← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، إلى أن الفاتحة متعينة لا تصح صلاة القادر عليها إلَّا بها، وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وخَوّات بن جُبير، والزهريّ، وابن عون، والأوزاعيّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة، لكن تستحب، وفي رواية عنه: تجب، ولا تشترط، ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب ثلاث روايات عنه: إحداها: آية تامة، والثانية: ما يتناوله الاسم، قال الرازيّ: وهذا هو الصحيح عندهم، والثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد. واحتُجَّ لأبي حنيفة بقول اللَّه تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبحديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال للمسيء صلاته: "كَبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، متّفقٌ عليه، وبحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ هو: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب أو غيرها"، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ : "لا صلاة إلَّا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب". قالوا: فدلّ على أن غيرها يقوم مقامها، قالوا: ولأن سور القرآن في الحرمة سواء، بدليل تحريم قراءة الجميع على الجنب، وتحريم مس المحدث المصحف. واحتج الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ﵁ المذكور في الباب: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، متّفقٌ عليه. فإن قالوا: معناه: لا صلاة كاملة، قلنا: هذا خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر، والسابق إلى الفهم، فلا يُقْبَل. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى صلاةً لَمْ يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خِدَاجٌ"، يقولها ثلاثًا، أي غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. . . " الحديث.

стр. 5112

وعن عبادة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "لا تجزئ صلاة لا يَقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب"، رواه الدارقطنيّ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول في هذه المسألة -مسألةِ فرضيّة قراءة الفاتحة على كل مصلٍّ، وعدم إجزاء غيرها عنها- أن الحقّ هو ما ذهب إليه الجمهور، من فرضيّتها، وعدم إجزاء غيرها عنها؛ لكون أدلّتهم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ومن خالفهم ما أتى بدليل له نَفَاقٌ في سوق المناظرة، بل أتوا بما هو أوهن من بيت العنكبوت، حيث ردُّوا الأحاديث الصحيحة بمجمل آية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ التي بيانها إلى رسول اللَّه ﷺ الذي قال اللَّه تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بيّنها بأنها الفاتحة، حيث قال: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، متّفقٌ عليه، وقال أيضًا: "لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، رواه ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما". قال الحافظ أبو حاتم بن حبّان البُسْتيّ ﵀ في "صحيحه" ما حاصله: إن خطاب الكتاب قد يستقلّ بنفسه في حالة دون حالة حتى يُستَعمل على عموم ما ورد الخطاب فيه، وقد لا يستقلّ في بعض الأحوال حتى يُستَعمل على كيفيّة اللفظ المجمل الذي هو مطلق الخطاب في الكتاب، دون أن تُبيّنها السنن، وسنن المصطفى ﷺ كلها مستقلّة بنفسها، لا حاجة بها إلى الكتاب، المبيِّنةُ لمجمل الكتاب، والمفسِّرةُ لِمُبهمه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فأخبر جلّ وعلا أن المفسِّر لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وما أشبهها من مجمل الألفاظ في الكتاب رسوله ﷺ ، ومُحالٌ أن يكون الشيء المفسِّر له الحاجة إلى الشيء المجمل، وإنما الحاجة تكون للمجمل إلى المفسِّر، ضدَّ قول من زعم أن السنن يجب عَرْضُها على الكتاب، فأتى بما لا يوافقه الخبر، ويَدفَع صحّته النظر. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وأيضًا ردّوها بالروايات الضعيفة، كحديث: "من كان له إمام فقراءة

стр. 5113

الإمام له قراءة"، وأمثاله مما لا يثبتُ، ولا يصلح لمعارضة هذه الأحاديث الصحيحة، فقد تبيّن بذلك الحقّ الذي لا خفاء ولا لبس فيه، وقد أشبعت هذا البحث في "شرح النسائيّ" (١)، وكذلك البحث في وجوب القراءة في كلّ ركعة، وأن الحقّ هو الوجوب، فارجع إليه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨١] (. . .) - (حَدَّثَنِي (٢) أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ (٣) بِأُمِّ الْقُرْآنِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عَمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ) وفي نسخة: "لمن لا يقترئ"، وهو افتعال من القراءة. وقوله: (بِأُمّ الْقُرْآنِ) سمّيت به؛ لكونها أصلًا ومنشأ له، إما لمبدئيّتها له، وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على اللَّه ، والتعبّد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الْحِكَم النظريّة، والأحكام العمليّة (٤)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5114

والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت في شرح الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَن مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ، الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرِهِمْ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الْخَلالُ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغارها [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) يقال: مَجَّ الشرابَ من فيه: إذا رمى به، وقال أهل اللغة: المجّ: إرسال الماء من الفم مع نَفْخ، وقيل: لا يكون مجًّا حتى تُبَاعِد به، وكذلك مجّ لُعابه، والمجاجة، والمجاج: الريق الذي تَمُجُّه من فيك، ومجاجة الشيء أيضًا عُصارته، ويقال: إن المطر مجاج الْمُزْن،

стр. 5115

والعسلَ مجاج النحل، والمجاج أيضًا: اللبن؛ لأن الضرع يَمُجّه، والتركيب يدلّ على رمي الشيء، قاله في "العمدة" (١). وقوله: (فِي وَجْهِهِ) أي في وجه محمود. وقوله: (مِنْ بِئْرِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: "من دلو"، وفي رواية له: "من دلو كانت في دارهم"، وفي رواية النسائيّ: "من دلو مُعلَّق"، ولا تعارض بينها؛ لأنه يُتأول بأن الماء أُخذ بالدلو من البئر التي كانت في دارهم، فتناوله النبيّ ﷺ من الدلو بفيه، ثمّ مجّه على وجهه. وهذا منه ﷺ من باب التبريك له، والمداعبة واللطف، حيث إنه صغير، ففي رواية البخاريّ: "عَقَلتُ من النبيّ ﷺ مَجّةً مجّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين، من دلو". والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (٢)، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: "فَصَاعِدًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم أول الباب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.

стр. 5116

وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الزهريّ السابق، وهو عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت. وقوله: (وَزَادَ: فَصَاعِدًا) يعني أن معمرًا زاد في روايته لهذا الحديث في آخره لفظة "فصاعدًا"، أي قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا". مسائل تتعلّق بهذه الزيادة: أعني قوله: "فصاعدًا". (المسألة الأولى): رواية معمر هذه أخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٤٥٠)، فقال: (١٦٦٥) حدّثنا الدّبَريّ، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمّ القرآن فصاعدًا". انتهى. (المسألة الثانية): في الكلام على هذه الزيادة: (اعلم): أن هذه الزيادة صحيحة، أخرجها المصنّف هنا بهذا السند، وأخرجها النسائيّ عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر به، وأبو داود عن قتيبة، وأحمد بن عمرو بن السرح، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهريّ به، وأحمد في "مسنده" (٥/ ٣٢٢)، والبيهقيّ في "الكبرى" (٢/ ٣٧٤)، والبغويّ في "شرح السنة" (٥٧٦ و ٥٧٧). وقد ادّعى ابن حبّان في "صحيحه" (١) أنه تفرّد بها معمر، عن الزهريّ، دون أصحابه. ورُدّ عليه: بأن سفيان بن عيينة تابعه عليها، كما مرّ آنفًا من رواية أبي داود. والحاصل أن هذه الزيادة صحيحة، كما أثبتها المصنّف هنا، وأما محاولة صاحب "المرعاة" في تضعيفها، وطوّل في ذلك نفسه، فمما لا يُلتفت إليه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 5117

