← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وقال في "العمدة": وقال النسفيّ: يعني السلام الذي سلّم اللَّه عليك ليلة المعراج، فعلى هذا تكون الألف واللام فيه للعهد. [تنبيه مهمّ]: قد ورد في بعض طُرُق حديث ابن مسعود ﵁ هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، ففي "كتاب الاستئذان" من "صحيح البخاريّ" من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود ﵁ بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام -يعني على النبي-، كذا وقع في البخاريّ، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسَّرّاج، والْجَوْزقيّ، وأبو نعيم الأصبهانيّ، والبيهقيّ، من طرق متعددة إلى أبي نعيم، شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: "فلما قُبض قلنا: السلام على النبيّ" بحذف لفظ "يعني"، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم. قال السبكيّ في "شرح المنهاج" بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: إن صحّ هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبيّ ﷺ غير واجب، فيقال: "السلام على النبي". قال الحافظ: قد صحّ بلا ريب، وقد وجدت له متابعًا قويًّا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء، أن الصحابة كانوا يقولون والنبيّ ﷺ حيٌّ: "السلام عليك أيها النبيّ"، فلما مات قالوا: "السلام على النبي"، وهذا إسناد صحيح. وأما ما رَوَى سعيد بن منصور، من طريق أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، أن النبيّ ﷺ علمهم التشهد. . . فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: "السلام عليك أيها النبي" إذ كان حيًّا، فقال ابن مسعود: هكذا عُلِّمنا، وهكذا نُعَلِّم، فظاهر أن ابن عباس قاله بحثًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصحّ؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد إليه مع ذلك ضعيف. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ من أنهم كانوا

стр. 5252

يقولون بلفظ الخطاب والنبيّ ﷺ حيّ، فلما مات قالوه بلفظ الغيبة، إنما هو من اجتهاد ابن مسعود وبعض الصحابة، وليس من تعليم النبيّ ﷺ لهم بذلك، فلا يكون دليلًا يُعمل به، ويُترك من أجله ما صحّ نقله من تعليم النبيّ ﷺ أمته أن يقولوا في حياته وبعد مماته: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، بلفظ الخطاب، فهو تعليم باق إلى يوم القيامة، لا يتغيّر، ولا يتبدّل، ولا يدخله نسخ. والدليل على ذلك ما صحّ من تعليم الصحاب ﵃ بعده ﷺ للأمة كلّها، فهذا عمر بن الخطّاب ﵁ قد خطب به على منبر النبيّ ﷺ في خلافته، وكثير من الصحابة قد سمعوه، وأقرّه عليه، وقد تقدّم أنه حديث صحيح، أخرجه مالك وغيره. وهذا أبو موسى الأشعريّ ﵁ سيأتي في هذا الباب من "صحيح مسلم" أنه علّم التابعين الحاضرين لديه من أهل البصرة وغيرهم بلفظ الخطاب. وهذا ابن مسعود ﵁ نفسه قد علّمه التابعين، كأبي وائل، والأسود، وغيرهما كما في هذا الحديث بلفظ الخطاب. وهذا ابن عبّاس ﵄ كذلك طاوسًا وغيره، كما سيأتي في الباب بلفظ الخطاب. وغير هؤلاء ممن تقدّم عنهم ذكر ألفاظ التشهّد المختلفة، فكلّهم قد علّموا التابعين بلفظ الخطاب. ومن أقوى الأدلّة على ذلك أنه ﷺ حينما كان حيًّا كان الصحابة متفرّقين في البلدان النائية، كمكة، واليمن، والحبشة، وغيرها من البلدان، فلم يقل لأحد منهم إذا كنت غائبًا عني، فقل: "السلام على النبيّ"، ولو كان ذلك يتغير بتغير الحال، لما أغفله النبيّ ﷺ ، ولما أقرّه الوحي على ذلك، قال اللَّه : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ولا يقتضي قول ابن مسعود ﵁: "قلنا" كونه إجماعًا من الصحابة، بل هو رأي لبعضهم، بدليل ما ذكرناه من تعليم الصحابة، كعمر وغيره ﵃ بعد وفاة النبيّ ﷺ بلفظ الخطاب، وكذا الكلام فيما نُقل عن عطاء وغيره. والحاصل أن التعليم النبويّ لا يُترك لقول بعض الصحابة اجتهادًا،

стр. 5253

فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (أَيُّهَا النَّبِيُّ) قال ابن الملقّن ﵀: بالهمز وتركه، والأصل يا أيها النبيّ، فحُذف حرف النداء، وهو لا يُحذف إلا في أربعة مواضع: ١ - العلم: نحو قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. ٢ - المضاف: نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٣ - ومن نحو قولهم: من لا يزال محسنًا أَحْسِنْ. ٤ - و"أيُّ" نحو "أيها النبيّ"، و"أيها الناس"، وما أشبه ذلك. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ضبط ابن الملقّن مواضع حذف النداء بأربعة مواضع المذكورة، ولم أره لغيره، والمشهور في كتب النحاة هو الضابط الذي ذكره ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ فذكر مما يمتنع حرف النداء فيه المندوب، نحو: وا زيداه، والمضمر، نحو: يا إياك قد كفيتك، والمستغاث، نحو: يا لَزيد، وزاد غيره عليه لفظ الجلالة؛ لئلا تفوت الدلالة على النداء؛ لكونه بـ "أل"، والمنادى البعيد؛ لاحتياجه لمدّ الصوت المنافي للحذف، والمتعجّب منه؛ لأنه كالمستغاث لفظًا وحكمًا، كـ: يا للماء والْعُشْب؛ تعجّبًا من كثرتهما، فصارت الجملة سبعة، واختُلف في اسم الإشارة، واسم الجنس، كما أشار إليه في البيت الثاني، وتمام البحث في شروح "الخلاصة"، وحواشيها، فارجع إليه (١)، واللَّه تعالى أعلم. [فإن قلت]: لِمَ لم يقل: أيها الرسول؟. [أجيب]: بأنه أثبت له الرسالة بعدُ في آخر التشهد، فقصد الجمع بين الصفتين، وإن كانت الرسالة تلازم النبوّة، لكن التصريح بها أبلغ في الكمال، وقدّم ذكر النبوّة على الرسالة؛ لوجودها كذلك في الخارج؛ لنزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] قبل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١ - ٢].

стр. 5254

وقال الخطابيّ ﵀ في "إعلامه" في حديث: "آمنت بكتابك الذي أنزلت": لو قال: وبرسولك، الذي أرسلت لكان تكرارًا؛ إذ كان نبيًّا قبل أن يكون رسولًا، فجمع له النبأ بالاسمين جمعًا (١). (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) قال العينيّ: الرحمة عبارة عن إنعامه عليه، وهو المعنى الغائيّ؛ لأن معناها اللغويّ الْحُنُوّ والعطف، فلا يجوز أن يوسف اللَّه به. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ من أن اللَّه تعالى لا يوسف بالرحمة بمعناها اللغوي غير صحيح؛ فإن تفسير الرحمة بما ذُكر إنما هو إذا وُصف بها المخلوق، وأما إذا وُصف بها الربّ فلها المعنى اللائق بجلاله، فالصواب أنه تعالى يوسف بصفة الرحمة اللغويّة بالمعنى اللائق بجلاله ، لا بالمعنى الذي يكون للمخلوق، فلا يلزم عليه تشبيه، ولا تمثيل، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن الملقّن: الأظهر أن المراد بالرحمة نفس الإحسان، ويَحْتَمِل أن يريد إرادة الإحسان، بمعنى الإخبار عن سبق علمه في إرادته، لكن المراد الدعاء له بالرحمة، والدعاء إنما يتعلّق بالممكن، وهو نفس الإحسان، لا الإرادة؛ لأنها قديمة. انتهى. قال الجامع: كلام ابن الملقّن هذا من نوع كلام العينيّ، وجوابه جوابه، فتفطّن، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (وَبَرَكَاتُهُ) جمع بركة، وهي النماء والزيادة من الخير، ويقال: البركة جِمَاع كلّ خير. وقال في "العمدة": البركة: الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقها من الْبَرْك -بفتح، فسكون- وهو صَدْرُ البعير، وبَرَك البعير: ألقى بَرْكَه، واعتُبِر منه معنى اللزوم، وسُمِّي مَحْبس الماء بِرْكة -بكسر، فسكون- للزوم الماء فيها. وقال الطيبيّ ﵀: البركة ثبوت الخير الإلهيّ في الشيء، سُمِّي بذلك؛ لثبوت الخير فيه ثبوتَ الماء في الْبِرْكَة، والمباركُ ما فيه ذلك الخير، وقال

