رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصِل، ثقةٌ، له غرائبُ بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث، ثقة [٤] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٥ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد في هذا الكتاب، وهو (٣٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنهم ما بين مروزيّ، ثم بغداديّ، وهو شيخه ابن حُجْر، وكوفيين، وهو أبو بكر، وعليّ بن مسهر، وبصريين، وهما: المختار، وأنس.
٣ - (ومنها): أن فيه أنس بن مالك ﵁، خادم رسول اللَّه ﷺ عشر سنين، وأحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وفي نسخة: "عن أنس بن مالك"، أنه (قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال الجوهريّ ﵀: "بينا" فَعْلَى، أشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، و"بينما" زيدت عليها "ما"، والمعنى واحد، تقول: بينا نحن نَرْقُبه أتانا، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، والجُمَل مما تُضاف إليها أسماء الزمان، كقولك: أتيتك زمنَ الحجّاج أميرٌ، ثم حذف المضاف الذي هو "أوقات"، وولي الظرف الذي هو "بين" الجملة التي أُقيمت مقام المضاف إليها، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية [يوسف: ٨٢]، وكان الأصمعيّ يخفض ما بعد
стр. 5218
"بينا" إذا صلح في موضعه "بين"، ويُنشد قول أبي ذُؤيب بالكسر [من الكامل]:
بَيْنَا تَعَنُّقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
وغيره يرفع ما بعد "بينا"، و"بينما" على الابتداء والخبر. انتهى كلام الجوهريّ ﵀ (١).
وقد تقدّم البحث في "بينا" و"بينما" مستوفًى غير مرّة، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ذَاتَ يَوْمٍ) "ذات" مقحمةٌ، أي يومًا من الأيّام، وقال الزمخشريّ: هو من إضافة المسمّى إلى الاسم (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، وفي رواية عليّ بن حجر: "بين أظهرنا في المسجد"، يقال: هو نازلٌ بين ظهرَيْهم، وبين ظهرانيهم، وبين أظهُرهم: أي بينهم، قال ابن الأثير ﵀: "فأقاموا بين ظهرانيهم، وبين أظهرهم"، قد تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد أنهم أقاموا بينهم، على سبيل الاستظهار، والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدًا، ومعناه أن ظهرًا منهم قُدّامهُ، وظهرًا منهم وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم مطلقًا. انتهى كلام ابن الأثير (٢).
(إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً) أي نام نَوْمةً خفيفةً، يقال: أغفيتُ إغفاءً، فأنا مُغْفٍ: إذا نِمْتَ نومةً خفيفة، قال ابن السكّيت وغيره: ولا يقال: غَفَوتُ، وقال الأزهريّ: كلام العرب أغفيتُ، وقَلَّما غَفَوتُ، قاله الفيّوميّ (٣).
(ثُمَّ رَفَع رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا) أي حال كونه ضاحكًا قليلًا، يقال: بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضَرَبَ: ضَحِكَ قليلًا من غير صوت، وابتسم، وتبسّم كذلك، ويقال: هو دون الضحك، قاله الفيّوميّ (٤).
(فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي: أيّ شيء جعلك ضاحكًا؟ (قَالَ: "أُنْزِلَتْ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "نَزَلَتْ"، (عَلَى آنِفًا) أي قريبًا، وهو بالمدّ، ويجوز القصر في لغة قليلة، وقد قرئ به في السبع (٥)، وقال في
стр. 5219
"اللسان": وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]: معنى ﴿آنِفًا﴾ من قولك: استأنف الشيءَ إذا ابتدأه، وقال ابن الأعرابيّ: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾: أي مُذْ ساعة. انتهى (١). (سُورَةٌ) بالرفع على أنه نائب فاعل "أُنزلت" (فَقَرَأَ) ﷺ (بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾) قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ ﵀: قراءة العامّة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ بالعين، وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف: "أنطيناك" بالنون، وروته أم سلمة عن النبيّ ﷺ ، وهي لغة في العطاء، أنطيته: أعطيته.
والكوثر: فَوْعَلٌ من الكثرة، مثلُ النَّوْفَل، والْجَوْهَر، من الجهر، والعرب تسمّي كلّ شيء كثير في العدد والقدر والخطَر كَوْثَرًا، قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر، أي بمال كثير، والكوثر من الرجال: السيد الكثيرُ الخيرِ، قال الْكُمَيت [من الطويل]:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا ابْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ … وَكَانَ أَبُوكَ ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا
والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع، والكوثر من الغبار: الكثيرُ، وقد تكوثر: إذا كَثُرَ، قال الشاعر [من الطويل]:
أَبَوْا أَنْ يُبِيحُوا جَارَهُمْ لِعَدُوِّهِمْ … وَقَدْ ثَارَ نَقْعُ الْمَوْتِ حَتَّى تَكَوْثَرَا
(﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾) أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي وُعِدته، فأخلص لربّك صلاتك المكتوبة والنافلة، (﴿وَانْحَرْ﴾) أي اذبَحْ نُسُكك، قال ابن عبّاس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البُدن ونحوها، وكذا قال غير واحد من السلف، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير اللَّه، والذبح على غير اسمه، وقيل: المراد وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يُروَى هذا عن عليّ ﵁، ولا يصحّ، وعن الشعبيّ مثله، وعن أبي جعفر الباقر، يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقيل: استقبل بنحرك القبلة، وعن عطاء الخراسانيّ: ارفع صُلْبك بعد الركوع، واعتَدِلْ، وأبرِز نحرك -يعني به الاعتدال-.
стр. 5220
قال الحافظ ابن كثير ﵀: وكلّ هذه الأقوال غريبة جدًّا، والصحيح القول الأول، وهو أن المراد بالنحر ذبح المناسك.
وقال إمام المفسّرين ابن جرير الطبريّ ﵀: والصواب قول من قال: إن معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلّها لربك خالصًا، دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان؛ شُكرًا له على ما أعطاك من الكرامة، والخير الذي لا كفاء له، وخصّك به. انتهى.
قال ابن كثير ﵀: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظيّ وعطاء. انتهى كلام ابن كثير ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]) أي إن مبغضك يا محمد، ومُبْغِض ما جئت به من الهدى والحقّ، والبرهان الساطع، والنور المبين، هو الأبتر الأقلّ الأذلّ المنقَطِع ذِكْرُهُ.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومَان قال: كان العاص بن وائل إذا ذَكَر رسول اللَّه ﷺ يقول: دَعُوه، فإنه رجل أبتر، لا عَقِب له، فإذا هلك انقطع ذِكْره، فأنزل اللَّه هذه السورة، وقال شَمِر بن عطية: نزلت في عُقبة بن أبي مُعَيط، وقال ابن عباس أيضًا وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من كفار قريش.
وقال البزّار: حدثنا زياد بن يحيى الحسانيّ، حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الْمُنصَبِر الْمُنْبَتِر (١) من قومه يزعم أنه خير منّا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السِّدانة، وأهل السِّقاية؟ فقال: أنتم خير منه، قال فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، هكذا رواه البزار، وهو إسناد صحيح.
وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول اللَّه ﷺ ،
стр. 5221
فذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتِرَ محمد الليلةَ، فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل، وعنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ يعني عَدُوَّك.
قال ابن كثير ﵀: وهذا يَعُمّ جميع من اتَّصَف بذلك، ممن ذُكِر وغيرهم. وقال عكرمة: الأبتر الفرد، وقال السُّدّيّ: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بُتِر، فلما مات أبناء رسول اللَّه ﷺ قالوا: بُتِرَ محمد، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
قال ابن كثير ﵀: وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا، وكلّا، بل قد أبقى اللَّه ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رِقَاب العباد مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد. انتهى (١).
(ثُمَّ قَالَ) النبيّ ﷺ موضّحًا لهم معنى ما أنزل اللَّه عليه (أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ ") أي أتعلمون أيُّ شيء معنى الكوثر الذي أعطانيه اللَّه ؟ (فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بمعناه وحقيقته، (قَالَ) ﷺ ("فَإِنَّهُ) أي الكوثر (نَهْرٌ) -بفتح النون، وسكون الهاء-: الماء الجاري المتَّسِعُ، والجمع: نُهُرٌ -بضمّتين- وأَنْهُرٌ، و"النَّهَرُ"-بفتحتين- لغة، والجمع: أنهار، مثلُ سَبَب وأَسْباب (٢).
(وَعَدَنِيهِ رَبِّي وفي رواية النسائيّ: "وعدنيه ربي في الجنّة" (عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ) وفي نسخة: "هو حوضي" بالإضافة إلى ياء المتكلّم، قال الفيّوميّ: حَوْضُ الماءِ، جمعه أَحْوَاضٌ، وحِيَاضٌ، وأصل حِيَاض الواوُ، لكن قُلِبت ياءً؛ للكسرة قبلها، مثلُ ثواب وأثواب وثيَاب. انتهى (٣).
(تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي تحضره؛ لتشرب منه، أو تبلغُه، وتوافيه، وهو: بفتح أوله، وكسر ثانيه، مضارع وَرَدَ، يقال: وَرَد زيدٌ علينا وُرُودًا: إذا
стр. 5222
حضَرَ، وورد البعير وغيره الماءَ يَرِدهُ وُرُودًا: إذا بلَغَهُ ووافاه من غير دخول، وقد يحصُلُ دخول فيه، والاسم: الْوِرْد بالكسر، وأوردته الماءَ، فالْوِرْدُ: خلافُ الصَّدَر، والإيراد: خلاف الإصدار، والْمَوْرِدُ، مثلُ مَسْجد: موضع الورود، أفاده الفيّوميّ (١).
(آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ) مبتدأ وخبر على حذف مضاف، أي عددُ آنيته عددُ النجوم، قال القاري في "شرح المشكاة" بعدما ذَكَر هذا: وفي بعض النسخ بالنصب على نزع الخافض، وهو الأظهر، أي بعدد نجوم السماء. انتهى.
و"الآنية" بالمدّ: جمع إناء، ويُجمع أيضًا على الأواني، والمراد بالآنية: الْكِيزانُ والأباريقُ التي أُعِدَّت للشرب منها.
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو الآتي في "الفضائل": "وكيزانه كنجوم السماء"، وفي حديث ابن عمر الآتي فيه أيضًا: "فيه أباريق كنجوم السماء"، وفي حديث أبيّ ذر الآتي أيضًا: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم وكواكبها"، وفي حديث أنس الآتي فيه أيضًا: "تُرى فيه أباريق الذهب والفضّة كعدد نجوم السماء"، وفي حديث جابر بن سمرة الآتي فيه أيضًا: "كأن الأباريق فيه النجوم"، وفي حديث أبي هريرة المتقدّم في "الطهارة": "ولآنيته أكثر من عدد النجوم"، وفي رواية النسائيّ: "آنيته أكثر من عدد الكواكب".
قال النوويّ ﵀: المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع عقليّ ولا شرعيّ يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدًا، كما قال ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء".
وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد وغايتِهِ الكثيرةِ، من باب قوله ﷺ : "لا يَضَعُ العصا عن عاتقه"، وهو باب من المبالغة معروف في الشرع واللغة، ولا يُعَدّ كذبًا إذا كان المخبَرُ عنه في حَيِّز الكثرة والعِظَم، ومَبْلَغِ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، قال: ومثله كلَّمته ألف مرة، ولقيته مائة كَرّة، فهذا جائز إذا كان كثيرًا، وإلا فلا. انتهى كلام القاضي، قال
стр. 5223
النوويّ: والصواب الأول. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ من تصويبه كون الحديث على ظاهره وأن المراد منه أن عدد آنية حوضه ﷺ أكثر من عدد نجوم السماء حسنٌ جدًّا؛ لأنه ظاهر النصوص، ولا داعي لصرفها عن ظاهرها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُنتزَعُ، ويُقتَطَع من بينهم، قال في "المصباح": خَلَجتُ الشيءَ خَلْجًا، من قتل: انتزعته، واختلجتُهُ مثله، وخالجته: نازعته، واختلج العضو: اضطرب. انتهى (٢).
(فَأَقُولُ: رَبِّ) بحذف حرف النداء، وهو جائز، كما قال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
وقال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وفي رواية النسائيّ: "يا ربّ"، (إِنَّهُ) أي إن هذا الْمُختَلَج (مِنْ أُمَّتِي) أي فينبغي أن يشرب من حوضي، (فَيَقُولُ) أي اللَّه (مَا) نافية (تَدْرِي) أي لا تعلم (مَا أَحْدَثَتْ) أي أمتك، وفي نسخة: "ما أحدثوا" (بَعْدَكَ") أي بعد مفارقتك لهم بالموت، أي من المخالفات لسنّتك، والابتداع في دينك.
وهذا فيه وعيد شديد لمن يُخالف سنّة رسول اللَّه ﷺ ، ويبتدع في دينه بأهوائه ما لم يأذن به اللَّه تعالى، حيث إنه يُطرد عن ورود حوضه ﷺ الذي من شرب منه مرّةً لا يظمأ بعده أبدًا، وهذا هو الخسران المبين، فيا خسارة المبتدعين، ويا هلاك المتمرّدين المنحرفين بابتداع ما لم يأذن به اللَّه تعالى من الدين، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
[تنبيه]: اختُلف في المراد بالذين يذادون عن حوض النبيّ ﷺ على أقوال:
стр. 5224
[أحدها]: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالْغُرّة والتحجيل، فيناديهم النبيّ ﷺ للسِّيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وُعِدت بهم، إن هؤلاء بَدَّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
[والثاني]: أن المراد من كان في زمن النبيّ ﷺ ، ثم ارتدّ بعده، فيناديهم النبيّ ﷺ ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء؛ لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدُّوا بعدك.
[والثالث]: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البِدَع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا القول لا يُقْطَع لهؤلاء الذين يُذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم، ثم يرحمهم اللَّه ، فيدخلهم الجنة بغير عذاب، قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غُرّة وتحجيل، ويَحْتَمِل أن يكون كانوا في زمن النبيّ ﷺ وبعده، لكن عَرَفَهم بالسيما.
وقال الإمام الحافظ أبو عُمَر بن عبد البر: كلُّ مَن أحدث في الدين، فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظَّلَمة المسرفون في الْجَوْر، وطَمْس الحقّ، والمعلنون بالكبائر، قال: وكلُّ هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وقد تقدّم البحث مستوفًى في "كتاب الطهارة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(زَادَ) عليّ (ابْنُ حُجْرٍ) أي على رواية أبي بكر بن أبي شيبة (فِي حَدِيثِهِ) أي فيما حدّث به عن عليّ بن مُسْهِر (بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ) الزيادة قوله: "في المسجد"؛ لأن قوله: "بين أظهرنا" مذكور في رواية أبي بكر بن أبي شيبة أيضًا (وَقَالَ) أي عليّ بن حجر أيضًا ("مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ") أي بدل قول أبي بكر: "ما أحدثت بعدك"، والضمير فيه لأمته، وأما في "أحدث" فللعبد المختَلَج، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5225
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٨٩٩ و ٩٠٠] (٤٠٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٨٤)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٣٣ - ١٣٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٦٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٢ و ١٢٦ و ٢١٧ و ٢٤٠ و ٢٤٥ و ٢٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٥٤ و ١٦٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٨٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٤)، وفي "البعث والنشور" (ص ١١٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣/ ٤٩ و ٥٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن البسملة في أوائل السور من القرآن، وهو مقصود المصنّف بإدخال الحديث هنا، ووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ قال: "أُنزلت عليّ سورة"، ثم بيّن أن البسملة من جملة السورة، فدلّ على أنه ينبغي قراءتها معها.
٢ - (ومنها): جواز النوم في المسجد؛ لأن هذه القصّة وقعت في المسجد، كما بينته رواية عليّ بن حجر المذكورة.
٣ - (ومنها): جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه.
٤ - (ومنها): جواز التبسّم، وهو من صفات النبي ﷺ ، فقد أخرج الترمذيّ: بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن الحارث بن جَزْء ﵁ قال: "ما كان ضحك رسول اللَّه ﷺ إلا تبسُّمًا"، وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة"، حيث قال:
لَمْ يُرَ ضَاحِكًا بِمِلْءِ فِيهِ … ضَحِكُهُ تَبَسُّمٌ يُبْدِيهِ
٥ - (ومنها): أنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسّمًا أو غيره مما يقتضي حدوث أمر يُستَحَبّ له أن يسأل عن سببه.
٦ - (ومنها): أن فيه إثباتَ الحوض، وبيان سعته، وكثرة آنيته، والإيمان
стр. 5226
به واجب، وسيأتي بسطه حيث ذكر المصنّف ﵀ أحاديثه في آخر الكتاب -إن شاء اللَّه تعالى-.
