يقيموا معًا إذا لم يؤدِّ إلى التهويش. انتهى (١).
٢ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": استحباب أذان واحد بعد واحد، -أي كما كان يفعله مؤذّنا رسول اللَّه ﷺ وأما أذان اثنين معًا فمنع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أميّة، وقال الشافعيّة: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. انتهى (٢).
٣ - (ومنها): جواز وصف الإنسان بعيب فيه؛ للتعريف، أو مصلحة تترتب عليه، لا على قصد التنقيص، وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة، وهي ستة مواضع يباح فيها ذكر الإنسان بعيبه ونقصه، وما يَكْرَهه، وقد نظمتها بقولي:
يَا طَالِبًا فَائِدَةً جَلِيلَهْ … اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلْفَضِيلَهْ
أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيًّا أَوْ لَا … مُحَرَّم قَطْعًا بِنَصِّ يُتْلَى
لَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحِ … أُبِيحَ عَدَّهَا أُولُو التَّرْجِيحِ
فَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظَلَّمِ … وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمِ
وَعِبْ مُجَاهِرًا بِفِسْق أَوْ بِدَعْ … بِمَا بِهِ جَاهَرَ لَا بِمَا امْتَنَعْ
وَعَرِّفَنْ بِلَقَب مَنْ عُرِفَا … بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا
وَحَذِّرَنْ مِنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا … تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى
وَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ … تَكُنْ مُوَفَّقًا لِنَيْلِ الأَرَبِ
وقد تقدّمت هذه الأبيات، وإنما أعدتها تذكيرًا؛ لطول العهد بها، وسيأتي الكلام أيضًا في "كتاب النكاح" عند قول النبيّ ﷺ : "أما معاوية فصُعْلُوكٌ. . . "، وفي حديث: "إن أبا سفيان رجلٌ شَحِيح. . . "، وفي حديث: "بئس أخو العشيرة. . . "، وفي مواضع أخرى من الكتاب -إن شاء اللَّه تعالى- وباللَّه تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): جواز كون الأعمى مؤذّنًا، إذا كان معه بصيرٌ يرشده للأوقات (٣)، وسيأتي في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى-.
стр. 4972
٥ - (ومنها): جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وفيه خلاف، والأرجح الجواز؛ لقصّة ابن أم مكتوم ﵁.
٦ - (ومنها): أنه يُستفاد جواز شهادة الأعمى، قال الإمام البخاريّ في "كتاب الشهادات" من "صحيحه": "باب شهادة الأعمى، وأمره، ونكاحه، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره". انتهى (١).
٧ - (ومنها): جواز العمل بخبر الواحد.
٨ - (ومنها): جواز الاعتماد على الصوت دون الرواية إذا كان عارفًا به، وإن لم يُشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة؛ لاحتمال الاشتباه.
٩ - (ومنها): جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك، واحتيج إليه.
١٠ - (ومنها): جواز الأذان قبل طلوع الفجر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق ﵁ التيميّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، فقيه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٢ - (عَائِشَة) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قريبًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث عبيد اللَّه، عن نافع المتقدّم؛ يعني عبيد اللَّه بن عمر روى هذا الحديث بإسنادين: إسناد نافع، عن ابن عمر ﵄، وإسناد القاسم، عن عائشة ﵂، فالحديث ثابت عنهما جميعًا.
стр. 4973
[تنبيه]: رواية عبد اللَّه، عن القاسم التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٥) فقال:
(٨٣٧) حدثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عبيد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، ثنا عبيد اللَّه بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا. انتهى.
وسيأتي شرح الحديث مستوفًى في "كتاب الصيام" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٥) - (بَابُ جَوَازِ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُرْشِدُهُ لِلْوَقْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥١] (٣٨١) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَعْمَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ البَجَليّ مولاهم، أبو الهيثم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه،
стр. 4974
ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) ﵂ تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى خالد، فأخرج له أبو داود في "مسند مالك".
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ، عن خالته: هشام، عن عروة، عن عائشة ﵂، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) تقدّم أن الأصحّ أن اسمه عمرو بن قيس بن زائدة (يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَعْمَى) فيه جواز أذان الأعمى، قال النوويّ ﵀: أذان الأعمى صحيحٌ، وهو جائز بلا كراهة إذا كان معه بصيرٌ، كما كان بلال وابن أمّ مكتوم، قال أصحابنا: ويكره أن يكون الأعمى مؤذِّنًا وحده. انتهى.
وقال الإمام البخاريّ في "صحيحه": "باب أذان الأعمى إذا كان له من يُخبره"، قال في "الفتح": أي بالوقت؛ لأن الوقت في الأصل مبنيّ على المشاهدة، وعلى هذا القيد يُحمَل ما روى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن مسعود، وابن الزبير، وغيرهما أنهم كَرِهوا أن يكون المؤذِّن أعمى، وأما ما نقله النوويّ عن أبي حنيفة، وداود أن أذان الأعمى لا يصحّ، فقد تعقّبه السروجيّ بأنه غلط على أبي حنيفة. نعم، في "المحيط" للحنفيّة أنه يُكره.
стр. 4975
انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٨٥١ و ٨٥٢] (٣٨١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٤٣٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٧٨ و ٩٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٣٨ و ٨٣٩)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الباب الماضي، وللَّه الحمد والمنّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن سالم بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ، صدوقٌ، من كبار [٨] (ت ١٥٣) (م د س) تقدم في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨٢.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد اللَّه بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سَلامان بن رَبِيعة بن سعد بن جُمَح الْجُمَحيّ، من ولد عامر بن حِذْيَم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، قاضي بغداد، صدوقٌ، له أوهامٌ [٨].
стр. 4976
رَوَى عن أبي حازم بن دينار، وهشام بن عروة، وسُهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبيد اللَّه بن عمر، وموسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، وغيرهم.
ورَوَى عنه الليث بن سعد، وهو من أقرانه، وابن وهب، وسُرَيج بن النعمان، وإسحاق الفَرْويّ، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ولُوَين، وعلي بن حُجْر، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، وحديثه مقارِب، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: لَيِّنُ الحديث، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال الساجيّ: يروي عن هشام وسهيل أحاديث لا يُتابَع عليها، وقال ابن عديّ: له غرائب، وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء، فيَرْفَع موقوفًا، ويَصِل مرسلًا، لا عن تعمّد، ووثقه ابن نُمَير، وموسى بن هارون، والعِجْليّ، والحاكم أبو عبد اللَّه، ونقل ابن الجوزيّ عن أبي حاتم: لا يُحتَجّ به، وقال ابن حبّان: يروي عن عبد اللَّه بن عمر وغيره من الثقات أشياء موضوعةً، يتخايل إلى من سمعها أنه كان المتعمد لها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في كلام ابن حبّان هذا نظرٌ لا يخفى، فسعيد بن عبد الرحمن قد وثّقه جلّ الأئمة كما سمعتَ، ولم يطعن فيه بالوضع أحد إلا هو، فلا تغترّ به، فابن حبّان إلى جانب تساهله في توثيق المجاهيل معروف بالتشدّد أيضًا في تضعيف الثقات؛ فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال أبو حسان الزياديّ وغيره: مات سنة (١٧٦) وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (هِشَام) هو ابن عروة المذكور قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
[تنبيه]: رواية يحيى بن عبد اللَّه، وسعيد بن عبد الرحمن هذه أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٦)، فقال:
стр. 4977
(٨٣٩) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد اللَّه (١) بن وهب، ثنا يحيى بن عبد اللَّه، وسعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كان ابن أم مكتوم، يؤذن لرسول اللَّه ﷺ ، وهو أعمى". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٦) - (بَابُ الإِمْسَاكِ عَنِ الإِغَارَةِ عَلَى قَوْمٍ فِي دَارِ الْكُفْرِ إِذَا سُمِعَ فِيهِمُ الأَذَانُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٣] (٣٨٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْفِطْرَةِ"، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ"، فَنَظَرُوا، فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الحافظ الناقد، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
стр. 4978
الناس في ثابت، تغيّر حفظه في آخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع و ١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير، مات سنة ﵁ (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وحمّاد بن سلمة روى له البخاريّ حديثًا في الرقاق، وعلّق له أيضًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، وقد دخل البصرة للأخذ عن مشايخها، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ) بضم أوله وكسر ثانيه، من الإغارة رباعيًّا، يقال: أغار على الْعَدُوِّ: إذا هَجَمَ عليهم في ديارهم، وأوقع بهم، وأغار الفرسُ إغارةً، والاسم الْغَارة، مثلُ أطاع إطاعةً، والاسم الطاعة: إذا أسرع في الْعَدْوِ، وأغار القومُ إغارةً: أسرعوا في السير، ومنه قولهم: "أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ"، أي حتى ندفع للنحر، ثم أُطلقت الغارة على الخيل الْمُغِير، وبه سُمِّي الرجل، ومنه الْمُغيرة بن شُعْبة، ويقال: شَنُّوا الغارةَ: أي فرّقوا الْخَيلَ، قاله الفيّوميّ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: الغارة، والإغارة: عبارة عن الهجوم على العدوّ صُبْحًا من غير إعلام لهم. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "يُغير" جيء بصيغة المضارع؛ ليفيد الاستمرار لبيان عادته ودَأْبِهِ، فهو كقوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ [العاديات: ٣]،
стр. 4979
و"الإغارة": كَبْسُ القوم (١) على غفلة، وهي بالليل أولى، ولعلّ تأخيرها (٢) إلى الفجر لاستماع الأذان. انتهى (٣).
(إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ) ظرف متعلّق بـ "يُغِيرُ"، و"طَلَعٍ" بفتح اللام، يقال: طَلَع الكوكب، والشمسُ طُلُوعًا، من باب قَعَدَ، ومَطْلِعًا بفتح اللام وكسرها: إذا ظَهَرَ؛ كاطَّلَع، وكلّ ما بدا لك من عُلْوٍ، فقد طَلَعَ عليك، وطَلَعَ على الأمر طُلُوعًا: عَلِمه، كاطّلعه على افتعله، وتطلّعه، وطَلَعَ فلانٌ علينا، كمَنَعَ، ونَصَرَ: أتانا، كاطّلَعَ، وطَلَعَ عنهم: غاب، ضدٌّ، أفاده في "القاموس" (٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أفاد ما تقدّم أن طلع الفجر، إذا ظهر، من باب قَعَدَ، وأما طلع علينا فلان، بمعنى: أتانا، فهو من بابي منع ونصر؛ فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وإنما كان ﷺ يُغير عند طلوع الفجر؛ ليعلم أنهم مسلمون أو كفّار؛ لأنهم إن كانوا مسلمين، فسيُصلّون صلاة الصبح، فلا يستحقّون الإغارة، وإلا تركوها، فيستحقّونها، ولذا أتبعه بقوله: (وَكَانَ) ﷺ (يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ) أي يطلب سماعه، ويتوجّه بسمعه إلى صوت المؤذّن؛ ليتأكّد من حالهم (فَإِنْ سَمِعَ) بكسر الميم، يقال: سَمِعَ كَعَلِمَ سَمْعًا بالفتح، ويُكسَرُ، أو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وسَمَاعًا وسَمَاعَةً، وسَمَاعِيَةً، وتَسَمَّعَ، واسَّمَّعَ، قاله في "القاموس" (٥).
وقال في "المصباح": سَمِعته، وسمعت له سَمْعًا، وتسمَّعتُ، واستمعتُ كلُّها يتعدّى بنفسه، وبالحرف بمعنًى، واستمع لِمَا كان بقصد؛ لأنه لا يكون إلا بالإصغاء، وسَمِعَ يكون بقصد وبدونه. انتهى (٦).
(أَذَانًا أَمْسَكَ) أي عن الإغارة بسبب الأذان؛ لأنه تبيّن كونهم مسلمين أو مسالمين.
стр. 4980
وقال الطيبيّ ﵀: أقام الأذان موضع الضمير؛ إشعارًا بأن من حقّ الأذان، وكونه من الدين الأمانُ، وأن لا يُتَعَرَّضَ أهله، ولا يُغار عليهم. انتهى.
وحاصل ذلك أن القوم الذين سُمع منهم الأذان إما أن يكونوا مسلمين أو مسالمين للمسلمين، وذلك بأن يقع بينهم وبين المسلمين الصلح بتركهم المسلمين بين أظهرهم يقيمون شعائر دينهم، فإذا كانوا كذلك وجب الكفّ عنهم، وإلا حقّ للمسلمين أن يقاتلوهم، كما قال: (وَإِلَّا) أي وإن لم يسمع الأذان (أَغَارَ) أي هَجَم على تلك البلدة، قال القاضي عياضٌ ﵀: أي كان ﷺ يتثبّت فيه، ويحتاط في الإغارة حَذَرًا عن أن يكون فيهم مؤمنٌ، فيُغير عليه غافلًا عنه، جاهلًا بحاله. انتهى.
[تنبيه]: "إلا" هذه ليست من أدوات الاستثناء، وإنما هي "إن" الشرطيّة أدغمت في لام "لا" النافية، فكُتبت باللام، وإنما نبّهت عليه؛ لأن بعض المغفّلين يظنّها "إلا" الاستثنائيّة، فيسأل عن المستثنى، والمستثنى منه، بل رأيت بعضهم وقع في مثل هذا.
قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في "مغني اللبيب": ليست من أقسام "إلا" التي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، وإنما هذه كلمتان "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في "شرح التسهيل" من أقسام "إلا". انتهى (١).
(فَسَمِعَ) الفاء فصيحيّة، أي ولَمّا كان من عادته ﷺ أن يستمع الأذان قبل الإغارة استمع، فسمِع (رَجُلًا) لم أَرَ من سمّى الرجل، ولا في أيّ غزوة كانت قصّته؟، فيحتمل أن تكون في غزوة خيبر، كما هو نصّ رواية البخاريّ الآتية، ويحتمل أن تكون في غيرها، واللَّه تعالى أعلم.
(يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْفِطْرَةِ") متعلّق بفعل مقدَّر؛ أي أوقعتها على الفطرة، أو بخبر لمبتدأ مقدّر، أي أنت أو هو
стр. 4981
كائنٌ على الفطرة، أي الدين، أو السنّة، أو الإسلام الذي فطر اللَّه تعالى الناس عليه، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم: ٣٠].
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "على الفطرة": أي أنت، أو أوقعتها على الفطرة، والثاني أولى؛ ليطابق قوله: "خَرَجتَ"، يعني أوقعتها على الفطرة التي فُطِر الناسُ عليها، ثم قوله بعد ذلك: "خرجتَ من النار" بعد استماعه كلمة التوحيد إشارة إلى استمراره على تلك الفطرة، وعدم تصرّف الوالدين فيه بالشرك. انتهى (١).
وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "على الفطرة": أي على الإسلام؛ إذ كان الأذان شِعَارهم، ولهذا كان ﷺ إذا سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار؛ لأنه كان فَرْقَ ما بين بلد الكفر، وبلد الإسلام. انتهى (٢).
(ثُمَّ قَالَ) أي ذلك الرجل (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ") بصيغة الماضي، وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه": "حَرُمَ على النار" (٣).
قال الطيبيّ ﵀: وهذا قاله إما تفاؤلًا، وإما قطْعًا؛ لأن كلامه ﷺ صدق، ووعدُ اللَّه حقّ. انتهى (٤).
وقال الشوكانيّ ﵀: هو نحو الأدلّة القاضية بأنّ من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنّة، وهي مطلقةٌ مقيَّدة بعدم المانع؛ جمعًا بين الأدلّة. انتهى (٥).
(فَنَظَرُوا) أي الصحابة الذين حضروا هذه الواقعة (فَإِذَا هُوَ) أي الرجل المؤذّن، و"إذا" هنا هي الْفُجَائيّة (رَاعِي مِعْزًى) وفي رواية ابن حبّان: "فابتدرناه، فإذا هو صاحب ماشية، أدركته الصلاة، فنادى بها" (٦).