стр. 5255

تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ الآية [الأنبياء: ٥٠]؛ تنبيهًا على ما يَفِيض منه من الخيرات الإلهية، ولما كان الخير الإلهيّ يَصْدُر من حيث لا يُحَسُّ، وعلى وجه لا يُحْصَى، قيل لكل ما يُشاهَد فيه زيادةٌ غير محسوسة: هو مبارَك، أو فيه بركةٌ. انتهى (١). (السَّلَامُ عَلَيْنَا) جملة من مبتدأ وخبر، مستأنفةٌ، أريد بها إنشاء الدعاء، وأراد بالضمير الحاضرين من الإمام والمأمومين، والملائكة عليهم الصلاة والسلام. (وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) عطف على الجارّ والمجرور قبله، والصالح هو القائم بما عليه من حقوق اللَّه تعالى، وحقوق العباد، والصلاحُ: هو استقامةُ الشيء على حالة كماله، كما أن الفساد ضدُّه، ولا يَحصُل الصلاح الحقيقيّ إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة، وإن وُصِفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة خُصُوصًا لزمرة الأنبياء؛ لأن الاستقامة التامّة لا تكون إلا لمن فاز بالْقَدَح الْمُعَلَّى، ونال المقام الأسنى، ومن ثَمّ كانت هذه المرتبة مطلوبةَ الأنبياءِ والمرسلين، قال اللَّه تعالى في حق الخليل ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وحَكَى عن يوسف ﵇ أنه دعا بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (٢). (فَإِذَا قَالَهَا) وفي لفظ للبخاريّ: "فإنكم إذا قلتموها"، أي إذا قلتم: "وعلى عباد اللَّه الصالحين". قال في "العمدة": قوله: "فإنكم إذا قلتموها" إلى قوله: "والأرض" جملة معترضة بين قوله: "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وبين قوله: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه"، والضمير المنصوب في "قلتموها" يرجع إلى قوله: "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وفائدة هذه الجملة المعترضة الاهتمامُ بها؛ لكونه أنكر عليهم عَدّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكق استيعابهم لهم مع ذلك، فعَلَّمهم لفظًا يَشْمَل

стр. 5256

الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم، بغير مشقَّة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبيّ ﷺ ، وقد وردت هذه الجملة في بعض الطُّرُق في آخر الكلام بعد سياق التشهد متواليًا، والظاهر أنه من تصرف الرواة، واللَّه أعلم. انتهى (١). (أَصَابَتْ) أي الدعوة (كُلَّ عَبْدٍ للَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وفي رواية للبخاريّ عن مُسَدَّد، عن يحيى: "أو بين السماء والأرض"، والشك فيه من مسدد، وفي رواية الإسماعيليّ بلفظ: "من أهل السماء والأرض". قال الترمذيّ الحكيم: من نظر أن يَحْظى بهذا السلام الذي يُسلّمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدًا صالحًا، وإلا حُرِم هذا الفضل العظيم. انتهى. وقال الفاكهانيّ: ينبغي للمصلّي أن يستحضر في هذا المحلّ جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين، يعني ليتوافق لفظه مع قصده. انتهى (٢). وقال القفّال الشاشيّ: ترك الصلاة يضرّ بجميع المسلمين؛ لأن المصلّي يقول: اللَّهمّ اغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات، ولا بدّ من قوله في التشهّد: "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين"، فيكون مقصّرًا في خدمة الخالق، وفي حقّ رسوله ﷺ بترك الصلاة عليه، وفي حقّ نفسه بترك مسألة النعمة والمغفرة، وفي حقّ كافّة المسلمين، فيعمّ الفساد، ولذلك عظُمت المعصية بتركها، ذكره ابن الملقّن (٣). وزاد في "الفتح": واستنبط منه السبكيّ أن في الصلاة حقًّا للعباد مع حقّ اللَّه، وأن من تركها أخلّ بحقّ جميع المؤمنين، مَن مَضَى ومن يجيء إلى يوم القيامة؛ لوجوب قوله فيها: "السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين". انتهى (٤). [فائدة]: لَمّا خصّ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ ليلة الإسراء بكلمات أربع، هي: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، أعطى منها سهمًا لإخوانه الأنبياء،

стр. 5257

وسهمًا لأمته، وسهمًا للملائكة، وسهمًا لصالحي الجنّ بقوله: "السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين"؛ لأنه يعمّهم. وقال الشيخ عزّ الدين في "مقاصد الصلاة": بدأ أوّلًا بالثناء على اللَّه؛ لأنه الأهمّ المقدّم، ثم بالسلام على النبيّ؛ لأنه الأهمّ بعد الثناء على اللَّه، ثم ثلّث بنفسه؛ لقوله ﷺ : "ابدأ بنفسك"، ثم ختم بعباده الصالحين، وهذا قول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [نوح: ٢٨]، فبدأ بالثناء على اللَّه بالربوبيّة، ثم بالمغفرة لنفسه، ثم لوالديه، ثم للمؤمنين من معارفه، ثم لسائر المؤمنين والمؤمنات، ثم اعترف بأنه لا معبود بحقّ إلا اللَّه؛ تحقيقًا للإيمان، ثم بالرسالة؛ تحقيقًا للإسلام. انتهى (١). (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) زاد ابن أبي شيبة، من رواية أبي عُبيدة، عن أبيه: "وحده لا شريك له"، لكن سنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في "الموطأ"، وفي حديث ابن عمر ﵄ عند الدارقطنيّ إلا أن سنده ضعيف، وقد رَوَى أبو داود من وجه آخر صحيح، عن ابن عمر، في التشهد: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه"، قال ابن عمر: زدت فيها: "وحده لا شريك له"، وهذا ظاهره الوقف، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم" هكذا قال، وهو غير صحيح؛ لأن حديث أبي موسى عند مسلم ليست فيه هذه الزيادة، وإنما هي في رواية النسائيّ في "المجتبى" برقم (١١٧٣)، فتنبّه. وقال ابن الملقّن ﵀: إنما أتى بلفظ الشهادة دون لفظ العلم واليقين؛ لأنه أفضل وأبلغ في معنى العلم واليقين، وأظهر من حيث إنه شهود، وهو مستعملٌ في ظواهر الأشياء وبواطنها، بخلاف العلم واليقين، فإنهما يُستعملان في البواطن غالبًا دون الظواهر، ولهذا قال الفقهاء: لا يصحّ أداء الشهادة عند الحاكم بلفظ دون الشهادة، فلو قال: أعلم، أو أُوقِنُ بكذا لم يصحّ. انتهى (٢).

