وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والجمهور، والأحاديث الصحيحة تَشْهَد له، وزاد الشافعيّ أن المأموم يجمع بينهما أيضًا، لكن لم يصحّ في ذلك شيء، ولم يثبت عن ابن المنذر أنه قال: إن الشافعيّ انفرد بذلك؛ لأنه قد نَقَلَ في "الإشراف" عن عطاء، وابن سيرين وغيرهما القول بالجمع بينهما للمأموم.
وأما المنفرد: فحَكَى الطحاويّ، وابن عبد البرّ الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاويّ حجةً لكون الإمام يجمع بينهما؛ للاتفاق على اتّحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب "الهداية" إلى خلاف عندهم في المنفرد، أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من البحث أن أرجح الأقوال أن يجمع الإمام ومثله المنفرد بين التسميع والتحميد؛ لصحّة ذلك عن النبيّ ﷺ ، حيث كان يجمع بينهما، وهو إمام، وأما المأموم، فلا يُسمّع؛ لظاهر هذا الحديث، حيث قال ﷺ : "وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده"، فقولوا: "اللَّهمّ ربنا لك الحمد"، فوزعّ بينهما التسميع والتحميد، فأمره بالتحميد فقط، ولولا ثبوت الجمع بينهما عنه ﷺ إمامًا لكان للإمام أيضًا التسميع فقط، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 5392
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد اللَّه بن عبدٍ القاريّ -بتشديد الياء- المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ) يعني أن حديث سُهيل عن أبيه، بمعنى حديث سُميّ عنه.
[تنبيه]: رواية سهيل عن أبيه هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٢)، فقال:
(٩٠٧) حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا قال القارئ: سمع اللَّه لمن حمده، فقال مَن خلفه: اللهم ربنا لك الحمد، فوافق قوله قول أهل السماء: اللهم ربنا لك الحمد، غُفِر له ما تقدم من ذنبه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٩) - (بَابُ التَّأْمِينِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٠] (٤١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "آمِينَ").
стр. 5393
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الثبت الفقيه الحجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبثٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، إلا أنه دخل المدينة أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٥ - (ومنها): أن سعيدًا وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، كما تقدّم غير مرّة.
٦ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة: ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، عنه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) أي ابنَ شهاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) وفي رواية النسائيّ: "إذا أمّن القارئ"، أي الإمام (فَأَمِّنُوا) جواب "إذا"، أي قولوا: آمين، وهي بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحَكَى
стр. 5394
الواحديّ عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذّةٌ: القصرُ، حَكاه ثعلب، وأنشد له شاهدًا، وأنكره ابن درستويه، وطَعَن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحَكَى عياضٌ ومن تبعه عن ثعلب أنه إنما أجازه في الشعر خاصّة، والتشديد مع المدّ والقصر، وخطّأهما جماعة من أهل اللغة.
و"آمين" من أسماء الأفعال مثل "صَهْ" للسكوت، وتفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، مثل "كيف"، وإنما لم تُكْسَر؛ لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناها: اللهم استَجِبْ عند الجمهور، وقيل غير ذلك مما يَرجع جميعه إلى هذا المعنى، كقول من قال: معناه: اللهم أُمَّنا بخير، وقيل: كذلك يكون، وقيل: درجة في الجنة تَجب لقائلها، وقيل: لمن استجيب له كما استجيب للملائكة، وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، رواه عبد الرزاق، عن أبي هريرة ﵁، بإسناد ضعيف، وعن هلال بن يساف التابعيّ مثله، وأنكره جماعة، وقال مَن مدَّ وشدَّد: معناها قاصدين إليك، ونُقِل ذلك عن جعفر الصادق، وقال مَن قَصَر وشَدَّد: هي كلمة عبرانية، أو سريانية، وعند أبي داود من حديث أبي زُهير النميريّ الصحابي: أن آمين مثل الطابَع على الصحيفة، ثم ذكر قوله ﷺ : "إن خَتَم بآمين فقد أوجب". انتهى (١).
وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَإِنَّهُ) الضمير للشأن كما سبق في الحديث الماضي (مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ (وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَاِئكَةِ) قال الحافظ العراقيّ ﵀: الصحيح أن المراد الموافقة في الزمن، بحيث يقع تأمين ابن آدم وتأمين الملائكة معًا، وهو ظاهر الحديث، وقيل: المراد بذلك الموافقة في صفة التأمين، من كونه بإخلاص وخشوع، قال القرطبيّ: وهذا بعيد، وقيل: من وافق الملائكة في استجابة الدعاء غُفِر له، وقيل: من وافقهم في لفظ الدعاء، قال القرطبيّ، وابنُ دقيق العيد: والأول أظهر. انتهى (٢).
وقال في "الفتح" ما حاصله: المراد الموافقة في القول والزمان خلافًا
стр. 5395
لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع، كابن حبّان، فإنه لَمّا ذكر الحديث قال: يريد موافقة الملائكة في الإخلاص بغير إعجاب، وكذا جنح إليه غيره، فقال: نحو ذلك من الصفات المحمودة، أو في إجابة الدعاء، أو في الدعاء بالطاعة خاصّة، أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين.
وقال ابن الْمُنَيِّر ﵀: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظًا.
ثم إن ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة، وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا إنهم غير الحفظة.
قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن المراد بهم مَن يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء، وسيأتي في رواية الأعرج، عن أبي هريرة: "والملائكة في السماء آمين"، وفي رواية سهيل، عن أبيه: "فوافق قوله قول أهل السماء"، ورَوَى عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: "صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد". انتهى. ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ") جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، وظاهر الحديث مغفرة ما تقدم من الذنوب، سواء فيه الصغائر والكبائر، وقد خَصَّ العلماء هذا وأشباهه بتكفير الصغائر فقط، وقالوا: إنما يُكَفِّر الكبائرَ التوبةُ، وكأنهم لما رأوا التقييد في بعض ذلك بالصغائر، حملوا ما أُطْلِق في غيرها عليها، كالحديث الصحيح: "الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مُكَفِّراتٌ لما بينهنّ ما اجتُنِبت الكبائر"، واللَّه تعالى أعلم (٢).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وَقَع في "أمالي الجرجانيّ" عن أبي العباس الأصمّ، عن بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن يونس، في آخر هذا الحديث: "وما تأخر"، وهي زيادة شاذّة، فقد رواه ابن الجارود في "المنتقى" عن بحر بن
стр. 5396
نصر بدونها، وكذا رواه مسلم عن حرملة، وابن خزيمة، عن يونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، وكذلك في جميع الطرق عن أبي هريرة؛ إلا أني وجدته في بعض النسخ من ابن ماجه عن هشام بن عمّار، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن ابن عيينة بإثباتها، ولا يصحّ؛ لأن أبا بكر قد رواه في "مسنده"، و"مصنفه" بدونها، وكذلك حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميديّ، وابن المدينيّ، وغيرهما، وله طريق أخرى ضعيفة من رواية أبي فَرْوة، محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن عثمان، والوليد ابني ساج، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. انتهى (١).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "آمِينَ") قال في "الفتح": هو متصل إليه بروايةً مالك عنه، وأخطأ من زعم أنه مُعَلَّق، ثم هو من مراسيل ابن شهاب، لكنه قد اعتضد بفعل أبي هريرة ﵁ (٢)، ورُوي عنه موصولًا، أخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب"، و"العلل" من طريق حفص بن عُمر العدنيّ، عن مالك، عنه، وقال الدارقطنيّ: تفرّد به حفص بن عمر، وهو ضعيف (٣).
وقال النوويّ ﵀: قول الزهريّ: "وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: آمين" معناه: أن هذه صفة تأمين النبيّ ﷺ ، وهو تفسير لقوله ﷺ : "إذا أَمَّن الإمام فأمّنوا"، وردٌّ لقول من زَعَمَ أن معناه: إذا دعا الإمام بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ إلخ. انتهى (٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 5397
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٩٢٠ و ٩٢١ و ٩٢٢ و ٩٢٣ و ٩٢٤ و ٩٢٥] (٤١٠)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٨٠ و ٧٨٢) و"الدعوات" (٦٤٠٢) و"التفسير" (٤٤٧٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٣٥ و ٩٣٦)، و (الترمذيّ) فيها (٢٥٠)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٨٥٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٦٤٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣ و ٢٣٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٧٠ و ٥٧٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٠٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٩٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥٥ و ٥٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٨٥ و ١٦٨٦ و ١٦٨٧ و ١٦٨٨ و ١٦٨٩ و ١٦٩٠ و ١٦٩١ و ١٦٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٠٨ و ٩٠٩ و ٩١٠ و ٩١١ و ٩١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالتأمين، وهو للندب عند الجمهور، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم؛ عملًا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهريّة على كلّ مصلّ، هكذا قال، والذي ذكره ابن حزم في كتابه "المحلَّى" أنه فرض على المأموم، قال: وإن قاله الإمام فحسنٌ وسنةٌ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي وجوبه على المأموم؛ لظاهر الأمر، وهو للوجوب عند الجمهور ما لم يَصرِفه صارف، ولم يذكر الجمهور هنا له صارفًا، وأما الإمام والمنفرد فيُستحبّ لهما التأمين؛ إذ لا دليل على الوجوب عليهما، فتبصّر، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكم الجهر به في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن فيه فضيلة الإمام؛ لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة، ولهذا شُرِعت للمأموم موافقته.