٧ - (ومنها): بيان كثرة عناية اللَّه تعالى بنبيّه ﷺ ، وكمال فضله عليه، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٨ - (ومنها): بيان تفسير الكوثر الذي أعطاه اللَّه نبيّه ﷺ ، وهذا هو التفسير الذي يجب تقديمه على سائر التفاسير الآتية في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٩ - (ومنها): أن الحديث دليل واضح لقول من قال: إن هذه السورة مدنيّة؛ لأن أنسًا ﵁ حضر نزولها، كما بيّنه بقوله: "بينا رسول اللَّه ﷺ ذات يوم بين أظهرنا. . ." الحديث، وهو قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد، وقيل: مكيّةٌ، وهو قول ابن عباس، والكلبيّ، ومقاتل، كما عزاه إليهم القرطبيّ في "تفسيره"، والأول أقوى؛ لظهور حجته، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): الوعيد الشديد لمن بدّل سنة النبيّ ﷺ وابتدع في دينه ما لم يأذن به اللَّه، حيث إنه يُطرَد عن هذا الحوض الذي يسع أمته ﷺ في مثل ذلك اليوم الشديد العطش، نسألك اللهمّ أن تجعلنا ممن يلزم سنة نبيّك ﷺ ، ويجتنب الابتداع في شريعته حتى نرد حوضه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير الكوثر الذي أُعطيه النبيّ ﷺ :
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه على سبعة عشر قولًا:
(الأول): أنه نهر في الجنّة.
(الثاني): حوضه ﷺ ، قاله عطاء.
(الثالث): النبوّة، والكتاب، قاله عكرمة.
(الرابع): القرآن، قاله الحسن.
(الخامس): الإسلام، حكاه المغيرة.
(السادس): تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع، قاله الحسين بن الفضل.
стр. 5227
(السابع): كثرة الأصحاب، والأمّة، والأشياع، قاله أبو بكر بن عيّاش، ويمان بن رئاب.
(الثامن): أنه الإيثار، قاله ابن كيسان.
(التاسع): رفعة الذكر، حكاه الماورديّ.
(العاشر): نور في قلبك دلّك عليّ، وقطعك عما سواي.
(الحادي عشر): الشفاعة.
(الثاني عشر): معجزات الربّ، هُدي بها أهلُ الإجابة لدعوتك، حكاه الثعلبيّ.
(الثالث عشر): هو: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، قاله هلال بن يساف.
(الرابع عشر): الفقه في الدين.
(الخامس عشر): الصلوات الخمس.
(السادس عشر): هو العظيم من الأمر، قاله ابن إسحاق.
(السابع عشر): ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عبّاس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه اللَّه إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جُبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنّة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنّة من الخير الذي أعطاه اللَّه إياه.
قال القرطبيّ ﵀: أصحّ هذه الأقوال الأول والثاني؛ لأنه ثابتٌ عن النبيّ ﷺ نصًّا في الكوثر، وسمع أنس ﵁ قومًا يتذاكرون الحوض، فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يَتَمَارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلّي امرأة منهنّ إلا سألت اللَّه أن يسقيها من حوض النبيّ ﷺ (١)، وفي حوضه يقول الشاعر:
يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ مَنْ يُدَانِيكَا … وَأَنْتَ حَقًّا حَبِيبُ بَارِيكَا
قال: وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول اللَّه ﷺ زيادةً على حوضه ﷺ تسليمًا كثيرًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
стр. 5228
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أصحّ الأقوال في تفسير الكوثر هو تفسير النبيّ ﷺ المذكور في هذا الحديث، وهو أنه نهر في الجنّة، وعده اللَّه تعالى إياه، وهو لا ينافي تفسيره بالحوض، فإن الكوثر يصبّ في الحوض، كما بينته الروايات الأخرى، وأما ما ذُكر في الأقوال الأخرى، وإن كان النبيّ ﷺ أُعطيه، لكن كونه هو المراد من الآية المذكورة غير صحيح، فلا ينبغي الالتفات إليه، ويُعتذر عن الذين أقدموا في ذكره تفسيرًا للآية بأنهم لم يبلغهم ما صحّ عن النبيّ ﷺ ، وإلا فلا يمكن لأحد أن يجترئ في تفسير آية خلاف تفسير النبيّ ﷺ الذي وَكَلَ اللَّه تعالى بيان القرآن إليه، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، فهو الأعلم بمراد اللَّه ، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسً بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِغْفَاءَةً، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: "نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ، عَلَيْهِ حَوْضٌ" (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ: "آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضَّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفى، صدوق، رمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
والباقيان تقدّما في المسند الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف، كسابقه، وهو (٤٠) من
стр. 5229
رباعيّات الكتاب، وشيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ: "آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ") هكذا قال المصنّف ﵀، وهذه الرواية بإسقاط هذه الجملة، لم أجدها، والظاهر أن المصنّف وقعت له هكذا، وإلا فالروايات التي اطّلعت عليها فيها ما سيأتي في التنبيه التالي.
[تنبيه]: رواية ابن فُضيل هذه ساقها أبو داود ﵀ في "كتاب السنّة" من "سننه"، فقال:
(٤٧٤٧) حدثنا هَنّاد بن السّريّ، حدثنا محمد بن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: أغفى رسول اللَّه ﷺ إغفاءةً، فرفع رأسه متبسمًا، فإما قال لهم، هاما قالوا له: يا رسول اللَّه لِمَ ضَحِكْتَ؟ فقال: "إنه أنزلت عليّ آنفًا سورةٌ"، فقرأ: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ "، حتى ختمها، فلما قرأها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة، وعليه خير كثير، عليه حوضٌ تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب".
وأخرجها أيضًا في "كتاب الصلاة"، فقال:
(٧٨٤) حدثنا هناد بن السَّرِيّ، حدثنا ابن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُنزلت عليّ آنفًا سورةٌ، فقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ " حتى ختمها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة".
ففي الرواية الأولى ذكر "آنيته عدد الكواكب"، والثانية مختصرة، حُذف منها: "وعليه خير كثير. . . إلخ"، وكلاهما مخالف لما أشار إليه المصنّف ﵀.
وأخرجها أيضًا أحمد في "مسنده"، فقال:
(١١٥٥٨) حدثنا محمد بن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: أغفى النبيّ ﷺ إغفاءةً، فرفع رأسه متبسمًا، إما قال لهم، وإما قالوا له: لِمَ ضَحِكتَ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنه أنزلت عليّ آنفًا
стр. 5230
سورة"، فقرأ رسول اللَّه ﷺ : "بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ " حتى ختمها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، يَرِد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلج العبد منهم، فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". انتهى.
وهذه أيضًا مخالفة لما أشار إليه المصنّف؛ كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٥) - (بَابُ وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَوَضْعِهِمَا فِي السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ)
[تنبيه]: ترجم النوويّ ﵀ وتبعه الشرّاح هنا بقوله: (بَابُ وَضْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ تَحْتَ الصَّدْرِ فَوْقَ سُرَّتِهِ، وَوَضْعِهِمَا فِي السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ) وهذا هو الذي أشرت إليه في المقدّمة بأن بعض تراجم الشرّاح -كالنوويّ- ليست كما ينبغي؛ إذ يترجمون على حسب مذهبهم، لا على حسب ما اقتضاه الحديث المذكور في الباب، فهنا الحديث لا يدلّ على كون الوضع تحت الصدر وفوق السرّة، وإنما هذا جار على ما يراه النووي في مذهبه، فالأولى إسقاط هذا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠١] (٤٠١) - (حَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثنَا عَفَّانُ، حَدَّثنَا هَمَّامٌ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، حَدَّثَنِي (١) عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، وَمَوْلًى لَهُمْ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رفَعَ يَدَيْهِ حِينَ
стр. 5231
دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ، وَصَفَ هَمَّامٌ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) -بضمّ الجيم، وتخفيف الحاء المهملة- الأوديّ، أو الإياميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وزياد بن عِلاقة، وعطاء بن أبي رَبَاح، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، ونافع مولى ابن عمر، وأبي حازم الأشجعيّ، وعبد الجبار بن وائل بن حُجْر، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وشعبة، وإسرائيل، وهمام، وعمران القطان، والسفيانان، وزهير بن معاوية، وشَريك النخعيّ، وعبد الوارث بن سعيد، وجماعة.
قال أبو طالب، عن أحمد: محمد بن جُحَادة من الثقات، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صدوقٌ ثقةٌ، محلُّه محل عمرو بن قيس الملائيّ، وقال محمد بن حُميد الرازيّ، عن جرير: رأيته وكان زاهدًا يلبس الْخُلْقان يغسلها، وقال في موضع: نظيف الثياب، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان لا يأخذ عن كل أحد، وأثنى عليه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في طبقة أتباع التابعين: كان عابدًا ناسكًا، مَن زَعَم أنه سمع من أنس بن مالك، فقد وَهِم، تلك الروايات ينفرد بها يحيى بن
стр. 5232
عقبة بن أبي العيزار، وهو وَاهٍ، وقال العجليّ، وعثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ، زاد عثمان: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة، وقال أبو عوانة: كان يغلو في التشيع، نقله عنه العقيليّ، واللَّه أعلم.
قال القرّاب: إنه مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا وحديث (١٣٢١): "نُقَلِّدُ الشاءَ، فنرسل بها، ورسول اللَّه ﷺ حلال. . .".
٥ - (عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِل) بن حُجْر الْحَضْرميّ الكوفيّ، أبو محمد، ثقةٌ، لكنه أرسل عن أبيه [٣].
