← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

فقدَّمه في مصلّاه، فصفّا جميعًا، ورسول اللَّه ﷺ جالسٌ، وأبو بكر يقرأ، فركع معه الركعة الآخرة، ثم جلس أبو بكر، حتى قَضَى سجوده، فتشهد وسلم، فأتى رسول اللَّه ﷺ الركعة الأخرى، ثم انصرف إلى جِذْع من جذوع المسجد، فذكر القصة في دعائه أُسامة بن زيد، وعَهْدِه إليه فيما بعثه فيه، ثم في وفاة رسول اللَّه ﷺ يومئذ. أخبرنا به أبو عبد اللَّه الحافظ، بسنده إلى ابن لَهِيعة، حدثنا أبو الأسود، عن عروة، فذكره. قال البيهقيّ: فالصلاة التي صلاها أبو بكر، وهو مأموم هي صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها بين العباس وعليّ ﵄، والتي كان فيها إمامًا هي صلاة الصبح، وهي التي خرج فيها بين الفضل بن العباس وغلام له، وفيها الجمع بين الأخبار. انتهى كلام البيهقيّ. قلت: وحديث كشف الستارة في "الصحيحين"، وليس فيه أنه ﷺ صلّى خلف أبي بكر، أخرجاه عن أنس، أن أبا بكر كان يصلّي بهم في وجع رسول اللَّه ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة كشف رسول اللَّه ﷺ ستر الْحُجْرة، فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول اللَّه ﷺ ضاحكًا، قال: فَبُهِتنا ونحن في الصلاة فرحًا برسول اللَّه ﷺ ، ونَكَصَ أبو بكر على عقبيه، وظَنّ أن رسول اللَّه ﷺ خارج للصلاة، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل، وأرخى الستر، وتُوُفّي من يومه ذلك. وفي لفظ للبخاريّ أن ذلك كان في صلاة الفجر، واللَّه ألحم. وقال ابن حبان في "صحيحه" بعد أن روى حديث عائشة من رواية زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة بلفظ "الصحيحين"، ثم رواه من حديث شعبة، عن موسى بن أبي عائشة به، أن أبا بكر صلّى بالناس، ورسول اللَّه ﷺ في الصف خلفه. انتهى. قال: فهذا شعبة قد خالف زائدة في هذا الخبر، وهما ثبتان حافظان، ثم أخرج عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: أُغْمي على رسول اللَّه ﷺ ، ثم أفاق، فقال: "أصَلّى الناسُ؟ "، قلنا:

стр. 5427

لا. . . الحديث، إلى أن قال: فخرج بين بَرِيرة ونُوبة (١)، فأجلسناه إلى جنب أبي بكر، فكان رسول اللَّه ﷺ يصلّي وهو جالس، وأبو بكر قائم، يصلّي بصلاة رسول اللَّه، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر. ثم قال: وقد خالف نعيم بن أبي هند في هذا الخبر عاصم بن أبي النجود، ثم أخرج عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول اللَّه ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدًا، قال: وعاصم بن أبي النجود، ونعيم بن أبي هند حافظان ثقتان. قال: وأقول -وباللَّه التوفيق-: إن هذه الأخبار كلها صحيحة، ليس فيها تعارض، فإن النبيّ ﷺ صلّى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا، قال: والدليل على ذلك أن في خبر عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة، أنه ﷺ خرج بين رجلين: العباس وعليّ، وفي خبر مسروق عنها أنه ﷺ خرج بين بَرِيرة ونُوبة، فهذا يدلّ على أنها كانت صلاتين لا صلاةً واحدة. انتهى (٢). وفي كلام البخاريّ ما يقتضي الميل إلى أن حديث: "إذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا" منسوخ، فإنه قال -بعد أن رواه-: قال الحميديّ: هذا حديث منسوخٌ؛ لأنه ﷺ آخر ما صلّى صلّى قاعدًا، والناس خلفه قيامٌ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله ﷺ . انتهى. ذكره في عدة مواضع من كتابه. وابن حبان لم ير النسخَ، فإنه قال بعد أن رواه في "صحيحه": وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلّى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلّوا قعودًا، وأفتى به من الصحابة: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأُسيد بن حُضير، وقيس بن قَهْد، ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة، وقد أفتى به من التابعين: جابر بن زيد، ولم يُرْوَ عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واهٍ، فكان إجماعًا من التابعين أيضًا.

стр. 5428

وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مِقْسَم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه، وأعلى حديث احتجُّوا به حديثٌ رواه جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، قال ﷺ : "لا يَؤُمَّنّ أحد بعدي جالسًا"، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلًا، والمرسل عندنا وما لم يُرْوَ سِيّان؛ لأنا لو قبلنا إرسال تابعيّ، وإن كان ثقة للزمنا قبول مثله عن أتباع التابعين، وإذا قبلنا لزمنا قبوله من أتباع أتباع التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن يُقْبَل من كل أحد إذا قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، وفي هذا نقض الشريعة. والعجب أن أبا حنيفةَ يَجْرَح جابرًا الجعفيّ ويُكَذِّبه، ثم لما أخطره الأمر جعل يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن عبد اللَّه بن يزيد القطان بالرَّقَّة، ثنا أحمد بن أبي الحوَارِيّ، سمعت أبا يحيى الْحِمّانيّ، سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفيّ، ما أتيته بشيء من رأيي قط إلا جاءني فيه بحديث. وقد ذكرنا ترجمة جابر الجعفيّ في "كتاب الضعفاء". انتهى كلام ابن حبّان ﵀ باختصار (١). وحديث جابر الجعفيّ هذا أخرجه الدارقطنيّ، ثم البيهقيّ في "سننهما" عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يؤمنّ أحد بعدي جالسًا"، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن الشعبيّ غير جابر الجعفيّ، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة. انتهى. وقال عبد الحق في "أحكامه": ورواه عن الجعفيّ مُجالدٌ، وهو أيضًا ضعيف. انتهى. وقال البيهقيّ في "المعرفة": الحديث مرسل لا تقوم به حجةٌ، وفيه جابر الجعفيّ، وهو متروك في روايته، مذموم في رأيه، ثم قد اختُلِف عليه فيه، فرواه ابن عيينة عنه كما تقدم، ورواه ابن طهمان عنه، عن الحكم، قال: كتب عمر: "لا يؤمنّ أحد جالسًا بعد النبيّ ﷺ "، وهذا مرسل موقوفٌ. ثم أسند عن الشافعيّ، ثنا عبد الوهاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن

стр. 5429

أبي الزبير، عن جابر، أنها صلّى وهو مريض جالسًا، وصلّى الناس خلفه جلوسًا، وأخبرنا الثقفي عن يحيى بن سعيد أن أُسيد بن حضير فعل مثل ذلك، قال الشافعيّ: وإنما فعلا مثل ذلك لأنهما لم يعلما بالناسخ، وكذلك ما حُكِي عن غيرهم من الصحابة أنهم أَمَّوْا جالسين، ومن خلفهم جُلوسٌ محمول على أنه لم يبلغهم النسخ، وعلم الخاصة يوجد عند بعض، ويَعْزُب عن بعض. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعوى النسخ في هذه المسألة، لا تثبت، وسيأتي إيضاحها، وتحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة خلف الإمام القاعد لعلّة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في الإمام يصلّي قاعدًا من علّة: فقالت طائفة: يصلّون قُعودًا؛ استنانًا بأمر النبيّ ﷺ أصحابه الذين صلَّوا خلفه قيامًا بالقعود، فممن رُوي عنه أنه استعمل ذلك: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأُسَيد بن حُضَير، وقد روينا عن قَيْس بن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- أن إمامًا اشتكى لهم أعلى عهد رسول اللَّه ﷺ قال: فكان يؤمّنا جالسًا، ونحن جُلُوس. قال ابن المنذر: وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، قال أحمد: كذا قال النبيّ ﷺ ، وفعله أربعةٌ من أصحابه: أُسيد بن حُضَير، وقيس بن قَهْد، وجابر، وأبو هريرة ﵃. قال ابن المنذر: وكان أحقّ الناس بالاستدلال لفعل النبيّ ﷺ بأن ذلك غير منسوخ مَنْ جَعَلَ مَشْيَ ابن عُمر بعد بيعه بأنها أحد الدلائل على أن الافتراق في البيوع افتراق الأبدان؛ لما روى ابن عمر الحديث، قال: ابنُ عمر أعلم بتأويل حديث رسول اللَّه ﷺ ممن بعده، فكذلك لما كان فيما