قال في "الفتح": وظاهر سياق الأمر أن المأموم إنما يُؤَمِّن إذا أَمَّن
стр. 5398
الإمام، لا إذا ترك، وقال به بعض الشافعية، كما صرح به صاحب "الذخائر"، وهو مقتضى إطلاق الرافعيّ الخلاف، وادَّعَى النوويّ في "شرح المهذَّب" الاتفاق على خلافه، ونَصَّ الشافعيّ في "الأم" على أن المأموم يؤمِّن ولو تركه الإمام عمدًا أو سهوًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ ﵀ في "الأمّ" هو الأرجح؛ لظاهر قوله: "وإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين"، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن القرطبيّ استدَلّ به على تعيُّن قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أن المأموم ليس عليه أن يقرأ فيما جَهَر به إمامه.
قال الحافظ: فأما الأول فكأنه أخذه من أن التأمين مختصّ بالفاتحة، فظاهر السياق يقتضي أن قراءة الفاتحة كانت أمرًا معلومًا عندهم، وأما الثاني فقد يدلّ على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة حال قراءة الإمام لها، لا أنه لا يقرؤها أصلًا. انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ ﵀: وما أدري ما وجه الدلالة من الحديث؟ والأدلّة الصحيحة قائمة على وجوب القراءة على المأموم مطلقًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استدلال القرطبيّ بهذا الحديث على أن المأموم لا يقرأ فيما جهر به الإمام عجيبٌ، فأين محلّه؟ ثم القول بعدم وجوب القراءة عليه قول ضعيف، قد تقدّم ردّه بالحديث الصحيح: "لعلكم تقرؤون وراء إمامكم؟ "، وفيه: "فلا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، أخرجه أحمد، والترمذيّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٤ - (ومنها): أنه يستفاد من رواية الأعرج الآتية: "إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين. . . " استحباب التأمين للمنفرد والمأموم أيضًا، قال صاحب "المفهم": وقد اتّفقوا على أن الفذّ يؤمّن مطلقًا، والإمام والمأموم فيما يُسرّان فيه يؤمّنان. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: التقييد بالإسرار مما لا دليل عليه؛ بل الأحاديث الصحاح مطلقة تدلّ على أن التأمين لكلّ مصلّ في كلّ صلاة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5399
٥ - (ومنها): أن اللَّه تعالى جعل للملائكة قوّة الإدراك بالسمع، وهم في السماء لما يَنطِق به بنو آدم في الأرض، أو لبعض ذلك؛ لأنه جعل مكان تأمين الملائكة في السماء، ويَحتَمل أن يراد بالسماء العلو، والأولى حمله على ما تقدّم، قاله العراقيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه أطلق في هذه الرواية التأمين، ولم يقيدها بالصلاة، فمن قال: يُعْمَل بالمطلق، كالحنفية والظاهرية، يقولون: إن هذا الثواب لا يتقيد بالصلاة، بل التأمين في غير الصلاة حكمه هكذا، ويقال لهم: إن الثواب مترتب على موافقة تأمين ابن آدم لتأمين الملائكة، وإنما نُقِل لنا تأمين الملائكة لتأمين المصلي، ففي رواية البخاريّ: "إذا أَمّن القارئ فأمّنوا، فإن الملائكة تؤمّن، فمن وافق تأمينه. . . " الحديث، وأما مَن حَمَل المطلق على المقيد، فإنه يَخُصّه بالصلاة؛ لرواية مسلم الآتية: "إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين. . . " الحديث (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقييده بالصلاة هو الأظهر، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ ﵀ أيضًا: قد يُسْتَدَلّ به على أن تأمين المأموم يستحب أن يكون بعد تأمين الإمام؛ لأنه رتّبه عليه بالفاء، وقد جزم أصحاب الشافعيّ باستحباب مقارنة الإمام فيه، فقال الرافعيّ: والأحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله، ولا بعده، وقال ابن الرفعة: إنه لا يستحب مساواته فيما عداه من الصلاة، قال إمام الحرمين: ويمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه.
قال العراقيّ: ويدِل عليه قوله في الرواية المتفق عليها: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين. . . " الحديث.
وروى أبو داود من حديث بلال ﵁ أنه قال: يا رسول اللَّه لا تسبقني بآمين، وإسناده ثقات؛ إلا أن البيهقيّ صحّح رواية مَن جعله عن أبي عثمان النَّهْديّ مرسلًا، ثم رواه عن بلال ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبقني
стр. 5400
بآمين"، قال البيهقيّ: فكان بلالًا كان يؤمِّن قبل تأمين النبيّ ﷺ ، فقال: "لا تسبقني بآمين"، كما قال: "إذا أَمَّن الإمام فأمنوا". انتهى.
٨ - (ومنها): أن الإمام يجهر بالتأمين فيما يَجْهَر به من القراءة، وإلا لَمَا عَلّق تأمينهم على تأمينه، وإنما يُطَّلَع عليه بالسماع، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وذهب أبو حنيفة، ومالك، في رواية عنه إلى أنه يُسِرّ به.
قال ابن دقيق العيد: ودلالة الحديث على الجهر بالتأمين أضعف من دلالته على نفس التأمين قليلًا؛ لأنه قد يدلّ دليل على تأمين الإمام من غير جهر. انتهى. وسيأتي تحقيق هذا الخلاف في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٩ - (ومنها): أن مطلق الأمر بتأمين المأموم لتأمين الإمام، أن المأموم يؤمِّن، وإن كان يقرأ في أثناء فاتحة نفسه، قال العراقيّ: وهو كذلك على المشهور من الوجهين، كما قال الرافعيّ، ولكن اختلف أصحابنا -يعني الشافعيّة- هل تنقطع الموالاة بذلك حتى يجب استئنافها، أم لا تنقطع، ويَبْنِي عليها؟ على وجهين، أصحهما كما قال الرافعيّ: الثاني؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة، بل زاد أبو علي الفارقيّ، صاحب الشيخ أبي إسحاق: الشيرازيّ على هذا بأن المأموم لو قرأ بعض الفاتحة في السكتة الأولى، ثم قرأ الإمام استمع المأموم، فإذأ فرغ الإمام وسكت في الثانية أتمها، ولا تبطل الصلاة؛ لأنه مأمور بهذا السكوت، فكان الفارقيّ لَحَظَ كون الفصل من مصلحة الصلاة، لكن قال المحب الطبري في "شرح التنبيه": وهذا لم أره لغيره من الأصحاب.
وذلك بخلاف المندوب الذي لا يتعلق بالصلاة، كالعاطس يحمد اللَّه في أثناء الفاتحة، فإنه يجب استئنافها، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لي هنا وقفتان:
الأولى: أن ما قاله الفارقيّ: من عدم بطلان الصلاة بتفريق الفاتحة لاستماع قراءة الإمام هو الذي يترجّح عندي؛ لظهور حجّته.
الثانية: أن قوله: "بخلاف المندوب إلخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأن حمد العاطس في أثناء الصلاة مما ورد في السنّة تقريره، فقد أخرج الترمذيّ،
стр. 5401
والنسائيّ عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، قال: صلّيت خلف النبيّ ﷺ ، فعَطَست، فقلت: الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ انصرف، فقال: "من المتكلم في الصلاة؟ " فلم يكلمه أحدٌ. . . وفيه: فقال النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا، أيُّهم يَصْعَد بها".