(المسألة الثالثة): في معنى قوله: "فصاعدًا"، وإعرابها: فأما معناها: فزائدًا على الفاتحة؛ يعني أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، فما زاد عليها، على حدّ قولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا. وأما إعرابها، فهي منصوبة على الحال، وهي من الأحوال التي يجب حذف عاملها وصاحبها، وهي كل حال تُفهِم ازديادًا، أو نَقصًا بتدريج، ويجب اقترانها بالفاء، أو بـ "ثُمَّ"، كقولهم: اشتريته بدرهم فصاعدًا، وتصدّقتُ بدينار فسافلًا، فـ "صاعدًا" و"سافلًا" حالان، عاملهما وصاحبهما محذوفان وجوبًا، والتقدير: فذهب الثمن صاعدًا، وذهب المتصدَّق به سافلًا، هكذا حقّقه شُرَّاح "الخلاصة" عند قولها: وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيها عَمِلْ … وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ وقال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم فصاعدًا حذفوا الفعل؛ لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أَمِنُوا أن يكونا على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعد كان قبيحًا؛ لأنه صفة، لا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب صاعدًا، ولا يجوز أن تقول: وصاعدًا؛ لأنك لا تريد أن تخبر أن الدرهم مع صاعد ثمن لشيء، كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أَوّلًا، ثم قرّرت شيئًا بعد شيء؛ لأثمان شَتّي، قال: ولم يُرَد فيها هذا المعني، ولم يُلْزِمِ الواوُ الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر، و"صاعد" بدل من زاد ويزيد، و"ثُمّ" مثل الفاء، إلَّا أن الفاء أكتر في كلامهم. وقال ابن جني: "وصاعدًا" حال مؤكّدة، ألا ترى أن ترى أن تقديره: فزاد الثمن صاعدًا، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلَّا صاعدًا. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة: قال في "الفتح": واستُدِلّ بقوله: "فصاعدًا" على وجوب قدر زائد على الفاتحة.

стр. 5118

وتُعُقّب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، قال البخاريّ في "جزء القراءة": هو نظير قوله: "تُقْطَع اليد في ربع دينار فصاعدًا"، وادَّعَى ابن حبان، والقرطبيّ، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر؛ لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم، في رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استقرّ على ذلك، وسيأتي في هذا الباب حديث أبي هريرة ﵁: "ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت، ومن زاد فهو أفضل"، ولابن خزيمة من حديث ابن عباس ﵄: أن النبيّ ﷺ قام فصلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب" (١). وقال النوويّ في "شرح المهذّب" (٣/ ٣٤٣): قراءة السورة بعد المفاتحة سنة، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة، وبه قال مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأحمد، وكافة العلماء، إلَّا ما حكاه القاضي أبو الطيب، عن عثمان بن أبي العاص الصحابي ﵁، وطائفةٍ أنه تجب مع الفاتحة سورة، أقلها ثلاث آيات، وحكاه صاحب "البيان" عن عمر بن الخطاب ﵁، ويُحتَجّ لى بأنه المعتاد من فعل النبيّ ﷺ كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، مع قوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي". ودليل الجمهور قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وظاهره الاكتفاء بها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: "في كل صلاة يُقرأ فما أسمعنا رسول اللَّه ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنّا أخفينا، وإن لم تَزِد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير لك"، رواه متّفقٌ عليه. واستَدَلّ البيهقيّ وغيره في هذه المسألة بهذا الأثر عن أبي هريرة ﵁، ولا دلالة فيه لمسألتنا، فإن الصحابة ﵃ لا يُحتَجّ على بعضهم بقول بعض، وعن ابن عباس ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّى ركعتين، ولم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب"، رواه بإسناد ضعيف. انتهى كلام النوويّ ﵀. قال المجامع عفا اللَّه عنه، ما ذهب إليه الجمهوو من عدم وجوب ما زاد على الفاتحة هو الحقّ عندي؛ لقوّة حجّته، فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح،

стр. 5119

عن جابر ذكر قصةَ معاذ، قال: وقال -يعني النبيّ ﷺ للفتى: "كيف تصنع يا ابن أخي، إذا صليت؟ " قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسال اللَّه الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك، ولا دندنة معاذ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني ومعاذًا حول هاتين، أو نحو هذا. . . "، الحديث. فقد أقرّ النبيّ ﷺ هذا الفتى في قوله: "أقرأ بفاتحة الكتاب"، ولم يأمره بالزيادة، فدلّ على أن الزيادة على الفاتحة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبةً لبيّنها النبيّ ﷺ للفتى. والحاصل أن الراجح عدم وجوب ما زاد على الفاتحة؛ لما ذُكر؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٤] (٣٩٥) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلَاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ"، فَقِيلَ (١) لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ (٢)، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَى عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ".

стр. 5120

قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَرِيضٌ فِي بَيْتِهِ، فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أول الباب. ٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من العلاء. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعىّ، والابن عن أبيه: العلاء، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ صَلَّى) "من" شرطية؛ أي إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا (صَلَاةً) نكرة في سياق الشرط، فتعمّ؛ أي جهرتةً كانت، أو سرّيّةً، فريضةً، أو نافلة (لَمْ يَقْرَأْ) بالبناء للفاعل (فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) أي فاتحة الكتاب، وسميت الفاتحة بأم القرآن؛ لأنَّها فاتحته، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنَّها أصلها. وقال القرطبيّ ﵀: سُمّيت أمّ الكتاب؛ لأنَّها أصله، أي هي محيطة بجميع علومه، فهي منها، وراجعة إليها، ومنها سُمّيت الأم أُمًّا؛ لأنَّها أصل النسل، والأرض في قوله:

стр. 5121

فَالأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمَّنَا … فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُولَدُ ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٩]، وقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ولا معنى لكراهة من كَرِهَ تسميتها بأمّ القرآن، مع وجود ذلك في الحديث. انتهى (١). (فَهِيَ خِدَاجٌ) بكسر الخاء المعجمة: أي ناقصة نقصَ فساد وبُطلان. قال النوويّ ﵀: "الْخِداج" بكسر الخاء المعجمة، قال الخليل بن أحمد، والأصمعيّ، وأبو حاتم السجستانيّ، والْهَرَويّ، وآخرون: الخداج: النُّقصان، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تامّ الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي الْيُدَيَّة: مُخْدَج اليد؛ أي ناقصها، قالوا: فقوله ﷺ : "خداج": أي ذات خداج، وقال جماعة من أهل اللغة: خَدَجت، وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام (٢). وقال ابن الأثير ﵀: الخِداج: النقصان، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوانه، وإن كان تامّ الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل، وإنما قال: "فهي خداجٌ"، والْخِدَاج مصدر على حذف مضاف: أي ذاتُ خِداج، أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه؛ مبالغةً، كقوله: فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ (٣) وقال الخطّابيّ ﵀: معنى: خِدَاج: ناقصة نقص فساد وبُطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت ولدها، وهو دمٌ لَمْ يستبن خَلْقه، فهي مُخدَج، والْخِداج اسم مبنيّ منه. انتهى (٤). وقال البخاريّ ﵀ في "جزء القراءة" له: قال أبو عبيد: أخدجت الناقة: إذا أسقطت، والسقط ميتٌ لا يُنتفع به. انتهى. قال صاحب "المرعاة": والمراد من إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل، وإن تمّ خَلْقه إسقاطها، والسقط ميت، لا يُنتفع به كما عَرَفت، فظهر من هذا