و"الْمِعْزَى": بكسر الميم منوَّنًا، وهو بمعنى المعز، وهو اسم جنس، وواحد المِعْزى ماعزٌ، وهو خلاف الضأن، وقال الفيّوميّ ﵀: "الْمَعْزُ": اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، الواحدة شاةٌ، وهي
стр. 4982
مؤنّثةٌ، وتُفتَح العين، وتُسكَّنُ، وجمع الساكن أَمْعُزٌ، ومَعِيزٌ، مثلُ عَبْدٍ، وأَعْبُدٍ وعَبِيدٍ، والْمِعْزَى ألفها للإلحاق، لا للتأنيث، وهذا يُنوّن في النكرة، ويُصغَّرُ على مُعَيْزٍ، ولو كانت الألف للتأنيث لم تُحذف، والذّكَرُ ماعِزٌ، والأُنثى ماعِزَةٌ. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: حديث أنس ﵁ هذا عدّه صاحب "أفراد مسلم" من أفراده، والحقّ أنه متّفقٌ عليه، فقد أخرجه المصنّف ﵀ هنا من رواية ثابت عنه، مختصرًا على قصّة الأذان، وأخرجه البخاريّ في "كتاب الأذان" "باب ما يُحْقَنُ بالأذان من الدماء"، من رواية حُميد عنه، مطوّلًا، لكنه لم يذكر قصّة الراعي، ودونك نصّه:
(٦١٠) حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك، أن النبيّ ﷺ كان إذا غزابنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يُصْبِح وينظر، فإن سمع أذانًا كَفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلما أصبح، ولم يسمع أذانًا رَكِبَ، ورَكِبتُ خلف أبي طلحة، وإن قدمي لَتَمَسُّ قدم النبيّ ﷺ ، قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبيّ ﷺ قالوا: محمد واللَّه محمد والخميسَ، قال: فلما رآهم رسول اللَّه ﷺ قال: "اللَّه أكبر اللَّه أكبر، خَرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ". انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٨٥٣] (٣٨٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦١٠)، و (الترمذيّ) في "السير" (١٦١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٢ و ٢٢٩ و ٢٤١ و ٢٥٣ و ٢٧٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٩٩ و ٤٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٦٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٠٥)،
стр. 4983
و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٨٠ و ٩٨١ و ٩٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٤٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة الأذان من يُصلّي وحده، قال النوويّ ﵀: احتُجّ به في أن الأذان مشروع للمنفرد، وهذا هو الصحيح المشهور في مذهبنا ومذهب غيرنا. انتهى (١).
٢ - (ومنها): أنه دليل على أن الأذان يَمنع الإغارة على أهل ذلك الموضع؛ لأنه دليل على إسلامهم، أو مسالمتهم للمسلمين، ولذلك ترجم عليه الإمام البخاريّ في "صحيحه"، فقال: "باب ما يُحْقَنُ بالأذان من الدماء".
٣ - (ومنها): أن النطق بالشهادتين يكون إسلامًا، وإن لم يكن باستدعاء ذلك منه، وهذا هو الصواب، وفيه خلاف تقدّم بحثه مستوفًى في أوائل "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): أنه دليل على جواز الحكم بالدليل؛ لكونه ﷺ كفّ عن القتال بمجرّد سماع الأذان.
٥ - (ومنها): أن فيه الأخذَ بالاحتياط في أمر الدماء؛ لأنه ﷺ كفّ عنهم في تلك الحالة مع احتمال أن لا يكون ذلك على الحقيقة.
٦ - (ومنها): ما قال الخطّابيّ ﵀: فيه بيان أن الأذان شِعارٌ لدين الإسلام، فلو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه. انتهى. قال في "الفتح": وهذا أحد أقوال العلماء كما تقدّم، وهو أحد الأوجه في المذهب، وأغرب ابن عبد البرّ، فقال: لا أعلم فيه خلافًا، وأن قول أصحابنا: من نَطَقَ بالتشهّد في الأذان حُكِم بإسلامه إلا إذا كان عيسويًّا، فلا يَرِد عليه مطلق حديث الباب؛ لأن العيسويّة طائفة من اليهود حدَثَت في آخر دولة بني أُميّة، فاعترفوا بأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ ، لكن إلى العرب فقط، وهم منسوبون إلى رجل يقال له: أبو عيسى، أحدث لهم ذلك. انتهى (٢).
стр. 4984
٧ - (ومنها): ما قال التيميّ ﵀: إنما يُحقن الدم بالأذان؛ لأن فيه الشهادة بالتوحيد، والإقرار بالنبيّ ﷺ ، قال: وهذا من بلغته الدعوة، وكان يُمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان؛ ليعلم أكان الناس مجيبين للدعوة أم لا؟؛ لأن اللَّه تعالى وعده إظهار دينه على الدين كلّه، وكان يَطمع في إسلامهم، ولا يلزم اليوم الأئمة أن يكفّوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمع أذانًا؛ لأنه قد عُلِم غائلتهم للمسلمين، فينبغي أن تُنتهز الفُرْصة فيهم. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٧) - (بَابُ أَمْرِ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَسْأَلُ لَهُ الْوَسِيلَةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٤] (٣٨٣) - (حَدَّثَنِي (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النَّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الحجة الفقيه [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن شهاب الزهريّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
стр. 4985
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثيُّ) الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقة [٣] (ت ٥ أو ١٠٧)، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٦.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وقد دخلها للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عطاء.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثيِّ) وفي رواية ابن وهب، عن مالك ويونس، عن الزهريّ أن عطاء بن يزيد أخبره، أخرجه أبو عوانة.
[فائدة]: اختُلِف على الزهريّ في إسناد هذا الحديث، وعلى مالك أيضًا، لكنه اختلاف لا يَقْدَح في صحته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، أخرجه النسائيّ، وأبن ماجه، وقال أحمد بن صالح، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذيّ: حديث مالك، ومن تابعه أصحّ، ورواه يحيى القطان، عن مالك، عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، أخرجه مسدد في "مسنده" عنه، وقال الدارقطنيّ: إنه خطأ، والصواب الرواية الأولى، وفيه اختلاف آخر، دون ما ذُكِر لا نطيل به، قاله في "الفتح" (١).
стр. 4986
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ) قال الصنعانيّ ﵀: أي نداء المؤذّن، يدلّ عليه رواية: "إذا سمعتم النداء"، وقيّده البرماويّ بما إذا سمعتم قول المؤذّن، أو صوت المؤذّن، فيعمّ الأذان والإقامة، غير أنه يقول عند قوله: "قد قامت الصلاة" أقامها اللَّه وأدامها، قال الصنعانيّ: وفيه بُعد. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما قوله: "فيعمّ الأذان والإقامة"، فهو الظاهر من الحديث؛ إذ الإقامة يُطلق عليها الأذان، كقوله ﷺ : "بين كلّ أذانين صلاة"، فيقول من سمع المؤذّن يقيم ما يقول.
وأما قوله: "أقامها اللَّه، وأدامها" فمما لا دليل عليه، واللَّه تعالى أعلم.
ثم ظاهره اختصاص الإجابة بمن يَسْمَع، حتى لو رأى المؤذِّن على الْمَنَارة مثلًا في الوقت، وعَلِم أنه يؤذن، لكن لم يسمع أذانه لبعدٍ، أو صَمَمٍ لا تُشْرَع له المتابعة؛ لأن المتابعة معلّقة بالسماع، والحديث صريح باشتراطه، وقياسًا على العاطس، فإنه لا يُشرع إلا من يسمع تحميده، قاله النوويّ في "شرح المهذب" (١).
(فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ) "مثلَ" منصوبٌ على أنه صفة لمصدر محذوف، أي قولوا قولًا مثل ما يقول، أو مفعول مطلق على النيابة؛ لأن الصفة إذا قامت مقام الموصوف المحذوف تُعرَب مفعولًا مطلقًا، وكلمة "ما" مصدريّةٌ، أي مثلَ قول المؤذّن، أو موصولة، والعائد محذوف؛ أي مثل الذي يقوله.
و"الْمِثْلُ": هو النظير، يقال: مِثْلٌ -بكسر، فسكون- ومَثَلٌ -بفتحتين- ومَثِيلٌ -بفتح، فكسر- مثل: شِبْهٍ، وشَبَهٍ، وشَبِيهٍ، والمماثلة بين الشيئين: اتّحادهما في النوع؛ كزيد وعمرو في الإنسانيّة، أفاده في "العمدة" (٢).
وقال في "الفتح": في الحديث دليلٌ على أن لفظ "المثل" لا يقتضي المساواة من كل جهة؛ لأن قوله: "مثل ما يقول" لا يُقْصَد به رفع الصوت المطلوب من المؤذّن، كذا قيل، وفيه بحثٌ؛ لأن المماثلة وقعت في القول، لا في صفته. والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك، أن المؤذن مقصوده
стр. 4987
الإعلام، فاحتاج إلى رفع الصوت، والسامع مقصوده ذكر اللَّه، فيَكْتَفِي بالسر، أو الجهر لا مع الرفع، نعم لا يَكفيه أن يُجْرِيه على خاطره من غير تلفظ؛ لظاهر الأمر بالقول.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "إن مقصود المؤذّن الإعلام"، فيه نظر؛ بل الصواب أن مقصوده ذكر اللَّه تعالى مع الإعلام، فهو جامع بينهما، بخلاف المجيب، فإن مقصوده مجرّد الذكر؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وأغرب ابن الْمُنَيِّر، فقال: حقيقة الأذان جميع ما يصدُر عن المؤذن، من قول، وفعل، وهيئة.