стр. 5430

روى (١) عن النبيّ ﷺ أَمْرَهُ الذين صَلَّوْا خلفه قيامًا بالقعود أبو هريرة، وجابر، ثم استعملوا ذلك بعد وفاته، وجب كذلك على هذا القائل أن يقول: أبو هريرة وجابر أعلم بتأويل حديث رسول اللَّه ﷺ ، وبناسخه ومنسوخه ممن بعدهما. ولو لم تختلف الأخبار في أمر أبي بكر في موضع رسول اللَّه ﷺ لم يجز الانتقال عما سنّه النبيّ ﷺ لهم، وأمرهم بالقعود إذا صلَّى إمامهم قاعدًا؛ لأن الذي افتتح بهم الصلاة أبو بكر، فوجب عليهم القيام؛ لقيام أبي بكر بهم مما لم يحدث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة بأنها علّة (٢)، فوجب الجلوس، فعليهم أن يفعلوا كفعل إمامهم، وإن تقدّم إمام غير الإمام الذي عقدوا الصلاة معه، فصلّى جالسًا، فليس عليهم الجلوس ما دام الإمام الذي عقدوا معه الصلاة قائمًا، فإذا كانت الحال هكذا في حدوث إمام بعد إمام استُعمل ما جاءت به الأخبار في مرض النبيّ ﷺ الذي مات فيه، وإذا كان مثل الحال الذي صلّى بهم النبيّ ﷺ في منزله، وافتَتَح بهم الصلاةَ قاعدًا، فعليهم القعود بقعوده. فتكون كلُّ سنّة من هاتين السنّتين مستقلّة في موضعها، ولا يبطل كلُّ واحدة للأخرى؛ أن معنى (٣) كلّ سنة غير معنى الأخرى. وقد تأوّل هذا المعنى بعينه أحمد بن حنبل، وكان أولى الناس بأن يقول هذا القول مَنْ مذهبه استعمال الأخبار كلّها إذا وَجَد إلى استعمالها سبيلًا، كاختلاف صفة صلاة الخوف على اختلاف الأحوال فيها، هذا لو كانت الأحوال لا تختلف في صلاة النبيّ ﷺ في مرضه الذي مات فيه. وقالت طائفة: إن صلّى الإمام قاعدًا صلّى المأمومون قيامًا إذا أطاقوا، وصلّى كلُّ واحد فرضه، هذا قول الشافعيّ، قال: أمرُ النبيّ ﷺ في حديث

стр. 5431

أنس، ومن حدّث معه في صلاة النبيّ ﷺ أنه صلّى بهم جالسًا، ومن خلفه جلوسٌ منسوخٌ بحديث عائشة أن النبيّ ﷺ صلّى بهم في مرضه الذي مات فيه جالسًا، وصلَّوا خلفه قيامًا. وقال أصحاب الرأي في مريض صلّى قاعدًا يسجد ويركع، فائتمّ به قوم فصلَّوا خلفه قيامًا: يُجزيهم، وإن كان الإمام قاعدًا يومئ إيماءً، أو مضطجعًا على فراشه يومئ إيماءً، والقوم يصلّون قيامًا قال: لا يجزيه، ولا يجزئ القوم في الوجهين جميعًا. وقال أبو ثور كما قال الشافعيّ. وفي المسألة قول ثالث، قاله مالك، قال: لا ينبغي لأحد أن يؤمّ الناس قاعدًا، وحُكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلّي الإمام بالقوم جلوسًا، وقد روينا عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، أن النبيّ ﷺ قال: "لا يؤمّنّ أحد بعدي جالسًا". قال ابن المنذر: وهذا خبر واهٍ، تُحيط به العلل، جابر متروك الحديث، والحديث مرسل، وهو مخالف للأخبار الثابتة عن النبيّ ﷺ كثيرًا. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ملخّصًا (١). وقال الحافظ ﵀: واستُدلّ به -أي بحديث عائشة ﵂ المذكور الآتي- على صحّة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضًا، وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن، فيما حكاه الطحاويّ، ونَقَل عنه أن ذلك خاص بالنبيّ ﷺ ، واحتَجّ بحديث جابر، عن الشعبيّ مرفوعًا: "لا يَؤُمَّنّ أحدٌ بعدي جالسًا". واعترضه الشافعيّ، فقال: قد عَلِم مَن احتجّ بهذا أن لا حجة فيه؛ لأنه مرسلٌ، ومن رواية رجل يَرْغَب أهلُ العلم عن الرواية عنه، يعني جابرًا الجعفيّ. وقال ابن بزيزة: لو صَحّ لم يكن فيه حجة؛ لأنه يَحْتَمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس؛ أي يُعْرَب قوله: "جالسًا" مفعولًا لا حالًا.

стр. 5432

وحكى عياض عن بعض مشايخهم أن الحديث المذكور يدُلّ على نسخ أمره المتقدِّم لهم بالجلوس لَمّا صلَّوا خلفه قيامًا. وتُعُقِّب بأن ذلك يَحتاج لو صحّ إلى تاريخ، وهو لا يصحّ، لكنه زَعَم أنه تَقَوَّى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحدٌ منهم، قال: والنسخ لا يثبت بعد النبيّ ﷺ لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور. وتُعُقِّب بأنّ عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ثم لو سُلِّم لا يلزم منه عدم الجواز؛ لاحتمال أن يكونوا اكتَفَوا باستخلاف القادر على القيام؛ للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كاف في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. واحتَجَّ أيضًا بأنه ﷺ إنما صلّى بهم قاعدًا؛ لأنه لا يصح التقدم بين يديه؛ لنهي اللَّه عن ذلك، ولأن الأئمة شُفَعاء، ولا يكون أحدٌ شافعًا له. وتُعُقّب بصلاته ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف، وصَحَّ أيضًا أنه صلّى خلف أبي بكر. والعجب أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قولُ ربيعة: إن النبيّ ﷺ كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون ﷺ أمَّ في مرض موته قاعدًا، كما حكاه عنه الشافعيّ في "الأم"، فكيف يدَّعي أصحابه عدم تصوير أنه صلّى مأمومًا، وكأن حديث إمامته المذكور لَمّا كان في غاية الصحة، ولم يمكنهم ردُّهُ سلكوا في الانتصار وجوهًا مختلفة. وقد تبيّن بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف، أن المراد بمنع التقدم بين يديه في غير الإمامة، وأن المراد بكون الأئمة شفعاء، أي في حق مَن يَحتاج إلى الشفاعة. ثم لو سُلِّم أنه لا يجوز أن يؤمه أحدٌ لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أمَّ قاعدًا جماعة من الصحابة بعده ﷺ منهم أُسيد بن حُضير، وجابر، وقَيس بن قَهْد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحةٌ، أخرجها عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم. بل ادَّعى ابنُ حبان وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد. وقال أبو بكر ابن العربيّ: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبيّ ﷺ -

