← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فيقول اللَّه: حَمِدَني عبدي، ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيقول اللَّه: أثنى عليّ عبدي، فيقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فيقول اللَّه: مَجّدني عبدي، وقال: هذه بيني وبين عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: أجدها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال: يقول عبدي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، يقول اللَّه : هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي، وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ، وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَهِيَ خِدَاجٌ" لا يَقُولُهَا ثَلَاثًا، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ) -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف-: نسبة إلى ناحية من اليمن، تسمّى مَعْقِر، أبو الحسن، نزيل مكة، مقبول [١١]. رَوَى عن النضر بن محمد، وإسماعيل بن عبد الكريم بن مَعْقِل بن مُنَبِّه. ورَوَى عنه مسلم، والمفضَّل بن محمد الْجَنَديّ، ومحمد بن إسحاق بن العباس الفاكهيّ المكيّ، كان حيًّا سنة (٢٥٥)، وذكر عبد الغنيّ في ترجمته أنه رَوَى عن سعيد بن بَشِير، وقيس بن الربيع، وهو وَهَمٌ، فإنه لَمْ يدركهما، وإنما رَوَى عن النضر عنهما، وقال اللالكائيّ: يُكْنَى أبا أحمد. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٩٥)، وحديث (٨٣٢): "أرسَلَني بِصِلَةِ الأرحام. . . "، و (٢٣٦٢): "ما تصنعون؟

стр. 5147

قالوا: كنا نصنعه. . . "، و (٢٥٠١): "نعم، قال: عندي أحسن العرب، وأجمله، أم حبيبة. . . ". ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن موسى الْجُرَشيّ (١)، أبو محمد اليماميّ، مولى بني أميّة، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١. ٣ - (أَبُو أُوَيسٍ) عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ المدنيّ، قريب مالك وصِهْره، صدوقٌ يَهِم [٧] (ت ١٦٧) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٧٣/ ٣٩١. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث أبي أويس بمثل حديث سفيان، ومالك، وابن جريج. [تنبيه]: رواية أبي أويس هذه أخرجها الإمام البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٢/ ٣٧٥)، فقال: (٣٧٦٧) وأخبرنا أبو نصر، أحمد بن عليّ بن أحمد القاضي، من أصله، ثنا أبو بكر محمد بن المؤمَّل بن الحسن بن عيسى الماسَرْجِسيّ، ثنا الفضل بن محمد الشعرانيّ، ثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثني أبي، عن العلاء، أنه قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب جميعًا، وكانا جليسي أبى هريرة ﵁ قالا: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن صلى صلاةً، لَمْ يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، فهي خِداج (٢)، غير تمام"، قال: قلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام، فغَمَز ذراعي، وقال: يا فارسيّ اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "-يعني- يقول اللَّه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول عبدي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول اللَّه: حَمِدني عبدي، فيقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فيقول اللَّه: أثنى عليّ عبدي، يقول عبدي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

стр. 5148

يقول اللَّه: مَجَّدني عبدي، وهذه الآية بيني وبين عبدي، يقول عبدي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه الآية بيني وبينه، وآخر السورة لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول عبدي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . .﴾ " إلى آخر السورة. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٧] (٣٩٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا أَعْلَنَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ) (٢). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ) الأزديّ، أبو محمد، ويقال: أبو شهيد البصريّ، مولى قُرَيبة، ثقةٌ ثبتٌ [٥]. أدرك أبا الطُّفيل، وأرسل عن الزبير بن العوام، وأنس، وسعيد بن المسيب، وعُبيد بن عُمير، ورَوَى عن الحسن بن ثابت، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، وابن المنكدر، وميمون بن مهران، وأبي إسحاق السَّبيعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وابنه إبراهيم بن حبيب، وأبو أسامة، وروح بن عبادة، وغيرهم.

стр. 5149

قال أحمد: كان ثبتًا ثقةً، وهو عندي يقوم مقام يونس، وابن عون، وكان قليل الحديث، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو أسامة: كان من رُفَعاء الناس، وإنما رَوَى مائة حديث، وقال عليّ ابن المدينيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء اللَّه- وقال العجليّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال الآجريّ: قيل لأبي داود: أيما أحبّ إليك: هشام بن حسان، أو حبيب بن الشهيد؛ فقال: حبيب، وحَكَى ابن شاهين في "الثقات" أن شعبة قال لإبراهيم: لَمْ يكن أبوك أقلهم حديثًا، ولكنه كان شديد الاتّقاء، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال أبو داود، عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: مات سنة (١٤٥)، وهو ابن (٦٦) سنةً، وزاد علي ابن المدينيّ، عن إبراهيم: أن ذلك كان في ذي الحجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٩٦)، وحديث (٩٥٥): "صلى على قبر"، و (١٢٣٢): "جَمَعَ بينهما، بين الحجِّ والعُمرة"، و (٢٤٢٧): "نعم، فحملنا، وتركك". ٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح، واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. أبو هريرة تقدّم قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: حبيبٌ، عن عطاء. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حَبيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي ابن أبي رَبَاح (يُحَدِّثُ عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) هكذا رواية أبي أسامة،

стр. 5150

عن حبيب بن الشهيد مرفوعة، وقد أنكر الدارقطنيّ على مسلم، وقال: إن المحفوظ عن أبي أُسامة وقفه، كما رواه أصحاب ابن جُريج، وكذا رواه أحمد، عن يحيى القطّان، وأبي عُبيدة الحدّاد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفًا، وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجّاج، عن ابن جُريج كرواية الجماعة، لكن زاد في آخره: "وسمعته يقول: لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، وظاهر سياقه أن ضمير "سمعته" للنبيّ ﷺ ، فيكون مرفوعًا، بخلاف رواية الجماعة. نعم، قوله: "ما أسمعنا"، و"ما أخفى عنّا" يُشعر بأن جميع ما ذكره متلقًّى عن النبيّ ﷺ ، فيكون للجميع حكم الرفع، قاله في "الفتح" (١)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. ("لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ") وفي رواية البخاريّ، من طريق ابن جريج، عن عطاء: "في كل صلاة يُقرأ" ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "كلُّ صلاة يُقرأ فيها". هذا نصّ صريح في وجوب قراءة القرآن في الصلاة، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح حديث عبادة بن الصامت ﵁، فراجعه تستفد. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَمَا) موصولة: أي الذي (أَعْلَنَ) وفي نسخة: "أعلن لنا" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي جهر لنا ﷺ من القراءة (أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ) أي جهرنا فيه حتى تسمعوه، وفي رواية ابن جريج الآتية: "فما أسمعنا رسول اللَّه ﷺ أسمعناكم" (وَمَا أَخْفَاهُ) أي الذي أخفاه ﷺ من القراءة (أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ) وفي نسخة: "أخفينا لكم"، واللام بمعنى "من"، وفي رواية ابن جريج الآتية: "وما أخفى منّا أخفينا منكم"، وزاد في رواية ابن جريج: "فقال له رجل: إن لَمْ أزد على أم القرآن؟ فقال: إن زدت عليها، فهو خيرٌ، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك"، وفي رواية حبيب المعلّم الآتية: "ومن قرأ بأمّ الكتاب، فقد أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل". وفيه استحباب قراءة السورة، أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول

стр. 5151

الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مرفوعًا من أفراد المصنّف ﵀، وأما الموقوف الآتي، فمتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٨٧ و ٨٨٨ و ٨٨٩] (٣٩٦)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٧٢)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٦٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٩٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٣ و ٢٨٥ و ٣٤٨ و ٤٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٦٨ و ١٦٦٩ و ١٦٧٠ و ١٦٧١ و ١٦٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧٨ و ٨٧٩ و ٨٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٨١ و ١٨٥٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٠٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب القراءة في كل صلاة، على كلّ مصلٍّ، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، وسواء كانت الصلاة فريضةً، أو نافلة، سرّيّة، أو جهريّة. ٢ - (ومنها): أن قوله: "ومن قرأ بأم الكتاب، أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل"، فيه دليل لوجوب الفاتحة، وأنه لا يجزئ غيرها عنها، فمن لم يقرأ بها لَمْ تصحّ صلاته، وهو شاهد لحديث عبادة ﵁ المتقدّم، أفاده في "الفتح". ٣ - (ومنها): مشروعيّة الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة، والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار في الظهر والعصر، وثالثة المغرب، والأخريين من العشاء، قال النوويّ ﵀: وعلى هذا أجمعت الأمة، واختلفوا في العيد، والاستسقاء، ومذهبنا الجهر فيهما، وفي نوافل الليل، قيل: يجهر فيها، وقيل: بين الجهر والإسرار، ونوافل النهار يُسِرّ بها،

