[تنبيه]: رواية الليث، عن عُقيل التي أشار إليها هنا أخرجها أبو نُعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٢) فقال:
(٨٥٨) حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث بن سعد، حدثني عُقَيل، عن الزهريّ، عن سالم بن عبد اللَّه، أن عبد اللَّه بن عمر، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبّر، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود". انتهى.
وأما رواية عبد اللَّه بن المبارك، عن يونس، فأخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٧٣٦) حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد اللَّه، قال: أخبرنا يونس، عن الزهريّ، أخبرني سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه، حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع اللَّه لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٠] (٣٩١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُويرِثِ، إِذَا صَلَّى كَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ تقدّم أول الباب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان، أبو الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
стр. 5077
٣ - (خَالِد) بن مِهْرَان الحذّاء، تقدّم قريبًا في الأذان.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد اللَّه بن زيد بن عَمْرو، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) -بالتصغير- ابن حُشَيش بن عوف بن جُنْدَع، أبو سليمان الليثيّ الصحابيّ، وقيل في نسبه غير ذلك، نزل البصرة، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، ورَوَى عنه أبو قِلابة الْجَرْميّ، وأبو عطية، مولى بني عُقَيل، ونصر بن عاصم الليثيّ، وسَوّار الْجَرْميّ، قال الحافظ: ذكر ابن عبد البر أنه تُوُفّي سنة أربع وتسعين، وتبعه على ذلك ابن طاهر وغيره، وفيه نظر، بل لا يصح ذلك؛ لاتفاقهم على أن آخر من مات بالبصرة من الصحابة أنس بن مالك، حتى إن ابن عبد البرّ ممن صرَّحَ بذلك، والظاهر أن ذلك تصحيف، وأن وفاته سنة أربع وسبعين، بتقديم السين، وهو الذي في كتاب أبي عليّ بن السكن، بخط من يوثق به، وبه جزم الذهبيّ في "مختصره". انتهى (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٣٩١) وأعاده بعده، وحديث (٦٧٤): "ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم. . . "، وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، وقد دخلها.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: خالد الحذّاء، عن أبي قلابة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلَّا نحو ستّة أحاديث فقط، راجع "تحفة الأشراف" (٨/ ٥ - ١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5078
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد اللَّه بن زيد بن عَمْرو الْجَرْميّ (أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُويرِثِ) بالتصغير ﵁ (إِذَا صَلَّى) أي إذا أراد أن يدخل في الصلاة (كَبَّرَ) أي قال: اللَّه أكبر، قال النوويّ ﵀: والحكمة في ابتداء الصلاة بالتكبير، افتتاحها بالتنزيه، والتعظيم للَّه تعالى، ونعته بصفات الكمال، واللَّه أعلم. انتهى (١).
(ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) فيه أن الرفع بعد التكبير، وتقدّم في حديث ابن عمر ﵄ أنه رفع يديه، ثم كبّر، واختلف العلماء في التوفيق بينهما، والراجح أنه يُحْمَل على اختلاف الأوقات، فيدلّ على جواز الأمرين، كما أسلفت تحقيقه؛ فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وزاد في رواية أبي عوانة، عن قتادة التالية: "حتى يُحاذي بهما أُذنيه"، وفي رواية سعيد، عن قتادة: "حتى يُحاذي بهما فُروع أذنيه".
(وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ) زاد في رواية أبي عوانة: "حتى يُحاذي بهما أُذنيه"، وفيه أن الرفع يكون قبل الركوع، لا بعده (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ) وفي رواية أبي عوانة: "وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع اللَّه لمن حَمِده فعل مثل ذلك" (وَحَدَّثَ) أي مالك بن الْحُوَيرث (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا) أي من التكبير، والرفع في هذه المواضع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مالك بن الْحُوَيرث ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٨٧٠ و ٨٧١ و ٨٧٢] (٣٩١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٣٧)، وفي "جزء رفع اليدين" (ص ٦ و ١٧ و ١٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٤٥)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٢٣)، و (ابن ماجه) في
стр. 5079
"الصلاة" (٨٥٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٦٣ و ١٨٧٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١٥٠٤٦ و ١٩٦٢٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٢٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٨٧ و ١٥٨٨ و ١٥٨٩ و ١٥٩٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٨٦٠ و ٨٦١ و ٨٦٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧١] (. . .) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذَيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبتٌ يدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (نَصْرُ بْنُ عَاصِمِ) بن عمرو بن خالد بن حِزَام بن سعد بن وَدِيعة بن مالك بن قيس بن عامر بن ليث الليثيّ البصريّ، ثقةٌ، رُمي برأي الخوارج، وصحّ رجوعه [٣].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث الليثيّ، وأبي بكرة، وأبي معاوية الليثيّ، والمستورد التيميّ.
стр. 5080
ورَوَى عنه حميد بن هلال، وقتادة، وعمران بن حُدير، وبشر بن الشعثاء، وبشر بن عبيد، وأبو سعيد البقال.
ذَكَره خليفة في الطبقة الثانية من قُرّاء أهل البصرة، قال أبو داود: كان خارجيًّا، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال سهل بن محمود، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: جلست أنا والزهريّ إلى نصر بن عاصم، فلما قُمت من عنده قال: إن هذا ليقلع العربية تقليعًا.
قال خليفة: مات بعد الثمانين، وقال المرزباني في "معجم الشعراء": كان على رأي الخوارج، ثم تركهم، وأنشد له [من الكامل]:
فَارَقْتُ نَجْدَةَ وَالَّذِينَ تَزَرَّقُوا … وَابْنَ الزُّبَيْرِ وَشِيعَةَ الْكَذَّابِ
في أبيات، وفي "طبقات ابن سعد": رَوَى عن أبيه، وله صحبة.
أخرج له البخاريّ في "جزء رفع اليدين"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث فقط.
و"مالك بن الحويرث" تقدّم، وكذا شرح الحديث وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَنَّهُ رَأَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (سَعِيد) بن أبي عَرُوبة، واسمه مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ١٥٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
стр. 5081
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة الماضي، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الْحُويرث ﵁.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة التي أحالها المصنّف هنا أخرجها النسائيّ بسند المصنّف، فقال في "سننه":
(١٠٨٥) أخبرنا محمد بن المثني، قال: حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد (١)، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث أنه "رأى النبيّ ﷺ رفع يديه في صلاته، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه". انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعِ فِي الصَّلَاةِ، إِلَّا رَفْعَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَيَقُولُ فِيهِ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٣] (٣٩٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ (٢)، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
стр. 5082
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) أي كلّما نزل من القيام إلى الركوع، أو السجود، وكلما ارتفع من السجود إلى الجلوس، أو القيام، أو من الجلوس إلى القيام.