وتُعُقِّب بأن الأذان معناه: الإعلام لغةً، وخَصَّه الشرع بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة، فإذا وُجدت وُجِد الأذان، وما زاد على ذلك من قول، أو فعل، أو هيئة، يكون من مكملاته، ويوجد الأذان من دونها، ولو كان على ما أَطْلَق لكان ما أُحْدِث من التسبيح قبل الصبح، وقبل الجمعة، ومن الصلاة على النبيّ ﷺ من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغةً ولا شرعًا. انتهى (١).
(الْمُؤَذِّنُ") قال في "الفتح": ادَّعَى ابن وضاح أن قول "المؤذن" مُدْرَج، وأن الحديث انتهى عند قوله: "مثل ما يقول".
وتُعُقِّب بأن الإدراج لا يَثْبُت بمجرد الدعوى، وقد اتَّفَقَت الروايات في "الصحيحين"، و"الموطأ" على إثباتها، ولم يُصِب صاحب "العمدة" في حذفها. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٨٥٤] (٣٨٣)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦١١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٢٢)، و (الترمذيّ) فيها (٢٠٨)،
стр. 4988
و (النسائيّ) في "الأذان" (٢/ ٢٣)، و (ابن ماجه) فيه (٧٢٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٢٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٨٤٢ و ١٨٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦ و ٥٣ و ٧٨ و ٩٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٨٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٨٦ و ٩٨٧ و ٩٨٨)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٨٤١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤١٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بإجابة المؤذّن من سمعه، واختُلف هل الأمر للوجوب، وهو الأصحّ، أم للاستحباب، وهو قول الجمهور؛ وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن ظاهر قوله: "مثل ما يقول" يقتضي أن يقول مثل ما يقوله من الأذان، وإليه ذهب بعضهم، والصحيح ما عليه الجمهور، وهو استثناء الحيعلتين؛ لأن حديث أبي سعيد ﵁ هذا عامّ، وحديث معاوية ﵁ الآتي خاصّ، والخاصّ مقدَّم على العامّ، فيُخصّص به.
وقال في "الفتح": ظاهر قوله: "مثل ما يقول" أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديثُ عمر (١)، وحديث معاوية (٢) يدلان على أنه يُستثنى
стр. 4989
من ذلك "حيّ على الصلاة"، و"حي على الفلاح"، فيقول بدلهما: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه"، كذلك استدل به ابن خزيمة، وهو المشهور عند الجمهور.
وقال ابن المنذر: يَحْتَمِل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارةً كذا، وتارةً كذا.
وحَكَى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول، أن الخاصّ والعامّ إذا أمكن الجمع بينهما، وجب إعمالهما، قال: فَلِمَ لا يقال: يُستَحَبّ للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجهٌ عند الحنابلة.
وأجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يَشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يَحصُل من المؤذّن، فَعُوِّض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة.
ولقائل أن يقول: يَحْصُل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة، إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن، ومن نفسه، ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم: "سَمِع اللَّه من حمده"، كما سيأتي في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الاقتصار على الحوقلة في إجابة الحيعلتين هو الصواب؛ لأن عموم قوله ﷺ : "فقولوا مثل ما يقول" فُسّر بحديث عمر ومعاوية ﵄، فالحقّ أن يُعمَل بالتفسير؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: معنى الحيعلتين: هَلُمّ بوجهك، وسريرتك إلى الهدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمرٌ عظيمٌ لا أستطيع مع ضعفي القيام به، إلا إذا وَفَّقني اللَّه بحوله وقوته.
ومما لُوحِظت فيه المناسبة ما نَقَل عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: حُدِّثت أن الناس كانوا يُنصتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة، فلا يقول شيئًا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: "حي على الصلاة" قالوا: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه"، وإذا قال: "حي على الفلاح"، قالوا: "ما شاء اللَّه". انتهى. وإلى هذا صار بعض الحنفية، ورَوَى ابن أبي شيبة مثلَهُ عن عثمان، ورُوي عن سعيد بن
стр. 4990
جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا. ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى، قيل: لا يجيبه إلا في التشهدين فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أَتَى به مما يدلّ على التوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطحاوي.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا أورد هذه الأقوال في "الفتح"، ومن الغريب أنه لم يتعقّبها، مع أن كلّها مخالف لما صحّ عن النبيّ ﷺ ، فإنه بيّن ما يقوله السامع، ولا يوجد شيء مما ذكره أصحاب هذه الأقوال في بيانه ﷺ ، فهي أقوال وآراء لا أثارة عليها من علم فلا ينبغي الالتفات إليها، وإنما تُذكر للمعرفة والتعجّب، وعلى العاقل التقيّد بما صحّ عنه ﷺ قولًا، أو فعلًا، فقد أمرنا بذلك، وحثّنا عليه، فقد أخرج أحمد، وأبو داود وغيرهما بسند صحيح، من حديث العِرْباض بن سارية ﵁ الطويل، وفيه: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
قال: وحَكَوا أيضًا خلافًا، هل يُجيب في الترجيع أو لا؟، وفيما إذا أذَّن مؤذن آخر، هل يُجيبه بعد إجابته للأول أو لا؟ قال النوويّ: لم أر فيه شيئًا لأصحابنا، وقال ابن عبد السلام: يُجيب كل واحد بإجابة؛ لتعدد السبب، وإجابةُ الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة، فإنهما سواء؛ لأنهما مشروعان. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بإجابته في الترجيع هو الأرجح عندي إذا كان يسمعه؛ لأن ظاهر النصّ يشمله، وكذا القول بإجابة المؤذّنين كلّهم كما قال ابن عبد السلام: هو الأرجح أيضًا؛ فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أنه إنما قال: "مثل ما يقول"، ولم يقل: مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة، مثل كلمتها، والصريح في ذلك ما رواه النسائيّ، من حديث أم حبيبة ﵂ أنه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت، وأصرح منه حديث عمر بن الخطاب ﵁ الآتي، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استُحِبّ له التدارك إن لم يطل الفصل، قاله النووي في "شرح المهذَّب" بحثًا، وقد قالوه فيما إذا كان له عذرٌ كالصلاة.
стр. 4991
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إجابة المؤذن في الصلاة؛ عملًا بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يَقْصِد المخاطبة، وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ؛ لأن في الصلاة شُغْلًا، وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر اللَّه، فلا يُمنَع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يُمنَع؛ لأنها من ذكر اللَّه، قاله ابن دقيق العيد، وفَرَّق ابن عبد السلام في "فتاويه" بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب؛ بناءً على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استَأْنَف، وهذا قاله بحثًا، والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت، كذا أطلقه كثير منهم، ونَصَّ الشافعي في "الأم" على عدم فساد الصلاة بذلك، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي القول بعدم الإجابة في الصلاة هو الأرجح؛ لما أخرجه الشيخان عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كنا نسلّم على رسول اللَّه ﷺ ، وهو في الصلاة، فيَرُدّ علينا، فلما رَجَعنا من عند النجاشيّ، سلَّمنا عليه فلم يرُدّ علينا، فقلنا: يا رسول اللَّه، كنا نسلِّم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: "إن في الصلاة لشُغْلًا".
ومعلوم أن السلام ذكرٌ، وردّه آكد من إجابة الأذان، فيدلّ على أن الإجابة في حال الصلاة غير مشروعة؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قال في "الفتح": استُدِلّ به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة، قالوا: إلا في كلمتي الإقامة، فيقول: "أقامها اللَّه وأدامها"، وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يُفَرَّق بأن الأذان إعلام عامّ فيَعْسُر على الجميع أن يكونوا دُعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاصّ، وعدد من يسمعها محصور، فلا يعسُر أن يدعو بعضهم بعضًا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "فيقول: أقامها اللَّه، وأدامها" تقدّم أنه مما لا دليل عليه، وأما ما أخرجه أبو داود: أن بلالًا أَخَذ في الإقامة، فلما أن قال: "قد قامت الصلاة"، قال النبيّ ﷺ : "أقامها اللَّه وأدامها"، فإنه حديث
стр. 4992
ضعيف (١)، لا يصلح للاحتجاج به، فالصواب أن يقول مثل ما يقول المقيم: "قد قامت الصلاة"؛ كما هو ظاهر النصّ؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٦ - (ومنها)؛ ما قال الشوكانيّ ﵀: والظاهر من الحديث التعبّد بالقول مثل ما يقول المؤذّن، وسواء كان المؤذّن واحدًا، أو جماعةً، قال القاضي عياض: وفيه خلاف بين السلف، فمن رأى الاقتصار على الإجابة للأول احتجّ بأن الأمر لا يقتضي التكرار، ويلزمه على ذلك أن يكتفي بإجابة المؤذّن مرّةً واحدةً في العمر. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٧ - (ومنها): ما قيل: إنه يستحبّ أن يتابع عقب كلّ كلمة، لا معها، ولا يتأخّر عنها؛ عملًا بظاهر الفاء التعقيبيّة المذكورة في قوله ﷺ : "فقولوا"، وهو مذهب الشافعيّ، وللمالكيّة في ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها للباجيّ إن كان في شُغل من ذكر ونحوه عجَّل، وإن كان متفرِّغًا قارنه، ذكره ابن الملقّن ﵀ (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ ﵀ هو الأرجح؛ لظهور حجته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة المؤذّن:
(اعلم): أنهم اختلفوا في إجابته بالقول، فذهبت طائفة إلى وجوبه؛ لظاهر الأمر، وحَكَى ذلك الطحاويّ عن قوم من السلف، وبه قالت الحنفيّة، وأهل الظاهر، وابن وهب من المالكيّة.