стр. 5152

والكسوف يُسرّ بها نهارًا، ويجهر ليلًا، والجنازة يسر بها ليلًا ونهارًا، وقيل: يجهر ليلًا، ولو فاته صلاة ليليّة، كالعشاء، فقضاها في ليلة أخرى جَهَر، وإن قضاها نهارًا، فوجهان الأصحّ يسرّ، والئاني يجهر، وإن فاته نهاريّة، كالظهر، فقضاها نهارًا أسرّ، وإن قضاها ليلًا فوجهان الأصح يجهر، والثاني يسرّ، وحيث قلنا: يجهر أو يسر فهو سنة، فلو تركه صحت صلاته، ولا يسجد للسهو عندنا. انتهى كلام النوويّ ﵀. ٤ - (ومنها): استحباب قراءة السورة، أو آيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور، وسيأتي اختلاف العلماء في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ما زاد على الفاتحة: قال النوويّ ﵀: فيه استحباب السورة بعدها، وهذا مُجْمَع عليه في الصبح، والجمعة، والأوليين من كل الصلوات، وهو سنة عند جميع العلماء، وحَكَى القاضي عياض: عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة، وهو شاذّ مردود، وأما السورة في الثالثة والرابعة، فاختَلَف العلماء، هل تستحب أم لا؟ وكره ذلك مالك ﵀، واستحبّه الشافعي ﵀ في قوله الجديد دون القديم، والقديم هنا أصحّ، وقال آخرون: هو مُخَيَّر، إن شاء قرأ، وإن شاء سَبَّحَ، وهذا ضعيف، وتستحب السورة في صلاة النافلة، ولا تستحب في الجنازة على الأصح؛ لأنَّها مبنية على التخفيف. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من عدم استحباب قراءة السورة في الجنازة، محلُّ نظر، فقد أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن طلحة بن عبد اللَّه، قال: صلّيت خلف ابن عبّاس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهَرَ حتى أسمعنا، فلما فرَغ أخذت بيده، فسألته؟ فقال: سنّةٌ وحقّ. انتهى (١). فدلّ على أنّ قراءة السورة مع الفاتحة سنة؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ولا يزاد على الفاتحة إلَّا التأمين عقبها، ويستحب أن تكون السورة

стр. 5153

في الصبح والأوليين من الظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره. واختلفوا في تطويل القراءة في الأولى على الثانية، والأشهر عندنا أنه لا يستحب، بل يُسَوَّى بينهما، والأصح أنه يطول الأولى؛ للحديث الصحيح: "وكان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية"، متّفق عليه. ومن قال بالقراءة في الأخريين من الرباعية يقول: هي أخف من الأوليين، واختلفوا في تقصير الرابعة على الثالثة، واللَّه أعلم. وحيث شُرِعت السورة فتركها فاتته الفضيلة، ولا يسجد للسهو، وقراءة سورة قصيرة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، ويقرأ على ترتيب المصحف، ويكره عكسه، ولا تبطل به الصلاة. ويجوز القراءة بالقراءات السبع، ولا يجوز بالشواذّ، وإذا لَحَن في الفاتحة لحنًا يُخِلّ المعني، كضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو كسرها، أو كسر كشاف ﴿إِيَّاكَ﴾، بطلت صلاته، وإن لَمْ يُخِلّ المعنى، كفتح الباء من ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ونحوه كُرِه، ولم تبطل صلاته، ويجب ترتيب قراءة الفاتحة، وموالاتها، ويجب قراءتها بالعربية، ويحرم بالعجمية، ولا تصح الصلاة بها، سواء عَرَف العربية أم لا، وبشترط في القراءة، وفي كل الأذكار إسماع نفسه، والأخرس ومن في معناه يُحَرِّك لسانه وشفتيه بحسب الإمكان، ويجزئه، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا (١) مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِنْ زِدْتَ عَلَيْهَا

стр. 5154

فَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا، أَجْزَأَتْ عَنْكَ) (١). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: كلهم تقدّموا في هذا الباب، غير زُهير، فتقدّم قبل باب، و"عمرو الناقد": هو ابن محمد، و"إسماعيل بن إبراهيم": هو ابن عليّة، و"ابن جُريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، و"عطاء": هو ابن أبي رَبَاح. وقوله: (فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ) وفي الرواية التالية: "في كل صلاة قراءة"، وفي رواية النسائيّ: "كلُّ صلاة يُقرأ فيها"؛ يعني أن كل ركعة، أو كل صلاة سرّيّة كانت، أو جهريّة تجب القراءة فيها. فقوله: "في كلّ صلاة" متعلّق بـ "يُقرأ"، وهو بالبناء للمفعول. وأراد أبو هريرة ﵁ بهذا بيان وجوب القراءة في جميع ركعات كلّ الصلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، منفردًا كان المصلّي، أو إمامًا، أو مأمومًا، وأشار بقوله: "فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ. . . إلخ" إلى أن هذا ثابتٌ عنه ﷺ ، وأصرح منه الرواية السابقة أنه ﷺ قال: "لا صلاة إلَّا بقراءة". وقوله: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) قال صاحب "تنبيه المعلم": لا أعرفه. انتهى (٢). وقوله: (إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟) جواب "إن" محذوف: أي فهل يجزيني؟، أو فما الحكم؟. وقوله: (وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا) أي اكتفيت بقراءتها، ولم تزد عليها غيرها، وبقيّة مباحث الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ (٣) -، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ

стр. 5155

قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ (١)، فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُرَيْعٍ) الحافظ المثبت البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (حَبِيب الْمُعَلِّمُ) أبو محمد البصريّ، مولى مَعْقِل بن يسار، وهو حبيب بن أبي قُرَيبة، واسمه زائدة، ويقال: حبيب بن زيد، ويقال: ابن أبي بَقِيّة، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن عطاء بن أبي رَبَاح، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعمرو بن شعيب، وهشام بن عروة، وأبي الْمُهَزِّم التميميّ. ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زُريع، ومرحوم بن عبد العزيز العطار، وعبد الوهاب الثقفيّ. قال عمرو بن عليّ: كان يحيى لا يُحَدِّث عنه، وكان عبد الرحمن يحدِّث عنه، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أحمد: ما أحتجّ بحديثه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، مات سنة (١٣٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٣٩٦)، وحديث (١٢٥٦): "ما منعكِ أن تكوني حججتِ معنا؟. . . "، و (١٣١١): "نزله رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه كان أسمح لخروجه. . . ". والباقيان تقدّما فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٩٠] (٣٩٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ

стр. 5156

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ "السَّلَامَ (١)، قَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ الرَّجُلُ، فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ"، ثُمَّ قَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، عَلِّمْنِي، قَالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِن رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِن سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فرّوخ القطّان التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) الْمَقْبُريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] (ت ١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) كيسان أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أمّ شَريك، ثقةٌ ثبتٌ ٢١، (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.

