يُستَغنَى بشهرتها بالحجاز، يتوارثونه قرنًا بعد قرن، يأخذه الأصاغر عن الأكابر، وليس يجوز أن يُعترَضَ عليهم في الأذان، وهو ينادى به بين أظهرهم في كلّ يوم وليلة خمس مرّات، ولو جاز ذلك لجاز الاعتراض عليهم في معرفة الصفا والمروة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، وموضع الوقوف بعرفة، مع أن الأذان كذلك كان على عهد رسول الله ﷺ ، وخلافة أبي بكر وعمر، لا يختلف أهل الحرمين فيه، وغير جائز أن يُجعل اعتراض من اعترض من أهل العراق حجةً على أهل الحجاز، وكيف يجوز أن يكون الآخر حجةً على الأول، وعنه أَخَذَ العلمَ؟ وقد كان الأذان بالحجاز، ولا إسلام بالعراق، وحكاية أبي محذورة بعد خبر عبد الله بن زيد بزمان؛ لأنه يُخبر أن النبيّ ﷺ علَّمه إياه عامَ حنين، والمتأخِّر هو الناسخ لما تقدَّم، والآخر من أمر رسول الله ﷺ أولى من الأول.
قال ابن المنذر: وقد كان أحمد بن حنبل يميل إلى أذان بلال، فقيل له: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد؛ قال: أليس قد رجع النبيّ ﷺ إلى المدينة، فأقرَّ بلالًا على أذان عبد الله بن زيد؟.
وقال بعضهم: هذا من أبواب الإباحة إن شاء المؤذّن أذّن كأذان أبي محذورة، وثنَّى الإقامة، وإن شاء أن يثنّي الأذان ويوتر الإقامة فَعَلَ؛ لأن الأخبار قد ثَبتت بذلك، قالوا: هذا مثل الوضوء، من شاء توضّأ ثلاثًا، ومن شاء توضّا مرتين مرّتين، وقد أجاب أحمد بمثل هذا المعنى، ووافقه عليه إسحاق، وقال أحمد: ثبت عن بلال وأبي محذورة أذانهما، وكلّ سنّة، فهما مستعملان جميعًا، والذي نختار أذان بلال.
فأما سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، فمذهبهم في الأذان أنه مثنى مثنى على حديث عبد الله بن زيد، وكذلك قولهم في الإقامة: إنها مثنى مثنى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما سبق عن الإمامين: أحمد وإسحاق بأن كلّ ما ثبت عن النبيّ ﷺ من حديث عبد الله بن زيد، وأبي
стр. 4937
محذورة سنّة، ينبغي العمل به في الأوقات المختلفة، ولكن الذي ينبغي المداومة عليه هو الأصحّ، فالأصحّ.
قال العلامة ابن القيّم ﵀: كلُّ هذه الوجوه جائزة مُجزئةٌ، لا كراهة فيها، وإن كان بعضها أفضل من بعض؛ لأنه قد ثبت عن النبيّ ﷺ جميع ذلك، وعَمِل به أصحابه، فمن شاء رَبَّعَ التكبير، ومن شاء ثنّى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلا "قد قامت الصلاة"، فإن ذلك مرّتان على كلّ حال، وهذا كما قيل في التشهّدات، والتوجيهات، ولكن ذلك لا ينافي أن يختار الإنسان لنفسه أصحّ ما ورد، أو أن يأخذ بالزائد فالزائد، هذا خلاصة ما في الباب. انتهى كلام ابن القيّم ﵀.
والحاصل أن الأولى أن يستعمل كلّ ما صحّ من كيفيّة الأذان والإقامة، ولا يقتصر على كيفيّة معيّنة؛ لأن بذلك يحصل العمل بكلّ ما ثبت عن النبيّ ﷺ ، وخلافه لا يؤدّي إلى ترك العمل ببعض ما صحّ عنه ﷺ ، فيعمل بهذا تارة، وبهذا تارة، ولكن يعمل في أكثر الأوقات بما هو الأصحّ رواية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تثنية الإقامة، وإفرادها:
اختلفوا في هذا على مذاهب:
فذهبت طائفة إلى أنها فرادى، فممن رُوي عنه ذلك: عروة بن الزبير، والحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز، وخالد بن معدان، ومكحول، ومالك، وأهل الحجاز، والأوزاعيّ، وأهل الشام، والشافعيّ، وأصحابه، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، واحتجّوا بحديث أنس ﵁ المتّفق عليه: "أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
وقالت طائفة: الأذان والإقامة مثنى مثنى، وهو قول سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر ﵀ بعد حكايته الخلاف -: أما الأذان فعلى حديث أبي محذورة؛ لأن ذلك لم يزل يؤذَّن به على عهد رسول الله ﷺ ، وبعد النبيّ ﷺ بالحرمين جميعًا، ثم لم يزل كذلك يؤذَّن به بمكة إلى اليوم، وكذلك
стр. 4938
لم يزل ولد سعد القرَظ (١) يؤذّن به، ويذكرون أنه أذان بلال وسعد.
وأما الإقامة، فقد اختُلف فيها عنه، فرُوي عنه أنه كان يُفرد الإقامة بعد النبيّ ﷺ (٢)، ورُوي أن إقامته كانت مئنى مثنى، فغير جائز أن يكون أبو محذورة انتقل عن تثنية الإقامة إلى إفرادها إلا وقد عَلِمَ أن النبيّ ﷺ أمر بإفراد الإقامة، أو رأى بلالًا بعد ذلك يُفرد الإقامة، فعَلِمَ أن ذلك ليس إلا عن أمر النبيّ ﷺ ، فانتقل إليه، ثم اتّفاق ولد أبي محذورة، وولد سعد القرظ عليه، وحكايتهم ذلك عن جدّيهما سعد القرظ عن بلال دليلٌ على أن الأمر بعد الإقامة حادثٌ بعد التثنية، ولا يجوز أن يجتمع مثل هؤلاء على خلاف السنّة.
قال: ثم اختلف هؤلاء بعد اجتماعهم على إفراد الإقامة في قوله: "قد قامت الصلاة"، فولد أبي محذورة، وسائر مؤذّن مكة يقولون: "قد قامت الصلاة" مرّتين، وولد سعد القرظ يقولون: "قد قامت الصلاة" مرّةً واحدةً، وقد اختلفت الأخبار في ذلك، غير أن الأخبار التي تدلّ على صحّة مذهب أهل مكّة أثبتُّ، ثم أخرج حديث أنس ﷺ المتقدّم، وفيه: "ويوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة"، وأخرج أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة واحدة، غير أن يقول: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" مرّتين. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٣).
وقال في "الفتح": هذا الحديث - يعني حديث أنس ﵁ المذكور - حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أوّلًا، ثم نُسِخ بحديث أبي محذورة؛ يعني الذي رواه أصحاب السنن، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخر عن حديث أنس، فيكون ناسخًا.
стр. 4939
وعورض بأن في بعض طُرُق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به.
وقد أنكر أحمد على من ادَّعَى النسخ بحديث أبي محذورة، واحتج بأن النبيّ ﷺ رجع بعد الفتح إلى المدينة، وأقرّ بلالًا على إفراد الإقامة، وعَلَّمه سعد القرظ، فأذَّن به بعده، كما رواه الدارقطنيّ والحاكم.
وقال ابن عبد البرّ: ذهب أحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّع التكبير الأول في الأذان، أو ثنّاه، أو رَجَّع في التشهد، أو لم يُرَجّع، أو ثَنَّى الإقامة، أو أفردها كلَّها، أو إلا "قد قامت الصلاة"، فالجميع جائز، وعن ابن خزيمة: إن رَبَّع الأذان، ورَجَّع فيه ثَنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحدٌ قبله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان المذاهب، وأدلّتها أن أرجح المذاهب مذهب من قال: إن الأمر فيه سعة، وكلّ ما صحّ عن رسول الله ﷺ يجوز العمل به، فمن شاء ثنّى الإقامة، ومن شاء أفرد، وكلٌّ واسع - والحمد لله - وبهذا يجمع بين أخبار هذا الباب دون دعوى النسخ بلا بيّنة، لكن قدّمنا أن هذا لا ينافي أن يتخيّر الإنسان في معظم الأوقات ما هو أصحّ، وأقوى من هذه الأخبار حتى يعمل به أكثر؛ فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
стр. 4940
و"إسحاق" تقدّم في الباب الماضي، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ … إلخ) بضم حرف المضارعة، وإسكان العين، من الإعلام: أي أن يجعلوا له علامةً يُعرف بها، وقال في "الفتح": وفي رواية كريمة: "بفتح أوله من العلم".
وقوله: (فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا) من التنوير: أي يُظهروا نُورَ نَارٍ.
وقوله: (أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا) الناقوس: خَشَبة تُضرب بخشبة أصغر منها، فيَخرُج منها صوتٌ، وهو من شِعَار النصارى.