رَوَى عن أبيه، وعن أخيه علقمة، وعن مولى لهم، وعن آل بيته، وعن أمه أم يحيى، وقيل: لم يسمع من أبويه.
وروى عنه ابنه سعيد، والحسن بن عبد اللَّه النخعيّ، ومحمد بن جُحَادة، وأبو إسحاق السبيعيّ، وفِطْر بن خَلِيفة، ومسعر بن كِدَام، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، ولم يسمع من أبيه شيئًا، وقال أبو داود، عن ابن معين: مات وهو حمل، وقال رَقَبَة بن مَصْقَلة: سمعت طلحة بن مُصَرِّف يقول: ما بالكوفة رجلان يزيدان على محمد بن سُوقة وعبد الجبار بن وائل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال غيره: وُلد بعد موت أبيه، قال الحافظ المزيّ: وهذا القول ضعيف جدًّا، فإنه قد صح أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول، ونص أبو بكر البزار على أن القائل: "كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي" هو علقمة بن وائل، لا أخوه عبد الجبار، وقال الترمذيّ: سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولا أدركه، وقال ابن حبان في "الثقات": من زعم أنه سمع أباه فقد وَهِمَ؛ لأن أباه مات وأمه حامل به، وقال البخاريّ: لا يصح سماعه من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء اللَّه تعالى، قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون: لم يلقه، وبمعنى هذا قال أبو حاتم، وابن جرير الطبريّ، والجريريّ، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب ابن شيبة، والدارقطنيّ، والحاكم، وقبلهم ابن المدينيّ، وآخرون.
стр. 5233
أخرج له المصنّف والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِل) بن حُجْر الْحَضْرميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣] (ي م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٧ - (وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ) -بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم- ابن سعد بن مسروق الحضرميّ الصحابيّ الجليل، وكان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، مات ﵁ في ولاية معاوية ﵁ تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من محمد بن جُحادة، وشيخه نسائيّ، ثم بغداديّ، والباقيان بصريّان.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: محمد بن جُحادة، عن عبد الجبّار، عن علقمة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الأخ عن أخيه، عن أبيهما: عبد الجبّار، عن علقمة، عن أبيه ﵁.
[تنبيه]: قال في "التقريب": لم يسمع علقمة من أبيه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال، وهو قول ابن معين، وقد خالفه الأكثرون، فأثبتوا سماعه، فممن أثبته الإمام البخاريّ، فقد قال في "التاريخ الكبير" (٤/ ٤١): سمع أباه، والترمذيّ في "جامعه"، فقال في "باب ما جاء في المرأة إذا استُكرهت على الزنا": علقمة بن وائل سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبّار بن وائل، وعبد الجبّار لم يسمع من أبيه، وأثبته أيضًا ابن حبّان فقال في "الثقات" (٥/ ٢٠٩): علقمة سمع من أبيه.
وقد وقع التنصيص بسماعه عند المصنّف، فسيأتي في "كتاب الحدود": وحدّثنا عبيد اللَّه بن معاذ العنبريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو يونس، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل حدّثه أن أباه حدّثه، قال: "إني لقاعد مع النبيّ ﷺ . . ." الحديث.
وتقدّم أنه أخرج له عن أبيه في "كتاب الإيمان" (٦٤/ ٣٧٠) في الأصول،
стр. 5234
وكذا يأتي له في مواضع في الأصول، فلولم يثبت عنده أنه سمع منه لما أخرج له في الأصول.
ووقع أيضًا تصريحه بالسماع عند النسائيّ في "المجتبى" (٢/ ١٩٤) قال: أخبرنا سُويد بن نصر، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، عن قيس بن سُليم العنبريّ، حدثني علقمة بن وائل، حدّثني أبي، قال: "صلّيت خلف رسول اللَّه ﷺ . . ." الحديث، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أيضًا البخاريّ في "جزء رفع اليدين" قال: حدّثنا أبو نُعيم الفضل بن دُكين، أنبأنا قيس بن سُليم العنبريّ، قال: "سمعت علقمة بن وائل بن حُجر، حدّثني أبي. . ." الحديث.
والحاصل أن الصحيح سماع علقمة من أبيه، ولم ينف سماعه منه إلا ابن معين فيما أظنّ كما قاله في "الميزان" (٣/ ١٠٨)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، وَمَوْلًى لَهُمْ) لا يُعرف، كما نبّه عليه صاحب التنبيه" (١)، ولكن لا يضرّ إبهامه؛ لأنه متابع لعلقمة، فتنبّه. (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِيهِ) الضمير لعبد الجبّار، ويحتمل أن يكون لعلقمة، والأول أوضح (وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) -بضمّ، فسكون- (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ لأن "رأى" هنا بصريّة، فتتعدّى إلى مفعول واحد (حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ) الظرف متعلّق بـ "رَفَع"، وقوله: (كَبَّرَ) جملةٌ حاليّة إما من فاعل "رأى"، فتكون من الأحوال المترادفة، أو من فاعل "رَفَعَ"، فتكون من الأحوال المتداخلة.
(وَصَفَ هَمَّامٌ) أي ابن يحيى الراوي عن محمد بن جُحادة (حِيَالَ أُذُنَيْهِ) بكسر الحاء المهملة: أي قُبالتهما، ويقال: قعد حِيَاله، وبحيَاله: أي بإزائه (٢).
فقوله: "وصف همام" من كلام عفّان بن مسلم أدخله بين المتعاطفين
стр. 5235
-أعني قوله: "كبّر"، "ثم التحف"-؛ لبيان وصف شيخه همام كيفيّة الرفع.
يعني أن همّامًا بيّن كيفيّة رفع يديه بكونهما مقابلَ أذنيه، وفيه أن رفع اليدين يكون بمقابلة الأذنين.
وفي رواية النسائيّ من طريق عبد الجبّار بن وائل، عن أبيه: "رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمتي أذنيه"، وفي لفظ: "فلما كبر رفع يديه أسفل من أذنيه"، وفي رواية أبي داود: "رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبّر".
وقد تقدّم في حديث ابن عمر ﵄ أنه ﷺ رفع يديه حذو منكبيه، وتقدّم أن الأحسن في الجمع بينه وبين حديث وائل هذا الحمل على اختلاف الأوقات، وأنه يجوز أن يعمل بهما في أوقات مختلفة.
وقد جمع الإمام الشافعيّ ﵀ بوجه آخر، وهو أن يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تُحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، ويؤيّد جمعه هذا رواية أبي داود المذكورة.
قال النوويّ ﵀: وأما صفة الرفع، فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تُحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم: حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعيّ ﵀ بين روايات الأحاديث، فاستحسن الناس ذلك منه. انتهى (١).
(ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ) بالبناء للفاعل: أي تغطّى به، يقال: لَحَفه، كمنعه: غطّاه باللِّحَاف ونحوه، والتحف به: تغطَّى، واللِّحَاف ككتاب: ما يُلْتَحَف به (٢).
(ثُمَّ وَضَعَ) ﷺ (يَدَهُ الْيُمْنَى) أي كفّه اليمنى، ففيه إطلاق الكلّ وإرادة الجزء، كما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩] أي أناملهم (عَلَى الْيُسْرَى) أي على كفّ يده اليسرى (فَلَمَّا أَرَادَ) ﷺ (أَنْ يَرْكَعَ، أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا) أي ليمكنه تمام الرفع إلى حيال أذنيه؛ لأنه لا يمكنه ذلك مع الالتحاف (ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"،
стр. 5236
رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ) أي أراد أن يسجد (سَجَدَ بَيْنَ كفَّيْهِ) أي وضع جبهته بين كفّيه، ففيه استحباب السجود بين الكفّين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث وائل بن حُجْر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٩٠١] (٤٠١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٧٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣١٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٦٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ٦١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٩١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكمه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها؛ لقوله: "كَبَّرَ، ثم التَحَف".
٣ - (ومنها): استحباب رفع يديه عند الدخول في الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
٤ - (ومنها): استحباب كشف اليدين عند الرفع، ووضع الجبهة بينهما في السجود.
٥ - (ومنها): مشروعيّة التكبير في الدخول في الصلاة، وهو فرض، لا تصحّ الصلاة إلا به عند الجمهور، وتقدّم بيان الخلاف في ذلك في محلّه.
٦ - (ومنها): مشروعيّة التكبير للركوع، والتسميع في الرفع منه.
٧ - (ومنها): ما قاله العلماء: الحكمة في وضع اليدين إحداهما على
стр. 5237
الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ ما حاصله: قد ثبت أن النبيّ ﷺ كان يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة، وكذا نقول.
وممن رأى أن توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: مالك بن أنس، وأحمد، وإسحاق، وحُكي ذلك عن الشافعيّ، وقال أصحاب الرأي: يُستحبّ أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى، وهو قائم في الصلاة.
وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يُرسلون أيديهم في الصلاة إرسالًا، ولا يجوز إغفال من أغفل استعمال السنّة، أو نسيها، أو لم يعملها حجةً على من علمها وعمل بها.
فممن روينا عنه أنه كان يرسل: عبد اللَّه بن الزبير، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وابن سيرين، ورُوي أنّ سعيد بن جبير رأى رجلًا يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، فذهب ففرّق بينهما. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": هو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في "الموطأ"، ولم يَحْك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة.
ومنهم من كره الإمساك، ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يُمسك معتمدًا؛ لقصد الراحة. انتهى (٣).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد" (٢٠/ ٧٤): لم تَختلف الآثار عن النبيّ ﷺ في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في
стр. 5238
ذلك خلافًا إلا شيءٌ رُوي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه، وعلى هذا جمهور التابعين، وأكثر فقهاء المسلمين، من أهل الرأي والأثر.
فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب: فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، والليثُ بن سعد إلى سَدْل اليدين في الصلاة، قال مالك: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يُفْعَل ذلك في النوافل من طول القيام، قال: وتركه أحب إلي، هذه رواية ابن القاسم عنه، وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة، وهي رواية المدنيين عنه.
وقال الليث: سدل اليدين في الصلاة أحب إلي إلا أن يطيل القيام فَيَعْيَا، فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى، قال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج يصلي في إزار ورداء مسدلًا يديه.
وقال الأوزاعيّ: من شاء فَعَل، ومن شاء تَرَك، وهو قول عطاء.
وقال سفيان الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود بن عليّ، والطبريّ: يضع المصلي يمينه على شماله في الفريضة والنافلة، وقالوا كلهم: وذلك سنة مسنونةٌ.
قال الشافعيّ: عند الصدر، ورُوي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على صدره، وعن طاوس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشدُّهما على صدره، وهو في الصلاة.
وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق: أسفل السُّرَّة، وروي ذلك عن عليّ، وأبي هريرة، والنخعيّ، ولا يثبت ذلك عنهم، وهو قول أبي مِجْلَز، وقال أحمد بن حنبل: فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير، قال أحمد بن حنبل: وإن كانت تحت السرة فلا بأس به.
قال أبو عمر ﵀: قد ذكرنا أن الصحابة لم يُرْوَ عن أحد منهم في هذا الباب خلاف لِمَا جاء عن النبيّ ﷺ فيه.
ورُوي عن الحسن ﵀ وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة،
стр. 5239
وليس هذا بخلاف؛ لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يُرسل العالم يديه لِيُري الناسَ أن ليس ذلك بحتم واجب.
وقد ذكر ابن أبي شيبة عن جرير، عن مغيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم قال: لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وذَكَر عن عمر بن هارون، عن عبد اللَّه بن يزيد قال: ما رأيت سعيد بن المسيِّب قابضًا يمينه على شماله في الصلاة، كان يرسلهما، وهذا أيضًا يَحْتَمِل ما ذكرنا.
وذَكَر عن يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن الْعَيْزار قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأى رجلًا يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهب ففرّق بينهما ثم جاء، وهذا يَحْتَمل أن يكون رأى يُسْرَى يديه على يمينه، فانتزعها على نحو ما رُوِي عن النبيّ ﷺ أنه صنعه بابن مسعود، وقد رُوي عن سعيد بن جبير ما يُصَحِّح هذا التأويل؛ لأنه ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السُّرّة.
فهذا ما رُوي عن بعض التابعين في هذا الباب، وليس بخلاف؛ لأنه لا يثبت عن واحد منهم كراهيةٌ، ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجةٌ؛ لأن الحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولا سيما سنةٌ لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن المذهب الصحيح هو ما عليه الجمهور، من مشروعيّة وضع اليمنى على اليُسرى في الصلاة؛ لوضوح أدلّته، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في محلّ وضع اليدين في الصلاة:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه على مذاهب:
стр. 5240
(الأول): مذهب الحنفيّة، قالوا: يضع الرجل تحت السرّة، والمرأة على الصدر.
(الثاني): مذهب المالكيّة، والمشهور عن مالك فيه الإرسال، وقيل عنه: يضع تحت الصدر وفوق السرّة، وعنه التخيير بين الوضع والإرسال.
(الثالث): مذهب الشافعيّة، والذي ذكره الشافعيّ ﵀ في "الأمّ" أن يضع فوق السرّة، وقيل: يضع على الصدر، وقيل: تحت السرّة.
(الرابع): مذهب الحنبليّة، والمشهور عن أحمد: أنه يضع تحت السرّة، وعنه: تحت الصدر، وعنه: التخيير بينهما.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح هذه الأقول قول من قال: إنه يضع على الصدر؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ المذكور في الباب، فقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، بلفظ: "صلّيت مع النبيّ ﷺ ، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره".
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح عن قبيصة بن هُلْب، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن يمينه، وعن يساره، ورأيته يضع هذه على صدره، ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل.
وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن طاوس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشُدُّ بينهما على صدره، وهو في الصلاة"، وهو مرسل صحيح، والمرسل حجة إذا اعتضد، وهنا قد عضده حديثا وائل وهُلْب المذكوران.
والحاصل أن الصحيح أن يضع يمينه على شماله على الصدر، وأما ما عدا ذلك من الأقوال، فأدلّتها كلّها معلولة لا تعارض هذه الأحاديث الصحيحة.
وقد استوفيت ذكره مع مناقشتها في "شرح النسائيّ" (١)، فارجع إليه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 5241
(١٦) - (بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٢] (٤٠٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَال الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ للَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٢.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
стр. 5242
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال إسحاق: أخبرنا. . . إلخ"، ومعناه أن شيوخه اختلفوا في صيغ الأداء؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، وذلك أن إسحاق أخذه عن جرير سماعًا بقراءة غيره عليه، ولذا قال: "أخبرنا"، وأما زهير وعثمان، فسمعا من لفظه، ولذا قالا: حدثنا.
٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه: زهير فنسائيّ ثم بغداديّ، وإسحاق فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، على قول من قال: إن منصورًا من صغار التابعين، والأصحّ أنه من تابعي التابعين.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد السابقين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة، وقُرّائهم، وقد أثنى عليه النبيّ ﷺ في غير ما حديث، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود، أن أبا بكر وعمر بشّراه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ) وفي رواية الأعمش الآتية: "كنّا إذا جلسنا مع النبيّ ﷺ في الصلاة"، وفي رواية للبخاريّ: "كنا إذا كنا مع النبيّ ﷺ في الصلاة" (خَلْفَ رَسُولي اللَّهِ ﷺ ) "خلف" منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "نقول" (السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ) مقول القول لـ "نقول" محكيّ، وفي رواية للبخاريّ: "قلنا: السلام على اللَّه من عباده"، وفي رواية أبي داود: "السلام على اللَّه قبل عباده" (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) وفي رواية البخاريّ: "السلام على فلان وفلان" مكرّرًا، قوله في رواية عند ابن ماجه: "يعنون
стр. 5243
الملائكة"، وللسراج: "فنَعُدّ من الملائكة ما شاء اللَّه" (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "فالتفت إلينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال"، وفي لفظ: "فسمعه النبيّ ﷺ ، فقال: قولوا".
وظاهر هذا أنه ﷺ كلّمهم بذلك في أثناء الصلاة، لكن بَيَّنَ حفصُ بن غياث في روايته عن الأعمش عند البخاريّ المحلَّ الذي خاطبهم بذلك فيه، وأنه بعد الفراغ من الصلاة، ولفظه: "فلما انصرف النبيّ ﷺ أقبل علينا بوجهه"، وفي رواية أيضًا: "فلما انصرف من الصلاة قال"، فتبيّن بهذا أنه ﷺ خاطبهم بذلك بعد فراغه من الصلاة، لا في أثنائها، أفاده في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم.
(ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيّام، وتقدّم الكلام على "ذات" قريبًا ("إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ) وفي رواية للبخاريّ: "لا تقولوا: السلام على اللَّه، فإن اللَّه هو السلام".
قال البيضاويّ ﵀ ما حاصله: أنه ﷺ أنكر التسليم على اللَّه، وبَيَّن أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه، وهو مالكها ومعطيها.
وقال التُّورِبشتيّ ﵀: وجه النهي عن السلام على اللَّه؛ لأنه المرجوع إليه بالمسائل، المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يُدْعَى له، وهو المدعُوّ على الحالات؟.
وقال الخطابيّ ﵀: المراد أن اللَّه هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام على اللَّه؛ فإن السلام منه بدأ، وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويَحْتَمِل أن يكون مرجعها إلى حظّ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك.