فهذا دليل على أنّ الحمد للعطاس في الصلاة مشروع، فكيف يجب بسببه استئناف الفاتحة؟ هذا غريب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أن المستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة، من غير زيادة عليه اتّباعًا للحديث، وأما ما رواه البيهقيّ، من حديث وائل بن حُجْر ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ حين قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: "رب اغفر لي آمين"، فإن في إسناده أبا بكر النَّهْشليّ، وهو ضعيف، وفي "الأم" للشافعيّ ﵀: فإن قال: آمين ربَّ العالمين كان حسنًا، ونقله النوويّ في زوائده في "الروضة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نُقل عن الشافعيّ: يحتاج إلى دليل، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" ما نصّه: وفي الحديث حجةٌ على الإمامية في قولهم: إن التأمين يُبطل الصلاة؛ لأنه ليس بلفظ قرآن: ولا ذكر، ويمكن أن يكون مستندهم ما نُقِل عن جعفر الصادق أن معنى آمين: أي قاصدين إليك، وبه تمسك من قال: إنه بالمد والتشديد، وصرح المتولي من الشافعية بأن من قاله هكذا بطلت صلاته. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ليت صاحب "الفتح" لم يذكر خلاف الإماميّة هنا؛ لأن هذه الفرقة ليست ممن يُعدّ في الإجماع ولا الخلاف، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجهر بـ "آمين":
قال الإمام ابن المنذر ﵀ بعد ذكر أحاديث الجهر بالتأمين، ما نصّه: فقد ثبت الجهر بالتأمين عن رسول اللَّه ﷺ من وجوه، وممن كان يؤمّن على إثر القراءة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : عبد اللَّه بن الزبير ﵄، ويؤمّن من خلفه
стр. 5402
حتى إن للمسجد للَجّةً، ثم قال: إنما "آمين" دعاء، وكان ابن عمر ﵄ إذا ختم "أم القرآن" قال: "آمين"، وروي ذلك عن أبي هريرة ﵁، وبه قال عطاء، والأوزاعيّ، واختُلف فيه عن الأوزاعيّ، فحكى الوليد بن مسلم عنه أنه كان يرى الجهر بـ "آمين"، وحَكَى عنه الوليد بن يزيد (١) أنه قال: خمس يُخْفيهنّ الإمام، فذكر "آمين".
وقال أحمد: يجهر بـ "آمين"، وبه قال إسحاق، ويحيى بن يحيى، وسليمان بن داود، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقال أبو هريرة، وهلال بن يساف: "آمين" اسم من أسماء اللَّه.
وكان أصحاب الرأي يرون أن يُخفي الإمام "آمين"، وقال سفيان الثوريّ: فإذا فرغت من قراءة فاتحة الكتاب، فقل: "آمين" تُخفيها. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ملخّصًا (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: باستحباب الجهر بـ "آمين"؛ لثبوته عن النبيّ ﷺ ، فقد أخرج أبو داود من حديث وائل بن حجر ﵁، قال: صليت خلف النبيّ ﷺ ، فجهر بـ "آمين"، وفي لفظ له: "ورفع بها صوته"، ورواه الترمذيّ، وحسّنه بلفظ: "ومدّ بها صوته"، وأخرجه الحاكم، وصحّحه.
وأما رواية شعبة في هذا الحديث: "وخَفَض بها صوته"، فهي خطأ خَطّأه فيها البخاريّ، وأبو زرعة، وغيرهما.
ولأبي داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد جيّد مرفوعًا: "كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتجّ بها المسجد".
وقد استوفيت البحث في هذه المسألة فيما كتبته على النسائيّ، فارجع إليه، تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5403
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢١] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ إلخ) يعني أن حديث يونس عن الزهريّ مثل حديث مالك عنه، غير أنه لم يذكر مرسل الزهريّ.
[تنبيه]: رواية يونس هذه، أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٥٥)، فقال:
(١٦٨٥) حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا أمَّن الإمام فأمّنوا، فإن الملائكة تؤمِّن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ
стр. 5404
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٢ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدَّوْسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة ﵁، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
والباقون تقدّموا في الذي قبله، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (١)، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الْحِزَاميّ المدنيّ، وقد نزل عسقلان، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
стр. 5405
وقوله: ("إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَاِئكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ) وفي رواية البخاريّ: "وقالت الملائكة".
[تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريّ ﵀ بهذا الحديث على فضل التأمين، فترجم عليه، فقال: "باب فضل التأمين"، ووجه ذلك أنّ هذه الرواية مطلقة، غير مقيدة بحال الصلاة، قال ابن الْمُنَيِّر ﵀: وأَيُّ فضل أعظم من كونه قولًا يسيرًا، لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة؟. انتهى.
وقال الحافظ ﵀: ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة، سواء كان داخل الصلاة أو خارجها؛ لقوله: "إذا قال أحدكم"، لكن في رواية مسلم من هذا الوجه: "إذا قال أحدكم في صلاته"، فيُحْمَل المطلق على المقيد، نعم في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد، وساق مسلم إسنادها: "إذا أَمّن القارئ فأمّنوا"، فهذا يُمكن حمله على الإطلاق، فيستحب التأمين إذا أمّن القارئ مطلقًا لكل من سمعه من مصلٍّ أو غيره، ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحدٌ اختَلَفت ألفاظه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم قريبًا أن التقييد هو الأظهر؛ لاتحاد الحديث، ويوضّح ذلك قوله في رواية سهيل، عن أبيه الآتية بعد حديث بلفظ: "إذا قال القارئ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال من خلفه: آمين. . . " الحديث، فقد بيّن فيه أن المراد الإمام القارئ في الصلاة، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
(فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) وفي بعض النسخ: "فوافق أحدهما الآخر"، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٩٢٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
стр. 5406
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عمي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁" ذُكر قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن رواية همّام عن أبي هريرة ﵁ مثل رواية الأعرج، عنه.
[تنبيه]: رواية همّام هذه أخرجها الإمام أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٥٦) فقال:
(١٦٩٢) حدّثنا السلميّ، قال: ثنا عبد الرزّاق، أنبأ معمر، عن همّام بن منبّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة: آمين في السماء، فوافق إحداهما الأخرى، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- (١) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا
стр. 5407
قَالَ الْقَارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
هذا الإسناد هو إسناد الحديث الثاني من أحاديث هذا الباب، وقد تقدّم الكلام فيه هناك.
وقوله: (إِذَا قَالَ الْقَارِئُ) المراد الإمام القارئ للفاتحة بدليل قوله: "فقال من خلفه: آمين"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٠) - (بَابُ وُجُوبِ ائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٦] (٤١١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرُو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ (١) قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا، فَصَلُّوْا قُعُودًا أَجْمَعُونَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين.
стр. 5408
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ إمامٌ حجة فقيه، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٤٥) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ستّة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو الناقد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة، وهو خادم رسول اللَّه ﷺ المعروف، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: سَقَطَ) بالبناء للفاعل (النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ) أي وقع على الأرض عن ظهر فرس ركبها، يقال: سَقَطَ سُقُوطًا، من باب قعد: وقع من أعلى إلى أسفل، ويتعدّى بالألف، فيقال: أسقطه (١).
стр. 5409
و"الفرسُ" بفتحتين يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر فُرَيسٌ، والأنثى فُريسةٌ على القياس، وجُمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خَيْلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث (١).
[تنبيه]: قال صاحب "التنبيه": لا أعرف الفرس الذي سقط منه ﷺ بعينه، وله ﷺ سبعة أفراس متّفقٌ عليها، قال الشاعر [من البسيط]:
وَالْخَيْلُ سَكْبٌ لُحَيْفٌ سَبْحَةٌ ظَرِبٌ … لِزَازُ مُرْتَجِزٌ وَرْدٌ لَهَا اسْرَارُ
انتهى (٢).
وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة":
سَكْبٌ لِزَازٌ ظَرِبٌ وَسَبْحَةُ … مُرْتَجِزٌ وَرْدٌ لُحَيْفٌ سَبْعَةُ
وَلَيْسَ فِيهَا عِنْدَهُمْ مِنْ خُلْفِ … وَالْخُلْفُ فِي مُلَاوِحٍ وَالطِّرْفِ
كَذَاكَ ضَرْسٌ وَشَحَا مَنْدُوبُ … مِرْوَاحُ بَحْرٌ أَدْهَمٌ نَجِيبُ
أَبْلَقُ مَعْ مُرْتَجِلٍ وَيَعْسُوبْ … سِرْحَانُ وَالْعُقَالُ سِجْلٌ يَعْبُوبْ (٣)
(فَجُحِشَ) بضم الجيم، وكسر الحاء المهملة، بعدها شين معجمة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: قُشِرَ جلدُهُ، وخُدِش، وذكر بعضهم أن الْجَحْش أكبر من الْخَدْش، وفي رواية للبخاريّ: "فخُدِش، أو فجُحِش"، قال في "الطرح": وهذا يقتضي فرقًا بينهما، إلا أن يكون شكًّا من الراوي في اللفظ المقول (٤).