وقوله: (وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ) احتجّ به من قال بإفراد قوله: "قد قامت الصلاة"، والحديث الذي قبله حجة عليه؛ لأن قوله: "إلا الإقامة" صريح في تكراره، فإن احتَجَّ بعمل أهل المدينة عُورض بعمل أهل مكّة، ومعهم الحديث الصحيح، قاله في "الفتح" (١)، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[٨٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَاد، لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَنْ يُورُوا نَارًا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) وقيل بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) وقيل بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك ﵁.
стр. 4941
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ) يعني أن حديث وُهيب مثل حديث عبد الوهّاب الثقفيّ.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لوُهيب.
وقوله: (أَنْ يُورُوا نَارًا) أي بضمّ حرف المضارعة، وسكون الواو، أي يوقدوا، ويُشعِلوا نارًا، يقال: أوريت النار: أي أشعلتها، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ [الواقعة: ٧١]، قاله النوويّ (١).
وقال في "القاموس": وَرَى الزَّنْدُ، كوَعَى، ووَليَ وَرْيًا، وَوُرِيًّا، وَرِيَةً، فهو وَارٍ، وَوَرِيٌّ: خَرَجت ناره، وأوريته، ووَرّيته، واستوريته، ووَرْيَةُ النار، ورِيَتُها: ما تُورَى به، من خِرْقَة، أو حَطَبَةٍ. انتهى (٢).
[تنبيه]: رواية وُهيب هذه أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٢٧٢)، فقال:
(٩٤٧) حدثنا الحسن بن مكرم، قال: ثنا عَفّان، قال: ثنا وُهيب، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: "لَمّا كَثُر الناس، ذكروا أن يجعلوا وقتَ الصلاة شيئًا يعرفونه، فذَكُروا أن يُنَوِّروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمِر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، قَالَا: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ عن (٨٥) سنة (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
стр. 4942
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) هو الثقفيّ المذكور قبل حديث.
٤ - (أيّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار [٥] (ت ١٣١) عن (٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٥.
وشرح الحديث ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٣) - (بَابُ صِفَةِ الأَذانِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٨] (٣٧٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثنَا مُعَاذٌ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، وَحَدَّثَني أَبِي (١)، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَل، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الْأَذانَ: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَقُولُ (٢): أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْن، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ"، زَادَ إِسْحَاقُ: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
стр. 4943
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ تقدّم قبل حديثين.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) البصريّ، سَكَن اليمن، صدون رُبّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله، واسم أبيه سَنْبَر، بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (عَامِر الْأَحْوَلُ) هو: عامر بن عبد الواحد، رَوَى عن مكحول، وأبي الصّدِّيق الناجيّ، وعمرو بن شُعيب، وعبد الله بن بُريدة، وشهر بن حَوْشب، وبكر بن عبد الله الْمُزَنيّ، وجماعة.
ورَوَى عنه شعبة، وهشام الدستوائيّ، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان العطار، والحمادان، وعبد الله بن شَوْذب، وعبد الوارث، وهُشيم، وغيرهم.
قال أبو طالب، عن أحمد: ليس بقويّ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس حديثه بشيء، وقال أبو داود: سمعت أحمد يضعفه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وقال ابن عديّ: لا أرى برواياته بأسًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: ثنا أبو الأشهب، ثنا عامر الأحول، عن عائذ بن عمرو المزنيّ، يُحَدِّث: "مَن عَرَض له شيء من هذا الرزق من غير مسألة … "، وهو شيخ آخر تابعيّ، قاله الحافظ المزيّ ﵀ في "تهذيب الكمال".
وتعقّبه الحافظ في "تهذيب التهذيب": بأن في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، وتاريخ ابن أبي خيثمة ما يُبَيِّن لك أنه هو، فإنه قال: عامر الأحول، هو ابن عبد الواحد بصريّ، رَوَى عن عائذ بن عمرو، وأبي الصّدِّيق، وعمرو بن شعيب، ثم ساق كلام الناس فيه.
وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": سمعت أبا زكريّا يقول: عامر الأحول بصريّ، وهو ابن عبد الواحد، فهو كل عامر يروي عنه البصريون ليس غيره، ثنا أبو سلمة، ثنا أبو الأشهب، عن عامر بن عبد الواحد.
стр. 4944
وقال أبو القاسم البغويّ في ترجمة عائذ بن عَمْرو: رَوَى عنه عامر بن عبد الواحد الأحول، ولا أحسبه أدركه.
وقال ابن حبان في ثقات التابعين: عامر بن عبد الواحد الأحول، يَرْوِي عن عائذ بن عَمْرو، ورَوَى عنه أبو الأشهب، ونَقَل العقيليّ، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ ضعيفٌ، وعن أبي بكر بن الأسود: سألت ابن عُلَيّة عن عامر بن عبد الواحد الأحول، فقال: سَلْ جَدَّك حميد بن الأسود، فسألته فوهّنه، وقال الساجيّ: يُحْتَمَلُ لصدقه، وهو صدوق. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ: أن عامرًا الأحول الذي رَوَى عن عائذ بن عمرو المزنيّ الصحابيّ، ولم يدركه، هو عامر الأحول المترجم هنا، وليس هو غيره؛ لأن كلام هؤلاء الأئمة يدلّ على هذا، والله تعالى أعلم.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنف، والأربعة، وليس له عند المصنّف في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو أيّوب، ويقال: أبو مسلم الدمشقيّ، ثقة فقيهٌ، كثير الإرسال، مشهور [٥].
رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن أُبي بن كعب، وثوبان، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وعائشة، وأم أيمن، وأبي ثعلبة الْخُشَني مرسلًا أيضًا، وعن أنس، وواثلة بن الأسقع، وأبي أمامة، ومحمود بن الربيع، وعبيد الله بن مُحيريز، وعنبسة بن أبي سفيان، وجبير بن نفير، وسليمان بن يسار، وشرحبيل بن السمط، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثور بن يزيد الحمصي، وسليمان بن موسى، ويزيد بن يزيد بن جابر، ومحمد بن إسحاق، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام. وقال الدُّوري عن ابن معين: قال أبو مسهر: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدري أدركه أم لا. وقال أبو حاتم: قلت لأبي مسهر: هل سمع مكحول من أحد من الصحابة؟ قال: من أنس، قلت: قيل: سمع من أبي هند، قال: من
стр. 4945
رواه؟ قلت: حيوة عن أبي صخرة، عن مكحول أنه سمع أبا هند، فكأنه لم يلتفت إلى ذلك، فقلت له: فواثلة بن الأسقع؟ فقال: من يرويه؟ قلت: حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة، فكأنه أومى برأسه (١). وقال الترمذيّ: سمع مكحول من واثلة، وأنس، وأبي هند الداريّ، ويقال: إنه لم يسمع من واحد من الصحابة إلا منهم. وقال النسائي: لم يسمع من عنبسة. وقال يحيى بن حمزة عن أبي وهيب الكلاعي، عن مكحول: عَتَقْتُ بمصر، فلم أَدَع فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أَرَى، ثم أتيت العراق والمدينة والشام، فذكر كذلك. وقال ابن زَبْر عن الزهري: العلماء أربعة، فذكرهم، فقال: ومكحول بالشام. وقال يونس بن بُكير عن ابن إسحاق: سمعت مكحولًا يقول: طُفت الأرض كلها في طلب العلم. وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: كان سليمان بن موسى يقول: إذا جاء العلمُ من الشام عن مكحول قبلناه. وقال مروان بن محمد عن سعيد: لم يكن في زمان مكحول أبصر منه بالفتيا. وقال عثمان بن عطاء: كان مكحول أعجميًا، وكلُّ ما قال بالشام قُبِل منه. وقال ابن عمار: كان مكحول إمام أهل الشام. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن خِراش: شامي صدوق، وكان يرى القدر. وقال مروان بن محمد، عن الأوزاعي: لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن، ومكحول، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم: كان مكحول من أهل كابُل، وكانت فيه لُكْنَة، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفًا في حديثه ورأيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وكان ضعيفًا في حديثه"، هذا مما لا يُقبل، فإن مكحولًا مُجْمَعٌ على توثيقه وجلالته، إلا أنه طُعِن في رأيه، ولكنه تبرأ منه، فماذا عليه؟. فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال أبو داود: سألت أحمد: هل أَنكر أهل النظر على مكحول شيئًا؟
стр. 4946
قال: أنكروا عليه مجالسة علان (١)، ورموه به، فبرأ نفسه، بأن نَحّاه، وقال الجوزجاني: يتوهم عليه القدر، وهو ينتفي عنه. وقال يحيى بن معين: كان قدريًّا ثم رجع. وقال ابن حبان في "الثقات": ربما دلّس.