стр. 5122

كلّه أن المراد من قوله: "خِدَاجٌ" نُقصان الذات، أعني نقصان الفساد، والبطلان، ويدلّ عليه ما رواه البيهقيّ في "كتاب القراءة" له عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، قال: قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ قال: فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسيّ، قال البيهقيّ: رواه ابن خزيمة، عن محمد بن يحيى، محتجًّا به على أن قوله في سائر الروايات: "فهي خِداجٌ" المراد به النقصان الذي لا تجزئ معه. انتهى. وقال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: في حديث أبي هريرة ﵁ هذا من الفقه إيجاب القراءة بالفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لَمْ يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، والخِداج النقصان والفساد، من ذلك قولهم: أخدجت الناقة: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخِلقة، وذلك نتاجٌ فاسدٌ، وقال الأخفش: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت: إذا قذفت به قبل وقت الولادة، وإن كان تامّ الخلق، وقد زعم من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة أن قوله: "خِداج" يدلّ على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة، وهذا تحكّم فاسدٌ، والنظر يوجب في النقصان أن لا تجوز معه الصلاة؛ لأنَّها صلاة لم تتمّ، ومن خرج من صلاته قبل أن يُتمّها فعليه إعادتها تامّة كما أُمر، ومن ادّعَى أنَّها تجوز مع إقراره بنقصها، فعليه الدليل، ولا سبيل له إليه من وجه يلزم. انتهى (١). (ثَلَاثًا) أي قال ذلك ثلاث مرّات، وقوله: (غَيْرُ تَمَامٍ") بالرفع عطفُ بيان لخداج، أو بدل منه، وقيل: تأكيد، قال الزرقانيّ ﵀: فهو حجة قويّة على وجوب قراءتها في كلّ صلاة. انتهى. وقال صاحب "المرعاة": هذا يدلّ على تعيّن الفاتحة في الصلاة، وأنه لا يجزئ غيرها عنها، ولا يقوم مقامها قراءة غيرها من القرآن؛ لأن لفظ التمام يُستعمل في الإجزاء، ويُطلَق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلَّا به، ففيه دليلٌ على كون الفاتحة من أجزاء الصلاة وأركانها. انتهى (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5123

(فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ) القائل هو أبو السائب الراوي للحديث عنه في الرواية التالية، ففي رواية النسائيّ من طريقه: "فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام" (إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟) أي نكون في بعض الأوقات مقتدين بالإمام، فهل علينا من حرج إن لم نقرأ بها؟ (فَقَالَ) أبو هريرة، وفي رواية النسائيّ: "فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسيّ في نفسك" (اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ) معناه: اقرأ بفاتحة الكتاب سرًّا في نفسك، قال البيهقيّ ﵀ في "كتاب القراءة": المراد أن يتلفّظ بها سرًّا دون الجهر بها، ولا يجوز حمله على ذكرها بقلبه دون التلفّظ بها؛ لإجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يُسمّى قراءةً، ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفّظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحدٌ، ولا يساعده لسان العرب. انتهى. وقال النوويّ ﵀: معناه: اقرأها سرًّا بحيث تُسمِع نفسك، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم، أن المراد تدبر ذلك وتذكّره فلا يُقْبَل؛ لأن القراءة لا تُطلق إلَّا على حركة اللسان، بحيث يُسمِع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه، من غير حركة لسانه، لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. انتهى (١). وفي رواية أبي عوانة: "فقلت لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن؛ فغمزني بيده، فقال: يا فارسيّ، أو ابن الفارسيّ اقرأ بها في نفسك"، وفي رواية البخاريّ في "جزء القراءة": "قلت: يا أبا هريرة، كيف أصنع إذا كنت مع الإمام، وهو يجهر بالقراءة؟ قال: ويلك يا فارسيّ اقرأ بها في نفسك"، وكذلك في رواية البيهقيّ في "كتاب القراءة". فظهر بهذه الروايات أن أبا هريرة كان يُفتي بعد وفاة النبيّ ﷺ بقراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات، سريّة كانت، أو جهريّةً، وفي إفتائه بهذا دلالة واضحةٌ على أن حديثه: "من صلّى صلاةً لَمْ يقرأ بأم القرآن، فهي خِداجٌ"، باقٍ على عمومه، شاملٌ للإمام والمأموم والمنفرد؛ لأن راوي الحديث

стр. 5124

أعرف بالمراد منه، قاله المباركفوريّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي إنما أمرتك بقراءتها سرًّا؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) هذا استدلال من أبي هريرة ﵁ على ما أفتى به من قراءة المأموم الفاتحة وراء الإمام، وأنه لا يُعذر في تركها، وانتقال من دليل إلى دليل آخر؛ تقوية للأدلة، ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن اللَّه سمّى الفاتحة صلاةً، وقسمها بينه وبين عبده نصفين، فمن لم يقرأها في صلاته كان غير مصلّ، فلا بدّ لكلّ مصلّ أن يقرأها، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، واللَّه تعالى أعلم. (يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ) بصيغة المتكلّم (الصَّلَاةَ) منصوب على المفعوليّة، وأراد بالصلاة الفاتحة، كما يدلّ عليه تمام الحديث، وسُمّيت صلاةً؛ لأن الصلاة لا تصحّ إلَّا بها، ففيه إطلاق اسم الكلّ على الجزء، ونظيره قوله ﷺ : "الحجِّ عرفة" (٢). وقال الخطَّابيّ ﵀: يريد بالصلاة القراءة، يدلّ على ذلك قوله عند التفسير له والتفصيل للمراد به: "إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول اللَّه: حَمِدني عبدي. . . " إلى آخر السورة، وقد تُسمّى القراءة صلاةً؛ لوقوعها في الصلاة، وكونها جزءًا من أجزائها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قيل: معناه القراءة، وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، أراد صلاة الفجر، فسمَّى الصلاة قرآنًا، والقرآن صلاةً؛ لانتظام أحدهما بالآخر. يدلّ على صحّة ما قلناه قوله: (بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ) والصلاة خالصة للَّه، لا شِرْك فيها لأحد، فعُلم أن المراد به القراءة. وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى، لا إلى متلوّ اللفظ، وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي

стр. 5125

إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال: "وهذه بيني وبين عبدي". ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بيّنةً، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني، كما ذكرته لك، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يريد به انقسام أيام السنة مدة للسفر، ومدّة للإقامة، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء، لا يزيد أحدهما على الآخر، وقيل لشريح: "كيف أصبحت؟ قال: أَصبحت، ونصف الناس عليّ غِضَاب، يريد أن الناس محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليَّ؛ لاستخراجي الحقّ منه، وإكراهي إياه عليه، وكقول الشاعر [من الطويل]: إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَينِ شامِتٌ … بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ انتهى كلام الخطّابيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. زاد في نسخة: "فنصفها لي، ونصفها لعبدي"، ومعنى قوله: "فنصفهما لي". أن نصف الفاتحة خاصّ بي، وهو الثلاث الآياتِ الأُوَلُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله: "ونصفها لعبدي": أي أن نصفها الآخر خاصّ به، وهو قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . . .﴾ إلى آخر السورة. والإضافة في قوله: "عبدي" إضافة تشريف وتكريم، حيث تحقّق بصفات، العبوديّة، والقيام بحقوق الربوبيّة، وشهود آثارهما، وأسوارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، ورُوح الأشباح، وغَرْس تجلّيات الأسرار التي يتخلّى بها العبد عن الأغيار. ولَمَّا كان وصف العبوديّة غايةَ الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحقّ وَصَفَ اللَّه تعالى به نبيّه ﷺ في مقام الكرامة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الآية [الإسراء: ١]،

стр. 5126

وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ الآية [الفرقان: ١]، وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠] (١). (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) هذا وعده من اللَّه لعبده أن يُجيب دعاءه، ووعده لا يُخلَف، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ) هذا بيان للصلاة التي قسمها اللَّه بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر ﷺ ما يقوله اللَّه تعالى عند قراءة العبد كلَّ آية منها، وأعلم العبد أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته إليه، حضًّا للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة المختصّة بهذه المعاني الجليلة التي لا تكاد تجتمع في غيرها من السور. وفيه حجةٌ لمن قال: إن البسملة ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لبدأ بها، وذكر فضلها معها، كما ذكر فضل كل آية منها، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-. (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) اتّفق القرّاء السبعة على ضمّ الدال، وهو مبتدأ وخبر، ورُوي عن سفيان بن عيينة، ورؤبة بن الحجاج أنهما قرءا بالنصب، وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عَبْلة بضمّ الدال واللام؛ إتباعًا للثاني الأولَ، وله شواهد، لكنه شاذّ، وعن الحسن وزيد بن عليّ بكسر الدال؛ إتباعًا للأول الثانيَ. قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: معنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر للَّه خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما بَرَأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يُحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم علء، ودعاهم إليه من الأسباب المؤدّية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربّنا الحمد على ذلك كلّه أوَّلًا وآخرًا. قال ﵀: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناءٌ أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يُثنوا عليه فكأنه قال: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.