وقال القاضي عياض ﵀: قد يكون ما أصاب رسول اللَّه ﷺ من ذلك السقوط مع الخدش رَضٌّ في الأعضاء، وتوَجُّعٌ، فلذلك منعه القيام في الصلاة. انتهى (٥).
(شِقُّهُ الْأَيْمَنُ) بالرفع على أنه نائب فاعل "جُحِشَ"، و"الشِّقُّ" -بكسر الشين المعجمة-: الجانب.
стр. 5410
وفي رواية الليث، عن الزهريّ التالية الاقتصار على قوله: "فَجُحِش"، وهي في "الصحيحين"، وفي رواية للبخاريّ عن ابن عيينة: "حَفِظت شقَّه الأيمنَ"، فلما خرجنا من عند الزهريّ قال ابن جريج: "فَجُحِش ساقه الأيمن". انتهى.
قال في "الطرح": وقوله: "فَجُحش ساقه الأيمن" لا ينافي قوله في الرواية المشهورة: "شقه الأيمن"؛ لأن الْجَحْش لم يستوعب الشِّقَّ، وإنما كان في بعضه، وقد تبيّن بتلك الرواية أن ذلك البعض هو الساق، وفي "سنن أبي داود" وغيره، عن جابر ﵁: "رَكِبَ رسول اللَّه ﷺ فرسًا بالمدينة، فَصَرَعه على جِذْعِ نخلةٍ، فانفكَّت قدمه. . . " الحديث، فيَحْتَمِل أن يقال في الجمع بينه وبين حديث أنس ﵁: لا مانع من حصول فَكّ القدم، وقَشْرِ الجلد معًا ويحتمل أنهما واقعتان. انتهى (١).
(فَدَخَلْنَا) أي جماعة الصحابة ﵃ (عَلَيْهِ نَعُودُهُ) أي يزورونه، يقال: عُدتُ المريضَ عِيَادةً: زُرْتُهُ، فا لرجل عائدٌ، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوَّدٌ بغير ألف، قاله الأزهريّ، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
والجملة في محلّ نصبٍ على الحال من فاعل "دخلنا".
(فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) وكذا هو في رواية حميد، عن أنس، عند الإسماعيليّ، وفي رواية مالك، عن ابن شهاب، عن البخاريّ: "فصلى صلاةً من الصلوات".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "فحضرت الصلاة" اللام للعهد ظاهرًا، والمراد الفرض؛ لأنها التي عُرِف من عادتهم أنهم يجتمعون لها، بخلاف النافلة، وحَكَى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلًا.
وتعقب الحافظ هذا، بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة، وأبي داود
стр. 5411
الجزم بأنها فرضٌ، لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس: "فصلى بنا يومئذ"، فكأنها نهاريّة الظهر، أو العصر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لفظ حديث أبي داود في "سننه": (٦٠٢) حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: رَكِب رسول اللَّه ﷺ فرسًا بالمدينة، فصَرَعه على جِذْم نخلةٍ، فانفكَّت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشرُبة لعائشة يُسَبِّحُ جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنّا، ثم أتيناه مرةً أخرى نعوده، فصَلَّى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا، فقعدنا، قال: فلما قَضَى الصلاة قال: "إذا صَلَّى الإمام جالسًا، فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا، فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها". انتهى.
والحديث صحيحٌ، وهو صريح في أنهم دخلوا عليه يعودونه مرّتين، ففي المرّة الأولى صلَّوا وراءه نافلةً قيامًا، وهو جالسٌ، وفي المرّة الثانية صلَّوا وراءه فريضةً قيامًا، فأشار عليهم بالجلوس، فدلّ على اختلاف الحكم بين الفريضة والنافلة، وأن تلك الصلاة التي أمرهم بالجلوس فيها كانت فريضة، واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ: لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس ﵁: "فصلَّى بنا يومئذ"، فكأنها نهاريّة: الظهر، أو العصر. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في استدلال الحافظ على أنها نهاريّة بقوله: "يومئذ" نظر لا يخفى؛ لأن "يومئذ" في مثل هذا لمطلق الوقت، لا لخصوص النهار، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد تبيّن من قوله: "في مشرُبة لعائشة" أن ذلك لم يكن في المسجد، وإنما كان في بيته، وكأنه لم يستطع الخروج لعذره، ولا يمكن التقدّم عليه، فصلّى بهم، وصلّى الناس وراءه في منزله.
قال القاضي عياض ﵀: والظاهر أن مَن في المسجد صلَّى بصلاته؛ لكون منزله في المسجد.
стр. 5412
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استظهار القاضي صلاة من في المسجد بصلاته ﷺ محلّ نظر؛ لأن هذا الحديث لا يدلّ عليه، كما لا يخفى، فتأمل.
قال: وفيه جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه أصحابه إذا كانت معه جماعة هناك، قال: وقد روي هذا عن مالك، وحمله شيوخنا على تفسير ما وقع من الكراهية مجملًا، وأن منعه من ذلك إنما هو لمن يفعله تكبّرًا، وهو ضدّ ما وُضعت له الصلاة من التواضع والسكينة. انتهى (١).
قال العراقيّ ﵀: وهذه الصورة إن صحّ فيها أن أهل المسجد صلَّوْا مقتدين بالنبيّ ﷺ ليست من صُوَر المنع عند مالك وأبي حنيفة؛ لأنهما يقولان: إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت الصلاة بالذين أسفل، وإلا فلا. انتهى (٢).
(فَصَلَّى بِنَا) حال كونه ﷺ (قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا) بالضمّ جمع قاعد، قال في "الفتح": ظاهره يخالف حديث عائشة ﵂، فإن فيه: "وصلّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا. . . ".
والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه اختصارًا، وكأنه اقتَصَر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس، وفي رواية للبخاريّ من طريق حميد، عن أنس، بلفظ: "فصلَّى بهم جالسًا، وهم قيامٌ فلما سلم، قال: إنما جُعل الإمام. . . "، وفيها أيضًا اختصارٌ؛ لأنه لم يُذكَر فيه قولُهُ لهم: "اجلسوا".
والجمع بينهما أنهم ابتدءُوا الصلاة قيامًا، فأومأ إليهم بأن يقعدوا فقعدوا، فنَقَلَ كلٌّ من الزهريّ وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر في حديثه الآتي في هذا الباب.
وجَمَعَ القرطبيّ بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قَعَدَ من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهذا الذي حكته عائشة.
وتُعُقِّب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه ﷺ ؛ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد؛ لأن فرض القادر في الأصل القيام.
стр. 5413
وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، قال الحافظ: وفيه بُعْدٌ؛ لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقةً لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخِّرةً لم يحتج إلى إعادة قول: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به. . . إلخ"؛ لأنهم قد امتَثَلُوا أمره السابق، وصَلَّوا قعودًا؛ لكونه قاعدًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بتعدّد الواقعة لا بُعْد فيه؛ لاحتمال أن يكون الذين صلَّوا معه ﷺ في واقعة غير الذين صلَّوا معه في أخرى، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) وفي نسخة: "صلاته" (قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ) ببناء الفعل للمفعول، وهو بمعنى صُيِّرَ يتعدّى إلى مفعولين، فـ "الإمامُ" بالرفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وحُذف المفعول الثاني، وهو "إمامًا"، أي إنما جُعل الإمام إمامًا (لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي ليُقتدَى به على الوجه المشروع، فقوله: "فإذا ركع فاركعوا إلخ" بيان للوجه المشروع الذي يُطلب الاقتداء به فيه.
قال العلّامة الشوكانيّ ﵀: لفظ "إنما" من صِيَغِ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها إثباتُ الحكم في المذكور، ونفيُهُ عما عداه، واختار الآمديّ أنها لا تفيد الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط، ونقله أبو حيان عن البصريين، وفي كلام الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد: ما يَقتضي نقلَ الاتفاق على إفادتها للحصر.
والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام، والاتّباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فَصَّلها الحديثُ، ولا في غيرها قياسًا عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، لا الباطنة، وهي ما لا يَطَّلِع عليه المأموم، كالنية فلا يضرّ الاختلاف فيها، فلا يصحّ الاستدلال به على مَن جَوَّز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك. وعامّة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له
стр. 5414
في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نَهَى عنه ﷺ بقوله: "فلا تختلفوا".