وذهب الجمهور إلى استحبابه، واستُدِلَّ لهم بحديث مسلم وغيره أنه ﷺ سَمِع مؤذّنًا، فلما كَبَّر قال: "على الفطرة"، فلما تشهّد، قال: "خرجت من النار"، قالوا: فلما قال ﷺ غير ما قال المؤذن، عَلِمنا أن الأمر بذلك للاستحباب.
стр. 4993
ورُدّ بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله، ولم ينقله الراوي؛ اكتفاءً بالعادة، ونَقَلَ القولَ الزائدَ، وباحتمال أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، بذلك، قيل: ويَحْتَمِل أن يكون الرجل لم يَقْصِد الأذان.
وردّ هذا الأخير بأن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة، أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن مذهب القائلين بالوجوب هو الأرجح؛ لظاهر الأمر، وهو للوجوب ما لم يَصرفه صارف، وقد عرفت أنه لا صارف له هنا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٥] (٣٨٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، وَغَيْرِهِمَا، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٢)، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ (٣)، حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ (٤) ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَيْوَةُ) (٥) بن شُريح بن صَفْوان التُّجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
стр. 4994
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسم أبيه مِقْلاص الْخُزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦١)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٣ - (كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ) بن كعب بن عديّ التنوخيّ، أبو عبد الحميد المصريّ، صدوقٌ [٥].
رَأَى عبد اللَّه بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، ورَوَى عن أبي الخير، مَرْثَد بن عبد اللَّه الْيَزَنيّ، وبلال بن عبد اللَّه بن عمر، وسالم أبي النضر، وعبد الرحمن بن جبير المصريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه حيوة بن شُريح، وسعيد بن أبي أيوب، وعمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة، ويحيى بن أيوب، وحرملة بن عمران التجيبي، والليث بن سعد، وآخرون.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: مات سنة (١٢٧) فيما يقال، وقال يحيى بن بكير: مات سنة ثلاثين ومائة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٣٨٤)، وحديث (٤٤٢): "لا تمنعوا النساء حظوظهنّ من المساجد. . . "، و (١٦٤٥): "كفّارة النذر كفّارة اليمين".
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) العامريّ المصريّ المؤذّن، ثقةٌ عالمٌ بالفرائض [٣] (ت ٩٧) وقيل بعدها (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٩٣/ ٥٠٥.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) السَّهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقيان تقدّما قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: كعب، عن عبد الرحمن بن جبير.
стр. 4995
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة الأربعة الفقهاء، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَيْوَةَ) بن شُرَيح (وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ) اسمه مِقْلاص (وَغَيْرِهِمَا) هو ابن لهيعة، وإنما أبهمه لضعفه، وهكذا يصنع البخاريّ، والنسائيّ يقرنانه بغيره، ويُبهمانه مثله، وقد جاء منصوصًا عليه عند أبي داود في "سننه"، حيث أخرجه بسند المصنّف، ولفظه (٥٢٣): حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، وحَيْوَة، وسعيد بن أبي أيوب، عن كعب بن علقمة. . . إلخ.
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ) مولى نافع بن عمرو القرشيّ، قال الحافظ المزيّ ﵀ في "تهذيب الكمال": وقد خلط بعضهم ترجمة عبد الرحمن بن جُبير هذا بترجمة عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، والصواب التفريق بينهما، كما ذكرنا. انتهى (١). وقال الترمذيّ ﵀: قال محمد -يعني البخاريّ-: عبد الرحمن بن جبير هذا قُرَشيّ مصريّ مدنيّ، وعبد الرحمن بن جبير بن نُفير شاميّ. انتهى (٢).
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ووقع في بعض النسخ: "ابن العاصي" بالياء، وهو الغالب في الاستعمال، وإن كان الأول هو الذي اشتهر على الألسنة، وتقدّم البحث في هذا مستوفًى.
(أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ) أي صوته، أو أذانه (فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ) وتقدّم قريبًا أن الراجح أنه مقيّد بما عدا الحيعلتين، فإنه يقول عندهما: "لا حول ولا قوّة إلا باللَّه"؛ جمعًا بين الأحاديث.
وأما ما استحسنه بعضهم من استثناء "الصلاة خير من النوم"، فيقول بدله: "صدَقت وبررت، وبالحقّ نطقت"، وكذا يقول في الإقامة عند قوله: "قد قامت الصلاة": "أقامها اللَّه، وأدامها"، فمما لا يصحّ له دليلٌ يُعتمد عليه، بل
стр. 4996
هو استحسان من قائله، فلا ينبغي الالتفات إليه؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ) أتى بـ "ثُمّ" إشارة إلى أن الصلاة تكون بعد الفراغ من الإجابة (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير تفسّره جملة بعده، وهي هنا قوله: (مَنْ) شرطيّة مبتدأ (صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً) أي واحدةً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا) أي بسببها (عَشْرًا) أي عشر صلوات.
ومعنى صلاة اللَّه على عبده: ثناؤه على العبد عند الملائكة، كما حكاه البخاريّ في "صحيحه" عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، وقيل: رحمته، كما نقله الترمذيّ في "جامعه" عن الثوريّ، وغير واحد من أهل العلم، وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": وقد يقال: لا منافاة بين القولين (١)، وضعّف العلامة ابن القيّم القول الثاني، وبالغ في تضعيفه والردّ عليه بأوجه كثيرة (٢)، وقد تقدّم تحقيق ذلك، مع أبحاث كثيرة في "شرح المقدّمة" عند قول المصنّف: "وصلّى اللَّه على محمد خاتم النبيين"، فراجعه تستفد (٣)، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: ينبغي أن تكون الصلاة بالصيغة الواردة عنه ﷺ ، وهي الصلاة الإبراهيميّة، ولا ينبغي لعاقل أن يشتغل بغيرها، ولها صيغ مختلفة، وسيأتي للمصنّف ﵀ بعضها في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
ولا ينبغي أيضًا أن يرفع صوته، كما يفعله بعض المبتدعة في بعض البلدان، حيث يرفعون أصواتهم بعد الأذان على المنارة؛ فإن ذلك من البدع التي حذّر منها النبيّ ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي) أمر من سأل يسأل بالهمزة على النقل، والحذف، والاستغناء، أو من سال بالألف المبدلة من الهمزة، أو الواو، أو الياء، قاله القاري (٤). (الْوَسِيلَةَ) بفتح الواو، وكسر السين المهملة، فَعِيلة بمعنى مفعولة، قال التوربشتيّ ﵀: هي في الأصل ما يُتوسَّل به إلى الشيء، ويُتقَرَّبُ به إليه،
стр. 4997
وجمعها وَسَائل، وإنما سُمِّيت تلك المنزلة من الجنّة بها؛ لأن الواصل إليها يكون قريبًا من اللَّه ، فائزًا بلقائه، مخصوصًا من بين سائر الدرجات بأنواع الكرامات. انتهى (١).