وقال في "الفتح": هذا عامّ في جميع الانتقالات في الصلاة، لكن خُصّ منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه شُرع فيه التحميد. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تأتي في الحديث التالي، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ
стр. 5083
المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه كنيته، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المخزوميّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين من التابعين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
[تنبيه]: قوله: "عن أبي بكر بن عبد الرحمن" كذا هو هنا من رواية ابن جُريج، عن ابن شهاب، وكذا هو في رواية عُقيل التالية، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وفي رواية مالك المختصرة التي قبل هذا، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وكذا هو في رواية يونس المطوّلة الآتية بعد حديث: عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وكذا من رواية معمر، عن ابن شهاب، عند السرّاج، وليس هذا الاختلاف قادحًا، بل الحديث عند ابن شهاب عنهما جميعًا، ولذا أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: "أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة. . . " الحديث (١).
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ) فيه التكبير قائمًا، وهو بالاتّفاق في حقّ القادر (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ على مقارنة التكبير للحركة، وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمدّه حتى يَصِلَ إلى حدّ الراكع. انتهى.
وتعقّبه في "الفتح"، فقال: دلالته على البسط الذي ذكره غير ظاهرة. انتهى (٢).
стр. 5084
وعبارة النوويّ في "شرحه": هذا دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات، وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمدّه حتى يَصِلَ حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الْهُوِيّ إلى السجود، ويمدّه حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود، ويبدأ في قوله: "سمع اللَّه لمن حمده" حين يشرع في الرفع من الركوع، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا، ثم يشرع في ذكر الاعتدال، وهو "ربنا لك الحمد. . . " إلى آخره، ويَشْرَع في التكبير للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة إلَّا ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز ﵀، وبه قال مالك: إنه لا يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائمًا، ودليل الجمهور ظاهر الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي الذي قاله النوويّ من أنه يمدّ التكبير حتى تتمّ الحركة ليس في حديث الباب ما يدلّ عليه، كما أشار إليه صاحب "الفتح" آنفًا، وإنما يدلّ على أن التكبير يقارن هذه الانتقالات، فيُستحبّ أن ينتقل من ركن إلى ركن مصاحبًا للذكر المسنون فيه، وأما أن يمدّه حتى يَصِل إلى الركن الذي يليه فمما لا دليل عليه، بل ربّما يؤدّي إلى إخراج الحرف عن المدّ المطلوب فيه، فتبصّر.
وقال الصنعانيّ ﵀ في "حاشية العمدة": ظاهر قوله: يُكبّر حين كذا، وحين كذا أن التكبير يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتدائه للركن، وأما القول بأنه يمدّ التكبير حتى يُتمّ الحركة، فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه، ولا نقصان عنه. انتهى.
وقال صاحب "المنهل": وعلى تسليم ما قاله النوويّ في مدّ التكبير إلى انتهاء حركات الانتقال، فينبغي للمصلّي أن يُسرع بحركات الانتقال، ويُراعي عدم مدّ لفظ الجلالة أزيد من حركتين، فإنه مدّ طبيعيّ، وقد اتّفق القرّاء على أنه لا يجوز مدّه أزيد من حركتين، خلافًا لبعضهم من مبالغتهم في هذا المدّ
стр. 5085
إلى ستّ حركات، أو أكثر. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله صاحب "المنهل" من الإسراع في الانتقالات فيه نظر لا يخفى؛ لأن الإسراع مخلّ بالطمأنينة، ومخالف للسنة؛ لأن السنّة في الانتقالات وغيرها كونها على سكون وطمأنينة، كما تدلّ عليه الأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي ذلك للمصلّي؛ لأنه ربّما يؤدّي ترك الطمانينة إلى بطلان الصلاة، كما سيأتي في حديث المسيء صلاته؛ فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) فيه دليلٌ على أن التسميع ذكر القيام من الركوع، و"الصُّلْب" بضمّ الصاد المهملة، وسكون اللام: كلُّ ظهر له فَقَارٌ، وتُضمّ اللام للاتباع، قاله في "المصباح" (٢).
وقال في "القاموس": "الصُّلْبُ" بالضمّ، وكَسُكَّرٍ، وأَمِيرٍ: الشديد، صَلُبَ؛ كَكَرُمَ، وسَمِعَ صَلابةً، وصَلَّبَ تصليبًا، وصَلّبته أنا، وبالضمّ، وبالتحريك: عظْمٌ من لدن الكاهل إلى الْعَجْبِ؛ كالصَّالِيبِ، جمعه: أَصْلُبٌ، وأصلابٌ، وصِلْبَةٌ. انتهى (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استُفيد من عبارتي "المصباح"، و"القاموس" أن "الصُّلْب" هنا يُضبط بضمّ، فسكون، وبضمّتين، وبفتحتين، وهو معنى التحريك المذكور في "القاموس"؛ فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) فيه دليلٌ على أن التحميد ذكر الاعتدال (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي) أي بفتح الياء: مضارع هَوَى: إذا سقط، وهَبَطَ، يقال: هَوَى يهوي، من باب ضرب هُوِيًّا، بضمّ الهاء، وفتحها، وزاد ابن القوطيّة: هَوَاءً بالمدّ: سقط من أعلى إلى أسفل، قاله أبو زيد وغيره، قال الشاعر [من الوافر]:
هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ
يُروى بالفتح، والضمّ، واقتصر الأزهريّ على الفتح، وهَوَى يَهْوِي أيضًا
стр. 5086
هُويًّا بالضمّ لا غير: إذا ارتفع، قاله في "المصباح" (١).
وقال في "القاموس": هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا بالفتح، والضمّ، وهَوَيَانًا: سقط من عُلو إلى سُفْل، أو الْهَوِيّ بالفتح للإصعاد، والْهُويّ بالضمّ للانحدار. انتهى باختصار (٢).
والمناسب هنا معنى الانحدار؛ فتنبّه.
(سَاجِدًا) حال من الفاعل، وفيه أن التكبير ذكر الْهَوِيّ، فيبتدئ به حين يشرع في النزول بعد الاعتدال (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي من السجود (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ) أي السجود الثاني (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي من السجود الثاني (ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ) أي الذي تقدّم ذكره من الأذكار (فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا) أي حتى يُتمّ صلاته، يقال: قضى فلانٌ صلاته: أي فرغ منها، قاله في "اللسان" (٣).
وقال في "المصباح": قَضَيتُ الحجِّ والدّينَ: أَدَّيته، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠] أي أدّيتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة: ١٠]، أي أدّيتموها، واستَعْمَل العلماء القضاء في العبادة التي تُفعَل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداءَ إذا فُعِلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغويّ، لكنه اصطلاحٌ للتمييز بين الوقتين. انتهى (٤).
(وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى) أي من الثنتين، وفي رواية البخاريّ: "ويكبّر حين يقوم من الثنتين"، وهو معنى قوله الآتي في حديث عمران ﵁: "وإذا نَهَضَ من الركعتين" (بَعْدَ الْجُلُوسِ) أي لقراءة التشهّد الأول، وهذه الرواية مفسّرة للرواية المختصرة التي قبل هذه الرواية، بلفظ: "فيكبّر كلما خفض، ورَفَعَ" (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، أي بعد أن يُصلّي بهذه الكيفيّة، كما تُرشد إليه رواية أبي سلمة الآتية، وأوضح منها ما أخرجه البخاريّ، من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
стр. 5087
هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: اللَّه أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة، حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول اللَّه ﷺ ، إن كانت هذه لصلاته، حتى فارق الدنيا. انتهى (١).
(إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية أبي سلمة الآتية: "وفإذا قضاها، وسلّم، أقبل على أهل المسجد، فقال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه ﷺ "، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٨٧٣ و ٨٧٤ و ٨٧٥ و ٨٧٦ و ٨٧٧ و ٨٧٨] (٣٩٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٨٥ و ٧٨٩ و ٧٩٥ و ٨٠٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٣٦)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٣٥)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٧٦)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨١)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٤٨٥)، (وابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٦ و ٤٥٢ و ٥٠٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٩١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٦ و ١٧٦٧ و ١٧٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٩١ و ١٥٩٢ و ١٥٩٣ و ١٥٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٦٤ و ٨٦٥ و ٨٦٦ و ٨٦٧ و ٨٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5088
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة التكبير في الصلاة في كل خفض ورفع، إلَّا في رفعه من الركوع، فإنه يقول فيه: "سمع اللَّه لمن حمده"، قال النوويّ: وهذا مُجْمَع عليه اليوم، ومن الأعصار المتقدمة، وقد كان فيه خلافٌ في زمن أبي هريرة ﵁، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلَّا للإحرام، وبعضهم يزيد عليه بعض ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، والظاهر أن هؤلاء لَمْ يبلغهم فعل الرسول ﷺ ، ولهذا كان أبو هريرة ﵁ يقول: إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه ﷺ ، ثم استقر العمل على ما في حديث أبي هريرة ﵁ هذا، ففي كل صلاة ثُنائية إحدى عشرة تكبيرة، وهي تكبيرة الإحرام، وخمسٌ في كل ركعة، وفي الثُّلاثية سبع عشرة تكبيرةً، وهي تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرُّباعيّة اثنتان وعشرون تكبيرةً، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرةً (١).
٢ - (ومنها): مشروعيّة التكبير للركوع، وهو مستحبّ عند الجمهور، وأوجبه بعضهم، وسيأتي ترجيحه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان أن الذكر المشروع في الرفع من الركوع أن يقول: "سمع اللَّه لمن حَمِده، ربّنا ولك الحمد"، وسيأتي تحقيق الخلاف، هل يستوي فيه الإمام والمأموم والمنفرد، أم لا؟ -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان أنه يَشرَع في التكبير حين يَشرَع في القيام من التشهّد الأول؛ لقوله: "وحين يقوم من المثنى"، وهو مذهمب العلماء كافّةً، إلَّا ما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀، وبه قال مالك: إنه لا يكبّر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائمًا، ويردّه ظاهر هذا الحديث، كما بيّنّاه آنفًا.
٥ - (ومنها): العناية بإظهار السنّة التي أهملها الناس؛ تعليمًا للجاهل، وتذكيرًا للعالم بها الناسي لها.
٦ - (ومنها): فضل أبي هريرة ﵁، وشدّة حرصه على بيان السنّة التي هُجرت، وإحيائها، ونشرها بين الناس.
стр. 5089
٧ - (ومنها): أنه يستفاد من قول عمران ﵁: "لقد ذَكَّرني هذا صلاة محمد ﷺ " الإشارة إلى ما قدمناه، من أنه كان هُجِرَ استعمال التكبير في الانتقالات لدى كثير من عوامّ الناس، وإن كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ عالمين بها، وقائمين بنشرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تكبيرات الانتقالات:
قال النوويّ ﵀: (اعلم): أن تكبيرة الإحرام واجبة، وما عداها سنةٌ لو تركه صحت صلاته، لكن فاتته الفضيلة، وموافقة السنة، هذا مذهب العلماء كافّة، إلَّا أحمد بن حنبل ﵀ في إحدى الروايتين عنه، أن جميع التكبيرات واجبةٌ. ودليل الجمهور أن النبيّ ﷺ عَلَّم الأعرابيّ الصلاة، فعلّمه واجباتها، فذكر منها تكبيرة الإحرام، ولم يذكر ما زاد، وهذا موضع البيان ووقته، ولا يجوز التأخير عنه. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولم يذكر ما زاد" غير صحيح، بل ذكر كل تكبيرات الانتقالات، وبيّنها كما بيّنت ذلك في "شرح النسائيّ"، فالحقّ ما نُقل عن أحمد ﵀، من وجوبها؛ فتبصّر.
وحَكَى الإمام الترمذيّ ﵀ مشروعيّة التكبير في كل خفض ورفع عن الخلفاء الأربعة ﵃، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، قال: وعليه عامّة الفقهاء والعلماء.
وحكاه ابن المنذر ﵀ عن أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وقيس بن عُباد، والشعبيّ، وأبي حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز، وهو قول عوامّ أهل العلم من علماء الأمصار، وفي الأخبار الثابتة التي رويناها عن رسول اللَّه ﷺ حجّة وكفاية.
قال: وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم نقصوا التكبير، ولا حجة في أحد مع رسول اللَّه ﷺ ، ولعلّ من ذكرنا عنهم أنهم نقصوا التكبير، إما أن يكونوا غفلوا أو كبّروا، فلم يُؤَدَّ عنهم، أو يكونوا دفعوا ذلك، فغير جائز دفع ما ثبتت به الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ ، وعمن ذكرنا ذلك عنه من
стр. 5090
أصحابه بقول أحد (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر ﵀ من ثبوت تكبيرات الانتقالات هو الحقّ الذي لا مَحِيد عنه، فقد صحّت أحاديث كثيرة في هذا الباب، فلا التفات إلى أَيِّ رأَي، وإلى أيّ مذهب خالف؛ فتبصّر.
وقد أشبعت البحث في ذلك في "شرح النسائيّ"، ورجّحت القول بوجوب تكبيرات الانتقالات، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبعض العلماء؛ لظهور أدلّته، وقوّة حجته، فراجعه تستفد (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي (٣) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي أَشْبَهُكُمْ (٤) صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، إلَّا أبا بكر، وأبا هريرة، فقد ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ. . . إلخ) الضمير لعُقيل؛ يعني أن عقيلًا روى هذا الحديث عن ابن شهاب مثل رواية ابن جريج السابقة، إلَّا أنه لَمْ يذكر قول أبي هريرة ﵁: "إني أشبهكم. . . " إلخ.
[تنبيه]: رواية عُقيل هذه أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
стр. 5091
(٧٨٩) حدثنا يحيى بن بكرٍ، قال: حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع اللَّه لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد اللَّه بن صالح، عن الليث: ولك الحمد-، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس". انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ حِينَ يَسْتَخْلِفُةُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ، إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ. . . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَفِي حَدِيثِهِ: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ، أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَالَ (١): وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا في الباب.
стр. 5092
وقوله: (كَانَ حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ) أي جعله خليفته في الصلاة، و"مروان" هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولّي الخلافة في آخر سنة (٦٤ هـ) ومات في رمضان سنة (٦٥ هـ) وله (٣ أو ٦١) سنة، ولا تثبت له صحبة.