стр. 5433

يَخْلُص عند السبك، واتِّباع السنة أولى، والتخصيصُ لا يثبت بالاحتمال، قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبيّ ﷺ ، والتبرك به، وعدم العِوَض عنه، يقتضي الصلاة معه على أيِّ حال كان عليها، وليس ذلك لغيره، وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يُتَصَوَّر في حقه، ويتصور في حق غيره. والجواب عن الأول ردُّه بعموم قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وعن الثاني بأن النقص إنما هو في حقّ القادر في النافلة، وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم. واستُدِلّ به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدًا إذا صلّى الإمام قاعدًا؛ لكونه ﷺ أقرّ الصحابة على القيام خلفه، وهو قاعدٌ، هكذا قرره الشافعيّ، وكذا نقله البخاريّ في آخر الباب عن شيخه الحميديّ، وهو تلميذ الشافعيّ، وبذلك يقول أبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعيّ، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك. وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرْجَى برؤه، فحينئذ يصلّون خلفه قُعُودًا، ثانيتهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائمًا لزم المأمومين أن يصلُّوا خلفه قيامًا سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موت النبيّ ﷺ ، فإن تقريره لهم على القيام دلّ على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا، وصلَّوا معه قيامًا بخلاف الحالة الأولى، فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالسًا، فلما صلَّوا خلفه قيامًا أنكر عليهم. ويُقَوِّي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لا سيّما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلّي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلّى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدَّم عن نقل عياض، فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات. وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة، وابن

стр. 5434

المنذر، وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى، منها: قولُ ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلّي قاعدًا تبعًا لإمامه لم يُختَلَف في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته ﷺ قاعدًا، فاختُلِف فيها، هل كان إمامًا أو مأمومًا؟ قال: وما لم يُخْتَلَف فيه لا ينبغي تركه لمختَلَف فيه. وأجيب بدفع الاختلاف، والحمل على أنه كان إمامًا مرةً، ومأمومًا أخرى. ومنها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمرِ مَن أَمَّ قاعدًا لعذر تَخَيَّر مَن صلّى خلفه بين القعود والقيام، والقعودُ أولى؛ لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرةِ الأحاديث الواردة في ذلك. وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد مَن استبعد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبيّ ﷺ بذلك، واستمرّ عليه عمل الصحابة في حياته وبعده، فرَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن قيس بن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- الأنصاريّ أن إمامًا لهم اشتكى لهم على عهد رسول اللَّه ﷺ ، قال: فكان يؤمّنا، وهو جالسٌ، ونحن جلوس. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح، عن أُسيد بن حُضير أنه كان يؤمُّ قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلّي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلّي قائمًا، فاقعدوا، فصلّى بهم قاعدًا، وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسيد بن حُضير، أنه قال: يا رسول اللَّه إن إمامنا مريضٌ، قال: "إذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا"، وفي إسناده انقطاع. ورَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن جابر، أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلّى بهم جالسًا، وصلَّوا معه جلوسًا. وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضًا. وقد ألزم ابن المنذر من قال بأن الصحابيّ أعلم بتأويل ما رَوَى بأن يقول بذلك؛ لأن أبا هريرة وجابرًا رويا الأمر المذكور، واستمرّا على العمل به، والفتيا بعد النبيّ ﷺ ، ويلزم ذلك من قال: إن الصحابي إذا رَوَى وعَمِل بخلافه أن العبرة بما عَمِل من باب أولى؛ لأنه هنا عَمِل بوفق ما رَوَى.

стр. 5435

وقد ادَّعَى ابن حبان الإجماع على العمل به، وكأنه أراد السكوتيّ؛ لأنه حكاه عن أربعة من الصحابة الذين تقدم ذكرهم، وقال: إنه لا يُحْفَظ عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه، لا من طريق صحيح ولا ضعيف، وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلافُ ذلك، ثم نازع في ثبوت كون الصحابة صَلَّوا خلفه ﷺ ، وهو قاعد قيامًا غير أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يَرِد صريحًا، وأطال في ذلك بما لا طائل فيه، والذي ادَّعى نفيه قد أثبته الشافعيّ، وقال: إنه في رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا حجة في هذا؛ لأن الشافعي لم يروه متّصلًا، ومعلوم أنه يروي عن إبراهيم بن أبي يحيى، وقد كذّبه أبو داود وغيره، فتنبّه. قال الحافظ: ثم وجدته مُصَرَّحًا به أيضًا في "مصنف عبد الرزاق"، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، فذكر الحديث، ولفظه: "فصلّى النبيّ ﷺ قاعدًا، وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلّى الناس وراءه قيامًا"، وهذا مرسلٌ يَعتضد بالرواية التي علَّقها الشافعيّ، عن النخعيّ، وهذا هو الذي يقتضيه النظر، فإنهم ابتدؤوا الصلاة مع أبي بكر قيامًا بلا نزاع، فمن ادَّعَى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي ما يردّ هذا، وكيف يحتجّ بمرسل عطاء، وقد ضعّفه الأئمة؟ ضعّفه يحى القطان؛ لأنه يأخذ عن الضعفاء، وكذلك ضعّفه الإمام أحمد، بل قال: مراسيل الحسن وعطاء أضعف المراسيل؛ لأنهما يأخذان عن كلٍّ؛ أي كلّ الناس الثقات والضعفاء، راجع ما كتبه الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذيّ" (١). قال: ثم رأيت ابن حبّان استَدَلّ على أنهم قعدوا بعد أن كانوا قيامًا بما رواه من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: "اشتكى رسول اللَّه ﷺ ، فصلّينا وراءه، وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، قال: فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فلما سلَّم قال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، فلا تفعلوا. . . " الحديث، وهو حديث صحيحٌ، أخرجه مسلم، لكن ذلك لم

стр. 5436

يكن في مرض موته، وإنما كان ذلك حيث سَقَط عن الفرس، كما في رواية أبي سفيان، عن جابر أيضًا، قال: "رَكِب رسول اللَّه ﷺ فرسًا بالمدينة، فصرعه على جِذْع نخلة، فانفَكَّت قدمه. . . " الحديث، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، بإسناد صحيح، فلا حجة على هذا لما ادّعاه، إلا أنه تمسك بقوله في رواية أبي الزبير: "وأبو بكر يُسمع الناس التكبير"، وقال: إن ذلك لم يكن إلا في مرض موته؛ لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مَشْرُبة عائشة، ومعه نفر من أصحابه، لا يحتاجون إلى من يُسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنها كانت في المسجد بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير. انتهى. ولا راحة له فيما تمسك به؛ لأن إسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنه حفظه، فلا مانع أن يُسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يُحْمَل على أن صوته ﷺ كان خفيًّا من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير، فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك، ووراء ذلك كلِّه أنه أمر مُحْتَمِل لا يُتْرَك لأجله الخبر الصريح بأنهم صلَّوا قيامًا، كما تقدم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنهم استمروا قيامًا إلى أن انقضت الصلاة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن مرسل عطاء ضعيف، كما أسلفناه آنفًا، فلا يكون حجة في المسألة، فتدبّر، ومما يؤيّد ذلك ما أشار إليه بقوله: نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متصلًا به بعد قوله: "وصلّى الناس وراءه قيامًا"، فقال النبيّ ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ ما صلّيتم إلا قعودًا، فصلُّوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلّى قائمًا، فصلّوا قيامًا، وإن صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا"، وهذه الزيادة تُقَوِّي ما قال ابن حبان أن هذه القصة كانت في مرض موت النبيّ ﷺ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو العدل، فلو قدّرنا صلاحية مرسل عطاء للاحتجاج به، لكان الاحتجاج بهذه الزيادة أولى وأقرب، فنقول: إن حجة دعوى النسخ بمرسل عطاء بطلت بما دلّت عليه هذه الزيادة؛ لأنه أمرهم بأن يصلّوا قعودًا إذا صلّى الإمام قاعدًا.