стр. 5157

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان. ٤ - (ومنها): أن شيخه هو أحد الأئمة التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد اللَّه، عن سعيد، عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه: سعيد، عن كيسان. ٧ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: عن سعيد المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) قال الدارقطنيّ ﵀: خالف يحيى القطان أصحاب عبيد اللَّه كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لَمْ يقولوا: "عن أبيه"، ويحيى حافظٌ، قال: فيُشْبه أن يكون عبيد اللَّه حدّث به على الوجهين، وقال البزار: لَمْ يُتَابَعْ يحيى عليه، ورَجَّح الترمذيّ رواية يحيى. قال الحافظ: لكل من الروايتين وجهٌ مرجِّحٌ، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدًا لَمْ يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثَمّ أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري طريق يحيى في "باب أمر النبيّ ﷺ الذي لا يُتمّ ركوعه بالإعادة"، وفي "باب وجوب القراءة"، وأخرج في "الاستئذان" طريق عبد اللَّه بن نُمَير، وفي "الإيمان والنذور" طريق أبي أسامة، كلاهما عن عبيد اللَّه، ليس فيه "عن أبيه"، وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة. وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة، أخرجها أبو داود، والنسائيّ من رواية إسحاق بن أبي طلحة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن عَجْلان، وداود بن قيس، كلهم عن عليّ بن يحيى بن

стр. 5158

خَلاد بن رافع الزُّرَقيّ، عن أبيه، عن عمه، رفاعة بن رافع، فمنهم من لم يسم رفاعة، قال: عن عمّ له بدريّ، ومنهم من لم يقل: "عن أبيه"، ورواه النسائيّ، والترمذيّ من طريق يحيى بن عليّ بن يحيى، عن أبيه، عن جدّه، عن رفاعة، لكن لَمْ يقل الترمذيّ: "عن أبيه"، وفيه اختلاف آخر نذكره قريبًا. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي النبويّ (فَدَخَلَ رَجُلٌ) وفي رواية ابن نُمير الآتية: "أن رجلًا دخل المسجد، فصلّي، ورسول اللَّه ﷺ جالسٌ في ناحية المسجد"، وفي رواية النسائيّ، من حديث رفاعة بن رافع ﵁: "بينما رسول اللَّه ﷺ جالسٌ، ونحن حوله إذ دخل رجلٌ. . . " الحديث. [تنبيه]: هذا الرجل الداخل هو خلاد بن رافع، جدُّ عليّ بن يحيى، راوي الخبر، بَيَّنه ابن أبي شيبة، عن عبّاد بن العوّام، عن محمد بن عمرو، عن عليّ بن يحيى، عن رفاعة، أن خلادًا دخل المسجد، ورَوَى أبو موسى في "الذَّيل" من جهة ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عليّ بن يحيى بن عبد اللَّه بن خلاد، عن أبيه، عن جدِّه، أنه دخل المسجد. انتهى. قال الحافظ ﵀: وفيه أمران: زيادة عبد اللَّه في نسب عليّ بن يحيى، وجَعْلُ الحديث من رواية خلاد جدِّ عليّ، فأما الأول فَوَهَمٌ من الراوي عن ابن عيينة، وأما الثاني فمن ابن عيينة؛ لأن سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك، لكن بإسقاط عبد اللَّه، والمحفوظ أنه من حديث رفاعة، كذلك أخرجه أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، كلاهما عن محمد بن عجلان. وأما ما وقع عند الترمذيّ: "إذ جاء رجل كالبدويّ، فصلي، فأخفّ صلاته"، فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد؛ لأن رفاعة شَئهَه بالبدويّ؛ لكونه أخفّ الصلاة، أو لغير ذلك. انتهى (١). (فَصَلَّى) زاد النسائيّ من رواية داود بن قيس: "ركعتين"، وفيه إشعار بأنه

стр. 5159

صلى نَفْلًا، والأقرب أنَّها تحية المسجد، وفي رواية النسائيّ المذكورة: "وقد كان النبيّ ﷺ يَرْمُقُه في صلاته"، زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ولا نَدْرِي ما يَعِيب منها؟ "، وفي رواية من طريق الليث، عن ابن عجلان: "يَرْمُقُهُ، ونحن لا نشعر"، وهذا محمول على حالهم في المرة الأولى، وهو مختصر من الذي قبله، كأنه قال: "ولا نشعر بما يعيب منها"، أفاده في "الفتح" (١). (ثُمَّ جَاءَ) أي الرجل الذي صلّى (فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ من طريق أبي أسامة: "فجاء، فسلّم"، وهي أولى؛ لأنه لَمْ يكن بين صلاته ومجيئه تَرَاخٍ (فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ) وفي نسخة: "فردّ رسول اللَّه ﷺ ﵇"، وفي رواية للبخاريّ في "الاستئذان" من طريق ابن نمير: "فقال: وعليك السلام". قال في "الفتح": وفي هذا تعقّب على ابن الْمُنَيِّر حيث قال: فيه أن الموعظة في وقت الحاجة أهمّ من ردّ السلام، ولعله لَمْ يردّ ﵇ تأديبًا على جهله، فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام. انتهى. قال الحافظ: والذي وقفنا عليه من نسخ "الصحيحين" ثبوت الردّ في هذا الموضع وغيره، إلَّا الذي في "الإيمان والنذور" عند البخاريّ، وقد ساق الحديث صاحب "العمدة" بلفظ الباب إلَّا أنه حذف منه: "فرَدَّ النبيّ ﷺ "، فلعل ابن الْمُنيِّر اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب "العمدة". انتهى (٢). (قَالَ) ﷺ ("ارْجِعْ، فَصَلِّ) وفي رواية ابن عجلان: "أَعِدْ صلاتك" (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ") الفاء للتعليل؛ أي لأنك لَمْ تصلِّ، أي لَمْ تُوجِدْ حقيقة الصلاة المطلوبة منك شرعًا، فهو نفي للحقيقة؛ لانتفاء الطُّمانينة التي هي ركن من أركانها، أو أن المراد لَمْ تصحّ صلاتك، فيكون النفي راجعًا للصفة؛ خلافًا لمن قال: إنه نفيٌ للكمال؛ لأن النفي يتوجّه للحقيقة إذا أمكن كما هنا، وإلا يتوجّه لأقرب صفة للحقيقة؛ كالصحّة، لا الكمال (٣).

стр. 5160

وقال القاضي عياض: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ، وهو مبنيّ على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر، ومَن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه ﷺ لَمْ يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدَلّ على إجزائها، وإلا لزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكية، وهو المهلَّب ومن تبعه، وفيه نظر؛ لأنه ﷺ قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة، فسأله التعليم، فعلَّمه، فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية، أشار إلى ذلك ابن الْمُنَيِّر ﵀ (١). (فرَجَعَ الرَّجُلُ) المسيء في صلاته؛ ليصلّي مرّة أخرى (فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى) أي مثل صلاته الأولى بلا طُمأنينة، ولا اعتدال (ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ"، ثُمَّ قَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وفي رواية ابن نُمير عند البخاريّ: "فقال في الثالثة، أو في التي بعدها"، وفي رواية أبي أسامة: "فقال في الثانية، أو الثالثة"، وتترجح الأولى؛ لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه ﷺ كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه غالبًا، قاله في "الفتح". [تنبيه]: قد استُشكِل تقرير النبيّ ﷺ له على صلاته، وهي فاسدة على القول بأنه أخلّ ببعض الواجبات، وأجاب المازريّ: بأنه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرات؛ لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا، أو غافلًا، فيتذكره، فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقّق الخطأ، وقال النوويّ ﵀ نحوه، قال: وإنما لَمْ يُعَلّمه أولًا؛ ليكون أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة. وقال ابن الجوزيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر، وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لَمْ يَفُتْهُ، فرأى إيقاظ الفِطنة للمتروك. وقال ابن دقيق العيد ﵀: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا، بل لا بدّ من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلِّم لما يُلْقَى إليه بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة

стр. 5161

إلى التعليم، لا سيّما مع عدم خوف الفوات، إما بناءً على ظاهر الحال، أو بوحي خاصّ. وقال التُّورِبِشْتيّ ﵀: إنما سكت عن تعليمه أَوّلًا؛ لأنه لَمّا رَجَع لَمْ يستكشف الحال من مَوْرِد الوحي، وكأنه اغتَرَّ بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استَبْهَم عليه، فلما طَلَب كشف الحال من مَوْرِده أرشد إليه. انتهى. قال الحافظ ﵀: لكن فيه مناقشةٌ؛ لأنه إن تَمّ له في الصلاة الثانية والثالثة، لَمْ يتم له في الأولى؛ لأنه ﷺ بدأه لَمّا جاء أول مرّة بقوله: "ارجع، فصَلِّ فإنك لَمْ تصلّ"، فالسؤال وارد على تقريره له على الصلاة الأولى، كيف لَمْ يُنكِر عليه في أثنائها، لكن الجواب يَصلَح بيانًا للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك، واللَّه أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أنه إنما لَمْ يُنكر عليه أثناء الصلاة، بل أخّره إلى أن انتهى منها؛ ليتبيَّن له جميع ما يُخطئ فيه؛ إذ لو أنكر عليه في الوسط، وعلّمه وأعاد ربّما أخطأ في غيره، فيحتاج إلى تعليمه، ويتسلسل، ولا يقال: إذا تبيّن له ذلك في المرّة الأولى، فلماذا ردّه ثانيًا وثالثًا؛ لأنا نقول: إن ذلك للزجر له، حيث أقدم على الإعادة من غير أن يتعلّم منه ﷺ ، فعاقبه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، عَلِّمْنِي) وفي رواية البخاريّ: "فما أُحسِن غيره، فعلِّمني"، وفي حديث رفاعة بن رافع ﵁: "والذي أنزل عليك الكتاب، لقد جَهَدتُ، فعلِّمني وأَرِني"، وفي لفظ: "لقد جهدتُ، وحَرَصْتُ، فأَرِني وعلِّمني"، وفي رواية: "والذي أكرمك يا رسول اللَّه، لقد جهدتُ، فعلّمني"، وفي رواية: "فقال الرجل: فأرني وعلّمني فإنما أنا بشرٌ، أُصيب وأُخطئ، فقال: أَجَلْ". (قَالَ) ﷺ معلِّمًا له ("إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ) وفي رواية عبد اللَّه بن نُمَير التالية: "إذا قمت إلى الصخلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر"، وفي حديث رفاعة: "فتوضأ كما أمرك اللَّه، ثم تشهد، وأقم"، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عند النسائيّ: "إنها لَمْ تتم صلاة أحدكم، حتى يسبغ

стр. 5162

الوضوء، كما أمره اللَّه، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر اللَّه، ويَحْمَده، ويُمَجِّده"، وعند أبي داود: "ويُثْنِي عليه"، بدل: "ويمجِّده". وقال صاحب "المرعاة": وفي رواية الطبرانيّ لحديث رفاعة: "ثم يقول: اللَّه أكبر"، وهي تبيّن أن المراد من التكبير خصوص هذا اللفظ، فلا يصحّ افتتاح الصلاة إلَّا بلفظ "اللَّه أكبر"، دون غيره من الأذكار، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه يقول: يجزئ بكلّ لفظ يدلّ على التعظيم، وهذا نظرٌ منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكلّ ما دلّ عليه، والحقّ ما ذهب إليه مالك، وأحمد، من تعيّن التكبير، وتخصيص لفظ "اللَّه أكبر". قال ابن دقيق العيد ﵀: ظاهر الحديث يعيِّن التكبير، ويتأيّد ذلك بأن العبادات محلّ التعبّدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها اتّباع اللفظ. وأيضًا فالخصوص قد يكون مطلوبًا، أعني خصوص التعظيم بلفظ "اللَّه أكبر"، وهذا لأن رُتَب هذه الأذكار مختلفة كما تدلّ عليه الأحاديث، فقد لا يتأدّى برتبة ما يُقصد من أخري، ونظيره الركوع، فإنا نفهم أن المقصود منه التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعًا آخر -أي ولو كان سجودًا- لَمْ يجزه، ويتأيّد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بلفظ: "اللَّه أكبر" (١)، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) قال في "الفتح": لَمْ تَختلف الروايات في هذا عن أبي هريرة ﵁، وأما رفاعة ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ويقرأ ما تيسر من القرآن، مما علّمه اللَّه"، وفي رواية يحيى بن عليّ: "فإن كان معك قرآن فأقرأ، وإلا فاحمد اللَّه، وكبّره، وهلله"، وفي رواية محمد بن عمرو، عند أبي داود: "ثم اقرأ بأمّ القرآن، أو بما شاء اللَّه"، ولأحمد وابن حبّان من هذا الوجه: "ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت"، ترجم له ابن حبان بـ "بابُ فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة" (٢).

стр. 5163

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيَّن بمجموع هذه الروايات أن معنى قوله هنا: "ما تيسّر" هي الفاتحة؛ لأن الرواية يُفسّر بعضها بعضًا، فلا مُتمسّك لمن استدلّ به على عدم فرضيّة قراءة الفاتحة؛ فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) حال مؤكّدة، وقيل: مقيّدة، وفي رواية أحمد المذكورة: "فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُد ظهرك، وتمكَّن لركوعك"، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيركع حتى تطمئن مفاصله، ويَسترخي". (ثُمَّ ارْفَعْ) أي رأسك من الركوع (حَتَّى تَعْتَدِلَ) أي تستوي (قَائِمًا) وفي رواية ابن نمير عند ابن ماجه: "حتى تطمئنّ قائمًا"، رواها ابن أبي شيبة عنه، وقد ساق المصنّف إسنادها بعد هذا، ولكن لَمْ يسق لفظها، فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن أبي أُسامة، وهو في "مستخرج أبي نُعيم" من طريقه، وكذا أخرجه السرّاج عن يوسف بن موسي، أحد شيوخ البخاريّ عن أبي أسامة. قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: فثبت ذكر الطُّمانينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد، وابن حبّان، وفي لفظ لأحمد: "فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها"، وعُرِف بهذا أن قول إمام الحرمين: "في القلب من إيجابها -أي الطُّمأنينة في الرفع من الركوع- شيءٌ؛ لأنَّها لَمْ تذكر في حديث المسيء صلاته" دالّ على أنه لَمْ يَقِفْ على هذه الطرق الصحيحة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا) وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيسجد حتى يمكِّن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي". (ثُمَّ ارْفَعْ) أي رأسك من السجود (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) أي بعد السجدة الأولى، وهي حال مؤسِّسة، وفي رواية إسحاق المذكورة: "ثم يكبر، فيركع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويُقيم صُلْبه"، وفي رواية محمد بن عمرو:

стр. 5164

"فإذا رفعت رأسك، فاجلِسْ على فخذك اليسرى"، وفي رواية إسحاق: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ جالسًا، ثم افتَرِشْ فخذك اليسري، ثم تشهد". (ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ) أي جميع ما ذُكر من الأقوال والأفعال، إلَّا تكبيرة الإحرام، فإنها مخصوصة بالركعة الأولى؛ لما عُلِم شرعًا من عدم تكرارها، وقيل: التقدير: ثم افعل ذلك؛ أي ما ذُكر مما يمكن تكريره، فخرج نحو تكبيرة الإحرام (١). (فِي صَلَاِتِكَ) أي ركعات صلاتك (كُلِّهَا") بالجرّ توكيدٌ لـ "صلاتك"، أي في كلّ صلاتك، فرضها، ونفلها على اختلاف أوقاتها، وأسمائها. وفي رواية محمد بن عمرو: "ثم اصنَعْ ذلك في كل ركعة وسجدة"، وفي حديث رفاعة بن رافع ﵁ عند النسائيّ: "فإذا صنعتَ ذلك، فقد قضيتَ صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك، فإنما تنقصه من صلاتك"، وفي رواية له: "فإذا أتممت صلاتك على هذا، فقد تمّت، وما انتقصت من هذا، فإنما تنقُصُه من صلاتك". [تنبيه]: وقع في رواية عبد اللَّه بن نُمَير عند البخاريّ في "الاستئذان" بعد ذكر السجود الثاني: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا"، وقد قال بعضهم: هذا يدلّ على إيجاب جِلْسة الاستراحة، ولم يقل به أحد، وأشار البخاريّ إلى أن هذه اللفظة وَهَمٌ، فإنه عَقَّبَهُ بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: "حتى تستوي قائمًا". قال الحافظ ﵀: ويمكن أن يُحْمَل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد، ويُقَوّيه رواية إسحاق المذكورة قريبًا، وكلام البخاريّ ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نُمَير، لكن رواه إسحاق ابن راهويه في "مسنده" عن أبي أسامة كما قال ابن نُمير بلفظ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم افعل ذلك في كل ركعة"، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق

