تقدم مثله في قوله: "فخَرَجَ أبو بكر"، وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة بلفظ: "فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول اللَّه ﷺ وَجَدَ من نفسه خِفّةً"، وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء، قاله في "الفتح"، وهو بحثٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَامَ يُهَادَى) -بضم أوله، وفتح الدال- مبنيًّا للمفعول: أي يمشي مُعْتَمِدًا عَلى الرجلين متمايلًا في مشيه، من شدّة الضعف، والتهادي: التمايل في المشي البطيء.
(بَيْنَ رَجُلَيْنِ) هما العبّاس وعليّ بن أبي طالب ﵄، وتقدّم اختلاف الروايات في ذلك، والجمع بينها عند شرح رواية موسى المذكورة.
(وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ) أي تجعلان فيها خطًّا؛ لكونه ﷺ يجرّهما، ولا يعتمد عليهما؛ لعدم قدرته على تمكينهما من الأرض بسبب شدّة ضعفه، وفي رواية عند ابن حبان: "إني لأنظر إلى بطون قدميه".
(قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ) النبيّ ﷺ (الْمَسْجِدَ) النبويّ (سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ) قال في "القاموس": "الْحَسُّ" بفتح الحاء: الْجَلَبَةُ، وبكسرها: الحركة، وأن يمرّ بك قريبًا، فتسمعه، ولا تراه، كالْحَسِيس. انتهى باختصار (١).
والظاهر أن الرواية هنا بالكسر، فيكون المعنى: أنه سمع حركته ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم.
(فَذَهَبَ) عطف على "سمع"، وفي بعض النسخ: "ذَهَبَ" بحذف العاطف، وعليه فيكون جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، كأنه قيل لها: فماذا فعل أبو بكر ﵁ حين سمع حسّه؟ فأجابت بقولها: ذَهَبَ (يَتَأَخَّرُ) أي إلى الصفّ؛ ليكون مأمومًا بعد أن كان إمامًا (فَأَوْمَأَ) أي أشار إِلَيْهِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ) وفي نسخة: "أقم" بهمزة القطع، من الإقامة (مَكَانَكَ") منصوب على الظرفية، أي اثبُت في مكانك الذي أنت فيه، وفي رواية البخاريّ: "أن مكانك"، وفي رواية عاصم المذكورة: "أن اثْبُتْ مكانك"، وكلمة "أن" بفتح الهمزة، وسكون النون، و"مكانك" منصوب على
стр. 5497
معنى الزَمْ مكانك، وفي رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة: "فأومأ إليه النبيّ ﷺ أن لا يتأخر" (١).
(فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) وفي رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة أن ذلك كان بأمره ﷺ ، ولفظه: "فقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر".
وقوله: (عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) هذا هو مقام الإمام، وسيأتي القول فيه، وأغرب القرطبيّ حيث قال -لَمّا حَكَى الخلاف، هل كان أبو بكر إمامًا، أو مأمومًا؟ -: لم يقع في "الصحيح" بيان جلوسه ﷺ ، هل كان عن يمين أبي بكر، أو عن يساره؟. انتهى (٢).
والغريب أن هذه الرواية كما ترى في "صحيح مسلم"، بل هي متّفقٌ عليها، والقرطبيّ نفسه ساقها في "مختصره"، فالعجب منه كيف يَغْفُل عن ذلك في حال شرحه له، فسبحان مَن ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
(قَالَتْ) عائشة: (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) حال كونه (جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا) هذا من عطف المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المقرّر في محلّه، فقوله: "أبو بكر" عطف على "رسول اللَّه ﷺ "، وقوله: "قائمًا" عطف على "جالسًا"، وهو حال من فاعل "يُصلّي".
وقوله: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ) حال من أبي بكر (وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) ﵁.
وهذا صريح في كون النبيّ ﷺ هو الإمام، وأبو بكر مأموم به ﷺ ، فيكون معنى قوله: "ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" اقتداؤهم به في الانتقالات، حيث كان يُسمعهم تكبيرات النبيّ ﷺ .
واستدلّ به الجمهور على نسخ حديث: "وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جُلُوسًا"، والحقّ أنه لا نسخ، كما سبق تحقيقه، قريبًا.
واستدلّ به أيضًا ابن المسيّب: على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام؛ لأنه ﷺ جلس عن يسار أبي بكر ﵁، وهذا إنما يتمشّى على قول من
стр. 5498
قال: إن أبا بكر كان هو الإمامَ، والجمهور على أنه يقوم عن يمينه، وهو الحقّ؛ فقد ثبت في "الصحيحين" أنه ﷺ حوّل ابن عبّاس ﵄ إلى يمينه لَمّا قام عن يساره، وغير ذلك من الأدلة الصحيحة، وتخريج الحديث، وبيان فوائده تقدّمت في شرح أول أحاديث الباب، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (٢)، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: "لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ"، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: "فَأُتِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمُ التَّكْبِيرَ"، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: "فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي (٣)، وَأَبُو بَكْرِ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الْحنظليّ المروزيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
стр. 5499
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لابن مُسْهِر وعيسى.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث السابق.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا) أي ابن مسهر، وعيسى.
وقوله: (فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي) وفي نسخة: "يصلّي بالناس".
[تنبيه]: رواية أبي مسهر هذه ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٤٤٣)، فقال:
(١٦٤١) حدثنا الصَّغَانيّ، قال: أنبأ إسماعيل بن الخليل، قال: أنبأ عليّ بن مُسْهِرٍ، قال: أنبأ الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لَمّا مَرِضَ النبيّ ﷺ مرضه الذي تُوُفِّي فيه أتاه بلالٌ، فآذنه للصلاة، فقال: "مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالناس"، قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللَّه، إن أبا بكر رجل أسيفٌ، ومتى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس، فمر عمر، فليصلّ بالناس، فقال: "مُرُوا أبا بكر، فليصلّ بالناس"، فقلت: يا رسول اللَّه، إن أبا بكر رجل أسيف، ومتى يقوم مقامك يبك، فلا يستطيع، فمُرْ عمر، فليصلّ بالناس، فقال: "مَهْ إنكن لأنتن صواحب يوسف، مُرُوا أبا بكر فليصل بالناس"، فأُتِي أبو بكر، فأُوذِن، قالت: فلما دخل الصلاة، وَجَدَ رسول اللَّه ﷺ من نفسه خِفَّةً، فخرج يهادى بين رجلين، وقدماه تَخُطّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأَومى إليه رسول اللَّه ﷺ بيده، فأُتي برسول اللَّه ﷺ حتى أُجلس إلى جنبه، فكان رسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس، وأبو بكر يسمعهم التكبير. انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس، فساقها الإمام إسحاق ابن راهويه في "مسنده" (٣/ ٨٣١) فقال:
(١٤٨١) أخبرنا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لَمّا مرض رسول اللَّه ﷺ المرض الذي مات فيه، أُذِّن بالصلاة، فقال: "مُرُوا أبا بكر أن يصلي بالناس"، فقلت: إن أبا بكر رجل
стр. 5500
أسيفٌ، متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فسكت، ثم قال: "مروا أبا بكر أن يصلي بالناس"، فقلت: إن أبا بكر رجل رقيقٌ، متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: "مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فإنكنّ صواحب يوسف"، فأقيمت الصلاة، فصلّى أبو بكر بالناس، فوجد رسول اللَّه ﷺ من نفسه خِفّةً، فخرج إلى الصلاة، وقدماه تخطان في الأرض، فلما رآه أبو بكر ذَهَبَ يتأخر، فأومأ إليه رسول اللَّه ﷺ أن مكانك، فجاء رسول اللَّه ﷺ حتى جلس إلى جنب أبي بكر، وأبو بكر يقتدي به، وأبو بكر ﵁ يُسْمِع الناس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، وَإِذَا (١) أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيْ كَمَا أَنْتَ"، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد اللَّه بن نمير والد محمد الراوي عنه، تقدّم قبل باب أيضًا.
стр. 5501
٥ - (هِشَام) بن عروة، تقدّم قبل باب أيضًا.
٦ - (أبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل باب أيضًا.
