسلمًا كان، أو كافرًا هو الحقّ؛ للأدلّة التي تقدّمت، وأقواها جواز نكاح الكتابيّات، وجواز أكل طعامهم، وربط النبيّ ﷺ ثُمامة بن أُثال الحنفيّ في مسجد حين أُسِر، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب دخول المشرك المسجدَ"، فأورد حديث أبي هريرة ﵁: "بَعَثَ رسول الله ﷺ خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثُمامة بن أُثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد"، متّفقٌ عليه. ففيه دلالة واضحة على طهارته؛ إذ لو كان نجسًا لما أدخله المسجد، ولَأمَر الصحابة الذين ربطوه بغسل أعضائهم لمسّه.

стр. 4858

وأما آية ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فمحمولة على نجاسة الاعتقاد، كما تقدّم آنفًا؛ توفيقًا بين الأدلّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣١] (٣٧٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ لَقِيَهُ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَحَادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، قَالَ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ الحافظ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهَير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٥ - (وَاصِل) بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بيّاع السابريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٩. ٦ - (أَبُو وَائِل) شقيق بن سلمة المذكور في الباب الماضي. ٧ - (حُذَيْفَة) بن اليمان، واسمه حِسْل، أو حُسَيل الْعَبْسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا أن حذيفة ﵁ كان معظم مقامه بالمدائن.

стр. 4859

وقوله: (فَحَادَ عَنْهُ) أي مال، وعدل، يقال: حاد عن الشيء يَحِيد حَيْدَةً وحُيُودًا: تَنَحَّى، وبَعُدَ، ويتعدّى بالحرف والهمزة، فيقال: حِدتُ به، وأحدته، مثلُ: ذهب، وذهبت به، وأذهبته، قاله في "المصباح" (١). والمعنى: أن حذيفة ﵁ مال عن طريق النبيّ ﷺ ؛ لئلا يصافحه على عادته ﷺ ، كما بينته رواية النسائيّ، فقد أخرج الحديث من طريق أبي بردة، عن حذيفة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا لَقِيَ الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له، قال: فرأيته يومًا بُكْرَةً، فَحِدتُ عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: "إني رأيتك، فَحِدت عنّي"، فقلت: إني كنت جنبًا، فخَشِيت أن تَمَسَّني، فقال رسول الله ﷺ : "إن المسلم لا ينجس"، وتمام شرح الحديث يُعلم مما قبله. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٨٣١] (٣٧٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٣٠)، و (النسائيّ) فيها (١/ ١٤٥)، و (ابن ماجه) فيها (٥٣٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٥٨ و ١٣٦٩ و ١٣٧٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٧٥ و ٧٧٦ و ٧٧٧ و ٧٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨١٨ و ٨١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فِي حَالِ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٢] (٣٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ").

стр. 4860

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ الملقّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت بعد ٢٢٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢١. ٣ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. ٤ - (أَبُوهُ) هو: زكريّا بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩. ٥ - (خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو الْمِقْسَم الكوفيّ، مدنيّ الأصل المعروف بالفأفاء، ثقةٌ (١) [٥]. رَوَى عن عبد الله الْبَهِيّ، وعيسى، وموسى ابني طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن المسيِّب، وأبي بردة بن أبي موسى، والشعبيّ، وغيرهم. ورَوى عنه أولاده: عكرمة، ومحمد، وعبد الرحمن، والسفيانان، وشعبة، ومِسْعَر، وزائدة، وزكرياء بن أبي زائدة، وابنه يحيى بن زكريا، وحماد بن زيد، وغيرهم، وحَدَّث عنه عمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهما أكبر منه. قال البخاريّ عن ابن المدينيّ: له نحو عشرة أحاديث، وقال أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ: ثقة، وكذا قال ابن عمار، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال ابن عديّ: هو في عداد من يُجْمَع حديثه، ولا أرى بروايته بأسًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: هَرَب من الكوفة إلى واسط لَمّا ظهرت دعوة بني العباس، فقُتِل مع