وقال النوويّ ﵀: معناه أن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى، يعني السالم من النقائص، ويقال: الْمُسَلِّم أولياءه، وقيل: المسلِّم عليهم، قال ابن الأنباريّ ﵀؛ أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق؛ لحاجتهم إلى السلامة، وغناه
стр. 5244
عنها، ذكره في "الفتح" (١).
وقال الطيبيّ ﵀: كانوا يسلّمون على اللَّه تعالى أوّلًا، ثم على أشخاص معيّنين من الملائكة والناس، وأنكر النبيّ ﷺ أن يُسلّموا على اللَّه، وبَيَّنَ لهم أن ذلك عكسُ ما يَجِب أن يقال، فإن كلّ سلامة ورحمة له ومنه، فهو مالكها ومُعطيها، فكيف يجوز أن يقال: السلام على اللَّه؛ وأعلمهم أن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، وعلّمهم ما يعمّهم، وأمرهم بإفراد صلوات اللَّه عليه بالذكر؛ لشرفه، ومزيد حقّه عليهم، وتخصيص أنفسهم، فإن الاهتمام بها أهمّ. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢).
(فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ) هذه الرواية تُبَيّن المراد في روايةٍ للبخاريّ: "فإذا صلى أحدكم فليقل" أي في حال قعوده، وللنسائي من طريق أبي الأحوص، عن عبد اللَّه: "كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، وأن محمدًا عُلِّم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا. . ."، وله من طريق الأسود، عن عبد اللَّه: "فقولوا في كل جلسة"، ولابن خزيمة من وجه آخر، عن الأسود، عن عبد اللَّه: "علّمني رسول اللَّه ﷺ التشهد في وسط الصلاة، وفي آخرها"، وزاد الطحاويّ من هذا الوجه في أوله: "وأخذت التشهد من في رسول اللَّه ﷺ ، ولَقَّننيه كلمة كلمة"، وفي رواية أبي معمر، عن ابن مسعود الآتية بعد ثلاثة أحاديث: "عَلَّمني رسول اللَّه ﷺ التشهد، وكفّي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن".
(فَلْيَقُل) فيه أن التشهّد واجب، وبه يقول أحمد، وهو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف فيه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(التَّحِيَّاتُ للَّهِ) جملة من مبتدأ وخبره، في محلّ نصب مقول القول.
و"التحيّات": جمع تَحِيّة، ومعناها: السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: المُلك.
وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية المُلك نفسه، لكنها الكلام الذي
стр. 5245
يُحَيّا به الملك، وقال ابن قتيبة: لم يكن يُحَيّا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جُمِعت، فكأنّ المعنى: التحيات التي كانوا يُسَلِّمون بها على الملوك كلُّها مستحقَّة للَّه.
وقال الخطابيّ، ثم البغويّ: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على اللَّه، فلهذا أُبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: "قولوا: التحيات للَّه"، أي أنواع التعظيم له.
وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين المعاني المقدَّم ذكرُها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا، ذكره في "الفتح" (١).
وقال في "العمدة": وقال الخطابيّ: التحيات كلمات مخصوصة، كانت العرب تُحَيِّي بها الملوك، نحو قولهم: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وقولهم: أنْعَمَ اللَّه صباحًا، وقول العجم: وزى ده هزار سال: أَيْ عِشْ عشرة آلاف سنة، ونحوها من عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقاة، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على اللَّه تعالى، فتُرِكت أعيان تلك الألفاظ، واستُعْمِل منها معنى التعظيم، فقيل: قولوا: التحيات للَّه: أي أنواع التعظيم للَّه كما يستحقه، ورُوي عن أنس ﵁ في أسماء اللَّه تعالى: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات للَّه بهذه الأسماء، وهي الطيبات، لا يُحَيَّا بها غيره.
واللام في "للَّه" لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن. انتهى (٢).
وقال ابن منظور ﵀: التحية السلامُ، وقد حياه تحيةً، وحَكَى اللِّحيانيّ: حياك اللَّه تحيةَ المؤمن، والتحيةُ: البقاء، والتحية: الْمُلك، وقول زُهَير بن جَنَاب الكلبيّ [من مجزوّ الكامل]:
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى … قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ
قيل: أراد الملك، وقال ابن الأعرابيّ: أراد البقاء؛ لأنه كان ملكًا في قومه.
وقال سيبويه: تَحِيَّةٌ تَفْعِلَةٌ، والهاء لازمة، والمضاعَف من الياء قليلٌ؛ لأن
стр. 5246
الياء قد تُثَقَّلُ وحدها لامًا، فماذا كان قبلها ياءٌ كان أثقل لها، وقال أبو عبيد: والتحية في غير هذا: السلامُ، وقال الأزهريّ: قال الليث في قولهم في الحديث: التحيات للَّه، قال: معناه: البقاء للَّه، ويقال: الملك للَّه، وقيل: أراد بها السلام، يقال: حيّاك اللَّه: أي سَلَّم عليك، والتحية تَفْعِلة من الحياة، وإنما أدغمت؛ لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة لها، والتاء زائدة، وقولهم: حيّاك اللَّه وبَيّاك، اعْتَمَدَك بالملك، وقيل: أضحكك، وقال الفراء: حيّاك اللَّه: أبقاك اللَّه، وحيّاك اللَّه: أي مَلَّكك اللَّه، وحيّاك اللَّه: أي سلَّم عليك، قال: وقولنا في التشهد: التحيات للَّه، يُنْوَى بها البقاء للَّه، والسلام من الآفات، والملك للَّه، ونحو ذلك، وقال أبو عمرو: التحية المُلك، وأنشد قول عمرو بن معد يكرب [من الوافر]:
أَسِيرُ بِهِ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى … أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
يعني على ملكه، وقال خالد بن يزيد: لو كانت التحية الملك لَمَا قيل: التحيات للَّه، والمعنى السلامات من الآفات كلِّها، وجَمَعَها لأنه أراد السلامة من كل آفة، ورُوي عن أبي الهيثم أنه يقول: التحية في كلام العرب ما يُحَيِّي بعضهم بعضًا إذا تلاقَوْا، قال: وتحية اللَّه التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني عباده إذا تلاقَوا، ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدعاء أن يقملوا: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، قال اللَّه : ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٤]، وقال في تحية الدنيا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية [النساء: ٨٦]، وقيل في قوله:
قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ
يريد إلا السلامة من الْمَنِيَّة والآفات، فإن أحدًا لا يَسْلَم من الموت على طول البقاء، فَجَعَل معنى "التحياتُ للَّه": أي السلام له من جميع الآفات التي تَلْحَق العباد من الْعَنَاء، وسائر أسباب الفناء.
قال الأزهريّ: وهذا الذي قاله أبو الهيثم حسنٌ، ودلائله واضحةٌ، غير أن التحية، وإن كانت في الأصل سلامًا، كما قال خالد، فجائزٌ أن يُسَمَّى الْمُلْك في الدنيا تحيةً، كما قال الفراء وأبو عمرو؛ لأن المَلِك يحيّا بتحية الْمُلْك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وكانت تحية ملوك المعجم
стр. 5247
نحوًا من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زَهْ هَزَارْ سالْ، المعنى: عِشْ سالِمًا ألف عام، وجائز أن يقال للبقاء: تحيةٌ؛ لأن من سَلِم من الآفات، فهو باق، والباقي في صفة اللَّه من هذا؛ لأنه لا يموت أبدًا. انتهى المقصود من كلام ابن منظور باختصار (١).
(وَالصَّلَوَاتُ) هي الصلوات المعروفة، وهي الخمسة وغيرها، وقال الأزهريّ: الصلوات: العبادات، وقال الشيخ ابن دقيق العيد: يَحْتَمِل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقدير: أنها واجبة للَّه تعالى، ولا يجوز أن يُقْصَد بها غيره، أو يكون ذلك إخبارًا عن قصد إخلاصنا الصلوات له، أي صلواتنا مُخْلَصَةٌ له لا لغيره، ويجوز أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون معنى قوله: "للَّه" أي المتفضل بها، والمعطي هو اللَّه؛ لأن الرحمة التامة للَّه لا لغيره (٢).
وقال ابن الملقّن ﵀: "الصلوات" فيها أقوال:
[أحدها]: أنها الخمس، قاله ابن المنذر وآخرون، ويكون التقدير: أنها واجبة للَّه تعالى، لا يجوز أن يُقصَد بها غيره، أو تكون كالإخبار عن إخلاصنا الصلوات له، أي صلاتنا مُخْلَصَةٌ للَّه لا لغيره، ومنهم من قال: هي الصلوات كلُّها.
[ثانيها]: أنها الرحمة، أي هو المتفضّل بها، والمعطي لها؛ لأن الرحمة التامّة للَّه لا لغيره، وقرّر بعض المتكلّمين هذا المعنى بأن قال: كلُّ من رَحِمَ أحدًا، فرحمته له بسبب ما حصل له من الرقّة عليه، وهو برحمته دافع لألم الرقّة عن نفسه بخلاف رحمة اللَّه تعالى، فإنها لمجرّد إيصال النفع إلى العبد.