وقال ابن يونس: ذُكر أنه من أهل مصر، ويقال: كان لرجل من هُذيل من أهل مصر، فأعتقه، فسكن الشام، ويقال: كان من آل فارس، ويقال: كان اسم أبيه شهراب، وكان مكحول يُكنى أبا مسلم، وكان فقيهًا عالمًا، رأى أبا أُمامة، وأنسًا، وسمع من واثلة، يقال: تُوفي سنة ثماني عشرة ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتي عشرة، وفيها أرّخه دُحَيم وغير واحد. قال أبو مسهر: مات بعد سنة اثنتي عشرة، وعنه: مات سنة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة. وكذا قال الحسن بن محمد بن بكار بن بلال. وقال سليمان بن عبد الرحمن: مات سنة ثلاث عشرة. وقال ابن سعد: مات سنة ست عشرة. وعن عمر بن سعيد الدمشقي: سنة ثمان عشرة.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٣٧٩)، وحديث (٩٨٢): "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة"، و (١٩١٣): "رِباط يوم وليلة خير من صيام شهر، وقيامه"، و (١٩٣١): "فَكُلْهُ ما لم يُنْتِنْ".
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَيْرِيزِ) بن جُنادة بن وهب الْجُمَحيّ المكيّ، كان يتيمًا في حجر أبي محذورة ﵁ بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٩) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
٨ - (أَبُو مَحْذُورَةَ) القُرَشيّ الْجُمَحيّ المكيّ المؤذِّن الصحابيّ المشهور، قيل: اسمه أوس، وقيل: سَمُرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان، واسم أبيه مِعْيَر - بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وفتح التحتانيّة - وقيل: عُمير بن لَوْذان بن وهب بن سعد بن جُمَح، وقيل: ابن لَوْذان بن ربيعة بن عُوَيج بن سعد بن جُمَح.
стр. 4947
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وابن ابنه عبد العزيز بن عبد الملك على خلاف، وزوجته أم عبد الملك، وعبد الله بن مُحَيريز، والأسود بن يزيد النخعيّ، والسائب المكيّ، وأوس بن خالد، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وأبو سلمان المؤذّن.
قال الزبير: كان أحسن الناس أذانًا، وأنداهم صوتًا، قال له عمر يومًا وسمعه يؤذن: كِدتَ أن تنشق مُرَيطاؤك (١)، قال: وأنشدني عمي لبعض شعراء قريش [من الرجز]:
أَمَا وَرَبّ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَهْ … وَمَا تَلَا مُحَمَّدٌ مِنْ سُورَهْ
وَالنَّغَمَاتِ مِنْ أَبِي مَحْذُورَهْ … لأَفْعَلَنَّ فَعْلَةً مَذْكُورَهْ
وقال علي بن زيد بن صُوحان، عن أوس بن خالد: كنت إذا قَدِمت على أبي محذورة سألني عن رجل، وإذا قَدِمت على الرجل سألني عن أبي محذورة، فسألت أبا محذورة عن ذلك؟ فقال: كنت أنا وأبو هريرة وفلان في بيت، فقال النبيّ ﷺ : "آخركم موتًا في النار"، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة، ثم مات ذلك الرجل، وقال ابن جرير وغيره: كان لأبي محذورة أخٌ يسمى أُنيسًا قُتل يوم بدر كافرًا، وقال الزبير بن بكار: أبو محذورة اسمه أوس بن مِعْيَر بن لَوْذان بن سعد جُمَح، من قال غير هذا فقد أخطأ، قال: وأخوه أُنيس قُتل يوم بدر كافرًا.
وقال ابن عبد البر: اتَّفَق الزبير، وعمه مصعب، وأبو إسحاق، والمسيبيّ على أن اسم أبي مَحْذُورة أوس، وهم أعلم بأنساب قريش، ومن قال في اسم أبي محذورة: سلمة، فقد أخطأ (٢).
قال ابن جرير: تُوُفِّي أبو محذورة بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة تسع وسبعين، وقال ابن حبان في الصحابة: ابنُ معير أبو محذورة مات بعد أبي هريرة، وقبل سمرة بن جندب ما بين ثمان وخمسين إلى ستين، ولّاه
стр. 4948
النبيّ ﷺ الأذان بمكة يوم الفتح، ونَقَل النوويّ عن ابن قُتيبة أن اسمه سليمان، واستغربه (١).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا حديث الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة، من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى مكحول، وهو وابن مُحيريز شاميّان، وأبو محذورة مكيّ، وإسحاق مروزيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز.
٤ - (ومنها): أن صحابيه ﵁ من المقلّين من الرواية، له في الكتب الستّة، سوى البخاريّ حديث الأذان فقط (٢).
٥ - (ومنها): أن فيه قولَه: "صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ"، وهو مجرور صفة و"هشام"، ولا يُرفع صفة و "معاذ"، وقد صرّح مسلم: بأنه صفة و "هشام" في أواخر "كتاب الإيمان" في حديث الشفاعة (٣)، وتقدّم هناك أنه يقال فيه أيضًا: "الدستواني" بالنون، وأنه منسوب إلى دَسْتَوَاء كُورة من كُور الأَهْوَاز، كان يبيع الثياب التي تُجْلَب منها، فنُسب إليها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ) أوس بن مِعْيَر على الصحيح ﵁ (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ) ﷺ (عَلَّمَهُ هَذَا الْأَذانَ) وفي رواية النسائيّ: "أن النبيّ ﷺ أقعده، فألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا" ("اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع هذا الحديث في "صحيح
стр. 4949
مسلم" في أكثر الأصول في أوله: "الله أكبر" مرتين فقط، ووقع في غير مسلم: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر" أربع مرات، قال القاضي عياض ﵀: ووقع في بعض طُرُق الفارسيّ في "صحيح مسلم" أربع مرات، وكذلك اختُلِف في حديث عبد الله بن زيد في التثنية والتربيع، والمشهور فيه التربيع، وبالتربيع قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء، وبالتثنية قال مالك، واحتَجّ بهذا الحديث، وبأنه عَمَلُ أهل المدينة، وهم أعرف بالسنن، واحتَجَّ الجمهور بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وبالتربيع عَمَلُ أهل مكة، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم يُنْكِر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الرواية التي فيه تربيع التكبير عند مسلم هي التي ينبغي الاعتماد عليها، كما حقّق ذلك الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ، في كتابه "بيان الوهم والإيهام"، ودونك نصّه:
فيه بيان أن كلمات الأذان مثنى، وهو حديث ساقه مسلم من رواية عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن مُحيريز، عن أبي محذورة، من رواية هشام الدستوائيّ، عن عامر، رواها عنه ابنه معاذ، والصحيح عن عامر المذكور في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في أول الأذان، كذلك رواه عن عامر المذكور جماعة، منهم: عفّان، وسعيد بن عامر، وحجّاج، ورواه عن هؤلاء الحسن بن عليّ، ذكر ذلك أبو داود عنه، وبذلك يصحّ فيه كون الأذان تسع عشرة كلمةً، يزيد عليها الأذان بالترجيع في الشهادتين.
وقد يقع في بعض روايات كتاب مسلم هذا الحديث مُربّعًا فيه التكبير، وهي التي ينبغي أن تُعَدَّ صحيحةً، وقد ساقه البيهقيّ في كتابه من رواية إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائيّ بالتكبير مربّعًا، ثم قال البيهقيّ: أخرجه مسلم في "الصحيح"، وإسحاق بن إبراهيم أحد من رواه عنه مسلم، فهو إذن مربّع فيه التكبير، فاعلم ذلك. انتهى كلام ابن القطّان ﵀ (٢)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
стр. 4950
[تنبيه]: قال الأزهريّ في "التهذيب": قول المصلّي "الله أكبر"، وكذلك قول المؤذّن، فيه قولان: أحدهما: أن معناه: الله كبيرٌ، فوُضع "أفعل" موضع "فَعِيل"، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، معناه: وهو هَيِّنٌ عليه، ومثله قول مَعْن بن أَوْس [من الطويل]:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأَوْجَلُ … عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ
معناه: واني لوَجِلٌ.
وتقول العرب: المرء بأصغريه: أي بصغيريه، وهما قلبه ولسانه، فكذلك قوله: الله أكبر: أي كبير.
والقول الآخر: أن فيه إضمارًا، والمعنى: الله أكبر كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ؛ أي أعزّ عزيز، قال الفرزدق [من الكامل]:
إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا … بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
معناه: أعزّ عزيز، وأطول طويل.
وقيل: معناه: الله أكبر من كلّ شيء؛ أي أعظم، فحُذف؛ لوضوح معناه، و"أكبر" خبر، والأخبار لا يُنكر حذفها، وقيل: معناه: الله أكبر من أن يُعرف كُنْهُ كبريائه وعَظَمته.
وإنما قُدّر له ذلك؛ لأن أفعل يلزم الألف واللام أو الإضافة، كالأكبر، وأكبر القوم، والراء في "أكبر" في الأذان والصلاة ساكنة، لا تضمّ؛ للوقف، فإذا وُصل بكلام ضُمّ. انتهى (١).