وقال ابن منظور ﵀: "الوسيلة": المنزلة عند الملك، والوسيلة الدرجة، والوسيلة القربة، ووَسَلَ فلانٌ إلى اللَّه وَسِيلةً: إذا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّب به إليه، والواسل: الراغب إلى اللَّه، قال لَبِيد [من الطويل]:
أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ … بَلَى كُلُّ ذِي رَأْيٍ إِلَى اللَّهِ وَاسِلُ
وتوسل إليه بوَسِيلة: إذا تقرَّب إليه بعمل، وتوسل إليه بكذا تقرب إليه بِحُرْمة آصِرَةٍ تُعْطِفه عليه، والوسيلة: الْوُصْلةُ والْقُرْبَى، وجمعها الوسائل، قال اللَّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
وقال الجوهريّ: الوسيلةُ: ما يُتَقَرَّب به إلى الغير، والجمع الْوُسُلُ، والْوَسَائل، والتوسيل، والتوسل واحد، وفي حديث الأذان: "اللَّهم آت محمدًا الوسيلة"، هي في الأصل: ما يُتَوَصَّل به إلى الشيء، ويُتَقَرَّب به، والمراد به في الحديث: القرب من اللَّه تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنة، كما جاء في الحديث. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أولى التفاسير للوسيلة هنا أنها منزلة من منازل الجنّة؛ لحديث الباب؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّهَا) أي الوسيلة (مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ) أي من منازلها، وهي أعلاها، وأغلاها على الإطلاق (لَا تَنْبَغِي) أي لا تصلح، ولا تتيسّر، قال الزجّاج: يقال: انبغى لفلان أن يفعل كذا: أي صَلَح له أن يفعل كذا، وكأنه قال: طَلَبَ فِعْلَ كذا، فانطلب له: أي طاوعه، ولكنّهم اجتزءوا بقولهم: انبغى، وانبغى الشيء: تيسّرَ وتسهّل، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]: أي ما يتسهّل له ذلك؛ لأنا لم نعلّمه الشعر، وقال ابن الأعرابيّ: وما ينبغي له: وما يصلح له. انتهى (٣). (إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) يعني أنه لا تصلح
стр. 4998
ولا تتيسّر تلك المنزلة إلا لعبد واحد من جميع عباد اللَّه تعالى.
(وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) قال الطيبيّ ﵀: قيل: "هو" خبرُ "أكون" وُضع موضع "إياه"، ويَحْتَمِل أن لا يكون "أنا" للتأكيد، بل يكون مبتدأ، و"هو" خبره، والجملة خبر "أكون"، ويُمكن أن يقال: إن هذا الضمير وُضِع موضع اسم الإشارة؛ أي أكون ذلك العبدَ، كما في قول رؤبة [من الرجز]:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ … كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ (١)
قيل له: إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والْبَلَق، فقل: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك. انتهى (٢).
وإنما قال ﷺ : "وأرجو"؛ تواضعًا؛ لأنه إذا كانت تلك المنزلة الرفيعة لا تكون إلا لواحد، فلا يكون ذلك الواحد إلا هو ﷺ ؛ لأنه أفضل الجمع.
وقال في "المنهل": وقال ذلك قبل أن يوحى إليه أنه صاحبها، ويَحْتَمِل أنه قاله بعد أن أُوحي إليه بها، فيكون ذلك تواضعًا منه ﷺ ، وأمره للأمة بسؤال الوسيلة بعدُ لزيادة الرفعة والمقام، كبقيّة الدعاء له، ولتنال الأمة الأجر على الدعاء له. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وأرجو" قال هذا ﷺ قبل أن يبان له أنه صاحبها؛ إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحدٌ غيره، ويَحمَد اللَّه بمحامد لم يُلهمها أحد غيره، ولكن مع ذلك فلا بدّ من الدعاء فيها، فإن اللَّه تعالى يزيده بكثرة دعاء أمته رِفْعةً كما زاده بصلاتهم، ثم إنه يرجع ذلك عليهم بنيل الأجور، ووجوب شفاعته ﷺ . انتهى (٣).
(فَمَنْ) شرطيّة أيضًا (سَأَلَ لِي) أي لأجلي (الْوَسِيلَةَ) المذكورة، فـ "أل" فيه للعهد الذكريّ؛ للقاعدة المشهورة أن المعرفة إذا أُعيدت معرفةً كانت عين الأولى، قال السيوطيّ في "عقود الجمان" [من الرجز]:
стр. 4999
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَويْنَا مُسْنَدَا … "لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ" أَبَدَا
وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قلت معلّقًا عليه:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
وفي بعض النسخ: "فمن سأل اللَّه لي الوسيلة" (حَلَّتْ لَهُ) وفي بعض النسخ: "عليه" (الشَّفَاعَةُ") أي استحقّها، ووجبت له، أو نزلت عليه، يقال: حَلَّ يَحُلّ بالضمّ: إذا نزل، واللام بمعنى "على"، كما في بعض النسخ، ووقع عند الطحاويّ من حديث ابن مسعود ﵁: "وجبت له"، ولا يجوز أن تكون "حلّت" من الْحِلّ مقابل الحرمة؛ لأنها لم تبهن قبل ذلك محرّمة، قاله في "الفتح".
وقال السنديّ ﵀: قد يقال: بل لا تحلّ إلا من أُذن له، فيُمكن أن يُجعل الحلّ كنايةً عن حصول الإذن في الشفاعة له. انتهى.
واستشكل بعضهم جعل ذلك ثوابًا لقائل ذلك مع ما ثبت من أن الشفاعة للمذنبين.
وأُجيب بأن له ﷺ شفاعات أخرى، كإدخال الجنّة بغير حساب، وكرفع الدرجات، فيُعطي كلّ أحد ما يناسبه.
ونقل القاضي عياض عن بعض مشايخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مُخلصًا مستحضرًا إجلالَ النبيّ ﷺ ، لا من قَصَد بذلك مجرّد الثواب، ونحو ذلك، وهو تحكُّم غير مرضيّ، ولو أخرج الغافل اللاهي لكان أشبه، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5000
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٨٥٥] (٣٨٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٢٣)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦١٤)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٢/ ٢٥ - ٢٦)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٤٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤١٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٩٠ و ١٦٩١ و ١٦٩٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤١٠)، و (ابن السنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (ص ٤٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٨٣ و ٩٨٤ و ٩٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٤٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الأمر بإجابة المؤذّن، وقد تقدّم الخلاف، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟ مع ترجيح أنه للوجوب.
٢ - (ومنها): الأمر بالصلاة على النبيّ ﷺ بعد الإجابة، وظاهر الأمر أيضًا للوجوب؛ إذ لا صارف له عنه.
٣ - (ومنها): الأمر بسؤال الوسيلة للنبيّ ﷺ ، وحكمه كسابقه.
٤ - (ومنها): بيان معنى الوسيلة، ويبان علوّ شأنها، حيث لا تصلح إلا لعبد واحد.
٥ - (ومنها): بيان فضل النبيّ ﷺ حيث اختصّ بتلك المنزلة الرفيعة.
٦ - (ومنها): بيان أن من سأل اللَّه تعالى الوسيلة للنبيّ ﷺ وجبت له الجنّة.
٧ - (ومنها): البشارة من سأل الوسيلة له ﷺ أنه يموت على حسن الخاتمة؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا من مات على الإسلام، فإذا وجبت له الجنة، عُلِم أنه ممن له البشرى بحسن الختام، اللهم أحسن ختامنا بمنّك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين آمين.
стр. 5001
٨ - (ومنها): بيان تواضعه ﷺ ، حيث طلب من أمته الدعاء له بتلك المنزلة، مع أنها ستكون له.
٩ - (ومنها): تحقيق معنى قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ حيث إن من صلّى عليه واحدةً صلّى اللَّه عليه عشرًا، ومن سأل له الوسيلة وجبت له الجنّة، إلى غير ذلك مما تناله الأمة من تضاعف الدرجات، ورفع المقامات، فكلّه رحمة ﷺ .
١٠ - (ومنها): أن فيه جواز إفراد الصلاة عليه ﷺ عن السلام من غير كراهة؛ لهذا الحديث، وإليه ذهب كثيرون، وقال بعضهم: يكره إفرادها عنه، وهو ضعيف، وقد أسلفنا تحقيقه في "شرح المقدّمة" فراجعه تستفد.
١١ - (ومنها): ما قال المهلّب ﵀: في الحديث الحضّ على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٦] (٣٨٥) - (حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الَرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ").
стр. 5002
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرَام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ الثَّقَفِيُّ) هو: محمد بن جَهْضَم بن عبد اللَّه الثقفيّ، البصريّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن إسماعيل بن جعفر المدنيّ، ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وابن عيينة، وأبي معشر المدنيّ، والهذيل بن بلال، ويزيد بن عطاء الواسطيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسحاق بن منصور الْكَوْسَج، ويحيى بن محمد بن السَّكَن، وعبد القدوس بن محمد الْحَبْحَابيّ، وعباس بن عبد العظيم الْعَنْبَريّ، وعبد العزيز بن معاوية القرشيّ، ومحمد بن يونس الكُدَيميّ، وآخرون.
قال أبو زرعة: صدوقٌ لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٣٨٥)، وحديث (٩٢٥): "يا أخا الأنصار، كيف أخي سعد بن عبادة؟. . . "، و (٢٢٣٣): "نَهَى عن قتل الْجِنَّان التي تكون في البيوت. . . ".
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥.