و"عائشة ﵂" ذُكرت قبل حديث.
وقوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) الأول هو عبد اللَّه والد ابن نمير المذكور بعد التحويل.
وقوله: (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) يعني أن ألفاظ كلٍّ من شيوخه الثلاثة: أبي بكر، وأبي كُريب، وابن نمير متقاربة.
وقوله: (وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) الثاني هو محمد بن عبد اللَّه بن نمير.
وقوله: (حَدَّثَنَا أَبِي) أي عبد اللَّه بن نمير.
وقوله: (قَالَ عُرْوَةُ. . . إلخ) قال في "الفتح": هو بالإسناد المذكور، ووَهِمَ من جعله مُعَلَّقًا، ثم إن ظاهره الإرسال من قوله: "فوجد. . . إلخ"، لكن رواه ابن أبي شيبة، عن ابن نمير بهذا الإسناد متصلًا بما قبله، وأخرجه ابن ماجه عنه، وكذا وصله الشافعيّ، عن يحيى بن حَبَّان، عن حماد بن سلمة، عن هشام، وكذا وصله عن عروة عنها، كما تقدم.
ويَحْتَمِل أن يكون عروة أخذه عن عائشة وعن غيرها، فلذلك قطعه عن القدر الأول الذي أخذه عنها وحدها. انتهى (١).
وقوله: (فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) هذا مقابل ما تقدّم من قوله: "لَمّا ثَقُل رسول اللَّه ﷺ يعني أنه خفّ عنه المرض- فوجد من نفسه خفّة الحركة".
وقوله: (أَيْ كَمَا أَنْتَ) "أي" تفسيريّة؛ و"ما" موصولة، و"أنت" مبتدأ، حُذف خبره، أي عليه، والجملة صلة "ما"، والجارّ والمجرور، أعني "كما أنت" متعلّق بمحذوف خبرٍ لـ "كان" المحذوفة مع اسمها، أي كن كما أنت، والكاف بمعنى "على"، أي كُنْ على الحال الذي أنت عليه من كونك إمامًا.
وفي رواية البخاريّ: "أن كما أنت"، و"أن" تفسيريّة كـ "أي".
وقوله: (وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) أي بتسميعهم التكبير، لا أنهم صلّوا تلك الصلاة بإمامين، فتنبّه.
стр. 5502
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٤٩] (٤١٩) - (حَدَّثَنِي (١) عَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنِي (٢) أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُم (٣) فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتْرَ الْحُجْرَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا، قَالَ: فَبُهِتْنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ فَرَحِ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ (٤) ﷺ ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَارجٌ لِلصَّلَاةِ (٥)، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْخَى السِّتْرَ، قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الْخَلّالُ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
стр. 5503
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجّةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أبو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيوخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: صالح عن ابن شهاب، وهو من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن صالحًا أكبر من ابن شهاب، على ما قيل.
٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، وهو المشهور بالخادم، خدم النبيّ ﷺ عشر سنين ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: "أخبرني أنس بن مالك الأنصاريّ، وكان تَبعَ النبيّ ﷺ ، وخَدَمَه، وصَحِبَه"، فقوله: "تَبعَ النبيّ ﷺ " لم يذكر المتبوع فيه ليُشعر بالعموم، أي تبعه في العقائد والأقوال والأفعال، وقوله: "وخَدَمه" أي خدم النبيّ ﷺ ، إنما ذكر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادمًا له عشر سنين ليلًا ونهارًا، وقوله: "وصَحِبه" إنما ذكر صحبته له؛
стр. 5504
لأن صحبته ﷺ أفضل أحوال المؤمنين، وأعلى مقاماتهم (١).
(أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ) أي لأجل الصحابة، إمامًا لهم، وفي نسخة: "بهم" (فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بفتحتين: أي في أيّام مرضه، وتقدّم تصريف الوجع، وتفسيره في "الإيمان" برقم [٤٦/ ٢٩٤] (١٠٤). (الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) بالبناء للمفعول: أي مات بسببه (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) رُوي برفع "يومُ" على جعل "كان" تامّةً، وبالنصب على أنه خبرها، واسمها ضمير يعود إلى الزمن، أي حتى كان الزمن يومَ الاثنين، والوجه الأول أوضح (وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال (كَشَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ سِتْرَ الْحُجْرَةِ) بكسر السين المهملة، وسكون التاء بمعنى الساتر، و"الْحُجْرة" بضم، فسكون: البيت (فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) عبارة عن الجمال البارع، وحُسن الْبَشَرَة، وصفاء الوجه، واستنارته، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: هذه عبارة عمّا راعهم من جماله، وحسن بشرته، ومائيّة وجهه، كما قال في الحديث الآخر: "كأن وجهه مُذْهَبَةٌ" (٣)، و"الورقة" بفتح الواو والراء، واحد الوَرَق، قال في "القاموس": "الْوَرَقُ" مُحَرَّكَةً من الكتاب والشجرِ معروفٌ. انتهى (٤). وقال في "المصباح": الْوَرَق: الكاغَدُ (٥)، قال الأخطل [من الكامل]:
فَكَأَنَّمَا هِيَ مِنْ تَقَادُمِ عَهْدِهَا … وَرَقٌ نُشِرْنَ مِنَ الْكِتَاب بَوَالِي
وقال الأزهريّ أيضًا: الْوَرَقُ ورَقُ الشجر، والْمُصْحَفِ، وقالَ بعضهم: الْوَرَقُ: الْكَاغَدُ، لم يوجد في الكلام القديم، بل الْوَرَق اسم لجلودٍ رِقَاقٍ يُكْتَبُ فيها، وهي مُستعارة من ورق الشجر. انتهى (٦).
стр. 5505
و"المصحف" مثلّث الميم، من أُصْحِف بالضمّ: أي جُعِلت فيه الصُّحُف، قاله في "القاموس" (١).
وذكر الأبيّ أن المصحف من لفظ الراوي؛ لأنه لم يكن حينئذ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله الأبيّ نظر لا يخفى؛ لأن المصحف كان موجودًا حينما حدّث أنسٌ ﵁ بهذا الحديث؛ إذ هو موجود من عهد الخلفاء ﵃، فتشبيهه بالمصحف للذين يروي لهم الحديث واضحٌ، ولم يُرد تشبيهه بمصحف كان حين رؤية وجهه ﷺ ، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا) حال مؤكّد لتبسّم، كما قال في "الخلاصة":
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نِحْوِ لَا تَعْثَ فِي الأرْضِ مُفْسِدَا
قال في "المصباح": بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضَرَبَ: ضَحِكَ قليلًا من غير صَوْتٍ، وابْتَسَمَ وَتبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دون الضَّحِك. انتهى (٣).
وفي "اللسان": التبسُّمُ: أقلّ الضحك وأحسنه، وفي التنزيل: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] قال الزجّاج: التبسّم أكثر ضحِك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وقال الليث: بَسَمَ يَبْسِمُ بَسْمًا: إذا فَتَح شفتيه كالمكاشر. انتهى (٤).
قال النوويّ ﵀: سبب تبسمه ﷺ فَرَحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتّباعهم لإمامهم، وإقامتهم شريعته، واتفاق كلمتهم، واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه ﷺ على عادته إذا رأى أو سمع ما يَسُرُّه يَستنير وجهه، وفيه معنى آخر، وهو تأنيسهم، وإعلامهم بتماثل حاله في مرضه، وقيل: يَحْتَمِل أنه ﷺ خرج ليصلّي بهم، فرأى من نفسه ضعفًا فرجع. انتهى (٥).
стр. 5506
(قَالَ: فَبُهِتْنَا) بضمّ الموحّدة مبنيًّا للمفعول: أي أُخِذنا بَغْتَةً، وانتابتنا الْحَيْرةُ، قال في "القاموس": و"الْبَهْتُ" بالضمّ والفتح: الأخذ بَغْتةً، والْحَيْرةُ، والفعل كعَلِمَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ، وزُهِي، وهو مَبْهُوتٌ، لا باهتٌ، ولا بَهِيتٌ. انتهى (١).