стр. 5437

والحاصل أن الظاهر صحّة ما قاله ابن حبّان ﵀ في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. قال: ويُستفاد منها -أي من هذه الزيادة- نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلّى إمامهم قاعدًا؛ لأنه ﷺ لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نُسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب، فيُحْمَل أمره الأخير بأن يصلُّوا قعودًا على الاستحباب؛ لأن الوجوب قد رُفِع بتقريره لهم، وترك أمرهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة، وباللَّه التوفيق، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ المحقّق ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ أخيرًا تحقيقٌ حسنٌ، إلا احتجاجه على الاستحباب بمرسل عطاء المذكور؛ لأنك عرفت أنه ضعيف، فتأمّل. وبالجملة فهذا يدلّ على إنصاف الحافظ ﵀ في هذه المسألة حيث خالف مذهبه؛ لأن مذهب الشافعي بخلافه، وهذا هو الذي يجب على كلّ مسلم عَرَفَ صحيح الأحاديث من سقيمها، وعَرَف الجمع بين مختلفها، لا أن يتعصّب لرأي بعض الناس، فيتكلّف ويتعسّف بتأويل ما لا يَقبل التأويل، وهو صرف ظواهر الأحاديث عن مقتضاها؛ لمخالفتها مذهبه. والحاصل أن الأرجح ما ذهب إليه من قال: إن من صلّى خلف إمام يصلّي قاعدًا لعذر منعه من القيام يصلّي قاعدًا تبعًا لإمامه كما فعل الصحابة وراء النبيّ ﷺ بأمره، ولكن إن صحّ ما دلّ عليه مرسل عطاء المذكور، فلا مانع لمن صلّى قائمًا؛ لأنه ﷺ أقرّهم عليه، ولم يأمرهم بإعادة ما صلّوا قائمين، فدلّ على جوازه، وإن كان الأولى الصلاة قاعدًا؛ لأمره ﷺ به، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف الروايات، هل كان النبيّ ﷺ الإمامَ، أو أبو بكر الصدّيق ﵁ هو الإمام؟: (اعلم): أن جماعةً قالوا: الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ صريح في أن النبيّ ﷺ كان هو الإمامَ؛ لأنه جَلَس عن يسار أبي بكر، ولقوله: فكان رسول اللَّه ﷺ يصلّي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا يقتدي به، وكان أبو بكر مبلغًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان.

стр. 5438

وقالت طائفة: كان أبو بكر هو الإمامَ؛ لما رواه شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن النبيّ ﷺ صلّى خلف أبي بكر، وفي رواية مسروق عنها: أنه ﷺ صلّى خلف أبي بكر جالسًا في مرضه الذي تُوُفِّي فيه. وروي حديث عائشة بطرق كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح، وقال البيهقيّ: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبيّ ﷺ إمامًا، هي صلاة الظهر يوم السبت، أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلّاها ﷺ حتى خرج من الدنيا. وقال نعيم بن أبي هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحةٌ، وليس فيها تعارضٌ، فإن النبيّ ﷺ صلّى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا. وقال الضياء المقدسيّ، وابن ناصر: صحّ وثبت أنه ﷺ صلّى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي تُوُفّي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، لا علم له بالرواية. وقيل: إن ذلك كان مرتين؛ جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبيّ هو الإمام، ذكر هذا كلّه العينيّ في "العمدة" (١). وقال في "الفتح" ما حاصله: روى ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن بشار، عن أبي داود، عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "من الناس من يقول: كان أبو بكر المقدَّم بين يدي رسول اللَّه ﷺ في الصفّ، ومنهم من يقول: كان رسول اللَّه ﷺ هو المقدَّم"، ورواه مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بلفظ: "أن النبيّ ﷺ صَلَّى خلف أبي بكر"، أخرجه ابن المنذر، وهذا عكس رواية أبي موسى، وهو اختلاف شديدٌ.

стр. 5439

ووقع في رواية مسروق عنها أيضًا اختلاف، فأخرجه ابن حبان من رواية عاصم، عن شقيق، عنها بلفظ: "كان أبو بكر يصلّي بصلاته، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر"، وأخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن خزيمة، من رواية شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن شقيق، بلفظ: "أن النبيّ ﷺ صلّى خلف أبي بكر". وظاهر رواية محمد بن بشار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، ولكن تضافرت الروايات عنها بالجزم بما يدل على أن النبيّ ﷺ كان هو الإمام في تلك الصلاة. منها: رواية موسى بن أبي عائشة التي أشرنا إليها -يعني الرواية المذكورة هنا- ففيها: "فجَعَل أبو بكر يصلّي بصلاة النبيّ ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر"، وهذه رواية زائدة بن قُدامة، عن موسى. وخالفه شعبة أيضًا، فرواه عن موسى، بلفظ: "أن أبا بكر صلّى بالناس، ورسول اللَّه ﷺ في الصف خلفه". فمن العلماء: مَن سَلَك الترجيح، فقدَّم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره. ومنهم: مَن سَلَك عكس ذلك، ورَجّح أنه كان إمامًا، وتمسك بقول أبي بكر ﵁ الآتي في الباب التالي: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول اللَّه ﷺ ". ومنهم: مَن سَلَك الجمعَ، فحمل القصة على التعدد، وأجاب عن قول أبي بكر كما سيأتي في بابه. ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة، غير عائشة ﵂، فحديث ابن عباس فيه: أن أبا بكر كان مأمومًا، وكذا في رواية أرقم بن شُرَحبيل عن ابن عباس (١)، وحديث أنس فيه: أن أبا بكر كان إمامًا، أخرجه الترمذيّ وغيره من

стр. 5440

رواية حُميد، عن ثابت، عنه، بلفظ: "آخرُ صلاة صلّاها النبيّ ﷺ خلف أبي بكر في ثوب"، وأخرجه النسائيّ من وجه آخر، عن حميد، عن أنس، فلم يذكر ثابتًا. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي من هذه التوجيهات للاختلافات في أحاديث الباب قول من حمل القصّة على التعدّد، ففي بعض الصلاة كان النبيّ ﷺ هو الإمام، وفي بعضها صلّى خلف أبي بكر؛ لأن في بعض الروايات التصريح بذلك، أما كونه ﷺ إمامًا فأحاديث "الصحيحين" وغيرهما من حديث عائشة واضحة فيه، وأما كونه مأمومًا، فكذلك دلّت عليه بعض الأحاديث الصحيحة، كحديث أنس ﵁ المذكور، وهو حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: ذكر الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد جمعه بين أحاديث الباب؛ ما نصّه: ولا يتوهّمَنّ متوهمٌ أن الجمع بين الأخبار على حسب ما جمعنا بينها في هذا النوع من أنواع السنن يضادُّ قول الشافعيّ -رحمة اللَّه، ورضوانه عليه- وذلك أن كلَّ أصل تكلمنا عليه في كتبنا، أو فرع استنبطناه من