٥ - (خُبَيْبُ (١) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ) بكسر الهمزة، ويقال أيضًا: يساف -بالياء- الأنصاري، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٦ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعُمَريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٧ - (أَبُوهُ) هو: عاصم بن عمر بن الخطاب العَدَويّ، أبو عُمَر، ويقال:
стр. 5003
أبو عَمْرو المدنيّ، وُلد في حياة النبيّ ﷺ ، وأمه جَمِيلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، ثقة [٢].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابناه: حفصُ وعبيدُ اللَّه، وعروة بن الزبير، قال الزبير: كان من أحسن الناس خُلُقًا، وكان عبد اللَّه بن عمر يقول: أنا وأخي عاصم لا نُسابُّ الناسَ، قال: وكان عمر طَلَّق أمه، فتزوجها يزيد بن جارية، فولدت له ابنه عبد الرحمن، فرَكِبَ عمر إلى قباء، فوجد ابنه عاصمًا يَلْعَب مع الصبيان، فحمله بين يديه، فأدركته جدته الشَّمُوس بنت أبي عامر، فنازعته إيّاه حتى انتهى إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: خَلِّ بينها وبينه، فما راجعه وأسلمه لها، رَوَى ذلك غير واحد من علمائنا.
قال: ورَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم، قال: زَوَّجني أبي، فأنفق عليّ شهرًا، ثم أرسل إليّ بعدما صلَّى الظهر، فدخلتُ عليه، فحَمِد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: إني كنت أرى هذا المال يحلّ لي، وهو أمانةٌ عندي إلا بحقّه، وما كان قطّ أحرم عليّ منه حين وَلِيتُهُ، فعاد أمانتي، وقد أنفقت عليك شهرًا من مال اللَّه، ولستُ زائدك عليه، وقد أعنتك بثُمُن مالي، فبِعْهُ، ثم قُم في السوق إلى جنب رجل من قومك، فإذا صفق بسلعة، فاستشركه، ثم بع وكُلْ، وأنفق على أهلك.
وقال السريّ بن يحيى، عن محمد بن سيرين، قال: قال فلانٌ، وسَمَّى رجلًا: ما رأيت رجلًا من الناس إلا لا بُدَّ أن يَتَكَلَّم ببعض ما لا يريد غير عاصم بن عمر.
قال ابن حبان: مات بالرَّبَذَة، وقال الواقديّ: تُوُفّي سنة سبعين، وكذا قال علي ابن المديني، وأَرَّخه مُطَيَّن سنة (٧٣)، وذكره جماعة ممن أَلَّف في الصحابة، وفي "تاريخ البخاري" خاصمت أمه أباه فيه إلى أبي بكر، وله ثمان سنين، وقال ابن الْبَرْقيّ: وُلِد في حياة النبيّ ﷺ ، ولم يَرْوِ عنه شيئًا، وقال أبو أحمد العسكريّ وغيره: وُلد في السنة السادسة من الهجرة، وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" أن النبيّ ﷺ مات وله سنتان (١).
стр. 5004
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٣٨٥)، وحديث (١١٠٠): "إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم".
٨ - (جَدُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد العزَّى بن رِيَاح بن عبد اللَّه بن قُرْط بن رَزَاح القرشيّ الْعَدويّ، أَمير المؤمنين، جمّ المناقب، استُشهد ﵁ في ذي الحجة سنة (٢٣)، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل، وشيخه مروزيّ، وأبو جعفر بصريّ، خراسانيّ الأصل.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: خبيب، عن حفص، عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن جدّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ ﵀ في "كتاب الاستدراك": هذا الحديث رواه الدَّرَاوَرْديّ وغيره مرسلًا، وقال الدارقطنيّ أيضًا في "كتاب العلل": هو حديث متصلٌ، وصله إسماعيل بن جعفر، وهو ثقةٌ حافظٌ، وزيادته مقبولةٌ، وقد رواه البخاريّ ومسلم في "الصحيحين"، قال النوويّ ﵀: وهذا الذي قاله الدارقطنيّ في "كتاب العلل" هو الصواب، فالحديث صحيحٌ، وزيادة الثقة مقبولةٌ، وقد سَبَق مثال هذا في الشرح. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول النوويّ ﵀: وزيادة الثقة مقبولةٌ، قد أسلفنا أن هذا المذهب سلكه النوويّ، وقبله ابن حبّان، وابن حزم، وغيرهما، وهو مذهب غير مرضيّ على إطلاقه، بل زيادة الثقة إنما تُقبل حسب القرائن التي تحتفّ بها، ولذا ترى الدارقطنِيّ يقرّر في حديث أن زيادة الثقة مقبولة
стр. 5005
كهذا الحديث، وفي حديث آخر نظيره يقرّر أن هذه الزيادة لا تقبل، وهكذا غيره من محققي النقّاد يسلكون هذا المسلك، وما ذاك إلا لأن قبول زيادة الثقة، وردّها تحتاج إلى النظر فيها حسب القرائن، فلا تُقبل على الإطلاق، ولا تردّ على الإطلاق، وقد قدّمت تحقيق هذا في "شرح المقدّمة" عند كلام الإمام مسلم على زيادة الثقة، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
شرح الحديث:
(عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ) قال الطيبيّ ﵀: قوله: "إذا" شرطيّة، وقوله: "فقال" عطفٌ على الشرط، وجزاء الشرط قوله: "دخل الجنّة"، والمعطوفات بـ "ثمّ" مقدّرات بحرف الشرط والفاء، ويجوز أن يكون "فقال" جوابًا للشرط، وكذا قال في المعطوفات. انتهى (١). (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) لم يذكر الأربع اكتفاءً بذكر الاثنين منها، ومن ثَمّ ذكر واحدًا من الاثنين فيما بعدُ، وفيه دليلٌ أنه يستحبّ للمؤذّن أن يقول كلّ تكبيرتين بنفس واحد (٢). (فَقَالَ أَحَدُكُمُ) عطف على الشرط (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ) عطف على "قال" الأوّلِ، قال الطيبيّ ﵀: المعطوفات بثُمّ مقدَّرات بحرف الشرط والفاء، أي إذا قال المؤذِّن: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ) أي فقال أحدكم، فحُذف اختصارًا (٣). (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) أي لا حِيلةَ في الخلاص من موانع الطاعة، ولا قُوّة على فعلها إلا بتوفيق اللَّه تعالى.
وقال الراغب الأصبهانيّ ﵀: الحال لما يختصّ به الإنسان وغيره من الأمور المعتبرة في نفسه وجسمه أو ما يتّصل به، والحول: ما له من القوّة في أخذ هذه الأحوال، ومنه قيل: "لا حول ولا قُوّة إلا باللَّه".
وقال الطيبيّ ﵀: إن الرجل إذا دُعي بالحيعلتين كأنه قيل له: أقبِلْ
стр. 5006
بوجهك، وشَرَاشِرك على الْهُدَى عاجلًا، وعلى الفلاح آجلًا، أجاب بأن هذا أمرٌ عظيمٌ، وخطْبٌ جسيم، وهي الأمانة التي عُرِضَت على السموات والأرض، فَأَبَيْنَ أن يَحْملنها، وأشفقن منها، فكيف أحملها مع ضعفي، وتشتّت أحوالي؟ ولكن إذا وفّقني اللَّه بحوله وقوّته لعلّي أقوم بها. انتهى.
(ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) معنى "حَيّ على كذا": أي تَعَالَوْا إليه، و"الفلاح": الْفَوْز والنجاة، وإصابة الخير، قالوا: وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة "الفلاح"، وتَقْرُب منها "النصيحة"، وقد سبق بيان هذا في حديث: "الدينُ النصيحة"، فمعنى "حيّ على الفلاح": أي تَعالَوْا إلى سبب الفوز والبقاء في الجنة، والخلود في النعيم، و"الفَلاح"، و"الْفَلَحُ": تُطلِقهما العرب أيضًا على البقاء (١).
(قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) وإنما أفرد ﷺ الشهادتين والحيعلتين في هذا الحديث مع أن كلّ نوع منها مثنًّى كما هو المشروع؛ لقصد الاختصار، قاله في "المرعاة" (٢).
وقال النوويّ ﵀: معناه: قال كلَّ نوع من هذا مُثَنَّى، كما هو المشروع، فاختصر ﷺ من كل نوع شطره؛ تنبيهًا على باقيه. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: قوله: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللَّه" يجوز فيه خمسة أوجه لأهل العربية مشهورة:
[أحدهما]: لا حولَ ولا قُوّةَ بفتحهما بلا تنوين.
[والثاني]: فتح الأوّل، ونصب الثاني منونًا.
[والثالث]: رفعهما منونين.