(أَشْهَدُ) بفتح الهاء مضارع شَهِد، كعَلِمَ، قال في "القاموس": الشهادة: خبرٌ قاطعٌ، وقد شَهِدَ، كعَلِمَ، وكَرُمَ، وقد تُسَكَّن هاؤه، وشَهِده، كسَمِعه شُهُودًا: حضره، فهو شاهد، وجمعه شُهُودٌ، وشُهَّدٌ. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": قوله: (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي أعلم وأُبيِّن، ومن ذلك: شهد الشاهد عند الحاكم، معناه: قد بيَّن له، وأعلمه الخبرَ الذي عنده،
стр. 4951
وقال ابن منظور ﵀: "الشهادة": خبرٌ قاطعٌ، تقول منه: شَهِدَ الرجلُ على كذا، وربما قالوا: شَهْدَ الرجل بسكون الهاء للتخفيف، قاله الأخفش، وقولهم: أَشْهَدُ بكذا: أي أَحْلِف.
وقال أبو بكر بن الأنباريّ في قول المؤذن: "أشهد أن لا إله إلا الله": أعلم أن لا إله إلا الله، وأُبَيِّنُ أن لا إله إلا الله، قال: وقوله: "أشهد أن محمدًا رسول الله": أَعْلَمُ وأُبَيِّنُ أن محمدًا رسول الله، وقوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قال أبو عبيدة: معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: قَضَى اللهُ أنه لا إله إلا هو، وحقيقته عَلِمَ اللهُ وبَيَّنَ الله، لأن الشاهد هو العالم الذي يُبَيِّن ما علمه، فالله قد دَلّ على توحيده بجميع ما خَلَق، فبَيَّن أنه لا يقدر أحد أن يُنشئ شيئًا واحدًا مما أنشأ، وشَهِدت الملائكة لِمَا عاينت من عظيم قدرته، وشَهِد أولو العلم بما ثبت عندهم، وتبَيَّن من خلقه الذي لا يَقدِر عليه غيره.
وقال أبو العباس: شَهِدَ الله: بَيَّن الله وأظهر، وشَهِدَ الشاهد عند الحاكم: أي بَيَّن ما يعلمه وأظهره، يدُلّ على ذلك.
وسأل المنذريُّ أحمدَ بن يحيى عن قول الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فقال: كلُّ ما كان "شهد الله"، فإنه بمعنى عَلِمَ الله، قال: وقال ابنُ الأعرابيّ: معناه: قال الله، ويكون معناه: عَلِمَ الله، ويكون معناه: كَتَب الله، وقال ابنُ الأنباريّ: معناه: بَيَّن الله أن لا إله إلا هو. انتهى (١).
وقال ابن باطيش (٢) في "المغني": قوله: "أشهد": أصلها أنها خبر، وهي هنا خاصّ بالحال، وإن شاركه في لفظه المستقبل، لأن المتلفّظ به سَيُقطَع بإسلامه عقب قوله، ولو كان مستقبَلًا لما قُطع به، فإنه يكون وعدًا بالشهادة. انتهى (٣).
(أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) كرّر للتوكيد (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) أي
стр. 4952
أعلم وأبيّن أن محمدًا ﷺ رسول الله، والرسول فَعُولٌ بمعنى مفعول، يقال: أرسلتُ رسولًا: إذا بعثته برسالة يؤدّيها، ويجوز استعماله بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث، والمثنَّى، والمجموع، ويجوز التثنية، والجمع، فيُجمَعُ على رُسُلٍ بضمّتين، وإسكان السين لغةٌ، أفاده الفيّوميّ (١).
وقال أبو بكر بن الأنباريُّ في قول المؤذّن: "أشهد أن محمدًا رسول الله": أي أعلم، وأبيِّنُ أن محمدًا متابعٌ للإخبار عن الله ، والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذًا من قولهم: جاءت الإبل رَسَلًا: أي متتابعةً، وقال أبو إسحاق النحويّ في قوله حكايةً عن موسى وأخيه: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]: معناه: إنا رِسالة ربّ العالمين؛ أي ذَوَا رسالة ربّ العالمين، وأنشد قول كُثَيِّر [من الطويل]:
لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ … بِسِرٍّ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أراد: ولا أرسلتهم برسالة (٢).
وقال الجوهريّ: وأرسلتُ فلانًا، فهو مرسَلٌ، ورَسُولٌ، والجمع رُسْلٌ، ورُسُلٌ، والرسول أيضًا: الرسالة، قال [من الوافر]:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا عَمْرٍ ورَسُولًا … بأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ولم يَقُل: رُسُلُ ربّ العالمين؛ لأن فَعُولًا وفَعِيلًا يستوي فيهما المذكّر والمؤنّث والواحد والجمع، مثلُ: عَدُو وصَدِيقٍ. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال ابن الأنباريّ: فُصَحَاءُ العرب، وأهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أن محمدًا رسول الله، وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينًا، فيقولون: أشهد عَنَّ. انتهى (٤).
(أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ثُمَّ يَعُودُ) أي يرجع المؤذّن بهؤلاء الكلمات مزة أخرى رافعًا صوته، ويستفاد منه أن ما سبق كان بخفض الصوت، ويوضّح ذلك رواية أبي داود، فقد أخرجه بسند صحيح، عن محمد بن عبد الملك بن
стр. 4953
أبي محذورة، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت: يا رسول الله عَلِّمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدَّم رأسي، وقال: "تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
زاد في رواية: "قال: وعلمني الإقامة مرتين مرتين، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
فتبيّن بهذه الرواية أن المراد بالعود هنا أن يعود إلى رفع الصوت بعد خفضه، وهذا هو المسمّى بالترجيع، وهو أن يَخفض صوته بالشهادتين بعد الجهر بهما، وفيه خلاف مشهور، والحقّ أنه سنة ثابتةٌ، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وفي نسخة: "ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرّتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرّتين" (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ) معناه: تَعَالَوْا إلى الصلاة، وأَقْبِلُوا إليها، قالوا: وفُتِحَت الياء لسكونها، وسكون الياء السابقة الْمُدْغَمَة، قاله النوويّ (١).
وقال ابن منظور: وحَيَّ على الغداء والصلاة: ائتوها، فـ "حَيّ" اسم للفعل، ولذلك عُلِّق حرف الجر الذي هو "على" به، و"حَيَّهَلْ"، و"حَيَّهَلًا"، و"حَيَّهَلَا" منونًا وغيرَ منون كلُّه كلمةٌ يُسْتَحَثُّ بها، قال مزاحم [من الطويل]:
стр. 4954
بِحَيَّهَلًا يُزْجُونَ كُلَّ مَطِيَّةِ … أَمَامَ الْمَطَايَا سَيْرُهَا الْمُتَقَاذِفُ
قال بعض النحويين: إذا قُلت: حَيَّهَلًا، فنَوَّنتَ، قلت: حَثًّا، وإذا قلت: حَيَّهَلَا فلم تنوّن، فكأنك قلت: الْحَثَّ، فصار التنوين عَلَمَ التنكير، وتركه علم التعريف، وكذلك جميع ما هذه حاله من المبنيات، إذا اعتُقِد فيه التنكير نُوِّن، وإذا اعتُقِد فيه التعريف حُذِف التنوين، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ … مِنْهَا وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ بَيِّنُ
وقال الجوهريّ: وقولهم: "حيَّ على الصلاة": معناه هَلُمَّ، وأَقْبِلْ، وفتُحِت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، كما قيل: ليت، ولعل، والعرب تقول: حيَّ على الثريد، وهو اسم لفعل الأمر (١).
(حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ") أي هَلُمَّ إلى الفَوْز والنجاة، وقيل: إلى البقاء؛ أي أقبلوا على سبب البقاء في الجنة، والْفَلَحُ بفتح الفاء واللام لغة في الفلاح، حكاهما الجوهريّ وغيره، ويقال لِحَيَّ على كذا: الحيعلة، قال أبو منصور الأزهريّ: قال الخليل بن أحمد - رحمهما الله تعالى -: الحاء والعين لا يأتلفان في كلمة أصلية الحروف؛ لقرب مخرجيهما إلا أن يُؤَلَّفَ فعل من كلمتين، مثلُ: حَيَّ على، فيقال منه: حَيْعَلَ. انتهى.
وقال الأزهريّ ﵀: معنى "حيّ الفلاح": هَلُمّ، وعَجِّل إلى الفلاح، والفلاحُ: هو الفوز بالبقاء، والخلود في النعيم المقيم، ويقال للفائز: مُفْلح، وكل من أصاب خيرًا: مُفْلِح، وقال عُبيد بن الأبرص:
أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ يُدْرَكُ بِالـ … ـضَّعْفِ وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ
أفلح يعني: ابْقَ بما شئت من حُمْقٍ أو كَيْسٍ، ويقال للسحور الذي يستعين به الصائم على صومه: فلاح وفَلَحٌ - أي بفتحتين -؛ لأنه سبب للبقاء. انتهى (٢).