وفي "المصباح": بَهِتَ، وبَهُتَ: من بابي قَرُبَ، وتَعِبَ: دَهِشَ، وتَحَيَّرَ، ويُعدَّى بالحركة، فيقال: بَهَتَهُ يَبْهَتُهُ بفتحتين، فَبُهِتَ بالبناء للمجهول. انتهى (٢).
وفي رواية البخاريّ: "فَهَممنا أن نَفْتَتِنَ من الفَرَح برؤية النبيّ ﷺ ".
(وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من نائب الفاعل، وقوله: (مِنْ فَرَحٍ) أي من أجل فرحنا، وهو متعلّق بـ "بُهتنا" وقوله: (بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ) النبيَّ ( ﷺ ) متعلّق بـ "فَرَح" (وَنَكَصَ) أي رجع إلى ورائه قهقرى (أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ) يقال: نَكَصَ على عِقَبيه نُكُوصًا، من باب قعد: رجع، قال ابن فارس: والنُّكُوصُ: الإحجام عن الشيء (٣)، وقوله: (لِيَصِلَ) من الوصول، لا من الوصل، وقوله: (الصَّفَّ) منصوب على أنه مفعول به لـ "يَصِل"؛ لأنه يتعدّى بنفسه، فلا حاجة إلى ما قاله العينيّ: إنه منصوب بنزع الخافض: أي إلى الصفّ (٤)؛ لما ذكرناه.
قال في "القاموس": وَصَلَ الشيءَ، وإليه وُصُولًا، وَوُصْلَةً، وَصِلَةً: بَلَغَهُ، وانتهى إليه. انتهى (٥). فأفاد أن وَصَلَ هنا متعدّ بنفسه إلى الصفّ، فتنبّه، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَظَنَّ) أي أبو بكر ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَارجٌ لِلصَّلَاةِ) وفي نسخة: "إلى الصلاة" (فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ) "أن" هنا تفسيريّة، بمعنى "أي"، فقد توفّر فيها شروط وقوعها تفسيريّة، وهي: أن تُسبق بجملة، وتتأخّر عنها جملة، فيها معنى القول، دون حروفه، ولم يدخل عليها جارّ (٦)، فجملة "أتمّوا صلاتكم" تفسير لإشارته ﷺ .
стр. 5507
(قَالَ) أنس ﵁ (ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي حجرته (فَأَرْخَى السِّتْرَ) أي أرسل الساتر الذي كشفه (قَالَ) أنس ﵁ (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ) أي في يومه، و"من" بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٩٤٩ و ٩٥٠ و ٩٥١ و ٩٥٢] (٤١٩) و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٨٠ و ٦٨١ و ٧٥٤) و"العمل في الصلاة" (١٢٠٥) و"المغازي" (٤٤٤٨)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٣٦٧)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٧)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٦٢٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٠ و ١٦٣ و ١٩٦ و ١٩٧ و ٢٠٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٤٧ و ١٦٤٨ و ١٦٤٩ و ١٦٥٠ و ١٦٥١ و ١٦٥٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٣٦ و ٩٣٧ و ٩٣٨ و ٩٣٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٥)، و (ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٢١٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٢٤).
وأما فوائد الحديث، وبقيّة مباحثه، فتقدّمت في شرح حديث عائشة ﵂ الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَحَدِيثُ صَالِحٍ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ).
стр. 5508
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنة (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة حافظ إمام، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ السِّتَارَةَ) "آخر" مبتدأ خبره قوله: "كشَفَ السِّتارة"، بتقدير حرف مصدريّ، أي أن كشف، و"السِّتَارة" بالكسر: ما يُسْتر به، كالسُّترة، والْمِسْتَر، والإستار، جمعه: سَتَائر، قاله في "القاموس" (١).
وقوله: (يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) متعلّق بـ "كشف".
وقوله: (بِهَذ الْقِصَّةِ) أي يعني أن سفيان بن عيينة حدّث عن الزهريّ بهذه القصّة التي سبقت في رواية صالح بن كيسان، عنه.
وقوله: (وَحَدِيثُ صَالِحٍ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ) أراد به أن حديث سفيان مختصر.
[تنبيه]: حديث سفيان بن عيينة التي أحالها هنا، ساقها بتمامها الإمام النسائيّ في "سننه"، فقال:
(١٨٣١) أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أنس، قال: "آخرُ نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه ﷺ كَشَفَ السِّتَارة، والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁، فأراد أبو بكر أن يرتدَّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السِّجْفَ، وتُوُفّي من آخر ذلك اليوم، وذلك يوم الاثنين". انتهى.
وأخرجها أيضًا الإمام ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(١٦٢٤) حدّثنا هشام بن عمّار، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ،
стр. 5509
سمع أنس بن مالك يقول: "آخرُ نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه ﷺ كَشَفَ السِّتَارة يوم الاثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقَةُ مُصْحف، والناس خلف أبي بكر في الصلاة، فأراد أن يتحرك، فأشار إليه أَنِ اثْبُتْ، وألقى السِّجْفَ، ومات من آخر ذلك اليوم". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٩٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أخْبَرَنِي (١) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لصالح بن كيسان، وابن عيينة، يعني أن معنى حديث معمر، عن الزهريّ كمعنى حديث صالح، وسفيان عنه.
[تنبيه]: رواية معمر هذه ساقها بتمامها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٤٤٥) فقال:
(١٦٤٩) حدّثنا الدَّبَريّ (٢)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: وأخبرني أنس بن مالك، قال: "لَمّا كان يومُ الاثنين كَشَفَ رسول اللَّه ﷺ سِتْرَ الحجرة، فرأى أبا بكر يصلّي بالناس، قال: فنظرتُ في وجهه كأنه ورقةُ مصحف، وهو يتبسم، قال: وكِدْنا أن نُفْتَتَن في صلاتنا فرحًا برؤية رسول اللَّه ﷺ ، قال: فأراد أبو بكر أن ينكُص، فأشار إليه النبيّ ﷺ أَنْ كما أنت، ثم أرخى السِّتْر، فمات من يومه". انتهى.
وأخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" مطوّلةً، فقال:
(١٢٥٥٧) حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: قال الزهريّ: وأخبرني أنس بن مالك، قال: لما كان يومُ الاثنين كَشَفَ رسول اللَّه ﷺ سِتْرَ الْحُجْرة، فرأى أبا بكر، وهو يصلّي بالناس، قال: فنظرتُ إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، وهو يتبسم، قال: وكِدْنا أن نُفْتَتَنَ في صلاتنا فرحًا لرؤية
стр. 5510
رسول اللَّه ﷺ ، فأراد أبو بكر، أن ينكُصَ، فأشار إليه أَنْ كما أنت، ثم أرخى السِّتْر، فقُبض من يومه ذلك، فقام عمر، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ لم يمت، ولكنّ ربه أَرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلةً، واللَّه إني لأرجو أن يعيش رسول اللَّه ﷺ حتى يَقْطَع أيدي رجال من المنافقين، وألسنتهم، يزعمون، أو قال: يقولون: إن رسول اللَّه ﷺ قد مات". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا قَطُّ كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ وَضَحَ لَنَا، قَالَ: فَأَوْمَأَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْحِجَابَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ الْبَزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز (٨٠) سنة (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنْبَريّ مولاهم، التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
стр. 5511
٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهَيب البنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
و"أنس" ﵁ تقدّم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى هارون، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه هارون، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، وأن شيخه الأول أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس) بن مالك ﵁ أنه (قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال، وقد تقدّم غير مرّة، أن تمييز العدد إذا لم يُذْكَر بعده جاز في العدد التأنيث، والتذكير، وكان ابتداؤها من حين خَرَج النبيّ ﷺ ، فصلَّى بهم قاعدًا، كما تقدّم (١). (فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ) أي شَرَع وأخذ (أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ) أي يكون إمامًا يصلّي بالناس، وذلك بأمره ﷺ ، كما تقدّم قوله ﷺ : "مُرُوا أبا بكر أن يصلّي بالناس" (فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجَابِ) أي أخذه، وإجراء القول مجرى فَعَلَ كثير في استعمال العرب، وقد قدّمنا تحقيقه (فَرَفَعَهُ) أي ليرى ما عليه الصحابة ﵃ من اجتماعهم للصلاة خلف من أمره أن يصلّي بهم، وهو أبو بكر ﵁ (فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا) أي بأن وظهر للصحابة الحاضرين تلك الصلاة، وقال ابن التين: أي ظهر لنا بياضه وحسنه؛ لأن الوضاح عند العرب هو الأبيض اللون لحسنه. انتهى (٢). (وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، مَا) نافية (نَظَرْنَا مَنْظَرًا)
стр. 5512
وفي رواية البخاريّ: "ما رأينا منظرًا (قَطُّ) أي في الزمان الماضي، وهي بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومةً في أفصح اللغات، ظرف زمان لاستغراق ما مضى وتختصّ بالنفي، يقال: ما فعلته قطّ، والعامّة يقولون: لا أفعله قطُّ، وهو لحنٌ، واشتقاقه من قَطَطْتُهُ: أي قطعته، فمعنى ما فعلته قطّ: ما فعلته فيما انقطع عن عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبُنِيتْ؛ لتضمّنها معنى "مُذْ، وإلى"؛ إذ المعنى: مُذْ أن خُلِقتُ إلى الآن، وعلى حركة؛ لئلا يلتقي ساكنان، وكانت ضمّةً؛ تشبيهًا لها بالغايات، وقد تُكْسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تُتْبَع قافه طاءه في الضمّ، وقد تُخَفّف طاؤه مع ضمّها، أو إسكانها، ذكره ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في "مغنيه" (١).
(كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ وَضَحَ) أي ظهر (لَنَا، قَالَ) أنس ﵁: (فَأَوْمَأَ) أي أشار، يقال: أومأتُ إليه إيماءً: أشرتُ إليه بحاجب، أو يدٍ، وفي لغة: وَمَأْتُ وَمْئًا، من باب نَفَعَ، قاله الفيّوميّ (٢). (نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل، مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي بالتقدّم، وهذا التقدير قياسٌ، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ "عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
ويَحْتَمِلُ أن يكون مفعولًا لـ "أومأ"، بتضمينه معنى "طَلَبَ" أي طلب إليه التقدّم.
ثم إن قوله: "فأومأ. . . إلخ" ليس مخالفًا لقوله في أوله: "فتقدّم أبو بكر"؛ إذ في السياق حذف يظهر من رواية الزهريّ التي قبله، حيث قال فيها: "فنكص أبو بكر".
وحاصل ذلك أن أبا بكر ﵁ تقدّم لأمر النبيّ ﷺ له بذلك، فلما كشف ﷺ الحجاب ظنّ أنه خارجٌ إليهم ليصلّي بهم، فتأخّر، فأشار إليه ﷺ حينئذ أن يرجع إلى مكانه، ويستمرّ على إمامته (٣)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5513
(وَأَرْخَى) بالبناء للفاعل، أي أرسل (نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْحِجَابَ) أي الساتر الذي رفعه بيده؛ ليرى الصحابة ﵃ (فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ) بفتح النون، وكسر الدال، مبنيًّا للفاعل، أي لم نستطع على رؤيته ﷺ بعد ذلك (حَتَّى مَاتَ) أي إلى أن مات النبيّ ﷺ ، وفي رواية للبخاريّ: "فلم يُقدَر" بالياء بدل النون، وعليه فالفعل مبنيّ للمجهول.
قال في "العمدة": ومما يُستفاد منه أن أبا بكر ﵁ كان خليفته ﷺ في الصلاة إلى موته، ولم يَعزِله عنها، كما زعمت الشيعة أنه عُزِلَ بخروج النبيّ ﷺ ، وتخلّفه، وتقدّم النبيّ ﷺ ، وأن الإشارة باليد تقوم مقام الأمر في مثل هذا الموضع. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وبيان فوائده قبل حديثين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٣] (٤٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُل رَقِيقٌ، مَتَى يَقُمْ (١) مَقَامَكَ لَا يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: "مُرِي أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ"، قَالَ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في هذا الباب.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ) بن الوليد الْجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) وله (٤ أو ٨٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
стр. 5514
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدَامة الثقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْن عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الفرسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته، الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقد جاوز (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وشرح الحديث يعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٢/ ٩٥٣] (٤٢٠)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٣٨٥)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١/ ٣٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٤٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٤٥)، و (النسائي) في "الكبرى" (٥/ ٤٠١)، و (البيهقي) في "الكبرى" (٨/ ١٥٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٣) - (بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إِذَا تَأَخَّرَ الإِمَامُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٤] (٤٢١) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ؛ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ،
стр. 5515
فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ "، قَالَ (١) أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ (٢) لِلنِّسَاءِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٨٨)، وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٤٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو من المعمّرين، كما أسلفناه
стр. 5516
آنفًا، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃ على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ﵄، وفي رواية النسائيّ من طريق سفيان، عن أبي حازم: "سمعتُ سهلًا" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ) بن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما: الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس، فيه عِدّةُ أَحياء، كانت منازلهم بقباء، منهم بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وبنو ضُبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف (١).
(لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ) أي إن سبب ذهابه ﷺ إليهم لأجل أن يُصلح ما وقع بينهم من العداوة، ففي رواية النسائيّ، "أن رسول اللَّه ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء"، وفي رواية سفيان، عن أبي حازم: "وقع بين حيين من الأنصار كلام"، وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الصلح" من طريق محمد بن جعفر، عن أبي حازم: "أن أهل قباء اقتتلوا، حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول اللَّه ﷺ بذلك، فقال: اذهبوا بنا نُصلِح بينهم".
وله فيه من رواية أبي غَسّان، عن أبي حازم: "فخرج في أناس من أصحابه"، وسَمَّى الطبرانيّ منهم، من طريق موسى بن محمد، عن أبي حازم: أُبَيَّ بنَ كعب، وسهيلَ بنَ بيضاء، وللبخاريّ في "كتاب الأحكام" من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: أن توجهه كان بعد أَنْ صلّى الظهر، وللطبرانيّ من طريق عُمَر بن عليّ، عن أبي حازم: "أن الخبر جاء بذلك، وقد أَذَّنَ بلال لصلاة الظهر".
(فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي قرب وقت الصلاة، والمراد بها العصر، فقد صُرِّح به عند البخاريّ في "كتاب الأحكام"، ولفظه: "فلما حضرت صلاة العصر أَذَّنَ وأقام، وأمر أبا بكر، فتقدَّم"، ولم يسم فاعل ذلك، وقد أخرجه أحمد، وأبو
стр. 5517
داود، وابن حبان من رواية حماد بن زيد، عن أبي حازم، فبَيَّن الفاعلَ، وأن ذلك كان بأمر النبيّ ﷺ ، ولفظه: "فقال لبلال: إن حضرت العصر، ولم آتك، فمر أبا بكر، فليصلّ بالناس، فلما حضرت العصر أَذَّن بلال، ثم أقام، ثم أَمَر أبا بكر فتقدم"، ونحوه للطبرانيّ من رواية موسى بن محمد، عن أبي حازم، وعُرِفَ بهذا أن المؤذن بلال ﵁.
(فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ) أي بلال ﵁، كما مرّ آنفًا (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (فَقَالَ: أتصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأُقِيمَ؟) بالنصب؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة في جواب الاستفهام، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَب
ويجوز رفعه، على أنه مستأنف بتقدير مبتدأ، أي فأنا أقيم.
ثم إن هذا لا يعارض ما ذكرناه آنفًا من أن ذلك بأمر النبيّ ﷺ بلالًا بذلك؛ لأنه يُحمل على أن بلالًا استفهم أبا بكر، هل يبادر أوّلَ الوقت لتنفيذ أمر رسول اللَّه ﷺ ، أم أنه ينتظر قليلًا مجيئه ﷺ حتى يُصلّي بالناس؟ فترجّح لأبي بكر ﵁ المبادرة؛ لأنها فضيلة متحقّقة، فلا تُترك لفضيلة متوهّمة، أفاده في "الفتح" (١).