стр. 4861

ابن هُبَيرة، وقال محمد بن حميد، عن جرير: كان الفأفاء رأسًا في المرجئة، وكان يُبغِض عليًّا (١)، وقال يعقوب بن شيبة: يقال: إن بعض الخلفاء قَطَع لسانه ثم قتله، ذكره علي بن المديني يومًا فقال: قُتِل مظلومًا، وقال أبو داود، عن الحسن بن عليّ الخلال: سمعت يزيد بن هارون يقول: دَخَلت الْمُسَوِّدة واسط سنة (١٣٢) فنادى مناديهم بواسط: الناس آمنون إلا ثلاثة: العَوّام بن حَوْشَب، وعُمَر بن ذَرّ، وخالد بن سلمة المخزوميّ، فأما خالد فقُتل، وأما العَوّام فهَرَب، وكان يُحَرِّض على قتالهم، وكان عُمر بن ذَرّ يقُصّ بهم، ويُحَرِّض على قتالهم عندنا بواسط. أخرج له البخاريُّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (الْبَهِيُّ) - بفتح الموحّدة، وكسر الهاء، وتشديد التحتانيّة - اسمه عبد الله، ويقال: اسم أبيه يسار، أبو محمد الكوفيّ، مولى مُصعَب بن الزبير، صدوقٌ يُخطئ [٣]. رَوَى عن عائشة، وفاطمة بنت قيس، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد خير الْهَمْدانيّ، وأبي عبد الله الصُّنَابحيّ، وعروة. وروى عنه خالد بن سلمة، وأبو إسحاق السبيعيّ، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل السُّدّيّ، والعباس بن ذُريح، ووائل بن داود، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً معروفًا بالحديث، وقال أحمد في حديث زائدة، عن السُّديّ، عن الْبَهِيّ، حدثتني عائشة: كان عبد الرحمن بن مهديّ قد سمعه من زائدة، وكان يَدَع منه "حدثتني عائشة"، وينكره؛ يعني ينكر لفظة "حدثتني"، قال أحمد: والبهيّ سمع عائشة، ما أرى هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: لا يُحْتَجُّ بالبهيّ، وهو مضطرب الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة.

стр. 4862

و"عُرْوَةُ" بن الزبير، و"عائشة" تقدّما قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى البهيّ، غير شيخه إبراهيم، فرازيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: خالد، عن البهيّ، عن عروة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي كلّ أوقاته، فـ"على" بمعنى "في"، و"الأحيان" بالفتح جمع حين، وهو الوقت، قال الفيّوميّ ﵀: "الحين": الزمان قَلَّ أو كَثُر، والجمع أحيان، قال الفرّاء: الحين حِينان: حينٌ لا يُوقَف على حدّه، والحين الذي في قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] ستة أشهر، قال أبو حاتم: وغَلِطَ كثيرٌ من العلماء، فجعلوا "حين" بمعنى "حيثُ"، والصواب أن يقال: "حيثُ" بالثاء المثلّثة ظرف مكان، و"حينٌ" بالنون ظرف زمان، فيقال: قُمتُ حيثُ قمتَ؛ أي في الموضع الذي قُمت فيه، واذهب حيثُ شِئتَ؛ أي إلى أيّ موضع شئتَ، وأما حين بالنون، فيقال: قمتُ حين قمتَ: أي في ذلك الوقت، ولا يقال: حيثُ خرج الحاجّ بالثاء المثلّثة. وضابطه أن كلَّ موضع حَسُنَ فيه "أينَ"، و"أيٌّ" اختَصّ به حيثُ بالثاء، وكلُّ موضع حسُن فيه "إذا"، و"لَمّا" و"يومٌ"، و"وقت"، وشبهه اختَصَّ به "حينٌ " بالنون. انتهى (١). قال النوويّ ﵀: هذا الحديث أصلٌ في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فالجمهور على