والظاهر أن استخلافه لأبي هريرة ﵁ حينما كان أميرًا على المدينة؛ لأنه كان أمير معاوية ﵁ عليها.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ) الضمير ليونس بن يزيد الأيليّ؛ يعني أن يونس روى هذا الحديث عن ابن شهاب، نحو رواية ابن جريج السابقة، وفيه أن ألفاظهما فيها اختلاف، كما أشار إليه بقوله: "وَفِي حَدِيثِهِ: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ. . . إلخ".
[تنبيه]: رواية يونس هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم ﵀، في "مستخرجه"، فقال:
(٨٦٦) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن بن قُتيبة، ثنا حرملة بن يحيي، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة كان حين يستخلفه مروان على المدينة، إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ثم يكبر حين يركع، وإذا رفع رأسه من الركعة قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يَهْوِي ساجدًا، ثم يكبر حين يقوم من الثنتين بعد التشهد، ثم يفعل ذلك حتى يقضي صلاته، فإذا قضاها وسلم، أقبل على أهل المسجد، فقال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول اللَّه ﷺ . انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ
стр. 5093
يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ، كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ (١): إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ٢٢٦.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدِّمَشقيّ، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه الإمام، ثقةٌ حافظ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطاليّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤٢٤.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ) هو بمعنى ما سبق: "كلّما خفض، ورفع"، أي في جميع الانتقالات، ولكن خُصّ منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنّ المشروع فيه التسميع والتحميد، لا التكبير، فتنبّه.
وقوله: (إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي هذه الصلاة التي اشتملت على هذا التكبير في كل رفع ووضع هي الصلاة التي كان رسول اللَّه ﷺ يصلّيها حتى فارق الدنيا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- (٢) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ).
стр. 5094
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد اللَّه بن عَبْدٍ القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والحديث تقدّم شرحه ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٩] (٣٩٣) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى). التميميّ تقدّم في الباب.
٢ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثَعْلب البزّار المقرئ البغداديّ، له اختيارات في القراءة، ثقةٌ [١٠] (٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (غَيْلَانُ) بن جرير الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٨.
стр. 5095
٥ - (مُطَرِّف) بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْن) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخيه أيضًا؛ فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّف) بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير ﵀، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا) أكّد به الضمير المتّصل؛ ليعطف عليه ما بعده، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، والظرف متعلّق بـ "صلَّيتُ".
قيل: استُدِلّ به على أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، خلافًا لمن قال: يجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله.
وتعقّبه في "الفتح"، فقال: وفيه نظرٌ؛ لأنه ليس فيه أنه لَمْ يكن معهما غيرهما. انتهى.
[تنبيه]: صلاة عليّ ﵁ هذه كانت بالبصرة، ففي رواية البخاريّ من طريق أبي العلاء، عن مطرّف، عن عمران بن حُصين قال: "صلّى مع عليّ ﵁-
стр. 5096
بالبصرة. . . "، قال في "الفتح": يعني بعد وقعة الجمل، وكذا رواه سعيد بن منصور، من رواية حميد بن هلال، عن عمران، ووقع لأحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن غيلان: بالكوفة، وكذا لعبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، وغير واحد، عن مُطَرِّف، فيَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين. انتهى (١).
(فَكَانَ) عليّ ﵁ (إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ) من باب قَعَدَ: أي قام (مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) أي شرع في القيام منهما (كَبَّرَ) قال في "الفتح": قد ذكره في رواية أبي العلاء بصيغة العموم -أي بقوله: "كان يكبّر كلّما رَفَعَ، وكلّما وَضَعَ"- وخصّه هنا بذكر السجود، والرفع منه، والنهوض من الركعتين فقط، ففيه إشعار بأن هذه المواضع الثلاثة هي التي كان تُرِكَ التكبير فيها حتى تذَكَّرها عمران بصلاة عليّ ﵄.
(فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ) وفي رواية للبخاريّ: "فلما قضى الصلاة" (قَالَ) مطرّف (أَخَذَ عِمْرَانُ) بن حُصينٍ ﵄ (بيَدِي) إنما أخذ بيده تنبيهًا له على ما سيُلقيه إليه (ثُمَّ قَالَ) عمران ﵁ (لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا) يعني عليًّا ﵁ (صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا) وفي رواية للبخاريّ: "لقد ذكّرني هذا" (صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ) فيه إشارة إلى أن تكبيرات الانتقالات كانت مهجورةً عند بعض الأئمة في ذلك الوقت، وقد روى أحمد، والطحاويّ بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: ذَكّرنا عليٌّ صلاةً كنا فصليها مع رسول اللَّه ﷺ إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا.
وأخرج الإمام أحمد من وجه آخر، عن مُطَرِّف قال: قلنا -يعني لعمران بن حصين-: يا أبا نُجيد -هو بالنون والجيم مصغرًا-: مَن أوّلُ من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفّان حين كَبِرَ، وضَعُف صوته، وهذا يَحْتَمِل إرادة ترك الجهر.
ورَوَى الطبرانيّ عن أبي هريرة ﵁ أن أول من ترك التكبير معاوية.
стр. 5097
ورَوَى أبو عبيد أنّ أول من تركه زياد، وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زيادًا تركه بترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان.
وقد حَمَل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويُقوّيه ما أخرجه البخاريّ من طريق فُلَيح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: صلى لنا أبو سعيد -يعني الخدريّ- فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيت النبيّ ﷺ ، وزاد الإسماعيليّ في آخره: "فلما انصرف، قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام عند المنبر، فقال: إني واللَّه ما أبالي، اختَلَفت صلاتكم، أم لَمْ تَخْتَلف؟، إني رأيت رسول اللَّه ﷺ هكذا يصلّي".
قال في "الفتح": والذي يظهر أن الاختلاف بينهم كان في الجهر بالتكبير، والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أميّة يُسرّونه (١).
لكن حَكَى الطحاويّ أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعل، وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر، وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام، وفرّق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجَّهه بأن التكبير شُرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد، لكن استقرّ الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصلّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام، وعن أحمد، وبعض أهل العلم بالظاهر يجب كلّه (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الحقّ ما قاله الإمام أحمد، ومن معه، من إيجاب تكبيرات الانتقالات؛ لأنه ﷺ أمر به المسيء صلاته، وأمره للوجوب، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 5098
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٨٧٩] (٣٩٣)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٨٤ و ٧٨٦ و ٨٢٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٣٥)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٤ و ٣/ ٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٨ و ٤٢٩ و ٤٣٢ و ٤٤٥ و ٤٤٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٦٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تكبيرات الانتقالات، وقد تقدّم أن الراجح القول بوجوبها؛ لقوّة أدلّته.
٢ - (ومنها): بيان أن بعض الأئمة في عهد السلف كانوا قد ضَيَّعوا بعض الأفعال التي ثبتت عن رسول اللَّه ﷺ ؛ تأوّلًا، أو جهلًا بها.
٣ - (ومنها): بيان فضل عليّ بن أبي طالب ﵁، حيث كان يحفظ سنّة رسول اللَّه ﷺ ، ويَعمَل بها، ويُحييها في وقت تركها فيه كثير من الناس جهلًا بها، حتى كان كثير من العوامّ ينكرون على من يفعلها؛ لخفائها عليهم بسبب قلّة من يعمل بها.