[والرابع]: فتح الأول، ورفع الثاني منونًا.
[والخامس]: عكسه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأوجهُ هي التي أشار إليها ابن مالك ﵀ في "الخلاصة"، حيث قال:
стр. 5007
وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا كَـ "لَا … حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ" وَالثَّانِي اجْعَلَا
مَرْفُوعًا أَوْ مَنْصُوبًا أَوْ مُرَكَّبَا … وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا لَا تَنْصِبَا
قال الْهَرَويّ: قال أبو الهيثم: الحول: الحركة، أي لا حركة ولا استطاعةَ إلا بمشيئة اللَّه، وكذا قال ثعلب وآخرون، وقيل: لا حولَ في دفع شرٍّ، ولا قوة في تحصيل خير، إلا باللَّه، وقيل: لا حول عن معصية اللَّه إلا بعصمته، ولا قُوّة على طاعته إلا بمعونته، وحُكِيَ هذا عن ابن مسعود ﵁، وحَكَى الجوهريّ لغةً غريبةً ضعيفةً، أنه يقال: "لا حَيْلَ، ولا قوة إلا باللَّه" بالياء، قال: والحيل والحول بمعنًى. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: لغة غريبة ضعيفة، فيه نظر؛ لأن الحول والحيل بالواو والياء لغتان معروفتان، اللَّهمّ إلا إذا أراد خُصُوصَ هذا التركيب.
قال المجد ﵀ في "القاموس": و"الْحَوْلُ"، و"الْحَيْلُ"، و"الْحِوَلُ"، كعِنَبٍ، و"الْحَوْلَةُ"، و"الْحِيلَةُ"، و"التحويل"، و"الْمحَالَةُ"، و"الْمَحَالُ"، و"الاحتيال"، و"التّحَوُّلُ"، و"التّحَيُّلُ": الْحِذْقُ وجَوْدَةُ النظر، والقدرةُ على التصرّف. انتهى كلام المجد (٢).
وهكذا أثبت هذا كلّه في "الجامع"، و"المنتهى"، و"الموعب"، و"المخصص"، و"المحكم"، ذكره في "العمدة" (٣).
فقد ثبت بهذا أن الْحَيْلَ بالياء لغة فصيحة، مثلُ الحول بالواو، وليست ضعيفةً، كما زعمه النوويّ؛ فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الأزهريّ والأكثرون: يقال في التعبير عن قولهم: "لا حول، ولا قوة إلا باللَّه": الْحَوْقَلة، وقال الجوهريّ: الحولقة، فعلى الأول، وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم اللَّه تعالى، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، والأول أولى؛ لئلا يُفْصَل بين الحروف.
стр. 5008
ومثل "الحولقةِ" "الحيعلةُ" في "حي على الصلاة"، "حي على الفلاح"، "حي على كذا"، و"البسملة" في "بسم اللَّه"، و"الحمدلة"، في "الحمد للَّه"، و"الهيللة"، في "لا إله إلا اللَّه"، و"السبحلة"، في "سبحان اللَّه".
وقال المطرزيّ في "كتاب اليواقيت" وفي غيره: إن الأفعال التي أُخذت من أسمائها سبعة، وهي: بَسْمَل الرجل: إذا قال: "بسم اللَّه"، وسَبْحَل: إذا قال: "سبحان اللَّه"، وحَوْقل: إذا قال: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه"، وحَيْعَل: إذا قال: "حي على الفلاح"، ويجيء على القياس حَيْصَل: إذا قال: "حي على الصلاة"، ولم يُذْكَر، وحَمْدل: إذا قال: "الحمد للَّه"، وهَيْلل: إذا قال: "لا إله إلا اللَّه"، وجَعْفل: إذا قال: "جُعِلت فداءك"، زاد الثعالبيّ الطَّبقلة: إذا قال: "أطال اللَّه بقاءك"، والدَّمْعزة: إذا قال: "أدام اللَّه عزك".
وقال القاضي عياض: قوله: الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تُطْلَق على "حي على الصلاة"، و"حي على الفلاح"، كلها حيعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة، لكان الذي يقال في "حي على الفلاح": الحيفلة بالفاء، وهذا لم يُنقَل، وإنما الحيعلة من قولهم: "حي على كذا"، فكيف وهو باب مسموعٌ، لا يقاس عليه؟ وانظر قوله: جَعْفل في: "جُعِلتُ فداك"، لو كان على قياس الحيعلة، لقال: جَعْلف؛ إذ اللام مُقدَّمة على الفاء، وكذلك الطبقلة تكون اللام على القياس قبل القاف. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ومن المسموع أيضًا سَمْعَلَ: إذا قال: السلام عليكم، وهَيْلَلَ: إذا قال: لا إله إلا اللَّه، وبَعْثَرَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ٤] أي بُعِث موتاها، وأثير ترابها، ومن المولّد الْفَذْلكة، من قولهم: فذلك العدد كذا وكذا، والْبَلكفة، من قولهم: بلا كيف.
والنحتُ أن يُختصر من كلمتين، فأكثر كلمة واحدة (٢).
وقد نظمت هذه الكلمات المنحوتة بقولي:
النَّحْتُ قَدْ وَرَدَ فِي أَفْعَالِ … مَسْمُوعَةٍ فَلْتَحْفَظَنْ مَقَالِي
стр. 5009
بَسْمَلَ سَبْحَلَ كَذَاكَ هَلَّلَا … حَوْقَلَ حَيْعَلَ يَلِيهِ حَمْدَلَا
طَبْلَقَ دَمْعَزَ كَذَاكَ جَعْفَلَا … هَيْلَلَ بَعْثَرَ يَلِيهِ سَمْعَلَا
وَاسْتَعْمَلَ الْمُوَلَّدُونَ بَلْكَفَا … كَذَاكَ فَذْلَكَ بِهَذَا يُكْتَفَى
(ثُمَّ قَالَ) أي المؤذّن (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ) أي فقال أحدكم (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ) أي المؤذّن (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ) أي فقال أحدكم (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وقوله: (مِنْ قَلْبِهِ) قيدٌ للكل، ويحتمل أن يكون للأخير، والأول هو الأظهر، وهو متعلّق بحال مقدّر؛ أي حال كون ذلك القول ناشئًا من قلبه، والمراد أنه قال ذلك بلسانه، مع اعتقاده بقلبه، وإخلاصه فيه (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال القاضي عياض ﵀ ما حاصله: إنما حصل له ذلك؛ لأن في حكايته لما قال المؤذن التوحيدَ والإعظامَ، والثناءَ على اللَّه تعالى، والاستسلامَ لطاعته، وتفويضَ الأمور إليه بقوله عند الحيعلتين: "لا حول، ولا قوّة إلا باللَّه"؛ إذ هي دعاء وترغيب من سمعها، فإجابتها لا تكون بلفظها، بل بما يُطابقها من التسليم والانقياد، بخلاف إجابة غيرها من الثناء، والشهادتين فبحكايتها، وإذا حَصَل هذا للعبد، فقد حاز حقيقة الإيمان، وجِمَاعَ الإسلام، واستوجب الجنّة بفضل اللَّه تعالى، وكذلك الحديث الآتي في القول عند أذان المؤذّن: "رَضِيتُ باللَّه ربًّا. . . " الحديث قد تضمّن مثلَ هذا من التصريح بحقيقة الإيمان، والاعتراف بقواعده. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: وإنما وُضِع الماضي موضع المستقبل؛ لتحقّق الموعود. انتهى؛ أي فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [النحل: ١]، وقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤]، والمراد أنه يدخل الجنّة دخولًا أوّليًّا، من غير سبق عذاب، وإلا فكلّ مؤمن لا بدّ له من دخولها، وإن سبقه عذاب بحسب جُرْمه إذا لم يعف اللَّه عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5010
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٨٥٦] (٣٨٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٢٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٨٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٠٨ و ٤٠٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٩٣ و ٩٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة إجابة المؤذّن.
٢ - (ومنها): أن إجابته تكون إثر قول المؤذّن؛ لقوله: "فقال أحدكم" بالفاء التعقيبيّة، فلا ينبغي أن يؤخّر إجابة كلّ كلمة، بل يبادره عقبها.
٣ - (ومنها): بيان فضل الإجابة، وهو أنه سبب لدخول الجنّة.
٤ - (ومنها): الحثّ على الإخلاص؛ لقوله: "من قلبه"، فلا يحصل هذا الثواب العظيم، إلا إذا أخلص نيّته للَّه .
٥ - (ومنها): أن إجابة الحيعلتين تكون بالحوقلة، لا بهما، وقد تقدّم تحقيق الخلاف مستوفًى، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٧] (٣٨٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْقُرَشِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاعرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