стр. 5441

السنن في مصنفاتنا، هي كلُّها قولُ الشافعيّ، وهو راجعٌ عما في كتبه، وإن كان ذلك المشهورَ من قوله، وذاك أني سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت المزنيّ يقول: سمعت الشافعيّ يقول: "إذا صحّ لكم الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، فخُذُوا به، ودَعُوا قولي". وللشافعي -رحمة اللَّه عليه- في كثرة عنايته بالسنن، وجمعه لها، وتفقهه فيها، وذَبِّه عن حريمها، وقمعه مَن خالفها، زَعَمَ أن الخبر إذا صحّ فهو قائل به، راجع عما تقدّم من قوله في كتبه، وهذا مما ذكرناه في كتاب "المبين" أن للشافعيّ ﵀ ثلاث كلمات، ما تَكَلَّم بها أحدٌ في الإسلام قبله، ولا تفوّه بها أحدٌ بعده، إلا والمأخذ فيها كان عنه: إحداها: ما وصفتُ. والثانية: أخبرني محمد بن المنذر بن سعيد، عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفرانيّ، قال: سمعت الشافعيّ يقول: ما ناظرت أحدًا قط، فأحببت أن يخطئ. والثالثة: سمعت موسى بن محمد الديلمي بأنطاكية يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعيّ يقول: وَدِدتُ أن الناس تعلموا هذه الكتب، ولم ينسبوها إليّ. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أجلّ قدر الإمام الشافعيّ ﵀، وقدر تعظيمه للسنّة، وما أشدّ تواضعه ﵀. ومما رأيته مما يخالف ظاهر كلام الشافعيّ ﵀ المذكور أن بعض المتأخرين من الشافعيّة أوّل قول الشافعيّ ﵀: "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي" بأنه محمول على ما لم يطّلع عليه الشافعيّ من الأحاديث، أما إذا اطّلع عليه، وترك العمل به فلا. وفي هذا التأويل نظر لا يخفى على بصير، فقد اطّلع الشافعيّ على حديث الباب، وتأوّله، ولكن تأويله لم يقبله محقّقو أتباعه، كابن خزيمة، وابن حبّان، وابن المنذر، وابن حجر العسقلانيّ، فتركوا مذهبه، وقالوا: إنه لو

стр. 5442

جمع أطراف الأحاديث، وقابل بينها لتبيّن له أن الصواب خلاف ما أوّل به، ولهذا قال ابن حبّان: هذا التأويل الذي أوّلنا به هو مذهب الشافعيّ؛ لأن من قواعده أن ما صحّ من الحديث، واتّضح معناه، وتأويله هو المذهب له، وإن قال في كتبه خلاف هذا التأويل، وهذا ظاهر كلامه ﵀، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ (١): خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ، فَصَلَّى لَنَا (٢) قَاعِدًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الثبت الفقيه المشهور الحجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٦) من رباعيّات الكتاب. قوله: (خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) هو بمعنى سقط في الرواية الماضية. وقوله: (فَجُحِشَ) بالبناء للمفعول: أي خُدش، وجُرح. وقوله: (فَصَلَّى لَنَا) وفي نسخة: "فصلّى بنا". وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ) الضمير لليث، أي ذكر الليث، عن ابن شهاب نحو حديث سفيان ابن عيينة عنه.

стр. 5443

[تنبيه]: رواية الليث التي أحالها المصنّف هنا على رواية سفيان بن عيينة، أخرجها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٧٣٣) حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أنه قال: خَرَّ رسول اللَّه ﷺ عن فرس، فَجُحِش، فصلّى لنا قاعدًا، فصلّينا معه قعودًا، ثم انصَرَفَ، فقال: "إنما الإمام، أو إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صُرِعَ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَزَادَ (١): "فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوْا قِيَامًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) ضمير التثنية لسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، يعني أن يونس بن يزيد الأيليّ حدّث عن ابن شهاب نحو حديث سفيان، والليث. وقوله: (وَزَادَ) وفي نسخة: "وزاد فيه"، والضمير ليونس، أي زاد يونس على رواية سفيان والليث قوله: "فإذا صلّى قيامًا فصلُّوا قيامًا". وقوله: (فَصُرِعَ) -بضم الصاد المهملة، وكسر الراء-: أي سَقَط عن ظهر الفرس، قال في "الْمُحْكَم": الصَّرْعُ: الطَّرحُ بالأرض. انتهى. وقوله: (فإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوْا قِيَامًا) أي لمن استطاع ذلك، فمَنْ عَجَز

стр. 5444

عنه صَلَّى على حسب حاله مع الاقتداء بالإمام القائم، وهذا لا خلاف فيه، قاله في "الطرح" (١). [تنبيه]: رواية يونس هذه، أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ١٠٦)، فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، وأبو عبيد اللَّه، قالا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، ومالك، والليث، أن ابن شهاب أخبرهم، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ رَكِب فرسًا، فصُرِع عنه، فجُحِش شقه الأيمن، فصلّى لنا صلاةً من الصلوات، وهو جالس، فصلّينا معه جلوسًا، فلما انصرف قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا، وإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٢٩] (. . .) - (حَدَّثَنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَفِيهِ: "إِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوْا قِيَامًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف "المسند"، كان يلازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بن يحيى الْقَزّاز الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦٣.

стр. 5445

٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان تقدّما فيما قبله. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث مالك، عن الزهريّ نحو حديث كلٍّ من ابن عيينة، والليث، ويونس، عنه. وقوله: (وَفِيهِ: إِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوْا قِيَامًا) يعني في حديث مالك زيادة قوله: "إذا صلّى قائمًا. . . إلخ". [تنبيه]: رواية مالك، عن الزهريّ هذه، أخرجها في "الموطّأ"، فقال: (٢٨٠) حدثني يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ رَكِب فرسًا فصُرِع، فجُحِش شقه الأيمن، فصلّى صلاةً من الصلوات، وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رَفَع فارفعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسٌ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَقَطَ مِنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةُ يُونُسَ وَمَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْد) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقيان تقدّما في السابق. قوله: (سَقَطَ مِنْ فَرَسِهِ) وفي نسخة: "من فرسٍ".

стр. 5446

وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لمعمر. وقوله: (وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةُ يُونُسَ وَمَالِكٍ) يعني أن معمرًا لم يزد في روايته ما زاده يونس، ومالك، وهو قوله: "فإذا صلّى قائمًا، فصلُّوا قيامًا". [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه، أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (١٢١٩٥) حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن أنس، قال: سقط النبيّ ﷺ من فرس، فجُحِش شقه الأيمن، فدخلوا عليه، فصلّى بهم قاعدًا، وأشار إليهم أن اقعدوا، فلما سلّم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا أجمعون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٢] (٤١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، فَصَلَّوْا بِصَلَاِتهِ (١) قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَجَلَسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوسًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩. ٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيهٌ،

стр. 5447

ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) أو بعدها (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: هشام، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ) خالته (عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَت: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي مَرِضَ، قال في "اللسان": الشَّكْوُ، والشَّكْوَى، والشَّكَاةُ، والشَّكَاء كلّه: المرضُ، تقول: شَكَا يَشْكُو شَكَاةً، يُستعمل في الْمَوْجِدَة والمرض، ويقال: هو شاكٍ: أي مريض، واشتكى عُضْوًا من أعضائه، وتَشَكَّى بمعنًى. انتهى باختصار (١). وفي رواية البخاريّ: "صلَّى رسول اللَّه ﷺ في بيته، وهو شاكٍ"، قال في "الفتح": قوله: "في بيته" أي في الْمَشْرُبة التي في حُجْرة عائشة ﵂، كما بينّه

