رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارِ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْحُويرِثِ) ويقال: ابن أبي الْحُوَيرث مولى السائب، أبو يزيد المكيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عباس ﵄، وعنه ابن جريج، وعمرو بن دينار.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كنيته أبو يزيد.
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، في "الشمائل"، والنسائيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط، وكرّره المصنّف هنا أربع مرّات.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄، تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو، عن سعيد، وهو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا … " إلخ، ومعنى ذلك أن شيخيه اختَلَفا في صيغ الأداء، فقال يحيى بن يحيى: "أخبرنا حماد بن زيد"، فعبّر بـ"أخبرنا"؛ لكونه سمعه من حمّاد بقراءة غيره عليه، ونسب حمادًا
стр. 4867
إلى أبيه، وقال أبو الربيع: "حدّثنا حماد"، فعبّر بـ "حدّثنا"؛ لكونه سمعه من لفظه، وأيضًا لم ينسب حمادًا إلى أبيه، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ) وفي الرواية الآتية: "أنه سمعه من سعيد بن الحويرث" (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وفي الرواية التالية: "سمعت ابن عبّاس" (أَن النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخلَاءِ) بالفتح، والمدّ، كالفضاء وزنًا ومعنًى، والخلاء أيضًا: الْمُتَوَضّأ (١)، ويقال: الخلاء في الأصل: الموضع الخالي، وسُمّي به موضع قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يقصدون الموضع الخالي للحاجة، وخروجه ﷺ من الخلاء مشعرٌ بأنه كان موضعًا مهيّأ لذلك، بحيث يدخل إليه صاحب الحاجة، ويخرج منه (فَأُتيَ بِطَعَامٍ) ببناء الفعل للمفعول، والتعبير بالفاء للإشارة إلى الترتيب والتعقيب، وعدم الفصل بين الخروج من الخلاء، والإتيان بالطعام بوضوء، وفي رواية أبي عوانة: "خرج من الخلاء، فأتي بعَرْقٍ، فأكل منه، ولم يتوضّأ" (فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ) وفي نسخة: "فذُكر له الوضوء" بالبناء للمفعول، وهو معطوف على محذوف؛ أي فأقبل على الطعام، فظنّوا أنه نسي أن يتوضّأ قبل أن يأكل، فذكروه له فقالوا: "يا رسول الله ألا تتوضّأ؟ "، وفي رواية: "إنك لم تَوَضّأ" (فَقَالَ) ﷺ ("أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ) الكلام على الاستفهام، والأصل: أأريد أن أُصلّي (فَأتوَضَّأَ؟ ") والاستفهام للإنكار، بمعنى النفي؛ أي لا أريد أن أُصلّي، حتى أتوضّأ (٢).
وقال النوويّ ﵀: معناه: الوضوء يكون لمن أراد الصلاة، وأنا لا أريد أن أصلي، الآن، والمراد بالوضوء الوضوء الشرعيّ، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغويّ، وجعل المراد غسل الكفين، وحَكَى اختلاف
стр. 4868
العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام، واستحبابه، وحَكَى الكراهة عن مالك، والثوريّ - رحمهما الله تعالى - والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعيّ. انتهى كلام النوويّ، وهو تحقيقٌ حسن، والله أعلم.
[تنبيه]: قوله: "فأتوضّأَ" منصوب بـ "أن" مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٨٣٣ و ٨٣٤ و ٨٣٥ و ٨٣٦] (٣٧٤)، و (أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٦٠)، و (الترمذيّ) فيها (١٨٤٧) وفي "الشمائل" (١٨٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٠٧ و ١٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٢٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٨٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٦٦ و ٧٦٧ و ٧٦٨ و ٧٦٩ و ٧٧٠ و ٧٧١ و ٧٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٢٠ و ٨٢١ و ٨٢٢ و ٨٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز أكل المحدث الطعامَ، وأنه لا كراهة في ذلك، قال النوويّ ﵀: (اعلم) أن العلماء مُجْمِعون على أن للمحدث أن يأكل، ويشرب، ويذكر الله ، ويقرأ القرآن، ويُجامِع، ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة، وقد قدَّمنا أن أصحابنا رحمهم الله تعالى اختَلَفوا في وقت وجوب الوضوء: هل هو بخروج الحدث، ويكون وجوبًا مُوَسَّعًا، أم لا يجب إلا
стр. 4869
بالقيام إلى الصلاة، أم يجب بالخروج والقيام؟ فيه ثلاثةُ أوجه، أصحها عندهم الثالث، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان أن الوضوء ليس على الفور، بل إنما يجب عند إرادة القيام إلى الصلاة مع الحدث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ، وَأُتِيَ (٢) بِطَعَام، فَقِيلَ لَهُ: ألَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: "لِمَ؟ أَأُصَلِّي (٣)، فَأَتَوَضَّأ؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الْهِلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ حافظ فقيهٌ حجة، أثبت الناس في عمرو بن دينار، من كبار [٨] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ) "الغائط" في الأصل: المطمئنّ الواسع من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْوَاط، وغُوطٌ، ثم أُطلق الغائط على الخارج الْمُسْتَقْذَر من الإنسان؛ كراهية لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقضُون حوائجهم في المواضع الْمُطْمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه حتى اشتقّوا منه، وقالوا: تَغَوّط الإنسان، قاله الفيّوميّ (٤).
стр. 4870
وقوله: (ألَا تَوَضَّأُ؟) أصله "ألا تتوضّأ" حُذفت منه إحدى التاءين، كما سبق قريبًا، و"ألا" للعرض.
وقوله: (لِمَ؟) بكسر اللام، وفتح الميم، هي "ما" الاستفهاميّة حُذفت ألفها لكونها مجرورة بالحرف، كما قال في "الخلاصة":
وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وقوله: (أَأُصَلِّي) وفي نسخة: "أُصلّي" بهمزة واحدة، أي بحذف همزة الاستفهام، و"أُصلي" بإثبات الياء في آخره، والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّمت مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِث، مَوْلَى آلِ السَّائِب، أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ (١): ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْغَائِط، فَلَمَّا جَاءَ قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ (٢)، ألا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: "لِمَ؟ أَلِلصَّلَاةِ؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ) يُعَدُّ في المكيين، واسم جدّه سوس، وقيل: سوسن - بزيادة نون في آخره - وقيل: بتحتانيّة بدل الواو فيهما، وقيل: مثل حُنين، صدوقٌ يُخطئ [٨].
رَوَى عن إبراهيم بن ميسرة، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وأيوب بن موسى، وابن أبي نَجِيح، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم.
стр. 4871
ورَوَى عنه ابن المبارك، وعبد الوهاب الثقفيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرزاق، والهيثم بن جَميل، وموسى بن داود الضبيّ، ومعن بن عيسى، وسعيد بن سليمان الواسطيّ، وأبو مسهر، ومحمد بن سِنَان الْعَوَقيّ، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن يونس، وأبو نعيم، والقعنبيّ، وقتيبة بن سعيد، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما أضعف حديثه، وقال عباس الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ لا بأس به، وابن عيينة أثبت منه، وكان إذا حَدَّث من حفظه يخطئ، وإذا حَدَّث من كتابه فليس به بأس، وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار، ومحمد بن مسلم أحبّ إليّ من داود العطار في عمرو، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال حجاج بن الشاعر، عن عبد الرزاق: ما كان أعجب محمد بن مسلم إلى الثوريّ، وقال البخاريّ عن ابن مهديّ: كتبه صِحَاح، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال الميمونيّ: ضعّفه أحمد على كلّ حال من كتاب وغير كتاب، وقال ابن حبان ﵀ لَمّا ذكره في "الثقات": يخطئ، وقال العجليّ، وأبو داود: ثقةٌ، وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِم في الحديث، رَوَى عن عمرو بن دينار حديثًا يَحتجّ به القدرية، لم يروه غيره، فأحسبه اتُّهِم بالقدر لروايته، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به، وإن كان ابن عيينة أحبّ منه.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر له ابن عديّ أحاديث، وقال: له أحاديث حِسَان غرائب، وهو صالح الحديث، لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديث واحد برقم (٣٧٤).
