← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: ذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَقَ الصُّفُوفَ (٢) حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ الْقَهْقَرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعِ) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (م ت س) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى السّاميّ -بالمهملة- أبو محمد البصريّ، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) أي بمثل حديث مالك، وعبد العزيز، ويعقوب ثلاثتهم عن أبي حازم. وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير عبيد اللَّه. وقوله: (فَخَرَقَ الصُّفُوفَ) وفي نسخة: "فخرق الصفّ"، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: "يمشي في الصفوف، يَشُقّها شَقًّا". [تنبيه]: حديث عبيد اللَّه بن عُمَر، عن أبي حازم الذي أحاله المصنّف ﵀ هنا على رواية مالك، وعبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن الماضي، ساقه النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال: (١١٨٣) أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع، قال: حدّثنا عبد الأعلى بن

стр. 5532

عبد الأعلى، قال: حدّثنا عبيد اللَّه، وهو ابن عمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: انطلق رسول اللَّه ﷺ يُصْلِح بين بني عمرو بن عوف، فحضرت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فأمره أن يجمع الناس ويؤمهم، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فخرق الصفوف، حتى قام في الصف المقدَّم، وصفّح الناس بأبي بكر؛ ليؤذنوه برسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثروا عَلِمَ أنه قد نابهم شيء في صلاتهم فالتفت، فإذا هو برسول اللَّه ﷺ ، فأومأ إليه رسول اللَّه ﷺ أي كما أنت، فرفع أبو بكر يديه، فحمد اللَّه، وأثنى عليه؛ لقول رسول اللَّه ﷺ ، ثم رجع القهقرى، وتقدم رسول اللَّه ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال لأبي بكر: "ما منعك إذ أومأت إليك أن تصلّي؟ "، فقال أبو بكر ﵁: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يؤُمّ رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال للناس: "ما بالكم صفّحتم؟، إنما التصفيح للنساء -ثم قال-: إذا نابكم شيء في صلاتكم فسبِّحُوا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٥٧] (٢٧٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ (١)، أَن عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الْمُغِيَرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى

стр. 5533

الرَّكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ (١)، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَكثَرُوا التَّسْبِيحَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: "أَحْسَنْتُمْ" أَوْ قَالَ: "قَدْ أَصَبْتُمْ"، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٢ - (عَبَّادُ بْنُ زَيادٍ) ابن أبيه، المعروف أبوه بزياد بن أبي سفيان، أخو عبيد اللَّه، يكنى أبا حرب، كان والي سِجِسْتان سنة (٥٥) وثّقه ابن حبّان [٤]. روى عن عروة، وحمزة ابني المغيرة بن شعبة. وروى عنه الزهريّ ومكحول. قال ابن المدينيّ: رجل مجهول، لم يرو عنه غير الزهري، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال خليفة: ولّاه معاوية سجستان سنة ثلاث وخمسين. تفرد به المصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلّا هذا الحديث. ٣ - (عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) الثقفيّ، أبو يَعْفُور الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت بعد ٩٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٢. ٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم قبل الْحُديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، وعبّاد، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له النسائيّ، وعبّاد تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.

стр. 5534

٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، وفيه رواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: قال ابن جريج: حدّثني ابن شهاب (عَنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه مخبرًا عن حديث عبّاد بن زياد، وفي نسخة "عن عبّاد بن زياد" بإسقاط "عن حديث" (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ) تقدّم أنه موضع ببادية الشام، قريب من مدين الذين بعث اللَّه تعالى إليهم شُعيبًا (١). (قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي خرج إلى البَرَاز بالفتح، وقد يُكسر، وهو الفضاء الواسع الخالي من الشجر، وقيل: البَرَاز: الصحراء البارزة، ثم كُني به عن النَّجْو، كما كُنِي بالغائط، فقيل: تَبَرَّز، وقوله: (قِبَلَ الْغَائِطِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: الْمُطْمَئِنّ من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْوَاط، وغُوي، ثم أُطلق الغائط على الخارج المستَقْذَر من الإنسان؛ تسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقْضُون حوائجهم في المواضع المطمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه حتى اشتقّوا منه، فقالوا: تَغَوّط الإنسان، قاله الفيّوميّ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قوله: "قِبَل الغائط" مؤكِّد لما قبله؛ لأن معنى تبرّز خرج إلى البَرَاز، وهو الفضاء الخالي، وهو قريب من معنى الغائط. وحاصل المعنى: أنه ﷺ اتّجه إلى المكان الخالي البعيد عن أعين الناس لقضاء حاجته، واللَّه تعالى أعلم. (فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً) أي بأمره ﷺ ، ففي الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "كنت مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة. . . ". و"الإِداوة" بالكسر: الْمِطْهَرَة، وجمعها الأَدَوَى بفتح الواو، وقال النوويّ ﵀: الإداوة، والرّكْوَةُ، والْمِطهرة بكسر الميم، والميضأة بكسرها أيضًا بمعنى متقارب، وهو إناء الوضوء. (قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي ليتأهّب بالوضوء لأجل صلاتها (فَلَمَّا رَجَعَ

стр. 5535

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ) أي من الخلاء بعد قضاء حاجته (أَخَذْتُ) أي شَرَعتُ، وبدأتُ (أُهَرِيقُ) بضمّ الهمزة، وفتح الهاء، وهي مبدلة من الهمزة، قال الفيّوميّ ﵀: راق الماءُ والدمُ رَيْقًا، من باب باع: انصَبَّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبُهُ، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هَرَاقه، والأصلُ هَرْيَقَهُ، وزانُ دَحْرَجه، ولهذا تُفْتَحُ الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفتَحُ الدال من يُدَحْرِجُهُ، وتُفْتَح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ والأمرُ هَرِقْ ماءَك، والأصل هَرْيِقْ، وزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجمَعُ بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقهُ يُهْرِيقه ساكنُ الهاء تشبيهًا له بأَسْطَاعَ يُسْطِيع، كأنّ الهمزة زيدت عِوَضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خُماسيًّا. انتهى (١). (عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ) فيه جواز الاستعانة في صبّ الماء، واستحباب خدمة الأكابر (وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) أي ثلاثًا (ثُمَّ ذَهَبَ) أي أخذ وشرع (يُخْرِجُ) بضم أوله من الإخراج (جُبَّتَهُ) بضم الجيم، وتشديد الموحّدة: نوع من مقطّعات الثياب تُلبس، وجمعها جُبَبٌ بضم، ففتح، وجِبَابٌ بالكسر (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) أي ليتمكّن من استيعاب اليد بالغسل (فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ) تثنيةُ كُمّ -بضمّ الكاف، وتشديد الميم-: هو مدخل اليد، ومخرجها من الثوب، جمعه أكمام، وكِمَمَة -بكسر، ففتح- كعِنبَةٍ (٢). والمعنى أنه ﷺ لَمّا أراد أن يشمّر الثوب عن ذراعيه؛ ليمكنه استيعابهما بالغسل ضاق عليه الكمّان. وفي الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "ثم ذهب يحسُر عن ذراعيه". (فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ) زاد في الرواية المتقدّمة في "الطهارة": "وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ" -بفتح الميم، وكسر