стр. 5448

أبو سفيان، عن جابر ﵁، وهو دالّ على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه ﷺ عَجَز عن الصلاة بالناس في المسجد، فكان يصلّي في بيته بمن حَضَر، لكنه لم يُنقل أنه استَخْلَف، ومن ثَمّ قال عياض: إن الظاهر أنه صَلّى في حجرة عائشة، وائتَمّ به مَن حَضَر عنده، ومن كان في المسجد، وهذا الذي قاله مُحْتَمِلٌ، وَيحْتَمِل أيضًا أن يكون استَخْلَف، وإن لم يُنقَل، ويلزم على الأول صلاة الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عياض خلافه، لكن له أن يقول: محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحدٌ، وهنا كان معه بعض أصحابه. انتهى (١)، وهو بحثٌ جيّد، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وهو شَاكٍ" -بتخفيف الكاف، بوزن قاضٍ- من الشِّكاية، وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس ﵁ المذكور في الحديث السابق: "أنه سَقَط عن فَرَسٍ". (فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) قد سُمِّي منهم في الأحاديث أنسٌ، كما في الحديث الذي قبل هذا، وجابر ﵁، كما في الحديث الآتي، وأبو بكر، كما في حديث جابر الآتي أيضًا، وعمر، كما في رواية الحسن مرسلًا عند عبد الرزاق، أفاده في "الفتح" (٢). (يَعُودُونَهُ) أي يزورونه ﷺ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا) قال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِل أن يكون أصابه من السَّقْطَة رَضٌّ في الأعضاء، مَنَعَهُ من القيام. وتعقّبه الحافظ، فقال: وليس كذلك، وإنما كانت قدمه ﷺ انفَكّت، كما في رواية بشر بن المفضَّل، عن حميد، عن أنس، عند الإسماعيليّ، وكذا لأبي داود، وابن خزيمة، من رواية أبي سفيان، عن جابر ﵁. وأما قوله في رواية الزهريّ، عن أنس بن مالك: "جُحِش شقُّه الأيمن"، وفي رواية يزيد، عن حميد، عن أنس: "جُحش ساقه، أو كتفه"، فلا ينافي ذلك كون قدمه انفكَّت؛ لاحتمال وقوع الأمرين، وقد تقدَّم تفسير الجحش بأنه الْخَدْش، والْخَدْشُ: قَشْرُ الجلد.

стр. 5449

ووقع عند البخاريّ من رواية سفيان، عن الزهريّ، عن أنس، قال سفيان: حَفِظت من الزهريّ "شقه الأيمن"، فلما خَرَجنا قال ابن جريج: "ساقه الأيمن"، قال الحافظ: رواية ابن جريج أخرجها عبد الرزاق عنه، وليست مُصَحَّفةً، كما زعم بعضهم؛ لموافقة رواية حميد المذكورة لها، وإنما هي مُفَسِّرة لمحل الخدش من الشق الأيمن؛ لأن الخدش لم يستوعبه. وحاصل ما في القصة أن عائشة أبهمت الشكوى، وبَيَّنَ جابر وأنس السبب، وهو السقوط عن الفرس، وعَيَّن جابر العلّة في الصلاة قاعدًا، وهي انفكاك القدم (١). وأفاد ابن حبان في "صحيحه" أن هذه القصّة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة (٢). (فَصَلَّوْا) أي الناس الذين دخلوا عليه يعودونه (بِصَلَاِتِهِ) الباء سببيّة، أو بمعنى "مع"، وفي نسخة: "لصلاته" باللام، أي لأجل صلاة النبيّ ﷺ ، وقوله: (قِيَامًا) مصدر قام، وقع حالًا من الفاعل، كما قال في "الخلاصة": وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حَالًا يَقَعْ … بِكَثْرَةٍ كَـ "بَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ" أي حال كونهم قائمين. (فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا) وكذا هو عند البخاريّ، ورواه أيوب، عن هشام، بلفظ: "فأومأ إليهم"، وهو بمعناه، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام، بلفظ: "فأخلف بيده، يومئ بها إليهم"، وفي مرسل الحسن: "ولم يبلغ بها الغاية" (فَجَلَسُوا) أي صلَّوا وراءه جالسين؛ امتثالًا لأمره ﷺ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلّم من الصلاة (قَالَ) ﷺ ("إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوسًا") قد تقدّم شرح هذه القطعة في حديث أنس ﵁، فراجعه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 5450

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٩٣١ و ٩٣٢] (٤١٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٨٨) و"تقصير الصلاة" (١١١٣) و"السهو" (١٢٣٦) و"المرضَى" (٥٦٥٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٠٥)، و (ابن ماجه) فيها (١٢٣٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٣٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٤٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥١ و ٥٧ و ٦٨ و ١٤٨ و ١٩٤) و (٢/ ٣٢٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٠٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٠٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٢١ و ١٦٢٢ و ١٦٢٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩١٨ و ٩١٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٥١)، وأما بقيّة المسائل، فقد تقدّمت في شرح حديث أنس ﵁، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن دِرْهَم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.

стр. 5451

٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) الأول هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) الثاني هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث عبدة بن سليمان، يعني أن حديث عبد اللَّه بن نُمير، عن هشام بن عروة، نحوُ حديث عبدة بن سليمان الماضي، عنه. [تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن نُمير، عن هشام بن عروة هذه أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٣١٦٨) حدّثنا ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّى في مرضه، وهو جالسٌ، فصلّى، وخلفه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم أَنِ اجلسوا، فلما قَضَى صلاته، قال: "إنما الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صَلَّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٣] (٤١٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ، وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ، وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوْا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَصَلُّوْا قُعُودًا").

стр. 5452

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٢ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عَمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. والباقون كلّهم تقدّموا في هذا الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم المكيّ (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: اشْتَكَى) أي مَرِضَ (رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ) عطفٌ على مقدّر، أي فصلّى بنا، فصلّينا وراءه، والصلاة التي صلّاها بهم هي الظهر، ففي رواية النسائيّ من طريق حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرُّؤاسيّ، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر، وأبو بكر خلفه، فإذا كبّر رسول اللَّه ﷺ كبّر أبو بكر يسمعنا (وَهُوَ قَاعِدٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ) ﷺ ، والجملة حاليّة معطوفة على الأولى، أي والحال أن أبا بكر الصدّيق ﵁ يُسمع -بضم أوله- من الإسماع، و"الناس" منصوب على المفعوليّة، وإنما فعل ذلك أبو بكر ﵁ لضعف صوته ﷺ بسبب المرض (فَالْتَفَتَ) ﷺ (إِلَيْنَا) فيه جواز الالتفات في الصلاة للحاجة. وإنما التفت إليهم؛ لبيان الجواز، وليطّلع على أحوالهم، فيُرشدهم إلى

стр. 5453

الصواب مع دوام مراقبته للَّه ، وهذا لا ينافي قوله ﷺ : "فإني أراكم من وراء ظهري"؛ لاحتمال أن يكون غير منتبه لهم أوّلًا حتى يراهم من وراء ظهره؛ لاشتغاله بشأن الصلاة، فلما انتبه لذلك بسبب التفاته رآهم. فقول السنديّ: إن هذا يقتضي أن رؤيته ﷺ من ورائه ما كانت على الدوام، فيه نظرٌ؛ لما ذكرته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. (فَرَآنَا) أي الصحابة الحاضرين لعيادته (قِيَامًا) منصوب على الحال، كما تقدّم في الحديث الماضي، أي قائمين (فَأَشَارَ إِلَيْنَا) أي بالقعود (فَقَعَدْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا) بالضمّ جمع قاعد، أي حال كوننا قاعدين (فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنْ كِدْتُم) "إن" بكسر الهمزة هي المخفّفة من الثقيلة، أي إنكم كدتم: أي قاربتم (آنِفًا) بالمدّ والقصر، قال في "القاموس": وقال آنفًا، كصاحب، وكَتِفٍ، وقُرئ بهما: أي مُذْ ساعة، أي في أول وقتٍ يَقرُب منّا. انتهى (١) (لَتَفْعَلُونَ) اللام هي الفارقة بين "إِنِ" المخفّفة و"إِنِ" النافية، كما أشار إليها في "الخلاصة" بقوله: وَخُفِّفَت "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وفي رواية النسائيّ: "إن كنتم تفعلون" بلفظ "كنتم" بدل "كدتم"، وحذف اللام لدلالة القرينة عليها، كما قال في "الخلاصة": وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا (فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ) جيلان من الناس معروفان (يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ماذا يفعلون؟، فقال: "يقومون على ملوكهم" أي بين أيديهم (وَهُمْ قُعُودٌ) الضمير للملوك، أي والحال أنهم قاعدون (فَلَا تَفْعَلُوا) حُذف مفعوله؛ لدلالة السياق عليه، أي لا تفعلوا فعلهم. قال النوويّ ﵀: فيه النهي عن قيام الغِلْمان، والأتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة، وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير، فليس من هذا، بل هو جائز، قد جاءت به أحاديث، وأطبق عليه