[ثالثها]: أنها الأدعية والتضرّع.
[رابعها]: أنها العبادات، قاله الأزهريّ. انتهى (٣).
(وَالطَّيِّبَاتُ) أي الكلمات الطيبات، مما طاب من الكلام، وحَسُنَ أن يُثْنَى به على اللَّه تعالى دون ما لا يليق بصفاته.
стр. 5248
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وأما الطيبات، فقد فُسِّرت بالأقوال الطيبات، ولعلّ تفسيرها بما هو أعمّ أولى، أعني الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف، وطيّب الأوصاف كونها صفة الكمال، وخلوصها عن شَوْب النقص.
وقال الشيخ حافظ الدين النسفيّ ﵀: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية (١).
وقال ابن الملقّن ﵀: "الطيّبات" أي الكلمات الطّيّبات، وهي ذكر اللَّه تعالى، قاله الأكثرون، وقيل: الأعمال الصالحات، وهو أعمّ من الأول؛ لاشتماله على الأقوال، والأفعال، والأوصاف، وأطيب الأوصاف كونها بصفة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص.
وقال القرطبيّ ﵀: هي الأقوال المصالحة، كالأذكار والدعوات، وما شاكل ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] (٢).
[فائدة]: الطيّب إن وُصف به الكلام فالحسن، أو العمل فالخالص من شوائب النقص، أو المال فالحلال، أو الطعام فاللذيذ، أو الصعيد فالطاهر، أو العباد فالمؤمن، قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦]. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال البيضاويّ: قوله: "والصلوات، والطيبات" بحرف العطف يحتمل أن يكونا معطوفين على "التحيات"، وأن تكون "الصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف، يدلّ عليه "عليك"، "والطيبات" معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد، وفي حديث ابن عباس لم يُذكَر العاطف أصلًا. انتهى.
وقال العينيّ: كلُّ واحدة من "الصلوات"، و"الطيبات" مبتدأ، وخبره محذوفٌ، تقديره: والصلوات للَّه، والطيبات للَّه، فتكون هاتان الجملتان معطوفتين على الجملة الأولى، وهي "التحيات للَّه". انتهى (٤).
стр. 5249
(السَّلَامُ عَلَيْكَ) قال النوويّ: يجوز في "السلام" في الموضعين حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ ظاهره أنه في حديث ابن مسعود ﵁، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، فإن كان مراده من الجواز من جهة العربية فله وجه، وإن كان من جهة مراعاة لفظ النبيّ ﷺ فلا وجه له، نعم اختُلِف في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم.
وقال الطيبيّ ﵀: أصل "سلامٌ عليك": سَلَّمتُ سلامًا عليك، ثم حُذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعُدِل عن النصب إلى الرفع للابتداء؛ للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره.
وقال التوربشتيّ ﵀: السلام بمعنى السلامة، كالْمَقَام والْمَقامة، والسلام اسم من أسماء اللَّه تعالى وُضِع المصدر موضع الاسم مبالغةً، ومعناه أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفناء، ومعنى قولنا: "سلامٌ عليك" الدعاءُ، أي سَلِمتَ من المكاره، وقيل: معناه: اسم السلام عليك، كأنه يتبرك عليه باسم اللَّه ، والأمثل الدعاء، يدلّ عليه التنكير في قولنا: سلامٌ عليك؛ إذ ليس معناه إلا الدعاء، وعليه ورد التنزيل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٥]، ومنه التسليم على الأموات.
قال: ووجه النهي عن السلام على اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه هو المرجوع إليه بالمسائل المتوسَّلُ إليه بالدعاء المتعالي عن المعاني التي ذكرناها في التسليم، فأنَّى يُدْعَى له، وهو المدعوّ على الحالات؟ ولأيّ معنى يُطلق عليه ما يستدعيه حاجة المفطورين، وتقتضيه نقائص المربوبين؟.
قال الطيبيّ ﵀: تمام تقريره: أن تسمية اللَّه تعالى بالسلام لِمَا أنه منزَّهٌ مقدَّسٌ عن النقائص والعيوب أن لا يَحُلّ بجنابه الأقدس شائبة خوف، وهذا المعنى مختصّ به؛ لِمَا ورد "أنت السلام"، أي أنت المختصّ به، لا غيرك؛ لتعريف الخبر، و"منك السلام" معناه أن غيرك في معرض النقصان بالخوف، مفتقرٌ إلى جنابك بأن تؤمّنه، ولا ملاذ له غيرك، فدلّ على التخصيص تقديمُ الخبر على المبتدأ، "وإليك يعود السلام" يعني إذا شُوهد في الظاهر أن أحدًا
стр. 5250
آمنَ غيرَهُ، فهو في الحقيقة راجعٌ إليك، وإلى توفيقك إياه، وأنه غير مستقلّ به، ومن ثَمّ قُدّم المعمول على عامله، ثم إذا قلت: "السلام عليك" ناقضت، حيث توهّمت أنه مفتقرٌ إلى ما هو منزَّهٌ عنه من إزالة الخوف. انتهى (١).
[فإن قلت]: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "السلام عليك أيها النبيّ" مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبيّ، فينتقل من تحية اللَّه إلى تحية النبيّ، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين؟.
[قلت]: أجاب الطيبيّ ﵀ بما مُحَصَّله: نحن نَتَّبع لفظ الرسول ﷺ بعينه الذي علَّمه للصحابة، قال: ومن ذهب إلى الغيبة توخَّى معنى ما يؤدَّى به اللفظ بحسب مقام الغيبة، وقريبٌ منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢] بالياء والتاء، فالياء التحتانيّة هو اللفظ المتوعّد به بعينه، والفوقيّة معنى بحسب مقام الخطاب، وينصر هذا التأويل ما رواه البخاريّ في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "علّمني النبيّ ﷺ ، وكفّي بين كفّيه التشهّد، كما يعلّمني السورة من القرآن. . ." إلى قوله: "السلام عليك، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام على النبيّ". انتهى (٢).
[فإن قلت]: ما الألف واللام في "السلام عليك"؟.
[قلت]: قال الطيبي ﵀ أيضًا: إما للعهد التقديريّ، أي ذلك السلام الذي وُجِّه إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدِّمة مُوَجَّهٌ إليك أيها النبيّ، والسلام الذي وُجِّه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا.
وإما للجنس، أي حقيقة السلام الذي يَعْرِفه كلُّ أحد أنه ما هو؟ وعمن يَصْدُر؟ وعلى من يَنْزل؟ عليك وعلينا، ويجوز أن تكون للعهد الخارجيّ، إشارةً إلى قوله : ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، ولا شكّ أن هذه التقادير أولى وأحرى من تقدير النكرة. انتهى (٣).
стр. 5251
وقال في "العمدة": وقال النسفيّ: يعني السلام الذي سلّم اللَّه عليك ليلة المعراج، فعلى هذا تكون الألف واللام فيه للعهد.
[تنبيه مهمّ]: قد ورد في بعض طُرُق حديث ابن مسعود ﵁ هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، ففي "كتاب الاستئذان" من "صحيح البخاريّ" من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود ﵁ بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام -يعني على النبي-، كذا وقع في البخاريّ، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسَّرّاج، والْجَوْزقيّ، وأبو نعيم الأصبهانيّ، والبيهقيّ، من طرق متعددة إلى أبي نعيم، شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: "فلما قُبض قلنا: السلام على النبيّ" بحذف لفظ "يعني"، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم.
قال السبكيّ في "شرح المنهاج" بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: إن صحّ هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبيّ ﷺ غير واجب، فيقال: "السلام على النبي".
قال الحافظ: قد صحّ بلا ريب، وقد وجدت له متابعًا قويًّا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء، أن الصحابة كانوا يقولون والنبيّ ﷺ حيٌّ: "السلام عليك أيها النبيّ"، فلما مات قالوا: "السلام على النبي"، وهذا إسناد صحيح.
وأما ما رَوَى سعيد بن منصور، من طريق أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، أن النبيّ ﷺ علمهم التشهد. . . فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: "السلام عليك أيها النبي" إذ كان حيًّا، فقال ابن مسعود: هكذا عُلِّمنا، وهكذا نُعَلِّم، فظاهر أن ابن عباس قاله بحثًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصحّ؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد إليه مع ذلك ضعيف. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ من أنهم كانوا
стр. 5252
يقولون بلفظ الخطاب والنبيّ ﷺ حيّ، فلما مات قالوه بلفظ الغيبة، إنما هو من اجتهاد ابن مسعود وبعض الصحابة، وليس من تعليم النبيّ ﷺ لهم بذلك، فلا يكون دليلًا يُعمل به، ويُترك من أجله ما صحّ نقله من تعليم النبيّ ﷺ أمته أن يقولوا في حياته وبعد مماته: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، بلفظ الخطاب، فهو تعليم باق إلى يوم القيامة، لا يتغيّر، ولا يتبدّل، ولا يدخله نسخ.