وأجيب بأنه ﷺ قد بَيَّنَ وجوه الاختلاف، فقال: "فإذا كَبَّر فكبروا. . . إلخ".
ويُتَعَّقب بإلحاق غيرها بها قياسًا، كما تقدم.
وقد استَدَلَّ بالحديث أيضًا القائلون بأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام، إذا بان جنبًا، أو محدثًا، أو عليه نجاسة خفيّة، وبذلك صَرَّح أصحاب الشافعيّ؛ بناءً على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتمَّ الاطّلاع عليها. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي أن الاختلاف المنهيّ عنه مقصور على الأشياء المذكورة في الحديث، فلا يُلحَق بها غيرها؛ قياسًا عليها.
ومما يؤيّد هذا ما ورد في قصّة معاذ ﵁ في صلاته مع النبيّ ﷺ ، ثم يؤمّ قومه، وهو متنفّل، وهم مفترضون، وقصّته في "الصحيح"، وكذلك، أمر النبيّ ﷺ الرجلين اللذين صلّيا في رحالهما، أن يصليا إذا أتيا المسجد مع الإمام نافلة، وهو حديث صحيح أخرجه الترمذيّ وغيره، وغير ذلك مما يدلّ على أن الاختلاف في مثله لا يضرّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قال البيضاوي وغيره: الائتمام: الاقتداء، والاتِّباع، أي جعل الإمام إمامًا؛ ليُقْتَدَى به ويُتَّبَع، ومن شأن التابع أن لا يَسْبِق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال.
وقال النووي وغيره: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نَبَّه عليها في الحديث، فذكر الركوع وغيره، بخلاف النية فإنها لم تُذْكَر، وقد خرجت بدليل آخر، وكأنه يعني قِصّة معاذ الآتية.
ويُمكِن أن يستدل من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي
стр. 5415
الحصر في الاقتداء به في أفعاله، لا في جميع أحواله، كما لو كان محدثًا، أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصحّ لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء، ثم مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطًا في صحة القدوة، إلا تكبيرة الإحرام.
واختلف في السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام والقيام من التشهد الأول، وخالف الحنفية، فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأن معنى الائتمام الامتثال، ومن فَعَل مثل فعل إمامه عُدَّ ممتثلًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحنفيّة مخالف لصريح الذي يوجب تأخّر فعل المأموم عن فعل الإمام، فمقارنة الإمام في الأفعال محرّمة، بالنصوص الصحيحة، وقد تقدّم قوله ﷺ في الحديث الطويل (٢): "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم"، وقال: "فتلك بتلك"، وكذلك قال في السجود، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِذَا كَبَّرَ) أي للإحرام، أو مطلقًا، فيشمل تكبيرات الانتقالات (فَكَبِّرُوا) وروى أبو داود حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: "إنما جُعِل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد. . . "، الحديث (٣).
فهذه الرواية توضّح أن المراد أن تكبير المأموم يكون بعد تكبير الإمام.
[فائدة]: جزم ابن بطال ومن تبعه حتى ابن دقيق العيد أن الفاء في قوله: "فكبروا" للتعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام.
لكن تُعُقِّب بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جوابًا للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخُّر أفعال المأموم عن
стр. 5416
الإمام إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة، لكن رواية أبي داود هذه صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره في "الفتح" من أن رواية أبي داود بلفظ: "ولا تكبّروا حتى يكبّر، ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد" نصّ صريح في منع المقارنة للإمام، فبالأحرى التقدّم، فلا متمسّك لمن قال باستحباب مقارنة الإمام في الركوع والسجود محتجّين بأن الفاء ليست للتعقيب.
ثم إن المراد بالتعقيب هنا هو الترتيب بدون مهلة، فما قاله الأولون من إفادة الفاء له هو الصواب، وأما الاعتراض بأن الفاء لا تفيد الترتيب إلا إذا كانت للعطف، فغير صحيح، فقد نقل محمد الأمير في "حاشيته" على "مغني اللبيب" لابن هشام الأنصاريّ (١/ ١٣٩) عن المحقّق الرضيّ أن الفاء تفيد الترتيب مطلقًا، سواء كانت حرف عطف أو لا. انتهى.
والحاصل أن أفعال المأموم يجب أن تكون بعد أفعال الإمام، وذلك بأن يقع كلّ فعل من أفعاله عقب كلّ فعل من أفعاله، كأن يركع بعد تمام انحناء الإمام، ويسجد بعد تمام وضع جبهته على الأرض، وهكذا بلا تراخ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِذَا سَجَدَ) أي أخذ وشرع في السجود (فَاسْجُدُوا) أي فلا تسجدوا حتى يتحقّق سجوده، كما بيّنته رواية أبي داود المذكورة: "ولا تسجدوا حتى يسجد"، وهو يتناول جميع السجدات، وقال في "الفتح" بعد ذكر هذه الزيادة من عند أبي داود ما نصّه: وهي زيادةٌ حسنةٌ، تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله: "إذا كبر فكبروا". انتهى. وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ليس في رواية المصنّف هذه ذكر الركوع، وقد ساقه بتمامه أبو عوانة، وأبو نعيم في "مستخرجيهما"، ولفظهما: سقط النبيّ ﷺ من فرس، فَجُحِش شقه الأيمن، فدخلنا نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، وصلينا خلفه قعودًا، فلما قضى صلاته قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فماذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن
стр. 5417
حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلُّوا قعودًا أجمعون" (١).
قال ابن الْمُنَيِّر ﵀: قوله: "فإذا ركع فاركعوا"، مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصواب، يدلّ عليه حديث البراء ﵁ الآتي، ولفظه: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، لم يَحْنِ أحدٌ منّا ظهره حتى يقع رسول اللَّه ﷺ ساجدًا ثم نقع سجودًا بعده"، متّفقٌ عليه، وفي رواية للبخاريّ: قال: "كنا نصلي خلف النبيّ ﷺ فإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده لم يَحْن أحدٌ منّا ظهره حتى يضع النبيّ ﷺ جبهته على الأرض".
فهذا ظاهر في أنهم ما كانوا يتابعونه في الركن إلا بعد تمام دخوله ﷺ فيه.
(وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا) يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، قاله في "الفتح" (٢).
(وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) قال في "الفتح": كذا لجميع الرُّواة في حديث عائشة بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة، وأنس، إلا في رواية الليث، عن الزهريّ -أي عند البخاريّ- فللكشميهنيّ بحذف الواو.
ورُجِّح إثبات الواو بأن فيها معنى زائدًا؛ لكونها عاطفةً على محذوف، تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعناك، ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معًا.
ورجّح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تامّ، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد ﵀.
стр. 5418
وقال النوويّ ﵀: كذا وقع هنا "ولك الحمد" بالواو، وفي روايات بحذفها، وقد سبق أنه يجوز الأمران. انتهى (١).
وقد تقدّم الكلام على زيادة "اللهم" قبلها، في شرح حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ برقم (٩٠٩)، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
ونَقَل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استَدَلَّ به على أن الإمام يقتصر على قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، وأن المأموم يقتصر على قوله: "ربنا ولك الحمد"، وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول: "ربنا لك الحمد"، عَقِب قول الإمام: "سمع اللَّه لمن حمده"، فأما منع الإمام من قول: "ربنا ولك الحمد"، فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبيّ ﷺ كان يجمع بينهما. انتهى (٢).
(وَإِذَا صَلَّى) الإمام حال كونه (قَاعِدًا) لمرض منعه من القيام (فَصَلُّوْا قُعُودًا) بالضمّ: جمع قاعد، حال من الفاعل.
وفي رواية البخاريّ: "وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جُلُوسًا"، قال في "الفتح": استُدِلّ به على صحة إمامة الجالس، وادَّعَى بعضهم أن المراد بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين؛ لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع، والرفع منه، والسجود، قال: فيُحْمَل على أنه لَمّا جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له، فأمرهم بالجلوس تواضعًا، وقد نَبَّهَ على ذلك بقوله في حديث جابر: "إن كِدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قُعُود، فلا تفعلوا".
وتعقبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأن سياق طُرُق الحديث تأباه، وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن، لقال: وإذا جلس فاجلسوا؛ ليناسب قولَهُ: و"إذا سجد فاسجدوا"، فلما عَدَل عن ذلك إلى قوله: "وإذا صلّى جالسًا"، كان كقوله: "وإذا صلَّى قائمًا"، فالمراد بذلك جميع الصلاة، ويؤيد ذلك قول أنس ﵁: "فصَلَّينا وراءه قعودًا". انتهى (٣)، وهو تعقّب جيّدٌ، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5419
وقوله: (أَجْمَعُونَ") قال في "الفتح": كذا في جميع الطرق في "الصحيحين" بالواو، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية هَمّام، عن أبي هريرة ﵁، فقال بعضهم: "أجمعين" بالياء، والأول تأكيد لضمير الفاعل في قوله: "صَلُّوا"، وأخطأ مَن ضَعَّفَه، فإن المعنى عليه، والثاني نَصْبٌ على الحال، أي جُلُوسًا مجتمعين، أو على التأكيد لضميرٍ مقدَّرٍ منصوبٍ، كأنه قال: أَعْنِيكُم أجمعين. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسالة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٩٢٦ و ٩٢٧ و ٩٢٨ و ٩٢٩ و ٩٣٠] (٤١١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٠٥) وفي "تقصير الصلاة" (١١١٤)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٩٥ - ١٩٦)، و (ابن ماجه) فيها (١٢٣٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٠٧٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٢٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٠ و ١٦٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٠٢ و ٢١٠٣ و ٢١٠٨ و ٢١١١ و ٢١١٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٢٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦١٥ و ١٦١٦ و ١٦١٧ و ١٦١٨ و ١٦١٩ و ١٦٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩١٣ و ٩١٤ و ٩١٥ و ٩١٦ و ٩١٧) واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعية ركوب الخيل، والتدرُّب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوطٌ ونحوُه بما اتَّفَق للنبيّ ﷺ في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة.
٢ - (ومنها): بيان أنه يجوز على النبيّ ﷺ ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها، من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدرُهُ رِفْعَةً، ومنصبُهُ جلالةً.
стр. 5420
٣ - (ومنها): بيان جوازِ الإشارة، والعمل القليل في الصلاة للحاجة.
٤ - (ومنها): بيان وجوب متابعة المأموم لإمامه في التكبير، والقيام، والقعود، والركوع والسجود، وأنه يفعلها بعد الإمام، فيكبر تكبيرة الإحرام بعد فراغ الإمام منها، فإن شَرَع فيها قبل فراغ الإمام منها لم تنعقد صلاته، وكذلك يركع بعد شروع الإمام في الركوع، وقبل رفعه منه، فإن قارنه أو سبقه فقد أساء، ولكن لا تبطل صلاته، وكذا السجود، هذا مذهب الجمهور، وأبطلها الظاهريّة، وهو الظاهر؛ لظواهر النصوص الكثيرة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال النوويّ: ويسلّم بعد فراغ الإمام من السلام، فإن سَلَّم قبله بطلت صلاته، إلا أن ينوي المفارقة، ففيه خلاف مشهور، وإن سلّم معه، لا قبله ولا بعده، فقد أساء، ولا تبطل صلاته على الصحيح، وقيل: تبطل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بالبطلان هو الظاهر؛ لما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): مشروعيّة عيادة المريض، وإن كان المرض خفيفًا، كالخدش، ونحوه، واختُلف في حكمه، ومذهب البخاريّ الوجوب، فقد قال في "صحيحه": "باب وجوب عيادة المريض"، ثم أورد حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أطعموا الجائع، وعُودوا المريض، وفُكُّوا العاني".
ومن أدلته ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "حقُّ المسلم على المسلم خمس: رَدُّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".
وفي لفظ لمسلم: "خمسٌ تجب للمسلم على أخيه: ردُّ السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادةُ المريض، واتباع الجنائز".
قال ابن بطّال ﵀: يَحْتَمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويَحْتَمل أن يكون للندب؛ للحثّ على التواصل والأُلفة، وجزم الداوديّ بالأول، فقال: هي فرضٌ يَحمله بعض الناس عن بعض، وقال الجمهور: هي في الأصل ندبٌ، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ
стр. 5421
بعض دون بعض، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما قاله الداوديّ أرجح، فيكون واجبًا كفائيًّا، مثل ردّ السلام، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في محلّه من "كتاب السلام" -إن شاء اللَّه تعالى-.
٦ - (ومنها): جواز صلاة المريض قاعدًا، وهو مجمع عليه، ولا يَتَوَقّف ذلك على عدم إمكان القيام، بل له الصلاة قاعدًا إذا خاف الهلاك، أو زيادة المرض، أو لحوق مشقة شديدة، أو خوف الغَرَق، ودَوَران الرأس في حقّ راكب السفينة، واختار إمام الحرمين في ضبط العجز أن يَلْحَقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه، ذكره العراقيّ ﵀ (٢).
٧ - (ومنها): أنه يجب متابعة الإمام في القعود، وأنه يقعد المأموم مع قدرته على القيام، وقد اختُلف فيه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٨ - (ومنها): ما قال القاضي عياض ﵀: إن قوله: "إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به" حجة لمالك، وعامّة الفقهاء في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نيّة الصلاة، وغير ذلك، لا سيّما مع قوله: "ولا تختلفوا عليه"، ولا خلاف أشدّ من اختلاف النيّات في صلاتين فرضين، أو فرض ونفل.
وخالف في ذلك الشافعيّ، وفقهاء أصحاب الحديث، فأجازوا اقتداء المفترض بالمتنفّل، ومصلِّي الظهر بمصلِّي العصر، وحجتهم حديث معاذ ﵁، ولا حجة لهم فيه. انتهى كلام القاضي (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف لا يكون لهم فيه حجة؟ بل هو من أوضح الحجج للمسألة، فقد أقرّه النبيّ ﷺ حيث كان يؤمّ قومه في صلاة الفريضة بعد أن أدّى فرضها مع النبيّ ﷺ ، أليس هذا حجةً؟.
ومن الحجج لهم أنه ﷺ صلّى بأصحابه ببطن نخل صلاة الخوف مرّتين،
стр. 5422
بكلّ فرقة مرّةً، فصلاته ﷺ الثانية وقعت له نفلًا، وللمقتدين فرضًا، ولا شكّ في ذلك.
ومن الحجج أيضًا الحديث الصحيح الذي قدّمناه عن الرجلين اللذين صلّيا في رحالهما، وهي قصّة صحيحة، مشهورة، وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن رجلًا دخل المسجد، وقد صلَّى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ "، فقام رجل من القوم، فصلّى معه.
وفي رواية أبي داود: أن رسول اللَّه ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه"، وهذا الرجل الذي تصدّق بالصلاة معه متنفّل، اقتدى بمفترض بأمر النبيّ ﷺ .
والحاصل أن الحقّ ما قاله الشافعيّ، وفقهاء أصحاب الحديث، وسيأتي مزيد تحقيق في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٩ - (ومنها): ما قاله العراقيّ ﵀: إنه يجوز للإمام إذا مَرِض، وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه، ولا يستخلف، لكن الأفضل له الاستخلاف.
قال الشافعيّ ﵀: وإنما اخترت أن يُوَكِّل الإمام إذا مرض رجلًا صحيحًا يصلي بالناس قائمًا أن مرض رسول اللَّه ﷺ كان أيامًا كثيرةً، وإنا لم نعلمه صلّى بالناس جالسًا في مرضه إلا مرةً واحدةً لم يُصَلِّ بهم بعدها عَلِمته حتى لقي اللَّه ، فدلّ ذلك على أن التوكيل بهم، والصلاةَ قاعدًا جائزان عنده معًا، وكان ما صلّى بهم غيرُهُ بأمره أكثر من ذلك. انتهى.
قال العراقيّ ﵀: ومراد الشافعيّ ﵀ بكونه ﷺ لم يصل بالناس جالسًا في مرضه إلا مرة: مرض موته، فإنه قد صلّى بهم في غير مرض الموت غير مرة، وهو جالس، وهم جلوس، كما دلّت عليه الأحاديث، وكذا ذكر الحنابلة، أنه يستحب له الاستخلاف عند العجز عن القيام، وعَلَّلوه بأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فنخرج من الخلاف، وبأن صلاة القائم أكمل، فيُستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة.
وأجابوا عن هذا الحديث بأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، واستَخْلَف في الأكثر، وبأن الاقتداء بالنبيّ ﷺ قاعدًا أفضل من الاقتداء بغيره قائمًا.