стр. 5454

السلف والخلف، قال: وقد جمعت دلائله، وما يَرِد عليه في جزء -وباللَّه التوفيق والعصمة- انتهى (١). وقال السنديّ ﵀: يريد أن القيام مع قعود الإمام يُشبه تعظيم الإمام فيما شُرِع لتعظيم اللَّه وحده، فلا يجوز، ولا يخفى دوام هذه العلّة، فينبغي أن يدوم هذا الحكم، فالقول بنسخه كما عليه الجمهور خفيّ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم ترجيح القول بعدم النسخ، وأن القيام جائز، وإن كان الأولى القعود؛ للأمر به، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ) أي اقتدوا بهم فيما يفعلونه، ثم بيّن بعض ما يأتمّون بهم فيه، بقوله: (إِنْ صَلَّى) أي الإمام (قَائِمًا، فَصَلُّوْا قِيَامًا) أي حال كونكم قائمين (وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَصَلُّوْا قُعُودًا") أي حال كونكم قاعدين، فيه جواز الصلاة قاعدًا بلا مرض خلف من يُصلّي قاعدًا لمرض، وقد تقدّم اختلاف العلماء فيه، وترجيح القول بالجواز في المسألة الرابعة من شرح حديث أنس ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٩٣٣ و ٩٣٤] (٤١٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٠٦)، و (النسائيّ) فيها (٣/ ٩)، و (ابن ماجه) فيها (١٢٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٢٢ و ٢١٢٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٢٤ و ١٦٢٥ و ١٦٢٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٢٠ و ٩٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٩). وأما بقيّة المسائل، فقد تقدّمت

стр. 5455

قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسَيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِيُسْمِعَنَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم أول الباب. ٢ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ) -بضمّ الراء، بعدها همزة خفيفة- أبو عوف، وقيل: كنيته أبو عليّ، وأبو عوف لَقَبٌ الكوفيّ، ثقة [٨]. رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، والحسن بن صالح، وزهير، وأبي الأحوص، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، وقتيبة، وابن نمير، ويحيى بن يحيى. قال الأثرم: أثنى عليه أحمد، ووصفه بخير، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي خيثمة، عن أبي بكر بن أبي شيبة: قَلَّ مَن رأيت مثله، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، لم يَكْتُب الناس كلَّ ما عنده، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ عاقلٌ ناسكٌ، نقله ابن خلفون. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في آخر سنة (١٩٢)، وقال ابن نمير: مات سنة (٩٠)، وقيل: إنه مات سنة (٨٩). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٤١٣) و (١٢٨٦) و (١٦٨٥) و (٢١٩٦) و (٢٥٨٦) و (٢٨٥١). ٣ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسيّ الكوفيّ، ثقة [٧] (م د س) تقدم في "الصلاة" ١٦/ ٩٠٨.

стр. 5456

والباقيان تقدّما فيما قبله. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عبد الرحمن بن حميد. [تنبيه]: حديث عبد الرحمن بن حُميد، عن أبي الزبير الذي أحاله المصنّف هنا على حديث الليث، أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٣٧) فقال: (٩٢١) حدثنا عليّ بن المفضَّل، ثنا محمد بن أيوب الزايديّ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وحدثنا أبو محمد بن حَيّان، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح) وحدّثنا محمد بن عليّ بن حُبيش، ثنا إسماعيل بن إسحاق السّرّاج، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا حُميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبيّ ﷺ صَلَّى بنا جالسًا الظهر، فلما قَضَى صلاته، قال: "كِدتم أن تفعلوا كفعل فارس والروم، إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا، وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا"، لفظ يحيى بن يحيى. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٥] (٤١٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا الْإِمَامُ (١) لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلهم تقدّموا، و"الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ" هو: المغيرة بن عبد الرحمن المدنيّ،

стр. 5457

و"أبو الزناد" هو: عبد اللَّه بن ذكوان، و"الأعرج" هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) وفي نسخة: "إنما جُعِل الإمام ليؤتَمَّ به"، وهو الذي في "صحيح البخاريّ". وقوله: "فلا تختلفوا عليه" هذه الزيادة ليست عند البخاريّ، وقال في "الفتح": أفادت هذه الزيادة أن الأمر بالاتباع يَعُمُّ جميع المأمومين، ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتّباع بعض دون بعض. انتهى. وكتب الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" تعليقًا على هذا الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم ﵁: قد زَجَر المصطفى ﷺ في هذا الخبر المأمومين عن الاختلاف على إمامهم، إذا صلّى قاعدًا، وهو من ضرب الذي ذكرتُ في غير موضع من كتبنا أن النبيّ ﷺ قد يَزْجُر عن الشيء بلفظ العموم، ثم يستثني بعض ذلك الشيء المزجور عنه، فيبيحه لعلة معلومة، كما نَهَى ﷺ عن المزابنة، بلفظٍ مطلقٍ، ثم استثنى بعضها، وهو الْعَرِيّة، فأباحها بشرط معلوم؛ لعلة معلومة، وكذلك يأمر ﷺ الأمر بلفظ العموم، ثم يستثني بعض ذلك العموم، فيحظُره؛ لعلة معلومة، كما أمر ﷺ المأمومين والأئمة جميعًا أن يصلُّوا قيامًا إلا عند العجز عنه، ثم استثنى بعض هذا العموم، وهو إذا صَلَّى إمامهم قاعدًا، فزجرهم عن استعماله، مُسْتَثْنًى من جملة الأمر المطلق، ولهذا نظائر كثيرة من السنن، سنذكرها في مواضعها من هذا الكتاب، إن قضى اللَّه ذلك وشاءه. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (١). وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق من شرح الأحاديث الماضية، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 5458

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٩٣٥ و ٩٣٦] (٤١٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٢٢ و ٧٣٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٠٣ و ٦٠٤)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، و (ابن ماجه) فيها (٨٤٦ و ١٢٣٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٠٨٢ و ٤٠٨٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٥٨ و ٩٥٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٠ و ٣١٤ و ٣٤١ و ٣٧٥ و ٣٧٦ و ٤١١ و ٤٧٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٠٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٠٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٢٧ و ١٦٢٨ و ١٦٢٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٢٢ و ٩٢٣). وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّم بعينه في الباب الماضي. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث الأعرج، يعني أن حديث همّام بن منبّه عن أبي هريرة ﵁ مثل حديث الأعرج عنه. [تنبيه]: حديث همّام بن منبّه هذا أخرجه الحافظ أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٨) فقال: (٩٢٢) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، عن معمر، عن همّام، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ (ح) وحدَّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسين، ثنا ابن أبي السيريّ (٢) أنبا

стр. 5459

عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، قالا (١) تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلّى جالسًا، فصلّوا جلوسًا أجمعين". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ النَّهْي عَنْ مُبَادَرَةِ الإِمَامِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٧] (٤١٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا، يَقُولُ: "لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ، إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ") (٢). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ خَشْرَمٍ) هو: عليّ بن خَشْرَم -بمعجمتين، بوزن جَعْفَر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ١٥٧) أو بعدها (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا.