(قَالَ) أبو بكر ﵁: (لعَمْ) زاد في رواية البخاريّ من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: "إن شئت"، وإنما فَوَّض ذلك له مع كونه ﷺ أمره أن يؤمّ الناس إن تأخّر؛ لاحتمال أن يكون عند بلال ﵁ زيادة علم من النبيّ ﷺ في ذلك.
(قَالَ) سهل ﵁ (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أي دخل في الصلاة، وفي رواية النسائيّ: "فأقام بلالٌ، وتقدّم أبو بكر، فكبّر بالناس"، وفي رواية للبخاريّ: "وتقدم أبو بكر، فكبّر"، وفي روايةٍ: "فاستفتح أبو بكر الصلاة"، وهي عند الطبرانيّ.
قال في "الفتح": وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين، حيث امتنع أبو بكر هنا أن يَسْتَمِرّ إمامًا، وحيث استمرّ في مرض موته ﷺ حين صلّى خلفه
стр. 5518
الركعة الثانية من الصبح، كما صَرَّح به موسى بن عقبة في "المغازي"، فكأنه لَمّا أَنْ مَضَى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولَمّا أن لم يَمْضِ منها إلا اليسير لم يستمرّ، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف، حيث صلّى النبيّ ﷺ خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمرّ في صلاته إمامًا لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن هي الآتية بعد هذا من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية للنسائيّ: "ثم جاء رسول اللَّه ﷺ (وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (فَتَخَلَّصَ) قال الكرمانيّ: أي صار خالصًا من الأشغال، فتعقّبه العينيّ ﵀، فقال: ليس المراد هذا المعنى هنا، بل معناه: فتخلّص من شَقّ الصفوف، حتى وصل إلى الصفّ الأول، وهو معنى قوله (حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) أي في الصفّ الأول، والدليل على ما قلنا: رواية عبيد اللَّه العمريّ (١) عند مسلم -يعني الآتية بعد هذا-: "فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فخَرَقَ الصفوف حتى قام عند الصفّ المقدّم". انتهى (٢).
وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد العزيز، عن أبيه: "فجاء النبيّ ﷺ يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقًّا، حتى قام في الصف الأول"، وفي رواية للنسائيّ من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: "فجعل يشقّ الناس، حتى قام خلف أبي بكر".
(فَصَفَّقَ النَّاسُ) بتشديد الفاء من التصفيق، أي ضربوا كفّ إحدى اليدين على صفحة الكفّ الآخر؛ إعلامًا لأبي بكر ﵁ بحضور النبيّ ﷺ ، ففي رواية النسائيّ، من طريق عبيد اللَّه العمريّ، عن أبي حازم: "وصَفّح الناس بأبي بكر؛ ليؤذنوه برسول اللَّه ﷺ ".
وللبخاريّ من طريق عبد العزيز، عن أبيه: "فأخذ الناس في التصفيح"، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. انتهى.
стр. 5519
قال في "الفتح": وهذا يدل على ترادفهما عنده، فلا يُلتَفت إلى ما يخالف ذلك. انتهى.
وقال الكرمانيّ: التصفيق: الضرب الذي يُسمَع له صوت، والتصفيق باليد التصويت بها. انتهى.
وقال في "العمدة": التصفيق: هو التصفيح بالحاء، سواء صَفَّق بيده، أو صَفَّح، وقيل: هو بالحاء الضرب بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، وبالقاف ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو اللَّهْوُ واللَّعِبُ.
وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء ضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى، وقال الداوديّ في بعض الروايات: "فصَفَّح القوم، وإنما التصفيح للنساء"، فيُحْمَل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم. انتهى (١).
(وَكَانَ أَبُو بَكْرِ) ﵁ (لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ) لمزيد خشوعه، واستغراقه في مناجاة ربّه، ولأَنه ورد ذمُّ الالتفات في الصلاة، فقد أخرج البخاريّ عن عائشة ﵂، قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزال اللَّه مقبلًا على العبد في صلاته، ما لم يَلتَفِت، فإذا صَرَف وجهه انصرف عنه".
وأخرج أحمد، والترمذيّ عن الحارث الأشعريّ ﵁ نحوه، وزاد: "فإذا صلّيتم، فلا تلتفتوا" (٢).
стр. 5520
(فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ) وفي رواية البخاريّ من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: "فلما رأى التصفيح لا يُمْسَك عنه التفت".
يعني أنه لَمّا صفّق أكثر الناس التفت أبو بكر ﵁ لينظر ما أوجب تصفيقَهُمِ.
(فرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) عطف على محذوف، أي فأخذ أبو بكر في التأخّر ليتقدّم رسول اللَّه ﷺ ، فأشار إليه ﷺ بعدم التأخّر (أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) "أن" تصلح أن تكون مصدريّة، والتقدير: فأشار إليه
стр. 5521
بالمكث في مكانه، ويَحْتَمل أن تكون تفسيريّة؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، والتقدير: فأشار إليه: أي امكُث مكانك، وقد تقدّم البحث فيها قريبًا.
وفي رواية للبخاريّ: "فأشار إليه يأمره أن يصلّي"، وفي رواية له: "فأومأ إليه رسول اللَّه بيده"، "فدفع في صدره ليتقدّم، فأبى".
(فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ) قال السنديّ ﵀: فيه دليلٌ لمشروعيّة رفع اليدين بالدعاء في الصلاة، حيث لم يُنكر النبيّ ﷺ على أبي بكر ﵁ رفع يديه. انتهى.
(فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ) وفي رواية للنسائيّ: "فحمد اللَّه على قول رسول اللَّه ﷺ له: امْضِهْ"، وإنما حمد اللَّه ؛ لأجل إكرام النبيّ ﷺ إياه بالتقدّم بين يديه، وإنما ترك امتثال الأمر؛ لكونه فَهِمَ أن الأمر بذلك مجرّد إكرام، وليس للإلزام، فاختار التأدّب، وإلا فلا يجوز له مخالفة الأمر.
ثم إن ظاهره أنه تلفظ بالحمد، لكن في رواية الحميديّ، عن سفيان: "فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرًا للَّه، ورجع القهقرى".
وادَّعَى ابن الْجَوْزيّ أنه أشار بالشكر والحمد بيده، ولم يتكلم، وليس في رواية الحميديّ ما يمنع أن يكون تلفظ، ويُقَوِّي ذلك ما عند أحمد، من رواية عبد العزيز الماجشون، عن أبي حازم: "يا أبا بكر، لم رفعت يديك؟ وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعتُ يدي؛ لأني حمدت اللَّه على ما رأيتُ منك"، قاله في "الفتح" (١).
(ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ) أي تأخّر عن مقام الإمامة (حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ) أي قام فيه، وفي رواية النسائيّ: "ورجع القهقرى وراءه، حتى قام في الصفّ"، وفي رواية له: "ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه فتأخّر، فلما رأى ذلك رسول اللَّه ﷺ تقدّم" (وَتَقَدَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّى) زاد النسائيّ: "بالناس"، وفي رواية المسعوديّ: "فلما تَنَحَّى تقدم النبيّ ﷺ "، ونحوه في رواية حماد بن زيد.
стр. 5522
وفيه دليلٌ على أن الإمام الراتب إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخيّر بين أن يأتمّ به، أو يؤمّ هو، ويصير النائب مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة، ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين.
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلّم النبيّ ﷺ من الصلاة بعد أن انتهى منها (فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا) استفهاميّة، أي أيُّ شيء (مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ) بضمّ الموحّدة، يقال: ثبت الشيءُ يثبُتُ ثُبُوتًا، من باب قعد: دام واستقرّ، فهو ثابتٌ (١)، أي تدوم وتستقرّ إمامًا تصلي بالناس (إِذْ) ظرفيّة متعلّقة بـ "تثبُت" (أَمَرْتُكَ؟ ") أي وقت أمري لك بذلك (قَالَ) وفي نسخة: "فقال (أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (مَا) نافية (كَانَ) وفي رواية النسائيّ: "ما كان ينبغي" (لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) -بضم القاف، وتخفيف الحاء المهملة، وبعد الألف فاء- كنية والد الصدّيق، واسمه عثمان بن عامر القرشيّ، أسلم عام الفتح، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات سنة أربع عشرة.