стр. 5127

قال: وقد قيل: إن قول القائل: "الحمد للَّه" ثناء عليه بأسمائه الحسني، وصفاته الْعُلَي، وقوله: "الشكر للَّه" ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شَرَع في ردّ ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًّا من الحمد والشكر مكان الآخر، وقد نقل السلميّ هذا المذهب أنَّها سواء عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفيّة، وقال ابن عبّاس ﵄: "الحمد للَّه" كلمة كل شاكر. وقد استدلّ له القرطبيّ بصحّة قول القائل: "الحمد للَّه شُكرًا". واعترض ابن كثير على قول ابن جرير بأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخّرين أن الحمد هو الثناء على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدّية، والشكر لا يكون إلَّا على المتعدّية، ويكون بالجنان واللسان والأركان. . . إلى آخر كلامه (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي في اعتراض ابن كثير على كلام ابن جرير نظر؛ لأن ابن جرير نقل ذلك عن المتقدّمين، كابن عبّاس، وجعفر الصادق، فكيف يُردّ عليه بما اشتهر عند المتأخّرين؟، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. (﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾) أي مالك الخلائق أجمعين، الواحد: عالم، وهو اسم يجمع أشياء مختلفة، ومن جَعَل ﴿الْعَالَمِينَ﴾ الجنّ والإنس، جعل العالم جمعًا لأشياء متّفقة، قاله الأزهريّ ﵀ (٢). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: و"الربّ": المالك المتصرّف، ويُطلق في اللغة على السيّد، وعلى المتصرّف للإصلاح، وكلُّ ذلك صحيح في حقّ اللَّه تعالى، ولا يُستعمل الربّ لغير اللَّه تعالى، بل بالإضافة، تقول: ربّ الدار كذا، وأما الربّ فلا يقال: إلَّا للَّه ، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم. و"العالمين": جمع عالم، وهو كل موجود سوى اللَّه ، والعالم لا واحد له من لفظه، والعوالم: أصناف المخلوقات في السموات، وفي البرّ والبحر، وكلّ فرد منها وجِيلٍ يُسمّى عالَمًا أيضًا. انتهى.

стр. 5128

(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَني عَبْدِي) أي أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي. وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: وقوله تعالى: "حمدني عبدي، وأثنى عليّ، ومجّدني" إنما قاله؛ لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كلّه، ولهذا جاء جوابًا لـ "الرحمن الرحيم"؛ لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. انتهى. (وَإِذَا قَالَ) العبد: (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) صفتان من صفات اللَّه ، ولا يوصف بـ "الرحمن" غير اللَّه تعالى، وأما "الرحيم" فجائز أن يقال: فلانٌ رحيمٌ، وهو أبلغ من الراحم، قاله الأزهريّ ﵀. وقال ابن كثير ﵀: هما اسمان مشتقّان من الرحمة على وجه المبالغة، و"رحمن" أشدّ مبالغةً من "رَحيم"، وفي كلام ابن جرير ما يُفهم منه حكاية الاتّفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدلّ على ذلك، وزعم بعضهم أنه غير مشتقّ. وقال القرطبيّ ﵀: والدّليل على أنه مشتقّ ما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه تعالى: أنا الرحمن خَلَقتُ الرحم، وشققتُ لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"، قال: وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: "وإنكار العرب لاسم الرحمن؛ لجهلهم باللَّه، وبما وجب له. وقال أيضًا: ثم قيل: هما بمعنى واحد، كنَدْمَان ونَدِيم، قاله أبو عُبيد، وقيل: ليس بناءُ فعلان كفَعِيل، فإن فعلان لا يقع إلَّا على مبالغة الفعل، نحو رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبًا، وفَعِيلٌ قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول، قال أبو عليّ الفارسيّ: "الرحمن" عامّ في جميع أنواع الرحمة، يختصّ به اللَّه تعالى، و"الرحيم" إنما هو من جهة المؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] (١). وقال أيضًا: وَصَفَ نفسه تعالى بعدَ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبأنه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه لَمّا كان في اتصافه بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترهيبٌ قَرَنه بـ ﴿الرَّحْمَنِ

стр. 5129

الرَّحِيمِ﴾؛ لما تضمن من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند اللَّه من العقوبة ما طمع بجنته أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قَنِطَ من جنته أحدٌ". انتهى (١). (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي) أي حيث اعترف لي بعموم الإنعام على خلقي. (وِإذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) أي يوم الجزاء بالثواب للطائعين، والعقاب للعاصين، وهو يوم القيامة، وخَصَّ يوم الدين بالذكر؛ لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلَّا للَّه تعالى. وقال القرطبيّ: الدين: الجزاء، والحساب، والطاعة، والعبادة، والملك. انتهى. و ﴿مَالِكِ﴾ اسم فاعل صفة للَّه تعالى، ولا يقال: إن اسم الفاعل إضافته لفظيّة، فلا تفيده التعريف، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؟؛ لأن محلّ كون إضافته لفظيّةً إذا كان للحال، أو الاستقبال، فإن قُصد به المضيّ، أو الدوام كما هنا، فإضافته حقيقيّة، فتوصف به المعرفة. قال الحافظ ابن كثير ﵀: قرأ بعض القرّاء "مَلِك"، وقرأ الآخرون ﴿مَالِكِ﴾، وكلاهما صحيح، متواترٌ في السبع. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: قرأ محمد بن السميفع بنصب "مالكَ"، وفيه أربِع لغات: مالك، ومَلِكٌ، ومَلْكٌ، مخففة من مَلِك، ومَلِيك، قال الشاعر [من الوافر]: وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ … عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا وقال آخر [من الكامل]:

стр. 5130

فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ الْمَلِيكُ فَإِنَّمَا … قَسَمَ الْخَلَائِقَ بَيْنَنَا عَلَّامُهَا "الخلائق": الطبائع التي جُبِل الإنسان عليها، ورُوي عن نافع إشباع الكسرة في ملك، فيقرأ ملكي على لغة من يُشبع الحركات، وهي لغة للعرب ذكرها الْمُهْدَويّ، وغيره. قال: واختَلَف العلماء أيُّما أبلغ: مَلِك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عن النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، ذكرهما الترمذيّ. فقيل: ملك أعمّ، وأبلغ من مالك؛ إذ كلُّ مَلِك مالك، وليس كل مالك مَلِكًا، ولأن أمر الملِك نافذ على المالك في مِلْكه حتى لا يتصرف إلَّا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيدة، والمبرِّد، وقيل: مالك أبلغ؛ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرُّفًا وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. . . إلى آخر ما ذكره القرطبيّ من الأقوال (١). (قَالَ) اللَّه (مَجَّدَنِي عَبْدِي) أي عظّمني، وأثنى عليّ بصفات الجلال، وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "مجّدني": أي اعتقد شَرَفي، ونَطَقَ به، والمجدُ نهاية الشرف، وهو الكثير صفات الكمال، والمجد: الكثرة، ومنه قوله: في كل شجر نارٌ، واسمه الْمَرْخُ والْعَفَارُ: أي كثُر نارهما. انتهى (٢). (وَقَالَ مَرَّةً) أي قال الراوي بدل قوله: "مجّدني عبدي"، ثم يحتمل أن يكون أبا هريرة ﵁، أو غيره (فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي) أي سلَّم أموره إليّ، قال القرطبيّ ﵀: أي يقول هذا، ويقول هذا، غير أن فوَّض أقلّ ما يقوله، وليس شكًّا، وهو مطابق لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك اليوم بالملك؛ إذ لا تبقى دعوى لِمُدَّعٍ. انتهى. وقال النوويّ ﵀: وقوله: "وربما قال: فَوَّض إليّ عبدي"، وجه مطابقة هذا لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أن اللَّه تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد، وحسابهم، والدين الحسابُ، وقيل: الجزاء، ولا دعوى لأحدٍ في ذلك اليومِ ولو مجازًا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازيّ ويدَّعي