والباقون تقدّموا قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4872
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاء، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً (١). قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِث، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ، قَالَ: "مَا أَرَدْتُ صَلَاةً، فَأَتوَضَّأَ"، وَزَعَمَ عَمْرٌو، أَنَّهُ سَمِعَ (٢) مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ) بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد بن الضحّاك الشيبانيّ، النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً) تقدّم أنه بفتح الميم، مضارع مسّ يَمَسّ، من باب تَعِبَ، ويجوز يَمُسّ بضمّ الميم، من باب نصر.
وقوله: (قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) القائل: "وزادني" هو ابن جُريج، كما بيّنه الحافظ المزّي في "الأطراف" (٣).
стр. 4873
وقوله: (إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ) أصله "لم تتوضّأ" بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ تخفيفًا، كما تقدّم بيانه قريبًا.
وقوله: (فَأَتَوَضَّأَ) بالنصب بعد فاء السببيّة في جواب النفي، أي في قوله: "ما أردتُ صلاةً".
وقوله: (وَزَعَمَ عَمْرٌو) المراد بالزعم هنا القول المحقّق.
وقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ) بحذف ضمير المفعول، ووقع في نسخة: "أنه سمعه" بإثباته؛ أي سمع هذا الحديث من سعيد بن الحويرث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
(٣١) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٧] (٣٧٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ يَحْيَى أَيْضًا: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ؛ وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ، قَالَ: "اللَهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السَّلَميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 4874
٣ - (أَنَس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الْخَزرجيّ، الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه فنيسابوريّ، وهشيم فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو الخادم الشهير، خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وهو من المعمَّرين، جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ) جار ومجرور خبر مقدّم لقوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) لقصد لفظه، فهو مبتدأ مؤخّر محكيّ، يعني أن لفظ حديث حمّاد بن زيد، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس: "كان رسول الله ﷺ (إِذَا دَخَلَ الْخلَاءَ) " أي أراد دخول الخلاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٩٨]؛ أي إذا أردت قراءة القرآن، وذلك لأن اسم الله تعالى لا يُذكر بعد الدخول؛ لأنه مكروه؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر"، وهو حديث صحيح، كما تقدّم بيانه.
[تنبيه]: هذا التقدير - أعني قوله: "إذا أراد أن يدخل" - جاء مصرّحًا به في رواية أخرجها البخاريّ في "الأدب المفرد" قال: حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا
стр. 4875
سعيد بن زيد (١)، حدّثنا عبد العزيز بن صُهَيب، قال: حدّثني أنس بن مالك، قال: كان النبيّ ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال … فذكر مثل حديث الباب.
قال في "الفتح": وأفادت هذه الرواية تبيين المراد من قوله: "إذا دخل الخلاء"، أي كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده، وهذا في الأمكنة المعدّة لذلك بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطّال: رواية "إذا أتى" أعمّ؛ لشمولها. انتهى.
قال: والكلام هنا في مقامين:
[أحدهما]: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدَّة لذلك؛ لكونها تحضرها الشياطين، كما ورد في حديث زيد بن أرقم في "السنن"، أو يَشمَلُ حتى لو بال في إناء مثلًا في جانب البيت؟ الأصح الثاني، ما لم يَشْرَع في قضاء الحاجة.
[المقام الثاني]: متى يقول ذلك؟ فمن يَكرَه ذكر الله في تلك الحالة يُفَصِّل، أما في الأمكنة المعدَّة لذلك، فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يَستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يُجيز مطلقًا، كما نُقِل عن مالك، لا يَحتاج إلى تفصيل. انتهى (٢).
(وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ) إعرابه كسابقه، يعني لفظ حديث هُشيم، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس ﵁ هو: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ) بدل قول حمّاد: "دخل الخلاء"، و"الْكَنِيف" بفتح الكاف، وكسر
стр. 4876
النون: المراد به هنا الْمِرْحاضُ، و"الكنيف" في الأصل: الْحَظِيرةُ، والساتر، ويُسمّى التُّرْسُ أيضًا كَنِيفًا؛ لأنه يَستُرُ صاحبه، وقيل للْمِرْحاض: كَنِيفٌ؛ لأنه يَستُرُ قاضي الحاجة، والجمع كُنُفٌ، مثلُ نَذِيرٍ ونُذُرٍ، قاله الفيّوميّ (١).
(قَالَ) ﷺ ("اللَّهُمَّ) أصله يا الله، فحُذفت "يا" وعُوّض عنها الميم، وقد يُجمع بينهما في الشعر، كقوله [من الرجز]:
إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ
(إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) أي ألوذُ، وألتجئ إليك؛ من الْعَوذ، وهو عُودٌ يَلجأ إليه الحشيش في مَهَبّ الريح، وقال ابن الأثير ﵀: يقال: عُذتُ به أعوذ عَوْذًا وعِيَاذًا ومَعَاذًا: أي لجأت إليه، والْمَعَاذ: المصدر، والمكان، والزمان: أي لقد لَجَأتُ إلى مَلْجأ، ولُذتُ بِمَلاذٍ. انتهى (٢).
(مِنَ الْخُبْث، وَالْخَبَائِثِ") قال في "الفتح": "الْخُبُث" بضم المعجمة والموحدة، كذا في الرواية، وقال الخطابيّ: إنه لا يجوز غيره، وتُعُقَّب بأنه يجوز إسكان الموحدة كما في نظائره، مما جاء على هذا الوجه، ككُتُب وكُتْب، قال النوويّ: وقد صَرَّح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم أبو عبيدة، إلا أن يقال: إن ترك التخفيف أولى؛ لئلا يشتبه بالمصدر، و"الْخُبُث": جمع خَبِيث، و"الخبائث": جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، قاله الخطابيّ، وابن حبان، وغيرهما. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": قال الخطابيّ: "الْخُبُثُ" بضم الخاء والباء: جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون: "الْخُبْث" مسكنة الباء، وهو غلطٌ، والصواب
стр. 4877
مضمومة الباء، قال: وقال ذلك لأن الشياطين يحضرون الأخلية، وهي مواضع يُهْجَر فيها ذكر الله تعالى، فقَدَّم لها الاستعاذة؛ احترازًا منهم. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن أبا عُبيد القاسم بن سلّام حَكَى تسكين الباء، وكذا الفارابيّ في "ديوان الأدب"، والفارسي في "مجمع الغرائب"، ولأن فُعُلًا بضمتين قد تُسَكَّن عينه؛ قياسًا، ككُتُب وكُتْب، فلعلّ مَن سكّنها سلك هذا المسلك.