стр. 5536

الكاف، بوزن مَجْلِس-: مُجْتَمِع رأس الكتف والْعَضُد (١). (وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ) فيه حذفٌ، تقديره: ثم توضّأ، ومسح على خفّيه، أي أتمّ وضوءه بمسح الرأس، ثم مسح على خفّيه، وفي الرواية المتقدّمة: "فتوضّأ، ومسح على خفّيه"، وفي رواية: "فصببتُ عليه، فتوضّأ وضوءه للصلاة، ثم مسح على خفّيه، ثم صلّى". (ثُمَّ أَقْبَلَ) أي توجّه ﷺ إلى الناس (قَالَ الْمُغِيرَةُ) ﵁ (فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ) كان الظاهر أن يقول: حتى وجدنا الناسَ قد قدّموا. . . إلخ؛ لأن الكلام عن الماضي، ولكنه عبّر بالمضارع؛ استحضارًا للصورة الغريبة في نظر المغيرة ﵁. [تنبيه]: قوله: "نَجِدَ" يجوز نصبه ورفعه، أما نصبه فبتقدير كونه مستقبلًا لحالة الإقبال، وأما رفعه فبتقدير حاليّته لحالة الإخبار. والأصل في مسألة "حتى" أن ما بعدها إن كان مستقبلًا بالنسبة للتكلّم وجب نصبه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] أو حاضرًا وقته وجب رفعه، كقولك: سِرْتُ حتى أدخلُ البلدَ إذا قلته وقت الدخول، أو ماضيًا جاز الأمران باعتبار التأويل، فإن قدّرته حاضرًا وقت التكلّم على حكاية الحال وجب رفعه، أو مستقبلًا بتقدير العزم عليه وقت التكلّم وجب النصب، فقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، قرأ السبعة إلا نافعًا "يقول" بالنصب؛ لاستقباله بالنظر للزلزال، ورفعه نافع على فرض القول واقعًا حال الحكاية؛ استحضارًا لصورته. وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا (٢) ووجه الرفع هنا فرضه واقعًا حال تكلّم المغيرة به، ووجه النصب كونه مستقبلًا بالنظر لإقباله ﷺ مع المغيرة، واللَّه تعالى أعلم. (قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفِ) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن

стр. 5537

زُهْرَة بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، أبا محمد الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأمه من بني زُهْرة أيضًا، واسمها الشفاء، ويقال: صَفِيّة، وُلِد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال: عبد عمرو، فَغَيَّره النبيّ ﷺ . رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، ورَوى عنه أولاده: إبراهيم، وحميد، وعمر، ومصعب، وأبو سلمة، وابن ابنه المسور بن إبراهيم، وابن أخته المسور بن مخرمة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وجبير بن مطعم، وأنس، وبَجَالة بن عبيدة، ومالك بن أوس بن الْحَدَثان، ونوفل بن إياس الْهُذَليّ، ورداد الليثيّ، وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، ومحمد بن جبير بن مطعم، وغيرهم. قال الزبير بن بَكّار: صلّى رسول اللَّه ﷺ وراءه في غزوة -يعني غزوة تبوك- وهو صاحب الشُّورَى، وقال معمر، عن الزهريّ: تصدَّق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبيّ ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدّق بأربعين ألف دينار، ثم حَمَل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه، وخمسمائة راحلة، وكان عامة ماله من التجارة. وقال حميد عن أنس: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا لها، فبلَغَنا أن ذلك ذُكِر للنبيّ ﷺ ، فقال: "دَعُوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أُحُدٍ، ومثل الجبال ذهبًا ما بلغتم أعمالهم"، رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١). وقال الزهريّ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: مَرِضَ عبد الرحمن، فأُغمي عليه، فصرخت أم كلثوم، فلما أفاق قال: أتاني رجلان، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فلقيهما رجل، فقال: لا تنطلقا به، فإنه ممن سبقت له السعادة في بطن أمه. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه: صولحت امرأة عبد الرحمن من نصيبها، ربعِ الثُّمُن على ثمانين ألفًا.

стр. 5538

وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ ممن يُفتي على عهد رسول اللَّه ﷺ . ومناقبه كثيرة، وقال عمرو بن عليّ وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنة (٣)، وقال بعضهم: وله خمس وسبعون سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٧٥٢) و (١٧٥٧) و (٢٢١٩) وأعاده بعده. (فَصَلَّى لَهُمْ) أي لأجلهم إمامًا بهم، وإلا فالصلاة للَّه تعالى (فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ) هي الركعة الثانية، كما أوضحه بقوله: (فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ) أي الثانية من صلاة الصبح (فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ) وفي نسخة: "ليُتمّ صلاته" (فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ) يعني أنه شقّ عليهم تقدّم صلاتهم على صلاة النبيّ ﷺ (فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ) أي حين حضر النبيّ ﷺ ، لا حين قام لقضاء ما سُبق، ففي رواية ابن سعد: "فانتهينا إلى عبد الرحمن، وقد ركع ركعةً، فسبّح الناس له حين رأوا رسول اللَّه ﷺ حتى كادوا يُفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه ﷺ أن اثبُت". وفي رواية المصنّف التالية من طريق إسماعيل بن محمد، عن حمزة بن المغيرة: "قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال النبيّ ﷺ : دَعْهُ". وفي رواية النسائيّ: "فجئنا، وقد أمّ الناس عبد الرحمن بن عوف، وقد صلّى بهم ركعةً من صلاة الصبح، فذهبتُ لأوذنه، فنهاني". وفي رواية المصنّف السابقة في "الطهارة": "فلما أحسّ بالنبيّ ﷺ ذهب يتأخّر، فأومأ إليه، فصلى بهم". (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) أي على الصحابة الذين فزعوا من صنيعهم (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("أَحْسَنْتُمْ"، أَوْ قَالَ: "قَدْ أَصَبْتُمْ") أي فعلتم الصواب، وهو ضدّ الخطأ (يَغْبِطُهُمْ) أي يستحسن حالهم، وبتمنّى مثلها، وهو بكسر الموحّدة، وفتحها، من بابي ضرب، وسَمِع، كما في "القاموس"، واقتصر في "المصباح" على الكسر، قال: غَبَطته غَبْطًا، من باب ضرب: إذا تمنّيتَ مثل ما ناله من غير أن تُريد زواله عنه لما أعجبك منه، وعَظُم عندك. انتهى.

стр. 5539

(أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) "أن" بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما تقدّم البحث عنه قريبًا. [فإن قلت]: كيف بقي عبد الرحمن بن عوف إمامًا في صلاته، وتأخر أبو بكر الصديق ﵁ ليتقدم النبيّ ﷺ ؟ في القصّة السابقة. [أجيب]: بوجود الفرق بينهما، وذلك أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبيّ ﷺ التقدم؛ لئلا يَخْتَلّ ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر ﵁، فإنه كان في أول ركعة من صلاته، فلا يحصل بتقدّم النبيّ ﷺ على الناس اختلالٌ، أفاده النوويّ ﵀ (١). والحديث متّفقٌ عليه، وتخريجه، وبقيّة مسائله قد استوفيتها في أبواب المسح من "كتاب الطهارة" برقم [٢٣/ ٦٣٩] فلا أطيل الكتاب بإعادتها، فراجعها إن شئت تستفد علمًا جمًا، وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيه]: مناسبة إيراد المصنّف ﵀ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ هنا لبيان أن الإمام الراتب إذا تأخّر عن أول الوقت يستَحبّ للجماعة أن يقدّموا أحدهم، فيصلّي بهم، ولكن إذا وَثِقوا لحسن خلق الإمام، وأنه لا يتأذّى من ذلك، ولا يترتّب عليه فتنة، فأما إذا لم يَأمنوا أذاه، فإنهم يصلّون في أول الوقت فرادى، ثم إن أدركوا الجماعة بعد استُحبّ لهم إعادتها معهم، كما أمر النبيّ ﷺ أبا ذرّ ﵁ بذلك، فقد أخرج المصنّف ﵀ عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه لى اللَّه عليه وسلم -: "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: "صَلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة"، وفي لفظ: "ثم إن أقيمت الصلاة، فصلِّ معهم، فإنها زيادة خير"، وفي لفظ: قال: "صلِّ الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصلِّ". وفي الحديث أيضًا بيان فضل عبد الرحمن بن عوف ﵁ حيث قدّموه للصلاة بهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 5540