والدليل على ذلك ما صحّ من تعليم الصحاب ﵃ بعده ﷺ للأمة كلّها، فهذا عمر بن الخطّاب ﵁ قد خطب به على منبر النبيّ ﷺ في خلافته، وكثير من الصحابة قد سمعوه، وأقرّه عليه، وقد تقدّم أنه حديث صحيح، أخرجه مالك وغيره.
وهذا أبو موسى الأشعريّ ﵁ سيأتي في هذا الباب من "صحيح مسلم" أنه علّم التابعين الحاضرين لديه من أهل البصرة وغيرهم بلفظ الخطاب.
وهذا ابن مسعود ﵁ نفسه قد علّمه التابعين، كأبي وائل، والأسود، وغيرهما كما في هذا الحديث بلفظ الخطاب.
وهذا ابن عبّاس ﵄ كذلك طاوسًا وغيره، كما سيأتي في الباب بلفظ الخطاب.
وغير هؤلاء ممن تقدّم عنهم ذكر ألفاظ التشهّد المختلفة، فكلّهم قد علّموا التابعين بلفظ الخطاب.
ومن أقوى الأدلّة على ذلك أنه ﷺ حينما كان حيًّا كان الصحابة متفرّقين في البلدان النائية، كمكة، واليمن، والحبشة، وغيرها من البلدان، فلم يقل لأحد منهم إذا كنت غائبًا عني، فقل: "السلام على النبيّ"، ولو كان ذلك يتغير بتغير الحال، لما أغفله النبيّ ﷺ ، ولما أقرّه الوحي على ذلك، قال اللَّه : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
ولا يقتضي قول ابن مسعود ﵁: "قلنا" كونه إجماعًا من الصحابة، بل هو رأي لبعضهم، بدليل ما ذكرناه من تعليم الصحابة، كعمر وغيره ﵃ بعد وفاة النبيّ ﷺ بلفظ الخطاب، وكذا الكلام فيما نُقل عن عطاء وغيره.
والحاصل أن التعليم النبويّ لا يُترك لقول بعض الصحابة اجتهادًا،
стр. 5253
فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(أَيُّهَا النَّبِيُّ) قال ابن الملقّن ﵀: بالهمز وتركه، والأصل يا أيها النبيّ، فحُذف حرف النداء، وهو لا يُحذف إلا في أربعة مواضع:
١ - العلم: نحو قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩].
٢ - المضاف: نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٣ - ومن نحو قولهم: من لا يزال محسنًا أَحْسِنْ.
٤ - و"أيُّ" نحو "أيها النبيّ"، و"أيها الناس"، وما أشبه ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ضبط ابن الملقّن مواضع حذف النداء بأربعة مواضع المذكورة، ولم أره لغيره، والمشهور في كتب النحاة هو الضابط الذي ذكره ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ
فذكر مما يمتنع حرف النداء فيه المندوب، نحو: وا زيداه، والمضمر، نحو: يا إياك قد كفيتك، والمستغاث، نحو: يا لَزيد، وزاد غيره عليه لفظ الجلالة؛ لئلا تفوت الدلالة على النداء؛ لكونه بـ "أل"، والمنادى البعيد؛ لاحتياجه لمدّ الصوت المنافي للحذف، والمتعجّب منه؛ لأنه كالمستغاث لفظًا وحكمًا، كـ: يا للماء والْعُشْب؛ تعجّبًا من كثرتهما، فصارت الجملة سبعة، واختُلف في اسم الإشارة، واسم الجنس، كما أشار إليه في البيت الثاني، وتمام البحث في شروح "الخلاصة"، وحواشيها، فارجع إليه (١)، واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قلت]: لِمَ لم يقل: أيها الرسول؟.
[أجيب]: بأنه أثبت له الرسالة بعدُ في آخر التشهد، فقصد الجمع بين الصفتين، وإن كانت الرسالة تلازم النبوّة، لكن التصريح بها أبلغ في الكمال، وقدّم ذكر النبوّة على الرسالة؛ لوجودها كذلك في الخارج؛ لنزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] قبل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١ - ٢].
стр. 5254
وقال الخطابيّ ﵀ في "إعلامه" في حديث: "آمنت بكتابك الذي أنزلت": لو قال: وبرسولك، الذي أرسلت لكان تكرارًا؛ إذ كان نبيًّا قبل أن يكون رسولًا، فجمع له النبأ بالاسمين جمعًا (١).
(وَرَحْمَةُ اللَّهِ) قال العينيّ: الرحمة عبارة عن إنعامه عليه، وهو المعنى الغائيّ؛ لأن معناها اللغويّ الْحُنُوّ والعطف، فلا يجوز أن يوسف اللَّه به. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ من أن اللَّه تعالى لا يوسف بالرحمة بمعناها اللغوي غير صحيح؛ فإن تفسير الرحمة بما ذُكر إنما هو إذا وُصف بها المخلوق، وأما إذا وُصف بها الربّ فلها المعنى اللائق بجلاله، فالصواب أنه تعالى يوسف بصفة الرحمة اللغويّة بالمعنى اللائق بجلاله ، لا بالمعنى الذي يكون للمخلوق، فلا يلزم عليه تشبيه، ولا تمثيل، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال ابن الملقّن: الأظهر أن المراد بالرحمة نفس الإحسان، ويَحْتَمِل أن يريد إرادة الإحسان، بمعنى الإخبار عن سبق علمه في إرادته، لكن المراد الدعاء له بالرحمة، والدعاء إنما يتعلّق بالممكن، وهو نفس الإحسان، لا الإرادة؛ لأنها قديمة. انتهى.
قال الجامع: كلام ابن الملقّن هذا من نوع كلام العينيّ، وجوابه جوابه، فتفطّن، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(وَبَرَكَاتُهُ) جمع بركة، وهي النماء والزيادة من الخير، ويقال: البركة جِمَاع كلّ خير.
وقال في "العمدة": البركة: الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقها من الْبَرْك -بفتح، فسكون- وهو صَدْرُ البعير، وبَرَك البعير: ألقى بَرْكَه، واعتُبِر منه معنى اللزوم، وسُمِّي مَحْبس الماء بِرْكة -بكسر، فسكون- للزوم الماء فيها.
وقال الطيبيّ ﵀: البركة ثبوت الخير الإلهيّ في الشيء، سُمِّي بذلك؛ لثبوت الخير فيه ثبوتَ الماء في الْبِرْكَة، والمباركُ ما فيه ذلك الخير، وقال
стр. 5255
تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ الآية [الأنبياء: ٥٠]؛ تنبيهًا على ما يَفِيض منه من الخيرات الإلهية، ولما كان الخير الإلهيّ يَصْدُر من حيث لا يُحَسُّ، وعلى وجه لا يُحْصَى، قيل لكل ما يُشاهَد فيه زيادةٌ غير محسوسة: هو مبارَك، أو فيه بركةٌ. انتهى (١).
(السَّلَامُ عَلَيْنَا) جملة من مبتدأ وخبر، مستأنفةٌ، أريد بها إنشاء الدعاء، وأراد بالضمير الحاضرين من الإمام والمأمومين، والملائكة عليهم الصلاة والسلام.
(وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) عطف على الجارّ والمجرور قبله، والصالح هو القائم بما عليه من حقوق اللَّه تعالى، وحقوق العباد، والصلاحُ: هو استقامةُ الشيء على حالة كماله، كما أن الفساد ضدُّه، ولا يَحصُل الصلاح الحقيقيّ إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة، وإن وُصِفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة خُصُوصًا لزمرة الأنبياء؛ لأن الاستقامة التامّة لا تكون إلا لمن فاز بالْقَدَح الْمُعَلَّى، ونال المقام الأسنى، ومن ثَمّ كانت هذه المرتبة مطلوبةَ الأنبياءِ والمرسلين، قال اللَّه تعالى في حق الخليل ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وحَكَى عن يوسف ﵇ أنه دعا بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (٢).
(فَإِذَا قَالَهَا) وفي لفظ للبخاريّ: "فإنكم إذا قلتموها"، أي إذا قلتم: "وعلى عباد اللَّه الصالحين".
قال في "العمدة": قوله: "فإنكم إذا قلتموها" إلى قوله: "والأرض" جملة معترضة بين قوله: "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وبين قوله: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه"، والضمير المنصوب في "قلتموها" يرجع إلى قوله: "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وفائدة هذه الجملة المعترضة الاهتمامُ بها؛ لكونه أنكر عليهم عَدّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكق استيعابهم لهم مع ذلك، فعَلَّمهم لفظًا يَشْمَل