وقال التُوربشتيّ: هذا مستفيض لا يسع أحدًا مخالفته، إلا أن يزعُم أن ترك التخفيف فيه أولى؛ لئلا يشتبه بالْخُبْث الذي هو المصدر.
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": وأما "الخبث" فبضم الباء وإسكانها، وهما وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث، ونَقَل القاضي عياض ﵀ أن أكثر روايات الشيوخ الإسكان، وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابيّ ﵀: "الخبث" بضم الباء: جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، قال: يريد ذكران الشياطين وإناثهم، قال: وعامة المحدثين يقولون: الخبْث بإسكان الباء، وهو غَلَطٌ، والصواب الضم، هذا كلام الخطابيّ.
وهذا الذي غَلَّطهم فيه ليس بغَلَط، ولا يصح إنكاره جوازَ الإسكان، فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف، كما يقال: كُتْبٌ، ورُسْلٌ، وعُنْقٌ، وأُذْنٌ، ونظائره، فكلُّ هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف، لا يمكن إنكاره، ولعل الخطابيّ أراد الإنكار على مَن يقول: أصله الإسكان، فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة.
وقد صَرَّح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنةٌ، منهم الإمام أبو عبيد إمام هذا الفن، والعمدة فيه.
واختلفوا في معناه، فقيل: هو الشرّ، وقيل: الكفر، وقيل: الخبث:
стр. 4878
الشياطين، والخبائث: المعاصي، قال ابن الأعرابيّ: الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الْمِلَل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضارّ، والله أعلم،
وهذا الأدب مُجْمَع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال في "العمدة": قال ابن الأنباريّ، وصاحب "المنتهى": الخبث: الكفر، ويقال: الشيطان، والخبائث: المعاصي، جمع خبيثة، ويقال: الخبث: خلاف طيب الفعل، من فجور وغيره، والخبائث: الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٨٣٧ و ٨٣٨] (٣٧٥)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٤٢) وفي "الدعوات" (٦٣٢٢) وفي "الأدب المفرد" (٦٩٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٤ وه)، و (الترمذيّ) فيها (٥ و ٦)، و (النسائيّ) فيها (١/ ٢٠) وفي "عمل اليوم والليلة" (٧٤)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٩٩ و ٢٨٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٠٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٢١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٢٤ وه ٨٢ و ٨٢٦)، والله تعالى أعلم.
стр. 4879
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة الاستعاذة عند إرادة الدخول في الخلاء، وقد أجمع أهل العلم على استحبابها، وسواء في ذلك البنيان والصحراء؛ لأن الشياطين تحضر تلك الأمكنة؛ إذ هي مواضع يُهجر فيها ذكر الله تعالى، فينبغي تقديم الاستعاذة تحصّنًا منهم.
٢ - (منها): بيان كون أماكن قضاء الحاجة تتمكن منها الشياطين، وقد أخرج أبو داود، وغيره بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه الْحُشُوش مُحتَضَرةٌ، فإذا أتى أحدكم الخلاء، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث".
٣ - (ومنها): أن محلّ الاستعاذة عند إرادة الدخول، لا بعد الدخول؛ لرواية البخاريّ في "الأدب المفرد" التي قدّمناها، فلو نسي التعوّذ فدخل، فذهب ابن عبّاس وغيره إلى كراهة التعوّذ باللسان، وأجازه بعضهم، والأول أرجح؛ لما تقدّم من قوله ﷺ : "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر"، وهو حديث صحيح، وقد استوفيت المسألة في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (١).
٤ - (ومنها): بيان أن لفظ الاستعاذة أن يقول: "اللهمّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، وفي الرواية الآتية: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وفي رواية عند أبي داود: "فليتعوّذ بالله"، وهو يشمل كل ما يأتي به من أنواع الاستعاذة، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ ﵀: كان النبيّ ﷺ معصومًا من الشيطان حتى من الموكّل به بشرط استعاذته منه، ومع ذلك فقد كان اللعين يَعْرض له، عَرَضَ له ليلة الإسراء، فدفعه بالاستعاذة، وعَرَض له في الصلاة، فشدّ وثاقه، ثم أطلقه، وكان يخصّ الاستعاذة في هذا الموضع بوجهين:
стр. 4880
[أحدهما]: أنه خلاء، وللشيطان بسنّة الله تعالى قدرة تسلط في الخلاء ما ليس له في الملأ، فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بسند صحيح، أنه ﷺ قال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب".
[الثاني]: أنه موضع قذر ينزّه ذكر الله عن جريانه على اللسان، فيغتنم الشيطان ذلك؛ لأن الذكر يطرده، فلجأ إلى الاستعاذة قبل ذلك؛ لتكون عصمة مانعة بينه وبين الشيطان حتى يخرج، ولتعليم أمته أيضًا. انتهى.
وقال في "الفتح": كان ﷺ يستعيذ؛ إظهارًا للعبوديّة، ويجهر بها؛ للتعليم، وقد روى العمريّ هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صُهيب بلفظ الأمر، قال: "إذا دخلتم الخلاء، فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، قال: ولم أرها في غير هذه الرواية. انتهى (١).
[تنبيه]: لم يُخرج المصنّف ﵀ ما يقوله عند الخروج من الخلاء؛ لعدم صحّة ما ورد من ذلك، إلا ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائيّ، وصححه الحاكم وغيره، عن عائشة ﵄ قالت: كان النبيّ ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك".
وأما ما أخرجه ابن ماجه عن أنس ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني"، فضعيف.
وكذا ما أخرجه الدارقطنيّ عن ابن عبّاس ﵄ مرفوعًا: "الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك عليّ ما ينفعني".
وكذا ما أخرجه عن ابن عمر مرفوعًا: "الحمد لله الذي أذاقني لذّته، وأبقى عليّ قوته، وأذهب عني أذاه"، فكلّها ضعاف؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4881
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قريبًا، وعبد العزيز: هو ابن صُهيب.
وقوله: (وقال: أعوذ بالله) فاعل "قال" ضمير إسماعيل.
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة هذه أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١١٥٤٥) حدثنا إسماعيل، حدثنا عبد العزيز، عن أنس، قال: كان نبي الله ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث".
وقال الإمام ابن ماجه ﵀ في "سننه":
(٢٩٨) حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ نَوْمَ الْجَالِسِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٩] (٣٧٦) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ أَنَسٍ،
стр. 4882
قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: وَنَبِيُّ اللهِ ﷺ يُنَاجِي الرَّجُلَ (١)، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبت حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ رُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦)، وله بضع وتسعون سنة (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب المترجم في الباب الماضي.
٦ - (أَنَس) بن مالك المترجم في الباب الماضي أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٨) من رباعيّات الكتاب، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، والله تعالى أعلم.
стр. 4883
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي صلاة العشاء، كما بيّنته رواية ثابت الآتية (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من "الصلاة"، والرابط الواو.
و"النّجِيّ": فعيلٌ بمعنى فاعل، وهو المناجي، ومعناه: مُسارٌّ له، والمناجاة: التحديث سرًّا، ويستوي فيه الواحد وغيره، فيقال: رجلٌ نَجِيٌّ، ورجلان نَجِيّ ورجال نَجِيّ، بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] (١).