стр. 5165

ابن راهويه، عن أبي أسامة، والصحيح رواية عبيد اللَّه بن سعيد أبي قُدَامة، ويوسف بن موسي، عن أبي أُسامة، بلفظ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا"، ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي في تضعيف رواية إسحاق، عن أبي أسامة نظرٌ؛ لأنه لَمْ ينفرد بها، بل تابعه عبد اللَّه بن نُمير عند البخاريّ، فلا وجه لتضعيفها، وأما دلالتها على وجوب جِلْسة الاستراحة، فظاهرٌ، إلَّا أنّ له صارفًا، وهو ما صحّ عنه ﷺ من تركه جِلسة الاستراحة في بعض الأحيان، كما يأتي في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٨٩٠ و ٨٩١] (٣٩٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٥٧ و ٧٩٣)، و"الاستئذان" (٦٢٥١ و ٦٢٥٢ و ٦٦٦٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٦)، و (الترمذيّ) فيها (٣٠٣)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٢٤)، و (ابن ماجه) فيها (١٠٦٠)، (وأحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٣٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٩٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٠٩ و ١٦١٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٨٨١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٨ و ١١٧ و ١٢٢ و ١٢٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٥٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن هذا الحديث حديث جليلٌ، يُعْرَف عند العلماء بحديث المسيء صلاته، يشتمل على فوائد كثيرةٍ، قال ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ": فيه أربعون مسألةً، ثم سَرَدَها (١/ ٣٤٠ - ٤٣١)، وقد أطال غيره من الشرّاح أيضًا الكلام فيه؛ كابن دقيق العيد في "إحكام الإحكام" (٢/ ٢ - ١٢)، والحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٤)، والعينيّ في "عمدة القاري" (٦/ ١٥ -

стр. 5166

٢٠)، والشوكانيّ في "نيل الأوطار" (٢/ ١٥٧ - ١٦١)، وقد لَخّصْتُ في هذا الشرح خلاصة تحقيقاتهم، فاستفد منه، وباللَّه تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): بيان وجوب القراءة في كلّ ركعة من الصلوات مطلقًا، فرضًا كانت أو نَفْلًا. ٣ - (ومنها): بيان وجوب تكبيرة الإحرام، وأنه لا يجوز الدخول في الصلاة إلَّا به، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في محلّه بحمد اللَّه تعالى وتوفيقه. ٤ - (ومنها): وجوب الإعادة على من أخلّ بشيء من واجبات الصلاة. ٥ - (ومنها): بيان أن الشروع في النافلة ملزمٌ، لكن يَحتَمِل أن تكون تلك الصلاة كانت فريضة. ٦ - (ومنها): أن فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ٧ - (ومنها): الرفق بالجاهل، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة، وتخليص المقاصد. ٨ - (ومنها): طلب المتعلِّم من العالم أن يعلِّمه ما يجهله من أمر دينه، ولا سيّما الصلاة. ٩ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق، ولطف المعاشرة. ١٠ - (ومنها): أن فيه تكرار السلام وردّه، وإن لَمْ يخرج من الموضع، إذا وقعت صورة انفصال. ١١ - (ومنها): ما قيل: إن القيام في الصلاة ليس مقصودًا لذاته، وإنما يُقْصَد للقراءة فيه، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه ﷺ قال حينما سأله عمران بن حصين في عن صلاة المريض؟: "صلّ قائمًا، فإن لَمْ تستطع، فقاعدًا، فإن لَمْ تستطع فعلى جنب"، فإنه يدلّ على أن القيام في الصلاة فرض إلَّا للعاجز؛ فتنبّه. ١٢ - (ومنها): جلوسُ الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه. ١٣ - (ومنها): التسليم للعالم، والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ.

стр. 5167

١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن، لا ما زادته السنة، فيندب. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الراجح أن آية الوضوء مجملة بيّنتها، وفسّرتها السنة القوليّة والفعليّة، فقد تقدّم وجوب أشياء ليست في الآية؛ كالمضمضة والاستنشاق، وغيرهما، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الطهارة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ١٥ - (ومنها): جواز تأخير البيان في المجلس للمصلحة. ١٦ - (ومنها): أن فيه حجةً على من أجاز القراءة بالفارسية؛ لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمى قرآنًا، قاله القاضي عياض ﵀. ١٧ - (ومنها): أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر، يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون من باب النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنيه، وموضع الدلالة منه كون الرجل قال: علّمني؛ أي الصلاة، فعلّمه الصلاة ومقدماتها. ١٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ١٩ - (ومنها): أنه استدلّ بقوله: "ثم اقرأ ما تيسّر" من قال بعدم وجوب قراءة الفاتحة، وتُعُقّب بأن معنى ما تيسّر هي الفاتحة؛ لأنه جاء في رواية صحيحة قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن"، فتبيّن أنها هي المرادة بقوله: "ما تيسّر"، فتبصّر بالإنصاف. ٢٠ - (ومنها): أن فيه دلالة على وجوب قراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين؛ لقوله: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها"، وعليه الجمهور، وهو الحقّ؛ لظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم. ٢١ - (ومنها): أنه اشتهر الاستدلال به على وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر فيه، وفيه تفصيل سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢٢ - (ومنها): جواز الحلف باللَّه تعالى، أو بصفة من صفاته.

стр. 5168

٢٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم عدم وجوب الطمأنينة؛ لأنه زيادة على النصّ؛ لأن المأمور به في القرآن مطلق السجود، فيصدُق بغير طمأنينة، فالطمأنينة زيادة، والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تُعتبر. ورُدّ عليه بأنها ليست زيادةً، ولكنها بيان للمراد بالسجود المأمور به شرعًا، وأنه مخالف للسجود اللغويّ؛ إذ هو مجرّد وضع الجبهة، فبيّنت السنّة أن السجود الشرعيّ ما كان بالطمأنينة، ويؤيّد ذلك أن الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السجود، وكان ﷺ ومن معه يصلّون قبل ذلك، ولم يكن النبيّ ﷺ يصلّي بغير طمأنينة (١). ٢٤ - (ومنها): أنه قيل: يُستَدَلّ بهذا الحديث على عدم وجوب الإقامة، ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقال، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخذ، والقعود، ونحو ذلك. قال الحافظ ﵀: وهو في مَعْرِض المنع؛ لثبوت بعض ما ذُكِر في بعض الطرُق. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الراجح وجوب الأذان والإقامة؛ وكذا تكبيرات الانتقالات؛ لوضوح أدلّتها، وسيأتي حكم باقي المسائل في أماكنها اللائقة بها -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الطمأنينة في الصلاة: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب الطمأنينة في الصلاة، واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصَرّح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاويّ كالصريح في الوجوب عندهم، فإنه ترجم "مقدار الركوع والسجود"، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: "سبحان ربي العظيم ثلاثًا في الركوع، وذلك أدناه"، قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود،

стр. 5169

لا يجزئ أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: إذا استوى راكعًا، واطمأنّ ساجدًا أجزأ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، قاله في "الفتح" (١). وقال صاحب "المرعاة" ﵀: استُدلّ بقوله ﷺ : "صلّ، فإنك لم تصلّ" للشافعيّ، وأبي يوسف، والجمهور على أن تعديل الأركان والطمأنينة فيها فرض، قالوا: إن قوله هذا صريحٌ في كون التعديل من الأركان، بحيث إن بفوته تفوّت الصلاة، وإلا لم يقل: "لم تصلّ"، فإن من المعلوم أن خلاد بن رافع ﵁ لم يكن ترك ركنًا من الأركان المشهورة، وإنما ترك التعديل والاطمئنان كما تدلّ عليه رواية ابن أبي شيبة، فعُلم أن تركه مبطل للصلاة. قال: الحديث فيه ردّ صريح على أبي حنيفة ومحمد، فإن المشهور من مذهبهما أن تعديل الأركان ليس بفرض، بل هو واجب، واستُدلّ لهما بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] بأن الركوع والسجود لفظ خاصّ، معناه معلوم، فالركوع هو الانحناء، والسجود هو وضع الجبهة على الأرض، فمطلق الْمَيَلان عن الاستواء، ووضع الجبهة على الأرض فرض بالآية المذكورة، وفرضيّة التعديل الثابتة بقوله ﷺ : "لم تُصلّ" لا يجوز إلحاقها بالقرآن، لا على سبيل البيان، ولا على سبيل تقييد إطلاق القرآن. أما الأول: فلأن البيان لا يكون إلا للمجمل، ولا إجمال في الركوع والسجود، وأما الثاني: فلأن تقييد إطلاق القرآن نسخ، وهو لا يجوز بخبر الواحد، ولَمّا لم يجز إلحاق ما ثبت بهذا الحديث بالثابت بالقرآن في مرتبته، ولم يمكن ترك خبر الواحد بالكليّة أيضًا قلنا: ما ثبت بالكتاب، وهو مطلق الركوع والسجود يكون فرضًا؛ لأنه قطعيّ، وما ثبت بهذا الخبر الظنيّ الثبوت يكون واجبًا؛ مراعاةً لمنزلة كلّ من الكتاب والسنّة. ورُدّ هذا الاستدلال بأن النصّ ليس بمطلق، بل مُجملٌ، فإن المراد بالركوع والسجود في الآية المذكورة معناهما الشرعيّ؛ لأنه قد تقرّر أن أمثال