٤ - (ومنها): ما قال ناصر الدين ابن الْمُنَيِّر ﵀: الحكمة في مشروعية التكبير في الخفض والرفع، أن المكلف أُمِر بالنية أوَّل الصلاة، مقرونةً بالتكبير، وكان من حقّه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأُمر أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. انتهى (١).
وقيل: الحكمة في شرعيّة تكرار التكبير تنبيه المصلّي على أن اللَّه الذي قام بين يديه يناجيه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، فلا ينبغي شغل القلب عن مناجاته بشي من الأشياء، بل ينبغي الإقبال عليه بالقلب والقالب، والخضوع، والخشوع فيها؛ تعظيمًا له ، وطلبًا لمرضاته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 5099
(١١) - (بَابُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٠] (٣٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم قبل باب.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ) بن سُرَاقة بن عمرو الْخَزْرجيّ، أبو نعيم، أو أبو محمد المدنيّ الصحابيّ الصغير (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٧ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو الوليد الصحابيّ الشهير المدنيّ، مات ﵁ سنة (٣٤) وله (٧٢)، وقيل غير ذلك، دُفن بقبرص بالشام، وقيل: ببيت المقدس (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وهو في معنى الرباعيّات؛ لأن محمودًا وعبادة صحابيّان، فهما بمنزلة راوٍ واحد، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
стр. 5100
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ ﵄.
٥ - (ومنها): أن عبادة ﵁ من أفاضل الصحابة ﵃، وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وشهد العقبتين، وشهد بدرًا، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين أبي مَرْثد الْغَنَويّ، وجّهه عمر ﵁ إلى الشام قاضيًا ومعلِّمًا، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فِلَسطين، وهو أول من ولي القضاء بها، وله من الحديث (١٨٠) حديثًا، اتفق الشيخان على ستّة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بآخرين، قال محمد بن كعب الْقُرَظيّ: جمع القرآن في زمن رسول اللَّه ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ، وعبادة، وأُبيّ، وأبو أيّوب، وأبو الدرداء ﵃ (١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) وفي رواية صالح بن كيسان الآتية: عن ابن شهاب، أن محمود بن الربيع أخبره، أن عبادة بن الصامت أخبره، ووقع في رواية الحميديّ عن سفيان: حدثنا الزهريّ، سمعت محمود بن الربيع، ولابن أبي عُمَر، عن سفيان بالإسناد، عند الإسماعيليّ: سمعت عُبادة بن الصامت، قال في "الفتح": وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل مَن أعلّه بالانقطاع؛ لكون بعض الرواة أدخل بين محمود وعبادة رجلًا، وهي رواية ضعيفة عند الدارقطنيّ. انتهى (٢).
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) معناه: يَصِل الراوي بهذا الحديث إلى النبيّ ﷺ .
стр. 5101
[تنبيه]: قوله: "يبلغ به النبيّ ﷺ " من صيغ الرفع حكمًا، ومثله قولهم: "يرفعه"، و"ينميه"، و"روايةً"، و"يرويه"، و"يُسنده"، و"يأثُرُه"، ونحو ذلك، وإلى ذلك أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَهَكَذَا يَرْفَعُهُ يَنْمِيهِ … رِوَايَةً يَبْلُغْ بِهِ يَرْوِيهِ
وهذه الألفاظ وأمثالها مرفوعة حكمًا، بلا خلاف بين أهل العلم، كما صرّح به النوويّ، واقتضاه كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، قال الحافظ السخاويّ: يدلّ لذلك مجيء بعض المكنيّ به بالتصريح، ففي بعض الروايات لحديث: "الفطرة خمس": "يبلغ به النبيّ ﷺ ، وفي بعضها: "قال رسول اللَّه ﷺ ، وكما جاء هنا في الرواية التالية بلفظ: "عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا صلاة. . . " إلخ.
والسبب الحامل للراوي على عدوله عن التصريح بقول الصحابيّ: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، ونحو ذلك إلى أن يعبّر بقوله: "يبلغ به"، أو "ينميه"، أو "يرويه"، أو نحوها مع تحقّقه بأن الصحابيّ رفعه إلى النبيّ ﷺ كونه يشكّ في صيغة الرفع بعينها، هل هي "سمعتُ"، أو "قال رسول اللَّه ﷺ "، أو "نبيّ اللَّه"، أو "حدّثني"، أو نحوها؟ وهو ممن لا يرى الإبدال، أو طلبًا للتخفيف، أو لورعه حيث رواه بالمعني، أو نحو ذلك (١)، واللَّه تعالى أعلم.
("لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ") زاد الحميديّ، عن سفيان: "فيها"، كذا في "مسنده"، وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميديّ، أخرجه البيهقيّ، وكذا لابن أبي عمر عند الإسماعيليّ، ولِقُتيبة، وعثمان بن أبي شيبة، عند أبي نعيم، في "المستخرج"، وهذا يُعَيِّن أن المراد القراءة في نفس الصلاة، قاله في "الفتح" (٢).
وقال العلامة السنديّ ﵀ في "حاشية النسائيّ" (٢/ ١٣٧):
قوله: "لا صلاة لمن لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب": ليس معناه: لا صلاة لمن
стр. 5102
لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب في عمره قطّ، أو لمن لم يقرأ في شيء من الصلوات قطّ، حتى لا يقال: لازم الأول افتراض الفاتحة في عمره مرةً، ولو خارج الصلاة، ولازم الثاني افتراضها مرةً في صلاة من الصلوات، فلا يلزم منه الافتراض لكل صلاة، وكذا ليس معناه: لا صلاة لمن ترك الفاتحة، ولو في بعض الصلوات؛ إذ لازمه أنه بترك الفاتحة في بعض الصلوات تفسد الصلوات كلها، ما تُرِك فيها، وما لَمْ يترك فيها؛ إذ كلمة "لا" لنفي الجنس، ولا قائل به، بل معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة من الصلوات التي لم يُقرأ فيها، فهذا عمومٌ محمول على الخصوص، بشهادة العقل، وهذا الخصوص هو الظاهر المتبادر إلى الأفهام، من مثل هذا العموم، وهذا الخصوص لا يضرّ بعموم النفي للجنس؛ لشمول النفي بعدُ لكل صلاة تُرك فيها الفاتحة، وهذا يكفي في عموم النفي.
ثم قد قَرَّروا أن النفي لا يُعْقَل إلَّا مع نسبةٍ بين أمرين، فيقتضي نفيُ الجنس أمرًا مستندًا إلى الجنس؛ ليتعقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر مذكورًا في الكلام فذاك، وإلا يُقَدَّر من الأمور العامّة؛ كالكون، والوجود، أما الكمال، فقد حَقَّق المحقق الكمال (١) ضعفه؛ لأنه مخالف للقاعدة، لا يصار إليه إلَّا بدليل، والوجود في كلام الشارع يُحمَل على الوجود الشرعيّ دون الحسيّ، فمُفاد الحديث نفي الوجود الشرعيّ للصلاة التي لم يُقرَأ فيها بفاتحة الكتاب، وهو عين نفي الصحة، وما قال أصحابنا -يعني الحنفيّة-: إنه من حديث الآحاد، وهو ظنيّ، لا يفيد العلم، وإنما يوجب العمل، فلا يلزم منه الافتراض، ففيه أنه يكفي في المطلوب، أنه يوجب العمل ضرورةَ أنه يوجب العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاةٍ لَمْ يُقْرَأ فيها بفاتحة الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب.
فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يُقْرَأ فيها بفاتحة الكتاب.
نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي، كما ورد به بعض الأحاديث، فلا يلزم بطلان صلاة المقتدي إذا ترك الفاتحة، وقرأها الإمام.
стр. 5103
بقي أن الحديث يوجب قراءة الفاتحة في تمام الصلاة، لا في كل ركعة، لكن إذا ضُمّ إليه قوله ﷺ : "وافْعَلْ في حلاتك كلها" للأعرابي المسيء صلاته، يَلزَم افتراضها في كل ركعة، ولذلك عَقَّب هذا الحديث بحديث الأعرابي في "صحيح البخاريّ"، فلله دره ما أدَقّه -وكذلك مسلم هنا حيث أتى به في هذا الباب-، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه العلامة السنديّ الحنفيّ: من بطلان صلاة من لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب فيها؛ عملًا بالأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيره، تحقيقٌ نفيس جدًّا، وهو يدلّ على إنصافه، وبُعده عن التعصّب المذهبيّ الذي يُغطّي كثيرًا من الحقّ، وهذا أمر نادر عند المذهبيين، ولا سيّما الذين ينتسبون إلى مذهبه الحنفيّ، فإن هذه المسألة، وأشباهها قد زلّ فيها قدم كثير ممن يُظنّ فيهم البراعة، والتقدّم في المذهب، بل وفي سائر المعلوم، أمثال الطحاويّ من المتقدّمين، وأمثال العينيّ من المتأخّرين، فلا تغترّ بما يموّهون به في ردّ هذا النصّ الصريح: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، هداني اللَّه وإياك سبيل الصواب.
غير أن مما يُستدرك من كلام السنديّ قوله: "نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي. . . إلخ"، فإنه غير مقبول؛ لأن الأحاديث الواردة التي أشار إليها غير ثابتة، فلا تصلح لتخصيص عموم هذا الحديث الصحيح: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، وعلى تقدير صحّتها تُحمَل على ما عدا الفاتحة؛ عملًا بالاستثناء المذكور في الحديث الصحيح: "فلا تفعلوا إلَّا بأم القرآن. . . "، وسيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقال القاضي عياض: قيل: يُحْمَل على نفي الذات وصفاتها، لكن الذات غير منتفية، فيُخَصّ بدليل خارج، ونوزع في تسليم عدم نفي الذات على الإطلاق؛ لأنه إن ادَّعَى أن المراد بالصلاة معناها اللغويّ، فغير مسلَّم؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عُرْفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه؛ لكونه بُعِث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفيّ الصلاة الشرعية،
стр. 5104
استقام دعوى نفي الذات، فعلى هذا لا يَحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال؛ لأنه يؤدي إلى الإجمال، كما نُقِل عن القاضي أبي بكر وغيره، حتى مال إلى التوقُّف؛ لأن نفي الكمال يُشْعِر بحصول الإجزاء، فلو قُدِّر الإجزاء منتفيًا لأجل العموم قُدِّر ثابتًا لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيتناقض، ولا سبيل إلى إضمارهما معًا؛ لأن الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة، وهي مندفعة بإضمار فرد، فلا حاجة إلى أكثرَ منه، ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر، قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ ﵀: وفي هذا الأخير نظرٌ؛ لأنا إن سلمنا تعذّر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى. ويؤيده رواية الإسماعيليّ من طريق العباس بن الوليد النَّرْسيّ، أحد شيوخ البخاريّ عن سفيان بهذا الإسناد، بلفظ: "لا تُجزئ صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، وتابعه على ذلك زياد بن أيوب، أحد الأثبات، أخرجه الدارقطنيّ، وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما.
ولأحمد من طريق عبد اللَّه بن سَوَادة الْقُشَيريّ، عن رجل عن أبيه، مرفوعًا: "لا تُقْبَل صلاة لا يُقرَأ فيها بأم القرآن".
وقد أخرج ابن خزيمة، عن محمد بن الوليد القرشيّ، عن سفيان، حديث الباب بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، فلا يمتنع أن يقال: إن قوله: "لا صلاة" نفي بمعنى النهي: أي لا تُصَلُّوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم، عن عائشة، مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة الطعام"، فإنه في صحيح ابن حبان بلفظ: "لا يُصَلِّي أحدكم بحضرة الطعام"، أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره، عن يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق (١)، وابن حبان، من طريق حسين بن عليّ وغيره،
стр. 5105
عن يعقوب به، وأخرج له ابن حبان أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة، بهذا اللفظ.
وقد قال بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة الحنفيةُ، لكن بَنَوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطًا في صحة الصلاة؛ لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلَّا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما ثبت بالحديث، فيكون واجبًا يأثم من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه.
قال الحافظ: وإذا تقرر ذلك لا ينقضي عجبي، ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، وترك الطمأنينة، فيصلي صلاةً يريد أن يتقرب بها إلى اللَّه تعالى، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها؛ مبالغةً في تحقيق مخالفته لمذهب غيره. انتهى (١).
قال الجامح عفا اللَّه عنه: وأنا لا ينقضي عجبي من كثير ممن ينتسب إلى المذهب الحنفيّ في ترك الطمأنينة، والاستعجال في الصلاة، فكأن الإمام أبا حنيفة أمرهم بهذا الاستعجال، وعدم الطمأنينة في الصلاة، والمعروف أن الخلاف بين أبي حنيفة وغيره في فرضيّة الطمأنينة، وسنيّتها، لا في أصل مشروعيّتها، فأبو حنيفة كسائر الأئمة يقول بمشروعيّة الاطمئنان، وإنما يخالف غيره في عدم بطلان الصلاة بتركه، فكأن عوام الحنفيّة فهموا من مذهبه أنه قائل باستحباب الاستعجال، وهذا هو واقع لسان حالهم، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 5106
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٨٠ و ٨٨١ و ٨٨٢ و ٨٨٣] (٣٩٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٢٢ و ٨٢٣ و ٨٢٤)، و (الترمذيّ) فيها (٣١١)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٣٧ و ١٣٨)، و (ابن ماجه) فيها (٨٣٧)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٦٢٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٦٠)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣١٤ و ٣٢١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٨٢ و ١٧٨٥ و ١٧٨٦ و ١٧٩٢ و ١٨٤٨ و ١٨٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨ و ١٦٤ و ٣٧٤ و ٣٧٥)، و (الطبرانيّ) في "الصغير" (١/ ٧٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٦٤ و ١٦٦٥ و ١٦٦٦ و ١٦٦٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧٠ و ٨٧١ و ٨٧٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٢١)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٥٧٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب قراءة الفاتحة في كل الصلوات، على كل مصلٍّ؛ إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا؛ لهذا الحديث، وفيه خلاف سنحققه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن فيه تسمية هذه السورة بـ "فاتحة الكتاب"، وفيه ردّ على من منع ذلك، وزعم أن أم الكتاب اسم للوح المحفوظ، فلا يُسمّى به غيره، قال النوويّ: وهو غلط، وهو كما قال؛ لأن هذا الحديث يبطل زعمه.