قال في "الفتح": ولم أقف على اسم هذا الرجل، وذكر بعض الشرّاح أنه كان كبيرًا في قومه، فأراد أن يتألّفه على الإسلام، ولم أقف على مستند ذلك، قيل: وَيحْتَمِل أن يكون مَلَكًا من الملائكة جاء بوحي من الله ، ولا يخفى بُعْدُ هذا الاحتمال. انتهى (٢).
(وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: "ونبيُّ الله … إلخ"؛ لقصد لفظه، فهو مبتدأ محكيّ (وَنَبِيُّ اللهِ ﷺ يُنَاجِي الرَّجُلَ) هكذا معظم النسخ بالتعريف، فاللام للعهد الحضوريّ؛ أي الرجل الحاضر في ذلك الوقت، ووقع في بعض النسخ: "يناجي رجلًا"، وهو الذي في "صحيح البخاريّ"، وزاد: "في جانب المسجد".
(فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) هذا ظاهر في كونه ﷺ جلس مع الرجل للمناجاة (حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ) وفي رواية إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن ابن عُليّة، عن عبد العزيز في هذا الحديث: "حتى نَعَسَ بعض القوم"، وكذا هو عند ابن حبّان من وجه آخر عن أنس ﵁، ولفظه: "أُقيمت الصلاة ذات يوم، فعَرَضَ لرسول الله ﷺ رجلٌ، فكلّمه في حاجة له هَوِيًّا من الليل، حتى نَعَس بعض القوم".
стр. 4884
وهو يدلّ على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقًا، أفاده في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٨٣٩ و ٨٤٠ و ٨٤١ و ٨٤٢] (٣٧٦)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٤٢ و ٦٤٣)، و"الاستئذان" (٦٢٩٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٠١)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٧٨ و ٥١٨)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٢/ ٨١)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٩٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٤١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٦٠ و ١٦١ و ١٨٢ و ٢٠٥ و ٢٣٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٤٦ و ١٣٤٧ و ١٣٤٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٢٧ و ٨٢٨ و ٨٢٩ و ٨٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز مناجاة الرجل بحضرة الجماعة، وإنما نُهِي عن ذلك بحضرة الواحد، فقد أخرج الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كانوا ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دون الثالث"، وأخرجا أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يُحْزنَهُ".
٢ - (ومنها): بيان كريم أخلاق النبي ﷺ ، وتواضعه، حيث كان يستجيب
стр. 4885
لكلّ من طلب حاجة، فقد قال الرجل له - بعد أن أقيمت الصلاة -: "لي حاجة"، فقام له، وناجاه طويلًا، فما أعظم خلقه الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨] ﷺ .
٣ - (ومنها): جواز تشاغل الإمام إذا عَرَضَت له حاجة بعدما تُقام الصلاة، ومثله غيره؛ إذ لا فرق في ذلك.
٤ - (ومنها): جواز الكلام بعد إقامة الصلاة، لا سيما في الأمور المهمة، ولكنه مكروه في غير المهمّ، قال صاحب "التلويح": فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم، والزهريّ، وتبعهما الحنفيّة كرهوا ذلك، وقال مالك: إذا بَعُدت الإقامة، رأيتُ أن تعاد استحبابًا. انتهى.
وقال العينيّ: إنما كره الحنفيّة الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يُكره. انتهى (١).
٥ - (ومنها): أن فيه تقديمَ الأهمّ، فالأهمّ من الأمور عند ازدحامها، فإنه ﷺ إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر مُهِمّ من أمور الدين، مصلحته راجحة على تقديم الصلاة.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على الردّ على من أطلق من الحنفيّة أن المؤذّن إذا قال: "قد قامت الصلاة" وجب التكبير على الإمام، قاله في "الفتح" (٢).
٧ - (ومنها): جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها للحاجة.
٨ - (ومنها): بيان أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، وهذه هي المسألة المقصودة بهذا الباب، وسيأتي تحقيقها في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 4886
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في انتقاض الوضوء بالنوم:
قال النوويّ ﵀: اختَلَفَ العلماء فيها على مذاهب:
[أحدها]: أن النوم لا ينقض الوضوء على أيّ حال كان، وهذا محكيّ عن أبي موسى الأشعريّ، وسعيد بن المسيِّب، وأبي مِجْلَز، وحميد الأعرج، وشعبة.
[والمذهب الثاني]: أن النوم ينقض الوضوء بكل حال، وهو مذهب الحسن البصريّ، والمزنيّ، وأبي عبيد القاسم بن سلّام، وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعيّ، قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: ورُوي معناه عن ابن عباس، وأنس، وأبي هريرة ﵃.
[والمذهب الثالث]: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بحال، وهذا مذهب الزهريّ، وربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
[والمذهب الرابع]: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين؛ كالراكع، والساجد، والقائم، والقاعد، لا ينتقض وضوؤه، سواءٌ كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة، وداود، وهو قول للشافعيّ غريب.
[والمذهب الخامس]: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، رُوي هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
[والمذهب السادس]: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، وروي أيضًا عن أحمد ﵀.
[والمذهب السابع]: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعيّ ﵀.
[والمذهب الثامن]: أنه إذا نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض، سواء قلّ أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعيّ، وعنده أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو دليل
стр. 4887
على خروج الريح، فإذا نام غير مُمَكِّن المقعدة غلب على الظن خروج الريح، فجَعَل الشرع هذا الغالب كالمحقَّق، وأما إذا كان مُمَكِّنًا، فلا يغلب على الظن الخروج، والأصل بقاء الطهارة، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذه المسألة يُستدلّ بها لهذه المذاهب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب الإمام الشافعيّ ﵀ لأن به تجتمع الأدلّة، وحاصله أن نوم الممكّن مقعدته من الأرض لا ينتقض، وإلا انتقض مطلقًا، قلّ نومه أو كثُر، في الصلاة أو خارجها.
وأدلّة هذا المذهب كثيرة، منها حديث أنس ﵁ المذكور في الباب: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يُصلّون، ولا يتوضّئون".
وفي رواية أبي داود: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تَخْفِقَ رؤوسهم، ثم يصلّون، ولا يتوضّئون"، وإسناده صحيح.
وفي رواية لأبي داود، والبيهقيّ، وغيرهما: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يُصلّون، ولا يتوضّئون على عهد رسول الله ﷺ ".
وفي رواية للبيهقيّ: "لقد رأيتُ أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا، ثم يقومون فيُصلّون ولا يتوضّئون".
وعن ابن عمر ﵄: "أن النبيّ ﷺ شُغل ليلةً عن العشاء، فأخّرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا".
وعن ابن عبّاس ﵄: "أَعْتَمَ رسول الله ﷺ بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا، ورَقَدوا، واستيقظوا"، رواهما البخاريّ في "صحيحه"، وظاهره أنهم صلَّوا بذلك الوضوء.
وروى مالك، والشافعيّ بإسناد صحيح أن ابن عمر ﵄ كان ينام وهو
стр. 4888
جالسٌ، ثم يُصلّي ولا يتوضّأ"، وروى البيهقيّ وغيره معناه عن ابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي أُمامة ﵃.
والحاصل أن أرجح المذاهب مذهب من قال: إن نوم الجالس الممكّن مقعدته لا ينقض الوضوء؛ للأدلّة المذكورة، وبهذا تجتمع الأدلّة في هذا الباب، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ" (١)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: اتَّفَقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر، أو النبيذ، أو البنج، أو الدواء، ينقض الوضوء، سواءٌ قَلَّ أو كثر، وسواء كان مُمَكِّن المقعدة أو غير ممكنها، قال أصحابنا: وكان من خصائص رسول الله ﷺ أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا؛ للحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: نام رسول الله ﷺ حتى سمعتُ غَطِيطه، ثم صلى ولم يتوضأ. انتهى.