стр. 5131

بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فاللَّه هو المالك، والْمَلِك على الحقيقة للدارين، وما فيهما، ومن فيهما، وكلُّ مَن سواه مربوبٌ له عبدٌ مُسَخَّرٌ، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد، وتفويض الأمر ما لا يخفى. انتهى. (فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾) أي نخضع، ونتذلّل لك، وقرأ السبعة بتشديد الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾، وقرأ عمر بن فائد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذّة مردودة؛ لإن "إيَا" ضوء الشمس، وقرأ بعضهم "أَيّاك" بفتح الهمزة، وتشديد الياء، وقرأ بعضهم "هِيّاك" بالهاء بدل الهمزة. قال القرطبيّ ﵀: رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنه من أوّل السورة إلى هنا خبر عن اللَّه تعالى، وثناءٌ عليه، و ﴿نَعْبُدُ﴾ معناه: نُطيع، والعبادة: الطاعة والتذلّل، وطريقٌ مُعَبَّدٌ إذا كان مُذلَّلًا للسالكين، قاله الهرويّ. ونُطق المكلّف به إقرار بالربوبيّة، وتحقيق لعبادة اللَّه تعالى؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. انتهى. وقال ابن كثير ﵀: والعبادة في اللغة من الذّلّ، يقال: طريقٌ مُعَبَّدٌ: أي مُذلَّلٌ، وفي الشرع: عبارة عما يَجمع كمال المحبّة والخضوع والخوف. انتهى. (﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) أي نسألك العون، وهو بفتح النون في قراءة الجميع إلَّا يحيى بن وَثّاب، والأعمش، فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد، وربيعة، وبني تميم: أي نطلُبُ العون والتأييد والتوفيق. وقُدّم المفعول، وهو "إيّاك"، وكُرّر؛ للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلَّا إياك، ولا نتوكّل إلَّا عليك، وهذا كمال الطاعة، والدينُ كلّه يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالأوّل تبرّؤ من الشرك، والثاني تبرّؤ من الحول والقوّة، وتفويض إلى اللَّه ، قاله ابن كثير ﵀. وقال أبو جعفر الطبريّ ﵀: تأويل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: لك اللَّهمّ نخشع، ونَذِلّ، ونستكين؛ إقرارًا لك يا ربّنا بالربوبيّة، لا لغيرك. ومعنى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: وإياك ربّنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا لك، وفي أمورنا كلّها، لا أحد سواك؛ إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره

стр. 5132

بمعبوده الذي يعبده، من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا، مخلصين لك العبادة. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذه الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، ووجه حسنه فيها أن الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تجديدًا لنشاط السامع، وكان أكثر إيقاظًا للإصغاء إليه. وألطف من ذلك أن العبد إذا ذكر الحقيقَ بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه مُحرّكًا للإقبال عليه، وكلما أجرى عليه صفةً من تلك الصفات العظام قَوِيَ ذلك المحرّك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمة تلك الصفات المفيدة أنه مالك الأمر كلّه يوم الجزاء، فحينئذ يوجب الإقبال عليه، والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع، والاستعانة في المهمّات، أفاده بعض المحقّقين (٢). (قَالَ) اللَّه (هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) وفي رواية أبي داود: "فهذه بيني وبين عبدي"، وفي رواية النسائيّ: "فهذه الآية بيني وبين عبدي"، وإنما كانت بين اللَّه وبين عبده؛ لأن بعضها تعظيم للَّه تعالى، وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبعضها استعانة للعبد بربّه على أموره، وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقال القرطبيّ: وإنما قال اللَّه تعالى هنا: "هذا بيني وبين عبدي"؛ لأنَّها تضمّنت تذلّل العبد للَّه، وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمّن تعظيم اللَّه تعالى وقدرته على ما طلب منه. انتهى (٣). (وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ) هذا وعد من اللَّه تعالى لعبده أن يعطيه ما سأله من العون على أموره. (فَإِذَا قَالَ) العبد (﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾) قراءة الجمهور بالصاد، وقُرئ: "السراط" بالسين، وقُرئ بالزاي، قال الفرّاء: وهي لغة بني عُذْرة، وبني كُليب. قال القرطبيّ ﵀: ﴿اهْدِنَا﴾ دعاءٌ ورغبةٌ من المربوب إلى الربّ،

стр. 5133

والمعنى: دُلّنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أُنسك وقُربك، قال بعض العلماء: فجعل اللَّه عُظْمَ الدعاء، وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي؛ لأن هذا الكلام قد تكلّم به ربّ العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلّم به. وفي الحديث: "ليس شيء أكرم علي اللَّه من الدعاء" (١)، وقيل: المعنى: أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك، وقيل: الأصل فيه الإمالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: أي مِلْنا، وخرج ﷺ في مرضه يُهادى بين رجلين: أي يتمايل، ومنه الهديّة؛ لأنَّها تُمال من ملك إلى ملك، ومنه الْهَدْيُ للحيوان الذي يُساق إلي الحرم. فالمعنى: مِلْ بقلوبنا إلى الحقّ. وقال الفضيل بن عياض: الصراط المستقيم: طريق الحجّ، وهذا خاصّ، والعموم أولى. وقال محمد ابن الحنفيّة: هو دين اللَّه الذي لا يُقبَل من العباد غيره. وقال عاصم الأحول، عن أبي العالية: الصراط المستقيم: هو رسول اللَّه ﷺ وصاحباه من بعده، قال عاصم: فذكرت للحسن، فقال: صدق ونصح. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (٢). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: لمَّا تقدم الثناءُ علي المسؤول ﵎، ناسب أن يُعَقَّب بالسؤال، كما قال: "فنصفُها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، وهذا أكمل أحوال السائل أن يَمْدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد اللَّه إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسي ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي

стр. 5134

لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول، كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كقول الشاعر [من الوافر]: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ والهداية هاهنا الإرشاد والتوفيق، وقد تُعَدَّى الهداية بنفسها كما هنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فتَضَمَّن معنى ألهمنا، أو وفِّقنا، أو ارزقنا، أو أعطنا، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، أي بَيَّنّا له الخير والشر، وقد تُعَدَّى بـ "إلى"، كقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]، ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وذلك بمعني الإرشاء والدلالة، وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقد تُعَدَّى باللام، كقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]: أي وفَّقَنا لهذا، وجعلنا له أهلًا. وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا، على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وحصذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الْخَطَفَى [من الوافر]: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ … إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كل قول وعمل وُصِف باستقامة، أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوَجَّ باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة للَّه تعالى، وللرسول ﷺ ، فرُوي أَنَّه كتاب اللَّه، وقيل: هو الإسلام، وقيل: الحقُّ قال: وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم، وذَكَرَ ما تقدّم في كلام القرطبيّ، إلَّا قول فضيل: إنه طريق الحجّ. ثم قال: وكلّ هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتّبع النبيّ ﷺ ، واقتدى باللذين من بعده: أبي بكر وعمر، فقد اتّبع الحقّ، ومن اتّبع