(زَادَ إِسْحَاقُ) ابن راهويه شيخه الثاني في روايته لهذا الحديث (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ
стр. 4955
أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) يعني أن أبا غسّان اختصر الحديث، فانتهى عند قوله: "حيّ على الفلاح مرتين"، وأما إسحاق فأتمّه بذكر قوله: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي محذورة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٨٤٨] (٣٧٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٠٢)، و (الترمذيّ) فيه (١٩٢)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٤ - ٥)، و (ابن ماجه) في "الأذان" (٧٠٩)، و (أبو داود الطيالسيّ") في "مسنده" (١٣٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٦٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٧٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٨٠ و ١٦٨١ و ١٦٨٢)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ١٣٠ و ١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٦٤ و ٩٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٣٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٠٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان صفة الأذان، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد سبق أنه وقع في أكثر نُسَخ "صحيح مسلم" بتثنية التكبير في أوله، ووقع في بعضها بالتربيع، وكذلك اختُلف في حديث عبد الله بن زيد بالتثنية والتربيع، والمشهور فيه التربيع.
وقد سبق أيضًا أن الأرجح جواز كلّ ذلك، لصحّة نقله، فمن شاء ربّع، وهو الأقوى رواية، ومن شاء ثنّى، وكذلك الإقامة، من شاء أفرد، ومن شاء ثنّى، إلا "قد قامت الصلاة"، فإنها تُثنَّى دائمًا.
٢ - (ومنها): مشروعيّة الترجيع في الأذان، وفيه خلاف سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
стр. 4956
٣ - (ومنها): بيان فضل أبي محذورة ﵁ حيث لقّنه النبيّ ﷺ الأذان بنفسه، وولّاه إياه في مكّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الترجيع:
قال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث حجة بينةٌ، ودلالة واضحة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أن الترجيع في الأذان ثابت مشروع، وهو الْعَودُ إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت، بعد قولهما مرتين بخفض الصوت، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يُشْرَع الترجيع؛ عملًا بحديث عبد الله بن زيد، فإنه ليس فيه ترجيع، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والزيادة مقدَّمةٌ، مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخرٌ عن حديث عبد الله بن زيد، فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، وانضمّ إلى هذا كلِّه عمل أهل مكة والمدينة، وسائر الأمصار، وبالله تعالى التوفيق.
قال: واختَلَف أصحابنا - يعني الشافعيّة - في الترجيع، هل هو ركن لا يصحّ الأذان إلا به، أم هو سنة، ليس ركنًا، حتى لو تركه صحّ الأذان، مع فوات كمال الفضيلة؟ على وجهين: والأصح عندهم أنه سنة، وقد ذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه، والصواب إثباته. انتهى كلام النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الأرجح ما ذهب إليه جماعة من المحدّثين من التخيير؛ لصحّة كلّ من الترجيع وعدمه؛ كإفراد الإقامة، وتثنيتها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: احتجَّ الجمهور على مشروعية الترجيع وثبوته بروايات أبي محذورة ﵁، وهي نصوص صريحة فيه:
(فمنها): ما أخرجه المصنّف ﵀ هنا.
(ومنها): ما رواه الترمذيّ (١٩١) حدَّثنا بشر بن معاذ البصريّ، حدّثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أخبرني أبي وجدّي جميعًا عن أبي محذورة "أن رسول الله ﷺ أقعده، وألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا"، قال إبراهيم: مثل أذاننا، قال بشر: فقلت له: أَعِدْ عليّ، فوصف
стр. 4957
الأذان بالترجيع، قال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد رُوي عنه من غير وجه، وعليه العمل بمكة، وهو قول الشافعي. انتهى.
(ومنها): ما رواه أبو داود في "سننه" عن أبي محذورة ﵁، وقد تقدّم قريبًا، وهو حديث صحيح، وهو نصّ صريح في أن الترجيع من سنة الأذان.
(ومنها): ما رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه عن أبي محذورة ﵁ قال: علَّمني رسول الله ﷺ الأذان، فقال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيّ على الصلاة حي على الصلاة … " الحديث، وإسناده صحيح، فهذه الروايات كلها نصوص صريحة في ثبوت الترجيع ومشروعيته.
قال العلامة المباركفوريّ ﵀: وأجاب عن هذه الروايات من لم يقل بالترجيع بأجوبة كلها مخدوشة واهية جدًّا.
(فمنها): ما ذكره ابن الهمام في "فتح القدير"، فقال: رَوَى الطبراني في "الأوسط" عن أبي محذورة يقول: "ألقى عليّ رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا، الله أكبر … " إلخ، ولم يذكر ترجيعًا، فتعارضا فتساقطا، ويبقى حديث ابن عمر، وعبد الله بن زيد سالمًا عن المعارضة. انتهى.
ورَدَّه القارئ في "المرقاة شرح المشكاة" حيث قال: وفيه أن عدم ذكره في حديثٍ لا يُعَدّ معارضًا؛ لأن مَن حَفِظَ حجةٌ على من لم يحفظ، والزيادة من الثقة مقبولة، نعم لو صَرَّح بالنفي كان معارضًا مع أن المثبت مقدم على النافي. انتهى.
(ومنها): ما قال الطحاويّ: إنه يَحتَمِلُ أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يَمُدَّ بذلك صوته على ما أراد النبيّ ﷺ منه، فقال النبيّ ﷺ : ارجع وامدُدْ من صوتك، هكذا اللفظ في هذا الحديث. انتهى.
وهذا التأويل مردودٌ، فإنه وقع في رواية أبي داود: "ثم ارجع، فَمُدَّ من صوتك " بزيادة لفظ "ثُمَّ"، ولفظه هكذا: "قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله
стр. 4958
أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، مرتين مرتين، قال: ثم ارجع، فَمُدّ من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله … " إلخ.
فمعنى قوله: "ثم ارجع، فمد من صوتك"، أي اخفض صوتك بالشهادتين مرتين مرتين، ثم ارجع، فمُدَّ من صوتك وارفعه بهما مرتين مرتين، يدلّ عليه رواية أبي داود التي ذكرناها قبل هذا بلفظ: "تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله … " إلخ، والروايات بعضها يُفَسِّر بعضًا.
ويرد هذا التأويل أيضًا ما رواه الترمذي بإسناد صحيح عن أبي محذورة، بلفظ: "إن النبيّ ﷺ علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمةً".
(ومنها): ما ذكره أبو زيد الدبوسي في "الأسرار"، وتبعه بعض شُرّاح "الهداية" من أن النبيّ ﷺ أمره بذلك لحكمة رُويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يُبغض رسول الله ﷺ قبل الإسلام بغضًا شديدًا، فلما أسلم أمره رسول الله ﷺ ، وعَرَكَ أذنه، وقال له: "ارجع وامدُد بها من صوتك"؛ لِيُعلَم أنه لا حياء من الحقّ، أو ليزيد محبةً لرسول الله ﷺ بتكرير الشهادتين.
ورَدّه العينيّ حيث قال: هذا ضعيف، فإنه خفض صوته عند ذكر اسم الله تعالى أيضًا بعد أن رفع صوته بالتكبير، ولم ينقل في كتب الحديث أنه عَرَك أذنه. انتهى.
(ومنها): ما قال ابن الجوزيّ في "التحقيق" من أن أبا محذورة كان كافرًا قبل أن يُسْلِم، فلما أسلم، ولقّنه النبيّ ﷺ الأذان، أعاد عليه الشهادة وكرَّرها؛ لتَثبُت عنده ويحفظها، ويكررها على أصحابه المشركين، فلما كرّرها عليه ظنّها من الأذان. انتهى.
(ومنها): ما قال صاحب "الهداية" من أن ما رواه كان تعليمًا، فظنه ترجيعًا، وقد ذكر الحافظ الزيلعيّ في "نصب الراية" هذه الأقوال، وقال: هذه الأقوال متقاربة في المعنى، ثم ردَّها، فقال: ويردُّها لفظ أبي داود، قلت: يا
стр. 4959
رسول الله عَلِّمني سنة الأذان، وفيه: "ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، تَخْفِض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بها"، فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك في "صحيح ابن حبّان"، و"مسند أحمد". انتهى.
وكذلك ردّ هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في "الدراية".
قال المباركفوريّ ﵀: ولردّ هذه الأقوال وجوهٌ أخرى:
(منها): أن فيها سوء الظن بأبي محذورة ﵁، ونسبة الخطأ إليه من غير دليل.
(ومنها): أن أبا محذورة ﵁ كان مقيمًا بمكة مؤذِّنًا لأهلها إلى أن تُوُفِّي، وكانت وفاته سنة تسع وخمسين، وكلُّ مَن كان في هذه المدة بمكة من الصحابة، ومن التابعين كانوا يسمعون تأذينه بالترجيع، وكذلك يَسمَع كل مَن يَرِد مكة في مواسم الحج، وهي مَجْمَع المسلمين، فلو كان ترجيع أبي محذورة غير مشروع، وكان من خطئه لأنكروا عليه، ولم يُقِرُّوه على خطئه، ولكن لم يثبت إنكار أحد من الصحابة وغيرهم على أبي محذورة في ترجيعه في الأذان، فظهر بهذا بطلان تلك الأقوال، وثَبَت أن الترجيع من سنة الأذان، بل ثبت إجماع الصحابة على سنيته على طريق الحنفية فتفكر. قال: وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا "أبكار المنن في نقد آثار السنن" (١).