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نَحْوَ حَدِيثِ عَبَّادٍ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعْهُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨. ٢ - (حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) بن شعبة الثقفيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وعنه إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعباد بن زياد بن أبي سفيان، والنعمان بن أبي خالد، وروى بَكْر بن عبد اللَّه الْمُزَنيّ عنه، عن أبيه في المسح على الخفين، وقال مرة: عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، وقال الحسن البصريّ: عن ابن المغيرة، عن أبيه، في المسح على الخفين، وقال مرةً: عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، ولم يسمِّه، قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في أبواب المسح الكلام في اختلاف الإسناد المذكور مستوفًى، فراجع رقم (٢٣/ ٦٣٨) تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"الْحُلوانيّ" هو: حسن بن عليّ. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ عَبَّادٍ) يعني أن حديث إسماعيل بن محمد، عن حمزة، عن المغيرة، نحو حديث عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة. وقوله: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعْهُ") أي اترك عبد الرحمن يصلّي بالناس، ولا تؤخّره.

стр. 5541

[تنبيه]: رواية إسماعيل التي أحالها المصنّف هنا على رواية عبّاد ساقها بتمامها النسائيّ في "سننه"، فقال: (١٢٥) أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدّثنا سفيان، قال: سمعت إسماعيل بن محمد بن سعد، قال: سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة، يحدِّث عن أبيه، قال: كنت مع النبيّ ﷺ في سفر، فقال: "تَخَلَّف يا مغيرة، وامضوا أيها الناس"، فتخلفت، ومعي إداوة من ماء، ومضى الناس، فذهب رسول اللَّه ﷺ لحاجته، فلما رجع ذهبت أَصُبّ عليه، وعليه جبة رُومِيّة ضَيِّقة الْكُمَّين، فأراد أن يُخرج يده منها، فضاقت عليه، فأخرج يده من تحت الجبة، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على خفيه. انتهى. [تنبيه آخر]: قوله: (قال المغيرة: فأردت. . . إلخ) لم أجد هذه الزيادة عند غير المصنّف، إلا عند الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٣٧٦) قال -بعدما ساقه من رواية ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد- ما نصّه: قال ابن شهاب: فحدّثني إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، بمثل حديث عباد بن زياد، وزاد: قال المغيرة: فبادرت لأُخْبِر عبد الرحمن بن عوف، فقال النبيّ ﷺ : "دَعْهُ"، فذكر نحوه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٤) - (بَابُ تَسْبِيحِ الرَّجُلِ، وَتَصْفِيقِ الْمَرْأَةِ إِذَا نَابَهُمَا شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٥٩] (٤٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا:

стр. 5542

أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ (١) لِلنِّسَاءِ"، زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ). رجال الإسناد الأول: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. رجال الإسناد الثاني: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الْخَزّاز الضرير، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ الحافظ الفقيه، تقدّم قريبًا. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضل، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. والباقون تقدّموا في السند الماضي.

стр. 5543

لطائف هذين الإسنادين: ١ - (منها): أن الإسناد الأول من خماسيّات المصنّف ﵀، فهو أعلى، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم. وأما الإسناد الثاني فهو من سُداسيّاته، فهو أنزل مما قبله، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن نصف السند الثاني مسلسلٌ بالمصريين غير هارون، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين. ٤ - (ومنها): أنه إنما لم يختصر التحويل في هذين الإسنادين على عادته، بأن يحوّل عند الزهريّ، بل ساق الأول بتمامه، ثم ساق الثاني تامًّا؛ لمهمّة إسناديّة، وهي بيان الفرق بينهما في صيغ الأداء، فسفيان بن عيينة قال: "عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ "، فعنعنه، وأفرد أبا سلمة، وأما يونس، فقال: "عن ابن شهاب، أخبرنى سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أنهما سمعا أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ "، فبيّن الإخبار بين ابن شهاب، وسعيد، وأبي سلمة، وبسماعهما عن أبي هريرة، وبقوله: قال رسول اللَّه ﷺ ، فهذا هو السبب في مخالفته عادته في اختصاره الأسانيد بالتحويلات، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحًا عند المحصّلين؛ لأن كثيرًا ممن لا تحصيل عنده يستغرب مثل هذا السياق، ويظن أن هذا تطويل بلا طائل، مع أنه من أدقّ فنون الأسانيد، فخذه شاكرًا، والحمد للَّه أوّلًا وآخرًا. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في عصره، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأولى كسر يائه المشدّدة؛ لأنه المعروف عند أهل المدينة، وإنما فتح أهل الكوفة، وأيضًا حكي عنه أنه كان يَكْرَه الفتح (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ

стр. 5544

لِلرِّجَالِ) مبتدأ وخبره، يعني أنه إذا نابهم شيء، وهم في الصلاة، كاستئذان الداخل، وإنذار الأعمى، وتنبيه الساهي، فالمشروع لهم أن يقولوا: سبحان اللَّه (وَالتَّصْفِيقُ) وفي نسخة: "والتصفيح" بالحاء المهملة (لِلنِّسَاءِ") إعرابه كسابقه، يعني أنه إذا نابهنّ شيء في الصلاة، فالمشروع لهنّ أن يُصفّقن، وإنما خصّ النساء بالتصفيق؛ لأنهنّ مأمورات بخفض أصواتهنّ إلا للحاجة؛ دفعًا للفتنة بهنّ، ولم يُجعل التصفيق للرجال؛ لأنه من شأن النساء. قال الشوكانيّ ﵀: الحديث يردّ على ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه أن المشروع في حقّ الجميع التسبيح دون التصفيق، وعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من فساد صلاة المرأة إذا صفّقت في صلاتها. انتهى (١). وقال في "المنهل": وبظاهر الحديث أخذت الشافعيّة والحنابلة، وقالوا: لا يضرّ التسبيح ولو كثُر؛ لأنه قول من جنس الصلاة، وإن كثُر التصفيق أبطلها؛ لأنه عملٌ من غير جنس الصلاة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد بالكثرة الزائد على الحاجة، فمقبول، وإن أراد الكثرة مع الحاجة فلا؛ لأن الشارع أباح لها أن تصفّق بقدر حاجتها، ولم يقيّده بالقلّة، فلا وجه للتقييد، فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسائل -إن شاء اللَّه تعالى-. (زَادَ حَرْمَلَةُ) بن يحيى شيخه الثاني في السند الثاني (فِي رِوَايَتِهِ) أي عن ابن وهب، عن يونس (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ (وَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ) أي يَجمعون بين التسبيح والإشارة، يعني أنهم يرون جواز ذلك؛ لأن كلًّا سَنة للنبيّ ﷺ ، فقد أمر في هذا الحديث بالتسبيح، وفعل الإشارة، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 5545