[تنبيه آخر]: قال النوويّ أيضًا: قال الشافعيّ، والأصحاب: لا ينقض الوضوء بالنعاس، وهو السِّنَة، قالوا: وعلامة النوم أن فيه غلبة على العقل، وسقوط حاسة البصر، وغيرها من الحواسّ، وأما النعاس فلا يَغلِب على العقل، وإنما تفتر فيه الحواسّ من غير سقوطها، ولو شكّ هل نام أم نَعَسَ؟ فلا وضوء عليه، ويستحب أن يتوضأ، ولو تيقن النوم، وشَكّ هل نام ممكن المقعدة من الأرض أم لا؟ لم ينقض وضوؤه، ويستحب أن يتوضأ، ولو نام جالسًا، ثم زالت ألْيتاه أو إحداهما عن الأرض، فإن زالت قبل الانتباه انتَقَض وضوؤه؛ لأنه مَضَى عليه لحظةٌ وهو نائم، غير مُمَكِّن المقعدة، وإن زالت بعد الانتباه، أو معه، أو شَكّ في وقت زوالها لم ينتقض وضوؤه، ولو نام ممكّنًا مقعدته من الأرض، مستندًا إلى حائط أو غيره لم ينتقض وضوؤه، سواء كانت بحيث لو رُفِع الحائط لسقط، أو لم يكن، ولو نام مُحْتَبِيًا ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: لا ينتقض كالمتربِّع، والثاني: - ينتقض
стр. 4889
كالمضطجع، والثالث: إن كان نَحِيف البدن بحيث لا تنطبق أليتاه على الأرض انتقض، وإن كان أَلْحَم البدن بحيث ينطبقان لم ينتقض، والله تعالى أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيه، حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى بِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو الْمُثَنَّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، أبو بِسطام الواسطيّ الإمام الحافظ الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (يَزَلْ) بفتح الزاي، مضارع زال، وأصله زَيِلَ؛ كتَعِبَ، قال الفيّوميّ ﵀: وما زال يفعل كذا، ولا أزال أفعله لا يُتكلَّم به إلا بحرف النفي، والمراد به ملازمة الشيء، والحالُ الدائمةُ، مثلُ ما بَرِحَ وزنًا ومعنًى، وقد تكلّم به بعض العرب على أصله، فقال: ما زَيلَ زيدٌ يفعل كذا. انتهى (٢).
стр. 4890
وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (١) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا (٢) خَالِدٌ، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِث، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ، ثُمَّ يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ، قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في "شرحه" - بعد ذكر أسانيد الباب الثلاثة - ما نصّه: هذه الأسانيد الثلاثة رجالها بصريون كلهم (٣)، وقد قدّمنا مرات أن شعبة واسطي بصريّ، وقد قدمنا بيان كون فَرُّوخ والد شيبان لا ينصرف للعجمة، وقد قدّمنا بيان الفائدة في قوله: وهو ابن الحارث، وأوضحنا ذلك في الفصول المتقدمة، وفي مواضع بعدها، وأما قوله: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي
стр. 4891
والله، مع أنه قال أوّلًا: سمعتُ أنسًا، فأراد به الاستثبات، فإن قتادة ﵀ كان من المدلسين، وكان شعبة ﵀ من أشد الناس ذمًّا للتدليس، وكان يقول: الزنى أهون من التدليس، وقد تقرر أن المدلس إذا قال: "عن" لا يُحتجّ به، وإذا قال: "سَمِعت" احتُجّ به على المذهب الصحيح المختار، فأراد شعبة ﵀ الاستثبات من قتادة في لفظ السماع، والظاهر أن قتادة عَلِم ذلك من حال شعبة، ولهذا حَلَف بالله تعالى، والله أعلم. انتهى (١).
[تنبيه آخر]: قوله: (إِي وَاللهِ) قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في "مغنيه": "إِي" بكسر الهمزة، وسكون الياء: حرف جواب بمعنى "نَعَم"، فيكون لتصديق الْمُخْبِر، ولإعلام الْمُستَخْبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد "قام زيد"، و"هل قام زيد؟ "، و"اضرب زيدًا"، ونحوهنّ، كما تقع "نَعَمْ" بعدهنّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلا قبل القسم، وإذا قيل: "إي والله"، ثم أُسقطت الواو جاز سكون الياء، وفتحها، وحذفها، وعلى الأول فيلتقي ساكنان على غير حدّهما. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاء، فَقَالَ رَجُلٌ: لِي حَاجَةٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِيه، حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ، أَوْ بَعْضُ الْقَوْم، ثُمَّ صَلَّوْا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م دت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
стр. 4892
٢ - (حَبَّانُ) بن هلال، أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
٣ - (حَمَّاد) بن سَلَمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع ١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
وقوله: (أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ) "أو" هنا للشكّ من الراوي.
وقوله: (ثُمَّ صَلَّوْا) زاد أبو نعيم في روايته: "ولم يذكر أنهم توضّئوا".
وشرح الحديث ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الثامن من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى بعد صلاة المغرب ليلة الخميس المبارك ٣/ ٥/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ أبريل - نيسان/٢٠٠٥ م.
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
стр. 4893
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء التاسع مفتتحًا بـ (٤) - (كِتَابُ الصَّلَاةِ) رقم الحديث [٨٤٣] (٣٧٧).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
стр. 4894
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ليلة الخميس ١٦/ ٣/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء التاسع من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى.
(٤) - (كِتَابُ الصَّلَاةِ)
أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالّة على أحكام الصلاة.
و"كتاب" يجوز رفعه، ونصبه، ويجوز جزه أيضًا على قلّة، وقد تقدّم توجيه ذلك كلّه في الكلام على "كتاب الطهارة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
ولَمّا فرغ من بيان أحاديث الطهارة التي هي من شروط الصلاة، شَرعَ يُبيِّن أحاديث الصلاة التي هي المشروطة، فلذا أخّرها عن الشرط؛ لأن شرط الشيء يَسبقه، وحكمه يَعقُبه، وقدّمها على الزكاة والصوم، وغيرهما؛ لكونها تالية الإيمان، وثانيته في الكتاب والسنّة، ولشدّة الاحتياج، وعمومه إلى تعلّمها؛ لكثرة وقوعها ودَوَرانها، بخلاف غيرها من العبادات (١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا المقام مسائل:
(المسألة الأولى): في تعريف "الصلاة" لغةً وشرعًا:
(اعلم): أن "الصلاة" في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، أي ادعُ لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: "وإن كان صائمًا، فليُصلّ"، أي فليَدْعُ لهم بالبركة.
وقال ابن الأثير ﵀: وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة، وهي العبادة
стр. 4895
المخصوصة، وأصلها في اللغة: الدعاء، فسُمّيت ببعض أجزائها، وقيل: أصلها في اللغة: التعظيم، وسُمِّيت الصلاة المخصوصة صلاةً؛ لما فيها من تعظيم الرب تعالى وتقدس، وقوله في التشهد: "الصلوات": أي الأدعية التي يُراد بها تعظيم الله هو مستحقُّها، لا تليق بأحد سواه، وأما قولنا: "اللهم صل على محمد"، فمعناه: عَظِّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: المعنى لَمّا أمرنا الله سبحانه بالصلاة عليه، ولن نبلغ قَدْرَ الواجب من ذلك أحلناه على الله، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق به.