واستُدِلّ من لم يقل بمشروعية الترجيع بما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله … " الحديث.
قيل: يستفاد من هذا الحديث أن الأذان ليس فيه الترجيع.
وتُعُقِّب بأنه يستفاد منه أيضًا أن الأذان ليس فيه تربيع التكبير، ولا تثنية باقي الكلمات، فما هو الجواب عنهما هو الجواب عن الترجيع.
واستُدِلّ أيضًا بحديث عبد الله بن زيد، قال ابن الجوزيّ في "التحقيق":
стр. 4960
حديث عبد الله بن زيد هو أصل في التأذين، وليس فيه ترجيع، فدَلَّ على أن الترجيع غير مسنون. انتهى.
وقد عرفت جوابه في كلام النووي.
وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار": كَرِهَ قوم أن يقال في أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم"، واحتَجُّوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في الأذان، وخالفهم في ذلك آخرون، فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح بعد الفلاح، وكان الحجة لهم في ذلك أنه وإن لم يكن ذلك في حديث عبد الله بن زيد، فقد عَلَّمه رسول الله ﷺ أبا محذورة بعد ذلك، فلما عَلَّم رسول الله ﷺ ذلك أبا محذورة، كان زيادةً على ما في حديث عبد الله بن زيد، ووجب استعمالها. انتهى كلام الطحاويّ.
قال المباركفوريّ ﵀: فكذلك يقال: إن الترجيع وإن لم يكن في حديث عبد الله بن زيد، فقد علّمه رسول الله ﷺ أبا محذورة بعد ذلك، فلما علّم رسول الله ﷺ ذلك أبا محذورة كان زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد، فوجب استعماله.
وقال صاحب "بذل المجهود" تحت حديث أبي محذورة ما لفظه: وهذا الحديث يُحتَجُّ به على سنية الترجيع في الأذان، وبه قال الشافعيّ، ومالك؛ لأنه ثابت في حديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، مشتمل على زيادة غير منافية، فيجب قبولها، وهو أيضًا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد؛ لأن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، ويرجّحه أيضًا عمل أهل مكة والمدينة. انتهى.
وقال صاحب "العرف الشذيّ" ما لفظه: واستمر الترجيع في مكة إلى عهد الشافعيّ، وكان السلف يشهدون موسم الحج كلَّ سنة، ولم ينكر أحد. انتهى.
قال المباركفوريّ: والأمر كما قالا، ولكنهما مع هذا الاعتراف لم يقولا بسنية الترجيع في الأذان، فأما صاحب "بذل المجهود"، فأجاب عن حديث أبي محذورة بأن الترجيع في أذانه لم يكن لأجل الأذان، بل كان لأجل التعليم، فانه كان كافرًا، فكرر رسول الله ﷺ الشهادتين برفع الصوت لترسخا
стр. 4961
في قلبه، كما تدل عليه قصته المفَصَّلة، فظن أبو محذورة أنه ترجيع، وأنه في أصل الأذان. انتهى.
قلت: وهذا الجواب مردود كما عرفت آنفًا، ثم قال صاحب "البذل" مستدلًّا على عدم سنية الترجيع، ما لفظه: وقد رَوَى الطبراني في "معجمه الأوسط" عن أبي محذورة أنه قال: "ألقي على رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا: الله أكبر الله أكبر … " إلى آخره، لم يذكر فيه ترجيعًا. انتهى.
قلت: وأجاب عن هذه الرواية في "نصب الراية"، فقال بعد ذكر هذه الرواية: وهذا معارِض للرواية المتقدمة التي عند مسلم وغيره، ورواه أبو داود في "سننه"، حدثنا النُّفَيليّ، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، فذكره بهذا الإسناد، وفيه ترجيع - انتهى.
ثم قال: وأيضًا يدل على عدم الترجيع ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة. انتهى.
قلت: قد تقدّم الجواب عن هذه الرواية فتذكر، ثم هذه الرواية إن دلت على عدم الترجيع، فتدل أيضًا على عدم تثنية الإقامة، فعليهم أن يقولوا بعدم تثنيتها أيضًا.
وأما صاحب "العرف الشذيّ، فقال: إن رَجَّع الحنفيّ في الأذان، ففي "البحر" أنه يباح، ليس بسنة ولا مكروه، وعليه الاعتماد، وقال: الحقّ ثبوت الترجيع، ووجه الرجحان لنا في عدم الترجيع أن بلالًا استمر أمره بين يدي رسول الله ﷺ قبل تعليمه ﵇ الأذان أبا محذورة وبعده. انتهى.
قلت: قد استَمَرّ الترجيع أيضًا من حين تعليمه ﵇ الأذان بالترجيع أبا محذورة إلى عهد الشافعيّ كما اعترف هو به.
فحاصل الكلام أنه ليس لإنكار سنية الترجيع في الأذان وجه، إلا التقليدُ، أو قلة الاطلاع. انتهى كلام المباركفوريّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
стр. 4962
خلاصته أن أدلّة ثبوت الترجيع واضحة كالشمس في رابعة النهار، حتى اعترف بها المعارضون لها من متعصّبي الحنفيّة، إلا أن التعصّب أعماهم، فتكلّفوا التأويلات الزائفة، قاتل الله التعصّب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد كلمات الأذان:
ذهب الشافعيّة وطائفة من العلماء إلى أن الأذان تسع عشرة كلمةً، واحتجّوا بحديث أبي محذورة ﵁ المذكور في الباب، وقالوا: العمل به مقدّم لأن فيه زيادةً، وزيادة الثقة مقبولة، ولأن النبيّ ﷺ لقّنه إياه بنفسه.
وذهب أبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد بن حنبل إلى أنه خمس عشرة كلمة، واحتجّوا بحديث عبد الله بن زيد ﵁.
وذهب مالك إلى أنه سبع عشرة كلمة؛ لعدم التربيع في أوله.
قال العلامة ابن رشد ﵀ في كتابه "بداية المجتهد":
اختلف العلماء في الأذان على أربع صفات مشهورة:
[إحداها]: تثنية التكبير فيه، وتربيع الشهادتين، وباقيه مثنى، وهو مذهب أهل المدينة، مالك وغيره، واختار المتأخرون من أصحاب مالك الترجيع، وهو أن يُثَنِّي الشهادتين أوّلًا خفيًّا، ثم يُثَنِّيهما مرةً ثانية، مرفوعَ الصوت.
[والصفة الثانية]: أذان المكيين، وبه قال الشافعيّ، وهو تربيع التكبير الأول، والشهادتين، وتثنية باقي الأذان.
[والصفة الثالثة]: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأول، وتثنية باقي الأذان، وبه قال أبو حنيفة.
[والصفة الرابعة]: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الأول، وتثليث الشهادتين، و"حي على الصلاة"، و"حي على الفلاح"، يبدأ بـ "أشهد أن لا إله إلا الله" حتى يصل إلى "حي على الفلاح"، ثم يُعِيد كذلك مرة ثانية، أعني الأربع كلمات تبعًا، ثم يعيدهن ثالثةً، وبه قال الحسن البصريّ، وابن سيرين.
والسبب في اختلاف هؤلاء الفرق الأربع اختلاف الآثار في ذلك، واختلاف اتّصال العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يَحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضًا يحتجون
стр. 4963
بالعمل المتصل عندهم بذاك، وكذلك الكوفيون، والبصريون، ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله.
أما تثنية التكبير في أوله على مذهب أهل الحجاز، فرُوي من طُرُق صحاح عن أبي محذورة وعبد الله بن زيد الأنصاريّ، وتربيعه أيضًا عن أبي محذورة من طُرُق أُخَر، وعن عبد الله بن زيد، قال الشافعيّ: وهي زيادات يجب قبولها مع اتصال العمل بذلك بمكة، وأما الترجيع الذي اختاره المتأخرون من أصحاب مالك، فرُوي من طريق أبي قُدامة، قال أبو عمر: وأبو قدامة عندهم ضعيف.
وأما الكوفيون فبحديث ابن أبي ليلى (١)، وفيه أن عبد الله بن زيد رأى في المنام رجلًا، قام على خُرْم حائط (٢)، وعليه بُرْدان أخضران، فأذَّن مثنى، وأقام مثنى وأنه أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقام بلال فأذّن مثنى وأقام مثنى، والذي أخرجه البخاريّ في هذا الباب، إنما هو من حديث أنس فقط، وهو أن بلالًا أُمِر أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا "قد قامت الصلاة"، فإنه يثنيها، وأخرج مسلم عن أبي محذورة، على صفة أذان الحجازيين.
ولمكان هذا التعارض الذي ورد في الأذان رأى أحمد بن حنبل وداود أن هذه لا على إيجاب واحدة منها، وأن الإنسان مخير فيها. انتهى كلام ابن رشد ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه أحمد وداود، وهو مذهب كثير من أهل الحديث وهو التخيير في ذلك هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عدد كلمات الإقامة:
ذهب الشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة، كلها مفردة إلا التكبير في أولها وآخرها، ولفظ "قد قامت
стр. 4964
الصلاة"، فإنها تثنّى، واستدلّوا بحديث أنس المتقدّم، وغيره.