стр. 4863

تحريم القراءة عليهما جميعًا، ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية، فإن الجميع يَحْرُم، ولو قال الجنب: "بسم الله"، أو "الحمد لله"، ونحو ذلك إن قَصَد به القرآن حَرُم عليه، وإن قَصَد به الذكر أو لم يَقصِد شيئًا، لم يحرُم، ويجوز للجنب والحائض أن يُجريا القرآن على قلوبهما، وأن ينظرا في المصحف، ويستحب لهما إذا أرادا الاغتسال أن يقولا: "بسم الله" على قصد الذكر. قال الجامع عفا الله عنه: مسألة قراءة القرآن للجنب والحائض قد حقّقته في "شرح النسائيّ"، ورجّحت الجواز، وهو مذهب ابن عبّاس، وعكرمة، وسعيد بن المسيّب، والبخاريّ، والطبريّ، وابن المنذر، وحجتهم حديث عائشة ﵂ هذا، وحجة من منع - وهم الجمهور - أحاديث كلها ضعيفة، وقد استوفيت بيانها هناك، فراجعه تستفد علمًا جمًّا (١)، والله تعالى أعلم. قال: (واعلم): أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط، وفي حالة الجماع، وقد قدمنا بيان هذا قريبًا في آخر "باب التيمم"، وبيّنا الحالة التي تُسْتَثنى منه، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في كراهته، فعلى قول الجمهور أنه مكروه يكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذه الأحوال، ويكون معظم المقصود أنه ﷺ كان يذكر الله تعالى متطهرًا، ومحدثًا، وجنبًا، وقائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وماشيًا. انتهى كلام النوويّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: قال الحافظ ابن عبد الهادي المقدسيّ في تعليقه على "علل ابن أبي حاتم": قال الحافظ أبو أحمد بن عديّ ﵀ في "كتابه "الكامل" في ترجمة خالد بن سلمة الفأفاء: حدّثنا أبو عروبة، ثنا أبو كريب، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن الْبَهِيّ، عن عروة، عن عائشة: "كان النبيّ ﷺ يذكر الله على كل أحيانه".

стр. 4864

رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي كُريب، ورواه أبو داود أيضًا عن أبي كريب، ورواه الترمذيّ عن أبي كريب، ومحمد بن عُبيد المحاربيّ، عن يحيى بن زكريّا، ورواه ابن ماجه عن سُويد بن سعيد، عن يحيى بن زكريّا، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن أبي كريب، وعليّ بن مسلم، عن ابن أبي زائدة. وقد روي من غير حديث يحيى، فرواه الإمام أحمد بن حنبل، عن الوليد بن القاسم، عن زكريّا، ورواه هارون بن معروف، عن إسحاق الأزرق، عن زكريا. وقال ابن عديّ - بعد أن رواه -: وحديث يحيى بن زكريّا، عن أبيه، عن خالد يرويه عن خالد زكريّا بن أبي زائدة، ثم قال: ولخالد بن سلمة غيرُ ما ذكرت من الحديث، وهو في عِداد من يُجْمَعُ حديثه، وحديثه قليلٌ، ولا أرى برواياته بأسًا. وقال الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المدينيّ، ومحمد بن عبد الله بن عمّار، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ: خالد بن سلمة ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه، وذكره أبو حاتم ابن حِبَان في كتاب "الثقات"، وقال البخاريّ، عن عليّ بن المدينيّ: له نحو عشرة أحاديث، وقال محمد بن حُميد الرازيّ، عن جرير: كان خالد بن سلمة الفأفاء رأسًا في المرجئة، وكان يُبغض عليًّا (١). وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبا زرعة عن حديث خالد بن سلمة، عن البهيّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كلّ أحيانه"، فقال: ليس بذاك، هو حديثٌ لا يُروى إلا من هذا الوجه، فذكرتُ قولَ أبي زرعة لأبي ﵀، فقال: الذي أرى أن يذكر الله على كلّ حال على الكنيف وغيره على هذا الحديث، والله أعلم وأحكم. انتهى (٢).