قال النوويّ ﵀ في "المجموع" (١): لفاتحة الكتاب عشرة أسماء، حكاها الإمام أبو إسحاق الثعلبي وغيره:
[أحدها]: فاتحة الكتاب، وجاءت الأحاديث الصحيحة عن النبيّ ﷺ في تسميتها بذلك، قالوا: سميت به؛ لأنه يفتتح بها المصحف، والتعلم، والقراءة
стр. 5107
في الصلاة، وهي مفتتحة بالحمد الذي يفتتح به كلُّ أمر ذي بال، وقيل: لأن الحمد فاتحة كل كتاب.
[الثاني]: سورة الحمد؛ لأن فيها الحمد.
[الثالث، والرابع]: أم القرآن، وأم الكتاب؛ لأنَّها مقدمة في المصحف، كما أن مكة أم القري، حيث دُحِيت الدنيا من تحتها، وقيل: لأنَّها مجمع المعلوم والخيرات، كما سُمِّي الدماغ أمّ الرأس؛ لأنه مجمع الحواس والمنافع، قال ابن دريد: الأم في كلام العرب الراية ينصبها الأمير للعسكر، يفزعون إليها في حياتهم وموتهم، وقال الحسن بن الفضل: سميت بذلك؛ لأنَّها إمام لجميع القرآن، تقرأ في كل ركعة، وتُقدَّم على كل سورة، كأم القرى؛ لأهل الإسلام، وقيل: سميت بذلك؛ لأنَّها أعظم سورة في القرآن، ثبت في "صحيح البخاريّ" عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد"، فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؛ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته".
[الخامس]: الصلاة؛ للحديث الصحيح الآتي في هذا الباب أن النبيّ ﷺ قال: "قال اللَّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي. . . " الحديث.
[السادس]: السبع المثاني؛ للحديث الصحيح الذي ذكرناه قريبًا، سميت بذلك؛ لأنَّها تُثَنَّى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة.
[السابع]: الوافية بالفاء؛ لأنَّها لا تُنقَص، فيقرأ بعضها في ركعة، وبعضها في أخري، بخلاف غيرها.
[الثامن]: الكافية؛ لأنَّها تكفي عن غيرها، ولا يكفى عنها غيرها.
[التاسع]: الأساس، رُوي عن ابن عباس ﵄.
[العاشر]: الشفاء، فيه حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ في رقيته اللديغ بها، وهو في "صحيح البخاري".
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، بناءً على أن الركعة الواحدة تسمى صلاةً لو تجردت.
стр. 5108
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن قراءتها في ركعة واحدة من الرباعية مثلًا يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة، والأصل أيضًا عدم إطلاق الكل على البعض؛ لأن الظهر مثلًا كلها صلاة واحدة حقيقةً، كما صرح به في حديث الإسراء حيث سَمَّى المكتوبات خمسًا، وكذا حديث عبادة: "خمس صلوات كتبهنّ اللَّه على العباد"، وغير ذلك، فإطلاق الصلاة على ركعة منها يكون مجازًا.
قال الشيخ ابن دقيق العيد: وغاية ما في هذا البحث أن يكون في الحديث دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ركعة واحدة منها، فإن دلّ دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدمًا. انتهى.
وقال بمقتضى هذا البحث الحسن البصريّ، رواه عنه ابن المنذر بإسناد صحيح.
ودليل الجمهور في إيجابها في كل ركعة قوله ﷺ للمسيء صلاته: "وافعل ذلك في حلاتك كلها" بعد أن أمره بالقراءة، وفي رواية لأحمد وابن حبان: "ثم افعل ذلك في كل ركعة".
قال في "الفتح": ولعل هذا هو السر في إيراد البخاريّ له عقب حديث عبادة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وكذلك يدلّ فعل مسلم هنا حيث أورده في هذا الباب؛ فتنبّه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، سواء أسرّ الإمام أم جهر؛ لأن صلاته صلاة حقيقةً، فتنتفي عند انتفاء القراءة.
قال ابن دقيق العيد ﵀: إلَّا إن جاء دليلٌ يقتضي تخصيص صلاة المأموم من هذا العموم، فيقدّم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لَمْ يجئ دليلٌ صحيح يعارض هذا العموم، بل الذي جاء نصّ في إيجابها على المأموم مطلقًا، وذلك ما صحّ عنه ﷺ أنه قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ " قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، فتنبّه.
قال الحافظ ﵀: واستَدَلّ مَن أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية
стр. 5109
بحديث: "من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، لكنه حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعللَّه الدارقطنيّ وغيره.
واستَدَلّ من أسقطها عنه في الجهرية، كالمالكية بحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، ولا دلالة فيه؛ لإمكان الجمع بين الأمرين، فيُنصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام، ويقرأ إذا سكت، وعلى هذا فيتعين على الإمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم؛ لئلا يوقعه في ارتكاب النهي، حيث لا يُنصت إذا قرأ الإمام.
وقد ثبت الإذن بقراءة المأموم الفاتحة في الجهرية بغير قيد، وذلك فيما أخرجه البخاريّ في "جزء القراءة"، والترمذيّ، وابن حبان، وغيرهما، من رواية مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة ﵁، أن النبيّ ﷺ ثَقُلَت عليه القراءة في الفجر، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، والظاهر أن حديث الباب مختصر من هذا، وكأنّ هذا سببه، واللَّه أعلم.
وله شاهد من حديث أبي قتادة ﵁ عند أبي داود، والنسائيّ، ومن حديث أنس ﵁ عند ابن حبان.
ورَوَى عبد الرزاق، عن سعيد بن جبير، قال: لا بُدّ من أم القرآن، ولكن مَن مَضَى كان الإمام يسكت ساعةً قدر ما يقرأ المأموم بأم القرآن. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بهذا الحديث الصحيح أنه لا بُدّ للمأموم من قراءة الفاتحة مطلقًا، سواء كانت الصلاة جهريّة، أم سريّةً، فتبصر؛ ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القراءة في الصلاة:
ذهب العلماء كافّةً إلى وجوبها، ولا تصح الصلاة إلَّا بها، قال النوويّ: ولا خلاف فيه إلَّا ما حكاه القاضي أبو الطيب، ومتابعوه عن الحسن بن صالح، وأبي بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب القراءة، بل هي مستحبة،
стр. 5110
واحتُجّ لهما بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن عليّ أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له؟ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حَسَنًا، قال: فلا بأس، رواه الشافعي في "الأم"، وغيره، وعن الحارث الأعور أن رجلًا قال لعليّ ﵁: إني صليت، ولم أقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمّت صلاتك، رواه الشافعيّ، وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: القراءة سنة، رواه البيهقيّ.
واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة المذكورة في الباب، ولا معارض لها.
وأما الأثر عن عمر ﵁ فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ضعيف؛ لأن أبا سلمة، ومحمد بن عليّ لم يدركا عمر.
والثاني: أنه محمول على أنه أسرّ بالقراءة.
والثالث: أن البيهقيّ رواه من طريقين موصولين، عن عمر ﵁ أنه صلى المغرب، ولم يقرأ فأعاد، قال البيهقيّ: وهذه الرواية موصولة موافقة للسنة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان.
وأما الأثر عن عليّ ﵁ فضعيف أيضًا؛ لأن الحارث الأعور متّفقٌ على ضعفه، وترك الاحتجاج به.
وأما الأثر عن زيد ﵁، فقال البيهقيّ وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلَّا على حسب ما في المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة؛ أي طريق يُتَّبَعُ، ولا يُغَيَّر، واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب القراءة في الصلاة، وأنها لا تصحّ بدونها هو الحقّ، وأن الأقوال المخالفة لهذا إما غير صحيحة عمن نُسبت إليه، وإما شاذّة لا يُلتفت إليها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة:
стр. 5111
ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، إلى أن الفاتحة متعينة لا تصح صلاة القادر عليها إلَّا بها، وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وخَوّات بن جُبير، والزهريّ، وابن عون، والأوزاعيّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة، لكن تستحب، وفي رواية عنه: تجب، ولا تشترط، ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب ثلاث روايات عنه: إحداها: آية تامة، والثانية: ما يتناوله الاسم، قال الرازيّ: وهذا هو الصحيح عندهم، والثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد.
واحتُجَّ لأبي حنيفة بقول اللَّه تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبحديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال للمسيء صلاته: "كَبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، متّفقٌ عليه، وبحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ هو: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب أو غيرها"، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ : "لا صلاة إلَّا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب".
قالوا: فدلّ على أن غيرها يقوم مقامها، قالوا: ولأن سور القرآن في الحرمة سواء، بدليل تحريم قراءة الجميع على الجنب، وتحريم مس المحدث المصحف.
واحتج الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ﵁ المذكور في الباب: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، متّفقٌ عليه.
فإن قالوا: معناه: لا صلاة كاملة، قلنا: هذا خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر، والسابق إلى الفهم، فلا يُقْبَل.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى صلاةً لَمْ يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خِدَاجٌ"، يقولها ثلاثًا، أي غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. . . " الحديث.
стр. 5112
وعن عبادة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "لا تجزئ صلاة لا يَقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب"، رواه الدارقطنيّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول في هذه المسألة -مسألةِ فرضيّة قراءة الفاتحة على كل مصلٍّ، وعدم إجزاء غيرها عنها- أن الحقّ هو ما ذهب إليه الجمهور، من فرضيّتها، وعدم إجزاء غيرها عنها؛ لكون أدلّتهم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ومن خالفهم ما أتى بدليل له نَفَاقٌ في سوق المناظرة، بل أتوا بما هو أوهن من بيت العنكبوت، حيث ردُّوا الأحاديث الصحيحة بمجمل آية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ التي بيانها إلى رسول اللَّه ﷺ الذي قال اللَّه تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بيّنها بأنها الفاتحة، حيث قال: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، متّفقٌ عليه، وقال أيضًا: "لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، رواه ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما".
قال الحافظ أبو حاتم بن حبّان البُسْتيّ ﵀ في "صحيحه" ما حاصله: إن خطاب الكتاب قد يستقلّ بنفسه في حالة دون حالة حتى يُستَعمل على عموم ما ورد الخطاب فيه، وقد لا يستقلّ في بعض الأحوال حتى يُستَعمل على كيفيّة اللفظ المجمل الذي هو مطلق الخطاب في الكتاب، دون أن تُبيّنها السنن، وسنن المصطفى ﷺ كلها مستقلّة بنفسها، لا حاجة بها إلى الكتاب، المبيِّنةُ لمجمل الكتاب، والمفسِّرةُ لِمُبهمه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فأخبر جلّ وعلا أن المفسِّر لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وما أشبهها من مجمل الألفاظ في الكتاب رسوله ﷺ ، ومُحالٌ أن يكون الشيء المفسِّر له الحاجة إلى الشيء المجمل، وإنما الحاجة تكون للمجمل إلى المفسِّر، ضدَّ قول من زعم أن السنن يجب عَرْضُها على الكتاب، فأتى بما لا يوافقه الخبر، ويَدفَع صحّته النظر. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وأيضًا ردّوها بالروايات الضعيفة، كحديث: "من كان له إمام فقراءة
стр. 5113
الإمام له قراءة"، وأمثاله مما لا يثبتُ، ولا يصلح لمعارضة هذه الأحاديث الصحيحة، فقد تبيّن بذلك الحقّ الذي لا خفاء ولا لبس فيه، وقد أشبعت هذا البحث في "شرح النسائيّ" (١)، وكذلك البحث في وجوب القراءة في كلّ ركعة، وأن الحقّ هو الوجوب، فارجع إليه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨١] (. . .) - (حَدَّثَنِي (٢) أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ (٣) بِأُمِّ الْقُرْآنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عَمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ) وفي نسخة: "لمن لا يقترئ"، وهو افتعال من القراءة.
وقوله: (بِأُمّ الْقُرْآنِ) سمّيت به؛ لكونها أصلًا ومنشأ له، إما لمبدئيّتها له، وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على اللَّه ، والتعبّد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الْحِكَم النظريّة، والأحكام العمليّة (٤)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5114
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت في شرح الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَن مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ، الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرِهِمْ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الْخَلالُ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغارها [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) يقال: مَجَّ الشرابَ من فيه: إذا رمى به، وقال أهل اللغة: المجّ: إرسال الماء من الفم مع نَفْخ، وقيل: لا يكون مجًّا حتى تُبَاعِد به، وكذلك مجّ لُعابه، والمجاجة، والمجاج: الريق الذي تَمُجُّه من فيك، ومجاجة الشيء أيضًا عُصارته، ويقال: إن المطر مجاج الْمُزْن،
стр. 5115
والعسلَ مجاج النحل، والمجاج أيضًا: اللبن؛ لأن الضرع يَمُجّه، والتركيب يدلّ على رمي الشيء، قاله في "العمدة" (١).
وقوله: (فِي وَجْهِهِ) أي في وجه محمود.
وقوله: (مِنْ بِئْرِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: "من دلو"، وفي رواية له: "من دلو كانت في دارهم"، وفي رواية النسائيّ: "من دلو مُعلَّق"، ولا تعارض بينها؛ لأنه يُتأول بأن الماء أُخذ بالدلو من البئر التي كانت في دارهم، فتناوله النبيّ ﷺ من الدلو بفيه، ثمّ مجّه على وجهه.
وهذا منه ﷺ من باب التبريك له، والمداعبة واللطف، حيث إنه صغير، ففي رواية البخاريّ: "عَقَلتُ من النبيّ ﷺ مَجّةً مجّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين، من دلو".
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (٢)، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: "فَصَاعِدًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم أول الباب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.