стр. 5423
انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في البحث المتعلّق بقوله: "وإذا صلّى قاعدًا، فصلّوا قُعُودًا":
(اعلم): أنه قد لخّص الحافظ الزيلعيّ ﵀ في "نصب الراية" اختلاف الروايات في هذا، فقال:
حديث: "إذا صلّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا"، أخرجه البخاريّ، ومسلم، وباقي الستة عن الزهريّ، عن أنس ﵁، قال: سقط رسول اللَّه ﷺ عن فرس، فَجُحِش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا، فلما قضى الصلاة قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا -إلى أن قال-: وإذا صلّى قاعدًا، فصلوا قعودًا".
وأخرجا من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه، أن النبيّ ﷺ قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به. . . " الحديث، ليس فيه قصة الفرس.
وأخرجا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: اشتكى رسول اللَّه ﷺ ، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلّى رسول اللَّه ﷺ جالسًا، فصلَّوا بصلاته قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا". انتهى.
وأخرج مسلم عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ نحوه سواءً.
وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" حديث أنس المذكور من رواية حميد الطويل عنه، مخالفًا لرواية الزهريّ عنه، ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ سقط عن فرسه، فجُحِشت ساقه، أو كتفه، وآلى من نسائه شهرًا، فجلس في مَشْرُبة له، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلّى بهم جالسًا، وهم قيامٌ، فلما سَلَّم قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا"، ونزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنك آليت شهرًا، فقال: "إن الشهر تسع وعشرون". انتهى. ذكره
стр. 5424
في أوائل "الصلاة" في "باب الصلاة في السُّطُوح"، منفردًا به دون الباقين.
وتَكَلَّف القرطبيّ في "شرح مسلم" الجمع بين الروايتين، فقال: يَحْتَمِل أن يكون البعض صلَّوا قيامًا، والبعض صلَّوا جلُوسًا، فأخبر أنس بالحالتين، وهذا مع ما فيه من التعسف، ليس في شيء من الروايات ما يساعده عليه.
قال الزيلعيّ ﵀: وقد ظهر لي فيه وجهان:
[أحدهما]: أنهم صلَّوا خلفه قيامًا، فلما شَعَر بهم النبيّ ﷺ أمرهم بالجلوس فجلسوا، فرآهم أنس على الحالتين، فأخبر بكل منهما مختصرًا للأخرى، لم يذكر القصة بتمامها، يدلّ عليه حديث عائشة، وحديث جابر المتقدم.
[الثاني]: وهو الأظهر أنهما كانا في وقتين، وإنما أقرّهم ﵇ في إحدى الواقعتين على قيامهم خلفه؛ لأن تلك الصلاة كانت تطوعًا، والتطوعات يُحْتَمَل فيها ما لا يُحْتَمَل في الفرائض، وقد صُرِّح بذلك في بعض طرُقه، كما أخرجه أبو داود في "سننه" عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: ركب رسول اللَّه ﷺ فرسًا بالمدينة، فصَرَعه على جِذْم نَخْلَة (١)، فانفكّت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مَشْرُبة لعائشة، يُسَبِّح جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنّا، ثم أتيناه مرةً أخرى نعوده، فصلّى المكتوبة جالسًا فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا، قال: فلما قضى الصلاة قال: "إذا صلّى الإمام جالسًا فصلّوا جلوسًا، وإذا صلى قائمًا فصلُّوا قيامًا، ولا تفعلوا كما تفعل فارس بعظمائها". انتهى.
ورواه ابن حبّان في "صحيحه" كذلك، ثم قال:
وفي هذا الخبر دليل على أن ما في حديث حميد، عن أنس، أنه صلّى بهم قاعدًا، وهم قيام، أنه إنما كانت تلك الصلاة سبحةً، فلما حضرت الفريضة أمرهم بالجلوس فجلسوا، فكان أمرَ فريضة، لا فضيلة. انتهى.
قلت (٢): ومما يدلّ على أن التطوعات يُحْتَمَل فيها ما لا يُحْتَمَل في الفرائض، ما أخرجه الترمذيّ، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أنس ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإنه
стр. 5425
هَلَكَةٌ، فإن كان لا بُدّ ففي التطوع، لا في الفريضة"، وقال: حديث حسنٌ (١). انتهى.
قال: وأصحابنا -يعني الحنفيّة- يجعلون أحاديث: "إذا صلّى جالسًا، فصلّوا جلوسًا" منسوخة بحديث عائشة ﵂ المتقدم أنه صلّى آخر صلاته قاعدًا، والناس خلفه قيام، وبحديث: "لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالسًا"، وسيأتي ذكره.
لكن حديث عائشة وقع فيه اضطراب لا يَقْدَح فيه، فالذي تقدّم أنه ﷺ كان إمامًا. وأبو بكر مأموم، وقد ورد فيه العكس، كما أخرجه الترمذيّ والنسائيّ عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: صلّى رسول اللَّه ﷺ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدًا، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ.
وأخرج النسائيّ أيضًا عن حميد، عن أنس ﵁ قال: آخر صلاة صلّاها رسول اللَّه ﷺ مع القوم صلّى في ثوب واحد متوشحًا خلف أبي بكر. انتهى.
ومثل هذا لا يعارض ما وقع في "الصحيح"، مع أن العلماء جمعوا بينهما.
قال البيهقيّ في "المعرفة": ولا تعارض بين الخبرين، فإن الصلاة التي كان فيها النبيّ ﷺ إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها ﷺ حتى خرج من الدنيا، قال: وهذا لا يخالف ما يثبت عن الزهريّ، عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، وكشفه ﵇ الستر، ثم إرخائه، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه ﵇ وجد في نفسه خِفّةً، فخرج، فأدرك معه الركعة الثانية، يدُلُّ عليه ما ذكره موسى بن عقبة في "المغازي"، عن الزهريّ، وذكره أبو الأسود، عن عروة، أن النبيّ ﷺ أَقْلَعَ عنه الوَعْكُ ليلة الاثنين، فغدا إلى صلاة الصبح متوكئًا على الفضل بن العباس وغلام له، وقد سجد الناس مع أبي بكر، حتى قام إلى جنب أبي بكر، فاستأخر أبو بكر، فأخذ رسول اللَّه ﷺ بثوبه،
стр. 5426
فقدَّمه في مصلّاه، فصفّا جميعًا، ورسول اللَّه ﷺ جالسٌ، وأبو بكر يقرأ، فركع معه الركعة الآخرة، ثم جلس أبو بكر، حتى قَضَى سجوده، فتشهد وسلم، فأتى رسول اللَّه ﷺ الركعة الأخرى، ثم انصرف إلى جِذْع من جذوع المسجد، فذكر القصة في دعائه أُسامة بن زيد، وعَهْدِه إليه فيما بعثه فيه، ثم في وفاة رسول اللَّه ﷺ يومئذ.
أخبرنا به أبو عبد اللَّه الحافظ، بسنده إلى ابن لَهِيعة، حدثنا أبو الأسود، عن عروة، فذكره.
قال البيهقيّ: فالصلاة التي صلاها أبو بكر، وهو مأموم هي صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها بين العباس وعليّ ﵄، والتي كان فيها إمامًا هي صلاة الصبح، وهي التي خرج فيها بين الفضل بن العباس وغلام له، وفيها الجمع بين الأخبار. انتهى كلام البيهقيّ.
قلت: وحديث كشف الستارة في "الصحيحين"، وليس فيه أنه ﷺ صلّى خلف أبي بكر، أخرجاه عن أنس، أن أبا بكر كان يصلّي بهم في وجع رسول اللَّه ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة كشف رسول اللَّه ﷺ ستر الْحُجْرة، فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول اللَّه ﷺ ضاحكًا، قال: فَبُهِتنا ونحن في الصلاة فرحًا برسول اللَّه ﷺ ، ونَكَصَ أبو بكر على عقبيه، وظَنّ أن رسول اللَّه ﷺ خارج للصلاة، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل، وأرخى الستر، وتُوُفّي من يومه ذلك.
وفي لفظ للبخاريّ أن ذلك كان في صلاة الفجر، واللَّه ألحم.
وقال ابن حبان في "صحيحه" بعد أن روى حديث عائشة من رواية زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة بلفظ "الصحيحين"، ثم رواه من حديث شعبة، عن موسى بن أبي عائشة به، أن أبا بكر صلّى بالناس، ورسول اللَّه ﷺ في الصف خلفه. انتهى.