стр. 4865

قال الجامع عفا الله عنه: كلام أبي حاتم ﵀ هذا يدلّ على أنه يصحّح هذا الحديث، حيث استنبط منه الحكم المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٨٣٢] (٣٧٣)، وعلّقه (البخاريّ) في "صحيحه" (١/ ٤٠٧ و ٢/ ١١٤) وفي "الأذان" (٢/ ١١٤)، وأخرجه (أبو داود) في "الطهارة" (١٨)، و (الترمذيّ) في "الدعاء" (٣٣٨٤)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٧٠ و ١٥٣ و ٢٧٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨٠٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤٦٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٩٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٧٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٧٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٨١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابُ جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْدِثِ الطَّعَامَ، وَأنهُ لَا كَرَاهَةَ في ذَلِكَ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٣] (٣٧٤) - (حَدَّثنَا يَحْيىَ بْنُ يَحْيىَ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيى: أَخْبَرَنَا (١) حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثنَا حَمَّاد، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَن النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاء، فَأُتيَ بِطَعَامٍ، فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ (٢)، فَقَالَ: "أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ، فَأتوَضَّأَ؟ ").

стр. 4866

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارِ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْحُويرِثِ) ويقال: ابن أبي الْحُوَيرث مولى السائب، أبو يزيد المكيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عباس ﵄، وعنه ابن جريج، وعمرو بن دينار. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كنيته أبو يزيد. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، في "الشمائل"، والنسائيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط، وكرّره المصنّف هنا أربع مرّات. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄، تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو، عن سعيد، وهو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا … " إلخ، ومعنى ذلك أن شيخيه اختَلَفا في صيغ الأداء، فقال يحيى بن يحيى: "أخبرنا حماد بن زيد"، فعبّر بـ"أخبرنا"؛ لكونه سمعه من حمّاد بقراءة غيره عليه، ونسب حمادًا

стр. 4867

إلى أبيه، وقال أبو الربيع: "حدّثنا حماد"، فعبّر بـ "حدّثنا"؛ لكونه سمعه من لفظه، وأيضًا لم ينسب حمادًا إلى أبيه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ) وفي الرواية الآتية: "أنه سمعه من سعيد بن الحويرث" (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وفي الرواية التالية: "سمعت ابن عبّاس" (أَن النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخلَاءِ) بالفتح، والمدّ، كالفضاء وزنًا ومعنًى، والخلاء أيضًا: الْمُتَوَضّأ (١)، ويقال: الخلاء في الأصل: الموضع الخالي، وسُمّي به موضع قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يقصدون الموضع الخالي للحاجة، وخروجه ﷺ من الخلاء مشعرٌ بأنه كان موضعًا مهيّأ لذلك، بحيث يدخل إليه صاحب الحاجة، ويخرج منه (فَأُتيَ بِطَعَامٍ) ببناء الفعل للمفعول، والتعبير بالفاء للإشارة إلى الترتيب والتعقيب، وعدم الفصل بين الخروج من الخلاء، والإتيان بالطعام بوضوء، وفي رواية أبي عوانة: "خرج من الخلاء، فأتي بعَرْقٍ، فأكل منه، ولم يتوضّأ" (فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ) وفي نسخة: "فذُكر له الوضوء" بالبناء للمفعول، وهو معطوف على محذوف؛ أي فأقبل على الطعام، فظنّوا أنه نسي أن يتوضّأ قبل أن يأكل، فذكروه له فقالوا: "يا رسول الله ألا تتوضّأ؟ "، وفي رواية: "إنك لم تَوَضّأ" (فَقَالَ) ﷺ ("أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ) الكلام على الاستفهام، والأصل: أأريد أن أُصلّي (فَأتوَضَّأَ؟ ") والاستفهام للإنكار، بمعنى النفي؛ أي لا أريد أن أُصلّي، حتى أتوضّأ (٢). وقال النوويّ ﵀: معناه: الوضوء يكون لمن أراد الصلاة، وأنا لا أريد أن أصلي، الآن، والمراد بالوضوء الوضوء الشرعيّ، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغويّ، وجعل المراد غسل الكفين، وحَكَى اختلاف