стр. 5135

الحقّ، فقد اتّبع الإسلام، ومن اتّبع الإسلام، فقد اتّبع القرآن، وهو كتاب اللَّه، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلّها صحيحة، يُصدّق بعضها بعضًا، وللَّه الحمد. وقال ابن جرير أيضًا: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون مَعْنِيًّا به: وَفِّقْنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن مَن وُفّق لما وُفّق له مَن أنعم اللَّه عليه من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وُفِّق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمر اللَّه به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهج النبيّ ﷺ ، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد للَّه صالح، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم. [فإن قيل]: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت، من صلاة وغيرها، وهو مُتَّصِفٌ بذلك؟، فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟. [فالجواب]: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده اللَّه تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى اللَّه تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلَّا ما شاء اللَّه، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يُمِدَّه بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد مَن وَفَّقه اللَّه تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل باجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطرّ المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦]. فقد أَمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال الْمُعِينة على ذلك، واللَّه أعلم. وقال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].

стр. 5136

فمعنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استَمِرَّ بنا عليه، ولا تَعْدِلْ بنا إلى غيره. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١). وقوله: (﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) مُفَسَّرٌ للصراط المستقيم، وهو بدلٌ منه عند النُّحَاة بدل الشيء من الشيء، كقولك: جاءني زيد أبوك، ويجوز أن يكون عطف بيان، واللَّه أعلم. ومعناه: أَدِمْ هدايتنا، فإن الإنسان قد يَهْدِي إلى الطريق، ثم يقطع به، وقيل: هو صراط آخر، ومعناه: العلم باللَّه ، والفهم عنه، قاله جعفر بن محمد. [تنبيهات]: (الأول): في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عشر لغات، قرئ بعامتها "عليهُم" بضم الهاء وإسكان الميم، و"عليهِم" بكسر الهاء وإسكان الميم، و"عليهِمي" بكسر الهاء والميم، وإلحاق ياء بعد الكسرة، و"عليهمو" بكسر الهاء، وضم الميم، وزيادة واو بعد الضمة، و"عليهمو" بضم الهاء والميم كلتيهما، وإدخال واو بعد الميم، و"عليهم" بضم الهاء والميم من غير زيادة واو، وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء، وأوجه أربعة منقولة عن العرب، غير مَحْكيّة عن القراء، "عليهُمي" بضم الهاء وكسر الميم، وإدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن البصريّ عن العرب، و"عليهُم" بضم الهاء وكسر الميم، من غير زيادة ياء، و"عليهِم" بكسر الهاء وضم الميم، من غير إلحاق واو، و"عليهِم" بكسر الهاء والميم، ولا ياء بعد الميم، وكلها صواب، قاله ابن الأنباريّ. (الثاني): اختَلَف الناس في الْمُنْعَم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]، فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد، وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال.

стр. 5137

(الثالث): في هذه الآية ردّ على القدريّة، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في حدور أفعاله منه، طاعةً كانت أو معصية؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم اللَّه تعالى في هذه الآية؛ إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم، لَمَا سألوه الهداية، ولا كرّروا السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرّعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما يناقض الهداية، حيث قالوا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فكما سألوه أن يَهديهم سألوه أن لا يُضِلَّهم، وكذلك يدعون، فيقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية [آل عمران: ٨]، ذكره القرطبيّ ﵀ (١). وقوله: (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) قرأ الجمهور بجرّ ﴿غَيْرِ﴾ على النعت، قال الزمخشريّ: وقُرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول اللَّه ﷺ ، وعمر بن الخطاب، ورُويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، والعامل ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ممن تقدم وصفُهُم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة، والطاعة للَّه ورسله، وامتثال أوامره، وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقّ، وعَدَلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فَقَدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحقّ، وأكّد الكلام بـ "لا"؛ ليدُلّ على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى. وقد زعم بعض النحاة أن ﴿غَيْرِ﴾ ها هنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما أوردناه أولى؛ لقول الشاعر [من الوافر]: كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ أي كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحَذَف الموصوفَ، واكتَفَى بالصفة؛ وهكذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: أي غير صراط المغضوب عليهم اكتَفَى

стр. 5138

بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دَلَّ عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. ومنهم من زعم أن ﴿لَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدة، وأن تقدير الكلام عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج [من الرجز]: فِي بِئْرِ لَا حُورٍ (١) سَرَى وَمَا شَعَرْ أي في بئر حور، والصحيح ما قدمناه، ولهذا رَوَى أبو عُبيد القاسم بن سلام في كتاب "فضائل القرآن" عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقرأ: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين"، وهذا إسناد صحيح، وكذلك حَكَى عن أُبَيّ بن كعب ﵁ أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه، من أنه إنما جيء بـ "لا" لتأكيد النفي؛ لئلا يُتَوَهَّم أنه معطوف على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وللفرق بين الطريقتين؛ لِيُجْتَنَب كل واحد منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحقّ، والعمل به، واليهود فَقَدُوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن مَن عَلِم، وترك استحقّ الغضب، بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا، لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لَمْ يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الحقّ ضَلُّوا، وكلٌّ من اليهود والنصارى ضالّ مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، كما قال تعالى عنهم: ﴿مَنْ

стр. 5139

لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، وأخص أوصاف النصارى الضلال، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار، قاله ابن كثير ﵀. وقال القرطبيّ ﵀: اختُلِفَ في المغضوب عليهم والضالين من هم؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصاري، وجاء ذلك مفسرًا عن النبيّ ﷺ في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"، والترمذي في "جامعه"، وشَهِد لهذا التفسير أيضًا قوله سبحانه في اليهود: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، وقال في النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقيل: المغضوب عليهم المشركون، والضالين المنافقون. وقيل: المغضوب عليهم هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة، والضالين عن بركة قراءتها، حكاه السلمي في "حقائقه"، والماوردي في "تفسيره"، وليس بشيء، قال الماوردي: وهذا وجه مردود؛ لأن ما تعارضت فيه الأخبار، وتقابلت فيه الآثار، وانتشر فيه الخلاف لَمْ يجز أن يُطْلَق عليه هذا الحكم. وقيل: المغضوب عليهم باتّباع البدع، والضالين عن سنن الهدى. قال القرطبيّ: وهذا حسنٌ، وتفسير النبيّ ﷺ أولى وأعلى وأحسن. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح التفاسير -كما قال القرطبيّ- هو تفسير النبيّ ﷺ ، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما، من حديث عديّ بن حاتم ﵁، فما فسّر به النبيّ ﷺ لا يُقدّم عليه غيره؛ لأنه تفسير من قال اللَّه تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، واللَّه تعالى أعلم. [فائدة مهمّة]: قال الحافظ ابن كثير ﵀: الصحيح من مذاهب العلماء أنه يُغْتَفَر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء؛ لقرب مخرجيهما، وذلك أن