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٩٥٩ و ٩٦٠ و ٩٦١] (٤٢٢)، و (البخاريّ) في "العمل في الصلاة" (١٢٠٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٣٩)، و (الترمذيّ) فيها (٣٦٩)، و (النسائيّ) فيها (٣١١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٠٦٩)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١١٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤١ و ٢٦١ و ٤٤٠ و ٤٣٢ و ٤٧٣ و ٤٧٩ و ٥٠٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٧٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٦٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢١٠)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٤٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٧٣ و ١٩٧٤ و ١٩٧٥ و ١٩٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٤٦ و ٩٤٧ و ٩٤٨ و ٩٤٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٤٨). وفوائد الحديث تقدّمت في الباب الماضي، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم التسبيح للرجل إذا نابه شيء في صلاته: (اعلم): أنه إذا ناب المصلّي في صلاته ما يقتضي إعلام غيره بشيء، من تنبيه إمامه على خَلَل يريد فعله في الصلاة، أو رؤية أعمى يقع في بئر، أو استئذان داخل، أو كون المصلّي يريد إعلام غيره بأمر أنه ينبغي له أن يسبّح، بأن يقول: "سبحان اللَّه"؛ لإفهام ما يريد التنبيه عليه؛ ويدل لذلك حديث سهل بن سعد ﵁ في الباب الماضي، وحديث أبي هريرة ﵁ المذكور. وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، والأوزاعيّ، وأبو ثور، وجمهور العلماء من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: من أتى بالذكر جوابًا بطلت صلاته، وإن قصد به الإعلام بأنه في الصلاة لم تبطل، فحملا التسبيح المذكور في هذا الحديث على ما إذا كان القصد به الإعلام بأنه في الصلاة، وهما

стр. 5546

محتاجان لدليل على ذلك، وكذلك حَمَلا قوله في حديث سهل: "من نابه شيء في صلاته" على نائبٍ مخصوصٍ، وهو إرادة الإعلام بأنه في الصلاة، والأصل عدم هذا التخصيص؛ لأنه عامّ؛ لكونه نكرةً في سياق الشرط، فيتناول النائب الذي يحتاج معه إلى الجواب، والنائب الذي يحتاج معه إلى الإعلام بأنه في الصلاة، فالحمل على أحدهما من غير دليل لا يمكن المصير إليه، كيف والواقعة التي هي سبب الحديث لم يكن القصد فيها الإعلام بأنه في الصلاة، وإنما كان القصد تنبيه الصديق ﵁ على حضور النبيّ ﷺ ، فأرشدهم النبيّ ﷺ إلى أنه كان حقهم عند هذا النائب التسبيح، وكذا عند كل نائب، وقد اتفقوا على أن السبب لا يجوز إخراجه. ومن هنا رد الشافعيّة على الحنفية في قولهم: إن الأَمَة لا تكون فِرَاشًا بأن قوله ﷺ : "الولد للفراش" إنما ورد في أمة، والسبب لا يجوز إخراجه بلا خلاف، وعن أحمد رواية مثل قول أبي حنيفة، أفاده العراقيّ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ ما ذهب إليه الشافعيّة، والحنابلة أن من نابه شيء مطلقًا في صلاته فليُسبّح؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التصفيق للنساء: ذهب الشافعيّ، وأحمد، والجمهور -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أنه إذا ناب المرأة في صلاتها شيء ينبغي لها أن تُصَفِّق. وخالف في ذلك مالك ﵀، فسَوّى في ذلك بين الرجل والمرأة، وقال: إن المشروع في حقها التسبيح كالرجل، وضَعَّف أمر التصفيق للنساء. وحَكَى أبو العباس القرطبيّ عن مشهور قول مالك أنه لا يجوز أن يفعله في الصلاة لا الرجال ولا النساء. وحَكَى القاضي عياض عن أبي حنيفة أنه رأى فساد صلاة المرأة إذا صَفَّقت في صلاتها، قال: وخَطَّأ أصحابه هذا القول، وقال الأبهريّ من المالكية: إن صَفَّقت المرأة لم تبطل صلاتها، غير أن المختار التسبيح. وذكر ابن عبد البرّ في توجيه قول مالك أنه أخذ بظاهر قوله في حديث سهل بن سعد ﵁: "من نابه شيء في صلاته فليسبّح"، قال: وهذا على

стр. 5547

عمومه في الرجال والنساء، وتأولوا قوله ﷺ : "وإنما التصفيق للنساء" على أن التصفيق من أفعال النساء على جهة الذمّ لذلك. انتهى. وهذا التأويل مردود، وهو إن كان محتملًا في لفظ هذه الرواية، فإنه يتعذّر في رواية أخرى رواها البخاريّ في "صحيحه"، لفظها: "إذا رابكم شيء في الصلاة، فليسبّح الرجال، وليصفِّح النساء". وعن مالك روايةٌ موافقةٌ للجمهور، وجزم بها عنه ابن المنذر، فقال بعد ذكر حديث: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، قال بظاهر هذا الخبر مالك. انتهى. واختار جماعة من المالكية موافقة الجمهور في ذلك، فقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ بعد نقله مشهور مذهب مالك في ذلك: وليس بصحيح. وقال أبو العباس القرطبيّ بعد ذكره مذهب الجمهور في ذلك: وهذا القول هو الصحيح خبرًا ونظرًا. وقال ابن حزم: رَوَيْنا عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ أنهما قالا: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ولا يعرف لهما من الصحابة ﵃ مخالف. وقال وليّ الدين: قد رُوي ذلك أيضًا عن جابر بن عبد اللَّه، رواه عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه". وقال القاضي عياض: قيل: كان الرجال والنساء يصفِّقون في الصلاة والطواف، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الآية [الأنفال: ٣٥] أي صفيرًا وتصفيقًا، فنهوا عن ذلك رجالًا ونساءً، ثم أَعْلَم أنه من عادة النساء في خاصتهنّ ولهوهنّ، لا أنه إباحة لهنّ وسنة فيما يعتريهن في صلاتهن. انتهى. قال الحافظ العراقيّ ﵀: ليس في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾ الآية أنه نهى النساء عن ذلك، لا في حالة الصلاة ولا غيرها، وإنما ذَكَر غير واحد من المفسرين أنهم كانوا يؤذون النبيّ ﷺ بذلك في الصلاة والطواف؛ ليشوّشوا عليه، فنزلت الآية بمكة، ثم أمرهم ﷺ بالمدينة أن يصفِّق النساء لما نابهنّ. انتهى (١).

стр. 5548

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن النساء يُصفّقن إذا نابهنّ شيء في صلاتهنّ، كما أن الرجال يسبّحون إذا نابهم شيء؛ لصحّة الأدلّة بذلك. (فمنها): رواية المصنّف ﵀ الآتية من طريق همّام عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة". (ومنها): رواية البخاريّ في "كتاب الأحكام" من "صحيحه": "إذا رابكم أمرٌ، فليسبح الرجال، وليصفِّح النساء"، ولفظ أبي داود: "إذا نابكم شيء في صلاتكم، فليسبّح الرجال، وليصفّح النساء". (ومنها): ما أخرجه أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة". (ومنها): ما أخرجه البيهقيّ من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: "إذا استُؤذن على الرجل، وهو يصلي، فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة، وهي تصلّي، فإذنها التصفيق"، وقال في "الخلافيات": رُواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. انتهى. فهذه النصوص كلها صريحة في جواز التصفيق في الصلاة للنساء، وأن القول بعدم مشروعيّته، أو أنه يبطل الصلاة قولٌ لا يؤيّده دليلٌ صحيح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء: قال وليّ الدين العراقيّ ﵀: كون المشروع للرجال التسبيح، وللنساء التصفيق، هو على سبيل الإيجاب، أو الاستحباب، أو الإباحة الذي ذكره أصحابنا -يعني الشافعيّة- ومنهم الرافعيّ، والنوويّ أنه سنّة، وحكاه الرافعيّ عن الأصحاب. وحَكَى والدي في "شرح الترمذيّ" عن شيخه الإمام تقيّ الدين السبكيّ أنهما إنما يكونان سُنّتين إذا كان التنبيه قربةً، فإن كان مباحًا كانا مباحين، قاله الشيخ أبو حامد وغيره، قال السبكيّ: وقياس ذلك إذا كان التنبيه واجبًا كإنذار