وإنما لم يقل أبو بكر: ما لي، أو ما لأبي بكر؛ تحقيرًا لنفسه، واستصغارًا لمرتبته عند رسول اللَّه ﷺ .
(أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية الحمادين، والماجشون: "أن يؤُمّ النبيّ ﷺ "، وفي رواية للنسائيّ: "ما كان اللَّه ليرى ابن أبي قُحافة بين يدي نبيّه ﷺ ".
والمراد من "بين يديه" قُدّامه، وقال الكرمانيّ: أو لفظ "يدي" مقحم، وتعقّبه العينيّ بأنه إذا كان لفظ "يدي" مقحمًا لا ينتظم المعنى على ما لا يخفى. انتهى (٢)، وهو تعقّب جيّد، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "المنهل": قوله: "ما كان لابن أبي قُحافة. . . إلخ" يعني ما كان ينبغي لابن أبي قُحافة أن يؤمّ النبيّ ﷺ ، فكأن النبيّ ﷺ قَبِلَ عُذره، حيث لم يُعنّفه على مخالفة أمره.
وفيه: أن من أُكرم بكرامة يُخيَّر فيها بين القبول والترك إذا علم أن الأمر ليس على طريق الإلزام. انتهى (٣).
стр. 5523
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لِي) "ما" استفهاميّةٌ مبتدأ، والجارّ والمجرور خبره، والاستفهام للإنكار، وقوله: (رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من المجرور، وفي رواية النسائيّ: "فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ ".
(مَنْ) شرطيّة، جوابها "فليُسبّح" (نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ) أي أصابه، وعرض له في خلال صلاته شيء مما يقتضي إعلام غيره بشيء، من تنبيه إمامه على خلل يريد فعله في الصلاة، أو رؤية أعمى يقع في بئر، أو نحو ذلك (فَلْيُسَبِّحْ) وفي رواية النسائيّ: "فليقل: سبحان اللَّه"، وحمل الجمهور الأمر على الندب، وسيأتي البحث عنه مستوفًى قريبًا (فَإِنَّهُ) الفاء لتعليل أمره بالتسبيح، والضمير للشأن، أي لأن الحال والشأن (إِذَا سَبَّحَ) بالبناء للفاعل (الْتُفِتَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "فإنه لا يسمعه أحدٌ حين يقول: سبحان اللَّه إلا التَفَتَ إليه"، والتفت" هنا مبنيّ للفاعل.
(وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ) بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ: "وإنما التصفيق" بالقاف، وتقدّم أن الأرجح كونهما بمعنى واحد (لِلنِّسَاءِ") يعني أنهنّ إذا نابهنّ أمر في الصلاة فالتصفيح هو المشروع لهنّ، كما تدلّ عليه الروايات الأخرى، ففي رواية للنسائيّ: "إذا نابكم أمرٌ، فليُسبّح الرجال، وليُصفِّح النساء".
أو المعنى: أنه من أفعال النساء ولَعِبهنّ، فلا يليق أن يُفْعَل في الصلاة، والأول هو الأرجح.
وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر معنى التصفيح والتصفيق-: واختُلف في حكمه في الصلاة، فقيل: لا يجوز أن يفعله في الصلاة لا الرجال، ولا النساء، وإنما هو التسبيح للجميع؛ لقوله ﷺ : من نابه شيء في صلاته فليُسبّح، فإنه إذا سَبَّحَ الْتُفِت إليه"، وهذا مشهور مذهب مالك وأصحابه، وتأوّلوا قوله ﷺ : "إنما التصفيق للنساء" أن ذلك ذمّ للتصفيق، ومعناه: أنه من شأن النساء، لا الرجال، وقيل: هو جائز للنساء دون الرجال؛ تمسُّكًا بظاهر الحديث، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا الآتي: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، وهو مذهب الشافعيّ، والأوزاعيّ، وحُكي عن مالك أيضًا، وعَلَّلوا
стр. 5524
اختصاص النساء بالتصفيق؛ لأن أصواتهنّ عورةٌ، ولذلك مُنعن من الأذان، ومن الجهر بالإقامة والقراءة، وهو معنى مناسبٌ، شَهِد الشرع له بالاعتبار، وهذا القول الثاني هو الصحيح؛ نظرًا وخبرًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي رجّحه القرطبيّ ﵀ من أن الصحيح مشروعيّة التصفيق للنساء؛ عملًا بظواهر النصوص، هو الحقّ، وهذا يعدّ من إنصافه ﵀؛ إذ هذا خلاف مذهبه، وهذا هو حقّ كلّ مسلم أن يكون دائرًا مع الأدلّة، وإن خالفها الأجلّة، والخلاف في هذه المسألة سيأتي مستوفى في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى-.
وأما قوله: "لأن أصواتهنّ عورة"، فمما لا دليل عليه، فأصوات النساء ليست عورةً على الإطلاق، فقد أباح لها الشرع أن تتكلّم مع الرجال للحاجة، فقد كانت النساء المؤمنات في عهده ﷺ يسألن الرجال الأجانب حاجتهنّ، ويستفتينهم، وإنما قال اللَّه تعالى لأمهات المؤمنين خاصّة: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآية، ومع ذلك لم يمنعهنّ من الكلام، بل قال: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وأما استدلاله بمنعهنّ من الأذان ونحوه فهذا ليس لما ذكره، بل لأمر يخص تلك الأمور، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الثانية): حديث سهل بن سعد الساعديّ ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٩٥٤ و ٩٥٥ و ٩٥٦] (٤٢١)، و (البخاريّ) (٦٨٤ و ١٢٠١ و ١٢٠٤ و ١٢٣٤ و ٢٦٩٠ و ٢٦٩٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٤٠)، و (النسائيّ) (٢/ ٧٧ - ٧٩)، و (ابن ماجه) (١٠٣٥)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١١٧ - ١١٨)،
стр. 5525
و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٠٧٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣٠ و ٣٣١ و ٣٣٥ و ٣٣٦ و ٣٣٧ و ٣٣٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣١٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٥٣ و ٨٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٦٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢١١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٤٢ و ٥٧٧١ و ٥٨٨٢ و ٥٩٠٩ و ٥٩١٤ و ٥٩٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٣٣ و ٢٠٣٤ و ٢٠٣٥ و ٢٠٣٦ و ٢٠٣٧ و ٢٠٣٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٩٤١ و ٩٤٢ و ٩٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٦ و ٢٤٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٤٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه فضلَ الإصلاح بين الناس، وحَسْم مادة الفتنة بينهم، وجمعهم على كلمة واحدة.
٢ - (ومنها): توجُّه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته للإصلاح، وتقديم ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه؛ لأن في ذلك دفع المفسدة، وهو أولى من الإمامة بنفسه، ويَلْتحق بذلك توجه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم، إذا علم أن فيه مصلحة.
٣ - (ومنها): بيان جواز الصلاة الواحدة بإمامين، أحدهما بعد الآخر.
٤ - (ومنها): أن الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيره، وأنه إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به، أو يؤم هو، ويصير النائب مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة، ولا يُبطل شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين.
قال الحافظ: وادَّعَى ابن عبد البر أن ذلك من خصائص النبيّ ﷺ ، وادَّعَى الإجماع على عدم جواز ذلك لغيره ﷺ ، ونوقض بأن الخلاف ثابت، فالصحيح المشهور عند الشافعية الجواز، وعن ابن القاسم في الإمام يُحْدِث فيستخلف، ثم يرجع فيخرج المستخلَف، ويُتِمّ الأول أن الصلاة صحيحة. انتهى.
وتعقّبه العينيّ كعادته نصرًا لمذهبه، تركت ذكره لعدم جدواه، فتبصّر.
٥ - (ومنها): أن فيه جوازَ إحرام المأموم قبل الإمام، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا، وفي بعضها مأمومًا.