стр. 5140

الضاد مخرجها من أول حافة اللسان، وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرِّخْوَة، ومن الحروف الْمُطْبَقَة، فلهذا كلِّه اغتُفِرَ استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، وأما حديث: "أنا أفصح مَن نطق بالضاد"، فلا أصل له. انتهي، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) اللَّه تعالى (هَذَا لِعَبْدِي) أي الكلام خاصّ بعبدي؛ لأنه دعاء بالتوفيق إلى صراط من أنعم اللَّه عليهم من النبيين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين، والعصمة من صراط من غَضِبَ اللَّه عليهم، ولعنهم، وجَعَل منهم القِرَدَة والخنازير، وصراط من أضلّوا كثيرًا، وضلُّوا عن سواء السبيل. وقال النوويّ ﵀: قوله تعالى: "فإذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . .﴾ إلى آخر السورة، فهذا لعبدي"، هكذا هو في "صحيح مسلم"، وفي غيره: "فهؤلاء لعبدي"، وفي هذه الرواية دليل على أن ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات، لا آيتان، وفي المسألة خلافٌ، مبنيّ على أن البسملة من الفاتحة أم لا؟ فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنَّها من الفاتحة، وأنها آية ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن يقول: إنها ليست من الفاتحة، يقول: ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده ثلاث آيات، وللأكثرين أن يقولوا: قوله: "هؤلاء"، المراد به الكلمات، لا الآيات، بدليل رواية مسلم: "فهذا لعبدي"، وهذا أحسن من الجواب بأن الجمع محمول على الاثنين؛ لأن هذا مجاز عند الأكثرين، فيحتاج إلى دليل على صرفه عن الحقيقة إلى المجاز. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة كون الاثنين أقلّ الجمع قد استوفيت بحثه في "التحفة المرضيّة"، وشرحها "المنحة الرضيّة" في الأصول، ورجّحت أنه الحقّ، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وأما مسألة كون البسملة من الفاتحة، أم لا؟ فسيأتي البحث عنه مستوفًى بعد بابين -إن شاء اللَّه تعالى-.

стр. 5141

(وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ") هذا وعدٌ من اللَّه تعالى الكريم أن يُجيب عبده بإعطاء ما سأل، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. فهنيئًا للعبد الموفّق لهذا الفضل العظيم ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، اللهم اجعلنا هداة مهديين، مخير ضالَّين، ولا مضلّين، آمين. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة، والظاهر أنه بالسند السابق، وليس معلّقًا، واللَّه تعالى أعلم. (حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي على العلاء (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المجرور، وقوله: (فِي بَيتِهِ) متعلّق بـ "مريض"، أو بـ "دخلتُ"، أو بحال مقدَّر (فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ) أي عن هذا الحديث. وغرض المصنّف بهذا: تأكيد اتّصال السند ببيان سماع سفيان من شيخه العلاء؛ لأنه كان في الرواية السابقة بالعنعنة، وتأكيد ذلك السماع ببيان مكانه، والحالة التي كان هو محليها حينما حدّثه به، وهي كونه مريضًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٨٤ و ٨٨٥ و ٨٨٦] (٣٩٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٢١)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٥٣)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٩٠٩)، و"الكبرى" في "فضائل القرآن" (١٨٠١٢) و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٨٣٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨٤ - ٨٥)، و (أبو داود الطيالسيّ) في (٢٥٦١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٦٧)، و"أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٠ و ٢٨٥ و ٤٨٧) (وابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٨٤ و ١٧٨٨ و ١٧٨٩ و ١٧٩٤ و ١٧٩٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١٥)، و"مشكل الآثار" (٢/ ٢٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩ و ١٦٦ و ١٦٧)، و (البغويّ) في

стр. 5142

"شرح السنّة" (٥٧٨)، (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٧٣ و ١٦٧٤ و ١٦٧٥ و ١٦٧٦ و ١٦٧٧ و ١٦٧٨ و ١٦٧٩ و ١٦٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧٣ و ٨٧٤ و ٨٧٥ و ٨٧٦ و ٨٧٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب قراءة الفاتحة على كلّ مصلٍّ، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، وقد تقدَّم البحث فيه قريبًا مستوفًى، فراجعه. ٢ - (ومنها): بيان عظم شأن الفاتحة، حتى سمّاها اللَّه تعالى بالصلاة، قال العلماء: المراد بالصلاة هنا الفاتحة، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها لا تصح إلَّا بها، كقوله ﷺ : "الحج عرفة" ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة. ٣ - (ومنها): المراد بقسمة الفاتحة نصفين قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول تحميد للَّه تعالى، وتمجيد، وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال، وطلبٌ، وتضرعٌ وافتقارٌ. ٤ - (ومنها): أنه احتَجّ القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث، قال النوويّ ﵀: وهو من أوضحَ ما احتَجّوا به، قالوا: لأنَّها سبع آيات بالإجماع، فثلاث في أولها ثناء، أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وثلاث دعاء، أولها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسابعة متوسطة، وهي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قالوا: ولأنه قال: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. . . "، فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها لذكرها. قال: وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول: إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة: [أحدها]: أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة، لا إلى الفاتحة، هذا حقيقة اللفظ. [والثاني]: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة. [والثالث]: معناه: فإذا انتهى المعبد في قراءته إلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في هذه الأجوبة من التكلّفات،

стр. 5143

والحقّ أن قول من قال: إن البسملة ليست آية من الفاتحة هو الظاهر؛ لوضوح أدلّته، وسيأتي تمام البحث في هذا بعد بابين -إن شاء اللَّه تعالى-. ٥ - (ومنها): بيان عناية اللَّه تعالى بعبده، حيث مدحه بسبب حمده، وثنائه، وتمجيده، ووَعَده أن يُعطيه ما سأل. ٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن كثير ﵀: اشتَمَلت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد اللَّه، وتمجيده، والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى، المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين، وعلى إرشاده عبيدَه إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرُّؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية، ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك، أو نظير، أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، حتى يَقْضِي لهم بذلك إلى جواز الصراط الحسية يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، واشتَمَلت أيضًا على الترغيب في الأعمال الصالحة؛ ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يُحْشَروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم، والضالون. وما أحسن ما جاء من إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . . .﴾ الآية [المجادلة: ١٤]، وكذلك إسناد الضلال إلى مَن قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدَره، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: ١٨٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية، ومن حَذَا حَذْوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك، ويفعلونه، ويحتجون على بدعتهم بمتشابهٍ من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الردّ عليهم، وهذا حال أهل الضلال والغيّ. وقد ورد في الحديث الصحيح: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه

стр. 5144

فأولئك الذين سَمَّى اللَّه فاحذروهم"، يعني في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فليس بحمد اللَّه لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء لِيَفْصِل الحقّ من الباطل، مُفَرِّقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض، ولا اختلاف؛ لأنه من عند اللَّه ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٥] (. . .) - (حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أنسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي (٢) الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى بَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنِ هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن صَلَّى صَلَاةً، فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ" بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، يقال: اسمه عبد اللَّه بن السائب، ثقة [٣] (م ٤) تقدم "الطهارة" ٢٩/ ٦٦٤. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، سوى "الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ"، و"أَبِي هُرَيْرَةَ" ﵁ فتقدّما في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفيَانَ) يعني أن أنس بن مالك، وابن جُريج حدّثا عن العلاء بن عبد الرحمن بمثل حديث سفيان بن عيينة عنه المذكور قبلهما. وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ. . . إلخ) يعني أن

стр. 5145

في حديث أنس، وابن جريج زيادة على حديث سفيان، وهي قوله: "فنصفها لي، ونصفها لعبدي". [تنبيه]: أما رواية مالك التي أحالها هنا على رواية سفيان بن عيينة، فأخرجها النسائيّ ﵀ في "المجتبى"، فقال: (٩٠٩) أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، مولى هشام بن زُهْرة، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى صلاةً لَمْ يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِداج، هي خِداج، هي خِداجٌ، غير تمام"، فقلت: يا أبا هريرة، إني أحيانًا أكون وراء الإمام، فغَمَز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسيّ في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يقول اللَّه : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرءوا، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول اللَّه : حَمِدني عبدي، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول اللَّه : أثنى عليّ عبدي، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول اللَّه : مَجّدني عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل". انتهى. وأما رواية ابن جريج، فأخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٧٥٠٢) حدثنا عبد الرزاق، قال: ابن جريج قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا السائب، مولى هشام بن زُهْرة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى صلاةً لَمْ يقرأ فيها بأبي القرآن، فهي خِداج، هي خِداج، غير تمام"، قال أبو السائب لأبي هريرة: إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال أبو السائب: فغمز أبو هريرة ذراعي، فقال: يا فارسي اقرأها في نفسك، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، قال أبو هريرة: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرءوا،