стр. 5549

الأعمى من الوقوع في بئر أن يكونا واجبين إذا تَعَيَّنا طريقًا، وحصل المقصود بهما. انتهى. وقال ابن قدامة في "المغني": وإذا سها الإمام، فأتى بفعل في غير موضعه لزم المأمومين تنبيهه، فإن كانوا رجالًا سبّحوا، وإن كانوا نساء صفَّقن. انتهى. وهو موافق لما ذكره السبكيّ من الوجوب، إلا أنه في صورة غير الصورة التي ذكرها السبكيّ. ويوافق ما ذكره الشيخ أبو حامد من الإباحة، ما رواه ابن ماجه في "سننه" عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "رَخّص رسول اللَّه ﷺ للنساء في التصفيق، وللرجال في التسبيح". وفي "العلل" لابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث منكر بهذا الإسناد (١). والتعبير بالرخصة يقتضي الاقتصار فيه على الإباحة إن جرينا على مدلول الرخصة اللغويّ، فأما إذا فَسَّرنا الرخصة بما ذكره غير واحد من أهل الأصول أنها الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، فلا يدل على الإباحة؛ لأن الرخصة باصطلاحهم قد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة، والحق انقسام التنبيه في حالة الصلاة إلى ما هو واجب، وإلى ما هو مندوب، وإلى ما هو مباح بحسب ما يقتضيه الحال، وأما تعبير الرافعيّ وغيره بالتنبيه، فإنما عَبّروا بذلك لأجل التفريق، والتفصيل في ذلك بين الرجل والمرأة، فيكون تنبيه الرجل بالتسبيح، وتنبيه المرأة بالتصفيق هو السنةَ، وأما أصل التنبيه فقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بل قد يكون مكروهًا أيضًا، وقد يكون حرامًا بحسب المنَبَّه عليه، فهما مسألتان: إحداهما: حكم التنبيه، وهو معروف من حكم المنبَّه عليه، ومنقسم إلى الأحكام الخمسة. الثانية: الكيفية التي يحصل بها التنبيه، وهذه الثانية هي التي تكلم عنها

стр. 5550

الأصحاب، وقالوا: إن السُنّة في حق الرجل التسبيح، وفي حق المرأة التصفيق. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قول الزهريّ ﵀: "وقد رأيت رجالًا من أهل العلم يُسَبِّحون ويشيرون" أي في الصلاة، وجمعوا بينهما لأن في كل منهما إفهام ما في النفس، وهل المراد أنهم كانوا يجمعونهما في حالة واحدة أو يفعلونهما متفرقين؟ فيه نظر، وأكثر العلماء من السلف والخلف على جواز الإشارة في الصلاة، وأنها لا تَبطُل بها، ولو كانت مُفْهِمة. وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وقد ورد في الإشارة في الصلاة أحاديث تكاد أن تبلغ حدّ التواتر، والأصح عند الشافعية أنه لا تُبطل الصلاة بإشارة الأخرس المفهمة كالناطق. ونقل ابن حزم من "مصنف عبد الرزاق" بأسانيده عن عائشة أنها كانت تأمر خادمها يَقْسِم المرقة، فتمر بها، وهي في الصلاة فتشير إليها أن زيدي، وتأمر بالشيء للمسلمين تومئ به، وهي في الصلاة. وعن ابن عمر ﵄ أنه أومأ إلى رجل في الصفّ، ورأى خللًا أن تَقَدَّم. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إني لأعدّها للرجل عندي يدًا أن يعدِّلني في الصلاة. وعن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: إنسان يمر بي، فأقول: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه ثلاثًا، فيقبل، فأقول له بيدي أين تذهب؟ فيقول: إني كذا وكذا، وأنا في المكتوبة، هل انقطعت صلاتي؟ فقال: لا، ولكن أكره، قلت: فأسجد للسهو؟ قال: لا. وعن عائشة ﵂ أنها قامت إلى الصلاة في درع وخمار، فأشارت إلى الْمِلْحَفة، فتناولتها، وكان عندها نسوة، فأومأت إليهن بشيء من طعام بيدها، يعني وهي تصلّي. وعن أبي رافع: كان يجيء الرجلان إلى الرجل من أصحاب

стр. 5551

رسول اللَّه ﷺ ، وهو في الصلاة، فيشهد أنه على الشهادة، فيُصغِي لها سمعه، فإذا فرغ يومئ برأسه، أي نعم. وعن ابن عمر ﵄: إذا كان أحدكم في الصلاة، فسُلِّم عليه، فلا يتكلمنّ، وليشر إشارة، فإن ذلك ردُّه. وذهب الحنفية إلى بطلان الصلاة بالإشارة المفهمة، ونزّلوها منزلة الكلام، واستدلوا لذلك بما رواه أبو داود في "سننه" عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من أشار في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه، فليَعُدْ لها"، يعني الصلاة، لكنه حديث ضعيف، قال أبو داود: هذا الحديث وَهْمٌ، وقال أبو بكر بن أبي داود: أبو غطفان مجهول، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبيّ ﷺ أنه كان يشير في الصلاة، وقال أبو زرعة: ليس في شيء من الأحاديث هذا الكلام، وليس عندي بذاك الصحيح، إنما رواه ابن إسحاق، وقال أحمد بن حنبل: لا يثبت هذا الحديث، إسناده ليس بشيء، ذكر هذا كلّه في "الطرح" (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ مذهب الجمهور من جواز الإشارة المفهمة في الصلاة، للأحاديث الصحيحة الكثيرة، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أم سلمة ﵂ لما أرسلت جاريتها تسأله عن الركعتين بعد العصر، وقالت لها: فإن أشار بيده فاستَأْخِري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه، الحديث بطوله (٢).

стр. 5552

وأخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبيّ ﷺ كان يشير في الصلاة" (١). فقد ثبتت الإشارة بفعله ﷺ ، كما ثبت التسبيح بقوله، فدلّ على مشروعيّة الأمرين، كما نقله ابن شهاب عن رجال من أهل العلم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: أما ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة، عن عليّ ﵁، قال: "كنت إذا استأذنتُ على رسول اللَّه ﷺ إن كان في صلاة سبّح، وإن كان في غير ذلك أَذِنَ"، فهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده عليّ بن يزيد الألهانيّ، وهو ضعيف. وكذلك ما أخرجه النسائيّ في "سننه"، عن عبد اللَّه بن نُجَيّ، عن عليّ قال: "كان لي من رسول اللَّه ﷺ ساعة آتيه فيها، فإذا أتيته استأذنت، إن وجدته يصلي، فتنحنح دخلت، وإن وجدته فارغًا أذن لي"، لا يصحّ؛ لأنه منقطع بين عبد اللَّه بن نُجيّ، وبين عليّ ﵁، فتنبّه. وقد أوصلت المسائل المتعلّقة بهذا الحديث في "شرح النسائيّ" إلى ست عشرة مسألة مفيدة فراجعها تستفد (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ -يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،