стр. 5170

هذه الألفاظ في النصوص يجب حملها على معانيها الشرعيّة، إلا أن يمنع مانعٌ، ولا مانع هاهنا. ولأن من وضع الجبهة إلى غير القبلة، أو على غير وضوء، فهو ساجدٌ لغةً، وليست هذه السجدة معتبرةً في الشرع، ومعنى الركوع والسجود الشرعيّ غير معلوم، فهو يحتاج إلى البيان، فحديث أبي هريرة ﵁ وما وافقه بيان ذلك النصّ المجمل، وبيان الفرض المجمل يجوز بخبر الواحد، أي يكون فرضًا في مرتبة المجمل. قال الشيخ عبد الحليم اللكنويّ الحنفيّ في "حاشية نور الأنوار" -بعد ذكر نحو ما تقدّم من تقرير استدلال الحنفيّة-: ولو سلّمنا أن النصّ مطلق، فنقول: إن هذا الحديث ليس بخبر الواحد، بل هو حديث مشهور، تلقّته الأمة بالقبول، ورواه أئمة الحديث بأسانيد كثيرة، والزيادة على الكتاب بالخبر المشهور جائزة. انتهى. وقال -بعد ذكر حديث أبي هريرة ﵁: هذا الحديث دالّ على أن تعديل الركوع والسجود فرضٌ، والقومة، والجِلسة ركنان، فإن رسول اللَّه ﷺ نفى الصلاة بفواتها. وإن زللت بما قال بعض السابقين من أن في آخر الحديث المذكور -يعني حديث رفاعة- زيادة تدلّ على توقّف صحّة الصلاة عليها، وهو قوله ﷺ : "فإذا فعلت ذلك، فقد تمّت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا، انتقَصْتَ من صلاتك"، فسمّاها ﷺ صلاةً، والباطلة ليست بصلاة، وأيضًا وصفها بالنقص، والباطلة إنما توصف بالانعدام، فعُلم أن أمر النبيّ ﷺ بالإعادة إنما كان لتقع الصلاة على غير كراهة، لا لفساد صلاة ذلك الرجل، ثَبَّتُّك أن معنى هذه الزيادة: إن فعلت ما بيّنتُ من التعديل على الكمال، فقد صلّيت صلاةً تامّةً، وإن نقصت من التعديل شيئًا من النقصان مع بقاء أصل التعديل -كما يدلّ عليه لفظ "نقصت"- فقد نقصت من صلاتك بقدر نقصان التعديل، فالإخلال بالتعديل رأسًا يوجب الفساد. فإن غلبك جنود الوهم بأن القومة والجلسة ليستا بمقصودتين، وإنما

стр. 5171

شُرِعتا للفصل بين الركوع والسجود، فلا يكونان ركنين، بل الركن هو المقصود، وهو الركوع والسجود. فعارضها بعسكر الفكر بأن هذا رأي في مقابلة النصّ المذكور، فلا يُسمع، كذا أفاده بحر العلوم، أنار اللَّه برهانه. انتهى كلام الشيخ عبد الحليم اللكنويّ. وما نقله عن بعض السابقين قد ردّه أيضًا العينيّ بأن للخصم أن يقول: إنما سمّاها صلاةً بحسب زعم المصلّي، كما تدلّ عليه الإضافة، على أنه ورد في بعض الروايات: "وما نقصت شيئًا من ذلك"، أي مما ذُكر سابقًا، ومنه الركوع والسجود أيضًا، فيلزم أن تُسمّي ما لا ركوع فيها أو لا سجود فيها أيضًا صلاةً بعين التقرير المذكور، وإذ ليس، فليس. انتهى. وقال بعض الحنفيّة في الجواب عن حديث أبي هريرة: إن هذا الحديث لا يدلّ على فرضيّة التعديل، بل على عدم فرضيّته؛ لأنه ﷺ ترك الأعرابيّ حتى فرغ من صلاته، ولو كان ما تركه ركنًا لفسدت صلاته، فكان المضيّ بعد ذلك من الأعرابيّ عَبَثًا، فلا يحلّ له ﷺ أن يتركه، فكان تركه دالًا على أن صلاته جائزة، إلا أنه ترك الإكمال، فأمره بالإعادة؛ زجرًا عن هذه العادة. وردّه العينيّ في "البناية" بأن للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدةً، ولذا أمره بالإعادة، وقال له: "لم تصلّ" وإنما تركه عليه لأنه ربّما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة، ولم يُنكر عليه؛ لأنه كان من أهل البادية، كما شَهِدت به رواية الترمذيّ بلفظ: "إذ جاء رجلٌ كالبدويّ"، ومن المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظة، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء، وكان المقام مقام التعليم. وبالجملة لا دلالة لعدم إنكاره ﷺ على صلاته ابتداء، وأمره بالإعادة على ما ادّعوه. انتهى. قال صاحب "المرعاة" بعد ذكر ما تقدّم: فإذا عرفت هذا كلّه ظهر لك أن ما ذهب إليه الجمهور -أي من فرضيّة الاطمئنان- هو الحقّ، وما ذهب إليه الحنفيّة ليس لهم عليه دليلٌ صحيح، بل حديث أبي هريرة ﵁ حجة صريحة عليهم. انتهى. وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، لا يَحتاج إلى التعليق عليه، والزيادة

стр. 5172

عليه لمن سلك سبيل الإنصاف، وجانب تقليد الأعمى، وطريق الاعتساف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذُكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يُذكَر. أما الوجوب فلتعلُّق الأمر به، وأما عدمه فليس لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لكون الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذُكر، ويتقوى ذلك بكونه ﷺ ذَكَر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة، فدلّ على أنه لم يَقصُر المقصود على ما وقعت به الإساءة فقط. فإذا تقرّر هذا، فكلُّ موضع اختَلَف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في هذا الحديث، فلنا أن نتمسك به في وجوبه، وكلُّ موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث، فلنا أن نتمسّك به في عدم وجوبه؛ لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدّم من كونه موضع تعليم، وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، وكلّ موضع اختُلف في تحريمه، فلنا أن نستدلّ بهذا الحديث على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرّم لوجب التلبّس بضدّه، فإن النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده، ولو كان التلبّس بالضدّ واجبًا لذُكر ذلك على ما قرّرناه، فصار من لوازم النهي الأمرُ بالضدّ، ومن الأمر بالضدّ ذكره في الحديث على ما قرّرناه، فإذا انتفى الأمر بالضدّ انتفى ملزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء. فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلّقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاثَ وظائف: [أحدها]: أن يَجْمَع طرق هذا الحديث، ويُحصِي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد فالزائد، فإن الأخذ بالزائد واجب. [وثانيها]: إذا قام دليلٌ على أحد أمرين، إما الوجوب، أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرّز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين، فيَعْمَل به.