стр. 5146

يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فيقول اللَّه: حَمِدَني عبدي، ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيقول اللَّه: أثنى عليّ عبدي، فيقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فيقول اللَّه: مَجّدني عبدي، وقال: هذه بيني وبين عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: أجدها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال: يقول عبدي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، يقول اللَّه : هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي، وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ، وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَهِيَ خِدَاجٌ" لا يَقُولُهَا ثَلَاثًا، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ) -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف-: نسبة إلى ناحية من اليمن، تسمّى مَعْقِر، أبو الحسن، نزيل مكة، مقبول [١١]. رَوَى عن النضر بن محمد، وإسماعيل بن عبد الكريم بن مَعْقِل بن مُنَبِّه. ورَوَى عنه مسلم، والمفضَّل بن محمد الْجَنَديّ، ومحمد بن إسحاق بن العباس الفاكهيّ المكيّ، كان حيًّا سنة (٢٥٥)، وذكر عبد الغنيّ في ترجمته أنه رَوَى عن سعيد بن بَشِير، وقيس بن الربيع، وهو وَهَمٌ، فإنه لَمْ يدركهما، وإنما رَوَى عن النضر عنهما، وقال اللالكائيّ: يُكْنَى أبا أحمد. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٩٥)، وحديث (٨٣٢): "أرسَلَني بِصِلَةِ الأرحام. . . "، و (٢٣٦٢): "ما تصنعون؟

стр. 5147

قالوا: كنا نصنعه. . . "، و (٢٥٠١): "نعم، قال: عندي أحسن العرب، وأجمله، أم حبيبة. . . ". ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن موسى الْجُرَشيّ (١)، أبو محمد اليماميّ، مولى بني أميّة، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١. ٣ - (أَبُو أُوَيسٍ) عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ المدنيّ، قريب مالك وصِهْره، صدوقٌ يَهِم [٧] (ت ١٦٧) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٧٣/ ٣٩١. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث أبي أويس بمثل حديث سفيان، ومالك، وابن جريج. [تنبيه]: رواية أبي أويس هذه أخرجها الإمام البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٢/ ٣٧٥)، فقال: (٣٧٦٧) وأخبرنا أبو نصر، أحمد بن عليّ بن أحمد القاضي، من أصله، ثنا أبو بكر محمد بن المؤمَّل بن الحسن بن عيسى الماسَرْجِسيّ، ثنا الفضل بن محمد الشعرانيّ، ثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثني أبي، عن العلاء، أنه قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب جميعًا، وكانا جليسي أبى هريرة ﵁ قالا: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن صلى صلاةً، لَمْ يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، فهي خِداج (٢)، غير تمام"، قال: قلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام، فغَمَز ذراعي، وقال: يا فارسيّ اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "-يعني- يقول اللَّه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول عبدي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول اللَّه: حَمِدني عبدي، فيقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيقول اللَّه: أثنى عليّ عبدي، يقول عبدي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

стр. 5148

يقول اللَّه: مَجَّدني عبدي، وهذه الآية بيني وبين عبدي، يقول عبدي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه الآية بيني وبينه، وآخر السورة لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول عبدي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . .﴾ " إلى آخر السورة. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٧] (٣٩٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا أَعْلَنَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ) (٢). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) الأزديّ، أبو محمد، ويقال: أبو شهيد البصريّ، مولى قُرَيبة، ثقةٌ ثبتٌ [٥]. أدرك أبا الطُّفيل، وأرسل عن الزبير بن العوام، وأنس، وسعيد بن المسيب، وعُبيد بن عُمير، ورَوَى عن الحسن بن ثابت، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، وابن المنكدر، وميمون بن مهران، وأبي إسحاق السَّبيعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وابنه إبراهيم بن حبيب، وأبو أسامة، وروح بن عبادة، وغيرهم.

стр. 5149

قال أحمد: كان ثبتًا ثقةً، وهو عندي يقوم مقام يونس، وابن عون، وكان قليل الحديث، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو أسامة: كان من رُفَعاء الناس، وإنما رَوَى مائة حديث، وقال عليّ ابن المدينيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء اللَّه- وقال العجليّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال الآجريّ: قيل لأبي داود: أيما أحبّ إليك: هشام بن حسان، أو حبيب بن الشهيد؛ فقال: حبيب، وحَكَى ابن شاهين في "الثقات" أن شعبة قال لإبراهيم: لَمْ يكن أبوك أقلهم حديثًا، ولكنه كان شديد الاتّقاء، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال أبو داود، عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: مات سنة (١٤٥)، وهو ابن (٦٦) سنةً، وزاد علي ابن المدينيّ، عن إبراهيم: أن ذلك كان في ذي الحجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٩٦)، وحديث (٩٥٥): "صلى على قبر"، و (١٢٣٢): "جَمَعَ بينهما، بين الحجِّ والعُمرة"، و (٢٤٢٧): "نعم، فحملنا، وتركك". ٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح، واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. أبو هريرة تقدّم قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: حبيبٌ، عن عطاء. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حَبيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي ابن أبي رَبَاح (يُحَدِّثُ عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) هكذا رواية أبي أسامة،

стр. 5150

عن حبيب بن الشهيد مرفوعة، وقد أنكر الدارقطنيّ على مسلم، وقال: إن المحفوظ عن أبي أُسامة وقفه، كما رواه أصحاب ابن جُريج، وكذا رواه أحمد، عن يحيى القطّان، وأبي عُبيدة الحدّاد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفًا، وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجّاج، عن ابن جُريج كرواية الجماعة، لكن زاد في آخره: "وسمعته يقول: لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، وظاهر سياقه أن ضمير "سمعته" للنبيّ ﷺ ، فيكون مرفوعًا، بخلاف رواية الجماعة. نعم، قوله: "ما أسمعنا"، و"ما أخفى عنّا" يُشعر بأن جميع ما ذكره متلقًّى عن النبيّ ﷺ ، فيكون للجميع حكم الرفع، قاله في "الفتح" (١)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. ("لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ") وفي رواية البخاريّ، من طريق ابن جريج، عن عطاء: "في كل صلاة يُقرأ" ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "كلُّ صلاة يُقرأ فيها". هذا نصّ صريح في وجوب قراءة القرآن في الصلاة، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح حديث عبادة بن الصامت ﵁، فراجعه تستفد. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَمَا) موصولة: أي الذي (أَعْلَنَ) وفي نسخة: "أعلن لنا" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي جهر لنا ﷺ من القراءة (أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ) أي جهرنا فيه حتى تسمعوه، وفي رواية ابن جريج الآتية: "فما أسمعنا رسول اللَّه ﷺ أسمعناكم" (وَمَا أَخْفَاهُ) أي الذي أخفاه ﷺ من القراءة (أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ) وفي نسخة: "أخفينا لكم"، واللام بمعنى "من"، وفي رواية ابن جريج الآتية: "وما أخفى منّا أخفينا منكم"، وزاد في رواية ابن جريج: "فقال له رجل: إن لَمْ أزد على أم القرآن؟ فقال: إن زدت عليها، فهو خيرٌ، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك"، وفي رواية حبيب المعلّم الآتية: "ومن قرأ بأمّ الكتاب، فقد أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل". وفيه استحباب قراءة السورة، أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول
следующие страницы →