стр. 5526
٦ - (ومنها): أن من أحرم منفردًا، ثم أقيمت الصلاة جاز له الدخول مع الجماعة من غير قطع لصلاته، كذا استنبطه الطبريّ من هذه القصّة، وهو مأخوذ من لازم جواز إحرام الإمام بعد المأموم كما ذكرنا، قاله في "الفتح".
٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ فضل أبي بكر ﵁ على جميع الصحابة ﵃، واستَدَلّ به جمع من الشُّرّاح، ومن الفقهاء، كالرويانيّ على أن أبا بكر ﵁ كان عند الصحابة أفضلهم؛ لكونهم اختاروه دون غيره، وعلى جواز تقديم الناس لأنفسهم إذا غاب إمامهم، قالوا: ومحل ذلك إذا أُمِنت الفتنة، والإنكار من الإمام، وأن الذي يتقدم نيابةً عن الإمام يكون أصلحهم لذلك الأمر، وأقومهم به، وأن المؤذن وغيره يَعْرِض التقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه بعد أن يَعْلَم أن ذلك برضا الجماعة.
قال الحافظ ﵀: وكلُّ ذلك مبنيّ على أن الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد، وقد قدّمنا أنهم إنما فعلوا ذلك بأمر النبيّ ﷺ . انتهى.
٨ - (ومنها): أن إقامة الصلاة، واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن، لكنه لا يقيم إلا بإذن الإمام، فقد قال بلال لأبي بكر ﵄: "أتصلّي بالناس، فأقيم؟ "، فقد استأذنه في الإقامة.
٩ - (ومنها): أن المؤذن هو الذي يقيم، وهذا هو الأولى، فإن أقام غيره جاز، وأما حديث: "من أذَّن فهو يقيم"، فضعيف، وكذلك حديث عبد اللَّه بن زيد لما أمره النبيّ ﷺ أن يلقيه على بلال، فقال عبد اللَّه: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، قال: "فأقم أنت"، ضعيف أيضًا، فلا يصلح للاحتجاج بهما، كما ادّعاه بعضهم.
١٠ - (ومنها): أن فعل الصلاة، لا سيما العصر في أول الوقت مقدّم على انتظار الإمام الأفضل.
١١ - (ومنها): أن فيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة؛ لأنه من ذكر اللَّه، ولو كان مراد المسبِّح إعلام غيره بما صدر منه.
١٢ - (ومنها): جواز رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء؛ لأنه ﷺ لم يُنكر على أبي بكر ذلك.
١٣ - (ومنها): استحباب حمد اللَّه تعالى من تجددت له نعمة، ولو كان في الصلاة.
стр. 5527
١٤ - (ومنها): جواز الالتفات في الصلاة للحاجة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة.
١٥ - (ومنها): أن الإشارة تقوم مقام النطق؛ لمعاتبة النبيّ ﷺ أبا بكر على مخالفة إشارته.
١٦ - (ومنها): جواز شَقّ الصفوف، والمشي بين المصلين؛ لقصد الوصول إلى الصفّ الأول، لكنه مقصور على مَن يليق ذلك به، كالإمام، أو مَن كان بصدد أن يَحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سَدّ فُرْجة في الصف الأول، أو ما يليه، مع ترك من يليه سدَّها، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى.
قال المهلب ﵀: لا تعارض بين هذا، وبين النهي عن التخطي؛ لأن النبيّ ﷺ ليس كغيره في أمر الصلاة ولا غيرها؛ لأن له أن يتقدم بسبب ما يَنزل عليه من الأحكام، وأطال في تقرير ذلك.
قال الحافظ ﵀: وتُعُقّب بأن هذا ليس من الخصائص، وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك، فقال: ليس في ذلك شيء من الأذى والجفاء الذي يحصل من التخطي، وليس كمن شقّ الصفوف، والناسُ جلوسٌ؛ لما فيه من تخطي رقابهم.
١٧ - (ومنها): كراهية التصفيق في الصلاة، وسيأتي تحقيق الأقوال فيه مستوفى -إن شاء اللَّه تعالى-.
١٨ - (ومنها): أن فيه الحمدَ والشكرَ على الوجاهة في الدين.
١٩ - (ومنها): أن من أُكْرِم بكرامة يتخير بين القبول والترك إذا فهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم، وكأن القرينة التي بَيَّنَت لأبي بكر ﵁ ذلك هي كونه ﷺ شَقّ الصفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنه فَهِمَ من ذلك أن مراده أن يؤم الناس، وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له، والتنويه بقدره، فَسَلَك هو طريقَ الأدب والتواضع، ورَجَّحَ ذلك عنده احتمالُ نزول الوحي في حال الصلاة لتغيير حكم من أحكامها، وكأنه لأجل هذا لم يتعقب ﷺ اعتذاره بردِّ عليه.
٢٠ - (ومنها): جواز إمامة المفضول للفاضل.
٢١ - (ومنها): سؤالُ الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك.
стр. 5528
٢٢ - (ومنها): إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية، واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يُشْعِر بالتواضع، من جهة استعمال أبي بكر ﵁ خطاب الغيبة مكان الحضور؛ إذ كان حقّ الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي، فعَدَل عنه إلى قوله: "ما كان لابن أبي قحافة"؛ لأنه أدلّ على التواضع من الأول.
٢٣ - (ومنها): جواز العمل القليل في الصلاة؛ لتأخر أبي بكر عن مقامه إلى الصف الذي يليه، وأن من احتاج إلى مثل ذلك يرجع القَهْقَرَى، ولا يَستدبِر القبلةَ، ولا ينحرف عنها.
٢٤ - (ومنها): أن الحافظ ابن عبد البر ﵀ استنبط منه جوازَ الفتح على الإمام؛ لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- (١) وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عَبْدٍ القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
стр. 5529
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (٤٦) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ) يعني أن حديث عبد العزيز، ويعقوب عن أبي حازم مثل حديث مالك بن أنس عنه الذي ذكر قبل هذا.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا. . . إلخ) يعني أنه وقع في حديث عبد العزيز ويعقوب لفظ: "فرفع أبو بكر يديه، فحمد اللَّه"، ولم يذكرا قوله: "على ما أمره به رسول اللَّه ﷺ من ذلك"، وقالا: "ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصفّ" بدل قول مالك: "ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصفّ".
وقوله: (وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ) قال في "القاموس": و"القَهْقَرَى": الرجوع إلى خلف، وتثنيته الْقَهْقَرَان بحذف الياء، وقَهْقَرَ، وتَقَهْقَر: رجع الْقَهْقَرَى. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فعلى هذا يكون قوله: "وراءه" مؤكّدًا لمعنى القهقرى؛ لأن معناه الرجوع إلى خلف، وهو الوراء.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: حديث عبد العزيز بن أبي حازم، الذي أحاله المصنّف هنا على حديث مالك فقد ساقه الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١٢١٨) حدثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ أن بني عمرو بن عوف بقباء، كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم، في أناس من أصحابه، فحُبِس رسول اللَّه ﷺ ، وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر ﵁، فقال: يا أبا بكر، إن رسول اللَّه ﷺ قد حُبِس، وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر ﵁، فكبّر للناس، وجاء رسول اللَّه ﷺ يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقًّا، حتى قام في الصف، فأخذ الناس في التصفيح -قال سهل: التصفيح هو التصفيق- قال: وكان أبو
стр. 5530
بكر ﵁ لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول اللَّه ﷺ ، فأشار إليه يأمره أن يصلّي، فرفع أبو بكر ﵁ يده، فحمد اللَّه، ثم رجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، وتقدم رسول اللَّه ﷺ ، فصلّى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "يا أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة، أخذتم بالتصفيح؟ إنما التصفيح للنساء، من نابه شيء في صلاته، فليقل: سبحان اللَّه"، ثم التفت إلى أبي بكر ﵁، فقال: "يا أبا بكر، ما منعك أن تصلّي للناس حين أشرت إليك؟ " قال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول اللَّه ﷺ . انتهى.