стр. 4868

العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام، واستحبابه، وحَكَى الكراهة عن مالك، والثوريّ - رحمهما الله تعالى - والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعيّ. انتهى كلام النوويّ، وهو تحقيقٌ حسن، والله أعلم. [تنبيه]: قوله: "فأتوضّأَ" منصوب بـ "أن" مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٨٣٣ و ٨٣٤ و ٨٣٥ و ٨٣٦] (٣٧٤)، و (أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٦٠)، و (الترمذيّ) فيها (١٨٤٧) وفي "الشمائل" (١٨٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٠٧ و ١٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٢٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٨٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٦٦ و ٧٦٧ و ٧٦٨ و ٧٦٩ و ٧٧٠ و ٧٧١ و ٧٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٢٠ و ٨٢١ و ٨٢٢ و ٨٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز أكل المحدث الطعامَ، وأنه لا كراهة في ذلك، قال النوويّ ﵀: (اعلم) أن العلماء مُجْمِعون على أن للمحدث أن يأكل، ويشرب، ويذكر الله ، ويقرأ القرآن، ويُجامِع، ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة، وقد قدَّمنا أن أصحابنا رحمهم الله تعالى اختَلَفوا في وقت وجوب الوضوء: هل هو بخروج الحدث، ويكون وجوبًا مُوَسَّعًا، أم لا يجب إلا

стр. 4869

بالقيام إلى الصلاة، أم يجب بالخروج والقيام؟ فيه ثلاثةُ أوجه، أصحها عندهم الثالث، والله تعالى أعلم. انتهى (١). ٢ - (ومنها): بيان أن الوضوء ليس على الفور، بل إنما يجب عند إرادة القيام إلى الصلاة مع الحدث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ، وَأُتِيَ (٢) بِطَعَام، فَقِيلَ لَهُ: ألَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: "لِمَ؟ أَأُصَلِّي (٣)، فَأَتَوَضَّأ؟ "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الْهِلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ حافظ فقيهٌ حجة، أثبت الناس في عمرو بن دينار، من كبار [٨] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ) "الغائط" في الأصل: المطمئنّ الواسع من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْوَاط، وغُوطٌ، ثم أُطلق الغائط على الخارج الْمُسْتَقْذَر من الإنسان؛ كراهية لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقضُون حوائجهم في المواضع الْمُطْمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه حتى اشتقّوا منه، وقالوا: تَغَوّط الإنسان، قاله الفيّوميّ (٤).

стр. 4870

وقوله: (ألَا تَوَضَّأُ؟) أصله "ألا تتوضّأ" حُذفت منه إحدى التاءين، كما سبق قريبًا، و"ألا" للعرض. وقوله: (لِمَ؟) بكسر اللام، وفتح الميم، هي "ما" الاستفهاميّة حُذفت ألفها لكونها مجرورة بالحرف، كما قال في "الخلاصة": وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وقوله: (أَأُصَلِّي) وفي نسخة: "أُصلّي" بهمزة واحدة، أي بحذف همزة الاستفهام، و"أُصلي" بإثبات الياء في آخره، والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّمت مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِث، مَوْلَى آلِ السَّائِب، أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ (١): ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْغَائِط، فَلَمَّا جَاءَ قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ (٢)، ألا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: "لِمَ؟ أَلِلصَّلَاةِ؟ "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ) يُعَدُّ في المكيين، واسم جدّه سوس، وقيل: سوسن - بزيادة نون في آخره - وقيل: بتحتانيّة بدل الواو فيهما، وقيل: مثل حُنين، صدوقٌ يُخطئ [٨]. رَوَى عن إبراهيم بن ميسرة، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وأيوب بن موسى، وابن أبي نَجِيح، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم.
следующие страницы →