وذهب الحنفيّة، والثوريّ، وابن المبارك، وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان، مع زيادة "قد قامت الصلاة" مرّتين، واستدلّوا بحديث عبد الله بن زيد، فقد وقع في بعض روايته بلفظ: "كان أذان رسول الله ﷺ شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة"، وأعلّه الترمذيّ بالانقطاع بين عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبين عبد الله بن زيد، والأصحّ أنه صحيح؛ لأن ابن أبي ليلى قال: حدّثنا أصحاب محمد ﷺ … فذكره، فهو متّصل بلا ريب، وقال الحافظ ﵀: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائيّ وغيره. انتهى.
وقال الشوكانيّ ﵀ بعد ذكر نحو ما سبق -: إذا عرفت هذا تبيّن لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها؛ لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة، وإن كانت أصحّ منها؛ لكثرة طرقها، وكونها في "الصحيحين"، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم مع تأخّر تاريخ بعضها، كما عرّفناك. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأحسن مما قاله الشوكاني ما قدّمناه من أن العمل بالحديثين هو الصواب؛ لصحّتهما، فيعمل بالإفراد تارةً، وبالتثنية أخرى، لكن يعمل في أكثر الأوقات بما هو الأقوى، والأرجح، وهو الإفراد، فهذا أحسن من دعوى النسخ أو غيره، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التثويب:
اختَلَفوا فيه، فذهبت طائفة إلى مشروعيّته، وممن قال به ابن عمر، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، قاله ابن المنذر، وزاد ابن قُدامة: الأوزاعيّ.
قال ابن المنذر: وقد كان الشافعيّ يقول به إذ هو بالعراق، قال: وهو الظاهر المعمول به في مسجد الله، ومسجد رسول الله ﷺ ، وحَكَى عنه البُويطيّ أنه كان يقول به، وقال في "كتاب الصلاة": ولا أُحبّ التثويب في الصبح، ولا
стр. 4965
في غير هذا؛ لأن أبا محذورة لم يَحْكِ عن النبيّ ﷺ أنه أمره بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان، وأكره التثويب بعده.
قال ابن المنذر ﵀: وما هذا إلا سهوٌ منه ومنسيٌّ، حيث كتب هذه المسألة؛ لأنه حَكَى ذلك في الكتاب العراقيّ عن سعد القَرَظ، وعن أبي محذورة، ورَوَى ذلك عن عليّ.
قال: وخالف النعمان، فاستحسن التثويب بين الأذان والإقامة، يقول: "حي على الصلاة" مرّتين، "حيّ على الفلاح" مرّتين، وخالف ما ثبت عن مؤذّني رسول الله ﷺ ، من أنهم كانوا يثوّبون في نفس الأذان قبل الفراغ منه.
قال: وبالأخبار التي رويناها عن بلال، وأبي محذورة نقول، ولا أرى التثويب إلا في أذان الفجر خاصّةً، يقول بعد قوله: "حيّ على الفلاح": "الصلاة خيرٌ من النوم" مرّتين. انتهى كلام ابن المنذر ملخّصًا (١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب" (٢): يكره التثويب في غير الصبح، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وحُكي عن النخعيّ أن التثويب سنة في كلّ الصلوات كالصبح، وحُكي عن الحسن بن صالح أنه استحبّه في أذان العشاء أيضًا؛ لأن بعض الناس قد ينام عنها.
وحجة الأولين حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، متّفقٌ عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن الأرجح استحباب التثويب في أذان الفجر بقوله بعد الحيعلتين: "الصلاة خير من النوم" مرّتين؛ لصحّة الخبر بذلك.
وأما ما أحدثه الناس من نحو قولهم: الصلاة يرحكم الله، أو ما يسمّونه بالترحيب في الفجر، أو غير ذلك، فإن هذا كلّه من البدع المنكرة، يجب إزالته على من يستطيع.
стр. 4966
وكذا زيادة "حيّ على خير العمل"؛ لأنه لم يثبت عن النبيّ ﷺ ، قال النوويّ: وروى البيهقيّ فيه شيئًا موقوفًا على ابن عمر، وعليّ بن الحسن ﵃. قال البيهقيّ ﵀: لم تثبت هذه اللفظة عن النبيّ ﷺ ، فنحن نكره الزيادة في الأذان. انتهى (١).
وخلاصة القول: إن التثويب بـ "الصلاة خيرٌ من النوم" سنّةٌ ثابتةٌ في أذان الفجر، وما عدا ذلك من أنواع التثويبات، وكذا قولُ "حيّ على خير العمل" فمما لا أصل له فيما صحّ عن رسول الله ﷺ ، فينبغي الحذَر، والتحذير منه، والإنكار على من يفعله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في بيان أغلاط المؤذّنين:
(اعلم): أنه يجب الاحتراز عن الأغلاط التي يرتكبها معظم المؤذّنين، وهي كثيرة:
[أولها]: مدّ الهمزة من "أشهد"، فيخرج إلى الاستفهام.
[ثانيها]: مدّ الباء من "أكبر"، فينقلب المعنى إلى جمع كَبَر، وهو الطبل.
[ثالثها]: الوقف على "إله"، ويبتدئ بـ "إلا الله"، قال ابن الملقّن: فهو كفر، وفيه نظر.
[رابعها]: إدغام الدال من "محمد" ﷺ في الراء من "رسول الله"، وهو لحن خفيّ عند القرّاء.
[خامسها]: ترك النطق بالهاء من "الصلاة"؛ لأنه يصير دعاء إلى النار.
[سادسها]: أن يُبدل هاء "الصلاة" حاء.
نبّه على هذه الأخطاء العلامة ابن الملقّن ﵀ في "الإعلام" (٢)، وزاد غير هذا تركته؛ إذ لم يُعجبني، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 4967
(٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٩] (٣٨٠) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيٌّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع و ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
والباقيان تقدّما قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وبتشدّده في اتّباع السنّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، أنه (قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ) يعني بالمدينة، وفي وقت واحد، وقد كان أبو محذورة أيضًا مؤذنًا لرسول اللَّه ﷺ -
стр. 4968
بمكة، وسعد القرظ أَذَّن لرسول اللَّه ﷺ بقباء مرّات، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "كان لرسول اللَّه ﷺ مؤذّنان" يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له غيرهما؛ أذّن له أبو محذورة بمكّة، ورتّبه لأذانها، وسعد الْقَرَظ (٢) أذّن للنبيّ ﷺ ثلاث مرَّات، وقال له: "إذا لم تر بلالًا، فأذِّن" (٣)، وأذّن له الصُّدائيّ، وقال: "إن أخا صداء أذّن، فهو يقيم" (٤). انتهى (٥).
وقوله: (بِلَالٌ) بالرفع على البدليّة من "مؤذّنان"، وهو بلال بن رَبَاح، وهو ابن حَمَامة، وهي أمه، من السابقين الأولين، مات ﵁ بالشام سنة (٧ أو ١٨) وقيل: سنة (٢٠)، تقدّمت ترجمته في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣.
وقوله: (وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) بالرفع عطفًا على "بلالٌ"، وقوله: (الْأَعْمَى) نعتٌ له.
وهو: عمرو بن زائدة، ويقال: عمرو بن قيدس بن زائدة، ويقال: زياد بن الأصم، وهو جُنْدُب بن هَرِم بن رواحة بن حُجْر بن عبد بن مَعيص بن عامر بن لُؤَيّ العامريّ، المعروف بابن أمّ مكتوم الأعمى، مؤذِّن النبيّ ﷺ ، وقيل: اسمه عبد اللَّه، والأول أكثر وأشهر، وهو قرشيّ عامريّ، أسلم قديمًا، وهاجر قبل مقدم النبيّ ﷺ المدينة، وكان النبيّ ﷺ يُكرمه، واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرّة، وشَهِد القادسيّة، وقُتل بها شهيدًا في خلافة عمر ﵄، وكان معه اللواء يومئذ، وهو الأعمى المذكور في القرآن، في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾، واسم أمه عاتكة بنت عبد اللَّه المخزوميّة، وزعم بعضهم أنه وُلد أعمى، فكُنيت أمه أم مكتوم؛ لانكتام نور بصره، والمعروف أنه عَمِي بعد بدر بسنتين.