стр. 5258

(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قال أهل اللغة: يقال: رجل مُحَمَّدٌ، ومحمودٌ إذا كثرت خصاله المحمودة، وقال ابن الفارس: وبذلك سُمِّي نبينا محمدًا ﷺ ، يعني لعلم اللَّه تعالى بكثرة خصاله المحمودة. وقال العينيّ: الفرق بين محمد وأحمد، أن محمدًا مُفَعَّلٌ للتكثير، وأحمد أفعل تفضيل، والمعنى: إذا حَمِدني أحدٌ فأنت أحمدُ منهم، وإذا حَمِدتُّ أحدًا فأنت محمدٌ. والعبد: الإنسانُ حُرًّا كان أو رقيقًا، يُذْهَب فيه إلى أنه مربوب لباريه ، وجمعه عَبْدُون، وعَبِيدٌ، وأَعْبُدٌ، وعِبَادٌ، وعُبْدَانٌ -بضم، فسكون-، وعِبْدَانٌ -بكسر، فسكون-، وعِبِدّان -بكسرتين، مشدّدة الدال- ومَعْبَدَةٌ، كمَشْيَخَةٍ، ومَعَابِدُ، وعِبِدّاءُ -بكسرتين ممدودًا- وعِبِدّا -بكسرتين مقصورًا- وعُبُدٌ -بضمتين- وعَبُدٌ -بفتح، فضمّ- كنَدُسٍ، ومعبوداء، وجمع جمعه أعابد، هذه هي المجموع التي ذكرها في "القاموس"، وهي خمسة عشر، وزاد عليه الشارح، حتى أوصلها إلى أكثر من خمسة وعشرين وجهًا، فراجعه تستفد (١). قال السيوطيّ ﵀ في "عُقُود الْجُمَان": عَبْدٌ في الأصل: وصفٌ غَلَبت عليه الاسميّة، وله عشرون جَمْعًا، نظم ابن مالك منها أحد عشر في بيتين، واستدركتُ عليه الباقي في آخرَيْنِ، قال ابن مالك [من الطويل]: عِبَادٌ عَبِيدٌ جَمْعُ عَبْدٍ وَأَعْبُدٌ … أَعَابِدُ مَعْبُودَاءُ مَعْبَدَةٌ عُبُدْ كَذَلِكَ عِبْدَانٌ وَعُبْدَانُ أُثْبِتَا … كَذَاكَ الْعِبِدَّى وَامْدُدِ انْ شِئْتَ أَنْ تَمُدْ وزاد السيوطيّ: وَقَدْ زِيدَ أَعْبَادٌ عُبُودٌ عِبِدَّةٌ … وَخَففْ بِفَتْحٍ وَالْعِبِدَّانُ إِنْ تَشُدْ وَأَعْبِدَةٌ عَبْدُونَ ثُمَّةَ بَعْدَهَا … عَبِيدُونَ مَعْبُودَى بِقَصْرٍ فَخُذْ تَسُدْ قال ابن الملقّن ﵀: والعبوديّة أشرف أوصاف العبد، وبها نَعَتَ اللَّه تعالى نبيّه محمدًا ﷺ في أعلى مقاماته في الدنيا، وهو الإسراء في بدايته ونهايته، حيث قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحَى

стр. 5259

إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠]. انتهى (١). [تنبيه]: قال في "الفتح": لم تَختَلف الطرق عن ابن مسعود ﵁ في ذلك -أي قوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله"- وكذا هو في حديث أبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وجابر، وابن الزبير عند الطحاويّ وغيره، ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بينا النبيّ ﷺ يُعَلِّم التشهد، إذ قال رجل: "وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده"، فقال ﷺ : "لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولًا، قل: "عبده ورسوله"، ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب "السنن": "وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه"، ومنهم من حذف "وأشهد"، ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي عزاه في "الفتح" إلى ابن ماجه، هو كذلك عند النسائيّ أيضًا، ولفظه (١١٧٤): "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" كلفظ ابن مسعود، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ") وفي رواية البخاريّ: "ثم يتخيّر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو"، وفي رواية له: "ثم ليتخيّر من الدعاء ما أحبّ"، وفي رواية: "ثم ليتخيّر من الثناء ما شاء"، وفي رواية النسائيّ: "وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه"، وفي رواية له: "ثم ليتخيّر بعد ذلك من الكلام ما شاء"، والمراد بالكلام الدعاء بدليل الروايات السابقة. وفيه مشروعيّة الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ما لم يكن إثمًا، قال النوويّ ﵀: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز إلا بالدعوات الواردة في القرآن والسنّة. انتهى (٣)، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، مع ترجيح مذهب الجمهور -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 5260

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٩٠٢ و ٩٠٣ و ٩٠٤ و ٩٠٥ و ٩٠٦] (٤٠٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٣١ و ٨٣٥)، و"الجمعة" (١٢٠٢)، و"الاستئذان" (٦٢٣٠ و ٦٢٦٥)، و"الدّعوات" (٦٣٢٨)، و"التوحيد" (٧٣٨١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٦٨)، و (الترمذيّ) فيها (٢٨٩ و ١١٠٥١)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ و ٣/ ٤٠ - ٤١)، و (ابن ماجه) فيها (٨٩٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٤ و ٤٣١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٤٨ و ١٩٤٩ و ١٩٥٠ و ١٩٥١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٩٨٨٥ و ٩٩٠٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٣٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٧٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٢٦ و ٢٠٢٧ و ٢٠٢٨ و ٢٠٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٩٠ و ٨٩١ و ٨٩٢ و ٨٩٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة التشهّد في الصلاة. ٢ - (ومنها): أنه استدل بقوله: "فليقل" على وجوب التشهّد، خلافًا لمن لم يقل به كمالك، وأجاب بعض المالكية بأن التسبيح في الركوع والسجود مندوب، وقد وقع الأمر به في قوله ﷺ لَمّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]: "اجعلوها في ركوعكم. . ." الحديث، فكذلك التشهد. وأجاب الكرمانيّ بأن الأمر حقيقته الوجوب، فيُحْمَل عليه إلا إذا دلّ دليل على خلافه، ولولا الإجماع على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود، لحملناه على الوجوب. انتهى. وفي دعوى هذا الإجماع نظر؛ فإن الإمام أحمد يقول بوجوبه، ويقول بوجوب التشهد الأول أيضًا، وهو الحقّ؛ ففي رواية النسائيّ من طريق أبي

стр. 5261

الأحوص، عن عبد اللَّه ﵁: "كنا لا ندري ما نقول في كلّ ركعتين، وأن محمدًا علم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كلّ ركعتين، فقولوا: التحيّات. . ."، الحديث، وفي رواية له من طريق الأسود، عن عبد اللَّه: "فقولوا في كلّ جلسة. . ." الحديث، وفي رواية ابن خزيمة من طريق الأسود، عن عبد اللَّه: "علَّمني رسول اللَّه ﷺ التشهّد في وسط الصلاة، وفي آخرها"، وقد جاء عن ابن مسعود التصريح بفرضية التشهد، وذلك فيما رواه الدارقطنيّ وغيره بإسناد صحيح، من طريق علقمة، عن ابن مسعود ﵁: "كنا لا ندري ما نقول قبل أن يُفْرَض علينا التشهدُ". والحاصل أن القول بوجوب التشهد هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجمع المضاف، والجمع المحلَّى بالألف واللام يعمّ؛ لقوله أوّلًا: "عباد اللَّه الصالحين"، ثم قال: "أصابت كلّ عبد صالح". ٤ - (ومنها): استُدلّ به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي "جامع الترمذيّ" مصحّحًا من حديث أُبيّ بن كعب ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا ذكر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه"، وأصله في "صحيح مسلم"، ومنه قول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية [نوح: ٢٨]، وقول إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية [إبراهيم: ٤١]. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: في قوله: "أصابت كلّ عبد صالح" دليلٌ على أن للعموم صيغةً (١)، وأن هذه الصيغة للعموم، كما هو مذهب الفقهاء، خلافًا لمن توقّف في ذلك من الأصوليين، وهو مقطوع به من لسان العرب، وتصرّفات ألفاظ الكتاب والسنّة عندنا، ومن تتبّع ذلك وجده،