стр. 5173

قال: وعندنا أنه إذا استُدلّ على عدم وجوب شيء بعد ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدّم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليلٌ على عدم الوجوب، وتُحْمَل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى؛ لأن عدم الوجوب متوقّف على مقدّمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدلّ على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدّمة التي قرّرناها، وهو أن عدم الذكر يدلّ على عدم الوجوب؛ لأن المراد ثَمّة أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول ﷺ يدلّ على عدم الوجوب، فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدلّ على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذُكِر، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدّمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب. وأيضًا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيُعمل بها. قال: وهذا البحث كلّه بناءٌ على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يُخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيَحتاج الناظر المحقّق إلى الموازنة بين الظنّ المستفاد من عدم الذكر في الرواية، وبين الظنّ المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح. [وثالثها]: أن يستمرّ على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيَتَثَعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالًا واحدًا، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١). وقد علّق العلامة الشوكانيّ ﵀ على قوله: "فالمقدّم صيغة الأمر إذا جاءت في حديث آخر"، فقال: وأما قوله: "إنها تقدّم صيغة الأمر إذا جاءت في حديث آخر"، واختياره لذلك من دون تفصيل، فنحن لا نوافقه، بل نقول: إذا جاءت صيغة أمرٍ قاضيةٌ بوجوب زائد على ما في هذا الحديث، فإن كانت متقدِّمةً على تاريخه كان صارفًا لها إلى الندب؛ لأن اقتصاره في التعليم على

стр. 5174

غيرها، وتركه لها من أعظم المشعِرات بعدم وجوب ما تضمنته؛ لما تقرّر من أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وإن كانت متأخرةً عنه، فهو غير صالح لصرفها؛ لأن الواجبات الشرعية ما زالت تتجدد وقتًا فوقتًا، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة وغيره، أعني الصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، والشهادتين؛ لأن النبيّ ﷺ اقتصر عليها في مقام التعليم، والسؤال عن جميع الواجبات، واللازمُ باطلٌ فالملزوم مثله. وإن كانت صيغة الأمر الواردة بوجوب زيادة على هذا الحديث غير معلومة التقدّم عليه، ولا التأخر، ولا المقارنة، فهذا محلّ الإشكال، ومقام الاحتمال، والأصل عدم الوجوب، والبراءة منه حتى يقوم دليل يوجب الانتقال عن الأصل والبراءة، ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة على حديث المسيء إذا التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره، فلا يَنهَض للاستدلال به على الوجوب. وهذا التفصيل لا بُدّ منه، وترك مراعاته خارج عن الاعتدال إلى حدّ الإفراط أو التفريط؛ لأن قصر الواجبات على حديث المسيء فقط، وإهدار الأدلة الواردة بعده تخيُّلًا لصلاحيته لصرف كل دليل يَرِدُ بعده دالًا على الوجوب سدٌّ لباب التشريع، وردّ لما تجدّد من واجبات الصلاة، ومنعٌ للشارع من إيجاب شيء منها، وهو باطل؛ لما عَرَفت من تجدد الواجبات في الأوقات. والقول بوجوب كلِّ ما ورد الأمر به من غير تفصيل يؤدِّي إلى إيجاب كلّ أقوال الصلاة وأفعالها التي ثبتت عنه ﷺ من غير فرق بين أن يكون ثبوتها قبل حديث المسيء أو بعده؛ لأنها بيان للأمر القرآنيّ، أعني قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ولقوله ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وهو باطلٌ؛ لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز عليه ﷺ . وهكذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب أمر خارج عن حديث المسيء ليس بصيغة الأمر، كالتوعّد على الترك، أو الذمّ لمن لم يفعل، وهكذا يُفَصَّل في كل دليل يقتضي عدم وجوب شيء، مما اشتَمَل عليه حديث المسيء، أو

стр. 5175

تحريمه إن فرضنا وجوده. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (١)، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا. وقد أشبعت البحث في هذا الحديث فيما كتبته على النسائيّ، فاستفد منه ما تبقّى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ، وَسَاقَا الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَزَادَا فِيهِ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥، وهو: والد محمد الراوي عنه هنا. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَسَاقَا الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ) الضمير في "ساقا" لأبي أسامة، وعبد اللَّه بن نمير. [تنبيه]: فائدة سوق هذا الإسناد بيان الاختلاف على عبيد اللَّه، فإن يحيى بن سعيد القطّان أدخل في روايته والد سعيد المقبريّ بينه وبين أبي

стр. 5176

هريرة، وخالفه أبو أسامة، وعبد اللَّه بن نمير، فروياه عن سعيد، عن أبي هريرة، وقد تقدّم أن كلا الطريقين محفوظان، فإن يحيى إمام حافظ معتمد عليه، كما سبق تحقيق ذلك في شرح الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية أبي أسامة، وعبد اللَّه بن نُمير، ساقهما البخاريّ في "صحيحه"، فأما رواية أبي أسامة فأخرجها في "الأيمان والنذور"، فقال: (٦٦٦٧) حدثني إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد اللَّه بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أن رجلًا دخل المسجد، فصلى ورسول اللَّه ﷺ في ناحية المسجد، فجاء، فسلم عليه، فقال له: "ارجع، فصل؛ فإنك لم تصلّ"، فرجع، فصلى، ثم سلّم، فقال: "وعليك، ارجع، فصل؛ فإنك لم تصل"، قال في الثالثة: فأعلمني، قال: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". وأما رواية عبد اللَّه بن نُمير، فأخرجها في "الاستئذان"، فقال: (٦٢٥١) حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبيد اللَّه، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا دخل المسجد، ورسول اللَّه ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلى، ثم جاء، فسلم عليه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "وعليك السلام، ارجع، فصلّ؛ فإنك لم تصلّ"، فرجع، فصلى، ثم جاء، فسلّم، فقال: "وعليك السلام، فارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ"، فقال في الثانية، أو في التي بعدها: علّمني يا رسول اللَّه، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنّ راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 5177

(١٢) - (بَابُ نَهْي الْمَأْمُومِ عَنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٩٢] (٣٩٨) - (حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أنَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكّة، ثقةٌ مصنّفٌ، كان لا يتراجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت ٢٢٧) وقيل بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٥ - (زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ قاضيها، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٣] مات فَجْأةً في الصلاة سنة (٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨. ٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، مات ﵁ ستة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤٧٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما.

стр. 5178

٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من قتادة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن زُرارة. ٥ - (ومنها): أن فيه قتادة من المدلّسين، وقد عنعنه هنا، لكنّه صرّح بالسماع في الرواية التالية، فزالت تهمة التدليس، على أن شعبة رواه عنه، وهو لا يروي عن المدلّسين إلا ما صرّحوا فيه بالسماع، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﵄، أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ، وكذا هو عند النسائيّ من هذا الوجه، وفي رواية شعبة، عن قتادة التالية: "صلّى الظهر" بدون شك، وهي رواية أبي داود، والنسائيّ (فَقَالَ: "أيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي) وفي الرواية التالية: "فجعل رجلٌ يقرأ خلفه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، فلَمّا انصرف قال: "أيّكم قرأ؟، أو أيكم القارئ؟ "" (بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾؟ ") الباء للتعدية؛ لأن قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، قال الفيّوميّ: "قرأتُ أمَّ الكتاب، وبأمّ الكتاب، يتعدّى بنفسه، وبالباء". انتهى (١). وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ مجرور بالباء محكيّ؛ لقصد لفظه (فَقَالَ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه. انتهى (٢). (أَنَا) مبتدأ خبره محذوف: أي أنا القارئ (وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ) يعني أنه لم يقصد بقراءتها منازعة النبيّ ﷺ ، والتشويش عليه، وإنما أراد أن يكتسب الأجر بقراءتها (قَالَ) ﷺ منكرًا عليه ("قَدْ عَلِمْتُ) وفي الرواية التالية: "قد ظننت"، وهو بمعناه؛ لأن ظنّ يأتي بمعنى عَلِم، وأيقن، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٤٩] (أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا") أي نازعني السورة المذكورة. وأراد ﷺ بهذا الكلام الإنكار على الرجل في جهره بالقراءة، حيث أسمعه، فخلط عليه، لا في أصل القراءة؛ لأن الجهر هو الذي تقع به

стр. 5179

المخالجة والمنازعة، وهذا الإنكار محمول على ما سوى الفاتحة، كما هو الظاهر من الحديث؛ إذ محل الإنكار قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، لا الفاتحة، وأيضًا صرّح النبيّ ﷺ باستثنائها، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الغداة، فثقُلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني لأراكم تقرءون وراء إمامكم؟ " قالوا: نعم واللَّه يا رسول اللَّه، إنا لنفعل هذا، قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، وهذا حديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الكلام على قراءة الفاتحة، فراجعه تستفد. وقال النوويّ ﵀: معنى هذا الكلام الإنكار عليه، والإنكار في جهره، أو رفع صوته، بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرؤون بالسورة في الصلاة السريّة، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم، وهذا الحكم عندنا، ولنا وجه شاذّ ضعيفٌ أنه لا يقرأ المأموم السورة في السريّة كما لا يقرؤها في الجهرية، وهذا غلطٌ؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع، فلا معنى لسكوته من غير استماع، ولو كان في الجهرية بعيدًا عن الإمام، لا يسمع قراءته، فالأصح أنه يقرأ السورة؛ لما ذكرناه. انتهى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٨٩٢ و ٨٩٣ و ٨٩٤] (٣٩٨)، و (البخاريّ) في "جزء القراءة" (ص ٩١ - ٩٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٢٨ و ٨٢٩)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٤٠ و ٣/ ٢٤٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٧ و ٣٧٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٩٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٨٥١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/