стр. 5553

أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ) بن مسعود التميميّ، أبو عليّ الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ [٨] (ت ١٨٧) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٢ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والباقون تقدّموا قريبًا، و"أبو كريب": محمد بن العلاء، و"أبو معاوية": محمد بن خازم، و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لفضيل بن عياض، وأبي معاوية، وعيسى بن يونس. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه عنه سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة في السند الماضي. [تنبيه]: أما رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، فساقها النسائيّ في "سننه"، فقال: (١٢٠٩) أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا الفضيل بن عياض، عن الأعمش (ح) وأنبأنا سويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد اللَّه، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء". انتهى. وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فقد ساقها الترمذيّ في "جامعه"، فقال: (٣٣٧) حدّثنا هنّاد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى. وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أجد من ساقها بتمامها،

стр. 5554

إلا أن البيهقيّ ﵀، قال في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٤٧) -بعد سوقه رواية أبي معاوية، عن الأعمش ﵀ ما نصّه: (٣١٥٤) وأخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأ أبو نصر، محمد بن عمر، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، فذكره بمثله، قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فقال: قد كانت أمي تفعله. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ (١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: "فِي الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَمَّام) بن مُنبّه بن كامل الأَبْناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: (بِمِثلِهِ) أي بمثل حديث أبي هريرة ﵁ المذكور قبله. وقوله: (وَزَادَ: فِي الصَّلَاةِ) فاعل "زاد" ضمير لهمّام، أي زاد همّام في روايته على رواية ابن المسيّب، وأبي سلمة، وأبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قوله: "في الصلاة". قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر كلام المصنّف ﵀ أن هذه الزيادة في رواية همّام فقط، وهذا يخالف ما قاله النسائيّ، فإنه جعل الزيادة في رواية أبي سلمة، ودونك نصّه: (١٢٠٧) أخبرنا قتيبة، ومحمد بن المثنى، واللفظ له، قالا: حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال:

стр. 5555

"التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء"، زاد ابن المثنى: "في الصلاة". انتهى. وقد ثبتت الزيادة أيضًا في رواية ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" قال: (١٠١٨٦) حدّثنا يزيد (١)، أخبرنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة". انتهى. فبهذا يتبيّن أن هذه الزيادة ثابتة في رواية أبي سلمة، وهمّام، وابن سيرين كلهم عن أبي هريرة ﵁، لا كما يوهمه كلام المصنّف ﵀، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "الطرح": هذه الزيادة ليست عند البخاريّ، وإنما هي عند مسلم من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، وهي عند النسائي من هذا الوجه، من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: وهي عند النسائيّ من طريق سعيد بن المسيّب، فيه نظر؛ لأنها عند النسائيّ من طريق أبى سلمة، لا من طريق سعيد، كما أسلفته آنفًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية همّام هذه ساقها أبو نُعيم في "مستخرجه" (٢/ ٤٩) فقال: (٩٤٩) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق، أنبا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، أنه سمع أبا هريرة، يقول (ح) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا ابن أبي السّريّ، ثنا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "التسبيح للقوم، والتصفيق للنساء في الصلاة"، لفظ ابن أبي السّريّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 5556

(٢٥) - (بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلَاةِ، وَإِتْمَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٢] (٤٢٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ -يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: "يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ (١) صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى، كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ (٢) وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (الْوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين، [٣] مات في حدود سنة (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) أبو سعيد كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.

стр. 5557

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْوَلِيدِ -يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) هكذا رواية المصنّف والنسائيّ من طريق الوليد بن كثير، بزيادة "عن أبيه"، وكذا هو عند ابن خزيمة في "صحيحه" برقم (٤٤٧٤) من طريق عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، و (٤٤٦) من طريق أبي خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد. ووقع في "مسند أحمد" (٢/ ٤٤٩) من طريق يزيد -يعني ابن هارون- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁. . . بدون ذكر "عن أبيه". (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا) وفي رواية أحمد، وابن خزيمة: "صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر"، وعند ابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر المذكورة: "العصر" (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلّم من الصلاة، وانتهى منها (فَقَالَ: "يَا فُلَانُ) الظاهر أنه ﷺ ناداه باسمه، ولكن الراوي كنى عنه، وأخفاه طلبًا للستر عليه، ولم أر أحدًا ذكر اسمه، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية لأحمد: "صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر، وفي مؤخّر الصفوف رجلٌ، فأساء الصلاة، فلما سلّم ناداه رسول اللَّه ﷺ : يا فلان، ألا تتقي اللَّه، ألا ترى كيف تصلّي، إنكم ترون أني يخفى عليّ شيء مما تصنعون؟ واللَّه إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يديّ".

стр. 5558

وعند ابن خزيمة: "صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر، فلما سلّم نادى رجلًا كان في آخر الصفوف، فقال: يا فلان ألا تتّقي اللَّه، ألا تنظر كيف تصلّي؟ إن أحدكم إذا قام يصلّي إنما يقوم يناجي ربّه، فلينظر كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أراكم؟ إني واللَّه أراكم من خلف ظهري كما أرى من بين يديّ". وفي لفظ: "صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ العصر، فبَصُرَ برجل يصلّي، فقال: يا فلان اتّق اللَّه، أحسن صلاتك، أترون أني لا أراكم؟ إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يديّ، أحسنوا صلاتكم، وأتمّوا ركوعكم وسجودكم". (أَلا) أداة عَرْض، وهو الطلب برفق، أو تحضيض، وهو الطلب بحثّ، وهو المناسب هنا، كما يدلّ عليه السياق (تُحْسِنُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإحسان، وفي بعض النسخ: "ألا تُحَسّن" بالتشديد، من التحسين، يقال: حَسّن الشيءَ: إذا زيّنه، ويقال: أحسنتَ الشيءَ: عرفته، وأتقنته، أفاده في "المصباح"، ونحوه في "مختار الصحاح" (١)، أي ألا تُزَيِّن (صَلَاَتَكَ؟) وتتقنها بإتمام الركوع والسجود والخشوع. قال بعضهم: أصل الهمزة التي للاستفهام التوبيخيّ بمعنى لا ينبغي، دخلت على "لا" النافية، فصار الكلام لا ينبغي أن لا تُحسن صلاتك، ونفي النفي إثبات، فيصير المعنى: ينبغي أن تحسن صلاتك. انتهى. (أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى، كَيْفَ يُصَلِّي؟) أي ينبغي للمصلّي النظر، والمرافى من النظر التفكّر والتأمّل، أي ليفكّر المصلّي في صلاته، ويقارن بين ما يؤدّي، وبين ما ينبغي (فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ) الفاء للتعليل، وفي الكلام مضافٌ محذوفٌ، أي لنفع نفسه، وفائدة نفسه، فإن اللَّه تعالى غنيّ عن الإنسان، وعن عبادته، وما أوجب الصلاة إلا لمثوبة العبد ومجازاته، ومن عَرَفَ أن الفعل لفائدة نفسه أحسن، وأتقن عمله، فليس هناك من هو أحبّ إلى الإنسان من نفسه غالبًا. (إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ) بضم أوله، من الإبصار (مِنْ) بكسر الميم في الموضعين، وهي الجارّة، وفي بعض النسخ بفتحها، وعليه فهي موصولة

стр. 5559

(وَرَائِي) وفي الرواية التالية: "من بعد ظهري" (كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ) قال النوويّ ﵀: قال العلماء: معناه أن اللَّه تعالى خَلَق له ﷺ إدراكًا في قفاه يُبْصِر به مِن ورائه، وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا، وليس يَمنع من هذا عقلٌ ولا شرعٌ، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به. قال القاضي: قال أحمد بن حنبل ﵀، وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقةً. انتهى (١). وقال في "الفتح": وقد اختُلِف في معنى ذلك، فقيل: المراد بها العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يُلْهَم، وفيه نظر؛ لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيِّده بقوله: "من وراء ظهري". وقيل: المراد أنه يَرَى من عن يمينه، ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك بأنه وراء ظهره، وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب. والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقيّ خاصّ به ﷺ انخرقت له فيه العادة، وعلى هذا عَمِلَ البخاريّ ﵀، فقد أخرج هذا الحديث في علامات النبوة، وكذا نُقِل عن الإمام أحمد وغيره. ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى بها من غير مقابلة؛ لأن الحق عند أهل السُنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلًا عضو مخصوص، ولا مقابلة ولا قرب، وإنما تلك أمور عاديةٌ، يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، ولذلك حكموا بجواز رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة، خلافًا لأهل البِدَع؛ لوقوفهم مع العادة. وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من وراءه دائمًا. وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سمّ الخياط يبصر بهما، لا يحجبهما ثوب ولا غيره. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. انتهى (٢).