стр. 5262

واستدلالنا بهذا الحديث ذكرٌ لفرد من أفراد لا يُحصَى الجمع لأمثالها، لا للاقتصار عليه. انتهى. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن ﵀: في هذا الحديث من أصول الفقه: أن عطف العامّ على الخاصّ لا يقتضي أن المراد بالعامّ ذلك الخاصّ المتقدّم، بل يُحمَلُ على التشريف والاهتمام به، كما لو تقدّم العامّ، وعُطف عليه الخاصّ، وفيه خلاف حكاه القاضي عبد الوهّاب، ووجه الاستدلال قوله: "السلام عليك"، "السلام علينا"، وهما خاصّ، ثم عطف عليه "وعلى عباد اللَّه الصالحين"، ويؤخذ من ذلك أيضًا تفضيله ﷺ على جميع الخلق؛ لتخصيصه بالسلام، ثم التعميم له ولغيره، ولا شكّ في ذلك، وهو ما قرّره القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. انتهى (١). ٧ - (ومنها): ما قيل: نَعَتَ عباده بالصالحين؛ ليُخرج غيرهم، وخصّ الأول بذلك؛ لأنه كلام ثناء وتعظيم، فيؤخذ منه أن مفهوم الصفة حجة، قاله ابن الملقّن ﵀ (٢). ٨ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة تعلّم السنّة والأحكام، وضبطها، وحفظها، كما يُشرع تعليم القرآن، وحفظه، وضبطه؛ لقوله: "كان يعلّمنا التشهّد، كما يعلّمنا السورة من القرآن". ٩ - (ومنها): أن فيه دليلًا على مسّ المعلّم بعض أعضاء المتعلّم عند التعليم؛ تأنيسًا له وتنبيهًا، ونقل ابن الحاجّ ﵀ في "مدخله" عن بعض السلف أنهم كانوا لا يبتعدون عن المدرّس، بل يمسّ ثيابُ الطلبة ثوبه؛ لقربهم منه. انتهى (٣). ١٠ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دلالةً على عدم وجوب الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهّد الأخير؛ لأنه ﷺ لم يُعلّمه ابن مسعود، بل علّمه التشهّد، وأمره عقبه أن يتخيّر من المسألة ما شاء، ولم يُعلّمه الصلاة عليه ﷺ ، وموضع

стр. 5263

التعليم لا يؤخّر فيه البيان، لا سيّما الواجب، وهو مذهب أحمد، ومشهور مذهب مالك، ونقله النوويّ في "شرحه" عن الجمهور، وأوجبها الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وبعض أصحاب مالك، وهو المذهب الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-. ١١ - (ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ من قوله: "فإنكم إذا فعلتم ذلك، فقد سلّمتم على كلّ عبد للَّه" أن من قال لرجل: فلانٌ يُسلّم عليك، ويريد بالسلام هذا أنه لا يكون كاذبًا، ويلزم عليه أن يحنث بذلك إذا حلف أن لا يُسلّم عليه إلا أن يكون له نيّة خاصّة بالسلام، وأيضًا فإن العرف يخالف ذلك، ويشهد بأن هذا غير مسلّم (١). ١٢ - (ومنها): مذهب الشافعيّ: أن الواجب من التحيّات خمس كلمات: "التحيّات للَّه، سلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته، سلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه"، وعلّلوا الاقتصار على ذلك بأنه المتكرّر في جميع الروايات. وفيه إشكال -كما قال ابن دقيق العيد ﵀ لأن الزائد في بعض الروايات زيادة من عدل، فوجب قبولها؛ إذ توجّه الأمر بها في قوله ﷺ : "فليقل: التحيّات. . . إلخ"، والأمر للوجوب. قال ابن الملقّن ﵀: قلت: وكأن الشافعيّ اعتبر في حدّ الأقلّ ما رواه مكرّرًا في جميع الروايات، ولم يكن تابعًا لغيره، وما انفردت به الروايات أو كان تابعًا لغيره جوّز حذفه، لكنه يُشكل على هذا لفظة "الصلوات"، فإنها ثابتة في كلّ الروايات، وليست تابعةً في المعنى، وقد ادّعى الرافعيّ ثبوت "الطيّبات" في جميع الروايات واستشكلها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن الشافعيّ ﵀ لعلّه لم يثبت لديه اتفاق في الروايات إلا الذي ذكره حَدًّا للواجب، فلم يوجب غيره، فمن أثبت الزائد يلزمه وجوبه؛ لأنه لا عذر له. والحاصل أن كلّ ما صحّ من الألفاظ الزائدة يجب أن يقوله المصلّي؛

стр. 5264

لظاهر الأمر، وهو للوجوب، كما تقدّم في كلام ابن دقيق العيد ﵀ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر اختلاف صيغ التشهّد: (اعلم): أن التشهّد روي عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: ابن مسعود، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة، وسمرة بن جندب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وسلمان الفارسيّ، وأبو حميد الساعديّ، وأبو سعيد الخدريّ ﵃. أما حديث ابن مسعود ﵁، فقد رواه الأئمة الستة عنه، وقد ذكر المصنّف ﵀ بعض ألفاظه المختلفة في هذا الباب. وأما حديث ابن عباس ﵄، فأخرجه الجماعة أيضًا إلا البخاريّ، عن سعيد بن جبير، وطاوس، عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعلّمنا التشهد، كما يعلّمنا السورة من القرآن. . . الحديث، وقد ساقه مسلم أيضًا. وأما حديث عمر بن الخطاب ﵁، فهو حديث صحيح أخرجه إمام دار الهجرة في "موطئه"، والشافعيّ عنه في "مسنده"، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاريّ، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر، يُعَلِّم الناس التشهد، يقول: "قولوا: التحيات للَّه، الزاكيات للَّه، الطيّبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وقد أخرجه الحاكم في "مستدركه"، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، في "مصنفيهما"، وهو موقوف، ورواه أبو بكر ابن مردويه في كتاب التشهد له مرفوعًا. قال الدارقطنيّ في "علله": لم يختلفوا في أن هذا الحديث موقوف على عمر ﵁، قال: ورواه بعض المتأخّرين عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن الزهريّ، عن عروة، عن ابن عَبْدٍ، عن عمر مرفوعًا، ووَهِمَ في

стр. 5265

رفعه، والصواب موقوف. انتهى (١). وأما حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، فأخرجه أبو داود: حدّثنا نصر بن عليّ، حدّثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، سمعت مجاهدًا يحدّث عن ابن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ في التشهد: "التحيات للَّه، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه" -قال: قال ابن عمر: زدت فيها: "وبركاته"- "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه" -قال ابن عمر: زدت فيها "وحده لا شريك له"- "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وأخرجه الدارقطني عن ابن أبي داود، عن نصر بن عليّ، وقال: إسناده صحيح. وأخرجه الطبراني في "الكبير": حدّثنا أبو مسلم الكشيّ، حدثنا سهل بن بكار، حدثنا أبان بن يزيد، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن بابي، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ في التشهد: "التحيات، الطيبات، الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". ورواه الدارقطنيّ من حديث عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يُعلّمنا التشهد: التحيّات الطيبات الزاكيات للَّه. . ." إلى آخره، وفيه "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله"، ثم قال: في إسناده موسى بن عُبيدة، وخارجة بن مصعب، وهما ضعيفان. ورواه قاسم بن أصبغ أيضًا بإسناد صحيح من حديث مُحارب بن دثار، عن عبد اللَّه بن عمر: "كان رسول اللَّه ﷺ يُعلّمنا التشهّد كما يُعلّم المكتّب السورة من القرآن". وأما حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، فأخرجه النسائيّ، وابن ماجه، والترمذيّ في "العلل"، والحاكم من حديث أيمن بن نابل، حدّثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم اللَّه وباللَّه، التحيات للَّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها

стр. 5266

النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أسأل اللَّه الجنة، وأعوذ باللَّه من النار". وصححه الحاكم، وقال النوويّ في "الخلاصة": وهو مردود، فقد ضعَّفه جماعة من الحفاظ، هم أجلّ من الحاكم وأتقن، وممن ضعَّفه البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ، قال الترمذيّ: سألت البخاريّ عنه، فقال: هو خطأ. وقال النسائيّ: لا نعلم أحدًا تابع لأيمن راويه عن أبي الزبير، عن جابر على هذا الحديث، وخالفه الليث بن سعد في إسناده، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ. وقال حمزة بن محمد الحافظ: قوله: عن جابر، خطأ، والصواب أبو الزبير، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عبّاس، قال: ولا أعلم أحدًا قال في التشهّد: "باسم اللَّه وباللَّه" إلا أيمن بن نابل، عن أبي الزبير. انتهى (١). وأما حديث أبي موسى الأشعري ﵁، فأخرجه مسلم، وسيأتي في هذا الباب. وأما حديث عائشة ﵂، فأخرجه الحسن بن سفيان في "مسنده"، والبيهقيّ في "سننه" بإسناد جيّد، من حديث القاسم بن محمد، قال: علّمتني عائشة، قالت: هذا تشهد رسول اللَّه ﷺ : "التحيات للَّه، والصلوات، والطيّبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال ابن الملقّن ﵀: وفي هذه الرواية فائدة حسنة، وهي أن تشهّد رسول اللَّه ﷺ بلفظ تشهّدنا. ورواه مالك في "موطئه" عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها كانت تقول إذا تشهّدت: "التحيّات الطيّبات الصلوات الزاكيات للَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده

стр. 5267

ورسوله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، السلام عليكم". ورواه البيهقيّ، من حديث القاسم أيضًا، عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول في التشهد في الصلاة في وسطها، وفي آخرها، قولًا واحدًا: "بسم اللَّه، التحيات للَّه، الصلوات للَّه، الزاكيات للَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين"، وفي إسناده ابن إسحاق، وصرّح بالتحديث، لكن قال البيهقيّ: إن الرواية الصحيحة عن عائشة ليس فيها ذكر التسمية، إلا ما تفرّد به ابن إسحاق. قال: وروى ثابت بن هُرمز، عن نافع، عن ابن عمر، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، كلاهما عن النبيّ ﷺ في التسمية قبل التحيّة، وثابت بن هُرمز منكر الحديث ضعيف. قال الدارقطنيّ في "علله": وروي هذا الحديث عن عائشة مرفوعًا، والصواب وقفه عليها. انتهى (١). وأما حديث سمُرة بن جُندب ﵁، فأخرجه أبو داود في "سننه"، من طريق سليمان بن موسى أبي داود، عن جعفر بن سعد بن سَمُرة بن جُندب، حدثني خُبيب بن سليمان بن سَمُرة، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب؟ "أما بعدُ، أَمَرَنا رسول اللَّه ﷺ إذا كان في وسط الصلاة، أو حين انقضائها، فابدؤوا قبل التسليم، فقولوا: التحيات الطيبات والصلوات والملك للَّه، ثم سلِّمُوا على اليمين، ثم سلموا على قارئكم، وعلى أنفسكم". قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفيّ الأصل، كان بدمشق. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ضعيف؛ لأن رجاله مجاهيل، فجعفر، ومن فوقه مجهولون، واللَّه تعالى أعلم. وأما حديث عليّ بن أبي طالب ﵁، فرواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٢٩١٧)، فقال:

стр. 5268

حدّثنا إبراهيم (١) -يعني الوكيعيّ- قال: حدّثنا عبد الرحمن بن صالح الأزديّ، قال: حدّثنا عمرو بن هاشم، أبو مالك الْجَنْبِيّ، عن عبد اللَّه بن عطاء، قال: حدّثني الْبَهْزيّ، قال: سألت الحسين بن عليّ عن تشهد عليّ؟ فقال: هو تشهد النبيّ ﷺ ، فقلت: حَدِّثني بتشهد عليّ، عن تشهد رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "التحيات للَّه، والصلوات والطيبات، والغاديات، والرائحات، والزاكيات، والناعمات السابغات الطاهرات للَّه". قال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث عن عبد اللَّه بن عطاء إلا عمرو. انتهى (٢) قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ضعيف؛ لتفرّد عمرو بن هاشم به، وهو ليّن الحديث. وأما حديث عبد اللَّه بن الزبير ﵄، فرواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" من حديث ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، قال: سمعت أبا الورد يقول: سمعت عبد اللَّه بن الزبير يقول: "إن تشهد النبيّ ﷺ : بسم اللَّه، وباللَّه خير الأسماء، التحيات للَّه، الصلوات الطيبات، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث من في القبور، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، اللهم اغفر لي، واهدني، هذا في الركعتين الأوليين"، قال الطبرانيّ: تفرد به ابن لَهيعة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ضعيف؛ لتفرّد ابن لَهيعة به، وهو ضعيف. وأما حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄، فأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (١٩/ ٣٧٩)، فقال: (٨٩١) حدّثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصيّ، ثنا جدّي إبراهيم بن العلاء (ح) وحدثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، حدثني إبراهيم بن

стр. 5269

العلاء الحمصيّ، ثنا إسماعيل بن عيّاش، عن حَرِيز بن عثمان، عن راشد بن سعد الْمَقْرائيّ، عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أنه كان يُعَلِّم الناس التشهد، وهو على المنبر، عن النبيّ ﷺ : "التحيات للَّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث في إسناده إبراهيم بن العلاء، قال أبو داود: ليس بشيء، ووثقه ابن حبّان، وقال ابن عديّ: مستقيم، إلا في حديث واحد، غير هذا (١). وأما حديث سلمان الفارسيّ ﵁، فأخرجه البزار في "مسنده"، والطبرانيّ في "معجمه"، من طريق عُمر بن يزيد الأزديّ، عن أبي راشد، قال: سألت سلمان الفارسيّ عن التشهد؟ فقال: أُعَلِّمكم كما علمنيهن رسول اللَّه ﷺ التشهد حرفًا حرفًا: "التحيات للَّه، والصلوات والطيبات للَّه، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا حديث ضعيف؛ لأن في إسناده عُمر بن يزيد الأزديّ، قال ابن عديّ: منكر الحديث (٢). وأما تشهّد أبي حميد الساعديّ ﵁، فرواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" أيضًا، من حديث العبّاس بن سهل، عنه، عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان يتشهّد: "التحيّات للَّه، الصلوات الطيّبات الزاكيات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده الواقديّ، واللَّه تعالى أعلم. وأما حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، فأخرجه الطحاويّ من حديث أبي

стр. 5270

المتوكل، عنه، قال: كنا نتعلم التشهد كما نتعلم السورة من القرآن، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود ﵁. وفي الباب عن الحسين بن عليّ، وطلحة بن عبيد اللَّه، وأنس، وأبي هريرة، والفضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى ﵃، قالوا: جملةُ مَن رَوَى في التشهد من الصحابة أربعة وعشرون صحابيًّا، فإن أردت تمام البحث، فراجع ما كتبته في "شرح النسائيّ" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهّد: قال النوويّ ﵀: اختلفوا في التشهد، هل هو واجب أم سنة؟ فقال الشافعيّ ﵀ وطائفة: التشهد الأول سنةٌ، والأخير واجبٌ، وقال جمهور المحدثين: هما واجبان، وقال أحمد ﵀: الأول واجب، والثاني فرضٌ، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما اللَّه وجمهور الفقهاء: هما سنتان، وعن مالك ﵀ روايةٌ بوجوب الأخير، وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب القعود بقدره في آخر الصلاة. انتهى (٢). وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم فيمن ترك التشهّد عامدًا أو ساهيًا، فروينا عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: من لم يتشهّد فلا صلاة له، وقال نافع مولى ابن عمر: من لم يتكلّم بالتحيّة، فلا صلاة له، وكان الحسن البصريّ يقول: إذا أحدث الرجل قبل التشهّد أعاد الصلاة، وإذا أحدث بعد التشهّد فقد تمّت صلاته، ورُوي عنه أنه إذا ترك التشهّد ناسيًا مضت صلاته. وكان مالك يقول فيمن نسي التشهّد: إن كان وحده، وكان قريبًا، ولم ينتقض وضوؤه، وإن تكلّم ما لم يَطُل ذلك، فليُكبّر، ثم يجلس، فيتشهّد، ثم يسجد سجدتي السهو، ثم يتشهّد ويسلّم، وإن كان طال ذلك، أو تباعد، أو انتقض وضوؤه استأنف الصلاة.