وهذا الدعاء قد اختُلِف فيه، هل يجوز إطلاقه على غير النبيّ ﷺ أم لا؟،
والصحيح أنه خاصّ له، ولا يقال لغيره، وقال الخطابيّ: الصلاة التي بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره ﷺ ، والتي بمعنى الدعاء والتبريك، تقال لغيره، ومنه: "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى"، أي تَرَحَّم، وبَرِّكْ، وقيل فيه: إن هذا خاصّ له، ولكنه هو آثرَ به غيره، وأما سواه فلا يجوز له أن يخُصّ به أحدًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم جواز الصلاة على غير الأنبياء ﵈ مما لا يؤيّده دليلٌ، بل الأدلّة على خلافه، كالحديث المذكور: "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى"، وغيره، وحديث: "صلّى الله على زوجك"، وآية: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ودعوى الخصوصيّة مما لا دليل عليها، فالحّق جوازها، إلا أن الأولى والشائع بين الأمة الصلاة على الأنبياء، والترضّي على الصحابة، والترحّم على غيرهم، فهذا من باب الأولويّة، لا من باب الوجوب؛ فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه - إن شاء الله تعالى -، وبالله تعالى التوفيق.
وقال العلامة ابن قُدامة ﵀: "الصلاة" في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع لهم، وقال النبيّ ﷺ : "إذا دُعي أحدكم فليجب، وإن كان مفطرًا فليَطْعَم، وإن كان صائمًا فليصلّ" (٢).
قال الشاعر [من البسيط]:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحَلًا … يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
стр. 4896
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْب الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وأما معناها شرعًا: فهي عبارة عن الأركان المعهودة، والأفعال المخصوصة، قاله في "العمدة" (١).
وقال ابن قُدامة ﵀: هي في الشرع: عبارةٌ عن الأفعال المعلومة، فإذا وَرَدَ في الشرع أمر بصلاة، أو حكمٌ مُعَلَّقٌ عليها انصَرَف بظاهره إلى الصلاة الشرعية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في الاختلاف في اشتقاق اسم "الصلاة" مم هو؟:
قال القاضي عياض ﵀: اختُلف في اشتقاقها، فقيل: هي مشتقّةٌ من الدعاء الذي اشتَمَلت عليه، وهو قول أكثر أهل العربيّة والفقهاء، وتسمية الدعاء صلاةً معروفٌ في كلام العرب.
وقيل: لأنها ثانية الشهادتين، وتاليتهما، كالْمُصَلِّي من السابق في الْحَلْبَة (٢).
وقيل: بل لأنه متتبّع فعل النبي ﷺ كالمصلّي مع السابق، ولعلّ هذا في أول شَرْع الصلاة، وائتمامهم فيها بالنبيّ ﷺ ، لكن هذا يضعُف في تسميتها في حقّه ﷺ ، وهو السابق.
وقيل: بل من الصَّلَوَين (٣)، وهما عِرْقان من الرِّدْف، وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، قالوا: وبه سُمّي الْمُصَلِّي من الخيل؛ لأن أنفه يأتي ملاصقًا صَلَوي السابق، قالوا: ومنه كُتِب بالواو في المصحف.
وقيل: بل من الرحمة، وتسميتها بذلك معروف في كلام العرب، ومنه صلاة الله على عباده، أي رحمته (٤).
وقيل: أصلها الإقبال على الشيء؛ تقرّبًا إليه.
стр. 4897
وقيل: معناها اللزوم، من قولهم: صَلِيَ بالنار، وقيل: الاستقامةُ من قولهم: صَلَيتُ العودَ على النار: إذا قوّمته، والصلاة تُقيم العبد على طاعة ربّه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقيل: لأنها صِلَةٌ بين العبد وبين ربّه. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١).
وقال الراغب الأصبهانيّ ﵀ في "المفردات في غريب القرآن": قال كثير من أهل اللغة: "الصلاة": هي الدعاء، والتبريك، والتمجيد، يقال: صليت عليه: أي دعوت له، وزَكَّيتُ، قال: والصلاةُ التي هي العبادة المخصوصة، أصلها الدعاء، وسُمِّيت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، والصلاة من العبادات التي لم تنفك شريعة منها، وإن اختَلَفت صورها بحسب شرعٍ، فشرعٍ، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال بعضهم: أصل الصلاة من الصّلاء، قال: ومعنى صَلَّى الرجل: أي أنه أزال عن نفسه بهذه العبادة الصّلاء الذي هو نار الله الموقدة، وبناءُ صلّى كبناء مَرَّضَ لإزالة المرض، ويُسَمَّى موضع العبادة الصلاة؛ لذلك سميت الكنائس صلوات، كقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠].
وكل موضع مَدَحَ الله تعالى بفعل الصلاة، أو حَثَّ عليه ذُكِر بلفظ الإقامة، نحو: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين، نحو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥]، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤].
وإنما خَصَّ لفظ الإقامة تنبيهًا أن المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا رُوِي أن المصلين كثير، والمقيمين لها قليل، وقوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٣]، أي من أتباع النبيين، وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١] تنبيهًا أنه لم يكن ممن يصلي، أي
стр. 4898
يأتي بهيئتها فضلًا عمن يقيمها، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ [الأنفال: ٣٥]، فتسميةُ صلاتهم مكاءً وتصدية تنبيهٌ على إبطال صلاتهم، وأن فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيور تَمْكُو وتصدي. انتهى كلام الراغب ﵀ في "مفردات ألفاظ القرآن" (١).
وقال ابن منظور ﵀: الصلاة الركوع والسجود، والجمع صلوات،
والصلاة: الدعاء والاستغفار، قال الأعشى [من المتقارب]:
وَصَهْبَاءَ طَاَفَ يَهُودِيُّهَا … وَأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمْ
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا … وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
قال: دعا لها أن لا تَحْمَضَ ولا تَفْسُدَ.
والصلاة من الله تعالى الرحمة، قال عديّ بن الرقاع [من الكامل]:
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى امْرِيءٍ وَذَعْتُهُ … وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وَزَادَهَا
وقال الراعي [من البسيط]:
صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وَابْنَتِهَا … لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِهَا الأُخَرِ
وصلاة الله على رسوله ﷺ رَحْمَتُهُ له، وحُسْنُ ثنائه عليه، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أنه قال: كان النبيّ ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهمّ صلّ على آل فلان" فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صَلِّ على آل أبي أوفى"، متّفقٌ عليه.
قال الأزهريّ: هذه الصلاة عندي الرحمة، ومنه قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فالصلاة من الملائكة دعاء واستغفارٌ، ومن الله رحمة، وبه سُمِّيت الصلاة؛ لما فيها من الدعاء والاستغفار.
وفي الحديث: "التحيات، والصلوات"، قال أبو بكر: الصلوات معناها الترحم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: أي يترحمون، وقول النبي ﷺ : "اللهم صل على آل أبي أوفى": أي ترحم عليهم.