стр. 5560

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأقوال الثلاثة تحتاج إلى دليل، بل القول الثاني أبشع، لا ينبغي حكايته إلا للتعجّب منه. فالحقّ أن نكل العلم في كيفيّة إبصاره ﷺ إلى العليم الخبير الذي أعطاه تلك المعجزة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: مذهب أهل السنّة من الأشعريّة وغيرهم أن هذا الإبصار يجوز أن يكون إدراكًا خاصًّا بالنبيّ ﷺ محقّقًا، انخرقت له فيه العادة، وخلق له وراءه، أو يكون الإدراك العينيّ انخرقت له العادة، فكان يرى به من غير مقابلة، فإن أهل السنّة لا يشترطون في الرؤية عقلًا بِنْيَةً مخصوصةً، ولا مقابلة، ولا قربًا ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة، وأهل الْبِدَع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عاديّةٌ يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حَكَموا بجواز رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة، مع إحالة تلك الأمور كلّها، ولَمّا ذهب أهلُ الْبِدَع إلى أن تلك الشروط عقليّة استحال عندهم رؤية اللَّه تعالى، فأنكروها، وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون، ويؤيّد هذا قولُ عائشة ﵂ في هذا: "زيادة زاده اللَّه إياها في حجته" (١). وقال بقيّ بن مخلد: كان ﷺ يرى في الظلام كما يرى في الضوء، وقال مجاهد: كان ﷺ يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله ﷺ : "إني لأبصر من ورائي" راجع إلى العلم، وأن معناه: إني لأعلم، وهذا تأويل لا حاجة إليه، بل حَمْلُ ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادةً في كرامات النبيّ ﷺ ، وفي فضائله؛ لأن ذلك جار على أصول أهل الحقّ كما قدّمناه، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).

стр. 5561

قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه القرطبيّ ﵀ من حمل الرؤية على الرؤية الحقيقيّة، كما هو ظاهر النصّ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. ومن غريب ما رأيته ما كتبه صاحب "فتح المنعم" في هذا المحلّ مستنكرًا هذا المعنى الظاهر، ومرجحًا كون الرؤية بمعنى الإحساس والشعور، وأعجب منه تشبيهه بإحساس الأعمى التي يعطيه تعويضًا عما فقده من البصر، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فأيّ بصر فقده النبيّ ﷺ حتى عوّضه اللَّه إحساسًا كالأعمى؟ إن هذا لهو العجب العجاب. والحاصل أنه لا ينبغي الالتفات إلى مثل هذا التأويل المزري على منصب النبيّ ﷺ في تنظيره بالأعمى، وهو ﷺ صرّح تصريحًا لا خفاء فيه ولا لبس بأن اللَّه خصّه، وفضّله بأن أعطاه إبصارًا من وراء ظهره، كما يبصر من أمامه من غير فرق، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال في "الفتح": ظاهر الحديث أن ذلك الإبصار يختص بحالة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك واقعًا في جميع أحواله، وقد نُقِل ذلك عن مجاهد، وحَكَى بَقِيّ بن مَخْلَد أنه ﷺ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: في كون الإبصار خاصًّا بالصلاة مما يدلّ عليه ظاهر الحديث عندي نظر، بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، فالأولى حمله على العموم، كما نُقل عن مجاهد ﵀، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٩٦٢ و ٩٦٣] (٤٢٣ و ٤٢٤)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤١٨) و"الأذان" (٧٤١)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١١٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٤ و ٣٦٥ و ٣٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٣٧ و ٦٣٣٨)، و (عليّ بن الجعد) في

стр. 5562

"مسنده" (٢٨٩٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٦١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٠ و ٩٥١)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٧٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧١٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه الأمرَ بإحسان الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها، ومستحبّاتها، والحثَّ على الخشوع فيها. ورَوَى البيهقيّ بإسناد صحيح عن مجاهد، قال: كان ابن الزبير ﵄ إذا قام في الصلاة كأنه عُود، وحدَّث أن أبا بكر الصديق ﵁ كان كذلك، قال: وكان يقال: ذاك الخشوع في الصلاة. قال في "الفتح": واستُدِلّ بحديث الباب على أنه لا يجب؛ إذ لم يأمرهم ﷺ بالإعادة، وفيه نظرٌ. نعم في حديث أبي هريرة من وجه آخر عند مسلم -يعني هذا الحديث-: "صلى رسول اللَّه ﷺ يومًا ثم انصرف، فقال: يا فلان ألا تحسن صلاتك"، وله في رواية أخرى: "أتموا الركوع والسجود"، وفي أخرى: "أقيموا الصفوف"، وفي أخرى: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود"، وعند أحمد: "صلى بنا الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجلٌ، فأساء الصلاة"، وعنده من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ "أن بعض الصحابة تعمّد المسابقة؛ لينظر هل يعلم به رسول اللَّه ﷺ أو لا؟ فلما قضى الصلاة نهاه عن ذلك"، واختلاف هذه الأسباب يدل على أن جميع ذلك صدر من جماعة في صلاة واحدة، أو في صلوات. وقد حَكَى النوويّ الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب، ولا يَرِد عليه قول القاضي حسين: إن مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حدّ يَذْهَب معه الخشوع أبطلت الصلاة، وقاله أيضًا أبو زيد المروزيّ؛ لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق، أو المراد بالإجماع أنه لم يُصَرِّح أحد بوجوبه، وكلاهما في أمر يحصل من مجموع المدافعة وترك الخشوع. وفيه تعقب على من نسب إلى القاضي وأبي زيد أنهما قالا: إن الخشوع شرط في صحة الصلاة، وقد حكاه المحب الطبريّ، وقال: هو محمول على

стр. 5563

أن يحصل في الصلاة في الجملة، لا في جميعها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضًا. وأما قول ابن بطال: فإن قال قائل: فإن الخشوع فرض في الصلاة. قيل له: بحسب الإنسان أن يُقْبِل على صلاته بقلبه ونيته، يريد بذلك وجه اللَّه ، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر، فحاصل كلامه أن القدر المذكور هو الذي يجب من الخشوع، وما زاد على ذلك فلا. وأنكر ابن الْمُنَيِّر إطلاق الفرضية، وقال: الصواب أن عدم الخشوع تابع لما يظهر عنه من الآثار، وهو أمر متفاوت، فإن أَثَّر نقصًا في الواجبات كان حرامًا، وكان الخشوع واجبًا، وإلا فلا. انتهى (١). ٢ - (ومنها): جواز الحلف باللَّه تعالى من غير ضرورة، لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر، وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه، وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يُحْمَل ما جاء في الأحاديث من الحلف، قاله النوويّ ﵀ (٢). ٣ - (ومنها): إثبات معجزة باهرة للنبيّ ﷺ ، حيث جعله اللَّه تعالى يرى من خلفه كما يرى من أمامه، قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة": أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى وَرَاءَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا وهذه الرؤية كما أسلفنا على ظاهرها، وأن اللَّه تعالى جعله يُبصر من وراء ظهره، كما يُبصر من أمامه. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يُنَبِّه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة، ولا سيما إن رأى منهم ما يخالف الأَوْلى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٣] (٤٢٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا

стр. 5564

هُنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ، وَلَا سُجُودُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي (١) "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. وقتيبة تقدّم في الباب الماضي، ومالك قبل باب. وقوله: ("هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا) الإشارة إلى القبلة، أي هل ترون توجّهي إلى جهة القبلة، فتظنّون أني أرى ما في المواجهة فقط؟، والاستفهام إنكاريّ لما يلزم منه، أي أنتم تظنون أني لا أرى فعلكم؛ لكون قبلتي في هذه الجهة؛ لأن من استقبل شيئًا استدبر ما وراءه، فلا ينبغي لكم أن تظنّوا هذا؛ فإن رؤيتي ليست قاصرة في جهة قبلتي، بل أراكم من وراء ظهري، كما أراكم من أمامي. وقوله: (فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ، وَلَا سُجُودُكُمْ) وفي رواية البخاريّ: "فَوَاللَّه ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم"، قال في "الفتح": أي في جميع الأركان، ويَحْتَمِل أن يريد به السجود؛ لأن فيه غاية الخشوع، وقد صَرَّح بالسجود في رواية لمسلم، يعني هذه الرواية. وقوله: (إِنِّي لَأَرَاكُمْ) بفتح الهمزة. وقوله: (وَرَاءَ ظَهْرِي) وفي نسخة: "من وراء ظهري" بزيادة "من". والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 5565

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٤] (٤٢٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي -وَرُبَّمَا قَالَ-: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي، إِذَا رَكعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بُنْدار تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا أيضًا. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبتٌ يُدلّس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع. ٥ - (ومنها): أن شيخيه كانا كفرسي رهان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة، سنة (٢٥٢) ومن المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. ٦ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ ممن لازم النبيّ ﷺ ، وخدمه عشر سين، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5566

شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) أي أكملوهما بمراعاة الطمأنينة والاعتدال، وفي رواية النسائيّ: "أتمّوا" بدل "أقيموا"، والإقامة هنا بمعنى الإحسان المتقدّم في قوله: "ألا تُحسن صلاتك" (فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي) أي بعد ظهري، كما أشار إليه بقوله: (وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي) تقدّم الكلام على معنى هذه الجملة في حديث أبي هريرة ﵁. قال في "الفتح": وأغرب الداوديّ الشارح، فحَمَل البعدية هنا على ما بعد الوفاة، يعني أن أعمال الأمة تُعْرَض عليه، وكأنه لم يتأمل سياق حديث أبي هريرة ﵁ حيث بَيَّنَ فيه سبب هذه المقالة، وحديثه وحديث أنس ﵁ في قضية واحدة، وهو مقتضى صنيع الشيخين في إيرادهما الحديثين في هذا الباب. [فإن قيل]: ما الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم، دون تحذيرهم برؤية اللَّه تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبيّن في سؤال جبريل ﵇، كما تقدم في "كتاب الإيمان": "اعبُدِ اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؟. [أجيب]: بأن في التعليل برؤيته ﷺ لهم تنبيهًا على رؤية اللَّه تعالى لهم، فإنهم إذا أحسنوا الصلاة؛ لكون النبيّ ﷺ يراهم أيقظهم ذلك إلى مراقبة اللَّه تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له ﷺ بذلك، ولكونه يُبْعَث شهيدًا عليهم يوم القيامة، فإذا عَلِمُوا أنه يراهم، تحفظوا في عبادتهم؛ ليشهد لهم بحسن عبادتهم، أفاده في "الفتح" (١). وقوله: (إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ") ظرف لـ "أراكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 5567

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٩٦٤ و ٩٦٥] (٤٢٥)، و (البخاريّ) في (٧٤٢)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١٠٥٤ و ١١١٧) و"الكبرى" (٦٤١ و ٧٠٤ و ١٣٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١١٣ و ١٣٠ و ١٧٠ و ١٧٧ و ٢٦٩ و ٢٧٤)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١١٧٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧١٥ و ١٧١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٢ و ٩٥٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ -يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي، إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ"، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: "إِذَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا سَجَدْتُمْ (١) "). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستَوَائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٥ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،

стр. 5568

ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، كسابقه. وقوله: (إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ) "ما" بعد "إذا" زائدة، كما تبيّن من الرواية التالية. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٦] (٤٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.

стр. 5569

٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث البصريّ، ثقةٌ له أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٣٥٨. ٥ - (أَنَس) بن مالك ﵁، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، كما سبق قريبًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيّام (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي أدّاها، وسلّم منها (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة، أي ومُهمّة الإمام أن يؤتمّ، ويُقتدى به، على وجه المتابعة. وقال السنديّ ﵀: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إمامًا، فيعمّ كلَّ إمام، لا لكونه نبيًّا؛ ليختصّ به. انتهى. (فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَسْبِقُونِي) أصله تسبقونني، فحُذفت نون الرفع للجازم، والنون الموجودة هي نون الوقاية، كما قال في "الخلاصة": وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ (بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ) المراد بالانصراف هنا هو السلام، وقيل: هو الانصراف بعد السلام، والأول أرجح، بدليل أنه ذكره مع الركوع والسجود والقيام، وأيضًا قوله: "فإني أراكم من وراء ظهري" يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي المبادرة الواقعة في الصلاة قبل توجّهه إليه. وأما الانصراف الذي يكون بعد السلام، فيجوز قبل الإمام، إلا إذا كان

стр. 5570

هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينصرفن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال. وقد أخرج الطبرانيّ في "المعجم الكبير" بإسناد رجاله ثقات، عن أبي الأحوص، أن ابن مسعود ﵁ قال: "إذا كنت خلف الإمام، فلا تركع حتى يركع، ولا تسجد حتى يسجد، ولا ترفع رأسك قبله، وإذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعْهُ، فقد تمّت صلاتك". انتهى (١). وقد استوفيت هذا البحث في "شرح النسائيّ" في باب "جلسة الإمام بين التسليم والانصراف" (٧٧/ ١٣٣٣) فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال القرطبيّ ﵀: وأما نهيه ﷺ عن سبقهم إياه بالانصراف، فقد ذهب الحسن والزهريّ إلى أن حقّ المأموم أن لا ينصرف حتى ينصرف الإمام؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تمّ بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبيّ ﷺ ، وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، فإنه قد يَحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين، ومراعاة المصالح والآراء، واللَّه أعلم. ويَحْتَمِل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم، فإنه يقال: انصرف من الصلاة، أي سلَّم منها، واللَّه أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمله على التسليم هو الظاهر؛ لما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي) وفي رواية النسائيّ: "من أمامي" (وَمِنْ خَلْفِي") أي رؤية حقيقيّةً، أعطاه اللَّه تعالى إياها آية بيّنة على نبوّته، وقد تقدّم أقوال العلماء في معنى هذه الرؤية في الباب الماضي، فراجعه. وقال ابن الملك ﵀: إنما ذكر النبيّ ﷺ الأَمَامَ مع الخلف؛ إشارةً إلى
следующие страницы →