стр. 5271

وقال مالك أيضًا: إذا نسي التشهّد خلف الإمام، فإن الإمام يَحمِل ذلك عنه، وكان الشافعيّ يقول: من ترك التشهّد الأول ساهيًا فلا إعادة عليه، وعليه سجدتا السهو لتركه، ومن ترك التشهّد الآخر ساهيًا أو عامدًا فعليه إعادة الصلاة، إلا أن يكون تركه قريبًا، فيتشهّد ويصلي على النبيّ ﷺ ، ويسجد سجدتي السهو. وقال أحمد فيمن نسي التشهّد في الركعتين الأوليين: أَحَبّ إليّ أن يُعيد، وإن ترك الجلوس الثاني يستقبل الصلاة. وقالت طائفة: لا شيء عليه، هذا قول النخعيّ، قال: إذا أحدث حين فرغ من السجود في الركعة الرابعة قبل التشهّد مضت صلاته، وقال الزهريّ، وقتادة، وحماد فيمن نسي التشهّد في آخر صلاته حتى انصرف: تمّت صلاته. وفي كتاب محمد بن الحسن: فإن ترك التشهّد ساهيًا، قال: أستحسن أن يكون عليه سجدتا السهو. وقال أبو ثور: إن ترك التشهّد في الركعة الثانية والرابعة فلا صلاة له، إن كان ترك ذلك عامدًا، وإن كان ساهيًا، فترك تشهّد الركعة الثانية، سجد سجدتي السهو. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال بوجوب التشهّدين جميعًا؛ لظاهر قوله ﷺ : "فليقل: التحيّات. . . "، وأمره للوجوب، فأما الأول، فإن تركه ناسيًا جبره بسجدتي السهو؛ لأنه ﷺ فعل كذلك، وإن تركه عمدًا أعاد الصلاة؛ للأمر المذكور، وأما التشهّد الأخير، فلا يُجبر بالسجود، بل تجب إعادته مطلقًا؛ لظاهر الأمر المذكور، وهذا هو مذهب الإمام أحمد ﵀. قال أبو محمد بن قُدامة ﵀ (٢) ما ملخّصه: التشهّد الأخير والجلوس له من أركان الصلاة؛ لقوله ﷺ : "قولوا: التحيّات. . . "، وأمره يقتضي الوجوب، ولفعله ﷺ ودوامه عليه، ولحديث ابن مسعود ﵁ قال: "كنا نقول قبل أن

стр. 5272

يُفرض علينا التشهّد: السلام على اللَّه قبل عباده. . . " الحديث، رواه النسائيّ بإسناد صحيح، فقد دلّ أنه فُرض بعد أن لم يكن مفروضًا. والحاصل أن التشهّدين واجبان لا تتمّ الصلاة إلا بهما، إلا أن الأول إذا تُرك سهوًا يُجبر بالسجود؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ ، بخلاف الثاني، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اختيار ألفاظ التشهّد: (اعلم): أنه اختَلَفَ الفقهاءُ في المختار من ألفاظ التشهّد، فذهب أبو حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه تعالى إلى اختيار تشهّد ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب؛ لأنه أصحّ ما روي في التشهّد. قال الإمام الترمذيّ ﵀: أصح حديث عن النبيّ ﷺ في التشهد حديث ابن مسعود ﵁، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ثم أخرج عن معمر، عن خُصيف، قال: رأيت النبيّ ﷺ في المنام، فقلت له: إن الناس قد اختلفوا في التشهد، فقال: عليك بتشهد ابن مسعود. وأخرج الطبرانيّ في "معجمه" عن بشير بن المهاجر، عن ابن بُريدة، عن أبيه، قال: ما سمعت في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود، وذلك أنه رفعه إلى النبيّ ﷺ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تُعُقّب هذا بأنه لا يصحّ أن يكون مرجّحًا؛ لأن غيره كذلك رفعه إلى النبيّ ﷺ ، فلا فرق بينه وبين غيره فيه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. وقال الخطابيّ ﵀: أصح الروايات وأشهرها رجالًا تشهد ابن مسعود ﵁. وقال ابن المنذر، وأبو عليّ الطوسيّ: قد رُوي حديث ابن مسعود من غير وجه، وهو أصح حديث رُوي في التشهد عن النبيّ ﷺ . وقال أبو عمر: بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم؛ لثبوت فعله عن النبيّ ﷺ . وقال عليّ ابن المدينيّ: لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى، وبنحوه قال ابن طاهر.

стр. 5273

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا أيضًا فيه نظرٌ، إلا إذا كان المراد: لم يقو قوّته في كونه أكثر طرقًا، ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: أشدّها صحةً باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود، ثم حديث ابن عباس. وقال البزار: أصحّ حديث في التشهد حديث ابن مسعود، ورُوي عنه عن نيّف وعشرين طريقًا، ثم سَرَد أكثرَها، قال: ولا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا. والطحاوي لما أخرج حديث ابن مسعود في كتابه "شرح معاني الآثار" من اثني عشر طريقًا، وسَرَد الجميع، قال في آخر الباب: فلهذا الذي ذكرنا استحسَنّا ما رُوي عن عبد اللَّه بتشديده في ذلك، ولإجماعهم عليه؛ إذ كانوا قد اتفقوا على أنه لا ينبغي أن يتشهد إلا بخاصّ من التشهد، يعني أن كلهم اتفقوا على أن التشهد لا يكون إلا بألفاظ مخصوصة، ولا يكون بأيّ لفظ كان، فإذا كان كذلك فالمتفق عليه أولى من المختلف فيه، فصار كونه متفقًا عليه دون غيره من مرجحاته؛ لأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه، بخلاف غيره. وأنّ ابن مسعود تلقاه عن النبيّ ﷺ تلقّيًا، فرَوَى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد، عنه قال: أخذت التشهد من في رسول اللَّه ﷺ ، ولقننيه كلمة كلمة، وفي رواية أبي معمر، عنه: علَّمني رسول اللَّه ﷺ التشهد، وكفِّي بين كفيه. ومن المرجحات أيضًا: ثبوت الواو في "الصلوات"، و"الطيبات"، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناءً مستقلًّا، بخلاف ما إذا حذفت، فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدُّد الثناء في الأول صريح، فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني. ومنها: أنه ورد بصيغة الأمر، بخلاف غيره، فإنه مجرد حكاية. ومنها: أن في رواية أحمد أن رسول اللَّه ﷺ علّمه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس، ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. وقال الكرمانيّ ﵀: ذهب الشافعيّ ﵀ إلى أن تشهد ابن عباس ﵄-

стр. 5274

أفضل؛ لزيادة لفظة "المباركات" فيه، وهي موافقة لقول اللَّه تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ الآية [النور: ٦١]. وقال مالك ﵀: تشهد عمر بن الخطاب ﵁ أفضل؛ لأنه علّمه الناس على المنبر، ولم ينازعه أحدٌ، فدَلّ على تفضيله. وذهب بعضهم إلى عدم الترجيح، منهم ابن خزيمة (١). فال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح قول من قال باختيار تشهّد ابن مسعود ﵁، مع جواز غيره مما صحّ من صيغ التشهّد، كتشهّد ابن عبّاس، وتشهّد عمر، وغيرهما مما سبق تصحيحه، وهذا هو الذي رجّحه الإمام ابن المنذر ﵀، حيث قال ما حاصله: فأيّ تشهّد تشهّد به المصلّي مما ذكرناه، فصلاته مُجزئةٌ، والذي آخذ به التشهّد الذي بدأت به -يعني تشهّد ابن مسعود ﵁ انتهى (٢). والحاصل أنه يجوز أن يتشهّد بأي نوع من أنواع التشهّدات مما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ ، إلا أن الأفضل أن يتشهّد بالمتّفق عليه، وهو تشهّد ابن مسعود ﵁؛ لِما ذكرنا من وجوه الترجيحات له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: السنة في التشهد الإخفاء؛ لما رَوَى أبو داود والترمذيّ، بإسناد جيّد، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "من السنة أن يُخفي التشهد" (٣)، وقال: حسن غريب، وصحّحه الحاكم. وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" عن عائشة ﵂ قالت: "نزلت هذه الآية في التشهد ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] ". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 5275

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. . . مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسأَلَةِ مَا شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قبل ببابين، سوى منصور، فتقدّم في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد منصور المذكور في الحديث الماضي. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث منصور الماضي. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) الضمير لشعبة، أي لم يذكر شعبة في حديثه عن منصور قوله: "ثم يتخيّر. . . إلخ". [تنبيه]: رواية شعبة هذه التي أحالها المصنّف على رواية جرير، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٣٩٦٣) حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا وائل يحدِّث عن عبد اللَّه، قال: كنا نقول: السلام على فلان وفلان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "قولوا: التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فإنكم إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، سَلَّمتم على كل عبد صالح في الأرض وفي السماء". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (١)، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ

стр. 5276

زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: "ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ") (١). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) وفي نسخة: "عبد الحميد بن حميد" الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ) هو: الحسين بن عليّ بن الوليد الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثَّقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيٌّ [٧] (ت ١٦٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ومنصور تقدّم قبله. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد منصور المتقدّم. وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِهِمَا) أي مثل حديث جرير وشعبة. وقوله: (وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ. . . إلخ) الضمير لزائدة، أي ذكر زائدة في حديثه عن منصور قوله: "ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ. . . إلخ". وقوله: (أَوْ مَا أَحَبَّ) وفي نسخة: "وما أحبّ" بالواو بدل "أو". [تنبيه]: رواية زائدة التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية جرير ومنصور، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٣٧٢٤) حدّثنا أبو سعيد (٢)، حدثنا زائدة، حدّثنا منصور، عن شقيق، عن عبد اللَّه، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ يقول الرجل منا في صلاته: السلام على اللَّه، السلام على فلان، يَخُصّ، فقال لنا رسول اللَّه ﷺ ذات يوم: "إن اللَّه هو السلام، فإذا قعد أحدكم في صلاته، فليقل: التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه

стр. 5277

وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، فإذا قلتم ذلك، فقد سَلَّمتم على كل عبد في السماوات والأرض، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير بعد من الدعاء ما شاء، أو ما أحبَّ". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٥] (. . .) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ. . . بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ (١) بَعْدُ مِنَ الدُّعَاءِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبت إمام [١٠] (ت ٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ قارئ ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ) يعني أن حديث الأعمش مثلُ حديث منصور المتقدّم. وقوله: (قَالَ: "ثُمَّ يَتَخيَّرُ") وفي نسخة: "ثم ليتخيّر. . . إلخ"، وفاعل "قال" ضمير الأعمش. [تنبيه]: رواية الأعمش التي أحالها المصنّف على رواية منصور، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:

стр. 5278

(٤٠٥٤) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن شقيق بن سَلَمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: كنا إذا جلسنا مع النبيّ ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على اللَّه قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، السلام على فلان، قال: فسمعنا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إن اللَّه هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة، فليقل: التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير بعدُ من الدعاء ما شاء". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٦] (. . .) - وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَاقْتَصَّ التَّشَهُّدَ بِمِثْلِ مَا اقْتَصُّوا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، وهو لقب أبيه، واسمه عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الكوفيّ الأحول، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١. ٣ - (سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ) ويقال: ابن أبي سليمان (٢) المخزوميّ مولاهم، أبو سليمان المكيّ، سكن البصرة أخيرًا، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر [٦].

стр. 5279

رَوَى عن مجاهد بن جبر، وقيس بن سعد المكيّ، وأبي أمية البصريّ، وغيرهم. وروى عنه الثوريّ، ويحيى القطان، ووكيع، ومعتمر بن سليمان، وابن المبارك، وزيد بن الحباب، وعبد اللَّه بن نمير، وأبو عاصم، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أحمد: ثقةٌ، وقال عليّ ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان عندنا ثبتًا، ممن يَصْدُق ويَحْفَظ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: ثبتٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ يُرْمَى بالقدر، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن عديّ: حديثه ليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: كان حيًّا سنة (١٥٠)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٥٦)، وكان يسكن البصرة في آخر عمره، وقال ابن سعد: تُوُفّي بمكة سنة (١٥٥)، وكان ثقة كثير الحديث، وقال الساجيّ: أجمعوا على أنه صدوق، غير أنه اتُّهِمَ بالقدر، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: رُمِي بالقدر؟ قال: ما أعلمه، وقال العجليّ وأبو بكر البزار: ثقة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا (٤٠٢)، وحديث (١٢٠١) و (١٧١٢) و (٢٠٦٧) و (٢٨١١). [تنبيه]: قوله: "حدّثنا سيف بن سليمان"، هكذا هو في بعض النسخ، ووقع في كثير منها "سيف بن أبي سليمان" بزيادة "أبي"، وهو الذي وقع عند أبي عوانة (١)، وأبي نعيم في "مستخرجيهما" (٢).

стр. 5280

وقال القاضي عياض ﵀: وقوله في سند هذا الحديث: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو نُعيم، ثنا سيف بن أبي سليمان، سمعت مجاهدًا، كذا قال أبو نُعيم: سيف بن أبي سليمان، وتابعه ابن المبارك، وأبو عاصم، وقال وكيعٌ: سيف أبو سليمان، وقال القطّان وغيره: سيف بن سليمان، وذكر الأقوال الثلاثة البخاريّ في "تاريخه الكبير" (١)، وهو مكيّ مولى بني مخزوم. انتهى (٢). وفي "التهذيبين"، و"التقريب": "سيف بن سليمان"، ويقال: "ابن أبي سليمان، أبو سليمان المكيّ"، فهذا يدل على أنه يقال فيه بالوجهين، وكذلك كنيته أبو سليمان. والحاصل أنه يقال له: سيف بن سليمان، وسيف بن أبي سليمان، ويُكنى أبا سليمان، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤ - (مُجَاهِد) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبت إمام في التفسير وغيره [٣] (ت ١٠١) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة- الأزديّ، من أَزْدَ شَنُوءة، أبو معمر الكوفيّ، ثقة [٢]، توفي في ولاية عبد اللَّه بن زياد (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٠. و"ابن مسعود" تقدّم قبله. وقوله: (كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ) جملة من مبتدأ وخبره، في محلّ نصب على الحال من الفاعل أو من المفعول. وقوله: (وَاقْتَصَّ التَّشَهُّدَ بِمِثْلِ مَا اقْتَصُّوا) هذا مشكلٌ؛ لأن الظاهر أن فاعل "اقتصّ" ضمير عبد اللَّه بن سخبرة الراوي عن ابن مسعود ﵁، فيكون الظاهر أن يقول: "بمثل ما اقتصّ" بالإفراد؛ ليكون الضمير راجعًا لأبي وائل الراوي عن ابن مسعود ﵁ أيضًا؛ لأنه الذي تُحال عليه رواية ابن سَخْبَرة وضمير "اقتصّوا".

стр. 5281

ويَحْتمل أن يكون ضمير الجماعة للرواة الذين رووا التشهّد عن ابن مسعود ﵁، فقد رواه عنه: أبو وائل، والأسود بن يزيد، وأبو الأحوص، عوف بن مالك بن نَضْلَة، وعلقمة بن قيس. . . وغيرهم، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن سخبرة التي أحالها المصنّف هنا، ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال: (٦٢٦٥) حدّثنا أبو نعيم، حدثنا سيف، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدّثني عبد اللَّه بن سَخْبَرَة، أبو معمر، قال: سمعت ابن مسعود يقول: عَلَّمني رسول اللَّه ﷺ وكفّي بين كفيه- التشهدَ، كما يُعَلِّمني السورة من القرآن: "التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام، يعني على النبيّ ﷺ . انتهى. وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بدون "يعني"، فقال: (٣٩٢٥) حدّثنا أبو نعيم، حدثنا سيفٌ، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدَّثني عبد اللَّه بن سَخْبَرة أبو معمر، قال: سمعت ابن مسعود يقول: عَلَّمني رسول اللَّه ﷺ التشهدَ -كفي بين كفيه- كما يُعَلِّمني السورة من القرآن، قال: "التحيات للَّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِض قلنا: السلام على النبيّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٧] (٤٠٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا

стр. 5282

يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: "التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيبَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: "كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩. ٦ - (طَاوُس) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٤/ ١٨. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل.