стр. 5180

٤٢٦ و ٤٣١)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٠٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٥١٩ و ٥٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٤٥ و ١٨٤٦ و ١٨٤٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٤٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٩٣ و ١٦٩٤ و ١٦٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٨٢ و ٨٨٣ و ٨٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٦٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم القراءة خلف الإمام: قال النوويّ ﵀ في "المجموع": مذهبنا وجوبُ قراءة الفاتحة على المأموم، في كل الركعات من الصلاة السرية والجهرية، هذا هو الصحيح عندنا كما سبق، وبه قال أكثر العلماء. قال الترمذيّ في "جامعه": القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين، قال: وبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر: قال الثوريّ، وابن عيينة، وجماعة من أهل الكوفة: لا قراءة على المأموم، وقال الزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية، وقال ابن عون، والأوزاعيّ، وأبو ثور، وغيره من أصحاب الشافعيّ: تجمب القراءة على المأموم في السرية والجهرية. وقال الخطابيّ: قالت طائفة من الصحابة ﵃: تجب على المأموم، وكانت طائفة منهم لا تقرأ، واختَلَف الفقهاء بعدهم على ثلاثة مذاهب، فذكر المذاهب التي حكاها ابن المنذر، وحَكَى الإيجاب مطلقًا عن مكحول، وحكاه القاضي أبو الطيب، عن الليث بن سعد، وحَكَى العبدريّ عن أحمد أنه قال: يُستحبّ له أن يقرأ في سكتات الإمام، ولا يجب عليه، فإن كانت جهرية، ولم يسكت لم يقرأ، وإن كانت سريّة استُحبت الفاتحة وسورة، وقال أبو حنيفة: لا تجب على المأموم، ونقل القاضي أبو الطيب، والعبدريّ عن أبي حنيفة أن قراءة المأموم معصيةٌ. والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية. قال البيهقيّ: وهو أصح الأقوال على السنة، وأحوطها، ثم رَوَى

стр. 5181

الأحاديث فيه، ثم رواه بأسانيده المتعددة عن عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدريّ، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، وعمران، وعبد اللَّه بن مُغَفَّل، وعائشة ﵃، قال: ورويناه عن جماعة من التابعين، فرواه عن عروة بن الزبير، ومكحول، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ ﵏. واحتج الجمهور في إيجاب القراءة خلف الإمام بقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن"، متّفقٌ عليه، فإنه عامّ في كل مصلّ، ولم يثبت تخصيصه بغير المأموم بمخَصِّص صريح، فبقي على عمومه. وبحديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبيّ ﷺ قرأ في صلاة الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرأون وراء إمامكم؟ "، قلنا: نعم هَذًّا يا رسول اللَّه، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، رواه أبو داود، والترمذيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ، وقال الدارقطنيّ: إسناده حسن، وقال الخطابيّ: إسناده جيّد، لا مطعن فيه. [فإن قيل]: هذا الحديث من رواية محمد بن إسحاق بن يسار، عن مكحول، ومحمد بن إسحاق مدلّس، والمدلِّس إذا قال في روايته: "عن" لا يُحتجّ به عند جميع المحدثين. [فجوابه]: أن الدارقطنيّ، والبيهقيّ روياه بإسنادهما، عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني مكحول بهذا، فذكره، قال الدارقطنيّ في إسناده: هذا إسناد حسنٌ. وقد عُلِم من قاعدة المحدثين، أن المدلس إذا رَوَى حديثه من طريقين، قال في إحداهما: "عن"، وفي الأخرى: "حدَّثني"، أو "أخبرني" كان الطريقان صحيحين، وحُكِم باتصال الحديث، وقد حصل ذلك هنا. ورواه أبو داود من طُرُق، وكذلك الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وفي بعضها: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ بعض الصلاة التي يُجهَر فيها بالقراءة، فقال: "لا يقرأنّ أحد منكم إذا جهرت بالقراءة، إلا بأم القرآن"، قال البيهقي عقب هذه الرواية:

стр. 5182

والحديث صحيحٌ، عن عبادة، عن النبيّ ﷺ ، وله شواهد، ثم رَوَى أحاديث شواهد له. واحتج البيهقيّ وغيره بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِدَاج"، وقد تقدّم للمصنّف، وتقدّم البحث فيه مستوفًى. والجواب عن الأحاديث التي احتج بها القائلون بإسقاط القراءة بها أنها كلّها ضعيفة، وليس فيها شيء صحيحٌ عن النبيّ ﷺ ، وبعضها موقوف، وبعضها مرسلٌ، وبعضها في رواته ضعيف، أو ضعفاء (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ الذي لا مرية فيه، والذي دلّت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة وجوب القراءة خلف الإمام مطلقًا، سواء كانت الصلاة سرّيّةً، أو جهريّة، وقد استوفيت هذا البحث، ملخّصًا كلام المحقّقين في ذلك، في "شرح النسائيّ" (٢)، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "أَيُّكُمْ قَرَأَ -أَوْ- أَيُّكُمُ الْقَارِئُ؟ "، فَقَالَ (٣) رَجُلٌ: أَنَا، فَقَالَ: "قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.

стр. 5183

٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغُنْدَر، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الناقد، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. والباقون تقدّموا في المسند الماضي. [تنبيه]: في هذا الإسناد فائدة، وهي أن قتادة: مدلِّس، وقد قال في الرواية الأولى: "عن"، والمدلِّس لا يحتج بعنعنته، إلا أن يَثْبُت سماعه لذلك الحديث ممن عنعن عنه في طريق آخر، وقد حصل ذلك التصريح في هذا الإسناد، أفاده النوويّ ﵀، وقد نبّهت عليه في لطائف الإسناد السابق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٩٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ (١)، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، وَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل بابين.

стр. 5184

٤ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) هو: سعيد بن أبي عروبة مِهْران، تقدّم قبل بابين أيضًا. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين ﵄. وقوله: (وَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ. . . إلخ) فاعل "قال" ضمير النبيّ ﷺ . [تنبيه]: رواية إسماعيل، عن ابن أبي عروبة هذه، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (١٩٠٢٨) حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين، أن رسول اللَّه ﷺ صلى صلاة الظهر، فلما سلّم قال: "أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾؟ "، فقال رجل من القوم: أنا، فقال: "قد علمت أن بعضكم خالجنيها". انتهى. وأما رواية ابن أبي عديّ، عن ابن أبي عروبة فساقها الإمام أبو داود عن شيخ المصنّف، فقال: (٨٢٩) حدثنا ابن المثنى، حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، أن نبي اللَّه ﷺ صلى بهم الظهر، فلما انفتل قال: "أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾؟ " فقال رجل: أنا، فقال: "علمت أن بعضكم خالجنيها". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٩٥] (٣٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَذَثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أنسٍ، قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾).

стр. 5185

رجال هذا الإسناد: ستة: كلّهم تقدّموا في الباب الماضي، إلا أنسًا ﵁، فتقدّم قبل أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. ٤ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وكلاهما بصريّان، وماتا في عام واحد سنة (٢٥٢)، وكانا كفرسي رهان. ٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو الخادم الشهير، خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكان من المعمّرين، فقد عاش أكثر من مائة سنة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأ) وقولُه: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) منصوب على المفعوليّة لـ "يقرأ" محكيّ. قال النوويّ ﵀: استَدَلَّ بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة، ومن يراها منها، ويقول: لا يَجهر، ومذهب الشافعي ﵀، وطوائف من السلف والخلف، أن البسملة آية من الفاتحة، وأنه يُجهَر بها حيث يُجهَر بالفاتحة، واعتمد أصحابنا، ومن قال بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت في المصحف بخط المصحف، وكان هذا باتفاق الصحابة، وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم المسلمون كلهم في كل الأعصار إلى يومنا، وأجمعوا أنها ليست في أول براءة، وأنها لا تكتب فيها، وهذا يؤكد ما قلناه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
следующие страницы →