وأما حديث يعقوب بن عبد الرحمن فقد ساقه بتمامه أيضًا البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١٢٣٤) حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعديّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف، كان بينهم شيء، فخرج رسول اللَّه ﷺ يُصلِح بينهم، في أناس معه، فحُبس رسول اللَّه ﷺ ، وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر ﵁، فقال: يا أَبا بكر، إن رسول اللَّه ﷺ ، قد حُبِس، وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال، وتقدم أبو بكر ﵁، فكبّر للناس، وجاء رسول اللَّه ﷺ يمشي في الصفوف، حتى قام في الصفّ، فأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول اللَّه ﷺ ، فأشار إليه رسول اللَّه ﷺ يأمره أن يصلّي، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد اللَّه، ورجع القهقرى وراءه، حتى قام في الصفّ، فتقدم رسول اللَّه ﷺ ، فصلّى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "يا أيها الناس، ما لكم جن نابكم شيء في الصلاة، أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته، فليقل: سبحان اللَّه، فإنه لا يسمعه أحدٌ حين يقول: سبحان اللَّه إلا التفت، يا أبا بكر، ما منعك أن تصلّي للناس، حين أشرت إليك؟ "، فقال أبو بكر ﵁: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول اللَّه ﷺ . انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5531
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: ذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَقَ الصُّفُوفَ (٢) حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ الْقَهْقَرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعِ) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (م ت س) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى السّاميّ -بالمهملة- أبو محمد البصريّ، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) أي بمثل حديث مالك، وعبد العزيز، ويعقوب ثلاثتهم عن أبي حازم.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير عبيد اللَّه.
وقوله: (فَخَرَقَ الصُّفُوفَ) وفي نسخة: "فخرق الصفّ"، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: "يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقًّا".
[تنبيه]: حديث عبيد اللَّه بن عُمَر، عن أبي حازم الذي أحاله المصنّف ﵀ هنا على رواية مالك، وعبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن الماضي، ساقه النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(١١٨٣) أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع، قال: حدّثنا عبد الأعلى بن
стр. 5532
عبد الأعلى، قال: حدّثنا عبيد اللَّه، وهو ابن عمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: انطلق رسول اللَّه ﷺ يُصْلِح بين بني عمرو بن عوف، فحضرت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فأمره أن يجمع الناس ويؤمهم، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فخرق الصفوف، حتى قام في الصف المقدَّم، وصفّح الناس بأبي بكر؛ ليؤذنوه برسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثروا عَلِمَ أنه قد نابهم شيء في صلاتهم فالتفت، فإذا هو برسول اللَّه ﷺ ، فأومأ إليه رسول اللَّه ﷺ أي كما أنت، فرفع أبو بكر يديه، فحمد اللَّه، وأثنى عليه؛ لقول رسول اللَّه ﷺ ، ثم رجع القهقرى، وتقدم رسول اللَّه ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال لأبي بكر: "ما منعك إذ أومأت إليك أن تصلّي؟ "، فقال أبو بكر ﵁: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يؤُمّ رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال للناس: "ما بالكم صفّحتم؟، إنما التصفيح للنساء -ثم قال-: إذا نابكم شيء في صلاتكم فسبِّحُوا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٥٧] (٢٧٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ (١)، أَن عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الْمُغِيَرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى
стр. 5533
الرَّكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ (١)، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَكثَرُوا التَّسْبِيحَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: "أَحْسَنْتُمْ" أَوْ قَالَ: "قَدْ أَصَبْتُمْ"، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٢ - (عَبَّادُ بْنُ زَيادٍ) ابن أبيه، المعروف أبوه بزياد بن أبي سفيان، أخو عبيد اللَّه، يكنى أبا حرب، كان والي سِجِسْتان سنة (٥٥) وثّقه ابن حبّان [٤]. روى عن عروة، وحمزة ابني المغيرة بن شعبة. وروى عنه الزهريّ ومكحول.
قال ابن المدينيّ: رجل مجهول، لم يرو عنه غير الزهري، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال خليفة: ولّاه معاوية سجستان سنة ثلاث وخمسين. تفرد به المصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلّا هذا الحديث.
٣ - (عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) الثقفيّ، أبو يَعْفُور الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت بعد ٩٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٢.
٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم قبل الْحُديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، وعبّاد، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له النسائيّ، وعبّاد تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
стр. 5534
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، وفيه رواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
قال ابن جريج: حدّثني ابن شهاب (عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه مخبرًا عن حديث عبّاد بن زياد، وفي نسخة "عن عبّاد بن زياد" بإسقاط "عن حديث" (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ) تقدّم أنه موضع ببادية الشام، قريب من مدين الذين بعث اللَّه تعالى إليهم شُعيبًا (١). (قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي خرج إلى البَرَاز بالفتح، وقد يُكسر، وهو الفضاء الواسع الخالي من الشجر، وقيل: البَرَاز: الصحراء البارزة، ثم كُني به عن النَّجْو، كما كُنِي بالغائط، فقيل: تَبَرَّز، وقوله: (قِبَلَ الْغَائِطِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: الْمُطْمَئِنّ من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْوَاط، وغُوي، ثم أُطلق الغائط على الخارج المستَقْذَر من الإنسان؛ تسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقْضُون حوائجهم في المواضع المطمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه حتى اشتقّوا منه، فقالوا: تَغَوّط الإنسان، قاله الفيّوميّ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قوله: "قِبَل الغائط" مؤكِّد لما قبله؛ لأن معنى تبرّز خرج إلى البَرَاز، وهو الفضاء الخالي، وهو قريب من معنى الغائط.
وحاصل المعنى: أنه ﷺ اتّجه إلى المكان الخالي البعيد عن أعين الناس لقضاء حاجته، واللَّه تعالى أعلم.
(فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً) أي بأمره ﷺ ، ففي الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "كنت مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة. . . ".
و"الإِداوة" بالكسر: الْمِطْهَرَة، وجمعها الأَدَوَى بفتح الواو، وقال النوويّ ﵀: الإداوة، والرّكْوَةُ، والْمِطهرة بكسر الميم، والميضأة بكسرها أيضًا بمعنى متقارب، وهو إناء الوضوء.
(قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي ليتأهّب بالوضوء لأجل صلاتها (فَلَمَّا رَجَعَ
стр. 5535
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ) أي من الخلاء بعد قضاء حاجته (أَخَذْتُ) أي شَرَعتُ، وبدأتُ (أُهَرِيقُ) بضمّ الهمزة، وفتح الهاء، وهي مبدلة من الهمزة، قال الفيّوميّ ﵀: راق الماءُ والدمُ رَيْقًا، من باب باع: انصَبَّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبُهُ، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هَرَاقه، والأصلُ هَرْيَقَهُ، وزانُ دَحْرَجه، ولهذا تُفْتَحُ الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفتَحُ الدال من يُدَحْرِجُهُ، وتُفْتَح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ
والأمرُ هَرِقْ ماءَك، والأصل هَرْيِقْ، وزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجمَعُ بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقهُ يُهْرِيقه ساكنُ الهاء تشبيهًا له بأَسْطَاعَ يُسْطِيع، كأنّ الهمزة زيدت عِوَضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خُماسيًّا. انتهى (١).
(عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ) فيه جواز الاستعانة في صبّ الماء، واستحباب خدمة الأكابر (وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) أي ثلاثًا (ثُمَّ ذَهَبَ) أي أخذ وشرع (يُخْرِجُ) بضم أوله من الإخراج (جُبَّتَهُ) بضم الجيم، وتشديد الموحّدة: نوع من مقطّعات الثياب تُلبس، وجمعها جُبَبٌ بضم، ففتح، وجِبَابٌ بالكسر (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) أي ليتمكّن من استيعاب اليد بالغسل (فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ) تثنيةُ كُمّ -بضمّ الكاف، وتشديد الميم-: هو مدخل اليد، ومخرجها من الثوب، جمعه أكمام، وكِمَمَة -بكسر، ففتح- كعِنبَةٍ (٢).
والمعنى أنه ﷺ لَمّا أراد أن يشمّر الثوب عن ذراعيه؛ ليمكنه استيعابهما بالغسل ضاق عليه الكمّان.
وفي الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "ثم ذهب يحسُر عن ذراعيه".
(فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ) زاد في الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ" -بفتح الميم، وكسر