стр. 5283

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فقد تفرّد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين: أبو الزبير، عن سعيد وطاوس. ٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ) من إطلاق الجزء، وإرادة الكلّ، سُمّي باسم جزئه الأشرف، كما هي القاعدة عند البلغاء في تسمية الكلّ باسم البعض (١). (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي مثل تعليمه لنا السورة من سور القرآن في كمال الاهتمام؛ وذلك لتوقّف الصلاة عليه إجزاءً، كتوقّفها على القرآن، ففيه دلالة ظاهرة على اهتمامه، وإشارة إلى وجوبه (فَكَانَ) ﷺ (يَقُولُ) عند التعليم: قولوا: ("التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّبَاتُ) قال النوويّ ﵀: تقديره: "والمباركات"، و"الصلوات"، و"الطيّبات"، كما في حديث ابن مسعود ﵁ وغيره، ولكن حُذف اختصارًا، وهو جائز في اللغة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ويَحْتَمل أن لا تُقدّر الواو، فتكون "المباركاتُ" وما بعدها صفات لـ "التحيّات". "والمباركات": جمع مباركة، من البركة، وهي كثرة الخير، وقيل: النماء. قال الشوكانيّ ﵀: وهذه زيادة اشتمل عليها حديث ابن عبّاس ﵄ كما اشتمل حديث ابن مسعود ﵁ على زيادة الواو، ولولا وقوع الإجماع كما قدّمنا على جواز كلّ تشهّد من التشهّدات الصحيحة، لكان اللازم الأخذ بالزائد، فالزائد من ألفاظها. انتهى (٢).

стр. 5284

(للَّهِ) جارّ ومجرورٌ خبرٌ عن "التحيّاتُ". (السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيَّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا) كذا في رواية المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه، وأحمد في رواية له بتعريف "السلامُ " في الموضعين، ورواه الترمذيّ، والنسائيّ، والشافعيّ، وأحمد في رواية أخرى بتنكيره فيهما، قال النوويّ ﵀: يجوز فيهما حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات "الصحيحين"، قال الحافظ ﵀: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود ﵁ بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عبّاس ﵄، وهو من أفراد مسلم. انتهى (١). (وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ") انفرد ابن عبّاس ﵄ بهذا اللفظ؛ إذ في سائر التشهّدات الواردة عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبي موسى، وعبد اللَّه بن الزبير، كلّها بلفظ: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وأما قول الرافعيّ: المنقول أنه ﷺ كان يقول في تشهّده: "وأشهد أني رسول اللَّه" فمردود بأنه لا أصل له، قاله القاري. وروى النسائيّ وابن ماجه حديث ابن عبّاس ﵄ هذا بلفظ: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وقد تقدّم أن الشافعيّ ﵀ اختار تشهّد ابن عبّاس ﵄، قال في "الفتح": قال الشافعيّ بعد أن أخرج حديث ابن عباس ﵄: رُويت أحاديث في التشهد مختلفةٌ، وكان هذا أحبّ إليّ؛ لأنه أكملها، وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس ﵄: لَمَّا رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا، كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير مُعَنِّف لمن يأخذ بغيره مما صَحّ، ورجحه بعضهم بكونه مناسبًا للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وأما من رجحه بكون ابن عباس من أَحْداث الصحابة، فيكون أضبط لِمَا روى، أو بأنه أفقه من

стр. 5285

رواه، أو بكون إسناد حديثه حجازيًّا، وإسناد ابن مسعود كوفيًّا، وهو مما يُرَجَّح به فلا طائل فيه لمن أنصف. انتهى (١). [تنبيه]: قال المجد ابن تيميّة ﵀ في "المنتقى": رواه مسلم، وأبو داود بهذا اللفظ، ورواه الترمذيّ، وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكّرًا، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، ورواه الشافعيّ وأحمد بتنكير السلام، وقالا فيه: "وأن محمدًا"، ولم يذكرا "أشهد"، والباقي كمسلم، ورواه أحمد من طريق آخر كذلك، لكن بتعريف السلام، ورواه النسائيّ كمسلم، لكنه نكّر السلام، وقال: "أشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى. والحديث أخرجه الدارقطنيّ أيضًا في إحدى روايتيه بتعريف السلام فيهما، وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" بتعريف السلام الأول، وتنكير الثاني، وأخرجه الطبرانيّ بتنكير الأول، وتعريف الثاني (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: أفادت هذه الروايات جواز الأوجه المذكورة، من تعريف السلام وتنكيره، وقوله: "أشهد أن محمدًا رسول اللَّه"، و"أشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، و"أن محمدًا عبده ورسوله"، فتنبّه لذلك، واللَّه تعالى أعلم. (وَفي رِوَايَةِ) محمد (بْنِ رُمْحٍ) شيخه الثاني (كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ) أي بدل قول قتيبة في روايته: "كما يُعلّمنا السورة من القرآن"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعلية التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 5286

أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٩٠٧ و ١٩٠٨] (٤٠٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٧٤)، و (الترمذيّ) فيها (٢٩٠)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٤٢ و ٣/ ٤١)، و (ابن ماجه) فيها (٩٠٠)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٩ - ٩٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٠٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٥٢ و ١٩٥٣ و ١٩٥٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٩٩٦ و ١٠٩٩٧ و ١١٤٠٦)، و (الطحاوي) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٧٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٧٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٢٢ و ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٩٥ و ٨٩٦)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن مسعود ﵁، فراجعها تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَم) بن سليمان الأمويّ، مولى آل أبي مُعَيط، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُمَيْدِ) بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ الكوفيّ، ثقة [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبي الزبير، ومغيرة بن مِقْسَم، ومنصور، والأعمش، وطارق بن عبد الرحمن البجليّ، والأسود بن قيس، وغيرهم.

стр. 5287

وروى عنه ابنه حميد، ويحيى بن آدم، وعَبّاد بن ثابت، ودُبَيس بن حميد الملائيّ، وسلمة بن عبد الملك الْعَوْضيّ، ومالك بن إسماعيل النَّهْديّ. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٤٠٣)، وحديث (٤١٣): "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم. . . ". والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٩] (٤٠٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبي كَامِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلَاةَ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا؟، قَالَ: مَا قُلْتُهَا، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا قُلْتُهَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا تَعْلَمُونَ (١) كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلَاتِكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: (إِذَا صَلَّيْتُمْ، فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ

стр. 5288

وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (١)، يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎، قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْل أَحَدِكُمُ: التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل حديث. ٣ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب البصريّ، صدوق، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦. ٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة تقدّم قبل بابين. ٧ - (يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ) الباهليّ، أبو غَلّاب (٢) البصريّ، ثقةٌ [٣].

стр. 5289

رَوَى عن ابن عمر، والبراء بن عازب، وجُندُب البجليّ، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وكثير بن الصَّلْت، وحِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وغيرهم. وروى عنه حميد بن هلال، وابن سيرين، وقتادة، وابن عون، وجماعة. قال ابن سعد: أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك لَمّا مات، وكان ثقةً، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن عُلَيّة عن أيوب بن محمد: لقيت أبا غَلَّاب، يونس بن جبير، وكان ذا ثَبْتٍ، فحدَّثني، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاريّ: مات بعد التسعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٠٤) و (١٤٧١) وكرّره ثلاث مرات، و (٢٢٥٨). ٨ - (حِطَّانُ (١) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن عليّ، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت. وروى عنه الحسن البصريّ، وإبراهيم بن العلاء الغَنَويّ، وأبو مِجْلَز، ويونس بن جبير. قال ابن المدينيّ: ثبتٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في ولاية بشر بن مروان على العراق، وقال أبو عمرو الدانيّ: كان مقرئًا قرأ عليه الحسن البصريّ. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٠٤) و (١٦٩٠) وأعاده بعده، و (٢٣٣٤) وأعاده بعده. ٩ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حَضّار الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.

стр. 5290

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي كامل، وحطان، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه: سعيد، وقتيبة، وقد دخلا البصرة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن يونس، عن حطّان. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من كبار الصحابة المشهورين، أمّره عمر، ثم عثمان ﵃، وهو أحد الحكمين بصفّين، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حِطَّانَ) بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ) بفتح الراء، وتخفيف القاف: نسبة إلى رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة، امرأة كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله في "اللباب" (١). (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) ﵁ (صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ) اسم "كان" ضمير أبي موسى ﵁، وللنسائيّ: "فلما كان في القعدة" (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) وفي رواية النسائيّ: "دخل رجل من القوم"، أي في الصلاة، وظاهره أنه كان مسبوقًا، فلحقهم في القعدة، ولأبي داود: "فلما جلس في آخر صلاته قال رجل من القوم: أقرّت الصلاة. . . " (أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ ﵀: معناه: قُرِنت بهما، وأُقَرّت معهما، وصار الجميع مأمورًا به. انتهى (٢).
следующие страницы →