وتكون الصلاة بمعنى الدعاء، وفي الحديث: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام
стр. 4899
فليجب، فإن كان مفطرًا فليَطْعَم، وإن كان صائما فليصلِّ" (١). قوله: "فليصلِّ": يعني فَلْيَدْعُ لأرباب الطعام بالبركة والخير، والصائم إذا أُكِل عنده الطعام صَلَّت عليه الملائكة، ومنه قوله: "مَن صلى عليّ صلاةً، صَلَّت عليه الملائكة عشرًا" (٢)، وكل داع فهو مصلٍّ، ومنه قول الأعشى [من البسيط]:
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … إِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
معناه أنه يأمرها بأن تدعوَ له مثل دعائها، أي تعيد الدعاء له، ويُروَى: "عليك مثلُ الذي صليت"، فهو ردٌّ عليها، أي عليك مثلُ دعائك، أي ينالك من الخير مثلُ الذي أردت بي، ودعوت به لي.
وقال أبو العباس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فـ ﴿يُصَلِّي﴾: يرحم، وملائكته يدعون للمسلمين والمسلمات.
ومن الصلاة بمعنى الاستغفار حديثُ سودة ﵄ أنها قالت: يا رسول الله، إذا مِتْنَا صَلَّى لنا عثمان بن مظعون حتى تأتينا، فقال لها: "إن الموت أشدُّ مما تُقَدِّربن".
قال شَمِر: قولها: "صَلَّى لنا": أي استغفر لنا عند ربه، وكان عثمان مات حين قالت سودة ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] فمعنى الصلوات ههنا الثناء عليهم من الله تعالى، وقال الشاعر:
صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعِهِ … رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعُ
معناه: ترحم الله عليه، على الدعاء لا على الخبر.
وقال ابن الأعرابيّ: الصلاة من الله رحمةٌ، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجنّ: القيامُ والركوعُ والسجودُ والدعاءُ والتسبيحُ، والصلاة من الطير والهوامّ: التسبيحُ.
وقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صَلَّى، واصطلى: إذا لَزِمَ، ومن هذا: مَن يُصْلَى في النار: أي يلزم النار.
стр. 4900
وقال أهل اللغة في الصلاة: إنها من الصَّلَوَيْن، وهما مكتنفا الذّنَب من الناقة وغيرها، وأوّلُ مَوْصِل الفخذين من الإنسان، فكأنهما في الحقيقة مكتنفا الْعُصْعُص، قال الأزهريّ: والقول عندي هو الأول، إنما الصلاة لزومُ ما فَرَضَ الله تعالى، والصلاة من أعظم الفرض الذي أُمِر بلزومه، والصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم يُوضَع موضع المصدر، تقول: صَلَّيتُ صلاةً، ولا تقل: تَصْلِيةً، وصَلَّيتُ على النبيّ (١) ﷺ .
قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ في بعد كثير مما سبق في بيان اشتقاق الصلاة، والأقرب هو ما عليه أكثر العلماء، كما سبق في كلام القاضي أنها من صلّى بمعنى: دعا؛ لشهرة ذلك في كلام العرب وأشعارهم؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): (اعلم): أن الصلاة واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وأما السنة فما رَوَى ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا"، مُتَّفَق عليه، وقد تقدّم في "كتاب الإيمان"، مع آي، وأخبار كثيرة أخرى.
وأما الإجماع، فقد أَجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في عدد الصلوات المفروضات:
(اعلم): أن الصلوات المكتوبات خمسٌ في اليوم والليلة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا لعارضٍ، من نذر أو غيره، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: الوتر واجبٌ؛ لما رُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن الله قد زادكم صلاةً، وهي الوتر"، وهذا يقتضي وجوبه، وقال ﷺ : "الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منا"، رواه أبو داود.
стр. 4901
واحتجّ الجمهور بحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فَرَض الله على أمتي خمسين صلاة … " فذكر الحديث إلى أن قال: "فرجعتُ إلى ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ"، مُتَّفَقٌ عليه.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات، افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهنّ، لم يَنقُص منهن شيئًا؛ استخفافًا بهنّ، فان الله جاعل له يوم القيامة عهدًا أن يدخله الجنة، ومن جاء بهنّ، وقد نقص منهن شيئًا، لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له"، حديث صحيح، رواه أبو داود، وغيره.
وعن طلحة بن عبيد الله، أن أعرابيًّا أتى إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله ماذا فَرَض الله عليّ من الصلاة، قال: "خمس صلوات"، قال: فهل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع شيئًا … " الحديث، متّفقٌ عليه.
والحاصل أن الحقّ أنه لا واجب من الصلوات إلا الخمس المكتوبات، إلا أن يكون بسبب؛ كالنذر، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في "كتاب الإيمان"، مستوفًى، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال القاضي عياض ﵀ بعد ذكر ما تقدّم من الاختلاف في اشتقاق الصلاة - ما نصّه:
ثم تشعّبت مذاهب المتكلّمين والنظّار من الفقهاء في هذه الأسماء المستعملة في الشرعيّات؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وشبهها، هل هي منقولة عن موضوعها في اللغة رأسًا؟، وهذا بعيدٌ، ومؤدٍّ إلى أن العرب خُوطبت، وأُمرت بغير لغتها.
أو هي مبقاةٌ على مقتضاها في أصل اللغة، فالصلاة الدعاء، والصيام الإمساك، والحجّ القصد، وهكذا في سائرها، وهو المراد بها، والمفهوم منها، وغير ذلك مما أُضيف إليها من أقوال، وأفعال، غير داخل تحت الاسم، وهو مذهب القاضي أبي بكر.
أو هي واقعةٌ على أصول مسمّياتها، ثم أُطلق على ما انضاف إليها بحكم الاشتمال، أو الاستعارة لمشابهة معناها، وهو مذهب الأشياخ والمحقّقين من
стр. 4902
متكلّمي أهل السنّة، وغيرهم من الفقهاء، وقد أطال المصنّفون في الأصول الكلام في هذا الباب، ومَدُّوا أطنابه، ومخالفة الجماهير من الموافقين والمخالفين جُرْأةٌ تامّةٌ، وجَسَارةٌ، وقولُ المرء لقول قيل يعتقد الصواب في خلافه غير بيّن وخسارة (١)، فالحقّ أحقّ أن يتّبع، لا سيّما بخلاف ليس في قاعدة دين، ومقالة تلوح بالحقّ اليقين، ولا تخرج عن مراد مشايخنا المحقّقين، وذلك أنه متى أُعطيت هذه الألفاظ من البحث حقّها وُجدت عند المخاطبين بها لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به من أفعال مخصوصة، وعبارات مقرّرة إلا ما غيَّر الشرع فيها من بِدَع الجاهليّة، أو نَسَخ من شرائع مَن تقدّم من الكتابيّة (٢)، لكن لا يبعُد أن أصل استعمال العرب لها في جاهليّتهم قبل ورود الشريعة كان على ما أشار إليه الأشياخ، إما من إيقاعها على المعنى الحقيقيّ في اللغة دون اعتبار المزيد فيها، على مذهب القاضي أبي بكر، أو على الجميع بحكم تشابه المعنى والاستعارة على ما ذهب إليه غيره، ثم استُعير استعمالهم لهذه الألفاظ عرفًا على جميع العبادات، فصارت كاللغة الصحيحة، والتسمية الموضوعة، فجاءهم الشرع، واستعمالُهم لها مفهوم عند جميعهم، فقد حقّقنا قطعًا بمطالعة السير، ومدارسة الأثر، واستقراء كلام العرب، وأشعارها أن الصلاة كانت عندهم معلومةً على هيئتها عندنا من أفعال، وأقوال ودعاء وخضوع وسجود وركوع، وقد تنصّر كثيرٌ منهم، وتهوّد، وتمجّس، وتقرّبوا بالصلوات والعبادات، وجاوروا أهل الديانات، وداخلوا أهل الملل، ووفَدَ أشرافهم على ملوكهم، وأَلِفَت قريش رحلةَ الشتاء والصيف إلى بلادهم، وثاقبوا ربّانيّيهم وأحبارهم، وشاهدوا رهبانيّتهم وشرائعهم، وثابر كثير منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم، وعرَفُوا السجود والركوع والصوم والحجّ والعمرة والاعتكاف، وحَجُّوا كلَّ عام، واعتمروا، واعتَكفوا، وحضُّوا على الصدقة، وصاموا عاشوراء، وفي
стр. 4903
الحديث: "كان عاشوراء يومًا تصومه الجاهليّة … " الحديث، متّفقٌ عليه، وقال عمر ﵁: "نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام … " الحديث، متّفقٌ عليه، وفي إسلام أبي ذرّ ﵁، وأنه صلّى قبل المبعث بثلاث سنين مع صواحبه، وأنه كان يتوجّه عشاء حيث يوجّهه الله.