стр. 4969
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قال في "الفتح" (٢/ ١١٩) وتعُقّب بأن سورة ﴿عَبَسَ﴾ مكيّة، كما هو مذكور في كتب التفاسير، وقد وُصف فيها بالأعمى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الواقديّ: رجع من القادسية إلى المدينة، فمات بها، ولم يُسمَع له بذكر بعد عمر بن الخطاب ﵄.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وزِرّ بن حُبيش، وأبو رَزِين الأسديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطيةُ بن أبي عطية، وأبو الْبَخْتريّ الطائيّ، ولم يدركه، وذكره ابن حبان في الصحابة في العبادلة، فقال: كان اسمه الْحُصين، فسماه النبيّ ﷺ عبد اللَّه، ومنهم من زعم أن اسمه عمرو، ومن قال: هو عبد اللَّه بن زائدة، فقد نسبه إلى جدّه، وقال ابن سعد: أما أهل المدينة فيقولون: اسمه عبد اللَّه، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو، ثم اتفقوا على نسبه، فقالوا: ابن قيس بن زائدة، وكان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة، يصلي بالناس في عامة غزواته، وقال أبو أحمد الحاكم: قُتل شهيدًا بالقادسية.
أخرج له أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله عندهم حديث عدم الرخصة من يسمع النداء، وله ذكر في "الصحيحين".
[تنبيه]: هذا الحديث هنا مختصرٌ، وقد ساقه المصنّف بتمامه في "كتاب الصيام"، فقال:
(١٠٩٢) حدّثنا ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: كان لرسول اللَّه ﷺ مؤذِّنان: بلالٌ، وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم"، قال: ولم يكن بينهما إلا أن يَنْزِل هذا، ويَرْقَى هذا. انتهى، وسيأتي تمام شرحه هناك -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 4970
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٨٤٩ و ٨٥٠] (٣٨٠) وفي "الصيام" (١٠٩٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦١٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨٧)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٣٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥٤٢٨ و ٢٤٣٤٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١١٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٣٦ و ٨٣٧ و ٨٣٨ و ٨٣٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر عند طلوعه، كما كان بلال وابن أم مكتوم ﵄ يفعلان ذلك.
قال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثةً، وأربعةً، فأكثر بحسب الحاجة، وقد اتخذ عثمان ﵁ أربعةً للحاجة عند كثرة الناس، قالوا: ويستحب أن لا يزاد على أربعة إلا لحاجة ظاهرة، قالوا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدًا، فالمستحب أن لا يؤذنوا دَفْعَةً واحدةً، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه، فإن تنازعوا في الابتداء به أُقرع بينهم، وإن ضاق الوقت، فإن كان المسجد كبيرًا أذَّنوا متفرقين في أقطاره، وإن كان ضيقًا وقفوا معًا، وأذّنوا، وهذا إذا لم يؤدّ اختلاف الأصوات إلى تهويش، فإن أدَّى إلى ذلك لم يُؤَذِّن إلا واحد، فإن تنازعوا أُقرع بينهم، وأما الإقامة فإن أذَّنُوا على الترتيب، فالأول أحقّ بها إن كان هو المؤذن الراتب، أو لم يكن هناك مؤذن راتب، فإن كان الأول غير المؤذن الراتب، فأيهما أولى بالإقامة؟ فيه وجهان لأصحابنا أصحهما أن الراتب أولى؛ لأنه منصبه، ولو أقام في هذه الصور غير من له ولاية الإقامة اعتُدَّ به على المذهب الصحيح المختار الذي عليه جمهور أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: لا يُعْتَدّ به، كما لو خطب بهم واحد، وأَمَّ بهم غيره، فلا يجوز على قول، وأما إذا أذَّنوا معًا، فإن اتّفقوا على إقامة واحد، وإلا فيُقْرَع، قال أصحابنا ﵏: ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد، إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد، وقال بعض أصحابنا: لا بأس أن
стр. 4971
يقيموا معًا إذا لم يؤدِّ إلى التهويش. انتهى (١).
٢ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": استحباب أذان واحد بعد واحد، -أي كما كان يفعله مؤذّنا رسول اللَّه ﷺ وأما أذان اثنين معًا فمنع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أميّة، وقال الشافعيّة: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. انتهى (٢).
٣ - (ومنها): جواز وصف الإنسان بعيب فيه؛ للتعريف، أو مصلحة تترتب عليه، لا على قصد التنقيص، وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة، وهي ستة مواضع يباح فيها ذكر الإنسان بعيبه ونقصه، وما يَكْرَهه، وقد نظمتها بقولي:
يَا طَالِبًا فَائِدَةً جَلِيلَهْ … اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلْفَضِيلَهْ
أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيًّا أَوْ لَا … مُحَرَّم قَطْعًا بِنَصِّ يُتْلَى
لَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحِ … أُبِيحَ عَدَّهَا أُولُو التَّرْجِيحِ
فَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظَلَّمِ … وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمِ
وَعِبْ مُجَاهِرًا بِفِسْق أَوْ بِدَعْ … بِمَا بِهِ جَاهَرَ لَا بِمَا امْتَنَعْ
وَعَرِّفَنْ بِلَقَب مَنْ عُرِفَا … بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا
وَحَذِّرَنْ مِنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا … تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى
وَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ … تَكُنْ مُوَفَّقًا لِنَيْلِ الأَرَبِ
وقد تقدّمت هذه الأبيات، وإنما أعدتها تذكيرًا؛ لطول العهد بها، وسيأتي الكلام أيضًا في "كتاب النكاح" عند قول النبيّ ﷺ : "أما معاوية فصُعْلُوكٌ. . . "، وفي حديث: "إن أبا سفيان رجلٌ شَحِيح. . . "، وفي حديث: "بئس أخو العشيرة. . . "، وفي مواضع أخرى من الكتاب -إن شاء اللَّه تعالى- وباللَّه تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): جواز كون الأعمى مؤذّنًا، إذا كان معه بصيرٌ يرشده للأوقات (٣)، وسيأتي في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى-.
стр. 4972
٥ - (ومنها): جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وفيه خلاف، والأرجح الجواز؛ لقصّة ابن أم مكتوم ﵁.
٦ - (ومنها): أنه يُستفاد جواز شهادة الأعمى، قال الإمام البخاريّ في "كتاب الشهادات" من "صحيحه": "باب شهادة الأعمى، وأمره، ونكاحه، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره". انتهى (١).
٧ - (ومنها): جواز العمل بخبر الواحد.
٨ - (ومنها): جواز الاعتماد على الصوت دون الرواية إذا كان عارفًا به، وإن لم يُشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة؛ لاحتمال الاشتباه.
٩ - (ومنها): جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك، واحتيج إليه.
١٠ - (ومنها): جواز الأذان قبل طلوع الفجر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق ﵁ التيميّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، فقيه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٢ - (عَائِشَة) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قريبًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث عبيد اللَّه، عن نافع المتقدّم؛ يعني عبيد اللَّه بن عمر روى هذا الحديث بإسنادين: إسناد نافع، عن ابن عمر ﵄، وإسناد القاسم، عن عائشة ﵂، فالحديث ثابت عنهما جميعًا.
стр. 4973
[تنبيه]: رواية عبد اللَّه، عن القاسم التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٥) فقال:
(٨٣٧) حدثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عبيد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، ثنا عبيد اللَّه بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا. انتهى.
وسيأتي شرح الحديث مستوفًى في "كتاب الصيام" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٥) - (بَابُ جَوَازِ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُرْشِدُهُ لِلْوَقْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥١] (٣٨١) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَعْمَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ البَجَليّ مولاهم، أبو الهيثم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه،
стр. 4974
ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) ﵂ تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى خالد، فأخرج له أبو داود في "مسند مالك".
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ، عن خالته: هشام، عن عروة، عن عائشة ﵂، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) تقدّم أن الأصحّ أن اسمه عمرو بن قيس بن زائدة (يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَعْمَى) فيه جواز أذان الأعمى، قال النوويّ ﵀: أذان الأعمى صحيحٌ، وهو جائز بلا كراهة إذا كان معه بصيرٌ، كما كان بلال وابن أمّ مكتوم، قال أصحابنا: ويكره أن يكون الأعمى مؤذِّنًا وحده. انتهى.
وقال الإمام البخاريّ في "صحيحه": "باب أذان الأعمى إذا كان له من يُخبره"، قال في "الفتح": أي بالوقت؛ لأن الوقت في الأصل مبنيّ على المشاهدة، وعلى هذا القيد يُحمَل ما روى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن مسعود، وابن الزبير، وغيرهما أنهم كَرِهوا أن يكون المؤذِّن أعمى، وأما ما نقله النوويّ عن أبي حنيفة، وداود أن أذان الأعمى لا يصحّ، فقد تعقّبه السروجيّ بأنه غلط على أبي حنيفة. نعم، في "المحيط" للحنفيّة أنه يُكره.
стр. 4975
انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٨٥١ و ٨٥٢] (٣٨١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٤٣٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٧٨ و ٩٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٣٨ و ٨٣٩)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الباب الماضي، وللَّه الحمد والمنّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن سالم بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ، صدوقٌ، من كبار [٨] (ت ١٥٣) (م د س) تقدم في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨٢.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد اللَّه بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سَلامان بن رَبِيعة بن سعد بن جُمَح الْجُمَحيّ، من ولد عامر بن حِذْيَم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، قاضي بغداد، صدوقٌ، له أوهامٌ [٨].