стр. 5460

٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان تقدّم قبل باب. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني تفرّد به هو، والترمذيّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي صالح. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا) أي أحكام الصلاة بدليل قوله: "يقول. . . إلخ"، فجملة (يَقُولُ) تفسير وتوضيح لمعنى: يعلّمنا ("لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تُبَادِرُوا الْإِمَامَ) أي لا تسبقوه بالتكبير، والركوع، والسجود، والرفع منهما، فقوله: "إذا كبّر فكبّروا. . . إلخ" بيان للمعنى المراد بالنهي عن مسابقة الإمام (إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) أي للإحرام، أو مطلقًا، زاد في رواية أبي داود: "ولا تكبّروا حتى يُكبّر" (وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾) أي مع تأمينه، بدليل الرواية الأخرى: "وإذا أمّن، فأمّنوا" (فَقُولُوا: آمِينَ) أي مقارنًا لتأمين الإمام؛ لما تقدّم أنّ السنّة مقارنة الإمام في التأمين (وَإِذَا رَكَعَ) أي أخذ في الركوع، وتحقّق ركوعه (فَارْكَعُوا) زاد في رواية أبي داود: "ولا تركعوا حتى يركع"، وقد تقدّم أن المراد تحقّق ركوعه بتمام الانحناء، وليس المراد تمام الركوع، وفراغه منه كما يتبادر من اللفظ (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي مع التحميد (فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ") وفي نسخة: "ربّنا ولك الحمد"، بالواو، وتقدّم جواز الوجهين، وزيادة "اللَّهمّ" قبله أيضًا. ثم إن ظاهره أن التسميع للإمام، والتحميد للمأموم؛ لأن التوزيع

стр. 5461

والتقسيم ينافي الشركة، لكن سبق أنّ الأرجح بالنسبة للإمام أن يجمع بينهما؛ لثبوت ذلك من النبيّ ﷺ ، وأما المأموم فيكتفي بالتحميد فقط؛ لظاهر هذا الحديث؛ إذ لم يثبت صريحًا ما يعارضه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٩٣٧ و ٩٣٨] (٤١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٣٠ و ١٦٣١)، و (أبو نُعيم) (٩٢٤ و ٩٢٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٧٦ و ١٥٨٢)، وبقيّة المسائل تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ (١)، عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ"، وَزَادَ: "وَلَا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الْجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) تقدّم قبل بابين. والباقيان تقدّما في السند الماضي.

стр. 5462

وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن حديث عبد العزيز الدراورديّ نحو حديث الأعمش، إلا أنه نقص منه قوله: "وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين"، فلم يذكره. وقوله: (وَزَادَ: وَلَا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ) فاعل "زاد" ضمير عبد العزيز الدراورديّ. [تنبيه] رواية عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ هذه ساقها أبو نعيم (١)، في "مستخرجه" (٢/ ٣٩) فساقه بسنده (٢) إلى محمد بن إسحاق السّرّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل عن أبيه (٣)، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، ولا تختلفوا عليه، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا ترفعوا قبله". انتهى (٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٣٩] (٤١٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى، وَهُوَ ابْنُ عَطَاءٍ، سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا، فَصَلُّوْا قُعُودًا، وَإِذَا قَالَ:

стр. 5463

سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الْأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٣ - (يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ) العامريّ، ويقال: الليثيّ الطائفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وأوس بن أبي أوس، وعُمارة بن حُدَير البجليّ، وعمرو بن الشَّرِيد بن سُوَيد، وعمرو بن عاصم بن سُفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِيّ، وأبي عَلْقَمَة الهاشميّ، وجابر بن يزيد بن الأسود، وأبي هَمّام عبد اللَّه بن يسار الكوفيّ، ووكيع بن عُدُس، ويزيد بن طَلْق، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريُّ، وحماد بن سلمة، وهُشيم، وشريك، وأبو عوانة، وغيرهم. قال الأثرم: أثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: سمع هُشيم من يعلى، وهو صغير جدًّا. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: قال هشيم: فارقنا يعلى سنة عشرين ومائة. وقال البخاريّ: يقال: مات بواسط سنة عشرين، وفيها أَرّخه ابن حبّان. وقال ابن المديني: يعلى بن عطاء له أحاديثُ لم يروها غيره، ورجالٌ لم يرو عنهم غيره، منهم وكيع بن عُدُس، وأهل الحجاز لا يعرفونه، وإنما رَوَى عنه قوم بواسط. أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤١٦) و (١٨٣٥) و (٢٢٣١). ٤ - (أَبُو عَلْقَمَةَ) الفارسيّ المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: إنه مولى ابن عبّاس، وقيل: حليفهم، ويقال: حليف الأنصار، ثقة، وكان قاضي إفريقية، من كبار [٣].

стр. 5464

روى عن عثمان بن عفان، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبى هريرة، وابن عمر، ويسار بن نمير، مولى ابن عمر، وغيرهم. وعنه أبو الزبير المكي، وأبو الخليل، مُفلح بن أبي مريم، وعطاء العامري، ويعلى بن عطاء العامري، وأيوب، ويقال: محمد بن حصين، وآخرون. قال أبو حاتم: أحاديثه صحاح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: أبو علقمة الفارسيّ، مولى ابن عباس، كان على قضاء إفريقية، وكان أحد الفقهاء الموالي الذين ذكرهم يزيد بن أبي حبيب، وقال العجليّ: مصري تابعيّ ثقة، وقال أبو أحمد بن عديّ: أبو علقمة هذا اسمه مسلم بن يسار (١). أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤١٦) و (١٤٥٦) و (١٨٣٥). والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، والصحابيّ في السند الماضي. وقوله: (إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ) أي ساتر من خلفه، ومانعٌ من مفسدات صلاتهم من سهو يَحمله عنهم، أو مارّ يقطعها عليهم، فهو لهم كالمجَنّ، والْجُنّة، وهي التُّرْس الذي يستُر من وراءه، ويدفع عنه ما يكرهه، قاله القاضي عياض (٢). وقوله: (فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الْأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ) أي الملائكة، وقد تقدّم أن الصحيح في معنى الموافقة هو الموافقة في الزمن، وتمام شرح الحديث قد تقدّم. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من طريق أبي علقمة من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 5465

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٩٣٩] (٤١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٨٦ و ٤١٦ و ٤٦٧)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٤٦٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٩٧)، و (الطحاوي) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٠٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٢٦)، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث عند المصنّف مختصر، وقد ساقه أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٣٨) مطولًا، فقال: (١٦٢٩) حدثنا يونس بن حبيب، وعمار بن رجاء، قالا: ثنا أبو داود (ح) وحدثنا أبو حميد، قال: ثنا حجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبيّ ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني، إنما الإمام جُنة، فإذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا، وإذا قال: سمع اللَّه من حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء، غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، قال: "ويهلك قيصر فلا قيصر بعده، ويهلك كسرى فلا كسرى بعده"، وكان يتعوذ من خمس: "من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا، وفتنة الممات، وفتنة المسيح الدجالِ" -حديثهما واحد، وفي حديث أبي داود- "إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، فإنه إذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء، غُفِر للعبد ما مضى من ذنبه"، وسائر حديثهم واحد. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٤٠] (٤١٧) - (حَدَّثَنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبِ، عَنْ حَيْوَةَ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
следующие страницы →