ومن طالع أخبارهم، ودرس أشعارهم، عَلِمَ ذلك منهم ضرورةً، فجاء الشرع بالأمر بهذه العبادات، وهي عندهم معلومة، مفهوم المراد منها، من أن الصوم إمساك مخصوصٌ عن أفعال مخصوصة بالنهار دون الليل، والاعتكاف لزوم التعبّد والتبرّر بمكان مخصوص، والحجّ قصدٌ مخصوصٌ لبيت الله الحرام، يشتمل على وقوف بعرفة، وطواف بالبيت، ودعاء، وذكر، وتبرّر، وأن الصدقة بذلُ المال للمحتاج، ثم سُمّيت زكاةً؛ لما فيها من زكاة المال ونمائه، أو زكاة صاحبه وتطهيره، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فإن لم توجد تسمية الزكاة الشرعيّة قبلُ معروفةً، فالصدقة معروفةٌ، وقد قال الأعشى:
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ (١) وَنَائِلُ
ومع هذا التقرير، فلا مجال للخلاف مع الإنصاف، وقد طالعت بهذا الرأي أهل التحقيق من شيوخي، فما رأيت منهم مُنصفًا ردّه.
ثم اختلف الأصوليّون، والفقهاء من أصحابنا وغيرهم في ورود هذه الألفاظ الشرعيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فقيل: هي مجملةٌ تحتاج إلى بيان، وقيل: هي عامّة تُحمَل على العموم، إلا ما خَصّ منها الدليل، وقيل: تُحمل على أصل ما يتناوله اللفظ، واستقصاء هذا في علم الأصول. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاضي تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وخلاصته أن الألفاظ الشرعيّة من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ،
стр. 4904
ونحوها على وفق معانيها اللغويّة، وليست من باب النقل، ولا المجاز، وإنما هي معلومة للعرب في جاهليّتهم، فخاطبهم الشرع بما يعرفونه، غير أنه أضاف لهم من الشروط، والأركان والمندوبات بعض ما كانوا يُخلّون به، ونقص منها ما كانوا يفعلونه من الأفعال المنافية للشرع؛ كالشركيّات، والبدع، والخرافات، فهذّب لهم التوحيد، والعبادات الخالصة لله تعالى.
والحاصل أن ما ادّعاه كثيرون من أن الألفاظ الشرعيّة منقولة من اللغويّة، أو مجاز واستعارة، أو نحو ذلك ادّعاء لا ينبني على التحقيق، بل مجرّد تخمينات وظنون، فلا ينبغي الاشتغال بالبحث فيه، والتعمّق في إدراكه؛ لأنه مجرّد هذيان، والله تعالى المستعان.
وأما الخلاف في ورود الأوامر بالألفاظ الشرعيّة، هل هي مجملة … إلخ، فالحقّ أنها عامّة تُحمل على عمومها حتى يرد دليلٌ يخصّها، ويوضّح هذا عمل الصحابة ﵃، فإنها كانوا إذا سمعوا أمرًا في كتاب الله، أو في سنّة رسول الله ﷺ ، كانوا يُبادرون إلى العمل به، ولا يبحثون هل له مخصّصات أم لا؟ إلى أن يبيّن لهم النبيّ ﷺ المراد الخاصّ، فيقبلونه، فلما نزل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل عديّ بن حاتم ﵁ الخيطين تحت وسادته، فجعل يأكل حتى يتبيّنا له، فبيّن له ﷺ أن ذلك ليس المراد، بل هما بياض النهار وسواد الليل، وكذلك لما نزل قوله ﷺ : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] شقّ عليهم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فبيّن لهم ﷺ بأن الظلم هنا هو الشرك، وهكذا كانوا يحملون العمومات على ظواهرها إلى أن يأتي مخصّص، وكان النبيّ ﵀ يقرّهم على فهمهم ذلك، ويبيّن لهم مخصصه إن اقتضى المقام ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ)
قال الجامع عفا الله عنه: فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في تعريف "الأذان" لغة وشرعًا:
(اعلم): أن "الأذان" بالفتح اسم من التأذين، قال الفيّوميّ ﵀: وأَذَّن
стр. 4905
المؤذِّنُ بالصلاة: أَعْلَمَ بها، قال ابن بَرِّيّ: وقولهم: أَذَّن العصرَ بالبناء للفاعل خطأٌ، والصواب أُذِّنَ بالعصر، بالبناء للمفعول مع حرف الصّلَة، و"الأذان" اسم منه، والْفَعَالُ بالفتح يأتي اسمًا من فَعَّلَ بالتشديد، مثلُ وَدَّع وَدَاعًا، وسَلَّمَ سَلَامًا، وكَلَّمَ كَلَامًا، وزَوَّجَ زَوَاجًا، وجَهَّزَ جَهَازًا. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": قال أهل اللغة: أصل الأذان الإعلام، والأذان للصلاة معروف، يقال فيه: الأذان، والأَذِين، والتأذين، قاله الهرويّ في "الغريبين". قال: وقال شيخي: الأَذِين: المؤذَّن: الْمُعْلِم بأوقات الصلاة، فَعِيل بمعنى مُفْعِل، قال الأزهريّ: يقال: أَذَّن المؤذن تأذينًا وأَذانًا: أي أعلم الناس بوقت الصلاة، فوُضِع الاسم موضع المصدر، قال: وأصله من الأَذَن، كأنه يُلْقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": "الأذانُ": لغةً الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٣]، واشتقاقه من الأَذَنِ - بفتحتين - وهو الاستماع، وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. انتهى (٣).
وقال ابن قُدامة ﵀: الأذان: إعلام بوقت الصلاة، والأصل في الأذان الإعلام، قال الله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلام، و ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أي أعلمتكم، فاستوينا في العلم، وقال الحارث بن حلّزة [من الخفيف]:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ … رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
أي أعلمتنا، والأذان الشرعيّ: هو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلوات للإعلام بوقتها. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): قال القاضي عياض ﵀: (اعلم): أن الأذان كلام جامعٌ لعقيدة الإيمان، مشتملٌ على نوعه من العقليات والسمعيات، فأوله إثبات