قال: فهذا شعبة قد خالف زائدة في هذا الخبر، وهما ثبتان حافظان، ثم أخرج عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: أُغْمي على رسول اللَّه ﷺ ، ثم أفاق، فقال: "أصَلّى الناسُ؟ "، قلنا:
стр. 5427
لا. . . الحديث، إلى أن قال: فخرج بين بَرِيرة ونُوبة (١)، فأجلسناه إلى جنب أبي بكر، فكان رسول اللَّه ﷺ يصلّي وهو جالس، وأبو بكر قائم، يصلّي بصلاة رسول اللَّه، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر.
ثم قال: وقد خالف نعيم بن أبي هند في هذا الخبر عاصم بن أبي النجود، ثم أخرج عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول اللَّه ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدًا، قال: وعاصم بن أبي النجود، ونعيم بن أبي هند حافظان ثقتان.
قال: وأقول -وباللَّه التوفيق-: إن هذه الأخبار كلها صحيحة، ليس فيها تعارض، فإن النبيّ ﷺ صلّى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا، قال: والدليل على ذلك أن في خبر عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة، أنه ﷺ خرج بين رجلين: العباس وعليّ، وفي خبر مسروق عنها أنه ﷺ خرج بين بَرِيرة ونُوبة، فهذا يدلّ على أنها كانت صلاتين لا صلاةً واحدة. انتهى (٢).
وفي كلام البخاريّ ما يقتضي الميل إلى أن حديث: "إذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا" منسوخ، فإنه قال -بعد أن رواه-: قال الحميديّ: هذا حديث منسوخٌ؛ لأنه ﷺ آخر ما صلّى صلّى قاعدًا، والناس خلفه قيامٌ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله ﷺ . انتهى. ذكره في عدة مواضع من كتابه.
وابن حبان لم ير النسخَ، فإنه قال بعد أن رواه في "صحيحه": وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلّى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلّوا قعودًا، وأفتى به من الصحابة: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأُسيد بن حُضير، وقيس بن قَهْد، ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة، وقد أفتى به من التابعين: جابر بن زيد، ولم يُرْوَ عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واهٍ، فكان إجماعًا من التابعين أيضًا.
стр. 5428
وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مِقْسَم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه، وأعلى حديث احتجُّوا به حديثٌ رواه جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، قال ﷺ : "لا يَؤُمَّنّ أحد بعدي جالسًا"، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلًا، والمرسل عندنا وما لم يُرْوَ سِيّان؛ لأنا لو قبلنا إرسال تابعيّ، وإن كان ثقة للزمنا قبول مثله عن أتباع التابعين، وإذا قبلنا لزمنا قبوله من أتباع أتباع التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن يُقْبَل من كل أحد إذا قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، وفي هذا نقض الشريعة.
والعجب أن أبا حنيفةَ يَجْرَح جابرًا الجعفيّ ويُكَذِّبه، ثم لما أخطره الأمر جعل يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن عبد اللَّه بن يزيد القطان بالرَّقَّة، ثنا أحمد بن أبي الحوَارِيّ، سمعت أبا يحيى الْحِمّانيّ، سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفيّ، ما أتيته بشيء من رأيي قط إلا جاءني فيه بحديث. وقد ذكرنا ترجمة جابر الجعفيّ في "كتاب الضعفاء". انتهى كلام ابن حبّان ﵀ باختصار (١).
وحديث جابر الجعفيّ هذا أخرجه الدارقطنيّ، ثم البيهقيّ في "سننهما" عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يؤمنّ أحد بعدي جالسًا"، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن الشعبيّ غير جابر الجعفيّ، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة. انتهى.
وقال عبد الحق في "أحكامه": ورواه عن الجعفيّ مُجالدٌ، وهو أيضًا ضعيف. انتهى.
وقال البيهقيّ في "المعرفة": الحديث مرسل لا تقوم به حجةٌ، وفيه جابر الجعفيّ، وهو متروك في روايته، مذموم في رأيه، ثم قد اختُلِف عليه فيه، فرواه ابن عيينة عنه كما تقدم، ورواه ابن طهمان عنه، عن الحكم، قال: كتب عمر: "لا يؤمنّ أحد جالسًا بعد النبيّ ﷺ "، وهذا مرسل موقوفٌ.
ثم أسند عن الشافعيّ، ثنا عبد الوهاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن
стр. 5429
أبي الزبير، عن جابر، أنها صلّى وهو مريض جالسًا، وصلّى الناس خلفه جلوسًا، وأخبرنا الثقفي عن يحيى بن سعيد أن أُسيد بن حضير فعل مثل ذلك، قال الشافعيّ: وإنما فعلا مثل ذلك لأنهما لم يعلما بالناسخ، وكذلك ما حُكِي عن غيرهم من الصحابة أنهم أَمَّوْا جالسين، ومن خلفهم جُلوسٌ محمول على أنه لم يبلغهم النسخ، وعلم الخاصة يوجد عند بعض، ويَعْزُب عن بعض. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعوى النسخ في هذه المسألة، لا تثبت، وسيأتي إيضاحها، وتحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة خلف الإمام القاعد لعلّة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في الإمام يصلّي قاعدًا من علّة:
فقالت طائفة: يصلّون قُعودًا؛ استنانًا بأمر النبيّ ﷺ أصحابه الذين صلَّوا خلفه قيامًا بالقعود، فممن رُوي عنه أنه استعمل ذلك: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأُسَيد بن حُضَير، وقد روينا عن قَيْس بن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- أن إمامًا اشتكى لهم أعلى عهد رسول اللَّه ﷺ قال: فكان يؤمّنا جالسًا، ونحن جُلُوس.
قال ابن المنذر: وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، قال أحمد: كذا قال النبيّ ﷺ ، وفعله أربعةٌ من أصحابه: أُسيد بن حُضَير، وقيس بن قَهْد، وجابر، وأبو هريرة ﵃.
قال ابن المنذر: وكان أحقّ الناس بالاستدلال لفعل النبيّ ﷺ بأن ذلك غير منسوخ مَنْ جَعَلَ مَشْيَ ابن عُمر بعد بيعه بأنها أحد الدلائل على أن الافتراق في البيوع افتراق الأبدان؛ لما روى ابن عمر الحديث، قال: ابنُ عمر أعلم بتأويل حديث رسول اللَّه ﷺ ممن بعده، فكذلك لما كان فيما
стр. 5430
روى (١) عن النبيّ ﷺ أَمْرَهُ الذين صَلَّوْا خلفه قيامًا بالقعود أبو هريرة، وجابر، ثم استعملوا ذلك بعد وفاته، وجب كذلك على هذا القائل أن يقول: أبو هريرة وجابر أعلم بتأويل حديث رسول اللَّه ﷺ ، وبناسخه ومنسوخه ممن بعدهما.
ولو لم تختلف الأخبار في أمر أبي بكر في موضع رسول اللَّه ﷺ لم يجز الانتقال عما سنّه النبيّ ﷺ لهم، وأمرهم بالقعود إذا صلَّى إمامهم قاعدًا؛ لأن الذي افتتح بهم الصلاة أبو بكر، فوجب عليهم القيام؛ لقيام أبي بكر بهم مما لم يحدث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة بأنها علّة (٢)، فوجب الجلوس، فعليهم أن يفعلوا كفعل إمامهم، وإن تقدّم إمام غير الإمام الذي عقدوا الصلاة معه، فصلّى جالسًا، فليس عليهم الجلوس ما دام الإمام الذي عقدوا معه الصلاة قائمًا، فإذا كانت الحال هكذا في حدوث إمام بعد إمام استُعمل ما جاءت به الأخبار في مرض النبيّ ﷺ الذي مات فيه، وإذا كان مثل الحال الذي صلّى بهم النبيّ ﷺ في منزله، وافتَتَح بهم الصلاةَ قاعدًا، فعليهم القعود بقعوده.
فتكون كلُّ سنّة من هاتين السنّتين مستقلّة في موضعها، ولا يبطل كلُّ واحدة للأخرى؛ أن معنى (٣) كلّ سنة غير معنى الأخرى.
وقد تأوّل هذا المعنى بعينه أحمد بن حنبل، وكان أولى الناس بأن يقول هذا القول مَنْ مذهبه استعمال الأخبار كلّها إذا وَجَد إلى استعمالها سبيلًا، كاختلاف صفة صلاة الخوف على اختلاف الأحوال فيها، هذا لو كانت الأحوال لا تختلف في صلاة النبيّ ﷺ في مرضه الذي مات فيه.
وقالت طائفة: إن صلّى الإمام قاعدًا صلّى المأمومون قيامًا إذا أطاقوا، وصلّى كلُّ واحد فرضه، هذا قول الشافعيّ، قال: أمرُ النبيّ ﷺ في حديث